علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
456 /
55

كل القرائن؟ و ليس من شك ان النسبة و الناسب و المنسوب أبعد الأشياء عن إفهامهم، و انهم لا يفهمون من افعل إلا وجوب الفعل، و عليه استقر رأي الجمهور قولا و عملا للأسباب التالية:

1- كل الناس يفهمون و يعلمون ان البدوي اذا قال لولده: اعقل الناقة فإنه لا يرضى عنه إلا اذا صدع بالأمر، و نفس الشي‏ء اذا قال الحضري لسائق سيارته: ضعها في المرأب، و يرون الولد أو السائق عاصيا يستحق الذم اذا هو هو ترك و أهمل، و لا تنفعه المعذرة بأن صيغة افعل لوحدها و بلا قرينة لا تدل على الإلزام و الوجوب.

2- إن الفقهاء قديما و حديثا يستدلون على وجوب الفعل بصيغة افعل في كتبهم و حوارهم و احتجاجهم بلا تردد و توقف، لأن دلالتها على الوجوب عندهم من المسلّمات الأولية حتى عند من ناقش في الأصول و أشكل.

3- ذم سبحانه من خالف الأمر بصيغة افعل، و لا ذم بلا وجوب. من ذلك قوله: «وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ‏- 48 المرسلات». و قوله:

«ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ‏- 38 التوبة».

و بعد، فلا مبرر لتكثير الكلام في صيغة افعل و دلالتها، لأن هذا الموضوع لفظي بحت يعتمد على إفهام العرف لا على الدقة العقلية، و التجليات العلوية.

و غرضنا من الاشارة الى القول بالنسبة الانشائية هو مجرد توضيح الفكرة التي ركّز عليها المرزا النائيني في تقريراته، و من قبله الشيخ التقي في حاشيته على المعالم.

و تسأل: لقد استعمل الشارع صيغة افعل في الوجوب و الندب معا كقوله:

«اغتسل للجنابة و الجمعة» فالغسل الأول واجب و الثاني مستحب، و معنى هذا أن الصيغة موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب و الندب، و ليس للوجوب وحده كما قلت.

الجواب:

ان مجرد الاستعمال لا يدل على الحقيقة لأنه أعم منها و من المجاز. أما القول بأن الأصل في الاستعمال الحقيقة فقد أصبح في خبر كان، و حلّ مكانه أصل الحقيقة في تعيين المراد دون الوضع. و تقدم الكلام عن ذلك.

56

الرخصة و العزيمة

من المعلوم بالضرورة أن الأحكام الشرعية خمسة أنواع: الوجوب و الحرمة و الندب و الكراهة و الإباحة. و عدّ الإباحة مع التكاليف من باب المجاز و الإلحاق حيث لا كلفة فيها، و لا عتاب على تارك المباح، و لا ثواب لفاعله. و الفرق بين هذه الأنواع واضح لا يحتاج الى شرح و بيان.

و قال الأحناف: الأحكام سبعة حيث قسموا ما لا يجوز تركه الى فرض و هو ما ثبت وجوبه بطريق القطع، و الى واجب و أرادوا به ما ثبت وجوبه بطريق الظن. و أيضا قسموا ما لا يجوز فعله الى حرام بقول مطلق و هو ما ثبت تحريمه بالقطع، و الى مكروه كراهة تحريم و هو ما ثبت تحريمه بالظن، أما ما يرجح تركه و يجوز فعله فأطلقوا عليه كراهة تنزيه. و لا بأس بتعدد الأسماء ما دام المسمى واحدا.

و من جهة ثانية قسم الفقهاء الحكم الى رخصة و عزيمة، و العزيمة عبارة عن الالتزام بما أوجب اللّه و حرّم- مثلا- أوجب الصلاة قصرا في السفر فلا تصح تماما مع الالتفات، و حرّم الصلاة على الحائض فلا تقبل منها بحال. أما الرخصة فعلى التخيير بين الفعل و الترك، لأن القصد منها مجرد التسهيل و رفع التشديد كالإذن للشيخ و الشيخة بالإفطار مع القدرة على الصيام، و لكن بشدة و مشقة. و تجتمع الاباحة مع الرخصة في هذا المثال، و تفترقان في الافطار في غير شهر رمضان، لأنه مباح بالأصل، و لا يقال: رخص الشارع بالأكل في شوال- مثلا- بل أباحه. أما العزيمة فلا تنفصل عن الوجوب و الحرمة.

و أيضا قسم الفقهاء الحكم الى تكليفي كالوجوب و الحرمة كما أشرنا، و الى وضعي كالصحة و الفساد و يأتي الكلام عنه ان شاء اللّه.

الأمر بعد الحظر

سبق أن الكثرة الكاثرة من الأصوليين قالوا: ان الأمر بمادته و هيئته يدل على الوجوب، و قد احتاج هؤلاء الى جولة ثانية مع الأمر، و ذلك إذا ورد بعد الحظر مجردا عن القرينة- فهل يبقى على وصفه و دلالته كما كان، أو انه‏

57

ينصرف عن الوجوب الى الاذن و الرخصة بالفعل و الترك؟ و هذا النزاع لا يشمل القائلين بأن الأمر لا يدل على الوجوب، لأن الاذن بالترك لا ينفصل عن الأمر إطلاقا- كما هو الفرض- تقدم عليه نهي، أم لم يتقدم. و فيما يلي نحرر النزاع بين القائلين بدلالة الأمر على الوجوب بكلام أكثر و أوضح.

ورد في النصوص الشرعية نهي بعده أمر، و المأمور به- عين المنهي عنه.

من ذلك- على سبيل التمثيل- ما رواه مسلم في صحيحه: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» فصيغة افعل و هي هنا «زوروها» تدل على الوجوب اذا كانت غير مسبوقة بنهي فهل هي أيضا تدل عليه اذا سبقت به بحيث يصبح الحرام واجبا، أو ان صيغة الأمر تنصرف عن الوجوب، في مثل هذه الحال، الى الرخصة و التخيير بين الفعل و الترك بحيث يصير المنهي عنه جائزا لا واجبا؟.

قيل ببقاء دلالة الأمر على ما هي، و ذلك بأننا نعلم يقينا ان الأمر يدل على الوجوب في حال عدم تقدم النهي، و بعد تقدمه شككنا هل هذا النهي صرف الأمر عن ظاهره الى الرخصة، أم بقي هذا الظاهر كما كان و ان وجود النهي و عدمه سواء؟ و بديهي ان الأصل في مثل هذه الحال يوجب بقاء ما كان على ما كان، لأن اليقين لا ينقض بالشك.

و قيل بالتوقف عن الحكم سلبا و ايجابا، لأن الأمر هنا مردد بين الرخصة و الوجوب، و لا حكم مع الشك و التردد.

و ذهب الأكثر- كما قيل- الى الرخصة و رفع الحجر، لأن الغالب في عرف الشارع أن يستعمل الأمر بعد الحظر لمجرد الإذن و رفع الحجر، و استشهدوا على ذلك بالعديد من الآيات، منها قوله تعالى: «فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» بعد قوله:

«فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ‏- 10 الجمعة». و قوله سبحانه بعد المنع عن الصيد: «وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا- 2 المائدة». و قوله: «فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ» بعد قوله: «وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ‏- 222 البقرة» .. الى غير ذلك كثير. و هذه الكثرة في الاستعمال قرينة على صرف الأمر عن الوجوب الى الرخصة و رفع الحجر.

و كررنا القول فيما تقدم: إن مجرد الاستعمال لا يغني شيئا في باب الحقيقة، بالاضافة الى ان هذه الآيات خارجة عن موضوع البحث من الأساس، أما الآية الأولى فلأن البيع حلال بطبعه كما في الآية 275 من سورة البقرة «وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»

58

و انما عرض عليه التحريم لمكان الصلاة، فإذا أقيمت و قضيت زال التحريم العارض عن البيع، و عاد الى حكمه السابق و هو الحل، لأن الحكم يدور مع علته وجودا و عدما. و نفس الشي‏ء يقال في الآية الثانية و الثالثة، فإن الصيد و القرب من النساء كل منهما حلال بطبعه، و انما عرض التحريم على الأول لمكان الإحرام للحج، و على الثاني لمكان الحيض، و متى حصل الطهر من الحيض و انتهى المحرم من إحرامه- زال العارض عن الصيد و القرب، و رجع كل منهما الى حكمه السابق.

و هكذا الحال في سائر آيات هذا الباب و أحاديثه. و عليه فلا يجوز الاستدلال بشي‏ء منها فيما نحن بصدده، لأن موضوع البحث في دلالة الأمر بعد الحظر مجردا عن كل القرائن. و في رأينا ان مجرد ورود الأمر بعد الحظر هو شاهد ناطق بصرفه عن الوجوب الى الاذن و الرخصة. هذا ما أحسه و أفهمه، و اذا لم يكن فهمي حجة على الآخرين فهو حجة لي و للّه عليّ لحديث «إن اللّه يحتج على الناس بما آتاهم و عرّفهم».

لا بدار و لا تكرار

من البديهي أن الأمر يدل على وجوب الاتيان بالمأمور به و كفى، لا يقتضي مرة و لا تكرارا، و لا تأخيرا و بدارا .. و اذا أراد الآمر شيئا من ذلك فعليه البيان بغير صيغة الأمر، لأن المرة و التكرار و التأخير و البدار قيود زائدة و خارجة عن طبيعة المأمور به، و القيد الزائد يحتاج الى بيان زائد.

و من يأتى بالمطلوب مرة واحدة فقد امتثل و خرج من العهدة، لا على ان الأمر يدل على المرة بل لأن المطلوب ماهية الفعل، و المرة ضرورة للامتثال إذ لا شي‏ء أقل منها. و بكلمة: تلزم المرة بحكم الطاعة لا بإطلاق اللفظ و دلالته، و من بادر أو كرر فقد تطوع.

و عليه فإن قام الدليل على أن هذا الواجب مؤقت كالصوم و الصلاة، و ذاك الواجب غير مؤقت كالكفارات و قضاء ما فات- فنحن مع الدليل، و كذلك ان قام الدليل على المرة كالحج أو على التكرار كالفرائض اليومية و إلا فلا بدار و لا تكرار.

و في تقريرات المرزا النائيني لتلميذه الشيخ الخراساني ص 134 طبعة سنة 1368 ه

59

ما نصه بالحرف الواحد: «لما كانت مباحث مسألتي الفور و التراخي و المرة و التكرار قليلتي الجدوى بل لا طائل تحتهما كان الاعراض عنهما أجدر». أما السيد الخوئي فقد نقل عن استاذه النائيني وصف الخلاف في هاتين المسألتين بالبطلان (انظر التقريرات ص 161 طبعة سنة 1348 ه).

الأمر بالأمر

إذا قال حسن لخالد: آمرك أن تأمر زيدا بالسفر فهل يكون أمر حسن أمرا بالسفر؟.

قال الغزالي في المستصفى: «الأمر بالأمر بالشي‏ء ليس أمرا بذلك الشي‏ء ما لم يدل عليه دليل».

و قال القمي في القوانين، و غيره من علمائنا: «الأظهر أن الأمر بالأمر أمر، لفهم العرف و التبادر». و هكذا نفهم نحن.

60

التعبد و التوصل‏

بين التعبدي و التوصلي‏

بعد الحديث عن الأمر و دلالته على الوجوب- نتحدث عن الواجب و أقسامه، و هي كثيرة و متنوعة تبعا لتنوع التكليف و الحيثيات، كتقسيمه الى مطلق و مقيد، و معلق و منجز، و مخيّر و معيّن، و عين و كفاية، و موسع و مضيق، و تعبد و توصل. و يأتي الحديث عن هذه الأقسام، و الكلام الآن في التعبد و التوصل.

و كل واجب لا يؤدى على وجهه الأكمل إلا مع قصد الطاعة و امتثال الأمر الذي تعلق به فهو تعبدي سواء أ كان من نوع المخترعات الشرعية كالصلاة، أم لم يكن كالذبح و النحر و الحلق و التقصير أيام الحج. و كل واجب لا يشترط فيه هذا القصد عند الطاعة و الامتثال فهو توصلي. و أهم ما في هذا الفصل هو البحث في أن ظاهر الأمر هل يقتضي التعبد أو التوصل أو لا ذا و لا ذاك؟.

و مهدنا بهذه الإشارة في صدر البحث ليكون الطالب على بصيرة من الهدف المقصود منه، و سيظهر ذلك بصورة أوضح من خلال ما نعرضه فيما يلي:

المباشرة و الإرادة و الإباحة

إذا علم المكلف بأن هذا الفعل فرض عين لا كفاية، و أنه هو المسئول عنه دون غيره، و لكنه شك في سقوطه عنه إذا تبرع بأدائه متبرع، أو استناب المكلف شخصا عنه في الأداء، و قام به النائب على وجهه- إذا كان ذلك فهل‏

61

يدل ظاهر الأمر على وجوب المباشرة من المكلف بالخصوص، أو لا عين لهذا الظاهر و لا أثر؟ و عليه فلا يسقط التكليف بالنيابة تبرعا كانت أم بدعوة من الأصيل؟.

