سامراء عاصمة الدولة العربية في عهد العباسيين‏ - ج1

- أحمد عبد الباقي المزيد...
583 /
405

بالباقي في عشرين شهرا، فاجابه الخليفة الى ذلك و اخلي سبيله ورده الى كتابة ايتاخ‏ (151). و يقال ان سليمان بن وهب بلغه ان الواثق باللّه نظر الى احمد بن الخصيب الكاتب فأنشد:

من الناس انسانان ديني عليهما* * * مليّان لو شاءا لقد قضياني‏

خليلي اما ام عمرو فانها* * * و اما عن الاخرى فلا تسلاني‏

فقال: انا للّه، احمد بن الخصيب ام عمرو، و اما الاخرى فانا. فنكبهما الخليفة بعد ايام‏ (152). و من شعر سليمان لما سجنه الواثق باللّه قوله‏ (153):

نوائب الدهر ادبتني‏* * * و انما يوعظ الأريب‏

قد ذقت حلوا و ذقت مرا* * * كذاك عيش الفتى ضروب‏

ما مر بؤس و لا نعيم‏* * * الا ولي فيها نصيب‏

____________

(151) نفس المصدر/ 128، و سبق ان ذكر فى ص: 125 انه اخذ منه اربعمائة الف دينار و كذا جاء في تجارب الامم 6/ 527، و في الكامل 7/ 10.

(152) وفيات الاعيان 2/ 147.

(153) الأغاني 23- 148.

406

و لما امر المتوكل على اللّه اسحاق بن ابراهيم بالقبض على ايتاخ و حبسه في سنة (235 ه) حبس اسحاق كاتبيه ايضا، و كان احدهما سليمان بن وهب‏ (154). الا ان المتوكل على اللّه رضي عنه بعد ذلك فولاه ديوان الخراج‏ (155). ثم تولى الكتابة للقائد موسى بن بغا. و عند ما عاد معه الى سامرا من الجبل في سنة (255 ه) استوزره المهتدي باللّه و لقب بالوزير (156).

و يلاحظ ان سليمان بن وهب لم يبد كفاية في معالجة الخلاف الذي نشب بين الخليفة و القواد الاتراك. و كان بحكم علاقته بموسى بن بغا يميل الى جانب القواد المذكورين. و قد قتل المهتدي باللّه و سليمان لا يزال وزيره.

كان المعتمد على الله قد استوزر الحسن بن مخلد اثر وفاة عبيد اللّه بن يحيى، و كانت علاقة الحسن بالقائد موسى بن بغا سيئة، فلما قدم موسى الى سامرا في اوائل ذى الحجة سنة (263 ه) اختفى الحسن. فاستوزر المعتمد على اللّه مكانه سليمان ابن وهب، و ولى ابنه عبيد اللّه بن سليمان كتابة ابنه جعفر المفوض‏ (157). الا ان الخليفة سخط عليه في السنة التالية فحبسه و قيده و انتهب داره و داري ابنيه وهب و ابراهيم، و اعاد استيزار الحسن بن مخلد، و ذلك في اواخر ذى القعدة من سنة (264 ه) (158). و يقول التنوخي ان المعتمد على اللّه طلب من‏

____________

(154) الطبري 9/ 169، و الكامل 7/ 46.

(155) كتاب الولاة و كتاب القضاة/ 203 و 508.

(156) الاغاني 23/ 143.

(157) الطبري 9/ 532، و الكامل 7/ 310.

(158) الطبري 9/ 540، و الكامل 7/ 316.

407

وزيره سليمان مالا لنفقته على ان لا يعلم الجند بذلك، فدافعه سليمان، فقبض عليه و قال له: قد تقلدت منذ ايام المعتز الى الآن اعمالا متوالية منها الوزارة للمهتدى و ما نكبت و ما صودرت، و اريد منك خمسمائة الف دينار (159).

الا ان الموفق جاء الى سامرا و اطلق سليمان من الحبس، و هرب الحسن بن مخلد فكتب الموفق في قبض امواله‏ (160). الا انه سرعان ما أمر الموفق بحبس سليمان ثانية و حبس معه ابنه عبيد الله، و وكل بحفظ داريهما، و قبض ضياعهما و اموالهما و اموال ذويهما و ضياعهم، ثم صولحا على مبلغ قدره تسعمائة الف دينار، فصيرا في موضع يصل اليهما فيه من أحبّا (161). و يظهر ان سبب قبض الموفق على سليمان و ابنه عبيد اللّه، ان المعتمد على اللّه لما قبض على سليمان ذهب ابنه الى الموفق يلتمسه في انقاذ ابيه فوعده بذلك، الا انه الح بطلبه، فاعتذر الموفق، فقال له سليمان: تخرج بمن معك فتنتزعه قسرا، فقال الموفق: ان هذا يحتاج الى مال و رجال، فقال عبيد اللّه: عليّ ذلك. و قال عبد الله ان الموفق اخذ يدافعني بعد ان رآني بصورة من يملك المال و طاعة الرجال في قتال خليفة، فراوغني و بعث بصاعد بن مخلد الى المعتمد على اللّه يشير عليه باطلاق ابي فاطلقه. و لما عاد صاعد شرع الموفق في القبض على سليمان و ابنه عبيد اللّه‏ (162).

____________

(159) نشوار المحاضرة 8/ 96.

(160) الطبري 9/ 541.

(161) الطبري 9/ 543- 544، و الكامل 7/ 327.

(162) نشوار المحاضرة 8/ 97.

408

و قيل ان الموفق نكب سليمان بن وهب و ابنه عبيد اللّه لكثرة اموالهما فقال ابن الرومي، و كان حاضرا (163)

ألم تر أن المال يتلف ربه‏* * * اذا جم آتيه و سد طريقه‏

و من جاور الماء الغزير فجمه‏* * * و سد مغيض الماء فهو غريقه‏

و لبث سليمان في حبس الموفق الى ان ادركته منيته، في يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة بقيت من صفر من سنة (272 ه) (164). و قد مدحه عدد من الشعراء. فمن محاسن قول ابي تمام فيه من قصيدة قالها في مدحه‏ (165):

كل شعب كنتم فيه آل وهب‏* * * فهو شعبي و شعب كل اديب‏

ان قلبي لكم لكالكبد الحر* * * ي، و قلبي لغيركم كالقلوب‏

و قال البحتري في مدحه‏ (166).

كأن اراءه و الحزم يتبعها* * * تريه كل خفي و هو اعلان‏

____________

(163) الاغاني 23/ 153.

(164) الطبري 10/ 9 و الكامل 7/ 410، و وفيات الاعيان 2/ 146 و فيه قيل سنة 271.

(165) وفيات الاعيان 2/ 146.

(166) نفس المصدر.

409

ما غاب عن عينيه فالقلب يكلؤه‏* * * و ان تنم عينه فالقلب يقظان‏

و لما مات سليمان رثاه البحتري بقصيدة منها (167):

هذا سليمان بن وهب بعد ما* * * طالت مساعيه النجوم سموكا

و تنصف الدنيا يدبر امرها* * * سبعين حولا قد تممن دكيكا

أغرت به الاقدار بغت ملمة* * * ما كان رس حديثها مأفوكا

فكأنما خضد الحمام بيومه‏* * * غصنا بمنغرق الرياح نهيكا

____________

(167) ديوان البحتري 3/ 1579، السموك: الارتفاع، الدكيك: التام، رس الحديث: طرف منه، مأفول: مكذوب منخرق الرياح: مهبها.

410

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

411

الفصل الثاني الكتّاب‏

يعتبر الكتاب اعوان الوزراء، فقد كان لكل وزير كاتب او اكثر لمعاونته في عمله. كما كان لرجال الدولة و كبار القواد و ولاة الأقاليم كتاب يستعينون بهم و قد تدرج بعض الكتاب الى منصب الوزارة. و كان هؤلاء الكتاب يمتازون بالثقافة العامة و الاطلاع الواسع على معارف عصرهم، بحيث انهم كانوا يمثلون صفوة المثقفين، و هم الذين يقومون بشؤون دواوين الدولة.

و من الواضح ان ما يجب ان يتقنه الكاتب و يلم به من المعارف، يختلف باختلاف عمله. فان كان كاتب خراج عليه ان يلم بالحساب و المساحة و الخراج و الفنون و الرتوق، و ان كان كاتب خراج عليه ان يلم بالحساب و المساحة و الخراج، و الفتوق و الرتوق، و ان كان كاتب احكام عليه ان يكون عالما بالحلال و الحرام و الاحتجاج و الاجماع و الأصول و الفروع، اي ان يكون متفقها في الدين، اما اذا كان كاتب معونة فانه يحتاج الى ان يكون عالما بالقصاص و الحدود و الجراحات. و على كاتب الجيش ان يكون عالما بحلي الرجال و شيات الدواب و مداراة الأولياء- أي‏

412

الاتراك لأن غالبية الجيش منهم- و على معرفة بالنسب و الحساب.

و يحتاج كاتب الرسائل ان يكون عالما بالصدور و الفصول و الاطالة و الايجاز و ان يكون بلغيا حسن الخط بالنظر لطبيعة عمله‏ (1).

ان الكاتب بصورة عامة و مهما كان عمله، يجب ان يكون اديبا ذا اطلاع واسع في مختلف العلوم و الفنون المعروفة حينذاك.

اي ان يكون موسوعيا، بحيث يستطيع تحرير مختلف انواع الرسائل الرسمية، مما يتطلب منه مقدرة فائقة في اللغة من نحو و صرف و بلاغة و بيان، و ملما بالامور الفقهية، و يحفظ كثيرا من الآيات القرآنية الكريمة و الاحاديث النبوية الشريفة. كما يحفظ انماطا مختلفة من الشعر و الامثال. و قد شرح النويري ما كان يحتاج اليه الكاتب من المعارف نلخصه بما يأتي‏ (2):

1- حفظ كتاب اللّه تعالى و مداومة قراءته، و ملازمة درسه، و تدبير معانيه. ذاكرا له في كل ما يرد عليه من الوقائع التي يحتاج فيها الى الاستشهاد به.

