سامراء عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين‏ - ج1

- أحمد عبد الباقي المزيد...
583 /
305

و كان المنتصر باللّه، رغم تظاهره بحب اخويه و التودد لهما، يحقد عليهما لأن اباه كان يحسن معاملتهما و يفضلهما عليه و بخاصة المعتز، و لذلك فقد استجاب للطلب. و امر بالطلب الى اخويه ان يخلعا نفسيهما من ولاية العهد. فوافق المؤيد و تردد المعتز غاضبا، الا ان اخاه استطاع ان يقنعه حينما وضعه امام امر لا مفر منه، اذ قال له «هذا الامر قتل اباك فليته لا يقتلك، اخلعه ويلك، فواللّه لئن كان في سابق علم اللّه ان تلى لتلين» (26).

فاجاب بالموافقة ايضا. و كتب كل منهما كتابا يخلع فيه نفسه من ولاية العهد و يحل الناس منها، بموجب صيغة املاها عليهما كاتب الخليفة.

و لما دخل الاخوان على اخيهما الخليفة ليعلماه بموافقتهما على التنازل عن ولاية العهد رحب بهما و اظهر لهما انه قام بذلك حرصا على حياتهما و ليس طمعا في نقل ولاية العهد الى ابنه، اذ قال «أترياني خلعتكما طمعا في ان اعيش حتى يكبر ولدى و ابايع له، و اللّه ما طمعت في ذلك ساعة قط، و اذا لم يكن في ذلك طمع، فواللّه لان يليها بنو ابي احب الي من ان يليها بنو عمي، و لكن هؤلاء- و اومأ الى سائر الموالي ممن هو قائم و قاعد- الحوا عليّ في خلعكما، فخفت ان لم افعل ان يعترضكما بعضهم بحديدة، فيأتى عليكما. فما ترياني صانعا، أقتله؟ فواللّه ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم، فكانت اجابتهم الى ما سألوا اسهل عليّ» (27).

____________

(26) الطبري 9/ 245.

(27) الطبري 9/ 245- 246.

306

و عند ما حضرا للتنازل، كان اعوان المنتصر باللّه قد احضروا الامراء من بني هاشم، و كبار القواد، و رؤوساء الدواوين، و القضاة، و صاحب الشرطة، و وجوه الحرس و غيرهم، ليشهدوا خلع المعتز و المؤيد نفسيهما. و كانت صيغة الكتاب بالتنازل الذي املي عليهما هي‏ (28) «بسم اللّه الرحمن الرحيم: ان امير المؤمنين المتوكل على اللّه رضى اللّه عنه قلدني هذا الأمر و بايع لي و انا صغير من غير ارادتي و محبتي، فلما فهمت امورى علمت أنى لا اقوم بما قلدني، و لا اصلح لخلافة المسلمين. فمن كانت بيعتي في عنقه فهو من نقضها في حلّ، و قد احللتكم منها، و ابرأتكم من ايمانكم، و لا عهد لي في رقابكم، و انتم براء من ذلك».

و قرأ الرقاع الوزير احمد بن الخصيب. ثم قام كل واحد منهما و قال للحاضرين: هذه رقعتي، و هذا قولي، فأشهدوا عليّ، و قد ابرأتكم من ايمانكم و حللتكم منها (29).

و أمر الخليفة ان يكتب الى خليفته ببغداد محمد بن عبد الله بن طاهر يعلمه بتنازل اخويه عن ولاية العهد التي عقدها ابوهما لهما من بعده، و امره ان يكتب بذلك الى جميع العمال و يوعز اليهم بالعمل بموجبه، و هو كتاب مطول جاء فيه‏ (30) «اما بعد ..

و قد علمت ما حضرت من رفع ابي عبد اللّه و ابراهيم ابنى امير المؤمنين المتوكل على الله الى امير المؤمنين رقعتين بخطوطهما، يذكران ان فيهما ... انهما قد خلعا انفسهما من ولاية العهد و خرجا منها، و جعلا كل من لهما عليه بيعة و يمين ... في حل‏

____________

(28) نفس المصدر/ 246.

(29) نفس المصدر/ 246- 247.

(30) نفس المصدر/ 247- 250.

307

وسعة من بيعتهم و ايمانهم، ليخلفوهما كما خلعا انفسهما ..

و يسألان امير المؤمنين ان يظهر ما فعلاه و ينشره .. و ان امير المؤمنين وقف على صدقهما فيما ذكرا و رفعا .. و رأى امير المؤمنين ان يجمع في اجابتهما الى نشر ما فعلاه و اظهاره .. و أمر أمير المؤمنين بانشاء الكتب بذلك الى جميع العمال ليتقدموا في العمل بحسب ما فيها، و يخلعوا ابا عبد اللّه و ابراهيم من ولاية العهد .. فاعلم ذلك و اكتب الى عمالك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا اليك و اوعز اليهم في العمل على حسبه».

و من الواضح ان عهد التنازل و كتاب الخليفة قد أعدا بصيغة شملت تنازلهما عن ولاية العهد و ما كان ترتب لهما من حقوق و امتيازات بموجبها. و قد صيغا بلغة متينة واضحة لا تخلو من تكرار و تأكيد النقاط المهمة، و تتضمن من المواثيق ما يؤمن الغاية منها. كما تضمن الكتاب تأكيدا على سلطة الخليفة المطلقة. و بتنازل ابنى المتوكل على الله عن حقوقهما في ولاية العهد حقق القواد الاتراك مكسبا جديدا في السيطرة على شؤون الخلافة. و كما استطاعوا التخلص من المتوكل على الله استطاعوا ازاحة من لا يرغبون به من ابنائه عن ولاية العهد. و بذلك ضمنوا سيطرتهم على تعيين الخليفة الذي سيعقب المنتصر باللّه عند وفاته.

4- وفاة المنتصر باللّه:

هناك عدة روايات قيلت عن سبب وفاة الخليفة المنتصر باللّه، يستنتج منها ان وفاته لم تكن طبيعية. فقد قال بعضهم انه‏

308

اصابته الذبحة في حلقه‏ (31). و قيل ان علته كانت من ورم في معدته ثم تصعد الى فؤاده فمات‏ (32). و قال آخرون انه وجد حرارة فدعا ببعض من يتطبب له و امره بفصده، ففصده بمبضع مسموم فكانت فيه منيته‏ (33). و ذكر انه وجد علة في رأسه فقطر طبيبه ابن الطيفوري دهنا في اذنه فورم رأسه، و عوجل فمات‏ (34). كما ذكر سبب آخر لموته هو ان المنتصر باللّه ضربته الريح، فقد لعب كرة الصولجان و انصرف من الميدان و هو عرق فدخل الحمام، و لما خرج منه نام في البادهنج فضربه الهواء و ركبته حمى عالية. و لما عاتبه وزيره ابن الخصيب على ذلك، اجابه بالا يخاف عليه من الموت، لأنه رأى في منامه امس من اخبره بأنه سيعيش خمسا و عشرين سنة، و ذلك يعني انه سيبقى في الخلافة هذه المدة (35). و يبدو انه فسر حلمه كما كان يحلو له و يتمناه.

غير ان الطبري يذكر هذا الحلم بشكل آخر خلاصته ان المنتصر باللّه رأى في منامه أنه صعد درجا حتى انتهى الى خمس و عشرين مرقاة منه، فقيل له: قف فهذا آخر عمرك‏ (36).

على ان رواية موته بالسم يؤكدها اكثر من ذكروا اسباب وفاته من المؤرخين‏ (37). و هم يعزون ذلك الى القواد الاتراك‏

____________

(31) الطبري 9/ 251، و تاريخ بغداد 2/ 121، و تجارب الامم 6/ 560، و تاريخ الاسلام 1/ 109 و فيه انه مات بالخوانيق.

(32 و 33) نفس المصادر.

(34) الطبري 9/ 252، و تجارب الامم 6/ 561، و الكامل 7/ 114.

(35) مروج الذهب 4/ 133. و البادهنج هو المنفذ الذي يدخل منه الهواء الى الغرفة.

(36) الطبري 9/ 253.

(37) الطبري 9/ 252، و مروج الذهب 4/ 134، و تجارب الامم 6/ 560، و تاريخ بغداد 2/ 121، و الكامل 7/ 115.

309

الذين اخذوا يتوجسون منه. و يظهر ان المنتصر باللّه اخذ يشعر بالندم و تأنيب الضمير لمساهمته في مؤامرة قتل ابيه. لا سيما و ان الأمر انتشر بين الناس عامتهم و خاصتهم بأنه قاتل ابيه، و ان مدة حياته لا تطول اكثر من ستة اشهر بعد ابيه، و هي المدة التي عاشها شيرويه الفارسي قاتل ابيه. و هناك قصة تروى عن بساط كان مفروشا في احد الأروقة في القصر، و عليه صورة فرس عليه راكب و على رأسه تاج، و حول الصورة كتابة بالفارسية، لفتت نظر المنتصر باللّه، فترجمت له. فاذا هي صورة شيرويه قاتل ابيه ابرويز الملك و انه عاش بعده ستة اشهر، فلما سمع ذلك تغير وجهه و قام من مجلسه‏ (38). و يظهر من رواية المسعودي للخبر ان البساط المذكور كان تحت المتوكل على اللّه ليلة اغتياله، و عليه آثار من الدماء (39). و لعل ذلك كان مبعث تشاؤم المنتصر باللّه و تغير وجهه.

لا شك في ان الشعور بالذنب او الندم هو ضريبة الجريمة.

و كلما اعتقد المجرم بعظم جرمه و فداحة ما ارتكبه من اثم ازداد هذا الشعور، فيعيش صاحبه في جو خانق من الخوف و القلق، مما يسبب له آلاما نفسية مبرحة، و توترا عصبيا مستمرا. و قد كثرت نتيجة لوضع المنتصر باللّه النفسي احلامه التي كانت انعكاسا لشعوره بالأثم و ندمه على فعلته. و كان لهذا الوضع النفسي السى‏ء الذى صار اليه المنتصر باللّه رد فعل شديد تمثل بحنقه الزائد على القواد الاتراك و بخاصة اولئك الذين قتلوا اباه.

____________

(38) تفصيل قصة البساط في: مروج الذهب 4/ 130- 131، و نشوار المحاضرة 5/ 183- 184 و فيه ان صاحب الصورة هو شيرويه بن كسرى هرمز.

(39) مروج الذهب 4/ 131.