الجواب:

أجل، هذا الظاهر موجود بالفعل، لأن الأوامر بكاملها تخاطب المكلف بالذات، و تفرض عليه بدلالة ما ظهر منها أن يباشر الفعل بنفسه. و عليه فلا يسقط التكليف عنه اذا قام به غيره بأي دافع كان إلا بدليل خاص.

سؤال ثان: هل يدل الأمر بظاهره مع صرف النظر عن العقل و حكمه بالطاعة- على ان الامتثال لا يتحقق إلا أن يأتي المكلف بالمأمور به عن إرادة و اختيار بحيث لو صلّى مكرها أو غفلة- مثلا- لا تقبل منه الصلاة أخذا بدلالة الأمر على ذلك لا استنادا الى العقل و حكمه بأن التكليف اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني؟.

الجواب:

إن العقلاء و أهل العرف يفهمون من قول الشارع: أقم الصلاة- مثلا- توجيه المكلف و بعثه نحو الصلاة مختارا لا مجبرا سواء أجاهد نفسه و حملها على إرادة الصلاة، أم أرادتها طائعة، فالمهم أن لا يكون هناك ضغط من الخارج، و أن لا يقع الفعل عن غفلة و ذهول، و عليه فيكفي الاعتماد على ظاهر الأمر لإثبات ان المكلف لا يخرج عن عهدة التكليف إلا أن يأتي بالمأمور به قاصدا لا ذاهلا، و مختارا لا مجبرا. و لا يترك هذا الظاهر إلا بدليل.

سؤال ثالث و أخير: هل يتحقق الامتثال و يسقط التكليف بفعل الحرام أخذا بظاهر الأمر و إطلاقه لجميع الموارد- مثلا- أمرنا الشارع بالوضوء، و صادف وجود الماء في إناء مغصوب دون غيره، فهل يصح الوضوء بهذا الماء و يتحقق به الامتثال عملا بظاهر الأمر و إطلاقه؟

الجواب:

كلا، حيث لا أمر هنا من الأساس كي نأخذ بإطلاقه، لأن الشارع لا

62

يطلب شيئا تنحصر مقدمات وجوده بالحرام إلا في ظروف استثنائية يتغلب فيها الأهم على المهم. و يأتي الكلام عن ذلك في محله ان شاء اللّه تعالى. و تجدر الإشارة الى أن السبب الموجب لذكر هذه المسائل الثلاث هنا هو أن بعض الأعلام ذكرها في تقريراته بكلام طويل و مطلسم، فآثرنا ذكرها عسى أن نلقي بعض الأضواء على ما أراد، بالإضافة الى أنها لا تخلو من الفائدة.

الأمر لا يقتضي التوصل و لا التعبد

كل ما ثبت وجوبه بدليل لفظي فالأصل فيه- بضميمة مقدمات الحكمة- الاطلاق حتى يثبت العكس، و لكن بشرط أساسي و هو أن يكون تقييد الواجب ممكنا، لأن الإطلاق لا يمكن إلا حيث يمكن التقييد- مثلا- إذا قال لك الشارع: أكرم الجار، ثم شككت هل أراد الجار الصالح بالخصوص، أو كل جار برا كان أم فاجرا- جاز لك في مثل هذه الحال أن تأخذ بظاهر الأمر و إطلاقه الشامل لكل جار دون استثناء، لأن تقييد الجار بالصالح أو الطالح ممكن، و تقسيمه اليهما جائز.

أما إذا شككت في أن الشارع هل أوجب عليك الإكرام بقصد الطاعة و امتثال الأمر، أو أوجبه مطلقا أيا كان الدافع و القصد، أما إذا كان الشك كذلك فلا إطلاق للأمر من هذه الجهة كي تعتمد عليه و تأخذ به، لأنه قبل ورود الأمر لا واجب حتى تقصد امتثال أمره، و بعد ورود الأمر يوجد الواجب مجردا عن قصد الامتثال.

و ان قال قائل: نقصد امتثال الأمر المتعلق بالواجب من حيث هو لا من حيث كونه مأمورا به- قلنا في جوابه: أولا هذا خلاف الفرض لأن الفعل من حيث هو لا يتصف بالوجوب. ثانيا: ان الأمر لا يثبت بنفسه وجوب قصده و إلا كان أمرا و مأمورا به، واجبا و وجوبا في آن واحد! كيف و رتبة المأمور به متقدمة على الأمر و هو متأخر عنه، و الشي‏ء الواحد لا يتقدم على نفسه أو يتأخر للزوم الدور المحال.

و إذن فلا سبيل للشارع ان أراد من المكلف أن يفعل المأمور به بقصد الامتثال‏

63

لا سبيل للشارع إلا بأن يصدر أمرين: أمرا بالفعل، و أمرا بإتيان الفعل بقصد الطاعة، و يقول هكذا: أكرم جارك، و ليكن إكرامك له بقصد الطاعة و امتثال الأمر، و بهذا وحده يمكن تجنب المحذور. و يسمى الأمر الثاني بمتمم الجعل و بالجعل الثانوي، و سبقت الإشارة الى ذلك في فصل أصول الفقه.

و تسأل: أجل، ان الأمر يستحيل أن يدل بنفسه على أنه هو توصلي، و لكن هل هناك طريق آخر نثبت به أن الأمر توصلي لا تعبدي؟

الجواب:

ان هذا الطريق موجود، و يتلخص بأن الشارع لو أراد امتثال الأمر لصرح به في بيان ثان بعد أن امتنع عليه الاعتماد على الاطلاق لمكان الدور. فإن وجد هذا التصريح و البيان الذي أطلق عليه اسم متمم الجعل- فذاك و إلا نفيناه بإطلاق المقام أي السكوت عن البيان، أو بأصل العدم مهما شئت فعبّر. و بهذه العملية تتحقق نتيجة الإطلاق من دونه أي يثبت التوصل دون الاعتماد على الأمر و إطلاقه.

و تسأل: ان الاطلاقات اللفظية بكاملها تحتاج الى هذه العملية، و هي أن سكوت الشارع في مقام البيان يدل على الإطلاق و إلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و إذن لا فرق بين الإطلاق المقامي أو السكوتي و بين إطلاق الأمر إلا في التسمية؟.

الجواب:

أولا: نسبنا الاطلاق هنا الى عدم بيان الجعل الثانوي، لأن نسبته الى ظاهر الأمر مستحيلة في ذاتها كما أشرنا.

ثانيا: ان طائفة من العلماء قالوا بأن ظاهر الأمر يقتضي التعبد، و آخرين ذهبوا إلى أنه يقتضي التوصل، و منهم الشيخ الأنصاري حيث قال في مقدمة الواجب من تقريراته ما نصه بالحرف الواحد: «فالحق الحقيق بالتصديق هو أن ظاهر الأمر يقتضي التوصلية». و هذا الاشتباه من الكبار قد ينخدع به التابعون لمجرد الاسم، فوجب التنبيه.

64

الأصل العملي‏

بعد أن نفى من نفى الاطلاق عن الأمر، و أثبتوه بطريق آخر، كما أشرنا تحدثوا عما يقتضيه الأصل العملي من البراءة أو الاحتياط على فرض عدم وجود دليل أو أصل يثبت التوصل أو التعبد. و ذهب صاحب (الكفاية) الى وجوب الاحتياط، لأن الشك في قصد الامتثال ليس شكا في وجوب الجزء كالسورة من الصلاة، أو في وجوب الشرط كنظافة الساتر حين الصلاة مثلا، و انما هو شك في سقوط التكليف بعد العلم به. و التكليف اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني، و من تهاون استحق العقاب، لأنه عصى مع البيان و قيام البرهان على وجود التكليف.

و قال النائيني بالبراءة، لأن الشك في وجوب قصد الامتثال انما هو شك في ان الشارع هل أوجبه بأمر مستقل- و هو الذي أطلق عليه متمم الجعل- أو ان الشارع سكت عنه. و بناء على ذلك يكون الشك في أصل التكليف و وجوده لا في سقوطه و الخروج عن عهدته.

و هذا هو الأرجح و الأقرب، لأن هيئة الأمر تدل على طلب الفعل المدلول عليه بالمادة، و ليس منه قصد الامتثال كما هو المفروض، لأن طلبه يحتاج الى بيان زائد و جعل مستقل، و هو منفي بالأصل. و سوف نعود الى المسألة ثانية أو نظائرها في مبحث: دوران الأمر بين الأقل و الأكثر.

و تسأل: ما رأيك في قول من قال: إن قصد الامتثال من شئون الطاعة التي أوكل الشارع أمرها الى العقل، و بناء عليه فلا يفتقر قصد الامتثال الى بيان الشارع كي يقال: لو أراد لبيّن، و بالتالي فلا يكون العقاب على تركه عقابا بلا بيان، و بما ان الاحتياط ممكن و مقدور فيجب بحكم العقل؟

الجواب:

أجل، ما على الرسول إلا بلاغ الأحكام و كفى، أما الطاعة فيحكم بها العقل، و لكن ليس له أن يشرع أحكاما من عنده و يقول للمكلف الشاك في مراد الشارع: هذا حلال، و هذا حرام. و المفروض في مسألتنا ان المكلف يجهل و يشك في أن الشارع هل أوجب عليه قصد الامتثال في هذا الفعل بالخصوص أو لا؟ و السبب الموجب لشكه عدم البيان، و لا شأن للعقل في ذلك إلا مجرد الحكم بقبح العقاب بلا بيان. و عليه فأصل البراءة محكم و محتم.

65

الواجب المعين و المخيّر و العين و الكفاية

بين المعين و المخيّر

ينقسم الواجب باعتبار المأمور به الى معين و مخيّر، و المعين هو المطلوب بالذات، و لا بديل يجزي عنه كالصلاة و الزكاة، و المخيّر هو المطلوب على سبيل التخيير بين أمرين أو أمور معلومة كأحد خصال الكفارة فإن الواجب واحدة منها لا بعينها، فإن ترك المكلف الجميع فقد عصى تكليفا واحدا، و ان فعل واحدة من الخصال خرج عن عهدة التكليف، و ان فعلها جميعا فالواجب ما أتى به أولا، و الباقي ندب.

شبهة حول المخير

و تسأل: إن الواجب المعين حق لا ريب في تصوره و إمكانه و وقوعه، و لا يستدعي أي محذور. أما الواجب المخيّر فيرد عليه أولا ان الواجب بطبيعته يقتضي عدم الترك، و المفروض في الواجب المخير جواز تركه، فكيف نجمع بين وجوب الفعل و جواز الترك؟

ثانيا ان الشارع عادل و حكيم، و هو لذلك لا يطلب من المكلف إلا ما يمكن أن يعزم عليه، و يتجه اليه، و يفعله باختياره. و من البديهي ان الانسان لا يعزم‏

66

على شي‏ء من غير علم، و لا يتجه الى مجهول مردد بين شيئين أو أكثر، و اذا استحال ذلك في حق الانسان فإنه يستحيل أيضا في حق الشارع أن يطلب منه ما يعجز عنه، لأنه تكليف بما لا يطاق.

دفع الشبهة

و قد أجيب بالعديد من الأجوبة، نذكر اثنين منها: الأول ان المطلوب هو كلي الواحد و مفهومه العام الشامل لأفراد الواجب المخير و مصداقيه، أو قل:

هو الواحد بالنوع لا بالشخص، و هذا النوع أو القدر المشترك لا تخيير فيه، و انما التخيير في الخصوصيات و الأفراد عند الامتثال، و معنى هذا ان الواجب لا تخيير فيه، و ما فيه التخيير فليس بواجب على التعيين.

الجواب الثاني ان المطلوب كل فرد على سبيل البدل و الاشاعة بين أفراد التخيير المحصورة المعلومة بحيث لا يجب الجميع، و لا يجوز ترك الجميع، و أي فرد يأتي به المكلف مختارا فهو واجب بنفسه. و بكلام آخر ان الشارع أمر بكل واحدة من خصال الكفارة مع المنع عن تركها و ترك سائر الخصال، فإن فعل المكلف واحدة منها فلا إلزام بالبقية الباقية.

و الفرق بين هذين الجوابين انه على الأول تعلق الطلب مباشرة بالماهية، و بأفرادها بالواسطة. و على الثاني تعلق الطلب منذ البداية بالفرد الشائع من أفراد الماهية لا بالماهية نفسها، على فرض ان هناك ماهية.

و هذا الفرق- كما ترى- لفظي، أما النتيجة فواحدة، و بالخصوص ان ظاهر الأمر يقتضي الواجب المعين بالاتفاق، و لا يحمل على المخير إلا بدليل خاص لأنه لا يعلم إلا ببيان زائد.

بين الأقل و الأكثر

و تسأل: هل يدخل في هذا الباب التخيير بين الأقل و الأكثر.

67

الجواب:

أجل، على أن يكون الأقل مطلوبا بشرط عدم الزيادة كالتخيير بين صلاة القصر و التمام في الأماكن الأربعة المقدسة: حرم اللّه و الرسول، و مسجد الكوفة، و الحائر الحسيني، و بدون هذا الشرط فلا يتصور التخيير بينهما، بل يكون الأقل واجبا كالتسبيحة الأولى في الركعتين الأخيرتين، و ما زاد فتطوع.