2- الاستكثار من حفظ الاحاديث النبوية، و النظر في معانيها وفقه ما لا بد من معرفته من احكامها. ليحتج بها في مكان الحجة، و يستدل بموضع الدليل.

3- قراءة ما يتفق له من كتب النحو التي يحصل بها المقصود من معرفته العربية، و قراءة ما يتهيأ له من مختصرات اللغة، و حفظ خطب البلغاء.

____________

(1) الفرج بعد الشدة 3/ 309.

(2) نهاية الأرب 7/ 30- 34.

413

4- النظر في ايام العرب و وقائعهم و حروبهم، و تسمية الايام التي كانت بينهم، و ما جرى في ذلك من الاشعار، لما في ذلك من العلم بما يستشهد به من واقعة او يوم مشهور.

5- النظر في التواريخ و معرفة اخبار الدول، لما في ذلك من الاطلاع على سير الملوك و سياساتهم و وقائعهم و مكائدهم و حروبهم، و ما اتفق لهم من التجارب.

6- حفظ اشعار العرب و مطالعة شروحها و استكشاف غوامضها، و التوفر على ما اختاره العلماء منها، كالحماسة و المفضليات و الأصمعيات، بما يساعد على الاستشهاد و وضعه في مكانه.

7- النظر في رسائل المتقدمين و في كتب الامثال الواردة عن العرب نظما و نثرا.

8- النظر في الأحكام السلطانية.

و ينسب الى عبد الحميد بن يحيى الكاتب كتابا موجها الى طائفة الكتاب‏ (3). تضمن بيان اهميتهم في المجتمع، و الصفات التي يجب ان يتحلو بها، و ما يحتوجون اليه من انواع المعارف «فقد جاء فيه عن اهميتهم و الحاجة اليهم «حفظكم اللّه يا اهل هذه الصناعة ..

فان اللّه عز و جل جعل الناس بعد الأنبياء و المرسلين .. فجعلكم معشر الكتاب في اشرفها صناعة، اهل الأدب و المروءة .. بكم ينتظم الملك، و تستقيم للملوك امورهم، و بتدبيركم و سياستكم‏

____________

(3) نص الكتاب في «الوزراء و الكتاب/ 73- 79، و فى مقدمة ابن خلدون مع اختلاف كثير 135- 136».

414

يصلح اللّه سلطانهم و تعمر بلادهم. يحتاج اليكم الملك في عظيم ملكه، و الوالي في القدر السني و الدني من ولايته، لا يستغني عنكم منهم احد، و لا يوجد كاف الا منكم. فموقعكم منهم موقع اسماعهم التي بها يسمعون، و ابصارهم التي بها يبصرون، و السنتهم التي بها ينطقون و ايديهم التي بها يبطشون» (4).

اما عن الصفات التي يتحلى بها الكاتب فقد قال: «فان الكاتب يحتاج من نفسه، و يحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات اموره، الى ان يكون حليما في موضع الحلم، مقداما فى موضع الاقدام، و محجما في موضع الاحجام، لينا في موضع اللين، شديدا في موضع الشدة. مؤثرا للعفاف و العدل و الانصاف، كتوما للاسرار، وفيا عند الشدائد. عالما بما يأتى و يذر و يضع الامور في مواضعها. فقد نظر في كل صنف من صنوف العلم فاحكمه، فان لم يحكمه شدا منه شدوا (5)، يكتفى به. يكاد يعرف بغريزة عقله و حسن ادبه و فضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده، و عاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره، فيعد لكل امر عدته و يهى‏ء لكل امر اهبته» (6).

و اما ما يحتاج اليه الكاتب من المعارف، فقد جاء فيه:

«فنافسوا، معشر الكتاب، في صنوف العلم و الأدب، و تفقهوا في الدين. و ابدأوا بعلم كتاب اللّه عز و جل، و الفرائض، ثم العربية فانها ثقاف السنتكم، و اجيدوا الخط فانه حلية كتبكم، و ارووا

____________

(4) الوزراء و الكتاب/ 74.

(5) شدا بمعنى أخذ.

(6) الوزراء و الكتاب/ 74- 75.

415

الاشعار و اعرفوا غريبها و معانيها، و ايام العرب و العجم و احاديثها. و سيرها، فان ذلك معين لكم على ما تسمون اليه يهممكم. و لا يضعفن نظركم في الحساب فانه قوام كتاب الخراج منكم. و ارغبوا بانفسكم عن المطامع سنيها و دنيها، و مساوى‏ء الأمور و محاقرها، فانها مذلة للرقاب مفسدة للكتاب» (7).

و يرى ابن المدبر (8) ان الكاتب المستحق اسم الكتابة هو «من اذا حاول صنعة كتاب سالت على قلمه عيون الكلام من ينابيعها، و ظهرت من معادنها، و بدرت من مواطنها، من غير استكراه و لا اغتصاب» (9). و لكي يكون الكاتب بليغا فصيحا عليه ان يتصفح من رسائل المتقدمين ما يعتمد عليه، و من رسائل المتأخرين ما يرجع اليه، لتلقيح ذهنه و استخراج بلاغته. بالاضافة الى الاستعانة بنوادر كلام الناس و بالاشعار و الأخبار و السير (10). و هو يرى أن على الكاتب ان يخاطب كلا على قدر ابهته و جلالته، فيجعل طبقات كلامه على ثمانية اقسام: اربعة منها للطبقة العلوية، و اربعة دونها. و الطبقة العلوية هي الخلافة التي اعلى اللّه شأنها عن مساواتها باحد من ابناء الدنيا في التعظيم و التوقير و المخاطبة و الترسل. و الطبقة الثانية الوزراء و الكتاب الذين يخاطبون الخلفاء بعقولهم و السنتهم، و يرتقون الفتوق بارائهم، و الثالثة

____________

(7) الوزراء و الكتاب/ 75.

(8) ابراهيم بن المدبر من مشاهير كتاب القرن الثالث و قد ولى رثاسة عدد من الدواوين في عهد خلفاء سامرا، و له: «الرسالة العذراء» في ثقافة الكاتب و صفاته وزيه، و ادوات الكتابة و معرفته بها، و ما قيل في الكتابة.

(9) الرسالة العذراء/ 36.

(10) نفس المصدر/ 7.

416

امراء ثغورهم و قواد جيوشهم، و الرابعة القضاة فانهم و ان كان لهم تواضع العلماء و حلية الفضلاء فمعهم ابهة السلطة و هيبة الامراء (11). اما الطبقات الاخرى التي هي دون الطبقات آنفة الذكر فهي: الأولى الملوك الذين اوجبت نعمهم تعظيمهم في الكتب، و الثانية الوزراء و كتابهم و اتباعهم الذين بهم تقرع ابوابهم، و الثالثة العلماء الذين يجب توقيرهم في الكتب لشرف العلم و علو درجة اهله. و الرابعة لأهل القدر و الجلالة و الظرف و العلم و الأدب، فانهم يضطرونك بحدة اذهانهم و شدة تمييزهم و انتقادهم، الى الاستقصاء عن نفسك في مكاتبتهم‏ (12).

كما يوصي ابن المدبر الكاتب بالاهتمام بصدد كتابه، و ينصحه باختيار الألفاظ و المعارف بما يناسب الموضوع الذي يكتب فيه، و يبين له انسب الأوقات للكتابة، فيقول: «و ليكن في صدر كتابك دليل واضح على مرادك، و افتتاح كلامك شاهد على مقصدك .. و لا تطيلن صدر كلامك اطالة تخرجه من حده، و لا تقصر به عن حقه» (13). «و اذا حاولت صنعة رسالة او انشاء كتاب فزن اللفظة قبل ان تخرجها بميزان التصريف اذا عرضت ... وادر الالفاظ في اماكنها، و اعرضها على معانيها، و قلبها على جميع وجوهها حتى تقع موقعها» (14). «و ارتصد لكتابك فراغ قلبك و ساعة نشاطك، فتجد ما يمتنع عليك بالكد و التكلف. لأن سماحة النفس بمكنونها وجود الاذهان بمخزوناتها،

____________

(11) نفس المصدر/ 10.

(12) نفس المصدر/ 11.

(13) نفس المصدر/ 22.

(14) نفس المصدر/ 29.

417

انما هو مع الشهوة المفرطة في الشى‏ء، و المحبة الغالبة فيه، و الغضب الباعث فيه ذلك» (15).

و بالنظر لأهمية الكتاب و الحاجة اليهم فقد كونوا طبقة لها زيها الخاص، و اشترطوا مواصفات معينة فيمن ينتسب اليها.

فقد اشترطوا في صفات الكاتب «طول القامة، و صفر الهامة، و خفة اللهازم، و كثافة اللحية، و صدق الحس، و لطف المذهب، و حلاوة الشمائل، و ملاحة الزي» (16). حتى قال احدهم لابنائه:

تزيوا بزي الكتاب فان فيهم ادب الملوك و تواضع السوقة (17).

و يرى النويري ان من كمال صفات الكاتب ان يكون بهي الملبس، نظيف المجلس، ظاهر المروءة، عطر الرائحة، دقيق الذهن، صادق الحس، و حسن البيان، رقيق حواشي اللسان، حلو الاشارة، مليح الاستعارة (18).

____________

(15) الرسالة العذراء/ 30.

(16) نفس المصدر/ 8.

(17) نفس المصدر/ 9 و عيون الاخبار 1/ 46.

(18) نهاية الارب 7/ 12.

418

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

419

الفصل الثالث القضاء في عهد سامرا

1- مقدمة:

يعتبر القضاء من المناصب الدينية الرئيسة في الاسلام، لانه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي و قطعا للتنازع، و ذلك بموجب الشريعة المستندة الى الكتاب و السنة (1).

و قد تطور هذا المنصب و استقرت اسسه في العهود التي سبقت انتقال عاصمة الدولة العربية الى سامرا من حيث الشروط التي يجب توفرها فيمن يتولاه، و الصلاحيات التي يمارسها، و الواجبات التي عليه ان يلتزم بها، و علاقته بالدولة. و قد اسهب الفقهاء في بيان ذلك، و منهم القاضي ابو الحسن الماوردي و القاضي ابو يعلي الحنبلي. فقد عقد كل منهما في كتابه «الأحكام السلطانية» بابا خاصا بالقضاء و احكامه، و تناول كل منهما الموضوع من الناحيتين الفقهية و الادارية.

