علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
456 /
105

واجبها، لأن الغرض من وجوبها هو التوصل بها اليه، و مع الاصرار على تركه فلا داعي لوجوبها. و بكلمة: لما ذا نصب السلّم اذا لم ترد الكون على السطح؟

و هذا القول يحمل في طياته الرد عليه، لأن معناه ان التكاليف الشرعية تناط بإرادة المكلف، و عندئذ يسوغ لقائل أن يقول: و على الاسلام السلام!.

أما الباعث الأول على هذه الدعوى الغريبة فهو تصحيح العبادة اذا كان تركها مقدمة لواجب أهم، مثال ذلك أن يضيق وقت الصلاة و لا يبقى منه إلا بمقدار فعلها فقط، و صادف في هذا الوقت الضيق ان من يريد الصلاة فيه رأى غريقا يقدر على غوثه و خلاصه. و عندئذ يجب عليه ترك الصلاة كمقدمة- في رأيه- لاستنقاذ الغريق لأنه أهم و أعظم، و عليه يكون فعل الصلاة في هذا الوقت محرما، و تركها واجبا، فإذا قدّم الصلاة على غوث الغريق تكون باطلة لأنها محرمة و غير مقبولة إذ لا يطاع اللّه من حيث يعصى، هذا اذا كان قاصدا خلاص الغريق بعد الصلاة، أما اذا كان منصرفا عنه منذ البداية فلا يكون ترك الصلاة واجبا لأنه ليس بمقدمة في هذه الحال، و بالتالي فلا يكون الإتيان بالصلاة محرما و يصح التقرب بها الى اللّه. و ندع الكلام عن ذلك الى الفصل التالي «مسألة الترتب» فإلى هناك.

و قال آخر: لا بد في المقدمة من قصد التوصل بها الى واجبها كقيد لوجوده لا كشرط لوجوب المقدمة نفسها! و نسب هذا القول الى الشيخ الانصاري في التقريرات، و أنكر الأقطاب هذه النسبة الى الشيخ الكبير لأن مثلها لا ينسب الى مثله، كيف؟ و وجوب الواجب إنما يتوقف على مجرد وجود المقدمة- غير الطهارات الثلاث- سواء أقصد بها التوصل الى واجبها أم لم يقصد، بل يوجد الواجب النفسي حتى و لو قصد عدم التوصل بمقدمته كما هو الشأن في الساتر حين الصلاة، فكل المصلين يلبسونه بدافع آخر غير التوصل الى صحة الصلاة و مع هذا تصح بلا ريب.

و ربما كان السبب الموجب لهذا القول أن عنوان المقدمة لا يتحقق إلا بهذا القصد، و يرده بأن عنوان المقدمة يتوقف على إمكان التوصل بها لا على قصده.

الأصلي و التبعي‏

قال بعض الأصوليين: ينقسم الواجب أيضا الى أصلي و تبعي. و لم أجد لهذا

106

التقسيم أثرا فيما لدى من أصول السنة و بعض كتب الشيعة، و منها تقريرات النائيني.

و الذين اخترعوا ذلك لم يبنوه على أساس متين، و قاعدة واضحة، كما هو الشأن في سائر أقسام الواجب.

فبعض العبارات يفهم منها ان التقسيم جرى على أساس اللفظ و الدلالة كعبارة القوانين، و هذه هي بالنص: «ينقسم الواجب باعتبار تعلق الخطاب به بالاصالة و عدمه الى أصلي و تبعي» و مثلها عبارة الحاشية الكبرى على المعالم، و هي «الواجب الأصلي ما تعلق به الخطاب أصالة، و الواجب التبعي ما يكون وجوبه لازما للخطاب».

و بعض العبارات صريحة بأن التقسيم على أساس الإرادة. قال الشيخ الأنصاري في التقريرات: «ان كان الواجب مستقلا بالارادة فهو واجب أصلي و إلا فتبعي و هو ما لا تتعلق به إرادة مستقلة». و قال صاحب الكفاية: «ان نظرنا الى مرتبة الامكان و الثبوت جرى التقسيم على أساس الارادة، أي ان المراد المستقل واجب أصلي، و المراد بالتبع تبعي، و ان نظرنا الى مرتبة الابراز و الاثبات جرى التقسيم على أساس الدلالة، فالمقصود بالخطاب و الافادة أصلي، و غير المقصود بالخطاب تبعي.

و في جميع الأحوال لا جدوى وراء هذا النزاع و هذه الأقوال.

الخلاف و الثمرة

اختلفوا في أن ما لا يتم الواجب إلا به من أفعال المكلفين- هل هو واجب أم لا؟ و بعضهم أنهى الأقوال في ذلك الى عشرة! و في رأينا أن هذا الخلاف بجوهره يرجع الى الخلاف في أن الواجب هل يجب فعله أو لا؟

و رب قائل: أجل، لا ريب في حكم العقل بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدماته، و ان هذه الملازمة من المسلمات الأولية، و إنما الخلاف في الحكم الشرعي. كما جاء في القوانين، و هذا نصه «الوجوب المتنازع فيه هو الوجوب الشرعي لأن الوجوب العقلي لا يرتاب فيه ذو مسكة .. و بالجملة النزاع في ان الخطاب بالكون على السطح هل هو تكليف واحد، أو تكاليف بأمور أحدها الكون على السطح، و الباقي بمقدماته».

107

الجواب:

أيضا لا مجال للنزاع هنا في الحكم الشرعي بعد التسليم بأن كل ما حكم به العقل يحكم به الشرع. و عن بعض الأفاضل: انه لا مبرر إطلاقا لحكم الشارع بمقدمة الواجب، لأن الأمر بالمطلوب الذاتي يخلق في نفس المكلف الباعث على فعله و فعل مقدماته، و انه لا بد أن يأتي بها حين يريد الاتيان بواجبها، و عليه يكون الأمر بالمقدمات لغوا و تحصلا للحاصل. و يعزز هذا ما قلناه من ان الخلاف في وجوب ما لا يتم الواجب إلا به أشبه بالخلاف في ان الواجب هل يجب فعله أو لا؟.

و اذا كان الخلاف في وجوب المقدمة أشبه بالخلاف في وجوب فعل ما يجب فعله- فلا يبقى للحديث عن الثمرة من موضوع، لأن الفرع يسقط بسقوط الأصل. و نقل الشيخ الأنصاري و صاحب (الكفاية) و النائيني و غيرهم من الأقطاب نقلوا الأقوال في ثمرة النزاع، و أبطلوها بالكامل. و من جملة ما قاله الشيخ الأنصاري: «و كيف كان فإن أهم الثمرات المزعومة هنا أيضا لا ترجع الى حاصل، و لا تعود الى طائل». و قال النائيني في (تقريرات) الشيخ الخراساني ص 172 طبعة 1368 ه: «لا يترتب على البحث في مقدمة الواجب ثمرة عملية أصلا، بل كان البحث علميا صرفا» أي علما بلا عمل!.

الأصل في وجوب المقدمة

و تسأل: لنفترض ان وجوب المقدمة ليس بهذه المكانة من الوضوح و شككنا فيه- فهل الأصل يقضي بوجوبها؟.

الجواب:

كلا، أما أصل البراءة فإنه يجري فيما يحتمل العقاب على تركه، و وجوب المقدمة- عند الأكثر- لا يستدعي العقاب، و إذن فلا مبرر لهذا الأصل. أما الاستصحاب فقيل: انه يجري هنا حيث كنا نعلم يقينا بعدم وجوب المقدمة قبل الأمر بواجبها، و بعدها نشك فنستصحب بقاء ما كان كما كان. و نجيب أولا:

لا أثر شرعي هنا يصحح الاستصحاب لعدم العقاب على ترك المقدمة.