التخيير في النهي‏

سؤال ثان: هل يجوز النهي عن أحد شيئين على التخيير، كما هو الشأن في الأمر؟.

الجواب:

قال بعض السنة: يجوز أن يحرم الشارع واحدا لا بعينه من أمور معينة. (كتاب جمع الجوامع). و لم أهتد الى هذه المسألة فيما لدى من مصادر الشيعة. و الذي أراه ان مثل هذا النهي مستحيل في حق الشارع الحكيم، لأنه انما أوجب ما أوجب لجلب المصلحة، و حرم ما حرم لدرء المفسدة. و قد توجد المصلحة المطلوبة في شيئين بحيث يكون كل منهما كافيا وافيا بها على الوجه الأكمل، فيوجب الشارع أحدهما، و يوكل التعيين الى اختيار المكلف تماما كما يقول الطبيب للمريض: دواؤك في واحد من هذين.

أما أن يقول الشارع أو الطبيب: اجتنب واحدا من هذين- فغير معقول، لأن المفسدة إن تك في كل منهما فيجب الاجتناب عنهما معا، و إن تك في أحدهما فهو وحده المحرم، و الآخر مباح، أما ان تتردد المفسدة في نفس الأمر و الواقع بين هذا و ذاك- فلا يتصوره عاقل. أجل، يمكن النهي عن الجمع فعلا بين أمرين، و للمكلف أن يختار أحدهما، كالجمع بين الأختين. و لكن هذا خارج موضوعا عما نحن فيه.

و الخلاصة ان الواجب المخير لا ريب فيه، و النص ناطق به، و عليه الإجماع قولا و عملا، أما الحرام المخير فباطل من أساسه. و في كل الأحوال اذا قسنا

68

بحث الواجب المخير بما له من أثر في الفقه و الاستنباط- نجده قليل الجدوى لأن مسائل المخير معروفة و متفق عليها، و من هنا أشار صاحب الكفاية الى هذه المسألة و مسألة الواجب الكفائي- بكلمة خاطفة، و كان الأفضل أن نفعل ما فعل، و لكن تجاوبنا الى حد ما مع من أسهب و أطنب بدافع من ملكة المهنة، و إلحاح من الداخل.

العين و الكفاية

و أيضا ينقسم الواجب باعتبار المكلف الى فرض عين، و فرض كفاية، و الأول لا يسقط عن المكلف بفعل سواه، لأن مصلحة التكليف تناط بمباشرته خاصة.

و الثاني مطلوب من الكل بهدف وجود الفعل و كفى أيا كان الموجد و الفاعل، و لذا يسقط عنهم جميعا بفعل البعض، و ان أهملوا بالكامل فوراءهم نقاش الحساب .. و كل من النوعين واقع بالفعل، و أفراده تكاد لا تحصى، فمن الواجب عينا الايمان باللّه و رسوله و اليوم الآخر، و الصوم و الصلاة و الحج و الزكاة، و الصدق و الوفاء بالعهد، و السعي في طلب الرزق و نفقة العيال و كف الأذى الخ.

و من الواجب كفاية الجهاد و الأمر بالمعروف، و القضاء و الافتاء، و ردّ السلام اذا كان على جماعة، و تجهيز الميت و الصلاة عليه، و تعليم الأمور الدينية و تعلّمها، و الصناعة و الزراعة و رعاية الأيتام و الأوقاف، و كل ما يتصل بالصالح العام.

و اذا توجه خطاب الى جماعة، و شككنا هل هو عين أو كفاية- فظاهر الأمر يقتضي العين، و انه مطلوب من كل واحد إلا أن يقوم دليل على الكفاية.

و في هذا البحث نقل السيد الخوئي عن النائيني فرعا نذكره للفائدة، و هو اذا تيمم اثنان لعدم الماء، و قبل الدخول بالصلاة وجد ماء يكفي لوضوء واحد فقط- فهل ينتقض تيممهما معا أو تيمم أحدهما أو يبقى ما كان على ما كان.

69

الجواب:

إن السبب الموجب لنقض التيمم هو القدرة على الماء لا حيازته بالفعل و إمكان التصرف فيه، و كل من الاثنين قادر على الماء في الفرض المذكور و لو بالاسراع و المزاحمة، و عليه ينتقض تيممهما معا. و ان قال قائل: كيف ينتقض التيمم مع العلم بأنه لا أمر بالوضوء هنا إلا بعد الحيازة- قلنا في جوابه مع التحفظ فيما يعود الى نفي الأمر بالوضوء: إن نقض التيمم لا يستند الى وجود الأمر بالوضوء بل الى وجود القدرة على الماء، و هي موجودة بالفعل كما أشرنا.

70

وقت الواجب‏

غير الموقت‏

إذا ورد في الشريعة أمر غير مقيد بزمان سمي غير موقت، و لك أن تسميه مطلقا من حيث الوقت، لأنه يمتد ما دام العمر مع ظن السلامة، و منه الكفارة و الحج لمن استطاع اليه سبيلا. و ينقسم هذا الواجب الى فوري كإزالة النجاسة عن المسجد، و غير فوري كقضاء الصلاة.

و ان قال قائل: ان الفوري تجب اليه المبادرة، و عليه يكون موقتا و قسيما لغير الموقت لا قسما منه- قلنا في جوابه: أجل، ان الفوري تجب اليه المبادرة، و لكن في أول أزمنة القدرة و الإمكان، و من البديهي ان القدرة على العمل تتبع الظروف و المفاجئات، و قد توجد القدرة و تتحقق في زمن الخطاب، و قد تتأخر منه بأمد قصير أو طويل، و مع الجهل بالوقت لا يمكن التوقيت بحال.

الموقت‏

و إذا ورد في الشريعة أمر مقيد بزمان نظر: فإن كان الزمان يستغرق الواجب لا يزيد عليه و لا ينقص عنه كالصيام- وجب أداؤه على الفور، و يسمى مضيقا، و ان كان الزمان أوسع من قدر الفعل كالصلاة جاز الفعل في أول الوقت المحدد و وسطه و آخره، و الخيار للمكلف، و يسمى موسعا، طبعا في حدود زمانه، و يستحيل في حق الحكيم أن يحدد زمانا لفعل يضيق به و لا يتسع له، لأنه تكليف بما لا يطاق. و هنا سؤالان نعرضهما مع الجواب فيما يلي:

71

السؤال الأول ان القول بصحة الواجب الموسع يستدعي القول بجواز ترك الواجب، و ذلك بأن الجزء الأول من الوقت سبب كاف للإيجاب أي أنه علامة على توجه الخطاب للمكلف و استقرار الوجوب في ذمته، و متى استقر الوجوب في الذمة وجب الأداء و امتنع الترك. و الاذن بالتأخير إذن بترك الواجب، و هذا تناقض صريح.

الجواب:

أبدا لا خيار للمكلف في جواز ترك الواجب المؤقت الموسع تماما كما لا خيار له في ترك الواجب غير الموقت، لأن التكليف في كل منهما تعلق بطبيعة الفعل، و الفرق هو ان زمان الفعل في الواجب غير الموقت لم يحدده الشارع، بل ترك تحديده و تعيينه الى اختيار المكلف، أما الزمان في الموقت الموسع فقد بيّنه الشارع و حدّد طرفيه ضمن إطار خاص، و معنى هذا ان المكلف ملزم بالفعل، و ملزم بوقته المعين، و الخيار مقيد و مشروط بزمن الفعل، و اذن فأين جواز ترك الواجب من الأساس؟ و هل للدائن الذي حل دينه في يوم معلوم- أن يقول للمدين: أنت مماطل و ما أشبه اذا طالبه بالوفاء صباحا، و قال المدين: أمهلني الى المساء من هذا اليوم؟.

السؤال الثاني ورد في الشريعة الاسلامية: «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الصلاة». و يومئ هذا بظاهره الى انه ليس من الضروري أن يكون زمان الواجب أوسع منه أو مساويا له، بل يكون أيضا أضيق منه. و عليه فلا مبرر للقول بأن الشارع لا يحدد زمانا لفعل يضيق به.

الجواب:

إن قول الشارع: من أدرك ركعة الخ. بعيد عن الفرض المذكور كل البعد، لأن معناه منطوقا و مفهوما ان الشارع أعطى للركعة في الوقت حكم الصلاة بكاملها في الوقت من حيث الأداء و نيته. و عليه يكون هذا النص حاكما على تلك النصوص التي حددت أوقات الصلاة، و مضيفا اليها وقتا آخر. و هذا شي‏ء، و ضيق الوقت عن قدر الفعل شي‏ء آخر.

72

القضاء بأمر جديد

قدمنا أن الواجب الموقت منه موسع كالصلاة، و منه مضيق كالصوم، و الآن نفترض أن المكلف ترك الواجب في وقته المعين موسعا كان أم مضيقا، فما ذا يصنع؟ و اتفق الجميع قولا واحدا على قضاء العبادة، و اختلفوا في السبب الموجب للقضاء: هل هو ظاهر الأمر بحيث يدل على الأداء و القضاء معا على تقدير الترك في الوقت، أو ان دلالته تقف عند الاداء و كفى، و ان القضاء يفتقر الى أمر جديد؟.

و أرجح الأقوال ان الأمر لا يقتضي إلا الأداء، لأن طلب الفعل المقيد بوقت معين- لا يوحي بشمول سواه و إلا كان القيد لغوا، و كان التقيد و الاطلاق بمنزلة سواء. و أي عاقل يفرق بين القيد بالزمن و القيد بالوصف كالعلم و الإيمان؟

أ ليس الإجماع قائما على أن دلالة القيد في «أعتق رقبة مؤمنة» لا تتعدى الى الرقبة الكافرة فكذلك يجب أيضا أن لا تتعدى دلالة القيد في أعتق رقبة يوم الجمعة- الى يوم السبت. و الفرق اعتباط و تحكم.

و في جميع الأحوال فإن البحث في دلالة الأمر على القضاء قليل الجدوى من حيث العمل، لأن قضاء الصوم و الصلاة ثابت بضرورة الدين، و الحج أداء مدة العمر، و كذلك الزكاة إذا كانت دينا في الذمة، و قضاء النذر واجب نصا و فتوى.

تعدد المطلوب‏

و تسأل: أجل لا شك في أن الأمر يقتضي الاداء و كفى، و أيضا لا شك في وجود الدليل الخاص على القضاء، و لكن هل الأمر بالقضاء هو أمر جديد لا علاقة له بأمر الأداء من قريب أو بعيد، أو هو قرينة تكشف ان الطلب السابق ينحل الى مطلوبين: الفعل مطلقا و بلا توقيت، و الثاني الفعل الموقت، فإذا ما فات هذا بفوات وقته بقي المطلق على إطلاقه و شموله لجميع الأوقات، و عليه يأتي المكلف بالفعل امتثالا لهذا الأمر المطلق‏ (1).

____________

(1) هذا الاشكال موجود في بعض العبارات التي شعبته إلى صور كثيرة و عسيرة، و قررناه بهذا الأسلوب تسهيلا على الطالب.

73

الجواب:

ليس من شك ان أمر القضاء لا يدل على ان أمر الأداء ينحل الى طلبين و مطلوبين: أحدهما مطلق و الآخر مقيد، و أيضا مثله لا يصدر عن الشارع، و لو انحل اليهما لوجب الاتيان بالفعل الواحد مرتين، و لاستحق العاصي عقابين اذا لم يؤد المكلف و لم يقض. و لا قائل بذلك.

74

نسخ الوجوب و تكرار الأمر

معنى النسخ‏

للنسخ في اللغة معان، منها النقل يقال: نسخ فلان الكتاب اذا نقله و كتبه كلمة بعد كلمة. و منها الإزالة مثل نسخت الشمس الظل أي أزالته، و هذا المعنى هو المراد في الشرع، و هو جائز عقلا و عرفا، و واقع في الشريعة الإلهية و القوانين الوضعية. و تجدر الاشارة الى ان نسخ الشارع للحكم شي‏ء، و انكشاف ما كان مجهولا شي‏ء آخر، و هذا النحو من الكشف و الانكشاف ممتنع الوقوع في الشريعة الاسلامية بالاتفاق، لأنه يوحي بالجهل و القول بغير الحق.

و عند تفسير الآية 28 من سورة البقرة في «التفسير الكاشف» قلت فيما قلت:

النسخ في القرآن صوري لا واقعي، فالحكم المنسوخ دائم في ظاهره، محدود بأمد في واقعه، و لأن الحكمة استدعت إظهاره بمظهر الدوام تماما كما لو رأى الطبيب ان من مصلحة المريض الامتناع عن أكل اللحم أسبوعا، و أيضا رأى من المصلحة أن لا يعلمه بتحديد الوقت، فنهاه عن اللحم بلا قيد، و بعد الأسبوع أذن له بأكل اللحم.