310

فلما شعر اولئك القواد بتغير شعور المنتصر باللّه تجاههم اخذوا يتحينون الفرصة للتنكيل به و التخلص منه قبل ان يبيدهم.

فجعلوا لخادم له ثلاثين الف دينار على ان يحتال في سمه، و جعلوا لأبن طيفور الطبيب الذي كان يشرف على شؤون الخليفة الصحية، جملة من المال للغرض نفسه‏ (40). فاتفق الطبيب و الخادم على ان يدسوا له السم في كمثراة ناضجة قدمت للمنتصر باللّه، اذ كان يحب الكمثرى و يكثر من اكلها اذا قدمت له مع الفاكهة.

فلما اكلها وجد حرارة فعالجه ابن طيفور بالحجامة و الفصد، و كانت الاتهما مسمومة فكان في ذلك موته‏ (41). و يقال ان ابن طيفور القى المبضع المسموم بين مباضعه الاخرى، ثم انه بعد مدة وجد حرارة فدعا تلميذا له ليفصده، فنظر في المباضع فلم يجد أحد من ذلك المبضع و لا اجود، ففصده به فمات‏ (42).

و يرجح ان في هذا الخبر مبالغة لأن المبضع المسموم قد نفذ سمه باستخدامه في المرة الاولى، و قد يكون هذا القسم من رواية سم المنتصر باللّه بالفصد، قد اضيف بغرض التأكيد على ان المبضع الذي استخدم في فصده كان مسموما.

ان تعدد الاسباب التي ذكرت لموت المنتصر باللّه، يبدو و كأنها اشيعت للتغطية على سبب موته الحقيقي. و هو ان الطبيب المتوطى‏ء مع القواد الأتراك قد سمه بالسم المعروف آنذاك و هو الزرنيخ. و كان قد استغل اصابته بالبرد الشديد- و ربما كان‏

____________

(40) الطبري 9/ 252- 253، و فوات الوفيات 2/ 372، و تاريخ الاسلام 1/ 109. و في المصدرين الاخيرين ان الاتراك جعلوا للطبيب ثلاثين الف دينار.

(41) الطبري 9/ 253، و الكامل 7/ 114، و شذرات الذهب 2/ 119.

(42) الطبري 9/ 253، و تجارب الامم 6/ 560- 561، و الكامل 7/ 114.

311

قد اصيب بذات الرئة- و بقاءه في الفراش قرابة عشرة ايام، فاخذ يعطيه جرعات منه يوميا مع الدواء الذي كان يسقيه اياه.

و لما قارب جسم المنتصر باللّه ان يستوفي من كمية الزرنيخ ما يكفي لقتله اظهر الطبيب ان ما وضعه من السم في الكمثرى سيؤدي الى موته.

اما تاريخ وفاته فتكاد تتفق المصادر على انه توفى يوم الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر سنة 248 ه (43). و كانت وفاته بالقصر المحدث بسامرا (44). و يقال انه لما حضرته الوفاة قال: (45)

فما فرحت نفسي بدنيا أخذتها* * * و لكن الى الرب الكريم أصير

و جاء ذلك في فوات الوفيات كما يأتي: (46).

فما متعت نفسي بدنيا احبتها* * * و لكن الى الرب الكريم اصير

و ما كان ما قدمته رأى فلتة* * * و لكن بفتياها اشار مشير

و هو يشير بهذا الى ندمه و طلبه المغفرة، و الى الفتوى التي حصل عليها من بعض الفقهاء عند ما استفتاهم في قتل ابيه من غير

____________

(43) الطبري 9/ 251، و مروج الذهب 4/ 144، و تاريخ بغداد 2/ 121، و الكامل 7/ 114 و تاريخ اليعقوبي 2/ 483 و فيه انه توفي يوم السبت لاربع خلون من ربيع الآخر.

(44) الطبري 9/ 254.

(45) نفس المصدر/ 251.

(46) فوات الوفيات 2/ 373.

312

ان يسميه، و حكى عنه امورا قبيحة (47). لم تفصح عنها المصادر التي اطلعنا عليها.

و قد اختلف المؤرخون في مقدار عمر المنتصر باللّه عند وفاته. فان كلا من الطبري و اليعقوبي و الخطيب البغدادي و مسكويه و المسعودي و ابن الأثير يرون انه توفى و عمره خمس و عشرون سنة و ستة اشهر (48). الا ان الطبري و الخطيب البغدادي يستدركان و يقولان: بل كان عمره اربعا و عشرين سنة (49). كما ان المسعودي يذكر في كتابه التنبيه و الاشراف انه توفى و عمره ثمان و عشرون سنة (50). و يقول ابن عبد ربه ان عمره كان ستا و عشرون سنة الا ثلاثة اشهر (51). اما الذهبي فيرى انه توفى و عمره ست و عشرون سنة (52).

و يعود سبب الاختلاف في مقدار عمر المنتصر باللّه الى عدم التثبت من تاريخ ميلاده. فان الخطيب يقول ان مولده كان في ربيع الآخر من سنة 222 ه (53). بينما يرى ابن عبد ربه انه ولد في ربيع الاول من السنة المذكورة (54). اما صاحب خلاصة الذهب المسبوك فيقول انه ولد في سنة 224 ه (55).

____________

(47) الطبري 9/ 252، و تجارب الامم 6/ 561.

(48) الطبري 9/ 253، و تاريخ اليعقوبي 2/ 493، و تاريخ بغداد 2/ 119، و تجارب الامم 6/ 561، و مروج الذهب 4/ 129، و الكامل 7/ 115.

(49) الطبري 9/ 253، و تاريخ بغداد 2/ 120.

(50) التنبيه و الاشراف/ 314.

(51) العقد الفريد 5/ 123.

(52) العبر 1/ 453.

(53) تاريخ بغداد 2/ 119.

(54) خلاصة الذهب المسبوك/ 227.

(55) العقد الفريد 5/ 123.

313

و رزق المنتصر باللّه من الولد عليا و عبد الوهاب و عبد اللّه و احمد (56). و كانت مدة خلافته ستة اشهر (57). و قد صلى عليه عند دفنه احمد بن محمد بن المعتصم باللّه الذي تولى الخلافة بعده و لقب بالمستعين باللّه. و دفن بسامرا بقبر ظاهر مشهود كما سبق ان اشرنا (58) و كانت ولادته بسامرا كذلك‏ (59).

5- المنتصر باللّه و الاحلام:

مما يلفت النظر في مدة خلافة المنتصر باللّه كثرة الأحلام التي رآها هو بنفسه و رواها لحاشيته و المقربين اليه، و التي رآها اشخاص آخرون، و بعضهم مما كانت له علاقة بهم. و كلها تدور حول عمره و مدة خلافته. اذ بالاضافة الى الحلم الذي سبق ان ذكرناه، فان المنتصر باللّه انتبه ذات يوم من نومه و هو يبكي و ينتحب. فسأله نديمه و صاحبه عبد اللّه بن البازيار عما يبكيه، فقال: رأيت في نومي كأن المتوكل على الله قد جاءني و قال لي و يلك يا محمد قتلتني و ظلمتني و غبنتني في خلافتي، و الله لا تمتعت بها الا اياما يسيرة، ثم مصيرك الى النار. فانتبهت مذعورا لا املك عيني و لا جزعي. فقال له ابن البازيار مخففا عنه: هذه رؤيا و هي تصدق و تكذب، بل يعمرك الله و يسرك، ادع بالنبيذ و خذ في اللهو و لا تعبأ بها (60).

____________

(56) العقد الفريد 5/ 123.

(57) الطبري 9/ 253- 254، و تاريخ اليعقوبي 2/ 493، و مروج الذهب 4/ 129 و تجارب الامم 6/ 561.

(58) الطبري 9/ 254، و مروج الذهب 4/ 134، و تجارب الامم 6/ 561، و الكامل 7/ 11.

(59) الطبري 9/ 253، و الكامل 7/ 115، و خلاصة الذهب المسبوك/ 227.

(60) الطبري 9/ 252، و الكامل 7/ 115.

314

و ذكر عن احمد بن صالح صاحب المصلى انه قال: كان لابي مؤذن فرآه بعض اهلنا في المنام كأنه أذن أذانا لبعض الصلوات، ثم دنا من بيت فيه المنتصر باللّه فنادى يا محمد ان ربك لبالمرصاد (61). و قال عبد الملك بن سليمان بن ابي جعفر: رأيت في منامي المتوكل على الله و الفتح بن خاقان و قد احاطت بهما نار، و قد جاء المنتصر باللّه فاستأذن عليهما، فمنع من الوصول اليهما، ثم اقبل المتوكل على الله عليّ فقال لي يا عبد الملك قل لمحمد بالكأس الذي سقيتنا تشرب، فلما اصبحت غدوت على المنتصر بالله فوجوته محموما، فواظبت على عيادته فمات من ذلك المرض، و سمعته يقول في مرضه عجلنا فعوجلنا (62).

و كان وزير المنتصر احمد بن الخصيب غضب على احد عماله و قرر ان يصادره، فعلم ابن ذلك العامل ما ازمع عليه الوزير، فاراد ان يخبر اباه بذلك ليتخذ الحيطة. فزاره بعض كتاب الديوان و جلس عنده. يقول ابن العامل: و شغلت عن جليسي فاتكأ على الوسادة و غفا، ثم انتبه مرعوبا و قال انه رأى رؤيا عجيبه، فقد رأى الوزير ابن الخصيب واقفا يقول: يموت الخليفة المنتصر باللّه الى ثلاثة ايام. فقلت له: ان الخليفة في الميدان يلعب بالصولجان و هذه الرؤيا ضرب من الأوهام. فما استتما كلامهما حتى دخل عليهما داخل يقول: ان الخليفة انصرف من الميدان و هو عرق فدخل الحمام و نام في البادهنج فضربه الهواء، و ركبته حمى هائلة (63).

____________

(61) الطبري 9/ 255.

(62) مروج الذهب 4/ 134.

(63) نفس المصدر/ 133.