ثانيا: إن العقل إما أن يحكم بالملازمة بين وجوب المقدمة و وجوب واجبها،

108

و إما أن يحكم بعدم الملازمة، و على الأول نعلم بالوجوب يقينا، و على الثاني نعلم بعدم الوجوب يقينا فأين الشك كي يجري الاستصحاب. أما الملازمة العقلية فلا يجري فيها أصل من الأصول، لأنها من الأمور الحتمية. إما أن تكون، و إما أن لا تكون منذ البداية.

مقدمة الندب و الحرام و المكروه‏

مقدمة المندوب يسري عليها ما يسري عليه حكما و إطلاقا و تقييدا، فتقول:

ما لا يتم به المندوب فهو مندوب تماما كما تقول: ما لا يتم به الواجب فهو واجب، و الدليل واحد: البديهة و الملازمة العقلية.

و أيضا تقول: كل ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فحرام فعله. و الفرق بين مقدمات الواجب و مقدمات الحرام، ان مقدمات الأول تجب بكاملها سببا تاما كانت أم جزءا من السبب، لأن المطلوب في الواجب هو فعله و ايجاده بجميع حدوده و قيوده، و لن يتحقق ذلك إلا مع توفر كل مقدمة من مقدماته الكبيرة منها و الصغيرة. أما الحرام فإن المطلوب تركه و الابتعاد عنه، و يكفي لذلك ترك بعض مقدماته حيث يلزم من عدم الجزء عدم الكل، و معنى هذا ان البقية الباقية ليست مقدمة للحرام، بل خارجة عنه موضوعا، لأن تركه لا يناط بتركها، و أيضا معنى هذا ان مقدمة الحرام ليست بحرام إلا اذا كانت علة تامة لوجود فعل الحرام بحيث اذا تلبس بالمقدمة وقع في المحرمات، و هلك من حيث يريد أو لا يريد.

و الحكم في مقدمة المكروه هو نفس الحكم في مقدمة الحرام. أبدا لا تفاوت في شي‏ء بينها، و الدليل في الجميع واحد. و من المفيد أن نشير فيما يلي الى مسألتين تمتان بسبب ما الى مقدمة الحرام و لو فيما يبدو.

العزم على الحرام‏

اذا صمم الانسان على فعل الحرام، ثم ترك و لم يفعل، فهل أذنب بذلك و أثم؟

الجواب:

أجل هو مذنب و آثم، لأنه صمم مختارا، و لكن عفو اللّه يشمله. و من أدلة

109

التحريم و التأثيم قوله تعالى: «وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ .. يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ‏- 284 البقرة». و قوله: «إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا- 36 الإسراء» الى غير ذلك من الآيات، و في معناها أكثر من حديث.

و تسأل: إن هذا نقض لما أبرمت من أن مقدمة الحرام ليست بحرام إلا اذا صاحبها و لازمها فعل الحرام، و المفروض في مسألتنا انه لا قول و لا فعل و لا شي‏ء سوى العزم الباطن؟.

الجواب:

من الجائز ان مجرد العزم بنفسه معصية أو مرتبة من مراتب الحرام في نظر الشارع. و إن أبيت إلا أن تجعل العزم مقدمة فنجيب بأن هذه المقدمة غير التامة خرجت بالخصوص عن القاعدة للنص، شأنها في ذلك شأن ما خرج عن أصل الإباحة و غيره من الأصول.

أما العفو فمن أدلته حديث «من همّ بالسيئة لم تكتب عليه ما دام لم يعمل، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، و من هم بحسنة و لم يعملها كتبت له حسنة، و إن هو عملها كتبت له عشر حسنات». و على ذلك كل العلماء، و لم يفرقوا بين من ترك عن قصد أو عن عجز. و لعل التارك عن قصد يدخل في عداد التائبين، و عليه يخرج عن موضوع الكلام لأن من تاب عن الذنب كمن لا ذنب له.

العزم مع مباشرة بعض المقدمات‏

إذا عزم الانسان على الحرام، و باشر مقدمة من مقدماته، ثم أحجم كمن أراد السرقة أو الدعارة، و سعى لها سعيها و هو مصمم عليها، و في أثناء الطريق تراجع- فما هو حكمه؟.

الجواب:

ان نكص ندما و بمل‏ء إرادته فهو من التوابين، و ان عاد راغم الأنف لسبب أو لآخر فلا بأس عليه، لأن مقدمة الحرام لم تتم، فيكون حكمه حكم من عزم و لم يباشر شيئا حتى المقدمة، قال الإمام أمير المؤمنين (ع): «من العصمة تعذر المعاصي».

110

و تسأل: لقد جاء في الحديث: ان غارس الخمرة و عاصرها و بائعها و ساقيها و شاربها بمنزلة سواء. و أيضا جاء في الحديث: ان الساعي في الفتنة و النميمة أو أية مضرة فهو من شر الناس، و كل ذلك مقدمة غير تامة للحرام، و مع هذا نص الشارع على التحريم؟.

و تقدم مثل هذا التساؤل مع الجواب عنه في المسألة السابقة، و لمجرد التوضيح نعطف عليه: ان العناوين هي مناط الأحكام الشرعية، و العبرة في التحريم الذاتي هو صدق الاثم أو الاعانة عليه. و غرس الخمرة و عصرها و بيعها نوع من الاعانة على الاثم و عليه تكون الحرمة من هذا الباب لا من باب المقدمة، و لكن سبحانه يعفو عن مثله تماما كالظهار عند كثير من الفقهاء.

أما النميمة و الفتنة و مضرة الناس و كل ما يتصل بها من قريب أو بعيد- فهي عين الاثم و أكبر الكبائر، و لا عفو عنها على الاطلاق نصا و إجماعا إلا أن يعفو صاحب الحق الخاص.

111

الضد

محل الكلام‏

«الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده»؟ بهذا الاستفهام افتتح الأصوليون مبحث الضد. و المراد بالأمر هنا مطلق الوجوب سواء أ كان مدلولا عليه بالنقل أم الإجماع أم العقل. و المراد بالشي‏ء نفس الفعل المأمور به، و بالاقتضاء الداعي و الموجب بنحو من الأنحاء. و بالضد كل ما ينافر المأمور به و لا يجتمع معه بحال.

هذه هي معاني المفردات في جملة «الأمر بالشي‏ء الخ» .. أما المحتوى بمجموعه فهو ان الشارع إذا أمر بشي‏ء معين اكتشفنا منه أن هذا الشي‏ء مراد و مقصود له بلا ريب و خلاف، و لكن هل أمره هذا بالذات يصدق عليه أيضا أنه عين النهي عن كل ما يضاد الفعل المأمور به و ينافره في الوجود، أو مستلزم للنهي عن الضد بسبب أو بآخر، و ان لم يكن الأمر عين النهي، أو ان الأمر بالشي‏ء لا يمتّ بأية صلة و علاقة الى النهي عن ضده لا من قريب و لا من بعيد، فقول الشارع مثلا: «أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ»* لا يدل إلا على وجوب إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و كفى؟.

هذا باختصار هو محل الكلام بين الأصوليين، و سيزداد وضوحا من مطاوي الأقوال و النقاش بخاصة عند الحديث عن مسألة الترتب ان شاء اللّه.

