سامراء عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين‏ - ج1

- أحمد عبد الباقي المزيد...
583 /
355

المفوض، و ولاه المغرب و افريقية و عددا آخر من الولايات، و ضم اليه القائد موسى بن بغا. و ولى اخاه العهد بعد جعفر، و ولاه المشرق و ولايات اخرى و ضم اليه القائد مسرور البلخي. و عقد لكل منهما لواءين اسود و ابيض. و اشترط ان حدث به حدث الموت و جعفر لم يكمل للأمر، ان يكون الأمر لأبي احمد ثم لجعفر.

و اخذت البيعة بذلك على الناس‏ (39). و بعث بنسخة من كتاب العهد مع القاضي الحسن بن محمد بن ابي الشوارب ليعلقه في الكعبة (40). و ذلك توثيقا للعهد و ضمانا بعدم الخروج على ما جاء في الكتاب المذكور.

و لما مات الموفق في شهر صفر سنة 278 ه بايع القواد و الغلمان ابنه ابا العباس احمد بولاية العهد بعد المفوض، و لقب بالمعتضد بالله، فاخرج ابو العباس العطاء للجند، و خطب يوم الجمعة التالي للمعتمد على الله ثم للمفوض ثم لأبي العباس المعتضد (41). و في السنة التالية خلع جعفر و بويع للمعتضد بولاية العهد بعد المعتمد على اللّه. و هناك روايتان عن كيفية خلع الأول و مبايعة الثاني. الراوية الاولى هي التي يذكرها الطبري اذ يقول ان جعفر المفوض خلع من ولاية العهد في اواخر المحرم سنة 279 ه و بويع للمعتضد، و انشئت عن المعتضد كتب الى العمال و الولاة بأن أمير المؤمنين قد ولاه العهد و جعل اليه ما كان الموفق يليه من الأمر و النهي و الولاية و العزل، و خطب يوم الجمعة للمعتضد بولاية العهد (42). و يفهم من هذا ان المعتضد هو الذي‏

____________

(39) الطبري 9/ 514، و الكامل 7/ 277- 278.

(40) الطبري 9/ 514.

(41) الطبري 10/ 22، و الكامل 7/ 444، و المختصر في اخبار البشر 2/ 55

(42) الطبري 10/ 28.

356

خلع جعفر المفوض من ولاية العهد و الزم المعتمد على اللّه بان يعهد بها اليه. (43) و هذا ما يؤيد ذلك الذهبي ايضا بقوله «ان المعتمد على الله نقض ما كان لناصر دين الله الموفق لولده احمد، فاستبد بالأمر و استخف بعمه و لم يرجع اليه في شى‏ء .. و متى لم تخلع ابنك جعفرا من الخلافة طائعا، خلعته كارها، فخلع المعتمد ابنه و جعل العهد لابن اخيه احمد المذكور» (44). اي ان المعتمد على اللّه فعل ذلك مكرها.

اما الرواية الثانية، فيذكر ابن الاثير ان المعتمد على اللّه جلس في المحرم سنة 279 ه للقواد و القضاة و وجوه الناس و اعلمهم انه خلع ابنه المفوض الى اللّه جعفرا من ولاية العهد و جعلها للمعتضد باللّه ابي العباس احمد بن الموفق، و شهدوا على المفوض أنه تبرأ من العهد و اسقط اسمه من السكة و الخطبة و الطراز، و خطب للمعتضد، و كان ذلك يوما مشهودا، فقال يحيى بن علي يهنى‏ء المعتضد (45):

ليهنك عقد انت فيه المقدم‏* * * حباك به رب بفضلك اعلم‏

فان كنت قد اصبحت و الي عهدنا* * * فانت غدا فينا الامام المعظم‏

و لا زال من ولاك فينا مبلغا* * * مناه، و من عاداك يشجى و يرغم‏

____________

(43) مروج الذهب 4/ 229.

(44) شذرات الذهب 2/ 173.

(45) الكامل 7/ 452.

357

و كان عمود الدين فيه تأود* * * فعاد بهذا العهد و هو مقوم‏

و اصبح وجه الملك جذلان ضاحكا* * * يضى‏ء لنا منه الذي كان يظلم‏

فدونك فاشدد عقد ما قد حويته‏* * * فانك دون الناس فينا المحكم‏

و يؤيد ابو الفداء رواية ابن الأثير اذ يقول: و في سنة 279 ه خلع المعتمد ابنه جعفر المفوض من ولاية العهد و جعل ابن اخيه الموفق ولي العهد بعده‏ (46). الا ان السيوطي يأخذ موقفا وسطا بين الروايتين المذكورتين، فيقول: و في اوائل سنة 279 ه ضعف امر المعتمد على اللّه جدا لتمكن ابي العباس احمد بن الموفق من الامور و طاعة الجيش له، فجلس مجلس عاما و اشهد فيه على نفسه انه خلع ولده المفوض من ولاية العهد و بايع لأبي العباس و لقبه المعتضد (47).

5- وفاة المعتمد على اللّه:

تكاد تجمع المصادر على ان المعتمد على اللّه توفى ليلة الاثنين لاحدى عشرة بقيت من رجب سنة 279 ه (48). و كان سبب وفاته انه شرب على الشط في القصر الحسنى شرابا كثيرا و تعشى فأكثر

____________

(46) المختصر في اخبار البشر 2/ 55.

(47) تاريخ الخلفاء/ 367.

(48) الطبري 10/ 29، و مروج الذهب 4/ 229، و الكامل 7/ 455، و الذهب المسبوك/ 234، و فيه انه توفى ليلة الاثنين الخامس عشر من رجب.

358

من الأكل، فمات ليلا (49). و ذكر المسعودي تفصيلات عن موته جاء فيها انه تناول مع اثنين من ندمائه رؤوس حملان، فتهرأ احدهم في الليل، و مات الآخر قبل الصباح، اما المعتمد على اللّه فاصبح ميتا. ثم يقول: و ذكر ان سبب وفاته انه سقى نوعا من السم في الشراب الذي كانوا يشربونه يقال له البيش، يحمل من بلاد الهند و جبال الترك و التبت. و جاء فيه ايضا ان القاضي اسماعيل بن حماد أدخل على المعتضد و سلم عليه بالخلافة، و حضر معه الشهود العدول، و اشرفوا على المعتمد على اللّه، و معهم غلام المعتضد يقول: هل ترون به بأس او اثر، لقد مات فجأة، و قتلته مداومته لشرب النبيذ. فنظروا اليه فاذا ليس به من أثر. و حمل الى سامرا فدفن فيها (50).

و يشبه هذا ما ذكره الذهبي من ان المعتمد على اللّه قد سم في رؤوس جداء اكلها، ثم يستدرك و يقول انه نام فغم في بساط، و قيل سم في كأس الشراب‏ (51).

و اورد ابن دحية اسبابا اخرى قيلت في موت المعتمد على اللّه اضافة الى السم. قيل انه رمي في رصاص مذاب فمات، و قيل انه مات في حفرة من ريش مشى عليها فسقط فيها فمات غما (52) و روى السيوطي ان المعتمد على اللّه مات فجاءة، و قيل انه سم، و قيل بل نام فغم في بساط (53). و وردت في كتاب «مختصر كتاب‏

____________

(49) الطبري 10/ 29، و الكامل 7/ 455، و المختصر في اخبار البشر 2/ 56.

(50) مروج الذهب 4/ 229- 230.

(51) شذرات الذهب 2/ 173.

(52) النبراس/ 90.

(53) تاريخ الخلفاء/ 367.

359

البلدان» اشارة يفهم منها انه قتل، اذ يقول «و كان المعتضد باللّه كتب الى عمرو بن الليث الصفار و امره بمواقعة رافع لما بلغه من ميل رافع الى محمد بن زيد و انكاره قتل المعتمد و جلوس المعتضد» (54). اي ان رافعا يتهم المعتضد بقتل المعتمد ليجلس مكانه.

و يبدو ان السبب الذي ذكره الطبري و نقله عنه من جاء بعد من المؤرخين، و هو الشرب الكثير و الأكل الكثير قد اودى بحياة المعتمد على اللّه و نديميه. و هناك احتمال بان الطعام الذي اكلوا منه قد تسرب اليه الفساد فتسموا به فماتوا. اما ما اورده الآخرون عن قتله بالسم بوضعه في الطعام او في الشراب، او قتله بالوسائل التي ذكرت فأمر يشك في صحته. لأن المعتمد على اللّه كان ضعيفا يسير طوع ارادة اخيه الموفق الذي غلب على اموره، و لما توفى حل ابنه احمد مكانه و اصبح وليا للعهد و لم يتغير موقف المعتمد على اللّه منه اذ بقي مستسلما، منصرفا الى حياته التي اعتادها، بحيث كان المعتضد الخليفة الفعلي، فلم يكن و الحالة هذه ما يستدعي التخلص منه و اللجوء الى قتله.

و هناك اختلاف في عمر المعتمد على اللّه عند وفاته. فقد قيل انه توفى عن ثمان و اربعين سنة (55). و قيل ان عمره كان خمسين سنة (56). او خمسين سنة و ستة اشهر (57). و اذا ما اعتبرنا ان‏

____________

(54) مختصر كتاب البلدان/ 312.

(55) مروج للذهب 4/ 198.

(56) خلاصة الذهب المسبوك/ 234، و النبراس/ 90، و العبر 2/ 61.

(57) الكامل 7/ 455، و المختصر في اخبار البشر 2/ 56، و تاريخ الخلفاء/ 367.

360

مولده كان في سنة 229 ه كما سبق ان اشرنا، فان عمره لا يمكن ان يكون اقل من خمسين سنة.

و يكاد يجمع المؤرخون على ان مدة خلافة المعتمد على اللّه كانت ثلاثا و عشرين سنة. الا ان ابن الاثير يضيف على ذلك ستة اشهر. بينما يعتبرها الطبري ثلاثا و عشرين سنة و ستة ايام، و تبعه في ذلك الاربلي. و لما كان تاريخ مبايعة المعتمد على الله و تاريخ وفاته معروفين، فان ما ذكره الطبري اقرب الى الصواب.

361

الباب الثالث مؤسسات الدولة العربية في عهد سامرا

1- وزراء سامرا

2- الكتاب‏

3- القضاء في عهد سامرا

362

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

363

الفصل الأول وزراء سامرا

سنعرض فيما يلي ملخصا بسيرة من تولى منصب الوزارة في خلفاء سامرا، ممن كان لهم دور بارز في ادارة شؤون البلاد، و نتعرف من خلال سيرهم على علاقاتهم بالخلفاء و اساليبهم في الادارة، و ما تركوه من آثار في حياة الدولة العربية خلال عملهم.