315

و يقال ان احد الكتاب رأى في المنام في الليلة التي استخلف فيها المنتصر باللّه كأن قائلا يقول‏ (64):

هذا الامام المنتصر* * * و الملك الحادي عشر

فأمره اذا أمر* * * كالسيف ما لاقى بتر

و طرفه اذا نظر* * * كالدهر في خير و شر

لا غرابة في حدوث الأحلام التي أشرنا اليها اذا ما نظرنا اليها على ضوء علم النفس الحديث. فأن الأفكار و الذكريات المؤلمة التي لا يقوى الانسان على تحملها، اما لتألمه منها او لنفرته عنها، تتجمع بتأثير قوة نفسية خفية في غياهب لا شعوره، و ذلك ما يدعى بالكبت. و ان بعض الرغبات و الأماني التي يعلل الفرد بها نفسه و يتمناها في يقظته، ثم يكبتها لسبب ما، فان الأحلام تتولى غالبا تحقيقها بالتعبير عنها بشكل صريح مكشوف، او بصورة رمزية مقنعة تحتاج الى التفسير و التأويل. و هناك نوع من الاحلام ينبى‏ء عن حوادث مقبلة. و تقوم مثل هذه الاحلام على توقع الشخص لا شعوريا بحدوث امر معين، فيظهر له في الحلم ما توقعه.

اما مجتمع سامرا الذي هزته حادثة اشتراك المنتصر باللّه في مؤامرة اغتيال ابيه، و توليه الخلافة بعده، ثم شيوع قصة البساط و صورة الملك قاتل ابيه و موته بعده بستة اشهر، فقد شغلته هذه الأفكار. يقول الطبري «و لم ازل اسمع الناس حين‏

____________

(64) نفس المصدر/ 137.

316

افضت اليه الخلافة من لدن ولي الى ان مات يقولون: انما مدة حياته ستة اشهر، مدة شيرويه: بن كسرى قاتل ابيه، مستفيضا ذلك على السن العامة و الخاصة» (65). بحيث كان الناس يلهجون بذلك في مجالسهم و هم يتوقعون او يتمنون للمنتصر باللّه ما اصاب شيرويه من قصر عمره و عدم تمتعه بالملك بعد ابيه، فكانوا يترقبون موته قريبا.

و بالنظر لفداحة الجرم الذي ارتكبه المنتصر باللّه بحق ابيه، فان الناس كانوا يعتقدون ان اللّه تعالى له بالمرصاد، و ان مصيره سيكون الى النار. فكانت الاحلام التي رآها بعضهم هي انعكاسات لهذه الخواطر و الافكار و التمنيات التي يحاولون جهدهم ان يكبتوها خوفا من السلطة.

____________

(65) الطبري 9/ 252.

317

الفصل السادس المستعين باللّه ابو العباس احمد بن محمد بن المعتصم باللّه‏

1- مبايعته:

بعد ان ارغم المنتصر بالله اخويه على التنازل عن ولاية العهد حاول القواد الاتراك ان يقنعوه بان يعهد الى ابنه عبد الوهاب. الا انه لم تتح له الفرصة ليعهد الى احد من بعده اذ ادركته المنية بعد فترة وجيزة من تنازل اخويه‏ (1). و عند وفاة المنتصر باللّه اجتمع كبار القواد الاتراك: بغا الكبير و بغا الصغير و اوتامش و عدد من رجال الدولة و على رأسهم احمد بن الخصيب وزير الخليفة المتوفى، في القصر الهاروني لاختيار خليفة. فاستحلف القواد الحاضرون من الاتراك و المغاربة على ان يرضوا بمن يرضى به بغا الكبير و بغا

____________

(1) تنازل المعتز و المؤيد لسبع بقين من صفر سنة 248، و مات المنتصر لاربع خلون من ربيع الآخر- اي بعد اربعين يوما. الطبري 9/ 246 و 251 على التوالي.

318

الصغير و اوتامش‏ (2). و كان ذلك بتدبير من الوزير لتأمين استمرار السلطة بيد قتلة المتوكل على اللّه. و قد حرص هؤلاء على ان لا يتولى الخلافة احد ابنائه. فاشار احمد بن الخصيب على القواد الثلاثة بان يبايعوا ابا العباس احمد بن محمد بن المعتصم باللّه‏ (3). فلما حضر ليبايعوه، قال: استعين باللّه، فلقب بعد مبايعته بالمستعين بالله‏ (4). و قد برروا اختياره بانهم حرصوا على ان لا تخرج الخلافة من ولد مولاهم المعتصم بالله‏ (5). و كانت تلك هي البيعة الخاصة للمستعين باللّه.

و لما حضر المستعين باللّه صباح اليوم التالي دار العامة، و قد لبس زي الخلافة لمبايعته البيعة العامة، حضر القواد و كثير من بني العباس و الطالبيين و غيرهم. و يظهر ان اختيار ابي العباس لقي معارضة من بعض القواد فحرضوا عددا من الجند و الفرسان فجاءوا الى الدار ليبدوا معارضتهم و تبعهم كثير من العامة، فشهروا السلاح و نادوا بمبايعة المعتز بالله، فشد عليهم المغاربة و الاشروسنية الذين بايعوا المستعين بالله، و تمكنوا بواسطة بغا الصغير و جماعته من الأتراك من القضاء على هذه الحركة التي استمرت ثلاثة ايام و وقع فيها قتلى من الطرفين. و كان الموالون للمستعين بالله قد اخذوا له البيعة ممن حضروا الدار في ذلك اليوم‏ (6). و يقول‏

____________

(2) الطبري 9/ 256.

(3) الطبري 9/ 256، و تاريخ اليعقوبي 8/ 494 و النبراس/ 86 و جاء فيه ان احمد هو ابن محمد المعتصم بالله، و هو و اهم في ذلك.

(4) تاريخ بغداد 5/ 84، و خلاصة الذهب المسبوك/ 228.

(5) الطبري 9/ 256.

(6) نفس المصدر/ 257.

319

اليعقوبي «و فرق المستعين في الناس اموالا كثيرة، و استقامت اموره» (7).

2- صفاته و سيرته:

ولد المستعين باللّه يوم الثلاثاء السابع من رجب سنة 221 ه (8)، و امه جارية صقليية اسمها مخارق‏ (9). و كان المستعين باللّه اطلق يدها و لم يمنعها من شي‏ء تريده، فكانت شديدة الاسراف، تحتجز أكثر الاموال التي تحمل الى بيت المال، و قد وجد في خزائنها عند ما خلع الاتراك ابنها ما قيمته الف الف دينار (10).

و عاشت بعد قتل ابنها مدة.

اما صفات المستعين باللّه الجسمية فقد كان ربعة خفيف العارضين، حسن الوجه، و بوجهه أثر جدري، يلثغ في السين نحو التاء (11).

و يضيف المسعودي انه كان مسمنا اسود اللحية (12). اما عن سلوكه و سياسته فقد تفاوتت فيهما اراء المؤرخين، اذ وصفه المسعودي بانه كان شديد الخوف على نفسه فاداه خوفه و قلة أمنه الى الهرب من دار ملكه فاديرت الأمور عنه‏ (13). الا انه قال عنه في مكان آخر انه كان حسن المعرفة بأيام الناس و اخبارهم لهجا باخبار الماضين‏ (14).

____________

(7) تاريخ اليعقوبي 2/ 494.

(8) خلاصة الذهب المسبوك/ 228، و تاريخ الخلفاء/ 358.

(9) مروج الذهب 4/ 144، و تاريخ بغداد 5/ 84.

(10) الذخائر و التحف/ 238.

(11) تاريخ بغداد 5/ 85، و شذرات الذهب 2/ 126، و خلاصة الذهب المسبوك/ 228، و تاريخ الخلفاء/ 358.

(12) التنبيه و الاشراف/ 315.

(13) نفس المصدر.

(14) مروج الذهب 4/ 156.

320

و بينما يصفه ابن الطقطقي بانه كان مستضعفا في رأيه و عقله و تدبير،، و كانت ايامه كثيرة الفتن، و دولته شديدة الاضطراب، و لم يكن فيه من الخصال المحمودة سوى انه كان كريما و هويا (15)، يقول عنه الاربلي انه كان سديد الرأي حسن التدبير (16). و يقول السيوطي انه كان خيرا فاضلا، اديبا بليغا، و هو اول من احدث لبس الاكمام الواسعة فجعل عرضها نحو ثلاثة أشبار، و صغر القلانس و كانت قبله طوالا (17). و يقول عنه الذهبي انه كان مسرفا في تبدير الخزائن و الذخائر (18). و جاء عنه في فوات الوفيات انه كان خاملا يرتزق بالنسخ، فلما جاءته الخلافة من حيث لا يحتسب قال:

جاء لطف اللّه بالأمر الذي لا ارتجيه‏* * * فعلي ان اقضي حق الله فيه‏

و يروي اعداءه البيت الثاني: ان اقضي حق الشرب فيه‏ (19).

يمكن ان يستنتج مما قاله المؤرخون بشأنه انه كان ضعيفا خائر العزم، مستسلما سهل القياد. فقد استوزر اول امره احمد بن الخصيب، الا ان انقياده للقواد الاتراك اضطره الى ان يستوزر القائد التركي اوتامش، و هو ابن اخت بغا الكبير. و كان المتولي لامور اوتامش كاتبه شجاع بن القاسم الذي يقول عنه الحصري «انه امي لا يقرأ و لا يكتب و لا يفهم، و انما علم علامات يكتبها في‏

____________

(15) الفخري.

(16) خلاصة الذهب المسبوك/ 229.

(17) تاريخ الخلفاء/ 359.

(18) شذرات الذهب 2/ 126.

(19) فوات الوفيات 1/ 126.

321

التوقيع» (20). و يظهر ان اوتامش كان جشعا لا يهمه من الوزارة غير احتواء الاموال «فعمد الى ما في بيوت الاموال من الاموال فأكتسحها» (21).

و كان من اول اعمال المستعين باللّه بعد ان تمت له الخلافة انه ابتاع في جمادى الأولى سنة 248 ه من المعتز و المؤيد جميع ما كان لهما من الدور و القصور و الضياع و الفرش و الامتعة و غير ذلك بعشرين الف دينار، و اشهد عليهما بذلك القضاة و الشهود العدول، و يقال ان قيمة ما ابتاعه من المعتز عشرة الاف الف دينار، و من ابراهيم المؤيد ثلاثة الاف الف دينار (22). و كأنه بهذا قد صادرهما بطريقة مشروعة بشرائها بذلك الثمن البخس. ثم حبسهما في الجوسق و وكل بهما.

و عقد المستعين باللّه في سنة 249 ه لأبنه العباس على مكة و المدينة المنورة و البصرة و الكوفة، و عزم على ان يعهد اليه بولاية العهد، و لكنه اخر ذلك لصغر سنه. فقال الشاعر ابو علي البصير قصيدة يستعجله البيعة بولاية العهد لابنه رغم صغر سنه يقول فيها (23):

بك اللّه احاط الدين و انتاش اهله‏* * * من الموقف الدحض الذي مثله يردي‏

فول ابنك العباس عهدك انه‏* * * له موضع، و اكتب الى الناس بالعهد

____________

(20) جمع الجواهر/ 172- 173.