الأقوال‏

قال أهل التحقيق و النظر: ليس للأمر بالشي‏ء أي اقتضاء أو دلالة على النهي‏

112

عن أضداده الوجودية. و ذلك بأن مراد المتكلم يعرف و يكتشف من كلامه، و المفروض في مسألة الضد أن المتكلم الآمر لم ينطق بسوى الأمر. و الحس يشهد و البديهة أن صيغة الأمر غير صيغة النهي، فقول الشارع مثلا: «صل» ليس عين قوله: «لا تنم» كي يدل أحدهما على الآخر بالمطابقة، و لا هو جزء منه ليشير اليه بالتضمن، و لا من لوازمه كي يوشي به، و إذن كيف؟ و من أين اقتضى الأمر بالشي‏ء نهيا عن ضده الوجودي؟ و أية ضرورة أوجبت أن يكون كل آمر بشي‏ء ناهيا عن ضده؟ و مرة ثانية لا شي‏ء يدل على أن النهي عن الضد مدلول للآمر بالشي‏ء أو مقصودا للآمر.

أما القول بأن المأمور به لا يتم إلا بترك ضده فهو- كما تمليه البديهة- من لوازم وجود الفعل في الخارج لا من لوازم وجوبه و الأمر به، لأن هذا التمانع و التعاند موجود بين الأضداد بحكم الواقع و طبيعة الحال حتى و لو لم يوجد أمر و نهي، و الاسم هنا ينبئ عن هوية المسمى.

و تسأل: إن المعيار في تحديد معاني الألفاظ هو فهم العرف، و أهله يفهمون من الأمر بالسكون النهي عن الحركة، و من الأمر بالحركة النهي عن السكون، و معنى هذا ان الأمر بالشي‏ء نهي عن ضده عند أهل اللسان و اللغة.

الجواب:

إن هذا الفهم- على فرض التسليم به- يختص بالضدين اللذين لا ثالث لهما، و لا يتعداهما الى سائر الأضداد. و السر ان السكون عين ترك الحركة، و الحركة عين ترك السكون في أفهام الناس تماما كما ان فعل الشي‏ء عين ترك الترك له، و عليه يكون الأمر بالسكون أمرا بترك الحركة، و ليس نهيا عنها و ان كان المعنى واحدا. و بالتالي فإن الضدين اللذين لا ثالث لهما خارجان عن محل الكلام تماما كالنقيض أي ترك المأمور به.

أما القائلون بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده- فعمدة ما لديهم دليلان: الأول ان فعل المأمور به يستلزم حتما ترك ما ينافره من الأضداد، لأن الضدين لا يجتمعان، و المتلازمين في الوجود يجب أن يتحدا في الحكم و إلا لزم جواز الجمع بين الضدين- مثلا- فعل الصلاة يستدعي بطبعه ترك الكتابة، و الصلاة واجبة شرعا فيجب أيضا ترك الكتابة اللازم حتما لأداء الصلاة، و لو

113

وجبت الصلاة دون ترك الكتابة لكان معنى هذا ان الصلاة تجتمع مع الكتابة، و هو واضح الفساد، و اذا وجب ترك الكتابة في هذه الحال كان فعلها محرما بالضرورة، و لا معنى لاقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده إلا هذا.

الجواب:

إن التلازم بين فعل المأمور به و ترك أضداده انما هو بحكم ضرورة الوجود لا بحكم الطلب كما سبقت الاشارة، لأن الحقائق تأخذ مجراها بمعزل عن الشرع و أحكامه. و تقول: أجل، إن الحقائق الخارجية لا تتبع أحكام الشارع، و لكن أحكامه تتبع الحقائق، لأنه عليم حكيم، و عليه فإذا كان فعل المأمور به مستلزما لترك ما يضاده في الواقع فأيضا يكون وجوب الفعل مستلزما للنهي عن ضده.

الجواب:

بعد التسليم بحتمية ترك الضد عند الإتيان بالمأمور به- يستحيل أن يكون هذا الترك موردا لحكم الشرع، لأنه حتم لا مفر منه، و الأحكام الشرعية تتعلق بالفعل الاختياري دون القهري بالاضافة الى ان الحكم، و هذه هي الحال، يكون تحصيلا للحاصل.

أما الدليل الثاني للقائلين إن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده فهو ان الفعل لا يوجد إلا بعد تمام علته و توافر جميع مقدماته. و العلة التامة تتألف من المقتضي و الشرط و عدم المانع- مثلا- الأمر بالصلاة مقتض للبعث اليها، و القدرة على فعلها شرط، و ترك الضد المنافر لوجودها كالكتابة عدم مانع. و معنى هذا ان عدم الضد جزء من علة وجود الواجب، و اذا عطفنا على ذلك ان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب- ثبت أن ترك الضد واجب و فعله محرم و منهي عنه.

الجواب:

أولا: ان مقدمة الشي‏ء لا تقترن معه جنبا الى جنب و على صعيد واحد، بل هي متقدمة عليه، و هو متأخر عنها في الرتبة، و من البداهة ان الضدين نظيران يستويان في المنزلة، و معنى هذا أن عدم أحدهما مقارن لوجود الآخر تماما كما أن وجوده معاند لوجوده و ليس بمقدمة له.

ثانيا: لو كان ترك أحد الضدين مقدمة و علة لوجود الآخر- لكان أيضا وجود هذا الآخر مقدمة و علة لترك ضده- مثلا- لو اعتبرنا ترك النوم مقدمة

114

للصلاة لكانت الصلاة أيضا مقدمة لترك النوم، و عليه يكون التوقف من الطرفين أي يكون كل من الفعل و الترك علة و معلولا للآخر، متقدما عليه و متأخرا عنه في آن واحد. و هو الدور المحال. و إذن فترك أحد الضدين ليس مقدمة لفعل الآخر، و ان التلازم جاء من باب الاتفاق و المقارنة. و من هنا قيل: العدم لا يعلل.

و الخلاصة أن الأمر بالشي‏ء لا يقتضي شيئا إلا طلب الفعل و كفى، أما ملازمة الفعل المطلوب لترك الضد فهي من ضرورات الوجود تماما كملازمة السواد لعدم البياض، و القرب من بغداد للبعد عن الشام، و لا علاقة لهذه الملازمة الكونية بالأحكام الشرعية سلبا و لا إيجابا.

شبهة الكعبي‏

و مما تقدم يتضح وجه الرد على شبهة الكعبي حيث أنكر المباح في الشريعة من الأساس و قال: ما من فعل اختياري مضاد لفعل الحرام إلا و هو ملازم لترك الحرام كالزنا و السرقة، و ترك الحرام واجب فما يلازمه كذلك. و في كثير من كتب الأصول جاءت شبهة الكعبي بأسلوب آخر، و هو ان ترك الحرام واجب، و لا يتم إلا بفعل من الأفعال، و كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فذلك الفعل واجب.

و يتلخص الرد عليه بأن ترك الحرام يستند الى الانصراف عنه و عدم الداعي له، و عليه يكون ترك الحرام مقارنا للفعل المباح و غير المباح مقارنة الشرب لعدم الأكل، و الكتابة لعدم الحياكة، و المتقارنان في الوجود لا يجب تساويهما في الحكم، و أيضا ليس أحدهما مقدمة للآخر.

الثمرة

قد يسأل سائل: هل من ثمرة للبحث و الخلاف في النهي عن ضد المأمور به؟

و جوابه ان للفعل المأمور به- غير العبادة- أضدادا تزاحمه في الوجود و تعانده، و من جملتها بعض العبادات، فإن اقتضى الأمر النهي عن ضده تبطل هذه العبادة

115

لمكان النهي عنها و إلا تصح حيث لا نهي. هكذا قيل، و يأتي التفصيل. و لمجرد التوضيح نعرض هذا المثال: أن يأمر الشارع بإنقاذ الغريق، و يقدمه على كل عبادة لأنه في نظره أهم و أفضل، و لكن المكلف القادر على غوث الغريق تركه لعسره و تراكم الأمواج، و انصرف الى الصلاة. فهل تقبل منه و تصح، أو ترد لأنها محرمة عليه؟.