محل النزاع‏

اذا ورد في الشرع أمر بفعل من غير قيد بأمد، أو نص على أبد، و لكن‏

75

ظاهره الشمول و الاطلاق بحيث يدوم لو لا النسخ، ثم ورد نهي عن هذا الفعل المأمور، اذا كان ذلك نظرنا: فإن علمنا لسبب أو لآخر بأن الشارع قد حرّم أو أباح بعد أن أوجب- فذاك المتبع، و ان علمنا بأن الشارع رفع الوجوب و كفى، و شككنا في انه حرّمه أو أباحه بهذا النسخ فهل لنا أن نستفيد الإباحة الشرعية من دليل الناسخ أو المنسوخ أو منهما معا؟.

و الحق انه لا عين و لا أثر لهذه الدلالة في شي‏ء منهما من قريب أو بعيد، و ان كل ما يدل عليه النسخ هو رفع الإلزام بالفعل و كفى.

استصحاب الجواز

و قال قائل: أجل لا أصل لفظيا هنا يثبت الجواز و الإباحة، و لكن نثبت جواز الفعل بأصل عملي، و هو الاستصحاب حيث نعلم يقينا أن الفعل قبل النهي كان جائزا، لأن كل واجب يجوز فعله و يحرم تركه، و بعد النهي نشك هل ارتفع الجواز و المنع معا، أو ارتفع المنع دون الجواز، نشك في ذلك لعلمنا بأن المركب ينتفي بانتفاء بعض أجزائه تماما كما ينتفي بانتفائها جميعا. و بالعلم السابق و الشك اللاحق يتم الاستصحاب و يثبت الجواز.

الجواب:

أولا: ان مفهوم الوجوب بسيط لا تركيب فيه، و النسخ يقتلعه من الجذور، و لا يبقي له باقية من جزء أو شرط أو أثر.

ثانيا: ان الشرط الأساسي في الاستصحاب أن يكون المشكوك عين المتيقن، فإن اختلف الموضوع و تعدد فلا مكان للاستصحاب. و هذا الشرط غير متوفر فيما نحن فيه، لأن لجواز الفعل أربع حالات: الأولى وجوده في ضمن الواجب، و الثانية ضمن المندوب، و الثالثة ضمن المكروه، و الرابعة ضمن المباح بالمعنى الأخص أي ما تساوى طرفاه فعلا و تركا، و كل جواز من هذه الأربعة غير الآخر و مباين له. و نحن نعلم ان جواز الفعل الذي كان ضمن الواجب قد ارتفع يقينا، و ان الذي نحتمل حدوثه و نشك في أصل وجوده هو جواز الفعل في‏

76

ضمن المندوب أو المكروه أو المباح، و معنى هذا أن الجواز المعلوم لم يطرأ عليه شك لأنه ارتفع يقينا بالنسخ، و ان الذي شككنا في وجوده لم يسبق بعلم لأنه مشكوك منذ البداية، فأين موضوع الاستصحاب و ركنه الركين؟.

و يأتي، بحول اللّه و توفيقه، الحديث عن ذلك مفصلا في استصحاب الكلي، و أيضا قد نعود الى الكلام عن النسخ من جهة ثانية حين تدعو الحاجة.

تكرار الأمر

إذا تكرر أمران أو أكثر بفعل واحد فهل يجب تكرار الفعل أيضا تبعا لتعدد الأمر، أو يكفي الاتيان بالمأمور به مرة واحدة؟ و الجواب يستدعي التفصيل التالي:

1- أن يكون المحل غير قابل لتكرار الفعل مثل صم هذا اليوم صم هذا اليوم، و اقتل زيدا. و ليس من شك أن الأمر هنا للتوكيد لا للتأسيس.

2- أن يكون الغرض من الأمرين واحد مثل اسقني اسقني، لأن الغرض رفع العطش، و مثله ان أحدثت فتوضأ ان أحدثت فتوضأ. و هذا كسابقه.

3- أن يكون سبب كل من الأمرين غير سبب الآخر مثل ان نمت فتوضأ ان أحدثت فتوضأ، و هذا يبتني على تداخل الاسباب و المسببات أو عدم تداخلها، فعلى القول بالتداخل لا يجب تكرار الفعل، و على القول بعدم التداخل يجب، و يأتي الحديث عن ذلك في مفهوم الشرط ان شاء اللّه تعالى.

4- أن يكون أحد الأمرين مطلقا و الآخر مقيدا، فيحمل المطلق على المقيد.

و هذا خارج عن الغرض لأن الأمر فيه واحد، و كذلك المأمور به ضرورة ان التقييد لا يوجب التعدد.

5- ان يتعلق التكليف بالطبيعة من حيث هي لا بشرط مثل صلّ ركعتين صل ركعتين. و هنا محل الخلاف، فمن قائل بأن الأمر الثاني تأسيس لا توكيد

77

لأن تعدد التكليف يقضي بتعدد المكلف به. و قائل بأنه توكيد لا تأسيس. و هو الأصح و الأرجح، لأن الطبيعة مطلقة و واحدة، و المصاديق متماثلة، و لا دليل على وجوب تكرار الفعل، بل ادعى بعض المؤلفين «ان الطبيعة الواحدة يستحيل أن يتعلق بها أمران من دون امتياز».

أما القول بأن تعدد التكليف يقضي بتعدد المكلف به- فإنما يصح لو تعدد المأمور به طبيعة و مصداقا.

78

هل يسوغ التكليف مع العلم باستحالة الامتثال؟

السنة و التكليف بالمحال‏

يعتقد السنّة ان التكليف بما لا يطاق جائز على اللّه سبحانه، فقد جاء في الجزء الثامن من (المواقف) للإيجي ص 200 طبعة 1327 ه ما نصه بالحرف الواحد: «تكليف ما لا يطاق جائز عندنا .. و هذا التكليف على مراتب، أدناها أن يمتنع الفعل لعلم اللّه بعدم وقوعه. و التكليف بهذا جائز، بل واقع إجماعا». و كتاب (المواقف) من أهم الكتب عند السنّة و أوثقها في علم الكلام و العقيدة.

و نقلوا هذا البحث من علم الكلام الى علم أصول الفقه، و فرعوا عليه العديد من المسائل. ففي كتاب (جمع الجوامع بشرح البناني) ص 108 و ما بعدها طبعة سنة 1308 ه: «يجوز التكليف بالمحال سواء أ كان محالا لذاته أي ممتنعا عادة و عقلا، أم لغيره أي ممتنعا عادة لا عقلا». و في كتاب (فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ص 123 طبعة سنة 1322 ه: «أما الممتنع عادة كحمل الجبل فيجوز التكليف به عندنا». و في كتاب (التحرير في أصول الفقه) ص 262 و ما بعدها طبعة سنة 1351 ه: «يصح تكليفه تعالى بما علم انتفاء شرط وجوده في الوقت».

الشيعة

و الشيعة يمنعون ذلك، و يعتبرون ضلاله و فساده من المسلّمات الأولية لأن اللّه‏

79

تعالى‏ «لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ- 182 آل عمران» .. «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها- 233 البقرة». و على الرغم من ذلك فقد دوّن علماء الشيعة في كتب الأصول، و بحثوا هل يجوز للآمر أن يكلّف بشي‏ء مع علمه باستحالة الامتثال و الطاعة؟ و الجواب على مذهبهم معلوم سلفا، و هو المنع بتاتا، و لكنهم أرادوا التنبيه الى تنزيهه تعالى عن الظلم و البغي، و الى حكمته و عدله في خلقه و في كل ما قضى و أمر.

و قال المرزا النائيني بقلم السيد الخوئي: الحكم في القضايا الحقيقية مشروط بإمكان وجود موضوعه خارجا و يستحيل تخلفه عنه، و علم الآمر بوجوده أو عدمه أجنبي عن ذلك، فلا معنى للبحث عن جواز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه. و يأتي الكلام عن القضايا الحقيقية.

اسلام علي قبل البلوغ‏

قرأت، و أنا أبحث و أنقب في كتب أصول الفقه للسنة، و أتتبع أقوالهم في هذا الموضوع، قرأت مسألة تتصل بإسلام الإمام أمير المؤمنين (ع) و هي هل يجوز التكليف بشي‏ء لا يفهمه المكلف؟ و استدل المانعون بأنه لو صح ذلك لصح تكليف الصبيان بالعبادة مع انه لا يصح باستثناء الصبي العاقل الذي يصح تكليفه بالإيمان لأنه يعرف أن العالم حادث، و ان لكل حادث محدثا فإذا أسلم يقع إسلامه صحيحا، و لا يجب تجديده بعد البلوغ، و الدليل إسلام علي رضي اللّه عنه. (انظر كتاب التحرير في أصول الفقه لابن همام ص 268). و هو من علماء القرن التاسع ه.

و يصلح هذا ردا على من حاول النيل من إسلام الإمام، فتلاعب بالالفاظ و قال: أول من أسلم من الصبيان علي، و من الرجال أبو بكر.

و في رأينا أن الصبي يجوز تكليفه عقلا و عادة إذا توافرت فيه كل الشروط ما عدا البلوغ، لأنه وسيلة لا غاية، سوى أن اللّه سبحانه وضع التكليف عنه تفضلا منه و توسعا. و لنا في هذا الباب كلام و أرقام لا محل لها هنا. و منها- على سبيل المثال- ما اشتهر عن العلّامة الحلّي انه بلغ درجة الاجتهاد قبل‏

80

البلوغ، و ان ابن سينا أفتى الناس في بخارى و هو ابن اثنتي عشرة سنة، و انه أحاط بعلوم عصره كلها و هو يافع، أما المعري فأعجب العجب. و كان اينشتين ابن أربع سنوات حين رأى البوصلة و ابرتها الممغنطة و قال: ان ثمة أشياء في الطبيعة وراء هذه العودة المتحركة، و كان في سن ال 12 حين أتى بأول نظرية جديدة له و هي التي فرق فيها بين ما هو هندسي و ما هو طبيعي. و إذن فلا غرابة في إمامة الجواد و الهادي.

التكليف متعلق بالطبيعة أو بالأفراد

إذا أمر الشارع بشي‏ء كقوله: صل- فهمنا من أمره أن المطلوب طبيعة الصلاة و ايجادها في الخارج سواء أ تمثلت في الفرد الأعلى أم الأدنى‏ (1). فالمهم الامتثال و الخروج عن عهدة التكليف. و اذا نهى عن شي‏ء كقوله: لا تكذب فهمنا من نهيه ان المطلوب مجرد الترك لطبيعة الكذب بشتى أفراده الضار منها و النافع.

و هكذا يفهم كل الناس من الأمر و النهي اذا أطلقا من غير قرينة. و لا ينبغي الإشكال و الخلاف في هذه الحقيقة بعد ثبوتها بالحس و الوجدان.

و قال الأصوليون: أجل لا خلاف في ان التكليف بظاهره متعلق بالطبيعة، و لكن هل المطلوب أولا و بالذات و في نفس الأمر و الواقع هو الفرد الخارجي الذي تصدق عليه الطبيعة أما هي فغير مطلوبة لنفسها، بل كوسيلة للتعبير عن المطلوب، أو ان المطلوب أولا و واقعا هو نفس الطبيعة الشاملة لكل فرد، و حيث ان الطبيعة لا توجد إلا بوجود أفرادها- اعتبر الفرد كوسيلة للامتثال و كفى.

و قال بعض المؤلفين: إن النزاع هنا لفظي لا جدوى وراءه، لأن نتيجة القولين واحدة ما دامت الطبيعة لا توجد إلا بوجود أفرادها! و يمكن أن يكون‏

____________

(1) أجمع الفقهاء و الأصوليون على ان الاتيان بأي فرد من طبيعة المأمور به فهو كاف واف في الطاعة و الامتثال، لأن الأمر يسري إلى كل أفراد الطبيعة بقرينة عامة يسمونها مقدمات الحكمة، و تتلخص بأن يكون متعلق الأمر قابلا للانقسام و لا قرينة على التخصيص، و أن يكون المتكلم في مقام البيان، و يأتي التفصيل في باب المعلق و المقيد ان شاء اللّه.

81

النزاع معنويا لا لفظيا، و تظهر النتيجة بين القولين في الفرد الذي يصدق عليه عنوان المأمور به، و عنوان المنهي عنه كالصلاة في المكان المغصوب، فعلى القول بأن التكليف متعلق بالطبيعة يجوز اجتماع الأمر و النهي لاختلاف الجهة حيث تكون الصلاة واجبة من حيث الأمر بالصلاة، و محرمة من حيث النهي عن الغصب، و على القول بأن التكليف متعلق بالفرد لا يجوز ذلك حيث لا يوجد في الصلاة، و الحال هذه، إلا جهة واحدة، و هي الحرمة فقط أو الوجوب فقط. و يأتي التوضيح و التفصيل في مبحث اجتماع الأمر و النهي ان شاء اللّه.