(21) الطبري 9/ 263.

(22) نفس المصدر/ 259.

(23) مروح الذهب 4/ 154.

322

فان خلفته السن فالعقل بالغ‏* * * به رتبة الشيخ الموفق للرشد

و قد كان يحيى اوتى العلم قبله‏* * * صبيا، و عيسى كلم الناس في المهد

و عند ما اشتد الخلاف بين المستعين باللّه و بعض قواد الاتراك، و انقسم القواد المذكورون على انفسهم انحاز الخليفة الى وصيف و بغا و انحدر معهما الى مدينة السلام و ليس له معهما امر و لا نهي‏ (24). و في مدينة السلام اسلم امره الى اميرها محمد بن عبد اللّه الذي وقف الى جانبه في محاربة جيش سامرا، و لكنه ما لبث ان تخلى عنه و فرض عليه ان يخلع نفسه من الخلافة (25). و قد شرحنا ذلك في الفصل الخاص بالحرب بين سامرا و بغداد.

3- قتله:

لقد اتينا على تفصيلات الخلاف الذي نسب بين المستعين باللّه و بعض القواد الاتراك مما اضطره الى الانحدار الى بغداد، ثم مبايعة القواد في سامرا للمعتز بالله، مما ترتب عليه وجود خليفتين في آن واحد، و قيام الحرب بينهما، و انتهائها بخلع المستعين باللّه نفسه من الخلافة و مبايعته للمعتز بالله، و ذلك في الفصل الخاص بالنزاع بين خلفاء سامرا و الاتراك.

____________

(24) نفس المصدر/ 145.

(25) الطبري 9/ 344.

323

كان المستعين باللّه نقل اثر تنازله عن الخلافة الى قصر الحسن بن سهل بالمحرم‏ (26)، مع عياله و ولده و جواريه. و وكل بهم سعيد بن رجاء الحضاري في اصحابه. و منع من الخروج الى مكة حسبما كان قد اشترط عند ما خلع نفسه. فاختار ان ينزل البصرة فلم يسمح له كذلك. فأحدر الى واسط فاقام هناك بضعة اشهر محبوسا و قد وكل به القائد التركي احمد بن طولون. الا ان القواد الاتراك الذين كانوا بايعوا المعتز باللّه خافوا ان يستميل المستعين باللّه بعض القواد و الجند فيكيد لهم و للمعتز بالله، و قد افصحوا عن مخاوفهم لام المعتز بالله فاضطربت خوفا على ابنها، فاتفقت معهم على وجوب التخلص من الخليفة المخلوع. و لما تقرر قتله كتب المعتز باللّه الى محمد بن عبد اللّه يأمره بتسليم المستعين الى سيما الخادم، فكتب محمد الى الموكلين به بواسط بتسليمه الى سيما. فاخرجه احمد بن طولون الى القاطول و سلمه الى سعيد بن صالح، المعروف بسعيد الحاجب، الذي كلف بقتله، و احتز رأسه. و هناك عدة روايات عن الطرق التي اتبعت في قتله. اذ يقال انه ادخله منزله و عذبه حتى مات‏ (27). و يقال ان سعيد ركب مع المستعين باللّه في زورق و معه عدة حتى حاذى به فم دجيل فشد في رجله حجرا و القاه في الماء 28. و ذكر ان سعيدا كلف به رجلا من الاتراك يقتله، فسأله المستعين باللّه ان يمهله حتى يصلي ركعتين، و كانت عليه جبة، فسأل سعيد التركي الموكل بقتله ان يأخذها منه قبل قتله،

____________

(26) الطبري 9/ 340، و مروج الذهب 4/ 163- 164 و فيه انه احدر الى دار الحسن بن وهب ببغداد.

(27) الطبري 9/ 363، و تاريخ بغداد 5/ 85، و الكامل 7/ 173، و شذرات الذهب 2/ 125.

324

ففعل ذلك، فلما سجد في الركعة الثانية قتله و اخذ رأسه‏ (29).

و ذكر الطبري الى جانب الروايات المذكورة روايات اخرى‏ (30).

و انفرد صاحب خلاصة الذهب المسبوك بالقول بان الذي قتله هو بغا و حمل رأسه الى الخليفة المعتز بالله‏ (31).

و جي‏ء بالرأس الى المعتز بالله، و كان يلعب الشطرنج مع بعض اصحابه، فقيل له: هذا رأس المخلوع، فقال ضعوه هناك. و بعد ان فرغ من لعبه دعا به فنظر اليه ثم امر بدفنه. و امر لقاتله سعيد الحاجب بخمسين الف درهم و ولاه معونة البصرة (32). و هناك رواية اخرى عن عرض رأس المستعين باللّه على المعتز باللّه في مجلس غنائه‏ (33).

كان المستعين بالله قد قتل في الثالث من شوال سنة 252 ه (34). و قد اختلف في عمره، فيقول المسعودي انه خمس و ثلاثون سنة، و يقول الخطيب البغدادي انه اربع و عشرون سنة (35). و يلاحظ التفاوت الكبير بينهما. اما السيوطي فيذكر ان عمره كان احدى و ثلاثين سنة، و يقول الابلي انه مات عن ثلاثين سنة (36). الا انه لما كان الطبري و ابن الأثير و السيوطي يتفقون على انه كان في الثامنة

____________

(29) الطبري 9/ 364، و شذرات الذهب 2/ 125.

(30) الطبري 9/ 363- 364.

(31) خلاصة الذهب المسبوك/ 229.

(32) الطبري 9/ 364، و الكامل 7/ 173.

(33) الديارات/ 170.

(34) الطبري 9/ 363، و مروج الذهب 4/ 144.

(35) مروج الذهب 4/ 144، و تاريخ بغداد 5/ 85.

(36) تاريخ الخلفاء/ 359، و خلاصة الذهب المسبوك/ 229.

325

و العشرين عند ما بويع بالخلافة (37)، و ان مدة خلافته ثلاث سنوات و تسعة اشهر فان عمره يكون في حدود احدى و ثلاثين سنة. و هذا يتفق مع سنة مولده في 221 ه التي سبقت الاشارة اليها. و كانت المدة بين خلعه و قتله تسعة اشهر كان معتقلا فيها (38).

***

____________

(37) الطبري 9/ 256، و الكامل 7/ 117، و تاريخ الخلفاء/ 358.

(38) شذرات الذهب 2/ 125.

326

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

327

الفصل السابع المعتز باللّه ابو عبد اللّه المعتز باللّه بن جعفر المتوكل على الله‏

1- مبايعته:

عند ما عاد القواد الاتراك الذين ذهبوا الى بغداد لمقابلة المستعين باللّه و اقناعه بالعودة الى سامرا، و قد يئسوا من عودته، حرضوا اصحابهم على خلعه من الخلافة، و اجمعوا على مبايعة المعتز بن المتوكل على اللّه بدلا عنه. و كان المستعين باللّه عند ما انحدر الى بغداد قد حبس المعتز و اخاه المؤيد في الجوسق و اوكل بهما رجلا من الاتراك مع عدد من الاعوان‏ (1). فاخرجوهما و بايعوا المعتز بالله و عينوا المؤيد وليا للعهد من بعده، و قد اختلفت المصادر في تاريخ مبايعته، الا انها لا تتعدى عن النصف الأول من المحرم سنة 251 ه (2). فأمر المعتز باللّه للجند برزق عشرة اشهر،

____________

(1) الطبري 9/ 284.

(2) مروج الذهب 4/ 251، الاربعاء لاحدى عشرة ليلة خلت من المحرم، و تاريخ بغداد 2/ 122: الاربعاء لثلاث عشرة خلت من المحرم، و النبراس/ 88: يوم السبت لست خلون من المحرم.

328

فلم يتوفر المال الكافي لذلك، فاعطوا ارزاق شهرين فقط. و من الجدير بالذكر ان المستعين باللّه كان خلف في بيت المال بسامرا نحوا من خمسمائة الف دينار، و كان في بيت مال امه ما قيمته الف الف دينار، و في بيت مال ابنه العباس ما قيمته ستمائة الف دينار (3).

و قد اخذت البيعة للمعتز باللّه كتابة، و فيما يلي خلاصتها (4): «بسم الله الرحمن الرحيم، تبايعون عبد الله الامام المعتز باللّه امير المؤمنين بيعة طوع و اعتقاد .. لا مكرهين و لا مجبرين بل مقرين عالمين بما في هذه البيعة و تأكيدها من تقوى اللّه و ايثار طاعته .. على ان ابا عبد الله المعتز باللّه عبد الله و خليفته المفترض عليكم طاعته و نصحيته ..

في السر و العلانية .. متمسكين ببيعته بوفاء العقد و ذمة العهد ..

و بولاية عهد المسلمين لابراهيم المؤيد باللّه اخى امير المؤمنين، و على الا تسعوا في نقض شى‏ء مما اكد عليكم .. و على الا تبدلوا و لا تغيروا، و لا يرجع منكم راجع عن بيعته .. فمن نكث منكم مما بايع امير المؤمنين و ولي عهد المسلمين .. فكل ما يملك من مال و عقار او سائمة او زرع او ضرع صدقة على المساكين .. و كل مملوك يملكه اليوم و الى ثلاثين سنة ذكر و انثى، احرار لوجه اللّه، و نساؤه يوم يلزمه فيه الحنث و من يتزوج بعدهن الى ثلاثين سنة طوالق طلاق الحرج، لا يقبل اللّه منه الا الوفاء بها .. و اللّه عليكم بذلك شهيد».

____________

(3) الطبري 9/ 284، و الكامل 7/ 143.

(4) نص كتاب البيعة فى الطبري 9/ 284- 286.

329

و مما يدعو الى الاستغراب ان القواد الاتراك الذين تأمروا على المتوكل على اللّه اختاروا المعتز بالله للخلافة و عينوا اخاه المؤيد لولاية العهد، بعد ان كانوا استبعدوا اولاد المتوكل على اللّه عند ما اختاروا المستعين باللّه بعد وفاة المنتصر باللّه. و قد يكون سبب ذلك انهم شعروا بانهم اقوى من الخليفة الذي اختاروه و بوسعهم التخلص منه متى ما ارادوا ذلك.