قال جماعة من الفقهاء: ان الحكم بصحة هذه الصلاة أو عدم صحتها يتوقف على العلم بأن الأمر بالشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده أو لا يقتضيه؟ فعلى القول بالاقتضاء تكون الصلاة باطلة لمكان النهي عنها، و هو يدل في العبادة على فسادها.

و على القول بعدم الاقتضاء تكون الصلاة صحيحة حيث لا نهي يفسدها و يبطلها.

و لكن إذا استطعنا أن نثبت بالدليل أن هذه الصلاة فاسدة حتى و لو كان الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده، كما يرى الشيخ البهائي، أو استطعنا أن نثبت صحتها حتى و لو كان الأمر يقتضي النهي، اذا أمكن ذلك لم يكن وراء هذا البحث و الخلاف أية جدوى.

و يتلخص قول البهائي بأن العبادة لا تصح إلا بقصد الأمر المتعلق بها بالخصوص، و لا أمر بصلاة تضاد الواجب الأهم و تنافره كإنقاذ الغريق، لأن الأمر بالصلاة مع الأمر بالانقاذ معناه طلب الإتيان بالضدين معا في بعض الحالات، و هذا محال لمكان التكليف بما لا يطاق، و اذا لم تكن هذه الصلاة مأمورا بها فلا مبرر لصحتها حتى و لو قلنا بعدم النهي عنها. و بكلمة: ان فساد العبادة على رأي البهائي لا ينحصر بالنهي عنها، بل لذلك و لعدم الأمر بها أيضا، بالاضافة الى ان الأصل عدم صحة الصلاة في مثل هذه الحال.

و قال آخرون: كلا، إن هذه الصلاة صحيحة حتى و لو كان الأمر بالشي‏ء نهيا عن ضده، و ذلك بأن مجرد النهي عن العبادة لا يستلزم أن تكون ممنوعة تحت طائلة الفساد و البطلان، بل ينظر: إن كان النهي عنها ذاتيا لنقص فيها بالخصوص فعندئذ يكون النهي ناتجا و مسببا عن الفساد، أما اذا كانت كاملة من كل وجه، متوافرا فيها كل ما يريده الشارع فتكون، و هذه هي الحال، محبوبة له و مهمة عنده لا محالة.

فإذا صادف و زاحمها واجب أهم و أحب لدى الشارع و نهي عنها من أجل‏

116

ذلك- يكون هذا النهي تابعا لا أصيلا تولد من المزاحمة في الوجود، و هذه المزاحمة لا تبطل المحبوبية، و لا ترفع الرجحان الذاتي، و النهي ليس مسببا عن فساد المنهي عنه، بل عن أمر طارئ. و إذن فلا يدل هذا النهي على الفساد من قريب أو بعيد. و عليه يسوغ للمكلف أن يقيم الصلاة بداعي كمالها النفسي، و حبها الذاتي، و تصح بهذا الداعي حتى و لو اقتضى الأمر النهي عن ضده.

و الخلاصة ان صحة الصلاة لا تتوقف على وجود الأمر بها، كما رأى البهائي و لا تفسد بالنهي، كما رأى غير البهائي، ما دام هذا النهي تابعا لا مستقلا، أما الأصل فإنه هنا يوجب الصحة و ليس الفساد حيث نعلم يقينا ان الصلاة صحيحة لو لا النهي العارض التابع، و بعده نشك- على القول به- فنستصحب ما كان على ما كان. و بالتالي فلا ثمرة وراء بحث الضد.

النهي‏

ليس من شك ان النهي عن الحرام يستلزم الأمر بتركه، أما اقتضاء النهي عن الحرام الأمر بأحد أضداده الوجودية لا على التعيين- فإنه يجري حوله من الكلام ما جرى حول اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضده الوجودي.

و النهي عن المكروه يقتضي استحباب تركه فرارا من المفسدة الكامنة في فعله.

أما الأمر بالمندوب فإنه لا يقتضي النهي عن تركه، لأن ترك المستحب فيه فوات المصلحة و كفى، و فوات المصلحة لا يستلزم وجود المفسدة بالحتم و الجزم، بل قد يكون مع اللامصلحة و اللامفسدة. و بكلمة: فوات الربح شي‏ء، و الخسارة شي‏ء آخر. و بتعبير ثالث‏ «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ» لا يدخل الجنة على كل حال.

تمهيد من أجل الترتب‏

الواجبات الشرعية من حيث إمكان الجمع بينها في مقام الامتثال و عدمه- على نوعين: الأول يمكن فيه الجمع بين واجبين كالصلاة و الصيام، و الصدق و ردّ الأمانة. و لا كلام في هذا النوع حيث لا ضد منافر، و لا ند مثاور. النوع الثاني لا يمكن فيه ذلك بحال، و ينقسم هذا النوع الى أقسام:

117

«منها» أن يكون الواجبان موسعين كقضاء الصلاة الفائتة، و صلاة الظهر في وقتها الموسع. و للمكلف هنا أن يختار في أن يقدم و يؤخر ما شاء و أراد. و هذا القسم أيضا لا كلام فيه لعدم التزاحم عند الطاعة و الامتثال.

و «منها» أن يكون الواجبان مضيقين لا يمكن امتثالهما معا، و عندئذ ننظر:

فإن تساويا في المصلحة، و ليس أحدهما أهم من أخيه و أفضل، إن كان ذلك فالواجب واحد لا بعينه، و أيضا هذا خارج عن محل البحث لعدم تعدد الواجب، و مثاله: غريقان يستطيع المكلف إنقاذ واحد منهما فقط. و إن كان أحدهما أهم و أفضل فهو المتعين كإنقاذ غريق من الهلاك في آخر وقت الصلاة بحيث اذا أجرى المكلف عملية الانقاذ فاتته الفريضة، و إن هو أداها هلك الغريق، فإن بادر الى الأهم فذاك، و لا خلاف و كلام، و إن ترك الأهم الى المهم فهو محل البحث و الكلام، كما تأتي الاشارة.

و «منها» أن يكون أحد الواجبين موسعا و الآخر مضيقا كالمثال السابق مع الفرق في ان وقت الصلاة هنا موسع بحيث يستطيع أن ينقذ الغريق، ثم يؤدي الصلاة في وقتها، فإذا أهمل الغريق، و انصرف الى الصلاة- فقد عصى و خالف.

و هذا يدخل في محل البحث و الكلام.

مهّدنا بذلك لنحدد موضوع الترتب و معناه و الهدف منه.

موضوع الترتب‏

هو أن يبتلى المكلف بامتثال واجبين، و في كل واحد منهما مصلحة كافية وافية للأمر به أمرا يشمل مورد تزاحمه مع واجب آخر عند الامتثال بحيث لو لا هذه المزاحمة لوجب الإتيان به على كل حال، و لكن أحد الواجبين- في فرضنا- أهم من الآخر في نظر الشارع، على أن يكون الضد المهم من نوع العبادة سواء أ كان الأهم منها أيضا كما لو دعت الحال الى تقديم صلاة الميت على الصلاة اليومية، أم كان الأهم من غير العبادات كإنقاذ الغريق.