1- الفضل بن مروان:

عند ما وصل المعتصم باللّه الى بغداد و تمت مبايعته بالخلافة استوزر كاتبه ابا العباس الفضل بن مروان بن ما سرخس، و هو نصراني الأصل من اهل البردان‏ (1). على الرغم من ان اخاه المأمون كان قد اوصاه بالا يتخذ وزيرا لأن تجربته في استيزار يحيى بن اكثم لم تكن مرضية له. الا ان منصب الوزير بما طرأ عليه من ظروف في عهد خلفاء بنى العباس الذين سبقوا المعتصم باللّه كان قد استقر و ثبت، و اصبح من اركان الدولة العربية. و لهذا فقد عهد المعتصم بالله به الى كاتبه الذي كان يعتمد عليه كثيرا.

____________

(1) وفيات الاعيان 3/ 213.

364

كان الفضل في اول امره يكتب ليحيى الجرمقاني كاتب المعتصم باللّه عند ما كان اميرا، فلما مات الجرمقاني حل محله. و قد اعجب المعتصم بالله به و استصحبه معه الى الشام و مصر، فاحتوى على كثير من الاموال، و لما صحب ابو اسحاق اخاه الخليفة المأمون في حملته الاخيرة على بلاد الروم، عاد الفضل الى بغداد. و كان يتولى تدبير امور ابي اسحاق نيابة عنه و يكتب على لسانه بما يريد.

و عند ما بلغه خبر موت المأمون و مبايعة المعتصم باللّه بالخلافة، و خلاف بعض القواد عليه و مناداتهم بخلافة العباس بن المأمون، قام بدور بارز في اخذ البيعة للمعتصم باللّه ببغداد، و ضبط الامور فيها. و لما قدم المعتصم بالله عرف له فضله و جهوده، فاستوزره و خلع عليه، و اسلم مقاليد الامور اليه. و قد استطاع الفضل ان يحل من قلب الخليفة المحل الذي لم يصل اليه احد، و تمكن منه و استقل بالأمور. فغلب على امره حتى لم يبق للمعتصم بالله معه يد (2). حتى قيل ان المعتصم باللّه صار خليفة و صار الفضل بن مروان صاحب الخلافة و صارت الدواوين كلها تحت يديه‏ (3). الا ان الفضل كان قليل العلم، ضحل المعرفة، رغم جودة كتابته.

و يصفه ابن الطقطقي بأنه كان عاميا لا علم عنده و لا معرفة، و كان ردى‏ء السيرة جهولا بالامور (4). و يقول ابن الاثير عنه انه كان شرس الاخلاق، ضيق العطف، كريه اللقاء بخيلا (5). و لكنه كان، كما يظهر حسن المعرفة بخدمة الخلفاء (6).

____________

(2) مآثر الانافة 1/ 220.

(3) الطبري 9/ 19.

(4) الفخري/ 212.

(5) الكامل 6/ 454.

(6) الفهرست/ 190، و وفيات الاعيان 3/ 213، و شذرات الذهب/ 2/ 122

365

لقد استغل الفضل بن مروان ثقة المعتصم باللّه به و اعتماده عليه. و يروي التنوخي خبرا فيه دلالة على تسلط الكتاب و استغلالهم نفوذهم في حيازة الأموال. فعندما ندب الخليفة المآمون اخاه ابا اسحاق الى مصر لقمع الثورة التي قامت فيها سنة (214 ه) استصحب معه كاتبه الفضل بن مروان. و قد اشخص الفضل معه احد كتابه هو ابن عبدون الانباري ليساعده في عمله. و يقول ابن عبدون انه كسب في ليلة واحدة مائة الف دينار. و ذلك ان القتل لما استشرى في اهل مصر تقدم عدد كبير من رؤساء البلد الى الفضل يسألونه الآمان لهم، فخول كاتبه ان يجيبهم الى ما التمسوا. فكتب هذا في الامان لمائة رجل منهم. فبعث بعضهم اليه مبالغ من المال بحيث اجتمع له فى تلك الليلة ذلك المبلغ‏ (7). لا شك في ان المبلغ الذي احتجزه الكاتب الصغير لنفسه جزء مما حصل عليه ابن مروان نفسه. و كان من واجب ابي اسحاق، و هو قائد الحملة لاخماد الثورة، ان يصدر عفوا عاما بعد قضائه على رؤوس الفتنة، فيعيد الأمن و الأطمئنان الى نفوس الناس، و لا يترك مجالا لهذا الكاتب و امثاله في استغلالهم. الا ان استحواذ كاتبه الفضل بن مروان عليه جعله يترك الأمر لتدبيره مما اتاح له فرصة الانتهاب.

و قد بلغ من جشع الفضل انه اخذ يسرق الخليفة. فكان يخالفه في بعض ما يأمر به من المنح و الاعطيات. فكان المعتصم باللّه يأمره باعطاء المغنى و الملهي، فلا ينفذ الفضل ذلك‏ (8). و اخذ يحجب ما كان يحتاج اليه من الاموال في مهام اموره. فقال ابراهيم الهفتى للمعتصم باللّه، و هو احد جلسائه المقربين اليه: مالك من الخلافة

____________

(7) الفرج بعد الشدة 3/ 86 و كامل القصة 82- 86.

(8) الطبري 9/ 19.

366

الا الاسم، و الله ما يجاوز امرك اذنيك‏ (9). و كان المعتصم بالله امر له بمبلغ من المال فلم يعطه الفضل شيئا. و ذكر القاضي احمد بن ابي دواد انه كثيرا ما رأى المعتصم بالله يطلب الى الفضل ان يحمل اليه مبلغا من المال، فيرد بعدم توفره، او بعدم استطاعته توفيره. فنصح الفضل الا يرد الخليفة و لا يمتنع عن اجابة طلباته من المال جهد امكانه، و حتى في حالة عدم وجود المال حقيقة، فعليه الا يرد الخليفة باجوبة غليظة، بل يعلله بأن سيعمل على توفيره له. الا ان الفضل امعن في نهجه، مما اثقل على المعتصم باللّه‏ (10).

و اثار غضبه عليه. ففرض اول الأمر رقابة مالية عليه، فعين احمد بن عمار لتدقيق النفقات الخاصة، و عين نصر بن منصور ليدقق اعماله في الخراج و في الاعمال الاخرى. و كان نصر يتولى آنذاك ديوان الخاتم و النفقات و الأزقة (11). و امر الفضل بان يرفع اليه تقريرا عما وصله من الاموال و اوجه انفاقها.

و لما فرغ الفضل بن مروان في اعداد الحساب لم يناظره فيه المعتصم باللّه، بل امر بحبسه. ثم نفاه الى قرية السن في طريق الموصل. و قيل انه حبسه خمسة اشهر ثم اطلقه و الزمه بيته‏ (12).

و ذلك بعد ان صادر امواله و اموال اهل بيته. كما بطش بجماعة من اصحابه و استصفى اموالهم، و قد تولى المصادرة اسحاق بن ابراهيم نائب الخليفة ببغداد و صاحب شرطته‏ (13). و يقال انه اخذ من بيته الف الف دينار، و اخذ اثاثا و فرشا و آنية قدرت قيمتها

____________

(9) العيون و الحدائق 3/ 384.

(10) الطبري 90/ 21.

(11) معجم الادباء 5/ 318- 319.

(12) شذرات الذهب 2/ 122.

(13) تاريخ اليعقوبي 2/ 472.

367

بالف الف دينار كذلك‏ (14). و يقول مؤلف كتاب «العيون و الحدائق في اخبار الحقائق» انه اخذ منه من الاموال ما لا يحصى حتى ان المعتصم بالله قال: ما كنت اعلم ان في الدنيا من له مثل هذا المال‏ (15). و هناك من يقول انه اخذ منه عشرة الاف الف دينار (16).

و قال المعتصم باللّه لما قبض على الفضل بن مروان انه عصى اللّه في طاعتي فسلطتي عليه‏ (17). ان ذلك دليل على استغلال الفضل و بطشه بالناس. و بلغ من تذمر الناس و شكواهم منه انه جلس يوما لقضاء اشغال الناس، فرفعت اليه قصص العامة، فرأى في جملتها رقعة كتب عليها (18):

تفرعنت يا فضل بن مروان‏* * * فقبلك كان الفضل و الفضل و الفضل‏

ثلاثة املاك مضوا لسبيلهم‏* * * ابادتهم الأقياد و الحبس و القتل‏

و انك قد اصبحت في الناس ظالما* * * ستودى كما اودى الثلاثة من قبل‏

____________

(14) وفيات الاعيان 3/ 214، و شذرات الذهب 2/ 122.

(15) العيون و الحدائق 3/ 384.

(16) العبر 1/ 379.

(17) وفيات الاعيان 3/ 214.

(18) نفس المصدر/ 213، و يريد بالفضول الثلاثة: الفضل بن يحيى البرمكي، و الفضل بن سهل، و الفضل بن الربيع. و الفخري/ 212 و قد اقتصر على البيتين الاوليين، و جاء عجز البيت الثاني: ابادهم التقييد و الاسر و القتل. و يقول ان هذه الابيات للهيثم بن فراس السامي. و معجم الادباء 2/ 126 و عجز البيت الثاني فيه: ابادهم الموت المشتت و القتل.

368

و روى صاحب الهفوات النادرة هذا الخبر على الشكل التالي:

تظلم اعرابي الى الفضل بن مروان من بعض عماله، فصرف وجهه عنه و انتهره، فوقف متحيرا واجما، ثم قال: أ يأستني من عدلك فاسمع مني واصغ ما بدا لك، ثم انشده الأبيات المذكورة، مع تغيير في بعض الالفاظ. فتغير وجه الفضل و امتقع لونه و بان غضبه و غيظه، و تصبر، و لم يرد على الاعرابي، و لا امر بانصافه، و لم يكن بين ذلك و بين القبض عليه الا ايام يسيرة (19).

و قال الفضل عن اسباب مصادرته: ما في الارض اجهل من وزير يطلب الخليفة منه مالا و هو في ولايته فيعطيه اياه، فانه يطمعه في نعمته، و انما يدفع النكبة مدة ثم تحدث و قد ذهب المال.

فمن ذلك ان المعتصم باللّه لما خرج لغزو الروم، و انا وزيره، استخلفني على سر من رأى، فلما عاد طمع في فقال لي: قد وردت و المال نزر و الجيش مستحق فاحتل لي مائة الف دينار من مالك و جاهك، ففعلت. فلما مضى شهر طلب مني على هذا السبيل خمسين الف دينار، ففعلت. فطلب مني في الدفعة الثالثة بمثل هذا الوجه ثلاثين الف دينار، فوعدته بها و دافعته اياما ثم حماتها اليه. فبلغني انه قال لأبنه هارون: هذا النبطي ابن النبطية اخذ مالي جملة، و هو ذا يتصدق علي تفاريق‏ (20).

و قد شمت الناس بالفضل بن مروان لما نكب، و قال فيه بعضهم‏ (21):

____________

(19) الهفوات النادرة/ 256- 257.

(20) نشوار المحاضرة 8/ 48.

(21) الكامل 6/ 454.