و ركب المعتز باللّه من غد ذلك اليوم الى دار العامة فاخذت له البيعة العامة على الناس، و خلع على اخيه المؤيد، و عقد له عقدين اسود و ابيض، فكان الأسود لولاية العهد بعده، و الأبيض لولاية الحرمين. و بعثت الكتب بذلك الى سائر الأمصار (5). و عند ما خلع المستعين باللّه نفسه من الخلافة لثلاث خلون من المحرم سنة 252 ه و بايع للمعتز باللّه‏ (6)، استقرت الخلافة للأخير في جميع ارجاء الدولة العربية.

2- صفاته و سيرته:

تقاربت المصادر التاريخية التي وصفت المعتز باللّه في انه كان جميل الوجه لم ير في الخلفاء مثله جمالا، ابيض مشربا بحمرة، اسود الشعر كثيفه، ادعج العينين، و كان حسن الجسم طويل القامة (7). و يقول عنه المسعودي انه كان يؤثر الملذات و يعدم‏

____________

(5) مروج الذهب 4/ 162- 163.

(6) الطبري 9/ 345، و مروج الذهب 4/ 163.

(7) الطبري 9/ 390، و التنبيه و الاشراف/ 316، و خلاصة الذهب المسبوك/ 230.

330

الرأي و تدبره امه قبيحة، و قد غلب على امره، و قهر سلطانه، و كانت الكتب تخرج باسم صالح من وصيف كأنه مرسوم بالوزارة لقلبته على الأمور (8). و يرى ابن الطقطقي ان المعتز باللّه لم يكن بسيرته و عقله بأس، الا ان الاتراك كانوا قد استولوا، منذ قتل المتوكل على اللّه، على المملكة، و استضعفوا الخلفاء، فكان الخليفة في يدهم كالاسير ان شاءوا ابقوه و ان شاءوا خلعوه و ان شاءوا قتلوه‏ (9). الا ان ابن دحيه يقول عنه انه كان فيه ادب و كفاية و لكن ذلك لم ينفعه لأديار امره و لقرب قرناء السوء منه‏ (10).

و وصف المعتز باللّه بانه كان سمح الأخلاق، واسع الصدر، له ادب و فهم، و كان يقول شعرا صالحا، و هو اول خليفة احدث الركوب بعلية الذهب، و كان الخلفاء قبله يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة (11). و قد جعل نقش خاتمه «المعتز باللّه» كما يقول المسعودي، و «محمد رسول اللّه» كما جاء في خلاصة الذهب المسبوك‏ (12). و يظهر مما يذكره الخطيب البغدادي انه كان له ختمان، احدهما كما ذكر المسعودي و الآخر كما جاء في خلاصة الذهب المسبوك‏ (13).

____________

(8) التنبيه و الاشراف/ 316- 317.

(9) الفخري/ 220.

(10) النبراس/ 88.

(11) مروج الذهب 4/ 180، و تاريخ الخلفاء/ 359.

(12) التنبيه و الاشراف/ 317، و خلاصة الذهب المسبوك/ 230.

(13) تاريخ بغداد 2/ 124.

331

ولد المعتز باللّه في يوم الخميس السادس عشر من ربيع الاول سنة 232 ه (14). و كان مولده بسامرا (15). و امه قبيحة و هي ام ولد رومية (16)، و كانت الزوجة المفضلة عند المتوكل على اللّه. و قد اختلف في اسمه، فقد ورد في المعارف و في مروج الذهب «الزبير» و جاء في الكامل و النبراس «الزبير و يقال طلحة» (17).

3- خلع المؤيد من ولاية العهد:

نص عهد بيعة المعتز باللّه على ان تكون ولاية العهد من بعده لأخيه ابراهيم المؤيد. و كان ذلك احياء للعهد الذي وضعه المتوكل على اللّه. و كانت العلاقة بين الاخوين ودية، و استمرت كذلك حتى بلغ المعتز باللّه ان عامل ارمينية العلاء بن احمد بعث الى المؤيد بخمسة الاف دينار، فحاذر من اتصال اخيه ببعض القواد و العمال، و العمل ضده. فبعث الى اخويه المؤيد و ابي احمد طلحة- و هما شقيقان لأم و اب- فحبسهما في الجوسق، و قيد المؤيد و وضعه في حجرة ضيقة (18). ثم علم ان جماعة من القواد الاتراك يريدون اخراجه من السجن، و رغم عدم تحققه من ذلك، فقد امر بضربه.

____________

(14) تاريخ بغداد 2/ 122، و تاريخ الخلفاء/ 359، و خلاصة الذهب المسبوك/ 230 و فيه انه ولد في سنة 233 ه.

(15) الطبري 9/ 390، و تاريخ بغداد 2/ 121.

(16) مروج الذهب 4/ 166.

(17) المعارف/ 394، و مروج الذهب 4/ 166، و الكامل 7/ 49، و النبراس/ 88.

(18) الطبري 9/ 361.

332

و اخذت منه رقعة بخطه يخلع نفسه من ولاية العهد (19). ثم ما لبث المؤيد ان مات في الحبس.

خشي المعتز باللّه ان يتهم بقتل اخيه، فدعا بلقضاة و الفقهاء و الشهود فأخرج اليهم ابراهيم المؤيد ميتا لا أثر به و لا جرح، و حمله الى امه اسحاق على حمار و حمل معه كفن و حنوط، و امر بدفنه.

و يقال سبب موته انه ادرج في لحاف مسموم و شد طرفاه حتى مات فيه‏ (20). كما يقال انه اقعد في حجر من ثلج و نضدت عليه حجرة التلج فماد بردا (21). و يظهر ان موت المؤيد لم يكن طبيعيا، و قد مات باحدى وسائل التعذيب المعروفة آنذاك بعد ان قرر المعتز باللّه التخلص منه.

و قال الشاعر مروان بن ابي الجنوب قصيدة في مدح المعتز و امر المؤيد، جاء فيها (22):

انت الذي يمسك الدنيا اذا اضطربت‏* * * يا ممسك الدين و الدنيا اذا اضطربا

ما كنت اول رأس خانه ذنب‏* * * و الرأس كنت و كان الناكث الذنبا

لو كان تم له ما كان دبره‏* * * لأصبح الملك و الاسلام قد ذهبا

____________

(19) الطبري 9/ 362، و مروج الذهب 4/ 176.

(20) الطبري 9/ 362، و مروج الذهب 4/ 176.

(21) الطبري 9/ 362.

(22) الطبري 9/ 364- 365.

333

اراد يهلك دنيانا و يعطبها* * * و قد اراد هلاك الدين و العطبا

لما اراد و ثوبا من سفاهته‏* * * امسى عليه امام العدل قد وثبا

لقد رماك بسهم لم يصبك به‏* * * و من رماك عليه سهمه انقلبا

لقد رعيت له ما كان من سبب‏* * * فما رعى لك احسانا و لا سببا

و كنت اكثر برا من ابيه به‏* * * و لم تكن بأخ في البر، كنت أبا

و كان قرب سرير الملك مجلسه‏* * * فقد تباعد منه بعد ما اقتربا

و ذل بعد تماديه و نخوته‏* * * كالحوت اصبح عنه الماء قد نضبا

و قد فسخت عن الأعناق بيعته‏* * * فلا خطيب له يدعوا اذا اختطبا

أمست قطيعة ابراهيم قد قطعت‏* * * حبل الصفاء و حبل الود فانقضبا

و يستنتج مما جاء في هذه الأبيات ان المؤيد حاول الوثوب باخيه المعتز باللّه، رغم انه كان برا به، و قد احسن اليه و قربه حتى صار موضع احترام الجميع. الا انه تجاهل ذلك و تنكر له، و اخذ

334

يعمل ضد اخيه. هذا اذا لم يكن الشاعر قد حابى الخليفة و قال ما يرضيه.

4- خلع المعتز باللّه و قتله:

لم يلبث القواد الاتراك ان اختلفوا مع المعتز باللّه، لا سيما عند ما عجز عن تدبير الاموال لهم و لارزاق جندهم، فقرروا خلعه و التخلص منه. و قد ذكرنا هذا بشى‏ء من التفصيل فى البحث الخاص بالخلفاء و القواد الاتراك. فقبضوا عليه و اجبروه على ان يخلع نفسه من الخلافة. و كانوا اتفقوا على ان يبايعوا محمد بن الواثق باللّه الا ان محمدا امتنع عن قبول البيعة له ما لم يخلع المعتز باللّه نفسه امامه، فاحضر المعتز باللّه فتنازل امام محمد و تمت البيعة للخليفة الجديد الذي لقب بالمهتدى باللّه.

و قد حبس المعتز باللّه، و كان القواد الاتراك قرورا قتله.

فقتل في محبسه بعد بضعة ايام‏ (23). و هناك عدة روايات عن كيفية قتله. فيقال انه منع عنه الطعام و الشراب ثلاثة ايام، ثم ادخلوه سردابا و جصصوه عليه فاصبح ميتا (24). و يقال انهم ادخلوه الى الحمام حتى عاين الموت و هو يطلب الماء فيمنع عنه، ثم اعطوه ماء مثلجا فشربه و سقط ميتا (25). و يقال انه ادخل الحمام فاغلق عليه حتى مات‏ (26). و كانت وفاته في الثاني من شعبان‏

____________

(23) مروج الذهب 4/ 178، و تاريخ اليعقوبي 2/ 504.

(24) الطبري 9/ 390، و الكامل 7/ 196، و تاريخ ابن خلدون 2/ 504.

(25) العبر 2/ 9.

(26) النبراس/ 88.

335

سنة 255 ه (27). و لما مات اشهدوا على موته بني هاشم و القواد بانه صحيح لا اثر فيه. فدفن مع المنتصر باللّه في ناحية قصر الصوامع‏ (28). اي انه دفن في قبر ظاهر مشهود كقبر المنتصر باللّه و في نفس المكان.

و كان مدة خلافته من يوم بويع له بسامرا الى ان خلع اربع سنين و ستة اشهر و ثلاثة و عشرين يوما 29. اما مدتها منذ ان تمت بيعته ببغداد فكانت ثلاث سنوات و سبعة اشهر (30). و كان عمره عند وفاته اربعا و عشرين سنة (31).

____________

(27) تاريخ بغداد 2/ 126، و تاريخ اليعقوبي 2/ 504 و فيه انه توفى لثلاث بقين من رجب.

(28) الطبري 9/ 390، و تاريخ بغداد 2/ 125- 126، و جاء فيه: و يقال انه دفن بموضع يقال له السميدع.