و ليس من شك ان واجب المكلف أن يبدأ بالأهم قبل كل شي‏ء سواء اتسع الوقت للمهم أم لم يتسع. و لكن المكلف خالف و أتى بالمهم. قال النائيني بقلم الشيخ الخراساني: «إن عقد الكلام في مسألة الترتب و إن كان في المتزاحمين‏

118

المضيقين إلا انه يجري في مزاحمة المضيق للموسع كمزاحمة إزالة النجاسة عن المسجد للصلاة».

و أيضا قال بقلم السيد الخوئي: «وقع الكلام في الترتب ان التكليف بالأهم هل يكون رافعا للتكليف بالمهم مطلقا، أو يكون رافعا له بشرط عدم عصيان الأمر بالأهم .. و بالجملة الساقط عند الأمر بالأهم هل هو أصل الأمر بالمهم أو اطلاقه؟». و توضيح هذا الكلام و غيره من أقوال النائيني، في مقدماته الخمس الآتية.

«ملحوظة» نطلق كلمة الأهم هنا على ما يجب تقديمه و البدء به. و أيضا اشترطنا أن يكون الضد من العبادة لأن النهي عن غيرها لا يقتضي الفساد.

معنى الترتب‏

و معنى الترتب أن نبقي وجوب الأهم على إطلاقه، و نقيد وجوب المهم بعصيان الأهم بحيث يكون المعنى هكذا: انقذ الغريق، و ان عصيت فصل.

و لا مانع من ذلك عقلا و شرعا، و به يرتفع محذور التكليف بالمحال.

الغاية من الترتب‏

أما الغاية من عملية الترتب فهي صحة العبادة، على البناء بأنها لا تصح إلا مع الاتيان بها بداعي أمرها الخاص، لأن الصحة في العبادة عبارة عن موافقة الأمر المتعلق بها، و عملية الترتب تتكفل بهذا الأمر إذا زاحم العبادة ما هو أهم و أفضل و لا غبار على الترتب حيث لا مانع يردع عنه من العقل و لا زاجر من الشرع، و لكن لا حاجة لنا فيه كعلاج لصحة العبادة و حل مشكلتها، لأنها راجحة بنفسها، و ان كانت مرجوحة بالقياس الى الأهم و الأفضل. فمن الواضح ان أفضلية زيد على عمرو- مثلا- لا تنفي الفضيلة عن أهلها، و فوق ذلك أن الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده، كما سبقت الاشارة، و على فرض الاقتضاء فلا يدل هذا النهي على الفساد. و من أصر و أبى الا الأمر لتصحيح العبادة أحلناه على الترتب.

119

[المقدمات الخمس حول الترتب على نهج النائينى‏]

و قد تحدث النائيني حول الترتب، و أولاه المزيد من الاهتمام و العناية، و قال فيه الكثير كمدافع عنه في خمس مقدمات بلغت ثلاثين صفحة أو أكثر، و أمضيت مع طلاسمها أمدا غير قصير، ثم اخترت من كل مقدمة ما هو ألصق بالترتب و أنفع، و ذكرت ما اخترت أيضا في مقدمات خمس تماما على نهج النائيني و ترتيبه لدرجاتها.

المقدمة الأولى‏

إذا ورد في الشرع خطابان يؤديان في النهاية إلى إيجاب الجمع بين الضدين، و تكليف الانسان بما لا يطاق، إذا كان الأمر كذلك نظرنا الى السبب الموجب لهذه النهاية المستحيلة، فإن كان السبب فعلية الخطابين لا إطلاقهما و ظهورهما- فالواجب واحد لا بعينه إلا أن تكون مصلحة أحدهما أقوى و أهم فيتعين.

و قيل: إذا كانت مصلحة الاثنين بمنزلة سواء يسقطان معا! و ليس هذا بسديد بعد أن كان في كل من الخطابين مصلحة كافية لوجوبه و لو لا المزاحمة الطارئة العارضة لوجبت طاعته و امتثاله كما هو الفرض، و ليس من شك ان محذور التكليف بالمحال يرتفع بالتخيير و العمل بأحدهما، و هو خير من طرحهما معا، لأن الضرورة تقدر بقدرها، و لا يجوز الاسترسال في طرح الخطابات الشرعية أكثر مما تدعو اليه الحاجة و الضرورة.

و تسأل: ما معنى فعلية الخطاب؟ الجواب: معناه أن التكليف جامع لكل الشروط التي توجب العمل به، و انه لا مبرر لتأويل ظاهر الدليل الدال عليه و صرفه عنه الى غيره.

هذا إذا كان السبب للتكليف بالمحال هو تنجيز التكليف بالفعل، أما إذا كان السبب مجرد ظهور الخطابين و شموله لمورد كل من الضدين فيجب عندئذ التصرف بظاهر أحدهما و تقييده بترك الآخر على سبيل التخيير ان استوى الاثنان في المصلحة و الأهمية، و ان كانت مصلحة أحدهما أقوى و أهم وجب تقييد المهم وحده بترك الأهم و عصيانه. هذا هو بالذات معنى الترتب الذي لا يستلزم إيجاب الجمع بين الضدين، و التكليف بالمحال. و فيما سبق قدمنا أكثر من مثال على الترتب، و يأتي أيضا في المقدمة التالية و غيرها.

120

المقدمة الثانية

تختص هذه المقدمة بالرد على صاحب الكفاية الذي أبطل الترتب و قال: ان السبب الموجب لفساد الترتب و بطلانه هو إطلاق الأمر بالأهم كإنقاذ الغريق الشامل لوقت الصلاة، و إطلاق الأمر بالمهم كإقامة الصلاة الشاملة لوقت إنقاذ الغريق، و من هذين الاطلاقين يلزم إيجاب الجمع بين الضدين حين يبتلى المكلف بالصلاة و الانقاذ في آن واحد، أما تقييد المهم، و هو في المثال الصلاة، بترك الأهم و عصيانه، و هو الانقاذ، أما هذه العملية فلا تجدي نفعا، بل تبقي محذور اصطدام الخطابين كما كان، لأن الواجب المشروط يصبح بعد وجود شرطه مطلقا يشمل جميع الحالات حتى الوقت الخاص بالأهم، و المفروض ان ترك الأهم لا يسقط وجوبه من الأساس و لا يحوله من الإطلاق الى التقييد، و معنى هذا ان كلا من إطلاق الأهم و المهم ما زال قائما، و ان عملية الترتب لم تحل الأشكال، و هو التكليف بالمحال الناشئ من إيجاب الجمع بين الضدين.

الجواب:

ان الواجب المشروط لا يصير مطلقا بعد وجود شرطه، بل يبقى على هويته و حقيقته، لأن كل ما هو شرط للتكليف فهو في حكم الموضوع و قيوده و أجزائه، و إذا وجد الموضوع في الخارج فلا يتغير عما كان عليه في عالم الإمكان و الثبوت، و معنى هذا أن الواجب المشروط في عالم الجعل و التقنين يبقى على هويته الأولى بعد وجود شرطه. و قد كان وجوب المهم مقيدا بعصيان الأهم و متأخرا عنه في الرتبة قبل أن يترك المكلف و يعرض عن الأهم، فأيضا يبقى المهم كما كان بعد ترك الأهم و عصيانه.

المقدمة الثالثة

الحجر الأساسي في هذه المقدمة ان زمن التكليف لا يجب أن يكون متقدما على زمن الامتثال و الإتيان بالمأمور به، بل يجوز أن يكون زمن الاثنين واحدا كالصوم و وجوبه عند مطلع الفجر. أجل، لا بد من سبق العلم بالتكليف على طاعته بحكم البديهة، و أيضا التكليف متقدم في الرتبة على الفعل المكلف به.