369

ليبك على الفضل بن مروان نفسه‏* * * فليس له باك من الناس يعرف‏

لقد صحب الدنيا منوعا لخيرها* * * و فارقها و هو الظلوم المعنف‏

الى النار فليذهب و من كان مثله‏* * * على أي شى‏ء فاتنا منه نأسف‏

و من المأثور عن الفضل بن مروان انه كان يقول: لا تتعرض لعدوك و هو مقبل فأن اقباله يعينه عليك، و لا تتعرض له و هو مدبر فان ادباره يكفيك امره‏ (22). و قد عفى عنه الخليفة المعتصم باللّه بعد مدة و اطلق سراحه من الحبس. فخدم جماعة من الخلفاء بعده حتى مات في سنة (250 ه) في ايام المستعين باللّه، و قد جاوز التسعين سنة من عمره. و للفضل كتاب جمع فيه من الاخبار التي علم بها، و المشاهد التي رآها، سماه «ديوان الرسائل» (23).

و لم يحفظ لنا المؤرخون من اعماله و اخباره الا النزر اليسير.

منها ان الخليفة المهدي بن المنصور كان قد امر بأن يجعل يوم الخميس عطلة لموظفي الديوان يستريحون فيه و ينظرون في امورهم، و يوم الجمعة للصلاة، اي الى ان ولي الفضل بن مروان الوزارة للمعتصم باللّه فازال ذلك و الزم الموظفين بالدوام يوم الخميس‏ (24).

____________

(22) وفيات الاعيان 3/ 214.

(23) الفهرست/ 190.

(24) الوزراء و الكتاب/ 166.

370

و عند ما قبض على الفضل اشار البحتري الى ذلك ببضعة ابيات وجهها اليه‏ (25):

لا تعجبن فما للدهر من عجب‏* * * و لا من اللّه من حصن و لا هرب‏

يا فضل لا تجز عن مما رميت به‏* * * من خاصم الدهر جاثاه على الركب‏

كم من كريم نشا في بيت مملكة* * * أتاك مكتئبا بالهم و الكرب‏

اوليته منك اذلالا و منقصة* * * و خاب منك و من ذي العرش لم يخب‏

ما تشتفي فعلة ابكيت ناظرها* * * حتى تراك على عود من الغرب‏

و ظاهر من هذه الابيات ان الشاعر يبكت الفضل و يلومه على سوء معاملته الناس، و ان ما اصابه انما كان نتيجة افعاله، فلا داعي لأن يتعجب مما آل اليه مصيره.

و لما قبض المعتصم بالله على الفضل، قعد للعامة فوجد قصته فيها (26):

يا فضل لا تجزعن مما بليت به‏* * * من خاصم الدهر جاثاه على الركب‏

____________

(25) ديوان البحتري 1/ 358.

(26) محاضرات الادباء 1/ 86.

371

خنت الامام و هذا الخلق قاطبة* * * و جرت حتى اتى المقدار في الكتب‏

جمعت شتى و قد اديتها جملا* * * لأنت اخسر من حمالة الحطب‏

و كان الشاعر الهجاء دعبل الخزاعي قد نصح الفضل بن مروان و حذره من مغبة اعماله بابيات من الشعر طريفة هي‏ (27):

نصحت فأخلصت النصيحة للفضل‏* * * و قلت فسير المقالة في الفضل‏

الا ان في الفضل بن سهل لعبرة* * * ان اعتبر الفضل بن مروان بالفضل‏

و في ابن الربيع الفضل للفضل زاجر* * * اذا ازدجر الفضل بن مروان بالفضل‏

و للفضل في الفضل بن يحى مواعظ* * * اذا اتعظ الفضل بن مروان بالفضل‏

اذا ذكروا يوما و قد صرت رابعا* * * ذكرت بقدر السعي منك الى الفضل‏

فابق جميلا من حيث تفز به‏* * * و لا تدع الاحسان و الاخذ بالفضل‏

____________

(27) ديوان دعبل الخزاعي/ 170- 171.

372

فانك قد اصبحت للملك قيما* * * و صرت مكان الفضل و الفضل و الفضل‏

و لم أر ابياتا من الشعر قبلها* * * جميع قوافيها على الفضل و الفضل‏

و ليس لها عيب اذا هي أنشدت‏* * * سوى ان نصحى الفضل كان من الفضل‏

فبعث اليه الفضل بدنانير و قال له: قد قبلت نصحك، فأكفني خيرك و شرك. و ابيات دعبل على بسطاتها و طرافتها لا تخلو من الانتقاد و التعريض، الى جانب ما تضمنته من النصح و التحذير.

قد ادرك الفضل ما قصد اليه الشاعر الهجاء.

و قد اصبحت نكبة الفضل بن مروان مما يضرب به المثل، فقد قال احد الشعراء (28):

يكفيك من غير الايام ما صنعت‏* * * حوادث الدهر بالفضل بن مروان‏

2- محمد بن عبد الملك الزيات::

لما غضب الخليفة المعتصم بالله على كاتبه و وزيره الفضل بن مروان و أمر بمصادرته و حبسه، استوزر احمد بن عمار البصري.

و كان ابن عمار هذا رجلا موسرا من اهل المزار- و هي قصبة ميسان بين البصرة و واسط (29)- و كان طحانا، فانتقل الى البصرة

____________

(28) تاريخ اليعقوبي 2/ 472.

(29) معجم البلدان 5/ 88.

373

و اشترى بها املاكا فكثر ماله، ثم انتقل الى بغداد فاتسع حاله.

و قالوا انه كان يخرج من الصدقة في كل يوم مائة دينار (30).

و عند ما كان الفضل بن مروان في خدمة المعتصم بالله كان يصف له بن عمار بالامانة، فلما طرد الفضل استوزر الخليفة ابن عمار لأمانته‏ (31). و قيل ان لم يكن وزيرا بل كان كاتبا خاصا للمعتصم بالله عند ما غضب على الفضل بن مروان صير مكانه محمد بن عبد الملك الزيات‏ (33).

و يظهر ان المعتصم بالله استخدم احمد بن عمار لما عرفه من امانته وسعة حاله لكي يأمن استغلاله منصبه في ارهاق الناس و احتواء الاموال، كما فعل ابن مروان. الا ان احمد بن عمار كان جاهلا باعمال الوزارة و مهامها. و فيه قال بعض شعراء عصره‏ (34):

سبحان ربي الخالق الباري‏* * * صرت وزيرا يا ابن عمار

و كنت طحانا على بغلة* * * بغير دكان و لا دار

كفرت بالمقدار ان لم تكن‏* * * قد جزت في ذا كل مقدار

____________

(30) الفخري/ 213.

(31) نفس المصدر.

(32) التنبيه و الاشراف/ 308.

(33) الطبري 9/ 20 و 22، و العيون و الحدائق 3/ 384، و تاريخ ابن‏

(34) الفخري/ 213.

خلدون 3/ 548 و العبر 1/ 379.

374

و قد لبث في الوزارة مدة يسيرة ثم اعفي منها.

فأستأذن الخليفة بان يسمح له بالخروج الى الحج و المجاورة، فأذن له المعتصم بالله و وصله بعشرة الاف دينار. و دفع اليه عشرين الف دينار ليصرفها في اهل الحرمين من الهاشميين و القرشيين و الأنصار. فقال: و اذا تقدم غيرهم ممن يستحق فماذا اعطيهم؟

فاعطاه خمسة الاف اخرى. و حج ابن عمار و فرق المال كله مع العشرة الاف التي كانت له، و جاور سنة ثم انصرف. فكان الناس هناك يضربون المثل بذلك العام، و يقولون ما رأينا مثل عام ابن عمار (35).

اشرنا آنفا الى ان المعتصم بالله اعجب بسعة اطلاع محمد بن عبد الملك الزيات و وفرة معلوماته فاتخذه وزيرا بدلا من ابن عمار.

الا ان رواية صاحب الهفوات النادرة، ان صحت، تدحض ذلك و ترجح احتمال ان ابن عمار هو الذي رشح صاحبه و صديقه ابن الزيات للخليفة ليوليه الوزارة، لما يعرفه عنه من غزارة العلم، و الأمانة. و كان جد محمد بن عبد الملك الزيات ابان بن حمزة قرويا من اهل جيل و هي قرية من اعمال بغداد تحت المدائن‏ (36).

و كان يجلب الزيت الى بغداد، فنسب اليه و لقب بالزيات. و يظهر ان اباه عند ما انتقل الى بغداد عمل في التجارة فصار من اغنياء التجار، بحيث ان ابراهيم بن المهدي عند ما بايعه اهل بغداد بالخلافة و احتاج الى المال اقترض من عدد من التجار، كان عبد الملك الزيات احدهم.

____________

(35) ثمار القلوب/ 204.

(36) معجم البلدان 2/ 202. و يقول ابو الفرج ان اسم القرية جبل و هي مقابلة لقرية دسكرة غربي بغداد. الاغاني 23/ 46.

375

نشأ محمد ببغداد و انصرف الى طلب العلم و المعرفة فاصبح اديبا اريبا، عالما، في النحو، بليغا في اللغة. حتى ان ابا عثمان المازني لما قدم بغداد في ايام المعتصم بالله، كان اذا اختلف جلساؤه فيما يقع فيه الشك من علم النحو، يقول لهم عليكم بمحمد فاعرفوا جوابه. و كانت اجوبة محمد مصيبة دائما يرتضيها ابو عثمان‏ (37). و قد وصفه ابن الطقطقي بحدة الذكاء و انه «برع في كل شي‏ء حتى صار نادرة وقته عقلا و فهما و ذكاء و كتابة و شعرا و خبرة بأداب الرياسة و قواعد الملوك» (38). و قال عنه الخطيب البغدادي انه كان اديبا فاضلا عالما بالنحو و اللغة (39). و قال عنه ابن خلكان مثل ذلك و اضاف انه كان من اهل الأدب الظاهر و الفضل الباهر (40). و يروى انه لما تولى الوزارة اشترط الا يلبس القباء، و ان يلبس الدراعة و يتقلد عليها سيفا بحمائل، فأجيب الى طلبه‏ (41).

لقد نهض ابن الزيات باعباء الوزارة على احسن وجه بحيث حاز ثقة الخليفة و رضاه. و يقول ابن الطقطقي انه نهض بالوزارة نهوضا لم يكن لمن تقدمه من اضرابه، الا انه يقول ايضا انه كان جبارا متكبرا، فظا غليظ القلب، خشن الجانب، مبغضا الى الخلق‏ (42). لقد كان ابن الزيات في الواقع وزيرا حازما و اداريا

____________

(37) تاريخ بغداد 2/ 342، و وفيات الاعيان 4/ 182.

(38) الفخري/ 213.

(39) تاريخ بغداد 2/ 342.

(40) وفيات الاعيان 4/ 182.

(41) الاغاني 23/ 52.

(42) الفخري/ 213.