____________

(1) مقدمة ابن خلدون/ 120.

420

و هناك شروط معينة يجب ان تتوفر فيمن يعين للقضاء، و اهمها: الاسلام، و الحرية، و كمال العقل، و سلامة الحواس، و ان يكون اهلا للاجتهاد فيما يجوز له ان يقضي بين الناس‏ (2).

و اهم واجبات القاضي ان يسوى في الحكم بين القوي و الضعيف، و ان يعدل في احكامه فلا يتبع هواه في تقصير المحق او ممالاة المبطل‏ (3). و قد اتسعت سلطات القاضي في خلال العهد العباسي الأول، فبعد ان كان ينظر في القضايا المدنية و الجنائية اصبح ينظر في قضايا اخرى تتعلق بالحقوق العامة كالنظر في شؤون الاوقاف و التصرف بمواردها، و تنفيذ الوصايا، و النظر في اموال المحجور عليهم من المجانين و اليتامى و اهل السفه، و تزويج الأيامى عند فقد الأولياء، و اقامة الحدود الدينية على مستحقيها. و قد تضاف اليه احيانا الشرطة او المظالم او الحسبة او دار الضرب او بيت المال‏ (4).

و يعتبر الخليفة ابو جعفر المنصور اول من عيّن القضاة في الأمصار، و كان تعيينهم قبل ذلك يتم محليا من قبل الولاة (5). و كان القاضي يعين مشافهة او بالعهد كتابة. و كان عهد التعيين يتضمن تحديد منطقة عمل القاضي، و تعيين القضايا التي ينظر فيها. و قد اورد قدامة بن جعفر نسخة من عهد تولية احد القضاة، و هو يتضمن توجيهات الخليفة له حول عمله بما يؤمن العدل و تطبيق احكام الشريعة، و توجيهات اخرى‏ (6).

____________

(2) الاحكام السلطانية للماوردي/ 54.

(3) نفس المصدر/ 59.

(4) مقدمة ابن خلدون/ 121.

(5) تاريخ اليعقوبي 2/ 389.

(6) الخراج و صناعة الكتابة/ 39- 40.

421

و كان الخلفاء عند تعيين القضاة في الولايات يتوخون الأنسجام بين الوالي و القاضي المعين، و ذلك ضمانا لعدم قيام النزاع بين السلطتين التنفيذية و القضائية.

و يعاون القاضي في اداء مهمته اضافة الى الشهود و الى من يقوم بالتحري عن عدالتهم و عدم ارتكابهم ما يمنع من قبول شهاداتهم، عدد من الموظفين يؤلفون معه ديوان القضاء. فكان هناك كاتب الاحكام الذي يجب ان يكون عارفا بعلوم الشريعة و حدودها و له خبرة بالاقرار و الانكار، و دربة باحكام الوكالات و الشهود و طبقاتهم‏ (7). و كاتب آخر يتولى عرض الدعاوى و الخصومات، و خازن يقوم بخزن اوراق القاضي و احضارها عند الطلب، و عدد من الحرس و الأعوان يتولون حماية مجلس القضاء و تنفيذ الأحكام‏ (8).

و كان اللباس الرسمي للقاضي الطيلسان الاسود و العمامة السوداء (9). اما رواتب القضاة فقد كانت زهيدة اول الأمر، فقد عين الخليفة المهدي المفضل بن فضالة قاضيا على مصر و اجرى عليه ثلاثين دينارا في كل شهر (10). ثم زيدت رواتبهم فبلغت في ايام المتوكل على اللّه لبعض القضاة مائة و ثمانية و ستين دينارا في كل شهر (11).

____________

(7) سلوك المالك/ 159- 160.

(8) كتاب الولاة و كتاب القضاة/ 574.

(9) كتاب الولاة و كتاب القضاة/ 522.

(10) نفس المصدر/ 377.

(11) نفس المصدر/ 507.

422

2- قاضي القضاة:

انشى‏ء في العهد العباسي الاول منصب قاضي القضاة، اي رئيس القضاة، و كان يقيم في حاضرة الخلافة ليكون على مقربة من الخليفة الذي لا يستطيع الاستغناء عنه في الامور و القضايا الفقهية و الشرعية. و كان قاضي القضاة يولي من يراه لمنصب القضاء في الأمصار و الأقاليم ممن تتوفر فيهم شروط القضاء و صفاته، بعد ان يستحصل موافقة الخليفة على ذلك. و يعتبر ابو يوسف يعقوب ابن ابراهيم صاحب كتاب الخراج و قاضي هارون الرشيد اول من اشغل هذا المنصب في الدولة العربية في عهد العباسيين ببغداد.

اما في عهد سامرا فقد تولى هذا المنصب ستة من كبار الفقهاء هم على التوالي: احمد بن ابي دواد، و يحيى بن اكثم التميمي، و جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، و جعفر البرجمي، و الحسن بن ابي الشوارب، و علي بن ابي الشوارب، و في الصفحات التالية تعريف موجز بكل منهم.

احمد بن ابي دواد:

ابو عبد الله احمد بن ابي دواد بن جرير بن مالك الأيادي.

اصله من قنسرين بين حلب و معرة النعمان. و يقال ان اسم ابي دواد الفرج، الا ان المأمون كان سأل احمد عن اسم ابيه فاجاب هو اسمه، و يؤيد الخطيب البغدادي ان كنيته اسمه‏ (12). ولد

____________

(12) تاريخ بغداد 4/ 141- 142.

423

بالبصرة و فيها نشأ، و نبغ في الفقه و علم الكلام. و هو احد القضاة المشهورين من المعتزلة، و رأس محنة القول بخلق القرآن.

تلك الحركة التي شغلت الخلافة العباسية و العالم الاسلامي على عهد المأمون و المعتصم بالله و الواثق باللّه و قسم من عهد المتوكل على اللّه. اذ حمل المعتصم باللّه و ابنه الواثق من بعده الفقهاء و القضاة على الامتحان بذلك. كان ابن ابي دواد واسع الاطلاع على اخبار العرب و انسابهم، فصيح المنطق قوي الحجة. قال ابو العيناء:

ما رأيت رئيسا افصح قط و لا انطق من ابن ابي دواد (13). و هو اول من افتتح الكلام مع الخلفاء، اذ كانوا لا يبدأهم احد حتى يبدأوه‏ (14). و له شعر جيد، و من شعره قوله‏ (15):

ما انت بالسبب الضعيف و انما* * * نجح الامور بقوة الأسباب‏

فاليوم حاجتنا اليك فانما* * * يدعى الطبيب لشدة الأوصاب‏

اتصل ابن ابي دواد باربعة من خلفاء بني العباس: المأمون و المعتصم باللّه و ابنيه الواثق باللّه و المتوكل على اللّه. و كان مقربا اليهم محترما لديهم ما خلا فترة قصيرة في اواخر ايامه على عهد المتوكل على اللّه. اتصل اول امره بالخليفة المأمون، قدمه اليه قاضيه يحيى بن اكثم، فاعجب به، حتى انه قال عنه: اذا استجلس‏

____________

(13) تاريخ بغداد 4/ 142، و وفيات الاعيان 1/ 63.

(14) وفيات الاعيان 1/ 63.

(15) الفهرست/ 254، و تاريخ بغداد 4/ 143.

424

الناس فاضلا فمثل احمد (16). و قد حاز ثقته فركن اليه. و عند ما اوصى الى اخيه ابي اسحاق جاء في وصيته «و ابو عبد الله احمد ابن ابي دواد لا يفارقك و اشركه في المشورة في كل امرك» (17).

و لما استخلف المعتصم بالله جعل ابن ابي دواد قاضي القضاة و مستشاره الخاص، و لم يكن يخرج عن رأيه. قال الحسين بن الضحاك الشاعر لبعض المتكلمين: ان ابن ابي دواد عندنا لا يحسن اللغة و عندكم لا يحسن الكلام و عند الفقهاء لا يحسن الفقه، و لكن عند المعتصم باللّه يعرف هذا كله‏ (18). و مع ما في هذا القول من التجني و المبالغة بانكار معرفة ابن ابي دواد شيئا مما ذكره ابن الضحاك، فان تقدير المعتصم باللّه له امر طبيعي اذا ما قورن علمه و معرفته بالفقه و علم الكلام بجهل المعتصم اللّه الذي كان اميا رغم فصاحته‏ (19). و الواقع ان وجوده الى جانب الخليفة عدل من مزاجه وحد من قسوته. لأن المعتصم باللّه كان متسرعا عجولا، فاذا اسرع اليه الغضب هدأه ابن ابي دواد و اراه وجه التوءدة و الأناة، فلا يسعه الا ان يسير في سبيلهما. فصار لأحمد من الدالة عليه و سمو المركز لديه، ما يستعين به على الخير و الصلاح. فكانت له معه مواقف جليلة حاسمة معتمدا فيها على ثقته به و تأييده اياه في كل ما يقول و يفعل.

و من هذه المواقف انقاذه ابي دلف القاسم بن عيسى العجلي عند ما حاول القائد التركي الأفشين اغتياله‏ (20). اذ ذهب ابن ابي‏

____________

(16) وفيات الاعيان 1/ 64.

(17) الطبري 8/ 649.

(18) وفيات الاعيان 1/ 66 و الفرج بعد الشدة 2/ 66- 75.

(19) العقد الفريد 2/ 440، و تاريخ الخلفاء/ 334.

(20) وفيات الاعيان 1/ 64- 65.

425

دواد الى دار الافشين و استنقد ابا دلف باسم الخليفة الذي اقره على فعله، و عنف الأفشين فيما كان عزم عليه. و يظهر ان الأفشين كان يمهد للوثوب بان يتخلص من القواد العرب الموالين للخلافة العباسية، و لا ريب ان هذا ما دفع ابن ابي دواد الى انقاذ ابي دلف و اقرار المعتصم باللّه مبادرته.