و بهذا ينحل إشكال من أشكل على الترتب بأن المكلف، و هو يؤدي الواجب‏

121

المهم، يكون عاصيا للواجب الأهم، و معنى هذا ان عصيان الأهم متأخر عن التكليف بالمهم، و المفروض ان هذا العصيان شرط للتكليف بالمهم. و عليه يكون التكليف المشروط متقدما على شرطه، و لا يصح هذا إلا مع الالتزام بصحة الشرط المتأخر و الواجب المعلق، و هو محل إشكال و نظر.

و وجه الحل ان الزمن الذي ترك فيه المكلف فعل الأهم هو بذاته زمن التكليف بالمهم أي ان الشرط مقارن للمشروط لا متقدم عليه و لا متأخر عنه، و إذن فأين الواجب المعلق و الشرط المتأخر؟ و مرة ثانية نقول: ليس من الضروري أن يتقدم زمن التكليف على طاعته، و انما الضروري أن لا يتأخر عنه سواء أتقدم عليه أم اقترن معه جنبا الى جنب.

المقدمة الرابعة

جاء في تقريرات المقررين لبحث النائيني: «إن هذه المقدمة أهم المقدمات، و عليها يبتني أساس الترتب». و نلخص جوهر ما فيها أو بعض ما فيها بما يلي:

1- إن الأمر بالشي‏ء باعث و محرك على الإتيان بمتعلقه و إخراجه من عالم الوجود، و هذا بطبعه يستدعي ترك كل ما يضاد المأمور به و يعانده. و يستحيل أن يكون معنى الأمر بالشي‏ء وجوب الإتيان به في حال وجوده و تحققه بالفعل، أو في حال عدمه و الإصرار على تركه، لأن الأول تحصيل للحاصل، و الثاني تهافت و تكليف بالمحال مع اعتبار عدم الشي‏ء قيدا لوجوده.

2- إن التكليف المشروط بشي‏ء لا يقتضي الإتيان بشرطه و تحصيله- مثلا- قول الشارع: إن استطعت فحج، لا يستدعي تحصيل الاستطاعة و ايجادها، و انما يوجب الحج على من استطاع اليه سبيلا.

3- لما كان الطلب هو الباعث و المحرك على فعل الشي‏ء المطلوب- كان أشبه بالعلة له، و متقدما عليه في الدرجة و الرتبة حتى و لو كان زمن الاثنين واحدا، كما سبقت الاشارة في المقدمة الثالثة، هذا اذا نسبنا الطلب الى ما تعلق به، أما اذا نسبنا الطلب المشروط الى شرطه لا الى الفعل المطلوب كنسبة الصلاة الى البلوغ و الحج الى الاستطاعة، أما اذا فعلنا ذلك فتنعكس الآية و يكون الطلب أشبه بالمعلول و الشرط أشبه بالعلة.

122

و من جميع ما تقدم يتضح معنا ان الأمر بالأهم لا يقتضي ايجاد المأمور به بقيد عدمه و شرط معصيته و إلا كان المعنى افعل هذا و أنت عاص له و تارك، و انما يكون الأمر في هذه الحال أمرا بتقوى اللّه و العدول عن المهم الى الأهم.

و أيضا يتضح ان الأمر بالأهم متقدم في الرتبة على الأمر بالمهم بأكثر من درجة. أولا لأن الأمر بالأهم باعث و محرك على ترك المهم باعتباره معاندا لوجود الأهم. و ليس من شك ان البعث علة أو في حكمها. ثانيا لأن معصية الأهم شرط للأمر بالمهم، و الشرط متقدم رتبة على المشروط، و الأهم متقدم على معصيته هو. و المتقدم على المتقدم متقدم بقياس المساواة، و مع التقدم في الرتب و الدرجات من أين يأتي اجتماع الأمرين المستلزم لإيجاب الجمع بين الضدين؟ و بالتالي فلا شك و إشكال في صحة الترتب.

المقدمة الخامسة

هذه المقدمة أطول من شهر الصيام في حديث النائيني، و فيها الكثير من المطالب و الجوانب، و لا سبيل الى ضغطها في صفحة أو صفحتين كسائر المقدمات لذا نكتفي منها بالآتي:

من تتبع الشرع الاسلامي يجد فيه نوعا من الخطاب يرفع بوجوده موضوع خطاب آخر، كوجوب وفاء الدّين، فإنه بنفسه لا بامتثاله رافع لموضوع وجوب الخمس من الأساس. و هذا النوع من الخطابات الشرعية خارج عن مسألة الترتب حيث لا يوجد إلا خطاب واحد، و هو وجوب وفاء الدّين و كفى.

و أيضا يجد نوعا من الخطاب يرفع بامتثاله لا بنفسه موضوع خطاب آخر كوجوب إنقاذ الغريق، فإنه رافع لموضوع وجوب الصلاة في ظرف عملية الانقاذ فقط لعجز المكلف عن امتثال الخطابين بعد الفراغ و العلم بوجود كل منهما. و هذا من صميم الترتب لأن كلا من الخطابين تجب طاعته فعلا لو لا المزاحمة في مقام الامتثال، و في هذه الحال يقع البحث: هل اجتماع خطاب الانقاذ و خطاب الصلاة في آن واحد- يقتضي إيجاب الجمع بين الضدين حتى يكون تكليفا بالمحال، أو لا يقتضيه؟.

و الحق انه على القول بالترتب لا يلزم إيجاب الجمع بين الضدين في مرحلة

123

الامتثال، بل يلزم نفي هذا الإيجاب، لأن المفروض ان وجوب المهم مشروط بعصيان الأهم و خلو وقته منه، و إذن فأين طلب الجمع بين الضدين و التكليف بالمحال؟ بل المطلوب عدم الجمع.

و لو كان القول بالترتب مستلزما لإيجاب الجمع بين الضدين، و لم يكن للعصيان أي أثر- لكان هذا الإيجاب المحال لازما قهريا لامتثال الأمر بالأهم أيضا و عدم عصيانه حيث يكون كل من خطاب الأهم و خطاب المهم مطلقا و شاملا لزمان الآخر، و لا قائل بذلك حتى من ذهب الى استحالة الترتب و عدم إمكانه، و لا يلزم شي‏ء من ذلك على القول بالترتب حيث يكون خطاب الأهم مطلقا و خطاب المهم مقيدا بمعصية الأهم، و كل منهما فرد من مطلق الخطاب.

و تسأل: ان العصيان يسقط الواجب المؤقت الذي يفوت بفوات وقته، و لا يسقط الواجب المطلق، و المفروض ان الأمر بالأهم مطلق و غير مقيد، و عليه يجتمع الأمر بإنقاذ الغريق و الأمر بالصلاة عند إقامتها في ظرف عصيان الإنقاذ و تركه. و هذا هو إيجاب الجمع بين الضدين.

الجواب:

أجل، ان خطاب الأهم لا يسقط بعصيانه، و لكن لبقاء التكليف و عدم سقوطه معاني و آثارا تختلف تبعا لحال المكلف، فإن كان متهاونا و غير مصر على المعصية يكون معنى عدم السقوط توبيخ المكلف و تهديده بالعقاب إذا لم يعدل عن موقفه و عناده، و ليس معناه أن يأتي بالمأمور به في حال تركه له و مخالفته لأمره، لأن هذا تهافت و تناقض‏ (1).