376

قديرا. عرف بالشدة و الصرامة. و قد اناط به المعتصم بالله مسؤولية جميع ما بناه في سر من رأى في كلا جانبيها الشرقي و الغربي‏ (43). و بلغ من قوة نفوذه انه كان يعقد للولاة، فقد عقد لاسحاق بن ابي خميصته على اليمامة و البحرين و طريق مكة ممايلي البصرة، في دار الخلافة. و لم يذكر ان احدا من الوزراء قام بذلك غيره‏ (44). و قد وصفه كاتبه احمد ابن اسرائيل بقوله: كان ابن الزيات قليل الخير، لا يرعى ذماما و لا يوجب حرمة، و لا يحب ان يصطنع احدا (45). و روى ابو الفرج بعض الاخبار الدالة على لؤم ابن الزيات و حقده و حسده. فقد مر ذات يوم بدار ابراهيم بن فرأى فيه قبة مشيدة، فساءه ان يرى مظاهر الجاه و الثراء عليه، فقال:

اما القباب فقد اراها شيدت‏* * * و عسى امور بعد ذاك تكون‏

عبد عرت منه خلائق جهله‏* * * اذ راح من الثراء و هو سمين‏

فما كانت الا ايام حتى اوقع بابن رباح و نكبه‏ (46). و من مظاهر لؤمه ايضا انه كان له جار، فلما بلغ ابن الزيات ما بلغ، شخص اليه ذلك الجار يطلب اقالة عثرته. فقال: قد علمت حالك، فانصرف وعد الي في غد. فولى الرجل، فلما صار غير بعيد منه‏

____________

(43) الطبري 9/ 20.

(44) الطبري 9/ 140.

(45) الفرج بعد الشدة 3/ 275.

(46) الاغاني 23/ 72.

377

دعا به و قال له: و اللّه مالك عندي شى‏ء. ثم اقبل على بعض من كان بين يديه فقال: انما رددته و آيسته بخلا عليه بفسحة الأمل بقية يومه‏ (47). و ذلك منتهى اللؤم و البخل على الآخرين و بخاصة ذوي الحاجة منهم.

على انه مع رغم قسوة ابن الزيات و حقده و صرامته، فقد كان لا يخلو من العدل و الانصاف في معاملة الآخرين احيانا. فقد جلس يوما للمظالم فتقدم اليه رجل ادعى بأنه مظلوم و ان الوزير نفسه قد ظلمه. فسأله عن امره، فأوضح له ان وكيله قد اغتصب ضيعة له، و هو لا يزال يدفع خراجها لئلا يفقد ملكيتها، بحيث اصبح‏ (48) وكيل الوزير يأخذ غلتها، و يؤدي صاحبها خراجها، و ان ما لم يسمع في الظلم مثله. فسأله لما تأخر في شكواه، فأجاب بأن خوفه من سطوته و قوة حجته منعه من التقدم بالشكوى. فقال ابن الزيات:

ان ذلك يحتاج الى بينة و شهود و اشياء. قال الرجل: أيؤمنني الوزير من غضبه حتى اجيب؟ قال: قد امنتك. قال: البينة هم الشهود و اذا شهدوا فليس يحتاج معهم الى شي‏ء، و ما قولك و اشياء الا للتعجيز. فضحك محمد (49) قال: صدقت. ثم وقع له برد ضيعته، و ان يطلق له كر حنطة و كر شعير و مائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، و صيره من اصحابه‏ (50).

نستدل من هذا الخبر على عنت الحكام و سوء تصرف وكلائهم في اغتصاب اموال الآخرين، او التمتع بغلاتها و خيراتها، و حرمان‏

____________

(47) جمع الجواهر في الملح و النوادر/ 300.

(48) الاغاني 23/ 47- 48، و الهفوات النادرة/ 389- 390.

(49) العقد الفريد 3/ 213.

(50) عيون الانباء/ 284.

378

اصحابها الشرعيين من ذلك. و اذا ما انصف ابن الزيات احد هؤلاء المغتصبة اموالهم لأنه تجرأ فاشتكى منه اليه، فان هناك عديد من امثاله ممن لا تصل شكواهم الى مسؤول.

يقول ابن عبد ربه ان محمد بن عبد الملك كان يأنس باهل البلادة و يستوحش من اهل الذكاء. فسئل عن ذلك، فقال: مؤونة التحفظ شديدة (51). و هذا يلقي ضوءا على جانب من شخصيته، هو رغبته في التميز على الآخرين، و ذلك لا يتاح له الا اذا كانوا دونه كفاية و ذكاء. كما ان ذلك يعفيه من التحفظ في اقواله و افعاله امامهم لأنهم لا يملكون قدرة الاعتراض عليه او مناقشته، و انهم لا ينتبهون الى ما يهدف اليه من بعض اعماله و تصرفاته.

كان ابن الزيات مولعا بالآداب و العلوم الى جانب كفايته الادارية و السياسية. و قد شجع نقل الكتب اليونانية الى العربية و قد انفق على ذلك مبالغ كبيرة. يقول ابن ابي اصيبعة ان عطاءه للنقلة و النساخ يقارب الفي دينار فى كل شهر، و ان بعض الكتب نقلت باسمه، و قام بذلك كبار الأطباء و المترجمين مثل يوحنا بن ماسويه و سلمويه بن بنان و اسرائيل بن زكريا الطيفوري‏ (52).

و ذكر صاحب الفهرست ان حنين بن اسحاق نقل لمحمد بن عبد الملك الزيات الى العربي كتاب الصوت و هو اربع مقالات‏ (53). و يمكن ان نستنتج مما كان ينفقه على المترجمين و ما كان يهديه اليه بعض المؤلفين انه كانت له بسامرا خزانة كتب كبيرة تضم مجلدات من الكتب الموضوعة و المترجمة في مختلف الفنون و العلوم.

____________

(51) الفهرست/ 418.

(52) معجم الادباء 6/ 75.

(53) نفس المصدر/ 85- 86.

379

كما كان ابن الزيات يرعى الادباء و الشعراء. و كان عمرو بن بحر الجاحظ كبير ادباء عصره ملازما له مختصا به. و قد انحرف بسببه عن قاضي القضاة احمد بن ابي دواد، للخصومة التي كانت بين ابن الزيات و ابن ابي دواد. و قد اهدى الجاحظ كتابه «الحيوان» الى ابن الزيات فمنحه خمسة الاف دينار (54). و قال الجاحظ: اردت الخروج الى محمد بن عبد الملك ففكرت شى‏ء اهديه اليه فلم اجد اشرف من كتاب سيبويه، و قلت له اردت ان اهديك شيئا ففكرت فاذا كل شى‏ء عندك، فلم أر اشرف من هذا الكتاب و قد اشتريته من ميراث القراء. قال: و اللّه ما اهديت الي شيئا احب الي منه‏ (55).

لقد جمع ابن الزيات بين النثر و الشعر، فكان شاعرا مجيدا لا يقاس به احد من الكتاب. قال الصولي: كنا نقول لم يل الوزارة اشعر من أحمد بن يوسف حتى ولى محمد بن عبد الملك فكان اشعر منه‏ (56). و من رقيق شعره قوله:

سماعا يا عباد اللّه مني‏* * * و كفوا عن ملاحظة الملاح‏

فأن الحب آخره المنايا* * * و اوله بهيج بالمزاح‏

و قالوا: دع مراقبة الثريا* * * و نم فالليل مسود الجناح‏

____________

(54) الاوراق/ 206.

(55) لاغاني 23/ 46- 47.

(56) ديوان البحتري 1/ 632- 638.

380

فقلت: و هل افاق القلب حتى‏* * * افرق بين ليلي و الصباح‏

و قد افرد ابو الفرج فصلا فى كتابه لابن الزيات باعتباره اديبا شاعرا و روى له عددا من المقاطع الشعرية (57).

و مدح ابن الزيات عدد من شعراء عصره و على رأسهم البحتري، فقد مدحه بقصيدة يصف فيها بلاغته و عزمه و كفايته، جاء فيها (58):

في نظام من البلاغة ماش* * * ك امرؤ انه نظام فريد

و معان لو فضلتها القوافي‏* * * هجنت شعر جرول و لبيد

حزن مستعمل الكلام اختبارا* * * و تجنبن ظلمة التعقيد

و ركبن اللفظ القريب فادرك* * * ن به غاية المراد البعيد

و ارى الناس مجمعين على فض* * * لك من بين سيد و مسود

عرف العالمون فضلك بالع* * * لم و قال الجهال بالتقليد

____________

(57) ديوان ابي تمام 1/ 239- 259.

(58) نشوار المحاضرة 8/ 91.

381

صارم العزم حاضر الحزم ساري‏* * * الفكر ثبت المقام صلب العود

دق فهما وجل حلما فأرضى‏* * * اللّه فينا و الواثق بن الرشيد

قد تلقيت كل يوم جديد* * * يا ابا جعفر بمجد جديد

و اذ استطرفت سيادة قوم‏* * * بنت بالسؤدد الطريف التليد

و مدحه ابو تمام الطائي بقصيدة منها (59):

و عاذل هاج باللؤم مأربه‏* * * باتت عليها هموم النفس تصطخب‏

لما اطال ارتجال العذل قلت له‏* * * الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب‏

لم يجتمع قط في مصر و لا طرف‏* * * محمد بن ابي مروان و النوب‏

لي من ابي جعفر آخيه سبب‏* * * ان تبق يطلب الى معروفي السبب‏

صحت فيما يتمارى من تأملها* * * من فرط نائله في انها نسب‏

لن يكرم الظفر المعطى و ان اخذت‏* * * به الرغائب حتى يكرم الطلب‏

____________

(59) الاغاني 23/ 46.

382

ردء الخلافة في الجلى اذا نزلت‏* * * و قيم الملك لا الواني و لا النصب‏

القى اليك عرى الأمر الامام فقد* * * شد العتاج من السلطان و الكرب‏

يعشو اليك وضوء الرأى قائده‏* * * خليفة انما آراؤه شهب‏

و قد بقى محمد بن عبد الملك الزيات محتفظا بمركزه في الوزارة طيلة ايام الخليفة المعتصم باللّه، و في ايام ابنه الواثق باللّه و بعض ايام المتوكل على اللّه. و قال الفضل بن مروان: لا نعلم وزيرا وزر وزارة واحدة بلا حرف لثلاثة خلفاء منسقين غير محمد بن عبد الملك‏ (60). و يؤيد ابو الفرج ذلك بقوله: انه وزر ثلاث دفعات و هو اول من تولى ذلك‏ (61).