(30) مروج الذهب 4/ 166 و تاريخ اليعقوبي 2/ 504، و النبراس/ 88، و تاريخ بغداد 2/ 126، و فيه تنقص المدة ثلاثة ايام.

(31) الطبري 9/ 390، و مروج الذهب 4/ 166، و الكامل 7/ 196.

336

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

337

الفصل الثامن المهتدي باللّه محمد بن الواثق باللّه‏

1- مبايعته:

بعد ان قرر الاتراك خلع المعتز باللّه اجتمعت كلمتهم على ان ليس في اولاد الخلفاء افضل و لا اعقل من محمد بن الواثق باللّه‏ (1).

كانوا عند ما حبسوا المعتز باللّه بعثوا الى مدينة السلام لاحضار محمد، و كان المعتز باللّه قد نفاه اليها و اعتقله فيها. و يقال ان سبب نفيه انه كان يكثر التردد على المعتز باللّه و كان هذا يستمع الى اقواله في امور كثيرة، و فيما يمضيه و يبديه. و كان كثيرا ما يعارض قبيحة ام المعتز باللّه فيما تأمر و تنهى، فضاقت به ذرعا و لم تزل بابنها حتى امر باحداره الى مدينة السلام على كره منه‏ (2) فلما جى‏ء به الى سامرا عرض عليه الاتراك ان يبايعوه بالخلافة فابى حتى خلع المعتز باللّه نفسه امامه و اعترف بعجزه عن القيام بمهام‏

____________

(1) تاريخ اليعقوبي 2/ 505.

(2) المحاسن و المساوى‏ء/ 539.

338

الخلافة، ثم بايعه، فتبعه القواد الاتراك و الحاضرون و سمي المهتدي باللّه. و كان ذلك في يوم الاربعاء لليلة بقيت من رجب سنة 255 ه (3).

و عند ما ورد كتاب المهتدي باللّه الى مدينة السلام بالبيعة له هاج من فيها من الجند و خرج معهم العامة و هجموا على دار سليمان بن عبد الله صاحب الشرطة، و هتفوا باسم ابي احمد الموفق بن المتوكل على اللّه الذي كان حينذاك منفيا في مدينة السلام، و نادوا بالبيعة له. فحدثت بالمدينة فتنة قتل فيها كثيرون، و غرق في دجلة قوم و جرح آخرون. و يقول الطبري «حتى وجه الى اهل بغداد بمال رضوا و وقعت بيعته الخاصة ببغداد للمهتدي يوم الخميس لسبع ليال خلون من شعبان، و دعى له يوم الجمعة لثمان خلون منه» (4).

و مدحه الشاعر البحتري مشيدا بورعه و عدله بقصيدة منها: (5)

بارك اللّه للخليفة في الملك الذي حازه له المقدار

رتبة من خلافة اللّه قد طا* * * لت بها رقبة له و انتظار

طلبته فقرا اليه، و ما كا* * * ن به ساعة اليها افتقار

____________

(3) الطبري 9/ 391 و مروج الذهب 4/ 182 و تاريخ اليعقوبي 2/ 505 و فيه‏

(4) الطبري 9/ 393.

ان بيعته كانت قبل ذلك بيوم واحد. و تاريخ بغداد 3/ 348.

(5) القصيدة في ديوان البحتري 2/ 852- 856.

339

أخذ الاولياء اذ بايعوه‏* * * بيدي مخبت عليه الوقار

و تجلى للناظرين أبي‏* * * فيه عن جانب القبيح ازورار

و ارتنا السجاد سيما* * * طويل الليل في وجهه لها آثار

ولديه تحت السكينة و الأخبات‏* * * سطو على العدا و اقتدار

زاد في بهجة الخلافة نورا* * * فهو شمس للناس، و هي نهار

و اجار الدنيا من الخوف و الحيف،* * * فهل يشكر المجير المجار

2- صفاته و سيرته:

ولد المهتدي باللّه بالقاطول في سنة 218 ه و قيل 219 ه و نشأ بسامرا (6). و كان عمره عند ما بويع له سبعا و ثلاثين سنة، و قيل تسعا و ثلاثين‏ (7). و امه ام ولد رومية يقال لها قرب‏ (8). و قد توفيت قبل ان يبايع له. و كان قد تزوجها المستعين باللّه، و لما قتل صير المعتز باللّه مع الحرم في قصر الرصافة. و قال المهتدي يوما لجماعة من القواد الاتراك: اما انا ليس لي ام احتاج لها الى غلة عشرة الاف الف دينار في كل سنة لجواريها و خدمها و المتصلين بها، و ما اريد لنفسي و ولدي الا القوت‏ (9). و هو يعرض بهذا بام المستعين بالله‏

____________

(6) تاريخ بغداد 3/ 348، و خلاصة الذهب المسبوك/ 231.

(7) مروج الذهب 4/ 182.

(8) الطبري 9/ 391، و مروج الذهب 4/ 182، و تاريخ الخلفاء/ 361 و يسميها وردة.

(9) الطبري 9/ 396.

340

و أم المعتز بالله اللتين عرفتا باحتواء الاموال و الاسراف في الانفاق و الامعان في حياة الترف.

اتفق الطبري و المسعودي على وصف المهتدي باللّه بانه كان رحب الجبهة اجلح، جهم الوجه، اشهل عظيم البطن، عريض المنكبين، قصير القامة، طويل اللحية (10). و يقول الخطيب البغدادي انه كان اسمر رقيقا، حسن اللحية، اشيب، حسن العينين‏ (11).

و قد اختلف المهتدي عن اسلافه من خلفاء بني العباس في سلوكه و سياسته في الحكم. اذ كان، كما يقول الخطيب البغدادي، من احسن الخلفاء مذهبا و اجلهم طريقة، و اظهرهم و رعا، و اكثرهم عبادة (12). و يضيف السيوطي انه كان عادلا قويا في امر اللّه، و بطلا شجاعا، و لم يزل صائما منذ ان ولي الخلافة الى ان قتل‏ (13).

و كان يحاول ان يكون في بني العباس مثل عمر بن عبد العزيز في بني امية، و كان يقول انه غار على بني هاشم فاخذ نفسه بهذه السيرة. و قد وجد له سفط فيه جبة صوف و كساء، و كان يلبس ذلك في الليل و يصلي فيه‏ (14).

امر المهتدي باللّه باخراج القيان و المغنين من حاضرة الخلافة سامرا و نفيهم الى بغداد، و امر بقتل السباع التي كانت بدار

____________

(10) نفس المصدر/ 469، و التنبيه و الاشراف/ 318.

(11) تاريخ بغداد 3/ 348.

(12) نفس المصدر، و الكامل 7/ 233.

(13) تاريخ الخلفاء/ 361.

(14) تاريخ بغداد 3/ 350، و الكامل 7/ 234، و خلاصة الذهب المسبوك/ 230.

341

الخلافة و طرد الكلاب‏ (15). و اطرح الملاهي، و حرم الغناء و الشراب‏ (16). و امر ان يحد شارب الخمر كائنا من كان. فابغضه الجند و اهل الفساد بسبب ذلك‏ (17). و مع الموظفين و العمال عن الظلم و التعدى‏ (18). و ذكر المسعودي اجراءات اخرى اتخذها المهتدي بالله تقشفا و ورعا، فقد قلل من اللباس و الفرش و المطعم و المشرب. و امر باخراج آنية الذهب و الفضة من الخزائن فكسرت و ضربت دنانير و دراهم، و عمد الى الصور التي كانت في المجالس فمحيت، و ذبح الكباش التي كان يناطح بها بين يدي الخلفاء، و الديوك، و قتل السباع المحبوسة، و رفع بسط الديباج و كل فرش لم ترد الشريعة باباحته، و كانت الخلفاء قبله تنفق على موائدها في كل يوم عشرة الاف درهم، فازال ذلك و جعل لمائدته و سائر مؤونته في كل يوم مائة درهم‏ (19).

و كان المهتدي باللّه رد المظالم و جلس للعامة يستمع الى شكاواهم و يفصل بينهم‏ (20). و بنى قبة لها اربعة ابواب سماها قبة المظالم، و كان اذا جلس فيها للنظر في المظالم امر بان توضع مواقد الفحم في الاروقة عند اشتداد البرد، و اذ دخل المتظلم أمر بان يدفأ و يجلس ليسكن روعه و يثوب اليه عقله و يتذكر حجته، ثم يدنيه‏

____________

(15) الطبري 9/ 406، و الكامل 7/ 203.

(16) الطبري 9/ 406، و الكامل 7/ 235، و الفخري/ 223، و خلاصة الذهب المسبوك/ 230.

(17) خلاصة الذهب المسبوك.

(18) الكامل 7/ 234، و الفخري/ 223.

(19) مروج الذهب 4/ 189- 190.

(20) الطبري 9/ 406، و الكامل 7/ 203.

342

و يسمع منه‏ (21). و كان هو آخر من جلس لرد المظالم من خلفاء بني العباس‏ (22). كما كان شديد الاشراف على امور الدواوين و شؤون الخراج، و يحاسب كتاب الدواوين بنفسه‏ (23).

ان تقليص نفقات دار الخلافة عامة، و نفقات الخليفة بصورة خاصة، و تشديد الرقابة على دواوين الدولة و امور الجباية، كانت اهم ما قام به المهتدي باللّه، في مدة حكمه القصيرة. و يبدو انه كان يهدف الى اصلاح النظام المالي الذي كان قائما آنذاك، بتنظيم جباية الايرادات، و اوجه الانفاق. الا انه لم يستطع ان يحقق من ذلك سوى شى‏ء يسير لسوء الجهاز الاداري من جهة و لا نشغاله في الصراع الذي نشب بينه و بين القواد الأتراك، من جهة اخرى.

لقد كان لتزمت المهتدي باللّه رد فعل سى‏ء عليه، فقد ثقلت و طأته على الناس عامة و خاصة، فاستطالوا خلافته، و سئموا ايامه، و عملوا الحيلة عليه حتى قتلوه‏ (24). و يعزو صاحب خلاصة الذهب المسبوك اتفاق الامراء الاتراك على محاربته و خلعه لما كان نهاهم عن جميع المنكرات، و منعهم عن تعاطي المحرمات‏ (25). و مع ما في هذا القول من المغالاة فهو لا يخلو من الحقيقة. و قد قال له احد القواد الاتراك في احدى مناقشاته معهم: أتريد ان تحمل الناس على سيرة عظيمة لم يعرفوها؟ قال: اريد ان احملهم على سيرة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) و اهل بيته و الخلفاء الراشدين، فقال‏

____________

(21) المحاسن و المساوى‏ء/ 540.