82

الإجزاء

لمجرد التمهيد

الهدف الأساسي من الفقه و أصوله هو أن نعرف شرع اللّه لنؤدي طاعته في أحكامه، و نتقيه في حلاله و حرامه. و كل بحث لا يمت الى ذلك بسبب فما هو من الأصول و الفروع في شي‏ء. و مبحث الإجزاء- من أجزأ شي‏ء عن شي‏ء و أغنى عنه- طريق من طرق المعرفة بطاعة اللّه و المجانبة لمعصيته تعالى، لأن البحث فيه على الإجمال يدور حول هذا التساؤل: هل مجرد الإتيان بالمأمور به أيا كان الأمر- يحرر المكلف من المسئولية أمام اللّه، أو يبقى عليه واجب آخر؟

مهدنا بهذه الاشارة الخاطفة لمجرد إعطاء فكرة عما نحن بصدده، و سنحرر النزاع في بيان أوسع و أجمع. و جرت عادة أكثر الأصوليين أن يتكلموا هنا عن آثار الحكم الواقعي الاختياري و الاضطراري و الحكم الظاهري دون أن يحددوا كل واحد، فيبقى الطالب المسكين حائرا يحفظ ألفاظا و لا يفهم لها معنى حتى اذا و صلوا بعد سنوات الى الأصول العملية أطالوا في شرح هذه الأحكام! و رفقا بالطالب نشير فيما يلي الى كل حكم و لو على سبيل الإجمال، ثم نعود اليه ثانية في الأصول العملية إن شاء اللّه.

الحكم الواقعي‏

ينقسم الحكم الشرعي بالنظر الى علم المكلف و جهله، و اختياره و اضطراره، الى ما يلي:

83

1- الحكم الواقعي، و هو ما أوجب سبحانه امتثاله أولا على عباده كافة و الإتيان بما تعلق به بكامل شروطه و أجزائه دون أن يأذن لأحد بأن يخل و يتهاون بشي‏ء منه إلا لعذر مشروع من عجز أو جهل، و من أمثلة ذلك الصلاة مع الطهارة المائية و كل ما يعتبر فيها من جزء أو شرط.

و طريق المعرفة بهذا الحكم الواقعي لا يخلو من أحد فرضين: إما العلم من أي سبيل اتفق. و هذا الطريق لا يحتاج الى جعل الشارع و اعتباره لأنه حجة بنفسه، و اما أن يكون الطريق بجعل الشارع و اعتباره بحيث لولاه لم يكن علامة و وسيلة الى طاعة اللّه في أمره و نهيه كخبر الواحد و الأصل العملي.

فإن كان الطريق من النوع الأول يكون للواقعة المقطوع بحكمها حكم واحد، و هو الواقعي بالنسبة الى القاطع وحده سواء أ كان علمه و يقينه حقا أم باطلا.

و لا مكان للحكم الظاهري مع القطع لأن الحكم الظاهري يقترن بالشك في الحكم الواقع. و ان كان الطريق من النوع الثاني يكون للواقعة حكمان: أحدهما واقعي في علم اللّه، و الثاني ظاهري في علم الفقيه.

ثم الحكم الواقعي ينقسم الى قسمين: أولي اختياري، و هو أن يقدر المكلف على امتثال المأمور به بجميع شروطه و أركانه كالقدرة على الصلاة بحكمها الأول، و الى ثانوي اضطراري، و ذلك إذا عجز المكلف عن شرط أو جزء كعجزه عن الطهارة، أو عن القيام في الصلاة.

الحكم الظاهري‏

2- الحكم الظاهري، و موضوعه الشك في الحكم الواقعي، كما سبقت الإشارة، و لذا تأخر عنه رتبة، و حدّه ما أدى اليه ظن المجتهد الناشئ من خبر أو أصل.

قال الشيخ الانصاري (رحمه اللّه) و ان كان لا يرحم أحدا في طلاسمه، قال في التقريرات باب الإجزاء، و هو يعرف الحكم الظاهري ما نصه بالحرف الواحد:

«المراد من الحكم الظاهري هو الوجوب المستفاد من الأدلة التي يجب الأخذ بها بواسطة ما دل على اعتبار ما دل على ذلك من الخبر و الأصل».

و يتلخص معنى ما أراد بأن الشارع أوجب العمل بخبر الثقة فيما ينقله عنه من‏

84

أحكام، و أيضا أوجب العمل بالأصل الذي قرره للفقيه حين لا يجد نصا في آية أو خبرا كأصل الاباحة و الاستصحاب، و الحكم الظاهري هو نفس الحكم الذي يستخرجه الفقيه من النص إن وجد، و من الأصل ان فقد النص. أما قول الانصاري: «بواسطة ما دل على اعتبار ما دل» فهو يشير الى ان كلا من الخبر الواحد و الأصل العملي ليس بحجة في نفسه و لا هو دليل على أحكام الشرع لو لا ان الشارع هو الذي أمر بالاعتماد عليه، و اعتبره حجة و دليلا، و من هنا اصطلح الفقهاء على تسمية ما دل على اعتبار الأصل و الخبر- بدليل الاعتبار أو بدليل الحجية.

و الذي دعا الأصوليين الى القول بوجود الحكم الظاهري هو أن ما يستخرجه الفقيه من الأدلة الظنية يقترن دائما باحتمال الخلاف و عدم الموافقة للحكم الواقعي مع العلم بأن الفقيه مكلف بالعمل بما أدى اليه ظنه، فسموا هذا الذي أدى اليه الظن بالحكم الظاهري حيث يجب التعبد به في الظاهر حتى و لو كان مخالفا للواقع ما دام الجهل بالواقع مستمرا، و بما ان القاطع لا يحتمل المخالفة لأن القطع لا يجتمع مع الاحتمال بحال- لم يكن للحكم الظاهري من مكان بالنسبة الى القاطع.

و بعض العلماء ينفي الحكم الظاهري من أساسه و قال: ليس الحكم الظاهري إلا إحرازا تعبديا للحكم الواقعي بالأصول و الإمارات التي قررها الشارع.

و في جميع الأحوال فالمهم هنا في باب الإجزاء أن نكون على علم بأن للحكم ثلاثة أقسام: واقعي أولي اختياري، و واقعي ثانوي اضطراري، و ظاهري، لأن هذه الأحكام هي الأسس الأولى للبحث الذي نحن بصدده.

محل النزاع‏

لا شك في ان المكلف إذا امتثل و أتى بالمأمور به على الوجه الذي تناوله الأمر لا يزيد عليه و لا ينقص عنه، لا شك في أنه يخرج عن عهدة هذا الأمر بالذات سواء أ كان واقعيا بكلا شقيه أم ظاهريا، و لا يجب على المكلف أن يعيد ثانية حيث لا معنى لإجزاء الأمر إلا طاعته، و قد حصلت، كما هو الفرض. و لا ينبغي أن يكون هذا محل الخلاف.

أجل يمكن الخلاف و يتصور في أن امتثال الاضطراري: هل يجزي عن امتثال‏

85

الأمر الاختياري بعد أن يرتفع العذر و يزول، و ان امتثال الأمر الظاهري: هل يجزي عن امتثال الأمر الواقعي بعد أن ينكشف الواقع و نعلم به. و مثال الفرض الأول أن يصلي المضطر متيمما، و بعد الصلاة يرتفع الاضطرار، فهل يعيد أو ان الذي أتى به فيه الكفاية؟ و مثال الفرض الثاني أن يترك الفقيه قراءة السورة في الصلاة لعدم الدليل على وجوبها في ظنه، ثم يتبين له انها واجبة، فهل يعيد الصلاة مع السورة، أو هو في حل لأن ما أتى به كاف و مجز؟

و الخلاصة ان البحث الأساسي هنا في شيئين: الأول في إجزاء العمل الناقص مع الاضطرار عن العمل الكامل بعد القدرة عليه. الثاني في إجزاء الظاهر عن الواقع بعد الكشف عنه.

هذا البحث لفظي أو عقلي؟

قد يظن ان هذا البحث لفظي لا عقلي، لأن بعض الأصوليين حرره هكذا:

هل يقتضي الأمر الإجزاء أم لا؟ إذ لا معنى لاقتضاء الأمر إلا الكشف و الدلالة.

و الحق ان بحث الإجزاء عقلي لا لفظي يحدد مدلول الكلمة و معناها. و الدليل على انه عقلي أولا ان المراد بالأمر هنا الإلزام و الوجوب سواء أدلّ عليه النقل أم العقل أم الإجماع. ثانيا ان الإجزاء من شئون الإتيان بالمأمور به لا من شئون الأمر و ظاهره، و لذا عنونه المحققون بأن الإتيان بالمأمور به هل يقتضي الإجزاء، أي هل يستلزمه عقلا، أو لا يستلزمه؟.

و تسأل: اذا كان الإجزاء من شئون العقل لا من شئون اللفظ فلما ذا ذكره الأصوليون في مباحث الألفاظ؟

الجواب:

ربما كان السبب ان البحث في إجزاء المأمور به يرتبط بالوجوب، و الوجوب مدلول الأوامر، و أكثر الأوامر مصدرها اللفظ و النقل، فأدرج في مباحث الأوامر و الألفاظ لهذه المناسبة .. هذا الى ان المهم العلم من أجل العمل، و ما عداه فجانبي و يسير.

86

المأمور به بالأمر الاضطراري‏

و الآن و بعد أن اتضح لدينا محل النزاع نتساءل: هل امتثال الأمر الاضطراري يستلزم الإجزاء عن امتثال الأمر الاختياري بعد زوال العذر؟ فإذا صلّى المريض عن جلوس فهل يعيد الصلاة عن قيام أداء أو قضاء اذا عوفي من مرضه؟

الجواب ان الذي أتى به المضطر فيه الكفاية، و لا داعي لوجوب الإعادة في الوقت أو القضاء في خارجه، و ذلك باختصار ان المأمور به قد حصل، فأي شي‏ء بعده؟.

و ان أبيت إلا كلاما أكثر فتدبر قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ،* فإنه أمر بماهيتها و ايجادها في أي فرد تنطبق عليه حقيقة، و يسوغ به التقرب الى اللّه طاعة لأمره.

و كل هذه الأوصاف متوافرة في صلاة المضطر اذا هو أداها في حينها. و الدليل على الإجزاء «رفع عن أمتي ما اضطروا اليه .. التراب أحد الطهورين و يكفيك عشر سنين». و كفى شهيدا قوله سبحانه: «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً- 43 النساء» بالاضافة الى ضرورة الدين و إجماع المسلمين، و المفروض ان المكلف أوجد المطلوب بتمامه، و عندئذ يسقط الأمر بالصلاة لا محالة، و تكون الإعادة في الوقت ثانية بلا أمر، و بطريق أولى في خارجه.

و ليس معنى هذا ان الإعادة ممتنعة و غير ممكنة، كلا، بل معناه ان وجوبها يفتقر الى دليل و أمر جديد، و لا أثر له في النصوص، بل الاطلاق السكوتي أو المقامي ينفيه .. أي ان الاعادة تحتاج الى بيان زائد، و قد سكت عنه الشارع، و لو أراد لبيّن و لم يسكت.

هذا بالنسبة الى الأصل اللفظي، أما الأصل العملي فإنه يقضي بنفي الإعادة و براءة الذمة منها، لأن الشك هنا في أصل التكليف لا في طاعته و الخروج عن عهدته.

و في الختام نشير الى ان المأمور به اضطرارا انما يجزي عن المأمور به اختيارا بشرط أن لا يعلم المكلف بارتفاع عجزه و بأنه سيقدر على الواجب الأول في آخر الوقت أو في أي جزء منه و إلا فعليه الانتظار و لا يجوز له البدار.

87

المأمور به بالأمر الظاهري‏

فيما تقدم تساءلنا حول إجزاء الاضطرار عن الاختيار و سمعت الإجابة، و هنا نتساءل: هل امتثال الأمر الظاهري يستلزم الإجزاء عن الأمر الواقعي بعد زوال الجهل و انكشاف الواقع؟ و قبل الجواب نشير الى ان المكلف إذا قطع بحكم على انه هو الواقع، ثم تبين له أن قطعه كان وهما و سرابا، إذا كان ذلك فقطعه و كل ما أتى به عمى و هباء حيث لا حكم واقعيا هناك و لا ظاهريا. و هذا الفرض أجنبي عما نحن بصدده، لأن البحث و الكلام في إجزاء الظاهر عن الواقع أي في إجزاء موجود عن موجود، و بما ان للظاهر أكثر من مصدر اقتضى الجواب عن التساؤل السابق، التفصيل التالي:

الأمارة الشرعية

1- ان يكون مصدر الحكم الظاهري امارة شرعية، و مثال ذلك أن يفتي من درس الفقه بجواز المسح على الخف لرواية صحيحة في ظنه، و بعد المسح و الصلاة تبين له كذب الراوي. و ليس من شك أنه لا إجزاء في مثل هذه الحال، و على الماسح أن يعيد الوضوء و الصلاة ان اتسع الوقت و إلا قضى في خارجه.