و كان من اول اعمال الواثق باللّه عند ما تولى الخلافة انه اتخذ وزير ابيه وزيرا له، لما كان يتوسمه فيه من الدراية و الكفاية، و عمق المعرفة وسعة الاطلاع، رغم انه كان ينقم عليه امورا كثيرة قاساها منه عند ما كان اميرا. بحيث انه قال يوما لخادمه: قد تم عليّ من هذا الكلب كل مكروه، فاذا افضت الي الخلافة فقتلني ان لم اقتله‏ (62). و يقول ابن الطقطقي ان الواثق كتب بخطه كتابا و حلف فيه ليقتلن ابن الزيات‏ (63). الا انه عند ما آلت اليه الخلافة

____________

(60) نشوار المحاضرة 8/ 19.

(61) الفخري/ 214.

(62) نفس المصدر، و نشوار المحاضرة 8/ 17- 19.

(63) وفيات الاعيان 4/ 186.

383

و حضر الدار جميع الكتاب، لم يرق له ما كتبوه عن موت ابيه و توليه الخلافة، فاضطر ان يطلب الى ابن الزيات ان يكتب ذلك. فكتب كتابا نال استحسان الواثق باللّه بحيث امر بتحرير الكتب الى جميع الجهات بموجبه‏ (64). و اقره في الوزارة لأنه لم يجد من يقوم مقامه من حيث درايته و حسن سياسته الى سعة اطلاعه و معرفته بتدبير الأمور. و فوض اليه ملكه و صار لا يصدر الا عن رأيه. و يروى انه قال ان عن المال و الفدية عن اليمين عوض، و ليس عن الملك و ابن الزيات عوض‏ (63). و انه قال: و اللّه ما يمنعني من الوفاء بيميني الا النفاسة على ان يخلو الملك من امثاله‏ (64). و لذلك فانه لم يستوزر غيره طيلة حياته. على الرغم من ان ابن الزيات كان كما يقول اليعقوبي بشي‏ء من التحامل عليه: شديد القسوة، قليل الرحمة، جبّاها للناس، كثير الاستخفاف بهم، و لا معروف عنده‏ (65).

و عند ما بويع للمتوكل على الله بالخلافة استمر محمد بن عبد الملك الزيات في الوزارة، الا ان المتوكل على الله كان يعقد عليه بعض الامور. و قد سبق ان اشرنا الى ما كان يحمله من حقد على ابن الزيات و القائد التركي ايتاخ. لانهما كانا عارضا ترشيحه للخلافة و اقترحا قتله للتخلص منه. اضافة الى ان ابن الزيات كان يسي‏ء معاملته في عهد اخيه الواثق بالله. لذا كان من المتوقع ان يتخلص الخليفة من ابن الزيات الا انه تمهل قليلا قبل ان يقدم على ذلك. و يقول ابو الفرج انه «خشي ان نكبه عاجلا ان يستتر اسبابه فتفوته بغيته فيه، فاستوزره و خلع عليه. و جعل ابن ابي‏

____________

(63) و فيات الاعيبان 4/ 186.

(64) جمع الجواهر في الملح و النوادر/ 303- 304.

(65) تاريخ اليعقوبي 2/ 484.

384

دواد يغريه به و يجد لذلك عنده موقعا و استماعا» (66). حتى اذا كان يوم الاربعاء لسبع خلون من صفر من سنة (233 ه) عزم المتوكل على الله على الفتك به. فأمر كبير قواده و حاجبه ايتاخ ان يقبض على ابن الزيات و يعذبه. فقبض عليه و اودعه السجن.

و وجه اثنين من وجوه اصحابه هما يزيد بن عبد الله الحلواني و هرثمة شارباميان الى داره و اخذا جميع ما فيه‏ (67).

و كان الخليفة قد وجه راشدا المغربي الى بغداد لقبض ما لأبن الزيات فيها من الاموال، و امر ابا الوزير احمد بن خالد بقبض ضياعه و ضياع اهل بيته حيثما كانت. و اجبر ابن الزيات على ان يوكل العباس بن احمد كاتب القائد عجيف بن عنبسة ببيع ما يملكه. فكانت قيمة ما قبض له تسعين الف دينار، و قيل مائة الف دينار (68).

و قيد ابن الزيات في سجنه بأمر الخليفة، فامتنع عن الطعام، و كان شديد الجزع كثير البكاء قليل الكلام. و كان ابن الزيات قد اتخذ للمصادرين و المغضوب عليهم تنورا من الخشب فيه مسامير اطرافها الى داخل التنور، يعذبهم فيه. فأمر المتوكل على الله بادخاله في ذلك التنور فبقى فيه اياما فمات‏ (69). و هناك اختلاف في سبب موته، فقد قيل انه ضرب فمات و هو يضرب، و قيل انه مات بغير

____________

(66) الاغاني 23/ 72- 73.

(67) الطبري 9/ 158.

(68) نفس المصدر/ 158 و 161 و الاغاني 23/ 74.

(69) نفس المصدر/ 159، و الكامل 7/ 37، و مروج الذهب 4/ 88 و فيه كان التنور من الحديد، و كذلك جاء في الاغاني 23/ 74.

385

ضرب، و يفهم مما ذكره مسكويه انه مات من جراء تعذيبه في التنور (70).

و يقول المسعودي ان ابن الزيات لما ادخل التنور طلب دواة و بطاقة فكتب الى الخليفة:

هي السبيل فمن يوم الى يوم‏* * * كأنه ما تريك العين في النوم‏

لا تجزعن رويدا انها دول‏* * * دنيا تنقل من قوم الى قوم‏

الا ان المتوكل على الله لم يطلع على الرقعة في يومها، فلما كان الغد قرأها فأمر باخراجه، فوجد ميتا (71). و ذكر عن احد حراسه انه سمعه قبل موته يقول لنفسه: يا محمد لم تقنعك النعمة و الدواب الفرة و الدار النظيفة و الكسوة الفاخرة و انت في عافية، حتى طلبت الوزارة، ذق ما عملت بنفسك، ثم سكت عن ذلك، و كان لا يزيد على التشهد و ذكر اللّه، و كانت وفاته في يوم الخميس لاحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة 233 ه (72) بعد ان لبث في الوزارة اربعة عشر عاما و بضعة اشهر. و يقول ابو الفرج ان المتوكل على الله «ندم على قتله و لم يجد منه عوضا» و كان يقول لأحمد بن ابي دواد «اطمعتني في باطل، و حملتني على امر لم اجد منه عوضا» (73).

____________

(70) الطبري 9/ 159، و الكامل 7/ 38، و تجارب الامم 6/ 539.

(71) مروج الذهب 4/ 88.

(72) الطبري 9/ 160، و الكامل 7/ 38.

(73) الاغاني 23/ 73.

386

و قد رثاه صديقه و اقرب الناس اليه الحسن بن وهب بشعر كان يتنصل منه خوفا على حياته، جاء فيه‏ (74):

يكاد القلب من جزع يطير* * * اذا ما قيل قد قتل الوزير

أمير المؤمنين هدمت ركنا* * * عليه رحاكم كانت تدور

سيبلى الملك من جزع عليه‏* * * و يخرب حين تضطرب الامور

فمهلا يا بني العباس مهلا* * * فقد كويت بنعلكم الصدور

الى كم تنكبون الناس ظلما* * * لكم في كل ملحمة عقير

جزيتم ناصرا لكم المنايا* * * و ليس كذلكم يجزي النصير

3- احمد بن خالد:

ابو الوزير، من كتاب الدولة العربية. و لما عزم المعتصم بالله على بناء مدينة سامرا كلف وزيره محمد بن عبد الملك الزيات و اثنين من الكتاب لشراء الارض التي قرر انشاء المدينة عليها،

____________

(74) نفس المصدر/ 74.

387

كان احدهما احمد بن خالد (75). و يقول الطبري ان المعتصم بالله بعث احمد بن خالد الى ناحية موقع سامرا ليشتري له ارضا يبني فيها مدينة، و امره ان يأخذ معه مائة الف دينار ليدفع قيمة ما يشتريه فقال احمد انه سيأخذ خمسة الاف دينار و كلما احتاج الى زيادة بعث الى الخليفة يستزيده، فاتى الموضع و اشترى ما كلفه به الخليفة (76).

و ولى احمد بن خالد للخليفة المعتصم باللّه خراج مصر في سنة (226 ه) حينما قدم اليها يحمل معه كتاب ولاية القضاء لمحمد بن ابي الليث‏ (77). و يظهر انه عاد الى الكتابة في ديوان الخلافة، اذ كان من جملة الكتاب الذين صادرهم الواثق بالله سنة (229 ه) فاخذ منه صلحا، اي دون ان يأمر بضربه، مائة و اربعين الف دينار (78). و عند وفاة الواثق بالله كان احمد بن خالد من الحاضرين في قصر الخلافة مع الوزير ابن الزيات و قاضي القضاة ابن ابي دواد و كبار القواد الاتراك، و شارك في اختيار المتوكل على الله للخلافة (79).

و عند ما كان المتوكل على الله مغضوبا عليه من اخيه الواثق بالله، و يلقى عنتا من الوزير ابن الزيات و من عمر بن فرج الرخجي صاحب ديوان النفقات، كان ابو الوزير و هو زمام علي عمر المذكور آنذاك يواسيه و يحسن معاملته‏ (80). مما كان له أثر حسن في نفس المتوكل على اللّه، فاخذ عند استخلافه يعتمد عليه في اداء بعض المهام. اذ وجهه لقبض ضياع ابن الزيات عند ما

____________

(75) كتاب البلدان/ 257- 258.

(76) الطبري 9/ 17.

(77) كتاب الولاة و كتاب القضاة/ 449.

(78) الطبري 9/ 125، و الكامل 7/ 10، و تجارب الامم 6/ 528 و فيه انه اخذ منه مائتي الف دينار.

(79) الطبري 9/ 154، و الكامل 7/ 33، و تجارب الامم 6/ 535.

(80) الطبري 9/ 157.

388

سخط عليه، كما اشرنا آنفا. ثم اناط به مهام الوزارة من غير ان يسميه بها. الا انه سرعان ما غضب عليه و امر في ذى الحجة من السنة نفسها بمحاسبته و مصادرته، و اخذ منه ستين الف دينار، و بدرا من الدراهم و الحلي، و من متاع مصر و بضائعها اثنين و ستين سفطا، و اثنين و ثلاثين غلاما، و فرشا كثيرة (81). ثم ما لبث ان رضي عنه ثانية، فولاه خراج مصر في سنة (238 ه) شريكا لعنبسة بن اسحاق الضبي‏ (82).

4- محمد بن الفضل الجرجرائي:

ابو جعفر، كان يكتب للفضل بن مروان، و هو من جرجرايا من اعمال النهروان الأسفل بين بغداد و واسط (83). و كان شيخا ظريفا حسن الأدب. عالما بالغناء مشتهرا به‏ (84). استكتبه الخليفة المتوكل على الله بعد ان صرف ابا الوزير احمد بن خالد من عمله في (233 ه) (85). الا انه اضطر بعد مدة الى عزله بعد ان كثرت السعايات به، و قال: قد ضجرت بالمشايخ اريد حدثا استوزره‏ (86).