(22) الاحكام السلطانية/ 64.

(23) تاريخ بغداد 3/ 350.

(24) مروج الذهب 4/ 183.

(25) خلاصة الذهب المسبوك/ 232.

343

له: ان الرسول (صلى اللّه عليه و سلم) كان مع قوم قد زهدوا في الدنيا و رغبوا في الآخرة، و انت انما رجالك ما بين تركي و خزري و فرغاني و مغربي، و غير ذلك من انواع الأعاجم لا يعلمون ما يجب عليهم من أمر آخرتهم، و انما غرضهم ما استعجلوه من هذه الدنيا، فكيف تحملهم على ما ذكرت‏ (26)؟ و شبيه بهذا ما يقوله المسعودي من ان المهتدي باللّه «صاحب اقواما لا تجوز عندهم اخلاق الدين و لا يريدون الا امر الدنيا» (27). و الواقع ان المهتدي بالله لم يجد له ناصرا عند ما اصطدم بمخالفيه من الاتراك.

و يعزو ابن دحية ما واجه المهتدى بالله من المصاعب الى الرجال الذين تولوا شؤون الدولة على عهده، فيقول: و لم يوفق في الوزير و الحاجب و القاضي، لأن وزيره جعفر بن محمود الاسكافي، و حاجبه صالح بن وصيف، و قاضيه الحسن بن محمد بن ابي الشوارب، يحبون الدنيا و يشرئبون اليها، فكانوا اعانة على سفك دمه‏ (28).

3- خلعه و قتله:

تروي المصادر عدة روايات عن اسباب الخلاف الذي نشب بين الخليفة المهتدي باللّه و بين القواد الأتراك. و مهما اختلفت تلك الروايات فانها تتفق في ان السبب الرئيس هو الشك القائم بين الخليفة و كبار القواد مما ادى الى صراع شديد بين الجانبين انتهى‏

____________

(26) مروج الذهب 4/ 183.

(27) التنبيه و الاشراف/ 318.

(28) النبراس/ 89.

344

بالقضاء على خلافة المهتدي باللّه و حياته. فقد ضاق الخليفة المتزمت ذرعا بتسلط اولئك القادة على شؤون الدولة و استئثارهم بمواردها و اموالها، و حاول ان يستغل نقمة الجند على قوادهم و شكاواهم منهم، و بعض الخلافات القائمة بين القواد انفسهم، و يعمل للقضاء على بعضهم لأضعاف شوكتهم بصورة عامة. الا ان عمله في هذا كانت تنقصه الحكمة و التدبير، و كانت محاولاته مكشوفا. فلما ادرك الاتراك نية المهتدي باللّه نحوهم و عزمه على فل جمعهم و اضعاف شأنهم، و حدوا كلمتهم فقضوا على احد زملائهم هو القائد صالح بن وصيف الذي كان يظاهر الخليفة، و من ثم هاجموا الخليفة نفسه. فقصدوا دار الخلافة في منتصف شهر رجب سنة 256 ه، و انضم اليهم الجند الاتراك الذين كانوا اعلنوا ولاءهم للخليفة، فبقي معه عدد قليل من مناصريه، فجرح و اضطر الى الهرب من الدار، ثم يلبث ان استسلم لاعدائه، فحبسوه في الجوسق.

اجتمع القواد الاتراك و طلبوا اليه ان يخلع نفسه من الخلافة فأبى. الا انهم اختاروا احمد بن المتوكل على اللّه و بايعوه بالخلافة، و لقب بالمعتمد على اللّه. ثم اخرجوا المهتدى بالله من حبسه ميتا و ادعوا بأنه مات متأثرا بجراحه. و يقال انه لما ابى ان يخلع نفسه خلعوا اصابع يديه و رجليه من كفيه و قدميه حتى و رمتا و عذبوه فمات‏ (29). و يروي المسعودي انهم طعنوه بالخناجر و كان اول من جرحه ابن عم لبايكباك طعنه في اوداجه و انكب عليه فالتقم الجرح و الدم يفور منه، و اقبل يمص الدم حتى ارتوى منه، و كان هذا

____________

(29) الطبري 9/ 468.

345

التركي سكرانا، فلما تركه كان المهتدي باللّه قد مات‏ (30). و يؤيد ابن دحية انه قتل بخنجر (31). و يروى انهم داسوا خصيته فمات‏ (32). و يظهر من رواية اليعقوبي انه يؤيد موته من جراحه اذ يقول «فحملوه على دوابه و جراحاته تنطف دما، فدعوه الى ان يخلع نفسه فأبى، و مات بعد يومين‏ (33).

و يظهر ان طائفة من الاتراك ندموا على قتلهم المهتدى بالله، فداروا به ينوحون و يبكون عليه لما تبين لهم من نسكه و زهده‏ (34).

كان عمر المهتدي باللّه عند وفاته ثمانية و ثلاثين عاما حسبما ذكره الطبري، الا ان الخطيب البغدادي و الاربلي يقولان انه مات عن سبعة و ثلاثين عاما و اربعة اشهر و عشرة ايام. اما المسعودي فيقول انه كان له من العمر اربعون عاما (35). و اذ ما كان تاريخ ميلاده الذي سبق ان ذكرناه صحيحا فان ما ذكره الخطيب البغدادي و الاربلي هو العمر الصحيح للمهتدي باللّه.

اما مدة خلافته فقد بلغت احدى عشر شهرا و سبعة عشر يوما او ثمانية عشر، كما يقول اليعقوبي و المسعودي و الخطيب.

____________

(30) مروج الذهب 4/ 186.

(31) النبراس/ 89.

(32) الكامل 7/ 230.

(33) تاريخ اليعقوبي 2/ 506.

(34) مروج الذهب 4/ 186.

(35) الطبري 9/ 469، و تاريخ بغداد 3/ 348، و خلاصة الذهب المسبوك/

346

البغدادي‏ (36). غير ان الطبري يزيد على ذلك بضعة ايام‏ (37).

و نظرا لثبوت تاريخ مبايعته بالخلافة و يوم وفاته، فان المدة التي ذكر اليعقوبي و المسعودي و الخطيب اقرب الى الصواب.

____________

(36) تاريخ اليعقوبي 2/ 506، و التنبيه و الاشراف/ 318، و تاريخ بغداد 232، و التنبيه و الاشراف/ 318.

3/ 351.

(37) الطبري 9/ 469.

347

الفصل التاسع المعتمد على اللّه ابو العباس احمد بن المتوكل على اللّه‏

1- مبايعته:

لم يستطع القواد الاتراك ان يرغموا الخليفة المهتدى بالله على، ان يخلع نفسه من الخلافة رغم الاساليب القاسية التي اتبعوها معه، فمات و هو الخليفة الشرعي. الا انهم كانوا قد اخرجوا احمد بن المتوكل على الله من حبسه في الجوسق و بايعوه، و لقب بالمعتمد على الله. و يظهر انهم بعد ان خاضوا صراعا عنيفا مع المهتدى بالله حتى تخلصوا منه، حرصوا على ان يختاروا للخلافة من يتوسمون فيه ضعف الشخصية و سهولة الانقياد، ليكون طوع ارادتهم. فاختاروا احمد بن المتوكل على اللّه رغم انهم اخذوا على انفسهم الا يفسحوا المجال لأحد من ولد المتوكل على الله ان يصل الى منصب الخلافة.

348

و قد بويع المعتمد على الله في يوم الثلاثاء لاربع عشر بقيت من رجب سنة 256 ه (1) و كان عمره خمسا و عشرين سنة (2). و كان قد ولد في سنة 229 ه (3) و اذا صح تاريخ مولده هذا فان عمره يجب ان يكون قريبا من سبع و عشرين سنة. و كان احمد المعتمد على اللّه يسمى ابن فتيان نسبة الى امه، و هي ام ولد رومية اسمها فتيان‏ (4).

2- صفاته و سيرته:

تفاوت المؤرخون في ذكر اوصاف المعتمد على الله. و يقول المسعودي انه كان حسن الجسم، كبير العينين، طويلا جسيما، طويل اللحية، عظيم الهامة (5). و يقول الاربلي انه كان اسمر رشيقا خفيف اللحية (6). و يضيف الذهبي على ذلك انه كان مدور الوجه، مليح العينين، صغير اللحية و قد اسرع اليه الشيب‏ (7).

اما ما ورد عن اخلاقه و سلوكه فان المسعودي يقول انه كان مشغوفا بالطرب، و الغالب عليه المعاقرة و محبة انواع اللهو، و انه اهمل امور الرعية و تشاغل بلهوه و لذاته حتى اشفى الملك على‏

____________

(1) الطبري 9/ 474، و المعارف/ 394، و مروج الذهب 4/ 198.

(2) مروج الذهب 4/ 198.

(3) خلاصة الذهب المسبوك/ 233، و تاريخ الخلفاء 363.

(4) المعارف/ 391، و الطبري 9/ 474، و تاريخ بغداد 4/ 61، و مروج‏

الذهب 4/ 198 و يقول انها كوفية.

(5) التنبيه و الاشراف/ 320.

(6) خلاصة الذهب المسبوك/ 233.

(7) شذرات الذهب 2/ 173.

349

الذهاب‏ (8). و يؤيده في ذلك مؤرخون آخرون. اذ يقول التنوخي عنه انه مع سماحة اخلاقه و كثرة جوده و سخائه كان شديد العربدة على ندمائه اذا سكر، و لا يكاد يسلم له من العربدة مجلس الا في الأقل‏ (9). و يقول الذهبي انه كان منهمكا على اللهو و اللذات، يسكر و يعربد (10). و يقول السيوطي انه انهمك في اللهو و اللذات و اشتغل عن الرعية فكرهه الناس و احبوا اخاه طلحة (11). على انه من جهة اخرى كان حليما لطيفا، من الرأفة و الرحمة على غاية (12). و انه كان من اسمح آل العباس، و كان يمثل بينه و بين المستعين باللّه و يقال: ما ولي اسمح منهما، كما كان جيد التدبير، فهما بالامور، فلما قوض امره و غلب على رأيه، نقصت حاله عند الناس‏ (13). و يقال انه كان يحب الاطراء و المديح، فاذا عمل جميلا اكثر من ذكره و تبجح به و ان كان صغيرا (14).