و السر أن للّه سبحانه في كل واقعة حكما معينا، و هو وحده الحق و ما عداه باطل، و أيضا هو ثابت و راسخ و غير مقيد بعلم أو جهل أو بأي شي‏ء .. أبدا لا يتغير و يتبدل تبعا لرجم الظنون و آراء أهل الرأي، و غاية ما في الأمر أن من أصاب هذا الحكم و عثر عليه فله أجران، و من أخطأه و حاد عنه بعد السعي و بذل الجهد و اليأس فهو معذور و مأجور بحسنة واحدة لسعيه و طلبه.

و إذا كان حكمه تعالى بهذا الرسوخ و العموم وجب على من توهمه بظن غير مصيب، و عمل بهذا الظن الواهم، ثم ظهر له الواقع، وجب عليه أن يستدرك و يبادر الى الاعادة ان اتسع لها الوقت و إلا قضى ما فات كما فات.

هذا هو حكم العقل و البديهة في كل خطأ سواء أ كان في شئون الدين أم الدنيا، و لا مبرر للقول بإجزاء الظاهر عن الواقع إلا على قول الذين قالوا:

لا حكم للّه في الوقائع و الأحداث، و إنما أحكامه، جلت عظمته، تبع لرجم‏

88

الظنون و ترامي الشكوك، و يسمى هؤلاء بأهل التصويب، و لسنا منهم.

و رب قائل يقول: يمكن تبرير الإجزاء بوجه آخر غير التصويب، و ذلك بأن أمر الشارع يعلل بالمصلحة فيما أمر به، و قد أمر بسلوك الطريق المؤدية إلى الحكم الظاهر، و من هذا الأمر نستكشف مصلحة سلوكية في الأمارة و انها تجزي و تغني عن مصلحة الواقع إذا أخطأه الظن، و عليه فلا موجب للإعادة أو القضاء.

الجواب:

أبدا لا دليل على وجود مصلحة تسمى سلوكية. ثانيا: لو سلمنا بها- جدلا- فهي مجزية ما دام الجهل بالواقع، لأن الجهل بلا تقصير عذر شرعي و عقلي، أما بعد ظهور الواقع فإن المصلحة السلوكية لا تجدي نفعا، و لا تغني عن التدارك ما دام ممكنا. و سنعود الى هذه المصلحة السلوكية في الجزء الثاني ان شاء اللّه.

البينة الشرعية

2- أن يكون مصدر الحكم الظاهر بينة شرعية على موضوع من الموضوعات، و مثال ذلك أن يشهد الجدير بالثقة أن هذا الماء نجس، و المفروض أنه لا يوجد سواه، و عملا بهذه الشهادة تيمم المكلف و صلى، و بعدها تبين أن الماء كان طاهرا لا نجسا. و الحكم هنا كالحكم في الفرض السابق، و الدليل واحد. و بالاختصار ان الشهادة وسيلة لمعرفة الواقع، و ليست غاية في نفسها، و متى ظهر الواقع للعيان فلا يبقى للسماع وزن و أثر. هذا ما يقتضيه الأصل بصرف النظر عن الدليل.

الأصل العملي‏

3- أن يكون مصدر الحكم الظاهري أصلا عمليا مثبتا للحكم أو للموضوع، و مثال الأول أن تلبس الحرير و تصلي به معتمدا لجواز ذلك على حديث «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» أي حتى يصلك النهي عنه، ثم وصلك النهي‏

89

عن لبس الحرير و الصلاة به. و مثال الثاني أن تصلي مستصحبا الوضوء السابق، و بعد الصلاة علمت بنقض هذا الوضوء و فساده. فهل تجب الإعادة في الحالين أم لا؟.

و لا ينبغي الشك و الخلاف في أن الإتيان بالمأمور به حسب الأصول العملية أيا كان نوع الأصل، لا ينبغي الشك في انه لا يستلزم الإجزاء بعد العلم بأنه كان جهلا و عمى، لأن الأصول العملية شرعت للجاهل الحائر الذي فحص و بحث عن الحكم الواقعي، و يئس من الاطلاع عليه، فإذا ظهر الحق انتقض الأصل العملي من أساسه و بطل ما ابتنى عليه من عمل، لأنه اذا بطل الشي‏ء بطل ما في ضمنه حتى كأنه لم يكن، و عليه تجب الإعادة في الوقت، و القضاء في خارجه تماما كما هو الشأن في الامارات و البينات، بل عدم الإجزاء في الأصول العملية أقوى و أولى.

و تسأل: ما رأيك في قول من فرّق بين الامارة و البينة و الأصل العملي المحرز (1)، فرّق بين هذه الأمور من جهة، و بين الأصل العملي غير المحرز من جهة ثانية، و قال بعدم الإجزاء اذا كان مصدر الحكم الظاهر من النوع الأول، و بالإجزاء اذا كان من النوع الثاني؟.

و احتج هذا القائل للفرق و التفصيل بأن كلا من الامارة و البينة و المحرز من الأصول- يثبت الواقع، و يخبر عن وجوده بالفعل، و لو تنزيلا من الشارع، و عليه فإذا تبين انه لا واقع من الأساس كان للقول بعدم الإجزاء وجه وجيه، لأن ما بني على وجود شي‏ء يبطل بعد العلم بعدمه. و حيث ان الأصل غير المحرز لا يخبر عن الواقع و لا يثبته من قريب أو بعيد- فلا يتصور فيه الخطأ و الاشتباه اذا انكشف الواقع حيث لا نقش بلا عرش.

و بتعبير آخر ان قياس غير المحرز على المحرز قياس مع الفارق سواء أ كان المحرز أصلا أم امارة أم بينة، لأن المحرز قد حكم بوجود الواقع، ثم تبين‏

____________

(1) المراد بالأصل المحرز أن نرتب على الشي‏ء المشكوك آثار الواقع، و نبني أيضا على أنه هو الواقع تماما كما لو رأينا بالعيان، و منه أصل الصحة و قاعدة التجاوز و الفراغ. و المراد بغير المحرز أن نرتب على المشكوك آثار الواقع دون البناء على انه هو الواقع، و منه أصل الطهارة و الحل.

90

الخطأ فيبطل ما بني عليه، أما غير المحرز فلم يحكم بوجود الواقع. غاية الأمر انه أمر بترتيب آثار الواقع، و ترتيب آثار الواقع شي‏ء، و الحكم بوجوده شي‏ء آخر.

و على هذا يكون دليل أصل الطهارة في المشكوك حاكما على الدليل الذي أوجب الوضوء بالماء الطاهر، و موسعا لموضوعه بحيث يكون للطاهر فردان: معلوم و مشكوك، و بأيهما يأتي المكلف يسقط التكليف عنه، و بالتالي فلا موجب للإعادة أو القضاء.

الجواب:

أجل ان كلا من أصل الطهارة و الحل لا يخبر عن الواقع، و لا هو محرز له، و لكنه أيضا لا يغني عنه شيئا، لسبب واضح و بسيط، و هو أن الشارع لم ترد عنه كلمة واحدة تشعر بأن الحكم الواقعي في مورد الأصل قد ارتفع أو تبدل، أو ان مشكوك الطهارة أو الحل يغني عن الواقع بعد انكشاف الخلاف ..

أبدا لا شي‏ء من ذلك. و قوله: «كل شي‏ء نظيف حتى تعلم انه قذر .. و كل شي‏ء حلال حتى تعرف الحرام» معناه رتب آثار النظافة على ما تشك في قذارته، و آثار الحل على ما تشك في حرمته ما دمت جاهلا بالواقع، أما الإجزاء بما أتيت به حين الشك بموجب أصل الطهارة أو الحل حتى و لو انكشف الخلاف، أما هذا فيفتقر الى دليل و بيان زائد، و لا وجود له. و عليه فلا مناص من الإعادة أو القضاء.

نقض الاجتهاد

قيل أن نشير الى المسألة التي نريد بيانها في هذه الفقرة- نمهد بذكر الفرق بين الشبهة في الحكم، و الشبهة في الموضوع. و حد الأولى أن نعلم الموضوع، و نشك في حكمه كشرب التتن: هل هو الحظر أو الاباحة؟ و حد الثانية أن نعلم الحكم، و نشك في الموضوع كهذا المائع: هل هو خل أو خمر؟ مع علمنا بأن حكم الخمر الحظر، و حكم الخل الحل. و في تعبير ثان الشبهة الحكمية

91

ترد معرفتها الى اللّه و رسوله، و الموضوعية ترد الى العرف و أهل الخبرة و الاختصاص.

و بعد هذا التمهيد نتساءل: إذا عمل الفقيه بمؤدى أمارة أو أصل بعد الفحص و اليأس عن المخصص و المعارض، ثم عثر عليه، و بدل رأيه و اجتهاده الى النقيض، إذا كان ذلك فما ذا يصنع؟.

الجواب:

أما فيما يأتي فإنه يعمل بالجديد و يترك القديم، ما في ذلك ريب و خلاف.

و أما بالنسبة الى ما مضى فينظر فإن كان قد اعتمد على امارة أو أصل في الشبهة الموضوعية- فعليه أن يستدرك بالاتفاق، و مثاله أن يستصحب طهارة الماء و يتوضأ و يصلي، و بعد الصلاة تقوم البينة على نجاسة الثوب، و عندئذ تجب الإعادة ان اتسع الوقت و إلا فالقضاء حتم بمقتضى الأصل مع صرف النظر عن الدليل.

و ان كان قد اعتمد على أمارة أو أصل في الشبهة الحكمية- فعليه أيضا أن يعيد بحسب القواعد، و مثاله أن يفتي الفقيه بصحة الوضوء بماء الورد عملا برواية يونس، كما نسب الى ابن بابويه، و بعد أن يتوضأ به و يصلي يعثر على حديث أقوى و أصح يمنع من الوضوء بماء الورد، فيبدل رأيه و اجتهاده.

و القواعد العقلية و الشرعية تقضي بعدم الإجزاء، كما هو الشأن في كل خطأ و اشتباه حين يظهر لصاحبه من غير فرق بين أن يظهر بطريق العلم و اليقين، أو بطريق ظني معتبر عند الشارع لأنه، و الحال هذه، يكون تماما كالعلم من حيث الحجة و وجوب العمل. و من هنا قال النائيني كما نقل عنه الشيخ الخراساني:

«لا فرق بين تبدل العلم و تبدل الطريق- أي الظني الذي اعتبره الشارع- من حيث الإجزاء و عدمه، فكل ما قال بعدم الإجزاء عند تبدل العلم يلزمه القول بعدم الاجزاء عند تبدل الاجتهاد».

هذا من الوجهة النظرية، أما من حيث العمل فقد ادعى أكثر من واحد الإجماع على الإجزاء بما مضى في الشبهات الحكمية، و بخاصة في العبادات.

و تجدر الاشارة الى أن هذه المسألة حررها الأصوليون من السنّة و الشيعة في‏

92

فصل الاجتهاد، و هي به أنسب، و لكن الشيخ الأنصاري في تقريراته ذكرها في آخر فصل الإجزاء و أسهب و أطنب بما لا مزيد عليه، و تبعه بعض من تأخر عنه. و اكتفينا نحن بالإشارة لمجرد إلقاء الضوء على هذه المسألة و إعطاء فكرة عنها عسى أن ينتفع بها طالب إذا مرت عليه في كتاب، أو سمعها من عالم يذاكر و يجادل.

93

مقدمة الواجب‏

الجزء و المقدمة

فرق بعيد بين جزء الشي‏ء و مقدمة وجوده، لأن الجزء من مقومات الذات، أما المقدمة فخارجة عنها و عن حقيقتها، و لو ساوينا بين الاثنين في الحكم لجعلنا الشي‏ء الواحد متقدما و متأخرا و داخلا و خارجا في آن واحد.

و بهذا يتضح معنا ان الجزء خارج عن بحث مقدمة الواجب. و قال الشيخ الأنصاري في (التقريرات): يمكن أن يكون جزء الواجب محلا للنزاع تماما كالمقدمة، و ذلك اذا لوحظ الجزء بشرط انفراده و عدم انضمامه لسائر الأجزاء حيث يكون، و هذه هي الحال، مغايرا للكل. و بعد أن رد عليه النائيني بكلام كثير و مفلسف قال: «ما كان ينبغي أن يصدر مثل ذلك عن مثل الشيخ».

و أيا كان حكم الجزء فإن كلامنا ينحصر بمقدمة وجود الواجب التي لا ينتفي ايجابه بنفيها، و ليس في جزء الواجب الذي ينتفي بنفيه الإيجاب من الأساس.

و للمقدمة المبحوث عنها في هذا الفصل العديد من الأقسام و الأنواع، و نشير اليها أو الى طرف منها فيما يلي:

السبب التام‏

1- أن تكون المقدمة سببا تاما لوجود صاحبها بحيث يلزم من وجودها الوجود و من عدمها العدم، و مثال ذلك عقد الزواج ممن هو أهل لممارسته حيث جعله‏

94

الشارع سببا كافيا للمشاركة المعهودة بين الرجل و المرأة. و ليس من شك ان أية مقدمة يترتب عليها وجود الواجب حتما فهي واجبة بالوجوب النفسي دون المقدمي حتى و لو تعلق الأمر بالمسبب فإنه ينصرف حتما الى سببه التام في الوجود، فإذا قال الشارع: حرر رقبة- مثلا- فمعنى قوله هذا أوجد صيغة العتق، لأن التحرير يستند اليها مباشرة، و يتولد منها قهرا أردنا ذلك أم لم نرد.