و لما قتل القائد التركي اوتامش المتسلط على الوزارة في عهد الخليفة المستعين باللّه، في سنة (249 ه) و اشتد الخلاف بين الخليفة

____________

(81) الطبري 9/ 162، و الكامل 7/ 29، و الفخري/ 216.

(82) كتاب الولاة و كتاب القضاة/ 200.

(83) معجم البلدان 2/ 123.

(84) الفخري/ 216.

(85) كتاب الطبري 9/ 262.

(86) الفخري/ 216.

389

و الاتراك، اتخذ الخليفة محمد بن الفضل الجرجرائي وزيرا (87).

الا انه لم يلبث ان توفي السنة التالية (88).

5- عبيد اللّه بن يحى بن خاقان:

كان المتوكل على اللّه قد صرف محمد بن الفضل الجرجرائي من الوزارة في سنة (236 ه) و استكتب عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان.

و كان اول معرفة المتوكل على الله به، ان عبيد الله كان قد لازم الفضل بن مروان، و هو يتقلد ديوان الضياع، و يعاونه في الامور الكتابية. و صادف ان اهل ارمينية طلبوا من الفضل ان يمضي لهم مقاطعة في بلادهم فرفض رغم الحاحهم و لجوئهم الى كثير من اصحابه. فلجآوا الى عبيد الله بن يحيى فخاطب الفضل في امرهم بما جعله يستجيب لطلبهم. فحمل القوم الى عبيد الله خمسة الاف دينار فردها و قال ما كنت لآخذ على معروف ثمنا. فلما خرجوا الى ارمينية حملوا اليه فرش بيت ارمني جميلا جدا ببساط عظيم و مصليات و اتخاخ و مخاد و ستور، و كتبوا عليه اسمه و كنيته.

و كان المتوكل على اللّه حينذاك قد وكل بالطرق و امر الا يدخل شى‏ء من الامتعة الا ان يعرض عليه. فلما عرضت عليه الهدية المذكورة استحسنها و سأل عن عبيد اللّه و علاقته باهل ارمينية، و لما اطلع على خبره معهم امر بتسليم الفرش اليه، و قال هذا فتى يدل فعله على كبر همته‏ (89). و لما صرف المتوكل على اللّه محمد بن الفضل الجرجرائي عن الوزارة لم يعين وزيرا و امر اصحاب الدواوين ان يعرضوا عليه اعمالهم، و جعل التوقيع للقائد التركي وصيف. ثم احتاج الى كاتب يكون بين يديه فأمر ان يطلب له حدث‏

____________

(87) الطبري 9/ 264، و الكامل 7/ 144، و الفخري/ 220.

(88) الكامل 7/ 135.

(89) نشوار المحاضرة 8/ 51- 53.

390

من اولاد الكتاب، فسموا له جماعة كان فيهم عبيد الله بن يحيى.

فلما ذكر اسمه تذكر المتوكل على اللّه حديث الفرش الارمني، فاختاره للكتابة (90).

و لم تزل منزلة عبيد الله تتقدم لدى الخليفة حتى امر ان يخلع عليه و ان لا يعرض احد من اصحاب الدواين عليه شيئا، و ان يرفعوا اعمالهم الى عبيد الله ليتولى عرضها عليه. و اجرى عليه في كل شهر عشرة الاف درهم. و قوى امر عبيد اللّه فحذف اسم القائد وصيف من التوقيع و اثبت اسمه. ثم امر له الخليفة برزق الوزارة، ثم خوطب بها (91). و لشدة اعتماد المتوكل على اللّه على عبيد الله قلده كتابة ابنيه المعتز و المؤيد و ضم اليهما بضعة عشر الف رجل و جعل تدبيرهم الى عبيد الله ايضا، فصار وزيرا اميرا (92).

و قد ضم اليه توقيع ديوان العامة في سنة (245 ه) فاستخلف ابن عمه يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان‏ (93).

كان عبيد اللّه من خيرة الكتاب، حسن الخط و له معرفة بالحساب و الاستيفاء، و رغم انه كان في تصرفاته بعض التخليط الا ان كرم نفسه و حسن اخلاقه، و نزاهته و عفته، غطت على عيوبه‏ (94). و قد اعجب به المتوكل على اللّه فرفعه و اعلى مرتبته و ولاه و امره ان يكتب: مولى امير المؤمنين، و ان يأمر كتاب الدواوين ان يوقعوا باسمه. فاستعفاه يحيى من ذلك. الا انه اخذ يولي العمال على الخراج و الضياع و البريد و المعادن، و يعين القضاة في جميع انحاء الدولة. و قد سلك في اعماله سيرة حسنة

____________

(90) نفس المصدر/ 83.

(91) نفس المصدر.

(92) نشوار المحاضرة 8/ 15- 16.

(93) الطبري 9/ 217.

(94) الفخري/ 216.

391

جعلته محمودا عند الناس‏ (95). و من تعففه ان صاحب مصر حمل اليه مائتي الف دينار و ثلاثين سفطا من الثياب المصرية، فلما احضرت بين يديه، قال لوكيل صاحب مصر: لا و اللّه لا اقبلها و لا اثقل عليه بذلك، ثم فتح الأسفاط و اخذ منها منديلا لطيفا وضعه تحت فخذه، و امر بالمال فحمل الى خزانة الديوان‏ (96).

و قد وصفه ابو العيناء الأديب الشاعر للمتوكل على اللّه لما سأله عنه، بقوله: العبد لله و لك منقسم بين طاعته و خدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، و ما عادل بصلاح رعيتك كل لذة (97).

و عند ما عزم المتوكل على اللّه بناء مدينة المتوكلية (الجعفرية) حاول نجاح بن سلمة، و كان على ديوان التوقيع و التتبع على العمال، أن يتقرب الى الخليفة بتحريضه على مصادرة اموال عبيد اللّه بن يحيى و عدد من رؤوساء الدواوين، فعرض عليه ان يسمي له قوما يدفعهم اليه حتى يستخرج منهم اربعين الف الف درهم تساعده في نفقة بناء المدينة الجديدة. فطلب اليه الخليفة ان يذكر اسماءهم. فرفع اليه نجاح رقعة يذكر فيها موسى بن عبد الملك صاحب ديوان الخراج، و الحسن بن مخلد صاحب ديوان التوقيع. و خليفته عيسى بن فرخانشاه، و عبيد اللّه بن يحيى و اخويه عبد اللّه و زكريا، و آخرين غيرهم، نحوا من عشرين رجلا. فلما علم عبيد اللّه بذلك عمل على انقاذ الجماعة و تسفيه اقتراح نجاح لدى الخليفة. فأقنع نجاحا بان يعتذر للخليفة عما تقدم به، و كان عبيد اللّه اخذ بنفس الوقت رقعة من موسى و الحسن يتعهدان فيها باستخراج اموال نجاح بن سلمة اذا سلمه الخليفة اليهما، و ضمنا

____________

(95) تاريخ اليعقوبي 2/ 488- 489.

(96) الفخري/ 216.

(97) الديارات/ 90.

392

تحصيل الفي الف دينار منه. فاقتنع المتوكل على اللّه باقتراح وزيره، و دفع نجاحا الى غريميه. فاخذاه و اولاده فاقروا بنحو مائة و اربعين الف دينار، سوى الغلات و الغروس و الضياع و غير ذلك. ثم امروا بضرب نجاح حتى مات. فأقر ابناؤه بعد الضرب بسبعين الف دينار اخرى سوى مالهما من الاملاك فأخذت جميعها منهم. كما اخذ بسببه قوم بسامرا و ببغداد و بمكة و بناحية السواد فحبسوا و صودروا (98).

كان عبيد اللّه مواليا للمتوكل حريصا على ارضائه. فلما رآه يبعد ابنه محمدا المنتصر و ينتقصه شايعه في ذلك، و بدلا من ان يقرب بين الخليفة و ولي عهده و يعمل على ازالة ما بينهما من اسباب التباعد و الجفاء انتهج سياسة تزيد في سخط ولي العهد على ابيه. فعند ما عزم المتوكل على اللّه على الصلاة آخر جمعة في رمضان سنة (247 ه) و اراد الركوب للذهاب الى المسجد الجامع، قال له عبيد اللّه و الفتح بن خاقان ان الناس اجتمعوا و كثروا، من بني العباس و غيرهم، و اكثرهم متظلم و طالب حاجة، و قد يزعجون امير المؤمنين و هو يشكو ضيق الصدر و وعكة، و اقترحا عليه ان يعهد لأحد ولاة العهد بالصلاة بالناس. فأمر المتوكل على اللّه ابنه المنتصر بالصلاة. فلما نهض المنتصر ليركب للصلاة، قالا للخليفة ان يأمر ابا عبد اللّه المعتز ليشرفه بذلك و قد ولد له ولد قبل ذلك بيوم. فأمر المعتز فذهب و صلى بالناس، مما اغضب المنتصر (99).

و لما حل عيد الفطر امر المتوكل على اللّه ان يصلي المنتصر بالناس، قالا له ان الناس يتطلعون الى رؤية الخليفة، و لا نآمن ان هو لم يحضر الصلاة ان يرجف الناس بعلته و يتكلمون بامره.

____________

(98) الطبري 9/ 214- 217، و الكامل 7/ 88- 89، و تجارب الامم 6/ 554.

(99) الطبري 9/ 222- 223.

393

فأمر بالتهيؤ للصلاة و خرج و صلى بالناس‏ (100). فزاد ذلك في غضب المنتصر و سخطه على ابيه و رجاله.

و عند ما قتل المتوكل على اللّه اجتمع الى عبيد الله جند الفرقة التي كانت تحت امرته و يتراوح عددهم بين خمسة الاف و عشرة الاف، و قالوا له: انما كنت تصطنعنا لهذا اليوم فأمرنا بامرك وأ أذن لنا نمل على القوم ميلة نقتل المنتصر و من معه من الاتراك و غيرهم. فأبى ذلك و قال: ليس فى هذا حيلة و المعتز في ايديهم‏ (101). و كان يميل الى المعتز فخاف ان هو تحرك ضد المنتصر و اتباعه ان يقتلوا المعتز. و يقول ابن الطقطقي ان الجند كانوا يحبون عبيد اللّه بن يحيى لحسن سيرته فيهم فلما قتل المتوكل على اللّه خاف عبيد الله على نفسه، فاجتمع الجند على بابه و قالوا له: انت احسنت الينا و اقل ما يجب علينا ان نحرسك في مثل هذه الفتنة، و لازموا بابه و حفظوه‏ (102).