سؤال ثان: صحيح أن إيجاب الجمع بين الضدين محال، و لكن طلب المحال هنا ليس بقبيح، لأن المكلف هو الذي جنى على نفسه، و أوقعها في هذا المحذور حيث ترك الأهم و خالفه بسوء اختياره، و لو انه منذ البداية ترك المهم و بادر الى الأهم لسلم من غائلة التكليف بما لا يطاق. و قديما قيل: الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

الجواب:

ان التكليف بالمحال لا يسوغ بحال مهما كانت الأسباب، لأنه لا يتفق و العدل‏

____________

(1) أجاب النائيني عن هذا الاشكال بكلام طويل لا يخلو من اللف و الدوران!. لذا أعرضنا عنه و أجبنا بهذا الجواب المختصر الواضح في بساطته و قربه من الافهام.

124

الإلهي، أما القول بأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فهو خاص بالعقاب فقط، و لا صلة له بالتكليف بما لا يطاق. و مثاله ان عاقلا كان يعلم سلفا بأنه لو دخل هذا المحل اضطر قهرا عنه الى فعل الحرام، و مع هذا دخله مختارا، و حدث له ما توقع، فإنه، و هذه هي الحال، لا يكلف بترك الحرام لأنه خارج عن مقدوره، و لكنه يحاسب حسابه، و يعاقب عقابه على سوء اختياره، و اقدامه عن علم و يقين على ما لا تحمد عواقبه و غوائله. و سلام اللّه على من قال: «من اقتحم اللجج غرق».

و بعد، فإن الترتب حق لا ريب فيه، و عليه في الشرع العديد من الشواهد و الدلائل.

125

النهي و اجتماعه مع الأمر

النهي‏

حد النهي طلب ترك الفعل من فاعله، و الدوام على الترك من تاركه. و صيغته «لا تفعل» و ما يجري مجراها كإياك، أما اكفف ودع و نحوهما فالشكل أمر، و المحتوى نهي. و النهي ضد الأمر و يقابله بالبديهة. فمن قال بدلالة هذا على الوجوب قال بدلالة ذاك على التحريم، و من قال هناك بالاستعلاء قال به هنا الخ ..

و إذن فلا حاجة بنا الى ذكر الأقوال و تكرارها ما عدا هذه الاشارة: إذا تجردت صيغة النهي اقتضت الترك على الفور و الدوام عليه بخلاف الأمر، و لم يناقش في ذلك إلا من شذ.

و تسأل: إذا خالف المكلف و نقض ما أبرمه النهي من الدوام- فهل يسقط دوام النهي بحيث نحتاج الى نهي جديد عما تبقى من أفراد الطبيعة، أو يبقى النهي الأول على إطلاقه و دوامه، و لا موجب لنهي جديد، لأنه تحصيل للحاصل؟.

الجواب:

أشرنا قبل قليل أن النهي مقابل للأمر، و من مظاهر ذلك و أمثلته: ان الأمر لطلب الفعل و لو مرة، و النهي لطلب الترك بالمرة، لأن المطلوب في الأول إيجاد الطبيعة، و يتحقق وجودها كاملا بفرد منها، و المطلوب في الثاني الاستمرار على المنع عن الطبيعة بشتى أحوالها، و لا يكون ذلك إلا بترك كل فرد منها، فإن خالف المكلف في واحد يبقى غيره من الآحاد على المنع. و بكلام آخر النهي عن‏

126

الطبيعة يتعدد بتعدد أفرادها، فإذا سقط النهي عن واحد منها لسبب أو لآخر فالبقية الباقية لا تحتاج الى نهي جديد.

اجتماع الأمر و النهي‏

«اختلفوا في جواز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد». بهذه الكلمة افتتح الأصوليون هذا البحث، و المراد بالجواز هنا عدم المنع و البأس، و بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين على حد تعبير صاحب الكفاية. و سيتضح المعنى بجملته في صورة أجلى من خلال الأقوال و محاكمتها.

و تسأل: ما من عاقل ينكر و يجادل في ان الأمر غير النهي، و الوجوب غير التحريم، و انهما ضدان لا يجتمعان في شي‏ء واحد، و إذن فلا معنى للنقاش في جواز اجتماعهما ما دام مستحيلا في ذاته؟

الجواب:

أجل، لا عاقل و لا قائل بأن الشي‏ء الواحد يسوغ الحكم عليه بالوجوب و التحريم معا، و لكن بعد الاعتراف بهذه الحقيقة حدث الخلاف في ان الفاعل المختار اذا تصرف و فعل ما يجمع بين عنوان تعلق به الأمر و آخر تعلق به النهي، و بينهما عموم من وجه‏ (1)- كما لو صلى في مكان الغصب- فهل فعله هذا و إيجاده العنوانين بعملية واحدة يستدعي اتحاد متعلق الأمر و متعلق النهي بحيث يكون المأمور به عين المنهي عنه و المنهي عنه نفس المأمور به في الواقع حتى نلجأ الى علاج مشكلة الحكمين المتعارضين، أو ان الصلاة في الغصب لا تستدعي هذا الاتحاد، بل يبقى كل من متعلق الأمر و متعلق النهي محتفظا باستقلاله في نظر العقل سوى ان المكلف قرن بينهما و جمع شملهما بعد أن كانا متباعدين، و عندئذ نجري عملية التزاحم بين الجارين في مقام الامتثال لا في مقام الجعل و التشريع؟.

و بهذا يتبين معنا ان مسألة اجتماع الأمر و النهي مسألة عقلية لا لفظية، تبحث عن تسرب‏

____________

(1) و قيل: ان الخلاف يعم و يشمل ما لو كان بين العنوانين العموم المطلق أيضا .. و مهما يكن فان العبرة أن يكون بين العنوانين تضاد و تنافر حكما و مفهوما، و لكن يمكن التقاؤهما في الوجود بعض الأحيان أيا كانت النسبة بينهما و تكون.

127

الوجوب الى الحرام، و تسرب الحرمة الى الواجب، و لا تبحث عن دلالة اللفظ و شئونه. و بكلمة، إن البحث هنا في جواز اجتماع الأمر و النهي عقلا، لا في دلالة اللفظ على هذا الاجتماع أو عدم دلالته.

سؤال ثان: قلت في بيان الخلاف و تحريره: بناء على اتحاد متعلق الأمر، و متعلق الأمر هذه تدخل مسألتنا في باب التعارض، و بناء على التعدد و عدم الاتحاد تدخل في باب التزاحم، و معنى هذا ان مسألة اجتماع الأمر و النهي ليست أصولية حيث لا يستنتج منها الحكم الشرعي مباشرة بل بالواسطة، و عليه فما هو المبرر لبحثها في علم الأصول؟.

الجواب:

أجل، ليست هذه المسألة بأصولية، بل هي من المبادئ التصديقية (1)، و انما ذكرت هنا لأن البحث- كما قال صاحب الحاشية الكبرى على المعالم- في اجتماع الوجوب و التحريم، و هما مدلولان للأمر و النهي، فأدرجت في مباحثهما. و على أية حال فالأمر سهل يسير.

و قد أسهب و أطنب في ذكر الأدلة و ايرادها من قال باجتماع الأمر و النهي و من أنكره أيضا. و وقفت حائرا لا أدري هل ألخصها و أعرضها بالكامل، أو أختار منها العمدة و الأرجح في ظني و معرفتي، ثم أعقب بما رأيت و ارتأيت؟ و استقر العزم على الثاني رحمة بالطالب، على اني أحاول ضغط دليلين أو أكثر في واحد.