الشرط الشرعي‏

2- أن تكون المقدمة شرطا شرعيا، كالوضوء و ستر العورة و طهارة البدن بالنسبة الى الصلاة. و هذا النوع من المقدمة داخل في محل النزاع عند الاصوليين، و في طليعتهم الشيخ الأنصاري في التقريرات. أما نحن فنخرجها عن موضوع البحث، لأن المفروض انها لا تكون شرطا إلا بطلب من الشارع، و إذن فلا داعي الى طلب آخر، ثم البحث عن مصحح و مبرر لاجتماع الطلبين «بالآكدية و اندكاكية» على حد تعبير بعض الأقطاب، أو باشتداد الطلب كالسواد يضاف اليه سواد آخر فيصير قويا بعد ضعف.

مقدمة العلم‏

3- أن تكون المقدمة سببا للعلم بامتثال الواجب و الخروج من عهدة وجوبه، و ليست شرطا في أصل وجوده، و قد مثّل لها الشيخ الانصاري بغسل جزء من الرأس لحصول العلم بغسل الوجه كاملا، و غسل ما فوق المرفق من أجل العلم بغسل اليدين. و هذه المقدمة خارجة عن موضوع البحث، لأنها من شئون الطاعة و الامتثال الذي يحكم العقل به في كل مورد نعلم فيه بوجود التكلف، و نشك في امتثاله على الوجه الذي أراده الشارع. و لهذا باب مستقل يأتي الحديث عنه في الأصول العملية ان شاء اللّه.

الشرط المتأخر

ان اسم المقدمة يدل عليها كما نرى في تحديدها لغة و اصطلاحا، فهي في اللغة:

95

من كل شي‏ء أوله. و في الاصطلاح: ما يتوقف عليها وجود الواجب، و ليس من شك ان الشرط من أقسام المقدمة و جزء من علة وجود الواجب، و عليه يجب تقدم الشرط على المشروط بحكم العقل و البديهة، و حكم العقل لا ينقض، و قاعدته لا شذوذ لها و عنها، و لكن في الشرع ما يدل بظاهره على أن الشرط قد يتأخر عن المشروط و المقدمة عن واجبها، و من ذلك عقد البيع يجريه الفضولي نيابة عن الأصيل، و بعد حين يرضى المالك الأصيل بهذا البيع و يجيزه، فتكشف إجازته هذه- عند كثير من الفقهاء- ان المبيع قد انتقل الى ملك المشتري من حين إجراء العقد و وقوعه، و معنى هذا ان المشروط أي النقل قد وجد و تم قبل وجود شرطه، و هو رضا المالك و إجازته. و هذا نقض لقاعدة لزوم تقدّم الشرط على المشروط، و المقدمة على الذي هي له، فكيف الوفاق؟.

و أجيب عن ذلك بالعديد من الأجوبة، و أقربها الى الفهم ما ذهب اليه الذين منحهم اللّه سبحانه طبيعة خصبة، و سليقة صافية، و منهم صاحب الجواهر في بيع الفضولي، و صاحب العروة في حاشيته على مكاسب الانصاري. و بيانه أن الأمور الطبيعية شي‏ء و الأمور الشرعية شي‏ء آخر، فتلك تتبع السنن الكونية، و هذه اعتبارها بيد الشارع تبعا للأغراض و المصالح، و معنى هذا ان حقيقتها عين اعتبارها ممن بيده التشريع و الاعتبار.

و قد تكون المصلحة في وجود الشي‏ء مطلقا و كيف اتفق كعمل الخير و الاحسان فيعتبره الشارع كذلك، و قد تكون المصلحة في الشي‏ء مقيدة بأمر سابق كالوضوء بالنسبة الى الصلاة، أو مقارن كالذكر حال الركوع، أو متأخر كالإجازة لبيع الفضولي و التصرف في لزوم عقد الهبة لأجنبي و القبض في لزوم الوقف و موت الموصي في تملك الموصى له للشي‏ء الموصى به .. الى غير ذلك كثير. و قد تتنافى المصلحة مع وجود بعض الأشياء كمبطلات الصلاة و مفطرات الصائم فينهى الشارع عنها حين الصلاة و الصيام.

و مثل ذلك كثير في الحياة الجارية بين الناس من أطباء و مهندسين و تجار و مزارعين حيث لا يوجد المطلوب مما يقومون به من أعمال إلا بوجود شي‏ء آخر سابق أو لاحق أو مقارن.

و بعد أن ذكر صاحب (الكفاية) أقسام المقدمة تحدث عن بعض أقسام الواجب‏

96

و ابتدأ بالمطلق و المشروط، و ثنى بالمعلق و المنجز، ثم بالنفسي و الغيري، و أخيرا الأصلي و التبعي، و شرع ببيان محل النزاع و ثمرة البحث. و ختم الفصل بالاشارة الى مقدمة المستحب و الحرام و المكروه، و نحن نسير على نهجه لتاريخنا الطويل مع كفايته.

المطلق و المشروط

كل واجب فيه جهة إطلاق و جهة تقييد و لو من حيث الشروط العامة، و هي البلوغ و العقل و القدرة، و لا يوجد واجب مطلق من كل وجه أو مقيد من كل وجه، و عليه فإذا قيل: هذا واجب أو مقيد فالمراد من وجه خاص.

و الواجب المطلق في اصطلاح أهل الأصول هو الذي لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده كالصلاة بالنسبة الى الطهارة فإنها تجب على المتطهر و غيره، و لكنها لا توجد إلا مع الطهارة. و الواجب المشروط هو الذي لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده كالحج بالنسبة الى الاستطاعة الشرعية، و معنى هذا ان الواجب يوصف بالاطلاق من حيث مقدماته الوجودية دون الوجوبية، و يوصف بالتقييد من حيث مقدماته الوجوبية دون الوجودية، و من هنا كان الأمر بالمطلق أمرا بمقدماته، و الأمر بالمشروط ليس أمرا بمقدماته.

و من المفيد أن نشير الى هذه الحقيقة: إن وجوب المقدمة يتبع في الاطلاق و التقييد وجوب واجبها، و من غير المعقول أن يكون وجوبه مطلقا و وجوبها مقيدا أو العكس، لأن التابع لغيره يسري عليه ما يسري على متبوعه. و متى وجد شرط الواجب المشروط تحول الى واجب مطلق بالنسبة الى جميع مقدماته الوجودية كتهيئة جواز السفر و بطاقة الطائرة و غير ذلك مما يحتاج اليه الحاج المستطيع.

الشك في الاطلاق‏

رجل عليه دين، و لا يملك ما فيه الوفاء، و لكنه قادر على العمل و كسب المال، فهل يجب عليه السعي و الكسب من أجل الوفاء؟.

و ليس من شك ان هذه مسألة فقهية، فإن ورد فيها نص فهو المتبع و إلا

97

رجعنا الى الأصول و القواعد. و لنفترض انه لم نعثر على نص فما هو مقتضى القاعدة و الأصل؟

الجواب:

إن وفاء الدين واجب بالإجماع، و الشك في السعي من أجله يرجع في واقعه الى الشك في أن وجوب الوفاء هل هو مطلق أو مقيد بالميسرة فعلا لا قوة؟

و على الاطلاق يكون الكسب مقدمة وجودية يجب الإتيان بها حيث يكون الأمر المطلق بالوفاء أمرا بما لا يتم إلا به تماما كالوضوء بالنسبة الى الصلاة. و على التقييد يكون الكسب مقدمة وجوبية لا يجب الإتيان بها تماما كما لا يجب تحصيل الاستطاعة التي هي شرط لوجوب الحج. و اذن فمسألة الكسب لوفاء الدين تناط بمعرفة ان الأصل في الواجب هل هو الاطلاق أو التقييد عند الشك و عدم الدليل على أحدهما؟.

و المشهور بين الأصوليين هو الأخذ بإطلاق الأمر لنفي القيد المشكوك اذا كان المتكلم في مورد البيان كما هو الشأن في كل لفظ ظاهره الاطلاق، هذا إن كان دليل الوجوب لفظيا، و إن كان لبيا كالعقل و الإجماع فالمرجع هو الأصل العملي، لأن الأدلة اللبية لا ظهور لها حتى نعمل به، و الأصل العملي هنا يقضي بالبراءة، لأن الشك في الاطلاق و التقييد معناه الشك في وجود الوجوب على كل حال، أو في حال معينة، و يرجع هذا في واقعه الى الشك في أصل الوجوب. و هنا تجري البراءة.

و إن شئت قلت: في هذه المسألة نشك في تحصيل القيد كمقدمة لوجود الواجب المطلق، أو عدم وجوب تحصيل القيد لأنه شرط للوجوب. و هذا من أوضح المصاديق لأصل البراءة.

القيد المردد

و تسأل: هذا حق اذا كان الشك في وجود القيد الشرعي من أصله و أساسه، و لكن هل يجري أصل البراءة أيضا مع العلم بوجود هذا القيد و الشك في رجوعه الى الوجوب أو الفعل الواجب؟.

98

الجواب:

إذا علمنا يقينا بوجود القيد في الدليل، و لم نعلم هل هو قيد للطلب المدلول بالهيئة، أو للفعل المطلوب المدلول عليه بالمادة، إذا كان ذلك فلا يسوغ الرجوع الى إطلاق الهيئة و لا إطلاق المادة سواء أ كان القيد متصلا مثل «حج مستطيعا» أم منفصلا كما لو قال الشارع: «حج» و بعد أمد قال: «ان استطعت» و علمنا ان هذا الشرط يرجع الى الحج. أما مع اتصال القيد فلأن الظهور لم ينعقد من الأساس لا في الهيئة و لا في المادة حيث يسري إجمال القيد المتصل الى الكلام بمجموعه منذ البداية لمكان العلم الاجمالي بتردد القيد الموجود بين الهيئة و المادة، و من البديهة بمكان أنه لا إطلاق مع الإجمال.

و اما مع انفصال القيد فإن الظهور و الاطلاق في كل من الهيئة و المادة- متحقق و موجود، و لكن العلم الاجمالي بنقض أحدهما غير المعين يبطل الاطلاقين و يوجب طرحهما معا، لأن البقاء على إطلاق الهيئة عملا بأصل الظهور معارض بمثله في المادة، و أيضا البقاء على إطلاق المادة أخذا بأصل الظهور معارض بمثله في الهيئة، و هذا التصادم بين الأصلين يسقطهما معا و لا يبقي للإطلاق من أثر، و عليه يتحتم الرجوع الى أصل البراءة تماما كما هو الشأن مع الشك في أصل القيد منذ البداية.

المعلق و المنجز

قسم صاحب الفصول الواجب بالنظر الى الزمن، قسمه الى منجز و معلق، و عرّف المنجز بأن زمان الواجب و زمان وجوبه واحد لا يتقدم أحدهما على الآخر و لا يتأخر عنه، كصلاة الظهر عند الزوال، و عرّف المعلق بأن زمان وجوبه متقدم على زمان الواجب بحيث لا يمكن الاتيان بالواجب في أول زمان وجوبه كالحج للبعيد عن مكة المكرمة فإنه يجب بالاستطاعة، أما أداء المناسك فلا يمكن إلا في وقتها الخاص، و عليه فلا تكون واجبة إلا في حينها.

و الذي دعا صاحب الفصول الى اختراع هذا المعلق هو أنه قد ورد في الشرع وجوب بعض المقدمات الوجودية قبل زمان الواجب كالغسل من الجنابة قبل الفجر من أجل الصوم، فجاء الإشكال بأن الصوم قبل الفجر ليس بواجب فكيف‏

99

وجبت مقدمته قبل وجوبه؟ و هل يوجد الفرع قبل الأصل؟ و حلّ صاحب الفصول هذا الاشكال بأن وجوب الصوم موجود قبل الفجر، و منه أتى وجوب الغسل، و المتأخر هو زمن الواجب المعلق أي الصوم لا زمن وجوبه، و بكلمة ان الوجوب مطلق من حيث طلوع الفجر، و الذي قيّد بالفجر و طلوعه هو الواجب و ليس الوجوب.

و يلاحظ على صاحب الفصول و من تابعة بأن وجود الموضوع بكل ما له من حدود و قيود هو شرط أساسي لوجود الحكم، لأن نسبة الحكم الى موضوعه تماما كنسبة المعلول الى علته. و عليه فإذا كان الزمان كطلوع الفجر شرطا لتحقق الواجب و وجوده فكذلك أيضا يكون شرطا لوجوبه، و إذن يستحيل تقدم الوجوب على الواجب، و بالأولى تقدم وجوب المقدمة على واجبها، و بالتالي فالواجب المعلق باطل من الأساس.

و تسأل: كل واجب لا بد و أن يكون وجوبه قبل وجوده، لأن وجوب الموجود تحصيل للحاصل؟

الجواب:

المراد بوجود الواجب هنا وصف الفعل بأنه واجب و مرغوب فيه، و قد أراده الشارع على وجه الإلزام، و ليس المراد وجوده في الخارج كي يكون تحصيلا للحاصل.