و لما بويع المنتصر اللّه بالخلافة بايعه عبيد اللّه بن يحيى و انصرف. و استوزر الخليفة الجديد احمد بن الخصيب احد كبار الكتاب. و ظل عبيد اللّه بعيدا عن الوزارة في عهد الخليفة المستعين باللّه الذي لم يكن يرتاح اليه، فاغتنم فرصة خروجه الى الحج فبعث خلفه احد رجاله و امره بنفيه الى برقة (103). و عند ما اضطر المستعين بالله على ترك سامرا و الالتجاء الى بغداد و تفويض امره الى نائبه فيها محمد بن طاهر بن عبد الله الذي وقف الى جانبه في اول نزاعه مع الاتراك، لعب عبيد الله بن يحيى دورا في تغيير موقف ابن طاهر من المستعين بالله، و قد قال له مرة: ان هذا الذي‏

____________

(100) الطبري 9/ 223، و الكامل 7/ 96.

(101) الطبري 9/ 229، و الكامل 7/ 99- 100، و تجارب الامم 6/ 557.

(102) الفخري/ 217.

(103) الطبري 9/ 258، و الكامل 7/ 119، و تاريخ اليعقوبي 2/ 495 و فيه انه نفاه الى مكة و قبل وصوله اليها بعث خلفه من نفاه الى برقة.

394

تنصره و تجد في امره من اشد الناس نفاقا، و اخبثهم دينا، و الله لقد امر وصيفا و بغا بقتلك فاستعظما ذلك .. و لم يفعلاه. حتى صرفه عما كان عليه من الرأي في نصرة المستعين باللّه. فقال محمد ابن طاهر: اخزى اللّه هذا لا يصلح لدين و لا دنيا (104).

و عند ما تولى المعتمد على الله الخلافة في رجب سنة (256 ه) استوزر عبد اللّه بن يحيى‏ (105). و قد عرف عنه انه كان خبيرا باحوال الرعية و كفوءأ بعمله ضابطا للاموال. و لما دخل يعقوب ابن الليث الصفار مدينة نيسابور و قبض على اميرها محمد بن طاهر و اهل بيته، و ارسل رسله الى الخليفة يعلمه بذلك، قال الموفق و الوزير عبيد الله بن يحيى للرسل، ان امير المؤمنين لا يقر يعقوب على ما فعل و انه يأمره بالانصراف بالذي ولاه اياه، فانه ان فعل كان من الاولياء، و الا لم يكن له الا ما للمخالفين‏ (106).

و عند ما اشتد خلاف يعقوب بن الليث الصفار على الخلافة، و اظهر ما كان يخفيه من مطالعة، و توجه بجيشه نحو سامرا في سنة (262 ه) خرج المعتمد على اللّه على رأس جيشه الذي قاده اخوه الموفق، و نزل بالسيب، كان الى جانبه وزيره عبيد اللّه بن يحيى‏ (107).

و في سنة (263 ه) مات عبيد الله بن يحيى، اذ سقط عن دابته في ميدان كرة الصولجان من صدمة خادم له يقال له رشيق.

و ذلك في يوم الجمعة لعشر خلون من ذى القعدة، فسال الدم من منخره و اذنه. و مات بعد سقوطه بثلاث ساعات، فصلى عليه ابو احمد الموفق و مشى في جنازته‏ (108).

____________

(104) الطبري 9/ 342.

(105) الطبري 9/ 474، و الكامل 7/ 235.

(106) الطبري 9/ 557، و الكامل 7/ 262.

(107) الطبري 9/ 517.

(108) الطبري 9/ 532، و المنتظم 5/ 45.

395

6- احمد بن الخصيب:

كان احمد بن الخصيب كاتبا للقائد التركي اشناس الذي كان يتولى اعمال الجزيرة و الشامات و مصر و المغرب، و كان ابن الخصيب هو المدبر لشؤونه. و قد استصحبه اشناس في حملة المعتصم بالله على بلاد الروم في سنة (223 ه) و كلفه مع القائد محمد بن يوسف الثغري بالتحقيق مع احمد الخليل فاخبرهما بما يعرفه عن مؤامرة العباس بن المأمون و المشتركين بها و على الأخص الحارث السمرقندي داعية العباس، مما ساعد على القضاء على المؤامرة و هي في مهدها (109).

و كان ابن الخصيب احد الكتاب الذين صادرهم الخليفة الواثق بالله، و اخذ منه و من كتابه و من اخيه ما مجموعه الف الف دينار (110). و يقول اليعقوبي انه انتزعت منه و من اخيه الأموال بعد تعذيبهما و تعذيب امهما (111).

و لما بويع للمنتصر باللّه بالخلافة ابعد عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير ابيه عن الوزارة و جعل كاتبه احمد بن الخصيب وزيرا له. الا انه لم يكن موفقا في هذا الاختيار. اذ كان ابن الخصيب تنقصه الكفاية في الادارة، و لا يعرف شيئا عن شؤون الدولة. و مع مروءته كانت فيه حدة وطيش‏ (112). و قد وصفه المسعودي بأنه قليل الخير كثير الشر شديد الجهل‏ (113). و لذلك‏

____________

(109) الطبري 9/ 175.

(110) نفس المصدر/ 125، و الكامل 7/ 10.

(111) تاريخ اليعقوبي 2/ 481.

(112) الفخري/ 217، و الهفوات النادرة/ 261.

(113) مروج الذهب 4/ 135.

396

ساءت الاحوال على عهده، كما ساءت سمعته بين الناس و كان كثيرا ما يرفس المتظلمين اليه و ذوي الحاجات اذا ازدحموا عليه، و قد يبصق عليهم و يشتم اعراضهم. فقد عرض له مرة رجل من ارباب الحوائج و الح عليه حتى ضايقه و ضغط رجله في الركاب، فاحتد عليه ابن الخصيب و اخرج رجله من الركاب و ركله في صدره، فقال احمد بن ابي طاهر (114):

قل للخليفة يا ابن عم محمد* * * اشكل وزيرك انه محلول‏

فلسانه للشتم في اعراضنا* * * و الرجل منه في الصدور تجول‏

كم طالب لظلامة او حاجة* * * متعرض لكلامه مركول‏

و قد اعتبر ابن عبد ربه ركل الوزير احد المتظلمين من سوء الأدب‏ (115). و اورد صاحب «الهفوات النادرة» قصصا تدل على جهل ابن الخصيب المطبق، و حمقه الزائد و ضعف لغته و قلة ادبه و تسرعه في الأحكام‏ (116). و قال فيه ابو العيناء: لو تأمل احمد اخلاقه فاجتنبها لاستغنى عن الاداب يطلبها، و ذمه برسالة وضعها على السنة الرؤساء و القواد و الكتاب، يصف كل منهم مساوى‏ء احمد بن الخصيب‏ (117). و قال عنه احد الشعراء عند ما اشتهرت‏

____________

(114) الهفوات النادرة/ 261.

(115) العقد الفريد 4/ 10.

(116) الهفوات النادرة/ 261- 266.

(117) جمع الجواهر في الملح و النوادر/ 207 و 210.

397

حادثة ركله احد المتظلمين، يحرض الخليفة عليه و يتهمه بحيازة الأموال‏

قد نال من اعراضنا بلسانه‏* * * و لرجله عند الصدور مجال‏

(118):

قل للخليفة يا ابن عم محمد* * * اشكل وزيرك انه ركال‏

اشكله عن ركل كل الرجال و ان ترد* * * مالا فعند وزيرك الاموال‏

و اعتبره ابن الجوزي من الحمقى المغفلين، و روى عنه قصة تدل على جهله و قلة معرفته بالعربية. فقد قرأ ابن رباح بحضرة المنتصر كتاب الصدقات، و قال: في كل ثلاثين بقرة تبيع. فقال الخليفة: ما هو التبيع؟ فاجاب ابن الخصيب: البقرة و زوجها (119). و قد ادخل ابن عبد ربه احمد بن الخصيب في قائمة من ادخلوا انفسهم في الكتابة و لم يستحقوها، و انما لطخوا انفسهم بالكتابة و ما دانوها (120). و مما يؤيد ضحالة ابن الخصيب اللغوية انه نظر يوما الى احد الكتاب، و كان فدما- اي غايظا سمينا- مضطرب الخلق، طويل العثفون، فقال: لأن يكون هذا فنطاس مركب اشبه من ان يكون كاتبا (121).

و مع هذه الصفات السيئة التي كان عليها احمد بن الخصيب، فقد طالت مدة خدمته للخلفاء. و يرجح انه مع مساوئه المذكورة

____________

(118) الهفوات النادرة/ 261، و الفخري/ 218، و ذكر البيت الثاني كالآتي:

قد نال من اعراضنا بلسانه‏* * * و لرجله عند الصدور مجال‏

(119) اخبار الحمقى و المغفلين/ 232.

(120) العقد الفريد/ 1704- 171.

(121) نفس المصدر/ 172.

398

و نواحي الضعف الاخرى فيه، كان خدوما لهم لا يخرج عن اوامرهم و نواهيهم. و قد فسر ابن الخصيب نفسه سبب اتصال خدمته للخلفاء بانه لم تكن في حياته لذة في بناء و لا فرش و لا غلمان و لا جوار و لا مفاخرة بمروءة، و انما كانت لذته في العمارة و التوفير مما جعلهم يستخدمونه‏ (122). على انه يبدو انه كان الى جانب ذلك داهية يجيد حبك المؤامرات. فقد لعب دورا بارزا في مبايعة المنتصر باللّه اثر مقتل ابيه‏ (123). و لما نشب الخلاف بينه و بين القائد وصيف، استطاع ان يحرض الخليفة عليه و يقنعه بابعاده عن حاضرة الخلافة، و خوفه منه، فارسله في حملة لغزو بلاد الروم‏ (124). و تولى ابن الخصيب كتابة الكتاب الذي وجهه الخليفة الى عامله في بغداد يطلب اليه ان يحث الناس على الخروج للجهاد في سبيل اللّه و أن يوافوا عسكر و صيف في ثغر ملطية (125).

كما استطاع ان يقنع القواد الذين تآمروا على قتل المتوكل على اللّه بارغام المنتصر باللّه على خلع اخويه المعتز و المؤيد من ولاية العهد، و قد أخذ ابن الخصيب رقاعهما بالتنازل و تولى قراءتها على الذين حضروا للشهادة على تنازلهما (126).

استمر ابن الخصيب في منصب الوزارة طيلة ايام المنتصر باللّه، اذ لم يستطع الخليفة ان يستبدله، و لعل قصر مدة خلافته لم يتح له فرصة كافية لذلك.

____________

(122) نشوار المحاضرة 8/ 49- 50.

(123) الطبري 9/ 235.

(124) نفس المصدر/ 240.

(125) الطبري 9/ 241- 243 و الكامل 7/ 111- 112.

(126) الطبري 9/ 244- 246، و الكامل 7/ 112- 114.