و قد اشرنا في الفصل الخاص بمجالس الخلفاء الى بعض مظاهر اسرافه، مما جعل اخاه الموفق يمنع عنه المال لحاجة الدولة الى الاموال لتوفير نفقات الحروب الداخلية، لا سيما حرب الزنج التي اضطرتها على الاقتراض من التجار (15).

____________

(8) مروج الذهب 4/ 220 و التنبيه و الاشراف/ 218.

(9) الفرج بعد الشدة 2/ 243.

(10) شذرات الذهب 2/ 174.

(11) تاريخ الخلفاء/ 363.

(12) تاريخ الخلفاء 2/ 174.

(13) الديارات/ 102.

(14) الفرج بعد الشدة 2/ 248.

(15) تاريخ بغداد 3/ 206، و نشوار المحاضرة.

350

3- استئثار الموفق بالسلطة:

كانت خلافة المعتمد على اللّه عجيبة الوضع، كما يقول ابن الطقطقي، فقد كان هو و اخوه طلحة الملقب بالموفق كالشريكين في الخلافة، للمعتمد على اللّه الخطية و السكة و التسمية بامرة المؤمنين، و لأخية طلحة الأمر و النهي و قود الجيش و محاربة الاعداء و مرابطة الثغور و ترتيب الوزارة و الامراء (16). و يقول المسعودي ان اخاه ابا احمد الموفق قد غلب على امره و تدبير ملكه و سياسة سلطانه، و صيره كالمحجور عليه، لا امر له و لا نهي، و ان الموفق قام بذلك احسن قيام رغم ما كان يلقى من اعتراض الاتراك و شغبهم و سوء طاعتهم‏ (17). و كذلك يقول ابن الأثير ان المعتمد على اللّه كان في خلافته محكوما عليه، قد تحكم فيه اخوه ابو احمد الموفق و ضيق عليه‏ (18).

و مما يلفت النظر ان ابا جعفر الطبري و احمد بن واضح اليعقوبي، و هما من قدامى المؤرخين و قد عاصرا احداث عهد سامرا، لم يشيرا الى تسلط الموفق على شؤون الخلافة في عهد اخيه المعتمد على اللّه، و لم يذكرا شيئا عن ذلك. و يعتبر المسعودي اقدم من اشار الى تلك العلاقة بين الخليفة و اخيه، من المؤرخين.

ان من يدقق سيرة المعتمد على الله و اعماله طيلة مدة خلافته التي قاربت ربع قرن يستنتج انه كان احد اثنين: اما انه كان يزهد

____________

(16) الفخري/ 226- 227.

(17) التنبيه و الاشراف/ 318- 319 و مروج الذهب 4/ 211.

(18) الكامل 7/ 455.

351

السلطة بطبيعته، و يميل الى اللهو و الملذات، و قد أمن جانب اخيه فترك له كل سلطاتها ليمارسها في تسيير شؤون الدولة، بحيث غدا المعتمد على اللّه محجورا عليه، فلم يستطع مجابهة اخيه، فاضطر الى ان ينفس عن قهره و غلبته بالانصراف الى اللهو و الاغراق في الملذات. الا ان ممارسة المعتمد على اللّه سلطاته كخليفة بين حين و آخر، كتعيين الوزراء و الولاة و القضاة، و توجيه بعض الامور، و قيادة بعض الحملات العسكرية، و الاهتمام بالقضاء على الثورات، و تشييد قصر المعشوق و غيره، يجعلنا نميل الى الرأي الأول.

و الواقع ان المعتمد على الله كان يمارس سلطانه في تعيين الوزراء و الولاة و القواد منذ توليه الخلافة. فقد استوزر عبيد الله بن يحيى عند ما افضت اليه الخلافة (19). و لما مات عبيد الله استوزر الحسن بن مجلد (20). ثم عزله و استوزر سليمان بن وهب‏ (21).

و قلد القائد التركي اماجور ولاية دمشق و اعمالها في سنة 256 ه (22). و لما ظهر علي بن زيد بالكوفة وجه القائد كيجور الى محاربته‏ (23). و وجه القائد موسى بن بغا، و هو كبير القواد الاتراك، الى الري لحرب الحسن بن زيد الطالبي‏ (24). و سير في سنة 257 ه احمد المولد الى البصرة لحرب صاحب الزنج‏ (25). و عقد

____________

(19) تاريخ اليعقوبي 2/ 507، و مروج الذهب 4/ 199.

(20) مروج الذهب 4/ 199.

(21) الفخري/ 228.

(22) الكامل 7/ 238.

(23) نفس المصدر/ 239.

(24) الطبري 9/ 474، و الكامل 7/ 240.

(25) الطبري 9/ 488، و الكامل 7/ 246.

352

في سنة 258 ه لأخيه الموفق على عدد من الولايات و خلع عليه، و على مفلح القائد، و سيرهما الى حرب الزنج‏ (26). ثم اتبعهما بالقائد موسى بن بغا في السنة التالية (27). و عين في سنة 260 ه اساتكين من كبار قواد الاتراك واليا على الموصل‏ (28). و عين في السنة التالية محمد بن عمر بن علي الطائي واليا على اذربيجان‏ (29). كما انه خرج فى سنة 262 ه على رأس الجيش لحرب يعقوب بن الليث الصفار لما أصر على القدوم بجيشه الى سامرا (30).

يستدل مما ذكرنا ان الموفق لم يبعد اخاه عن ممارسة سلطاته الا بعد عدة سنوات من توليه الخلافة. و ذلك بعد ان اظهر كفاية عسكرية و سياسية في حربه صاحب الزنج، و في رده ابن الصفار عن العراق، مما اكسبه محبة الناس و احترام القواد. و اذا كانت الحوادث الجسام، او ما نسميه بالازمات، تظهر قابليات الرجال و تكشف عن معادنهم، فقد اظهر الموفق في الحروب التي قادها مهارة و حزما. اضافة الى ما كان يتمتع به من خلق هادى‏ء رصين، و صفات انسانية. اذ كان شديد الرعاية لجنده و بخاصة الجرحى منهم، و يتفقد ابناء الشهداء، و كانت رعايته تشمل جرحى الأعداء ايضا (31). و بذلك استطاع ان يفرض احترامه على القواد و الولاة،

____________

(26) الطبري 9/ 490، و الكامل 7/ 259.

(27) الكامل 7/ 259.

(28) نفس المصدر/ 269.

(29) نفس المصدر/ 288.

(30) الطبري 9/ 516، و مروج الذهب 4/ 200، و الكامل 7/ 290.

(31) الطبري 9/ 603 و 608، و الكامل 7/ 365- 366.

353

و رجال الدولة في سامرا. مما اتاح له ان يفرض سلطاته على الخليفة نفسه بحيث لم يترك له بعد سنة 268 ه من الخلافة غير اسمها، و لم يعد ينفذ له توقيع لا في قليل و لا في كثير. و غدا الحكم كله للموفق، و الاموال تجبى اليه، مما اضجر المعتمد على اللّه بحيث انه حاول الهرب و الالتجاء الى احمد بن طولون في مصر، فاعيد الى سامرا مرغما.

و مما يؤيد ما ذهبنا اليه ما ذكره ابن دحية من ان ايام المعتمد على اللّه كانت مضطربة الاحوال مختلة التدبير، كثيرة العزل و التولية بتدبير الموالي و غلبتهم عليه‏ (32). اي ان اضطراب احواله و اختلال ادارته في اول امره كان بسبب تأثير القواد الاتراك عليه.

و يستنتج مما اورده الحصري ان امر المعتمد على الله كان، قبل تمكن الموفق، في يد القواد الاتراك‏ (33). و الواقع انه اضطر بعد ما بويع بالخلافة ان يصافح كبير قوادهم موسى بن بغا، فعند ما كان موسى يخرج من سامرا كان المعتمد على الله يشيعه‏ (34). كما انه ولاه قيادة الجيش الذي وجهه لقتال صاحب الزنج في سنة 259 ه و شيعه بنفسه و خلع عليه‏ (35). و لما عهد بولاية العهد لابنه جعفر ضم اليه موسى بن بغا فآل اليه حكم الولايات التي جعلت لجعفر، نيابة عنه‏ (36). فقد ادرك المعتمد على اللّه ان بقاءه رهين برضاء القواد الاتراك، و لا بد من مصانعتهم و تلبية طلباتهم، كي يضمن‏

____________

(32) النبراس/ 89.

(33) جمع الجواهر/ 158.

(34) الطبري 9/ 474.

(35) نفس المصدر/ 504.

(36) الطبري 9/ 514.

354

ولاءهم و عدم و ثوبهم به. و لما لمس في اخيه الموفق قوة شخصيته و قدرته على السيطرة حاول ان يضمن بواسطته سلامته و بقاءه على عرش الخلافة. الا ان طموح الموفق و ضعف شخصية المعتمد على اللّه، جعلت الموفق يسيطر على كل شي‏ء. و مما زاد في نفوذ الموفق انغماس المعتمد على اللّه في اللهو و الملذات، فغلبه على امره و تدبير ملكه و سياسة سلطانه. فقام بالملك احسن قيام و قمع من قرب من الاعداء و استصلح من نأى منهم‏ (37). و قد خطب للموفق على المنابر، و كان يقال بالخطبة: اللهم اصلح الأمير الناصر لدين اللّه ابا احمد الموفق ولي عهد المسلمين اخا امير المؤمنين‏ (38).

و على هذا نستطيع ان نقول ان تصرفات المعتمد على اللّه و موقفه من الأحداث يدلان على انه لم يكن ينقصه الذكاء او الكفاية، الا انه كما يبرر، كان ضعيف الشخصية خاملا، و فيه ميل شديد الى اللهو و التمتع و الابتعاد عن تحمل المسؤولية. و هذا يفسر لنا التناقض الواضح في سيرته كخليفة له السلطة العليا في الدولة، فقد وصف بالسخاء و الكرم على حاشيته و ندمائه، و بحبه مجالس اللهو و الطرب و عدم انقطاعه عنها. الا انه بنفس الوقت يتذمر من انه لا يملك التصرف بامور الدولة او حتى باموره الخاصة.

4- ولاية العهد:

قرر المعتمد على اللّه في خلال النصف الاول من شوال سنة 261 ه ان ينظم امر ولاية العهد بالخلافة من بعده بين ابنه جعفر، و اخيه ابي احمد الموفق طلحة. فولى ابنه العهد بعده و سماه‏

____________

(37) التنبيه و الاشراف/ 318، و الديارات/ 101- 102.

(38) النبراس/ 89- 90.