و عند ما غضب الخليفة على محمد بن الجهم و امر بضرب عنقه، انقذه ابن ابي دواد بما ارضى المعتصم باللّه ساعة غضبه، بحيث امر بحبس ابن الجهم حتى يحقق معه‏ (21). و لما قرر المعتصم باللّه معاقبة القائد خالد بن يزيد الشيباني لجأ هذا الى ابن ابي دواد ليشفع له عند الخليفة، فكلمه فلم يجبه. و لما جلس الخليفة لمعاقبة خالد حضر ابن ابي دواد المجلس و جلس دون مكانه المعتاد، و وقف من الخليفة موقفا جعله يرضى عن خالد و يخلع عليه و يكرمه. فلما خرج خالد و عليه الخلع، و كان بعض اتباعه في الخارج يتوقعون الأيقاع به، صاح احدهم: الحمد للّه خلاصك يا سيد العرب. فقال خالد: اسكت، سيد العرب و اللّه ابن ابي دواد (22).

و في ثنايا مصادر التاريخ العربي بعض الأخبار مما يستدل منها على شدة احترام المعتصم بالله قاضي قضاته ابن ابي دواد.

فقد جاء في تاريخ بغداد ان احمد بن ابي دواد قال: عند ما كنا بعمورية قال لي المعتصم بالله ما تقول يا ابا عبد الله في البسر؟

فقلت: يا امير المؤمنين نحن ببلاد الروم و البسر بالعراق. قال‏

____________

(21) نفس المصدر.

(22) وفيات الاعيان 1/ 70- 71، و الفرج بعد الشدة 2/ 60- 62.

426

قد وجهت الى مدينة السلام فجاءوني بكباستين، و قد علمت انك تشتهيه. ثم قال يا ايتاخ هات احدى الكباستين. فجاء بكباسة بسر، فمد المعتصم باللّه ذراعه و قبض عليها بيده، و قال: كل بحياتي عليك من يدي. فقلت: جعلني اللّه فداك يا امير المؤمنين، بل تضعها فآكل كما اريد: لا و اللّه الا من يدي. فواللّه ما زال حاسرا ذراعه و مادا يده و انا اجتني من العذق‏ (23). و قال ابن ابي دواد انه ركب يوما مع المعتصم باللّه فانتهوا الى واد لا يعرف غور مائه، فقال الخليفة لرحال ابن ابي دواد: مكانك حتى اتقدم فاعرف غور الماء و اطلب قلته و اتبع انت سيري. و تقدم رجل فدخل الوادي و جعل يطلب قلة الماء، و تبعه المعتصم باللّه فمرة ينحرف عن يمينه و اخرى عن شماله و تارة يمضى لسننه، و نحن نتبع اثره حتى قطعنا الوادي‏ (24).

لقد كان ابن ابي دواد يمثل الروح العربية الأصيلة في الكرم و الأيثار و النخوة، تلك الروح التي ساعدت العرب على الاحتفاظ بمقامهم في الدولة في عهد العباسيين، رغم سيطرة الجند الاتراك و سلطان قوادهم. كما كان كريما جوادا، حتى قيل انه لم ير في ابناء جنسه اكرم و لا انبل و لا اسخى‏ (25). و رآه اعرابي فقال: صفته شافية للقلوب، و نصحيته جالبة للمنافع‏ (26).

و كان ابن ابي دواد يعزف عن مجالس اللهو و يكره سماع الموسيقى و الغناء. يروى عنه انه قال: كنت اعيب الغناء و انكر

____________

(23) تاريخ بغداد 3/ 345.

(24) نفس المصدر.

(25) الفهرست/ 254.

(26) البصائر و الذخائر 1/ 133.

427

امر الطرب على الناس و ما يستفز الناس منه و يغلب على عقولهم، و اناظر المعتصم باللّه في ذلك. حتى كان يوم خرج فيه المعتصم باللّه الى الشماسية في حراقة يشرب، و وجه في طلبي فصرت اليه.

فلما قربت منه سمعت غناء حيرني و شغلني عن كل شى‏ء، فسقط سوطي من يدي، فالتفت الى غلامي اطلب منه سوطه، فقال لي:

قد سقط مني لصوت سمعته فشغلني عن كل شى‏ء، فاذا قصته قصتي. فلما دخلت على المعتصم باللّه اخبرته بالأمر، فضحك و قال: هذا عمي ابراهيم بن المهدي كان يغنيني:

ان هذا الطويل من آل حفص‏* * * نشر المجد بعد ما كان ماتا

فان ثبت مما كنت تناظرنا عليه في ذم الغناء، سألته ان يعيده. ففعلت و امره باعادة غنائه. فبلغ بي الطرب حدا كبيرا بحيث رجعت عن رأي في الغناء منذ ذلك اليوم‏ (27).

و قد عرف احمد بن ابي دواد بحبه الأدب و رعاية الادباء و الشعراء و اغداقه عليهم، و اعالة بعضهم بحيث انهم افتقدوه عند موته. و كان الجاحظ ملازما محمد بن عبد الملك الزيات خاصا به، و منحرفا عن ابن ابي دواد للخصومة التي كانت بين الأثنين. فلما قتل ابن الزيات جى‏ء بالجاحظ مقيدا الى قاضي القضاة فانبه و عاتبه، الا انه سرعان ما عفا عنه و اطلق سراحه‏ (28). فنال الجاحظ بعد ذلك حظوة لديه عند ما اهدى اليه كتابه «البيان‏

____________

(27) الآغاني 10/ 106- 107.

(28) معجم الادباء 6/ 58- 59، و الفرج بعد الشدة 1/ 361.

428

و التبين» فاعطاه خمسة الاف دينار. و لعل من المناسب ان ننقل نص كلمة الاهداء التي صدر بها الجاحظ الكتاب. يقوم امام الادباء: «حفظك اللّه و ابقاك و امتع بك، و جعل ما بيني و بينك من ود موصولا أبد الدهر. فقد عرفتك صديقا لا يشوب صداقته زيف من شوائب الدنيا. و عرفتك على تقادم العهد و تطاول الزمان، أخا ثابت الاخاء، وثيق النفس، ليس كمن يدور بخلته بين الناس ملتمسا بها الغنم و باغيا بها النفع. فكان ذلك، ايدك اللّه، مما اكبرك في عيني و اعظمك في نفسي. و بسطني ان اقدم اليك هذا الكتاب الخالد، لترى فيه، و لتعلم ايها السمي الكريم، أني احفظ لك في نفسي مثل ما تحفظ لي من وفاء، و اطوي لك صدري مثل ما تطوي من ولاء» (29).

كما مدحه ببضعة ابيات من الشعر بمناسبات مختلفة، منها قوله‏ (30):

و عويص من الامور بهيم‏* * * غامض الشخص مظلم مستور

قد تسهلت ما توعر منه‏* * * بلسان يزينه التحبير

مثل وشي البرود هلهله النسج‏* * * و عند الحجاج در نثير

حسن الصمت و المقاطع اما* * * نطق القوم و الحديث يدور

____________

(29) البيان و التبين 1/ 3.

(30) نفس المصدر/ 223، و معجم الادباء 6/ 59- 60، مع تغيير طفيف.

429

ثم من يعد لحظة تورث‏* * * اليسر و عرض مهذب موفور

و مدح بعض الشعراء القاضي بن ابي دواد، و على رأسهم ابو تمام الطائي الذي امتدحه بقصائد عديدة في مناسبات مختلفة قال في احدى قصائده في مدحه‏ (31):

يا ابا عبد الله أوريت زندا* * * في يدي كان دائم الاصلاد

انت جبت الظلام عن سبل الآمال‏* * * اذ ضل كل هاد و حاد

كادت المكرمات تنهد لو لا* * * أنها أيدت بحي اياد

و قال في قصيدة اخرى يمدحه بها (32):

لقد انست مساوى‏ء كل دهر* * * محاسن احمد بن ابي دواد

متى تحلل به تحلل جنابا* * * رضيعا للسواري و الغوادي‏

توشح نعمة الأيام فيه‏* * * و تقسم فيه ارزاق العباد

و ما اشتبهت طريق المجد الا* * * هداك لقبلة المعروف هاد

____________

(31) القصيدة في ديوان ابي تمام 1/ 356- 368.

(32) القصيدة فى ديوان ابي تمام 1/ 369- 382.

430

و ما سافرت في الآفاق الا* * * و من جدواك راحلتي و زادي‏

و عند ما ولى احمد ابن ابي دواد ديوان المظالم مدحه ابو تمام بقصيدة انطوى قسم منها على بعض الحكم، و مطلعها (33).

ألم يأن بأن تروى الظماء الحوائم‏* * * و أن ينظم الشمل المشتت ناظم‏

و يقول فيها:

ينال الفتى من عيشه و هو جاهل‏* * * و يكدى الفتى في دهر و هو عالم‏

و لو كانت الارزاق تجري على الحجا* * * هلكن اذن من جهلهن البهائم‏

الى ان يقول:

الى احمد المحمود رامت بنا السرى‏* * * نواعب في عرض الفلا و رواسم‏

الى سالم الاخلاق من كل عائب‏* * * و ليس مال على الجود سالم‏

له من اياد قمة المجد حيثما* * * سمت و لها منه البنا و الدعائم‏

____________

(33) القصيدة في ديوان ابي تمام 3/ 176- 183.

431

ثم ينتهي بقوله:

اذا انت لم تحفظه لم يك بدعة* * * و لا عجبا أن ضيعته الأعاجم‏

فقد هز عطفيه القريض توقعا* * * لعدلك مذ صارت اليك المظالم‏

و لو لا خلال سنها الشعر ما درى‏* * * بغاة الندى من اين توتى المكارم‏

كما مدح الشاعر ابو حفصة مروان بن ابي الجنوب ابن ابي دواد بقوله‏ (34):

لقد حازت نزار كل مجد* * * و مكرمة على رغم الاعادي‏

فقل للفاخرين على نزار* * * و منهم خندف و بنو اياد

رسول اللّه و الخلفاء منا* * * و منا احمد ابن ابي دواد

و ليس كمثلهم في غير قومي‏* * * بموجود الى يوم التنادي‏

و لما اصابته العلة الباردة- الفالج و عجز عن الكلام قال ابن ابي الجنوب فيه‏ (35):

____________

(34) وفيات الاعيان 1/ 69.

(35) تاريخ بغداد 4/ 150.