المقدمة المفوتة

و تسأل: إذا بطل الواجب المعلق فبأي أصل أو قاعدة يجب الغسل قبل الفجر في ليالي رمضان، و حفظ الماء للوضوء و الساتر للصلاة عند البعض، و السير للحج قبل أيامه، و تحصيل العلم بأركان الصلاة و شروطها قبل الوقت إذا توقف الامتثال على ذلك .. الى كثير من هذا القبيل الذي أطلقوا عليه اسم المقدمة المفوتة حيث يفوت الواجب بفواتها؟.

و أجاب الشيخ الأنصاري في (التقريرات) بما يتلخص مع التوضيح بأن الشارع قد يأمر بشي‏ء و يحدد له أمدا يتسع للمأمور به و مقدماته معا كالصلاة و التطهير من‏

100

أجلها، و هذا النوع من الواجب لا تجب المبادرة الى مقدمته قبل الوقت إلا اذا علم المكلف بعجزه عنها في الوقت بحيث اذا تركها قبل الأوان فاته الواجب في أوانه كحفظ الماء للوضوء لعلم اليقين بتعذره في الوقت. و العقل هنا يحكم بحفظ المقدمة و الحرص عليها تمهيدا و تأهبا للطاعة و الامتثال في حينه، و على هذا العرف و سيرة العقلاء قديما و حديثا، و من حكم العقل نستكشف حكم الشرع لقاعدة: كل ما حكم به العقل يحكم به الشرع.

و قد يأمر الشارع بشي‏ء و يحدد له أمدا مضيقا يتسع له وحده دون مقدماته كالصوم من بداية النهار الى نهايته مع الغسل له قبل الفجر، و هذا الفرض كسابقه يحكم العقل فيه بوجوب المبادرة الى المقدمة قبل الوقت حرصا على امتثال الواجب، و إن أهمل المكلف و تهاون حتى فات الواجب استحق الذم و العقاب.

و نحن مع الشيخ الأنصاري في ذلك، و يكفي للتدليل على هذه الحقيقة إقبال العقلاء على شراء السلع بأغلى الأثمان و ادخارها لوقت الحاجة اذا خافوا أن تفقد و تختفي من الأسواق. و حق اللّه سبحانه أولى بالوفاء من كل حق.

و تسأل: على أي شي‏ء يستحق العقاب تارك المقدمة الإعدادية؟ أ يستحقه على ترك المقدمة و المفروض ان الوجوب المقدمي لا ثواب على طاعته، و لا عقاب على معصيته عند كثيرين، أو يستحق العقاب على ترك الواجب في حينه، و هو ممتنع بدون مقدمته، و التكليف به تكليف بما لا يطاق؟.

الجواب:

يعاقب على مخالفة الواجب لا على ترك مقدمته، أما امتناعه في حينه فقد نشأ من الإعجاز الطارئ لا من العجز الذاتي، و المكلف هو الذي أعجز نفسه بسوء اختياره حين قصّر و أضاع الفرصة السانحة، و قاعدة «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» من المسلمات الأولية، فمن أقدم على شرب السم بإرادته، ثم عجز عن دفع الهلاك فلا يلومن إلا نفسه.

سؤال ثان قال جماعة من الفقهاء لا يجب على المكلف أن يتوضأ قبل وقت الصلاة حتى و لو علم بالعجز عن الماء بعد الوقت، و يتنافى هذا مع القول بوجوب المبادرة الى المقدمة قبل الوقت حرصا على أداء الواجب في حينه، فعلى أي القولين نعوّل؟.

101

الجواب:

ان المراد بالمقدمة المفوتة هنا خصوص المقدمة العقلية التي لها تأثير في قدرة المكلف على إيجاد المأمور به في حينه بما له من أجزاء و شروط بحيث إذا لم يبادر المكلف فاته الواجب، و من هنا حكم العقل بتحصيلها قبل الوقت على تقدير الانحصار بها، أما المقدمة الشرعية فهي خارجة عن بحث المفوتة لأن الشارع هو الذي يعتبرها، و بعد اعتباره لها تكون بحكم الجزء من المأمور به، فالوضوء و ان كان من مقدمات الوجود دون الوجوب لكن الشارع أمر به عند الصلاة لا قبلها.

قال سبحانه: «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ الخ- 6 المائدة». و لا نص على وجوب الوضوء قبل الوقت فكيف نوجبه نحن؟

و من البديهي ان عدم وجوب الوضوء شرعا قبل الوقت لا يتنافى مع حكم العقل بوجوب المبادرة قبل الوقت الى المقدمة التي يفوت الواجب بفواتها لو لا هذه المبادرة. و بهذا نعرف الفرق بين حفظ الماء قبل الوقت مع الحصر به، و بين الوضوء قبل الوقت، و ان الأول وجب لأنه مقدمة عقلية يتوقف عليها امتثال الواجب في حينه، و لم يجب الثاني لأنه مقدمة شرعية نص الشارع على وجوبه عند الصلاة، و لم ينص عليه قبلها، و الأمر له و في يده.

النفسي و الغيري‏

إن الغاية القصوى من كل ما يأمر به الشارع أو ينهى عنه هي الحياة الراضية المرضية عند اللّه سبحانه و الصالحين من عباده .. أبدا لا يدع الاسلام شيئا فيه خير و صلاح للناس بأية جهة من الجهات إلا أمر به، أو فيه شر و فساد إلا نهى عنه.

أجل، قد يأمر سبحانه بشي‏ء كوسيلة لأمر آخر، و هذا الآخر أيضا قد يكون وسيلة لغيره، و لكن الأوامر بكاملها تقع في سلسلة واحدة تنتهي الى طلب الحياة الطيبة دنيا و آخرة. و ما رأيت في الشرع الاسلامي كلاما مطلوبا لذاته و من حيث هو إلا النطق بالشهادتين حيث يكون لمن نطق بهما ما للمسلمين و عليه ما عليهم في الحياة الدنيا، أما في الآخرة فحسابه عند ربه، أما الذكر و القراءة في الصلاة و اسم اللّه في النذر و اليمين فلمجرد الصحة و كفى.

102

و تسأل: اذا كانت كل الأوامر تهدف الى مرضاته تعالى و لو بالواسطة- فمعنى هذا انه لا أمر نفسي في الشرع على الاطلاق، و عليه يكون تقسيم الأمر الى نفسي و غيري كما فعل الأصوليون- كلاما فارغا؟.

الجواب:

إن الأصوليين نظروا الى ظاهر اللفظ بصرف النظر عن أهداف الشرع و مقاصده، كما هي مهمتهم .. انهم رأوا واجبا لا من أجل واجب آخر فسمّوه نفسيا، و واجبا من أجل واجب آخر فسمّوه غيريا.

الشك في النفسية و الغيرية

اذا علمنا بأن هذا الشي‏ء واجب يقينا، و شككنا في نوع وجوبه و انه نفسي أو غيري فما ذا نصنع؟

الجواب:

اذا كان وجوب هذا الواجب ثابتا بدليل لفظي ظاهر في الاطلاق و لا قرينة تصرفه عنه، اذا كان ذلك اعتمدنا على أصل الظهور و حكمنا بموجبه ان الواجب نفسي لا غيري .. لأن الغيري يحتاج الى بيان زائد يربطه بوجوب آخر. و لا خلاف في ذلك، أو لا ينبغي الخلاف فيه. أما اذا امتنع الاعتماد على أصل الظهور و التمسك بالاطلاق لسبب من الأسباب- فالمرجع الأصل العملي، و هو يختلف تبعا لموارده. و فيما يلي التفصيل:

1- أن نعلم بوجوب شيئين: أحدهما نعلم أيضا بنوع وجوبه و انه نفسي من غير شك، و قد صار منجزا يجب أداؤه و امتثاله لدخول وقته و توافر كل ما يعتبر فيه كوجوب صلاة الظهر بعد تحقق الزوال. و ثانيهما نجهل نوع وجوبه و لا ندري هل هو نفسي مستقل أو غيري و مقدمة لسواه، كما لو شككنا في وجوب الطهارة بعد الزوال أيضا هل هو نفسي أو مقدمة لصلاة الظهر؟ و يرجع هذا في واقعه الى الشك في ان الصلاة هل تصح بلا طهارة لأن وجوب الطهارة نفسي و مستقل- كما هو الفرض- أو انها شرط لصحة الصلاة؟ مجرد فرض.

103

و في جميع الأحوال لا بد من الإتيان بالطهارة في كلا الحالين، إما لوجوبها النفسي حيث تصح قبل الوقت و بعده، و إما لوجوبها المقدمي حيث تصح بعد الوقت لا قبله، و الفرض في مسألتنا ان الشك حدث بعد الوقت لا قبله، و فيه يكون وجوب الطهارة معلوما سواء أ كان في واقعه نفسيا أم غيريا لأن وقت الصلاة قد دخل.

2- الفرض السابق مع فارق واحد، و هو ان الواجب النفسي كالصلاة لم يصر بعد فعليا لعدم دخول الوقت و مع هذا شككنا في نوع وجوب الطهارة قبل وقت الصلاة هل هو لنفسه كي تجب الطهارة، أو هو للصلاة كيلا تجب لعدم دخول الوقت؟ و يرجع هذا الى الشك في وجود الوجوب على كل حال أو في حال معينة. و في مثله يجري أصل البراءة. و سبقت الاشارة الى ذلك في فقرة «الشك في الإطلاق».

الثواب على المقدمة

تحدّث بعض الأقطاب عن الثواب على فعل الواجب الغيري و العقاب على تركه، و تبعه من جاء بعده. و هذه المسألة لا تمّت الى الأصول بسبب، لأن الفقيه لا يستخرج منها حكما شرعيا، و إنما هي كلامية بحت.

هذا، الى أن اللّه سبحانه يثيب على مجرد نية الطاعة فبالأولى إذا اقترنت النية بالعمل و ان كان مقدمة لغيره. و في القرآن الكريم: «أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ‏- 32 الزخرف». و في الحديث ما معناه ان طرق الثواب الى اللّه أكثر من أنفاس الخلائق. و من أحب أن يعرف مدى إحسانه تعالى و تفضله على مقدمات المستحب فضلا عن الواجب و مقدماته فليقرأ ما ورد في زيارة سيد الشهداء الحسين (ع) و الثواب على كل خطوة ذهابا و إيابا مع العلم بأن خطوات الإياب ليست من المقدمات.

أما النزاع في أن ثواب المطيع هل هو من باب الاستحقاق أو التفضل- فقد حسمه سبحانه بقوله: «فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ- 54 الأنعام». أي أنه سبحانه هو الذي أوجب التفضل و الإحسان على نفسه، و جعله‏

104

بمشيئته حقا لمن أطاع. و هذا هو اللائق بكرم الذات القدسية و جلالها «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ- 30 فاطر».

الطهارات الثلاث‏

و هي الوضوء و الغسل و التيمم، و كل منها عبادة يشترط في صحتها التقرب الى اللّه بقصد امتثال الأمر، و يثاب فاعلها بالنص و الإجماع.

و هنا سؤال يطرح نفسه، و هو أن أمر الثواب سهل يسير ما دام ربك غنيا كريما كما سبقت الإشارة، و لكن الإشكال في قصد القربة بامتثال الأمر المتعلق بها، لأنه غيري لا نفسي، و مقدمي من أجل الصلاة، و من المسلم به عند كثيرين أنه لا قابلية للأمر الغيري أن يتقرب به الى اللّه سبحانه، و إنما يتقرب اليه بطاعة الأمر النفسي، و لا وجود له في الطهارات الثلاث أي ان الذي يصح التقرب به غير موجود، و الموجود لا يصح التقرب به.

الجواب:

أولا: ان العبادة ليست وقفا على الأمر النفسي و لا هو محتكر لها، بل تصح العبادة بنية التقرب الى اللّه و قصد الطاعة بكل أمر من أوامره سواء أسند اليه مباشرة أم بألف سبب و سبب، فالمهم مجرد الانقياد و طاعته وحده لا شريك له.

و أين هي الآية و الرواية التي تقول: لا عبادة و لا مثوبة إلا على الأمر النفسي و الذاتي؟ بل ان آيات الطاعة و أحاديثها تعم و تشمل كل أمر للّه سبحانه نفسيا كان أم غيريا؟ و أخيرا فأي محذور بحكم العقل أو الشرع في صحة العبادة مع التقرب اليه، جلت عظمته، بالأمر التابع لأمره الأصيل؟ و على هذا القطب الهمداني الكبير في مصباحه باب الوضوء.

ثانيا: لو سلمنا- جدلا- بأن الأمر الغيري لا يكفي في نية القربة و صحة العبادة- فإن الأمر النفسي موجود بالفعل في الطهارات الثلاث لأن الأمر بالصلاة أمر بجميع أجزائها و أركانها و شروطها، و كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد.

حكم المقدمة عند ترك واجبها

قال مؤلف جليل: انما تجب المقدمة اذا كان المكلف عازما و مريدا لفعل‏