399

و قد لعب احمد بن الخصيب دورا رئيسا في اختيار الخليفة المستعين باللّه بعد موت المنتصر بالله، فاستكتبه الخليفة الجديد، و عهد بامور الوزارة الى القائد اوتامش. و رغم خروج ابن الخصيب من الوزارة فقد ظل الى جانب الخليفة يستمتع بنفوذ كبير. و لما اراد الاتراك ان يقتلوا اخوي المنتصر باللّه، المعتز و المؤيد، عند ما شغب الغوغاء و الشاكرية في اوائل عهد المستعين باللّه، و كانا محبوسين في الجوسق بحراسة بغا الصغير، منعهم ابن الخصيب من ذلك و اقنعهم بان لا علاقة لهما بالذين شغبوا، فابقوهما محبوسين‏ (127).

على ان الاتراك ما لبثوا ان غضبوا على ابن الخصيب في جمادى الأولى من سنة (248 ه) فاستصفى الخليفة امواله و اموال ولده، و امر بنفيه الى اقريطش‏ (128)، و بقي مدة في منفاه ثم عاد الى سامرا، و قد توفى في سنة (265 ه). (129).

7- احمد بن اسرائيل:

ابو جعفر الانباري، كان من حذاق الكتاب في سامرا، و كان الخليفة الواثق باللّه قد اتهمه مع آخرين من الكتاب بخيانة الواجب، فأمر بحبسه و الزمه تأدية ما خانه من الاموال. و دفعه الى صاحب الحرس يحيى بن معاذ و امره بضربه كل يوم عشرة

____________

(127) الطبري 9/ 259، و الكامل 7/ 119.

(128) نفس المصدرين السابقين.

(129) العبر 2/ 29- 30.

400

اسواط. و يقال انه ضربه نحوا من الف سوط، و استخرج منه ثمانين الف دينار (130).

و قد استخلفه عبيد الله بن يحيى بن خاقان على ديوان الخراج، و كان ابن اسرائيل يتولى يومئذ الكتابة للامير المعتز بن المتوكل على اللّه‏ (131). و ظل محتفظا بعمله في الديوان حتى ايام المستعين بالله، و قد التحق به لما انحدر الى بغداد اثر خلافه مع بعض قواد الاتراك في سنة (251 ه). و بعثه الخليفة في وفد يحمل كتابا الى القائد الحسين بن اسماعيل عند ما هزم و جيشه امام جيش سامرا في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، يلومه فيه على ضعفه و تخاذله‏ (132).

و يظهر ان ابن اسرائيل كان مقربا من المستعين بالله، فاراد مؤيدوا المعتز باللّه ان يفرقوا بينهما باثارة شكوك الخليفة في ولائه. فكلفوا رجلا يقف بباب الخليفة و يدعو للمعتز بالله بالنصر و التأييد. و لما قبض عليه ادعى بان احمد بن اسرائيل امره بذلك. فغضب الخليفة عليه، الا انه ما لبثت الحقيقة ان ظهرت و عرف امر الرجل‏ (133). على ان ابن اسرائيل ادرك ضعف مركز المستعين بالله و تزايد قوة المعتز بالله فانضم الى الجانب الذي كان يسعى للصلح مع الموفق قائد جيش المعتز بالله، و خرج الى معسكر الموفق مع عدد من رجال المستعين باللّه باذن من محمد بن عبد الله بن طاهر امير بغداد حينذاك لمناظرة ابي احمد الموفق في الصلح بين‏

____________

(130) الطبري 9/ 125.

(131) الطبري 9/ 217.

(132) الطبري 9/ 324.

(133) الفرج بعد الشدة 4/ 125.

401

الطرفين‏ (134). كما ايد ابن اسرائيل عبيد اللّه بن يحيى في صرف محمد بن عبد الله عن نصرة المستعين باللّه، و السعي لايقاف القتال بين المعتز باللّه و المستعين باللّه، و السعي للصلح‏ (135). ثم صار الى المعتز باللّه في سامرا فولاه البريد و وعده بالوزارة ان تم له النصر (136).

و لما رأى المستعين باللّه ضعف امره و خذلان ناصريه اجاب الى خلع نفسه من الخلافة و بايع للمعتز باللّه. فانتهت الحرب بين سامرا و بغداد، و استقر الأمر للمعتز باللّه. فكافأ المعتز باللّه ابن اسرائيل على انتصاره له و خذلانه المستعين باللّه بأن استوزره و خلع عليه و وضع تاجا على رأسه‏ (137).

و كان القائدان التركيان وصيف و بغا اللذان التحقا بالمستعين باللّه، لما رأيا ان الخلافة انتهت الى المعتز بالله، قررا المصير اليه في سامرا، فوجه وصيف اخته سعاد الى المؤيد ليكلم اخاه المعتز باللّه بالعفو عنه، و كان الموفق قد كلم المعتز بالله في امر العفو عن بغا ايضا. فكتب الخليفة اليهما بالرضا عنهما. فتوجها الى سامرا.

و يبدو ان المعتز بالله لم يكن راغبا في مجيئهما الى سامرا لأنه كتب الى امير بغداد محمد بن عبد اللّه ان يمنعهما من الخروج من بغداد (138). و لما علم احمد بن اسرائيل بوصول القائدين المذكورين الى بغداد بكر في زيارتهما قبل ان يحضرا دار

____________

(134) الطبري 9/ 336.

(135) نفس المصدر/ 341- 342.

(136) نفس المصدر/ 344.

(137) نفس المصدر/ 349.

(138) نفس المصدر/ 355.

402

الخلافة (139). و لعله كان يهدف من زيارته الترحب بهما ليكسب، تأييدهما له، بعد ان علم انهما اعيدا الى سابق مراتبهما و اعمالهما. و لما اشتد الخلاف بين الخليفة و القائد بغا، وقف احمد بن اسرائيل الى جانب الخليفة و صحبه الى كرخ سامرا ليلا للالتجاء الى القائد بايكباك و من معه ممن كانوا ضد بغا.

و كان بغا قد غامر بالخروج على الخليفة فانتهى امره بالقتل و جى‏ء برأسه الى المعتز بالله. فبعث الخليفة من ساعته الى احمد بن اسرائيل، و بعض رجال دولته، يبلغهم بذلك‏ (140).

و بالنظر لازدياد الجند الأتراك و ازدياد نفقاتهم فقد عجز الوزير ابن اسرائيل عن تأمين الأموال اللازمة لهم، فاستغل الاتراك تأخر ارزاقهم فهاجموه. و قد تزعم حركة تذمرهم القائد صالح بن وصيف، فقابل الخليفة بحضور الوزير و قال له: يا امير المؤمنين ليس للاتراك عطاء، و لا في بيت المال مال، و قد ذهب ابن اسرائيل و اصحابه باموال الدنيا. فرد عليه احمد بن اسرائيل و اتهمه بالعصيان. فأمر صالح اتباعه فقبضوا على الوزير و اثنين من كبار الكتاب من مؤيديه هما الحسن بن مخلد، و هو كاتب قبيحة ام المعتز باللّه، و ابو نوح عيسى بن ابراهيم، و كان كاتب الفتح بن خاقان، و قيدوهم و اثقلوهم بالحديد. و رفض صالح طلب الخليفة و امه باطلاق سراح احمد ابن اسرائيل. و لما لم يحصل الاتراك على شى‏ء من المال منهم، وجه صالح في قبض ضياعهم و دورهم، و ضياع ذويهم و اموالهم‏ (141).

____________

(139) نفس المصدر/ 356.

(140) الطبري 9/ 379- 380.

(141) نفس المصدر/ 387- 388.

403

و عند ما تفاقم الخلاف بين الخليفة و الاتراك خلعوه و قتلوه، و بايعوا لمحمد بن الواثق بالله بالخلافة و لقب بالمهتدي بالله.

و استمر صالح و اتباعه في التشديد على الوزير و الكتاب حتى يوم الخميس لثلاث بقين من رمضان سنة (255 ه) فأخرج ابن اسرائيل الى باب العامة و ضرب خمسمائة سوط، ثم حمل على بغل من بغال السقائين منكس الرأس مكشوف الظهر، و حين وصلوا به خشبة بابك مات. فقال الخليفة لما بلغه ذلك اما عقوبة الا السوط و القتل، اما يكفي الحبس‏ (142). و قد اختلف فيمن امر بضربه، فان الطبري يقول ان صالح بن وصيف و كل بضربه حماد ابن محمد بن حماد بن دنقش، و يتفق معه ابن الأثير بان صالحا هو الذي امر بضربه‏ (143). بينما يقول المسعودي ان المهتدي باللّه لما افضت اليه الخلافة اخرج احمد بن اسرائيل الى باب العامة بسامرا فضرب خمسمائة سوط فمات، و ذلك لامور كانت قد استحق عند المهتدي فيما يجب في حكم الشريعة ان يفعل ذلك‏ (144).

كان احمد بن اسرائيل يعيد النظر، مرضيا في عمله، و قد حاز ثقة الخلفاء الذين خدمهم و تقديرهم. و قد عرف بقوة حفظه و حدة ذهنه، و قالوا انه كان يحفظ وجوه المال جميعها دخلا و خرجا. و ضاعت مرة حسبة من الديوان فأوردها من خاطره، فلما وجدت كانت كما قال من غير زيادة او نقيصة (145).

____________

(142) نفس المصدر/ 398.

(143) نفس المصدر/ 397- 398، الكامل 7/ 201.

(144) مروج الذهب 4/ 187.

(145) الفخري/ 222.

404

و ذكر الصابي خبرا يؤيد ذلك، فقد كان يلقى على الكتاب الطويل نظرة سريعة فيستوعب ما فيه، و يأمر بما يجاب به‏ (146).

8- سليمان بن وهب:

ابو ايوب سليمان بن وهب بن سعيد من بيت كتابة و انشاء، حزم اجداده عددا من الخلفاء الأمويين في الشام، و بعض الخلفاء العباسيين في بغداد. و كان ابوه وهب بن سعيد كاتبا للفضل بن سهل وزير المأمون، ثم كتب بعده للحسن بن سهل الذي قلده بعض الولايات فابدى كفاية في الادارة (147).

عمل سليمان في الكتابة في سن مبكرة. فقد كتب للمأمون و هو ابن اربع عشرة سنة، و كتب لايتاخ ثم لأشناس، و هما من كبار القواد الأتراك‏ (148). و يقول ابن الطقطقي انه من قرية واسط، و اصل اهله نصارى اسلموا و خدموا في الدواوين، و يعتبر سليمان من كبار الكتاب و ذوي الرأي منهم‏ (149). ثم كتب سليمان للخليفة المعتصم باللّه، و قد بعثه ليحصي ما في دار الأفشين عند ما حبسه‏ (150). و لما حبس الواثق باللّه الكتاب و الزمهم اموالا، امر بحبس سليمان بن وهب، و كان حينذاك يكتب لايتاخ، و الزمه بمائتي الف درهم- و قيل دينار- فقيد و البس مدرعة من مدارع الملاحين، فأدى مائة الف درهم و سأل ان يؤخذ

____________

(146) الوزراء/ 213.

(147) وفيات الاعيان 2/ 145.

(148) نفس المصدر.

(149) الفخري/ 223.

(150) الطبري 9/ 114.