432

لسان احمد سيف مسه طبع‏* * * من علة، فجلاها عنه جاليها

ماضر احمد باقي علة درست‏* * * و اللّه يذهب عنه رسم باقيها

موسى بن عمران لم ينقص نبوته‏* * * ضعف اللسان به قد كان يمضيها

قد كان موسى على علات منطقه‏* * * رسائل اللّه تأتيه يؤديها

و قد هجا ابن ابي دواد شعراء آخرون، و على رأسهم البحتري الذي كان ينقم عليه انه رأس المحنة بالقول بخلق القرآن، و لذا فقد هجاه و هجا كتابه بعدة قصائد. فقد قال يهجوه‏ (36):

يا احمد بن ابي دواد* * * و الحادثات بكل ناد

ماذا رأيت اذا انتسبت الى اياد في اياد

و هجاه بقصيدة اخرى عند ما رفع المتوكل على اللّه المحنة، باعتبار ان ابن ابي دواد هو المسؤول عن قيامها، و سنأتي على بعض ابياتها فيما بعد.

و هجا الشاعر هفان المهزمي ابن ابي دواد عند ما سمع مدح مروان بن ابي الجنوب فيه، فقال يعارضه‏ (37):

____________

(36) ديوان البحتري.

(37) وفيات الاعيان 1/ 70، و تاريخ بغداد 4/ 143.

433

فقل للفاخرين على نزار* * * و هم في الأرض سادات العباد

رسول اللّه و الخلفاء منا* * * و نبرأ من دعي بني اياد

و ما منا اياد ان اقرت‏* * * بدعوة احمد بن ابي دواد

فلما بلغت هذه الأبيات ابن ابي دواد قال: ما بلغ مني احد ما بلغ هذا الغلام المهزمي، لو لا اني اكره ان انبه عليه لعاقبته عقابا لم يعاقب احد بمثله جاء الى منقبة لي فنقضها عروة عروة.

كما هجاه ابو الحجاج الأعرابي بقوله‏ (38):

نكست الدين يا ابن ابي دواد* * * فأصبح من اطاعك في ارتداد

زعمت كلام ربك كان خلقا* * * أمالك عند ربك من معاد؟

كلام اللّه انزله بعلم‏* * * و أنزله على خير العباد

و من امسى ببابك مستضيفا* * * كمن حل الفلاة بغير زاد

____________

(38) نشوار المحاضرة 5/ 220، و تاريخ بغداد 4/ 153 و فيه «اظرفت» في اول البيت الاخير.

434

لقد أطرفت يا ابن ابي دواد* * * بقولك انني رجل ايادي‏

و من الشعراء المشهورين الذين هجوا ابن ابي دواد الشاعر الهجاء دعبل الخزاعي. فقد كان ابن ابي دواد يطعن بالشاعر المذكور بحضرة المأمون و المعتصم باللّه و يسبه تقربا اليهما لأنهما يبغضانه لطول لسانه. فلما تزوج ابن ابي دواد بامرأتين من قبيلة عجل في سنة واحدة قال دعبل يهجوه بابيات مقذعة، منها (39):

غصبت عجلا على فرجين في سنة* * * افسدتهم ما اصلحت من نسبك‏

و لو خطبت الى طوق و اسرته‏* * * فزوجوك لما زادوك في حسبك‏

ان كان قوم اراد اللّه خزيهم‏* * * فزوجوك ارتغابا منك في ذهبك‏

فذاك يوجب ان النبع تجمعه‏* * * الى خلافك في العيدان او غربك‏

و لو سكت و لم تخطب الى عرب‏* * * كما نبست الذي تطويه من سببك‏

عد البيوت التي ترضى بخطبتها* * * تجد فزارة العكلي من عربك‏

____________

(39) ديوان دعبل/ 69، و الاغاني 2/ 134- 135.

435

و لما ولي الواثق باللّه الخلافة ابقى ابن ابي دواد على قضاء القضاة، و قد حسنت حاله لديه، و بقي على ما كان عليه من سعة النفوذ و التأثير على الخليفة. و كان اليه تعيين القضاة، فلم يعيّن الا من كان من القائلين بخلق القرآن.

و قد استمر الواثق باللّه في مناحرة المعتزلة بتأثير ابن ابي دواد، بل لقد تطرف و اشتد في محاربة اهل السنة، حتى انه قتل الفقيه احمد بن نصر الخزاعي لأنه لم يستجب الى دعوته بالقول بخلق القرآن. و كان ابن ابي دواد هو الذي تولى محاكمته بحضرة الخليفة مع عدد آخر من الفقهاء، و قد فصلنا ذلك في الفصل الخاص بالمحنة.

كان الواثق باللّه شديد الاعجاب باحمد بن ابي دواد، و يستشيره في معظم اموره و يعمل بمشورته. و قد امره ان يصلي بالناس في يوم عيد، و كان عليلا، فلما انصرف من الصلاة، قال له: يا ابا عبد اللّه كيف كان عيدكم؟ قال: كنا في نهار لا شمس فيه. فضحك الواثق بالله و قال: يا ابا عبد الله انا مؤيد بك‏ (40).

قال احمد بن ابي دواد: دخلت يوما على الواثق بالله، فقال لي: ما زال قوم في ثلبك و نقصك. فقلت: يا امير المؤمنين‏ «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ» (41) و اللّه ولي جزائه، و عقاب امير المؤمنين من ورائه، و ما ذل من كنت ناصره، و لا ضاع من كنت حافظه فماذا قلت لهم؟

قال: قلت.

____________

(40) تاريخ بغداد 14/ 18.

(41) الآية (11) من سورة النور.

436

و سعى الي بعيب عزة نسوة* * * جعل الأله خدودهن نعالها

و قال الواثق يوما لابن ابي دواد، و قد ضجر من كثرة حوائجه: ان بيوت الأموال خلت بطلباتك للائذين بك و المتوسلين اليك. فقال: يا امير المؤمنين، نتائج شكرها متصلة بك، و ذخائر اجرها مكتوبة لك، و مالى من ذلك الاعشق الأنس بحلو المدح فيك. فقال: يا ابا عبد الله لا منعناك ما يزيد في عشقك و يقوي همتك، فتناولنا بما احببت‏ (42).

و لما توفى الواثق باللّه حضر ابن ابي دواد ساعة وفاته فاغمضه و اصلح من شأنه، و صلى عليه و انزله قبره‏ (43). و حضر مع بقية رجال الدولة و القواد الاجتماع الذي عقد في دار الخلافة لاختيار خليفة للواثق باللّه. و قد أبعد ابنه لصغر سنه، فشارك في اختيار اخى الواثق باللّه جعفر بن المعتصم بالله، و هو الذي البسه الطويلة و عممه و سلم عليه بالخلافة، و اقترح ان يلقب بالمتوكل على الله. (*)

و كان ابن ابي دواد يحسن معاملة جعفر في عهد اخيه الواثق باللّه الذي كان يجفوه و يحنق عليه. و قد كلمه ابن ابي دواد في ذلك و اقسم عليه بحق ابيه المعتصم باللّه ان يرضى عنه، فرضي الواثق باللّه عن اخيه. فلما استخلف جعفر ابقاه على رئاسة القضاء. الا ان ابن ابي دواد اصيب بالفالج في جمادى الآخرة سنة (233 ه) و رغم ذلك ابقاه الخليفة في منصبه حتى اواخر شهر

____________

(42) تاريخ بغداد 4/ 146.

(43) الطبري 9/ 150- 151.

(*) الطبري 9/ 154- 155، و الكامل 7/ 34.

437

صفر من سنة (237 ه) فغضب عليه و عزله من رئاسة القضاء و امر بالقبض على ضياعه و املاكه، و حبس ابنه ابا الوليد و سائر اولاده. فحمل ابو الوليد الى المتوكل على اللّه مائة و عشرين الف دينار و جواهر قيمتها عشرون الف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر الف الف درهم، و اشهد الخليفة عليهم جميعا ببيع املاكهم‏ (44). و يظهر مما ذكره ابن وكيع القاضي ان احمد ابن ابي دواد كان يميل الى الامويين‏ (45). الا ان هذا القول لا يمكن الاعتداد به لأن خدمة ابن ابي دواد الطويلة برهنت على اخلاصه لبني العباس، و لم يكن هناك سبب واضح لغضب الخليفة عليه سوى طبيعة المتوكل على اللّه المتقلب المزاج، و حسده ذوى النعمة و المكانة من رجاله، مما سيأتي ذكره في فصول قادمة.

توفي احمد بن ابي دواد في المحرم من سنة (240 ه) (46) و نقل عنه انه قال: ولدت سنة ستين و مائة (47) و هذا يتفق مع ما جاء في كتاب العبر من انه مات و له ثمانون سنة (48). و عند ما شيعت جنازته وقف ببابه جماعة من الشعراء، فقالوا: يدفن من كان على ساقة الكرم و تاريخ الأدب و لا يتكلم فيه، فقال احدهم‏ (49):

اليوم مات نظام الفهم و اللسن‏* * * و مات من كان يستعدى على الزمن‏

____________

(44) الطبري 9/ 189، و الكامل 7/ 59.

(45) اخبار القضاة 3/ 298.

(46) الطبري 9/ 197، و الكامل 7/ 75.

(47) وفيات الاعيان 1/ 73.

(48) العبر 1/ 431.

(49) وفيات الاعيان 1/ 74.

438

و اظلمت سبل الآداب اذ حجبت‏* * * شمس المكارم في غيم من الكفن‏

و تقدم آخر فقال:

ترك المنابر و السرير تواضعا* * * و له منابر لو يشا و سرير

و لغيره يجبى الخراج و انما* * * تجبى اليه محامد و اجور

و قال ثالث:

و ليس فتيق المسك ريح حنوطه‏* * * و لكنه ذاك الثناء المخلف‏

و ليس صرير النعش ما تسمعونه‏* * * و لكنها اصلاب قوم تقصف‏

يحى بن اكثم التميمي:

ابو محمد، يتصل نسبه باكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب المشهور. بدت عليه علائم النباهة في سن مبكرة، فقد جلس لسماع الحديث على عبد اللّه بن المبارك، و هو صغير السن، فاحتفل ابوه بهذه المناسبة فصنع طعاما و دعا الناس متفاخرا بابنه‏ (50).

و عبد اللّه بن المبارك من علماء العرب في خراسان، و من قبيلة بني تميم كذلك. و قد جمع الحديث و الفقه و اللغة و قضى عمره في‏

____________

(50) تاريخ بغداد 14/ 192.

439

الاسفار حاجا و مجاهدا و تاجرا، توفى سنة (181 ه) في هيت على الفرات منصرفا من غزو الروم‏ (51).

لقد نشأ يحيى عالما بالفقه بصيرا بالاحكام، و كان عالما بالقرآن و الحديث و اللغة، متكلما، فاذا جادل رجلا اتاه من جميع الابواب حتى يفحمه، فاذا وجده يحفظ الحديث سأله عن الفقه، و اذا رآه يحفظ الفقه سأله عن النحو، فاذا رآه ملما به سأله عن الكلام، حتى يقطعه و يخجله، و يعزو الخطيب البغدادي ذلك الى شدة حسده‏ (52). و لكنه على اية حال دليل على سعة علمه و تعدد معارفه.

و كان يحيى مع فقهه وسعة علمه من ادهى الناس و اخبرهم، حاضر البديهة، سريع الجواب. و قد تولى قضاء البصرة و سنه احدى و عشرون سنة، فاستصغره شيوخها فامتحنوه، فقالوا، كم سن القاضي؟ قال: سن عتاب بن اسيد حين ولاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على مكة، فجعل جوابه احتجاجا (53). و لقيه مرة رجل، و هو يومئذ قاضي القضاة، فقال له اصلح اللّه القاضي، كم آكل؟ قال: فوق الجوع و دون الشبع، فقال: فكم اضحك؟ قال:

حتى يسقر وجهك و لا يعلو صوتك، قال: فكم ابكي؟ قال: لا تمل البكاء من خشية اللّه تعالى، قال: كم اخفي من عملي؟ قال: ما استطعت، قال: فكم أظهر منه؟ قال: ما يقتدى بك البر و يؤمن عليك قول الناس‏ (54).

____________

(51) الاعلام 4/ 256.

(52) تاريخ بغداد 14/ 195، و وفيات الاعيان 5/ 202.

(53) تاريخ بغداد 14/ 198، و وفيات الاعيان 5/ 199 برواية اخرى.

(54) تاريخ بغداد 14/ 200.

440

و قد اتهم يحيى بن اكثم ببعض الهنات التي اشيعت عنه و هو منها برى‏ء. و مما يؤيد انها نسبت اليه بهتانا انه ذكر للامام احمد ابن حنبل عنه و ما يرميه بعض الناس به، فعجب من ذلك و انكره انكارا شديدا (55). و كتب الخليفة المتوكل على اللّه الى الامام احمد يسأل عن رجلين احدهما يحيى بن اكثم، فكتب اليه: اما فلان فلا و لا كرامة، و اما يحيى بن اكثم فقد ولي القضاء فما طعن عليه احد (56). و لما قدم احمد بن المعذل و هو من فقهاء المالكية على المتوكل على اللّه، ذكر يحيى بن اكثم في مجلس الخليفة، فقال بعض الحاضرين: ذاك صاحب غلمان، فستر ابن المعذل وجهه، و قال: سبحانك هذا بهتان عظيم‏ (57). و يقول ابن وكيع القاضي كان يحيى كثير المزاح لا يدع الهزل في مجلسه، و له طرائف في الهزل‏ (58). و روى عن احد العلماء قوله: كان يحيى بن اكثم لا يدع العبث و النظر، فاما ما وراء ذلك فلا، و اللحمد للّه‏ (59). و مما يؤيد ما ذكره ابن وكيع ان احد البلغاء سئل عن يحيى بن اكثم و احمد بن ابي دواد، أيهما انبل؟ فقال: كان احمد يجد مع جاريته و ابنته، و يحيى يهزل مع خصمه و عدوه‏ (60). و لعل ميل يحيى الى الهزل و أنسه بالناس و ممازحتهم سببت له تلك السمعة المشينة.

و لا ينكر ان من يكون في منزلته العلمية و الاجتماعية لا يخلو ممن يحسده و يروج ما يسى‏ء الى سمعته و ينتقص من منزلته.

____________

(55) وفيات الاعيان 5/ 201.

(56) اخبار القضاة 2/ 161.

(57) اخبار القضاة 2/ 165.

(58) اخبار القضاة 2/ 166.

(59) نفس المصدر 2/ 164.

(60) تاريخ بغداد 14/ 198، و وفيات الاعيان 5/ 198.

441

لقد اتصل يحيى بن اكثم بالخليفة المأمون لما كان في مرو، و خرج معه في بعض غزواته الى بلاد الروم. و بعثه المأمون في سنة (216 ه) في حملة الى بلاد الروم فغزا و عاد ظافرا (61). و قد اعجب المأمون بسعة علم يحيى بالفقه و الحديث، و غزارة ادبه، و سرعة جوابه، و قوة حجته، فقربه اليه و نادمه، فغلب عليه يحيى بحيث لم يتقدمه عنده احد من الناس‏ (62). و كان اذا صحب المأمون في سفر ركب معه بمنطقه و قباء و سيق بمعاليق، و اذا كان الموسم شتاء ركب في اقبية الخز و قلانس السمور و السروج المكشوفة (63).

و استصحبه المأمون الى مصر في سنة (217 ه) و كانت مصر بلا قاض، فأمره الخليفة ان يجلس في المجلس للقضاء، فجلس و قضى بين الناس لمدة قصيرة (64). و يقول ابن خلكان انه حكم ثلاثة ايام‏ (65).

و قلده المأمون منصب قاضي القضاة و اوكل اليه تدبير اهل مملكته، فكان وزراء الخليفة لا يعملون شيئا الا بعد مطالعة يحيى ابن اكثم‏ (66). الا انه لم يلبث ان سخط عليه عند ما كان في مصر، و يبدو ان للحسد و الوشايات دورا في ذلك. يقول اليعقوبي ان يحيى كان قد وشى بالمعتصم الى المأمون و قال له: بلغني انه يحاول الخلع. و كان المأمون قد وجه ابا اسحاق الى مصر عند ما استفحلت الثورة فيها في سنة (214 ه) فبعث اليه يأمره بالقدوم. و لما

____________

(61) الاعلام 4/ 256.

(62) وفيات الاعيان 5/ 198.

(63) مروج الذهب 4/ 22.

(64) كتاب الولاة و كتاب القضاة/ 441- 442 و 586.

(65) وفيات الاعيان 5/ 211.

(66) تاريخ بغداد 14/ 197- 198، و وفيات الاعيان 5/ 198، و العبر 1/ 439.

442

ذهب المأمون الى مصر في اوائل سنة (217 ه) وشى محمد بن ابي العباس و احمد ابن دواد بيحيى بن اكثم الى المأمون تقربا الى ابي اسحاق، فسخط عليه المأمون و امر بنفيه من عسكره و نزع السواد عنه- دليل اقصائه من منصبه- و اخراجه الى بغداد و امره ان لا يخرج من منزله‏ (67).

و يستنتج مما جاء في وصية المأمون الى اخيه ابي اسحاق عن يحيى بن اكثم انه اتهمه بخبث السيرة و الخيانة، اذ قال: «و لا تتخذن بعدي وزيرا تلقى اليه شيئا، فقد علمت ما نكبني به يحيى بن اكثم في معاملة الناس و خبث سيرته حتى ابان اللّه ذلك منه في صحة مني، فصرت الى مفارقته، قالبا له غير راض بما صنع في اموال اللّه و صدقاته، لاجزاه اللّه عن الاسلام خيرا» (68).

و قد ابعده المعتصم باللّه لما ولي الخلافة، عملا بوصية اخيه.

و قد يكون لسبق و شاية يحيى عند المأمون تأثير في ابعاده عن مناصب الدولة. فبقى بعيدا عن القضاء طيلة عهد المعتصم باللّه و ابنه الواثق باللّه. لأن الواثق باللّه كان شديد التأثر بعمه المأمون و يحاول ان يقتدي به في كل اموره، فلم يستخدم يحيى طيلة حكمه لأن عمه لم يكن راضيا عنه.

و عند ما غضب المتوكل على اللّه على قاضي القضاة احمد بن ابي دواد و عزله عن عمله في سنة 237 ه رضى عن يحيى بن اكثم، و كان مقيما ببغداد، فأشخصه الى سر من رأى و ولاه منصب قاضي القضاة و اضاف اليه رد المظالم‏ (69). و يقول الخطيب البغدادي ان‏

____________

(67) تاريخ اليعقوبي 2/ 465- 466.

(68) الطبري 8/ 649.

(69) الطبري 9/ 188، و مروج الذهب 4/ 96.

443

الخليفة خلع عليه خمس خلع‏ (70). و قد استفتح يحيى عمله بأن ولى حيان بن بشر القضاء على الجانب الشرقي من بغداد و سوار ابن عبد اللّه العنبري قضاء الجانب الغربي منها، و كلاهما اعور، فقال الجماز الشاعر (71):

رأيت من الكبائر قاضيين‏* * * هما احدوثة في الخافقين‏

هما اقتسما العمى نصفين قدا* * * كما اقتسما قضاء الجانبين‏

و تحسب منهما من هز رأسا* * * لينظر في مواريث و دين‏

كأنك قد وضعت عليه دنا* * * فتحت بزاله من فرد عين‏

هما فأل الزمان بهلك يحيى‏* * * اذ افتتح القضاء باعورين‏

الا ان المتوكل على اللّه سخط على يحيى بن اكثم في سنة (240 ه) فعزله عن القضاء، و امر بمصادرة امواله و املاكه، و أعيد الى بغداد و الزم منزله. فقبض ما كان له ببغداد و مبلغه خمسة و سبعون الف دينار، و من اسطوانة في داره الفا دينار، و اربعة آلاف جريب في البصرة (72).

____________

(70) تاريخ بغداد 14/ 201.

(71) الطبري 9/ 189.

(72) الطبري 9/ 197- 198، و الكامل 7/ 74، و العبر 1/ 429 و فيه انه اخذ منه مائة الف دينار.

444

و خرج يحيى الى الحج في سنة (242 ه) و حمل اخته معه، و عزم على ان يجاور و ينقطع للعبادة. و يقول ابن وكيع ان المتوكل على اللّه نفاه الى مكة (73). و اتصل بيحيى ان الخليفة قد رضى عنه فبدأ له في المجاورة، و رجع يريد العراق، حتى اذا صار الى الربذة وافته المنية في يوم الجمعة منتصف ذي الحجة من السنة نفسها، و قيل في مطلع السنة التالية، و عمره ثلاث و ثمانون سنة و دفن هناك‏ (74).

جعفر بن عبد الواحد الهاشمي:

هو جعفر بن عبد الواحد بن سليمان بن علي، هاشمي من البيت العباسي. كان فقيها حافظا للحديث، لسنا بليغا، و قد وصف بأنه رجل تصلح له الخلافة من ولد العباس لما يتمتع به من سكينة و وقار (75). ولاه المتوكل على اللّه منصب قاضي القضاة بسامرا في صفر سنة (240 ه) بعد عزل يحيى بن اكثم‏ (76).

و عند ما تم الاتفاق على المفاداة مع الروم في شوال سنة (241 ه) طلب جعفر بن عبد الواحد ان يؤذن له في حضور عملية الفداء، و ان يستخلف رجلا يقوم مقامه في اثناء غيابه، فوافق الخليفة المتوكل على اللّه و امر له بمائة و خمسين الف درهم معونة، و ارزاق ستين الف. فاستخلف جعفر الحسن بن ابي الشوارب، و لحق بشنيف الخادم المكلف بالفداء، و حضر معه عملية المفاداة (77).

____________

(73) اخبار القضاة 3/ 303.

(74) تاريخ بغداد 14/ 203، و وفيات الاعيان 5/ 212.

(75) تاريخ بغداد 7/ 174.

(76) الطبري 9/ 198، و المنتظم 5/ 11.

(77) الطبري 9/ 202- 203، و الكامل 7/ 77.

445

و لما آلت الخلافة الى المنتصر باللّه استمر جعفر بن عبد الواحد في منصبه. و عند ما خلع المعتز و المؤيد نفسيهما من ولاية العهد في صفر سنة (248 ه) بناء على طلب اخيهما الخليفة المنتصر باللّه، حضر قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد للشهادة على ذلك مع كبار القواد و بني هاشم و اصحاب الدواوين‏ (78).

و عند ما بويع للمستعين باللّه بالخلافة ابقى جعفر بن عبد الواحد قاضيا على القضاة حتى ربيع الأول من سنة (250 ه) حينما تمرد الشاكرية فبعث به الخليفة اليهم ليستمع الى شكاواهم و يدعوهم الى الطاعة. و يظهر انه فشل في ذلك، مما جعل القائد و صيفا يزعم بانه افسدهم. فغضب عليه الخليفة و عزله من منصبه و امر بنفيه الى البصرة (79). و يظهر انه عفي عنه و عاد الى سامرا عند ما بويع فيها للمعتز باللّه. فقد استعان به الخليفة المذكور ليصلح بين الجند من الاتراك و المغاربة عند ما استولى المغاربة على الجوسق و بيت المال، فاستطاع جعفر ان يصلح ذات البين بينهما، فاصطلحا على الا يحدثا شيئا (80).

و لما قتل المهتدى و اشهد على وفاته، صلى عليه جعفر بن عبد الواحد (81). و قد توفى جعفر في سنة (258 ه)، و يظهر مما ذكره الخطيب البغدادي و ابو المحاسن انه كان قاضيا على الثغور عند وفاته‏ (82).

____________

(78) الطبري 9/ 246.

(79) الطبري 9/ 276، و الكامل 7/ 134.

(80) الطبري 9/ 369.

(81) الطبري 9/ 462، و الكامل 7/ 233.

(82) الطبري 9/ 371.

446

جعفر البرجمي:

جعفر بن محمد بن عمار البرجمي، من اهل الكوفة من قبيلة تميم. كان يتولى قضاء الكوفة عند ما ولي منصب قاضي القضاة بسامرا، بعد ما عزل جعفر بن عبد الواحد (83). و كان قد تولى قضاء سامرا في سنة (235 ه)، و تولى بعد ذلك قضاء واسط.

و كان البرجمي صلبا في القضاء لا يسمح لأحد بالتدخل في احكامه. و يقال ان صاحب البريد اراد ان يحضر مجلس قضائه، فقال له: من انت؟ قال: بعث بي لأجلس معك. فقال: انت متصفح وجوه حرم المسلمين، و ختم القمطر و قام. فبلغ الخليفة ذلك فارسل اليه و ولاه قضاء القضاة (84). و بقي البرجمي في منصبه حتى مات في اوائل شهر رمضان سنة (250 ه) (85)، اي بعد ستة اشهر تقريبا من توليه منصب قاضي القضاة.

و كان الشاعر ابو السري احمد بن بديل قد هجاه، ثم عاد فمدحه، و مما قاله في مدحه‏ (86):

سأشكر جعفرا و اقول فيه‏* * * مقالة صادق فيما يقول‏

جبلت على العفاف و كل فضل‏* * * و جل الناس خيرهم القليل‏

____________

(83) الطبري 9/ 265 و 276، و الكامل 7/ 124.

(84) اخبار القضاة 3/ 194.

(85) الطبري 9/ 276، و الكامل 7/ 135.

(86) اخبار القضاة 3/ 196.

447

و وليت القضاء فخير وال‏* * * على الأحكام ليس له عدول‏

و سرت كسيرة العمرين حتى‏* * * انار الحق و اتضح السبيل‏

الحسن بن محمد بن ابي الشوارب:

الاموي البصري. ولى القضاء في عهد المتوكل على اللّه، و هو فتى حدث السن عند ما استخلفه قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد. و اراد المعتز باللّه تولية قاض للقضاة جعفر بن عبد الواحد. و اراد المعتز باللّه تولية قاض للقضاة فطلب الى مؤدبه محمد بن عمران الضبي ان يسمي له عددا من الفقهاء فسمى له ثمانية، كان فيهم الخلنجي، و الخصاف. الا ان حاشية الخليفة اتهموهم بانهم من اصحاب احمد بن ابي دواد و انهم قدرية جهمية، اي انهم من اهل الاعتزال. فأمر المعتز باللّه باخراجهم الى بغداد، و ولى الحسن بن محمد بن عبد الملك بن ابي الشوارب المنصب المذكور، و ذلك في سنة (252 ه) (87).

ولد الحسن بالبصرة و نشأ فيها، و ابوه محمد بن عبد الملك الاموي البصري من نسل خالد بن اسيد، و هو اخو عتاب بن اسيد الذي ولاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على مكة. و كان محمد ابن عبد الملك من محدثي البصرة و فقهائها. و قد اشخصه المتوكل على اللّه الى سامرا ليحدث فيها، عند ما نهى عن القول بخلق القرآن. و عند ما ورد كتاب الحسن على ابيه يعلمه بتوليه القضاء، كتب ابوه اليه: وصل كتابك بتوليتك القضاء، و حاشا لوجهك‏

____________

(87) تاريخ بغداد 7/ 410، و المنتظم 5/ 27.

448

الحسن باحسن من النار (88). اي انه يوصيه بالتمسك بالعدل في احكامه لئلا يعرض نفسه لعذاب الآخرة.

كان الحسن من المروة و السخاء و الكرم على حانة لم ير عليها حاكم قط (88). و كان الخليفة المعتز باللّه يمتدحه كثيرا و يقول: ما رأيت أفضل منه، و لا احسن وفاء، ما حدثني قط فكذبني، و لا ائتمنته قط على شى‏ء من سر او غيره فخانني عليه، و اني لأراه يستوحش من ذكر القبيح و يحسن الثناء (89). و لم يزل الحسن يتقلد عمله طيلة ايام المعتز باللّه. و لما خلع المعتز باللّه من الخلافة في اواخر رجب سنة (255 ه) حضر الحسن للشهادة على خلعه، فطلب اليه القائد صالح بن وصيف ان يكتب كتاب الخلع فاعتذر، فكتبه احد الكتاب الحاضرين. و حاول الحسن ان يؤمن سلامة الخليفة المخلوع و ذويه. فأخذ الشهادة على صالح بن وصيف بأن للمعتز و لاخته و امه و ابنه الأمان قبل ان يشهد على خلعه‏ (90).

و لما تولى المهتدى بالله الخلافة أقر الحسن بن ابي الشوارب على عمله في القضاء، الا انه بعد مدة قصيرة حبسه و ولى عبد الرحمن بن نائل البصري قضاء سامرا. و يظهر مما ذكره ابن وكيع القاضي ان الخليفة امر بحبس الحسن لاعتقاده بأن له علاقة بما اتهم به حماد بن اسحاق و اخاه القاضي اسماعيل بن اسحاق‏ (91).

____________

(88) تاريخ بغداد 7/ 410.

(89) نفس المصدر.

(90) الطبري 9/ 390، و الكامل 7/ 196.

(91) الطبري 9/ 437، و اخبار القضاة 3/ 281.

449

و قد اعيد الحسن بن ابي الشوارب الى منصبه لما تولى الخلافة المعتمد على اللّه. و عند ما عين الخليفة ابنه جعفرا وليا للعهد في شوال سنة (261 ه) و سماه المفوض الى اللّه، و عين اخاه ابا احمد الموفق وليا للعهد بعد جعفر، و اخذت البيعة بذلك على الناس، و فرقت نسخ كتاب العهد في الأمصار، بعث المعتمد على اللّه نسخة من الكتاب المذكور مع الحسن ليعلقها في الكعبة. فخرج الحسن الى الحج، فوافته المنية بعد ما ادى فريضة الحج‏ (92). الا ان الخطيب البغدادي يقول انه توفي بمدينة السلام لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة 261 ه، و يشاركه في ذلك ابن الجوزي‏ (93).

و احسبه انه نقل ذلك عنه. و يقول ابن الاثير انه توفى في شهر رمضان من السنة المذكورة (94). اي قبل ان يدرك موسم الحج.

علي بن محمد بن ابي الشوارب:

هو اخو قاضي القضاة الحسن بن محمد بن ابي الشوارب.

نشأ في بيت علم وفقه، فسمع الحديث على محدثي عهده، و رواه.

و كان رجلا صالحا، ثقة امينا، لا مطعن عليه في شى‏ء، و قد حمل الناس عنه حديثا كثيرا (*).

و لما توفي قاضي القضاة الحسن بن ابي الشوارب وجّه الخليفة المعتمد على اللّه وزيره عبيد اللّه بن يحيى الى علي بن محمد بن ابي الشوارب فعزاه بأخيه و هنأه بالقضاء، فأمتنع علي عن قبول ذلك.

____________

(92) الطبري 9/ 515.

(93) تاريخ بغداد 7/ 417، و المنتظم 5/ 27.

(94) الكامل 7/ 289.

(*) تاريخ بغداد 12/ 60.

450

الا ان عبيد الله لم يبرح عليا حتى قبل المنصب، فتقلد قضاء القضاة في سامرا، و مكث بهذا المنصب حتى وفاته‏ (95).

بقي علي في منصبه حتى ايام المعتضد على اللّه، و قد أخذ برأيه في وجوب رد الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام، و امر بالكتاب الى جميع النواحي بردها (96).

توفى علي بن ابي الشوارب في عهد المعتضد باللّه، و كانت وفاته لسبع خلون من شوال سنة (283 ه)، و هو بمدينة السلام، فحمل الى سامرا من يومه في تابوت و دفن فيها (97).

3- قضاة مدينة السلام:

عند ما نقلت عاصمة الدولة العربية الى سامرا ظلت مدينة السلام بغداد تحتفظ بمركزها المهم في النواحي المختلفة، و بخاصة النواحي العلمية و الادارية. فكان و اليها يعتبر نائبا للخليفة او خليفة عنه. و لقضائها منزلة لا تقل عن منزلة قضاء العاصمة. و لذا رأينا من المناسب ان نستعرض سيرة اولئك الذين تولوا قضاءها في عهد سامرا.

محمد بن سماعة:

ابو عبد اللّه محمد بن سماعة بن عبيد الله التميمي، من رجال الحديث و رواته الثقات، حتى قيل: لو كان اصحاب الحديث‏

____________

(95) المصدر السابق، و المنتظم 5/ 164، و نشوار المحاضرة 4/ 133.

(96) المنتظم 5/ 161.

(97) الطبري 10/ 49، و المنتظم 5/ 164، و تاريخ بغداد و فيه انه توفي لاحدى عشرة خلت من شوال.

451

يصدقون كما يصدق محمد بن سماعة لكانوا فيه على نهاية (98).

كان ابن سماعة متعبدا متقشفا، و يروى عنه انه قال: مكثت اربعين سنة لم تفتني التكبيرة الاولى في جماعة الا يوما واحدا ماتت فيه امي‏ (99). و هو من اصحاب القاضي ابي يوسف و اخذ عنه و عن محمد بن الحسن، و روى عن ابن الحسن كتبه‏ (100). و قد ولاه المأمون قضاء مدينة المنصور بعد وفاة القاضي يوسف بن ابي يوسف، رغم انه كان يطعن بتقشفه، فقد روى عنه انه قال: عشرة من اعمال البر لا يصعد الى للّه، و اللّه، منها شي‏ء، و لما سئل عنها عددها و كان من ضمنها تقشف ابن سماعة (101).

استمر ابن سماعة على قضاء مدينة المنصور في عهد المعتصم باللّه، رغم انه كان على مذهب ابي حنيفة و يعتبر من ذوي الرأى فيه، و امتنع عن القول بخلق القرآن. و يظهر ان سبب بقائه في القضاء انه كان عالما ثقة محمود السيرة (102). الا انه لما ضعف بصره عزله المعتصم باللّه، و يقال انه استعفى من العمل‏ (103).

و لمحمد بن سماعة عدد من المصنفات في اصول الفقه. ذكر ابن النديم منها كتاب ادب القاضي و كتاب المحاضر و السجلات‏ (104). و ذكر له المسعودي كتاب نوادر المسائل و قد

____________

(98) تاريخ بغداد 5/ 342.

(99) نفس المصدر، و النجوم الزاهرة 2/ 271.

(100) الفهرست/ 303، و العبر 1/ 414.

(101) تاريخ بغداد 5/ 341- 342.

(102) النجوم الزاهرة 2/ 271.

(103) تاريخ بغداد 5/ 342، و النجوم الزاهرة 2/ 721.

(104) الفهرست/ 303.

452

وضعه عن استاذه محمد بن الحسن، و هو من الوف الاوراق‏ (105).

لقد عمر محمد بن سماعة طويلا، فقد توفى سنة (233 ه) بعد ان بلغ مائة سنة من عمره، و هو صحيح الجسم و العقل‏ (*).

شعيب بن سهل:

ابو صالح شعيب بن سهل بن كثير الرازي المولد، من رجال المعتزلة المتطرفين، ولاه الخليفة المعتصم باللّه في اول خلافته قضاء الجانب الشرقي من بغداد عند ما توفى قاضيها جعفر بن عيسى الحسني. و يظهر ان احمد بن ابي دواد رشحه لهذا المنصب لأنه من اهل الاعتزال. و قد جعل الخليفة اليه، اضافة الى القضاء، الصلاة بالناس في مسجد الرصافة في ايام الجمع و الأعياد (106).

اي انه انابه عن نفسه في اداء هذا الواجب الديني، و في ذلك تقدير كبير له، علما انه لم يكن يعين للامامة الا من بني هاشم، او ممن يوثق به من افاضل المسلمين‏ (107).

كان شعيب من القائلين بخلق القرآن و نفي الصفات و الرؤية عن الباري عز و جل في الآخرة. و كان ينتقص اهل السنة و يتحامل عليهم، و قد كتب على جدار مسجده «القرآن مخلوق» و حاول عوام الجند و الغوغاء في ربيع سنة (227 ه) اثر مبايعة الواثق باللّه ان يمحوا هذه الكتابة، فمنعهم خادم المسجد، فذهبوا الى بيت القاضي نفسه و احرقوا بابه و انتهبوا داره، و ارادوا نفسه فهرب‏

____________

(105) مروج الذهب 4/ 95.

(106) تاريخ بغداد 9/ 243، و اخبار القضاة 3/ 277.

(107) الخراج و صناعة الكتابة/ 43- 44.

(*) مروج الذهب 4/ 95، و تاريخ بغداد 5/ 343، و الكامل 7/ 40.

453

منهم. فانفذ صاحب الشرطة اسحاق بن ابراهيم حرسا استطاعوا انقاذ شعيب و صاروا به الى دار اسحاق‏ (108).

بقي شعيب على قضاء الرصافة، و لما تولى الواثق بالله الخلافة عزله من منصبه‏ (*). و قد توفي سنة (246 ه) في ايام المتوكل على اللّه‏ (109).

عبد الرحمن بن اسحاق:

عبد الرحمن بن اسحاق بن سلمة الضبي، كان جده من رجال الدولة (110). و كان هو احد فقهاء المذهب الحنفي و من اصحاب الرأي فيه، و كان مترفا جماعا للمال‏ (111). و يروى ابن طيفور كيفية توليه القضاء، و ذلك انه كان يختلف الى ولد ابن سماعة القاضي، فاتاهم يوما فتغدى عندهم، و اخذوا قلنسوته و تراموا بها و خرقوها، فاغضبه ذلك. فصار الى ابيهم ليشكوهم فوجد عنده جماعة فاحتشم ان يشكوهم بحضرة تلك الجماعة فجلس ينتظر خروجهم. فاتى ابن سماعة كتاب طاهر بن الحسين كبير قواد المأمون يذكر حاجته الى قاض يكون في عسكره لينظر في امورهم. فقال لعبد الرحمن: هل لك ان تمضي اليهم؟ قال:

نعم. فبعث به الى طاهر فجعله قاضيا في عسكره، و استمر به الأمر، و دخل في عداد القضاة (112).

____________

(108) تاريخ بغداد 9/ 243، و اخبار القضاة 3/ 277، و تاريخ اليعقوبي 2/ 479.

(*) اخبار القضاة 3/ 277.

(109) الاعلام 3/ 244.

(110) تاريخ بغداد 10/ 260.

(111) نفس المصدر/ 260- 261، و اخبار القضاة 3/ 282.

(112) بغداد لابن طيفور/ 141.

454

و نقل عبد الرحمن الضبي بعد حين الى قضاء الرقة و بقي على قضائها مدة، و قيل انه لما تولى قضاء الرقة لم يكن له علم بشي‏ء من الفقه، الا انه عنى بعد ذلك بحفظ الحديث و حفظ منه شيئا صالحا (113). ثم عينه المأمون على قضاء مدينة المنصور بدلا من اسماعيل بن حماد، ثم ضم اليه قضاء الشرقية (114)، لما عزل قاضيها بشر بن الوليد، فصار قاضيا على الجانب الغربي باسره.

و ظل في منصبه هذا طيلة ايام المعتصم بالله‏ (115). و عند ما خرج المعتصم باللّه الى حرب الروم سنة (223 ه) احضر القضاة و رجالا من ذوي العدالة فاشهدهم على ما اوقف من الضياع، كان عبد الرحمن بن اسحاق احد القضاة الذين شهدوا على ذلك‏ (116).

و لما استخلف الواثق باللّه عزل عبد الرحمن بن اسحاق في سنة (228 ه) و ولى مكانه الفقيه الحسن بن علي بن الجعد على قضاء مدينة المنصور، و عبد اللّه بن محمد الخلنجي على قضاء الشرقية (117). و حضر عبد الرحمن بن اسحاق بصفته من كبار الفقهاء مجلس محاكمة احمد بن النصر الخزامي فأيد كفره، و قال هو حلال الدم‏ (118).

____________

(113) اخبار القضاة 3/ 282.

(114) الشرقية محلة كبيرة بالجانب الغربي من بغداد، سمت بالشرقية لانها، شرقي مدينة المنصور.

(115) تاريخ بغداد 10/ 261.

(116) الطبري 9/ 56.

(117) تاريخ بغداد 10/ 271.

(118) الطبري 9/ 138.