من أدلة المانعين‏

في تقريرات الأنصاري: إن جمهور المعتزلة و بعض الأشاعرة و أكثر علماء الشيعة بل إجماعهم بشهادة صاحب المعالم و صاحب المدارك و غيرهما، كل هؤلاء ذهبوا الى امتناع اجتماع الأمر و النهي بالمعنى المتقدم.

و استدلوا بأن الأحكام الشرعية الخمسة متنافرة، و لا تتعلق إلا بأفعال المكلفين الاختيارية، و قد يكون لفعل واحد أكثر من وجه لسبب أو لآخر، و لكن تعدد

____________

(1) كل ما يتوقف عليه العلم و اليقين بنسبة المحمول إلى الموضوع فهو من المبادئ التصديقية.

128

الوجوه و الجهات في فعل واحد لا يجعل منه العديد من الأفعال المتباينة بمقدارها و حسبها بحيث يكون كل فعل من فصيلة الجهة التي التحمت به و التصق هو بها، بل يبقى الفعل كما كان على واقعه و هويته بلا تغيير و تبديل، و لا تقليم و تطعيم، بل و لا رفيق مجاور مقارن .. غاية الأمر ان الفعل يحكم عليه بحكم الجهة التي اتحدت معه و التصق هو بها، فإذا كانت إحدى الجهات العارضة الطارئة محرمة كالغصب و الثانية واجبة كالصلاة- يكون الفعل واجبا لهذه و محرما لتلك، و معنى هذا ان الشي‏ء الواحد مطلوب فعله و تركه في آن واحد، و هو محال، للتكليف بما لا يطاق.

و لما كان السبب الموجب لهذا التكليف المستحيل هو الشارع الذي أوجب و حرّم و ليس عجز المكلف في مقام الامتثال و تزاحم الفعلين، لما كان ذلك تحتم علينا أن نجري عملية التعارض بين الحكمين المتنافرين في هذا الفعل بالخصوص و ليس عملية التزاحم بين الفعلين المتضادين عند الطاعة و الأداء.

من أدلة المجيزين‏

أما القائلون بجواز الاجتماع بالمعنى السابق فقد استدلوا بكلام غريب عن الحس، بعيد عن الفهم، و لكنه موجه بمنطق العقل كما يبدو للوهلة الأولى، و يتلخص هذا الكلام بأن الأمر و النهي قد تعلقا بطبيعتين مختلفتين لا صلة بينهما و لا اتحاد، و من الواضح ان المطلوب هو طبيعة الشي‏ء بخصائصها، أما مزايا الفرد الخارجي و خصائصه فلا تكليف بها سلبا و لا إيجابا.

فإذا أوجد المكلف الطبيعتين في مورد واحد، كما لو صلى في دار الغصب فلا تتحول الصلاة عن هويتها الى الغصب، و لا الغصب يتحول عن حقيقته الى الصلاة، و لا يتحد أحدهما مع الآخر، و لا يسري أمر الصلاة الى الغصب، و لا نهي الغصب الى الصلاة، بل يبقى كل منهما على ما كان من قبل غاية الأمر أن المكلف قرّب بينهما و جمع شملهما في صلاة بأرض السلب و النهب- لا جوزي بخير- و يترتب على ذلك أن ما تعلق به الأمر، بالنسبة الى الصلاة في مكان الغصب، غير ما تعلق به النهي، و هذا غير ذاك، و ان المكلف قد وافق الأمر بالصلاة المجاورة للغصب، و خالف النهي بالغصب الكائن الى جنب الصلاة فاستحق الثواب على طاعة الأمر، و العقاب على معصية النهي.

129

رأينا

نحن مع الحس و الوجدان، و لا وزن لأي تصور عندنا أو لأية فكرة إلا إذا كانت انعكاسا عن الواقع المحسوس بالذات أو بالأثر. و من الواضح ان كل واحد من الأمر و النهي يقع تحت الحس، ما في ذلك ريب، نسمعه من الراوي، و نقرأه في كتاب اللّه و السنّة النبوية، و له أبلغ الأثر في حياتنا اليومية بعثا على فعل كالصلاة، أو زجرا عنه كالغصب. و أيضا نحن نشاهد بالعيان الحركة الخاصة في مكان الغصب، و نراها واحدة بكل ما في الوحدة من معنى، و نسميها صلاة لأن الفاعل قصد بها امتثال أمرها، و أيضا نسميها غصبا لأن الشارع نهى عن الكون في مكان الغصب.

و هذا النهي و ذاك القصد لم يغيرا شيئا من واقع الحركة، و لا أضافا اليها جديدا تماما كحديثي هذا عن اجتماع الأمر و النهي فإنه هو هو سواء أمرت به أم نهيت عنه، قصدت بيان الحق أم التلاعب بالألفاظ .. أما ماهية الصلاة و ماهية الغصب- كما يعبرون- فأين مكانهما؟ فإن كانتا في عالم الغيب و الكتمان فلا تكليف بهما سلبا و لا إيجابا، و ان كانتا في عالم الشهادة كررنا السؤال: أين هما؟ و طريف قول من قال: ان التركيب بين الصلاة و الغصب انضمامي لا اتحادي! و لا أدري ما ذا أراد بهذا التركيب؟ و من الذي ركّبه؟ و أين حدث؟

فإن كان في الحركة الخارجية فهي واحدة، و ان كان في الذهن و التصور فالكلام في عالم الأفعال لا في دنيا الخيال.

و بعد، فلا مبرر للقول بجواز اجتماع الأمر و النهي إلا على هذا الأساس:

من تصور الصلاة فقد انقاد و اتقى، و من تصور الغصب فقد تمرد و عصى، و من تصورهما معا فقد خلط عملا صالحا و آخر سيئا، و هو كما ترى لا أحد يقول بهذه الجهالة و الضلالة. و حاشا أقطاب الدين و العلم.

ثمرة الخلاف‏

قيل: ان ثمرة الخلاف في اجتماع الأمر و النهي هي صحة الصلاة في مكان الغصب حتى مع العلم به، بناء على القول بجواز الاجتماع للأمر بها. و فسادها

130

على القول بالامتناع لعدم الأمر بها. و الحق ان مثل هذه الصلاة لا تقبل بحال لا لعدم الأمر بها لأن الملاك كاف في الصحة، كما سبقت الإشارة في باب الضد، بل لأنها جريمة و معصية، و لا يطاع اللّه من حيث يعصى.

و ثمرة الخلاف حقا و واقعا هي بحث هذه المسألة في باب التعارض بناء على القول بالامتناع حيث يكون التصادم و التنافر بين دليلي الأمر و النهي لا بين ما ما تعلقا به في مقام الامتثال، فإن ألغينا الأول دون الثاني بطلت الصلاة في مكان الغصب، و العكس بالعكس أي إن ألغينا الثاني دون الأول صحت الصلاة.

أما على القول بجواز الاجتماع فلا بد من عملية التزاحم بين الفعلين: المأمور به و المنهي عنه لا بين دليلي الوجوب و التحريم.

المندوحة

المندوحة و المنتدح: السعة و الفسحة، يقال: لك عن هذا الأمر مندوحة و منتدح أي يمكنك تركه. و المراد بعدم المندوحة هنا أن المأمور به منحصر بالفرد الحرام بالنسبة الى بعض حالات المكلف و أوضاعه، كالمحبوس في مكان الغصب فإنه مأمور بالصلاة و تصح منه لمكان الضرورة. و هذا الفرض خارج عن محل النزاع.

و المراد بوجود المندوحة أن يكون للمأمور به فردان: حلال و حرام، و مثاله أن يقدر المكلف على أداء الصلاة في مكان الحلال كالمسجد و في مكان الحرام كالغصب.

و جلّ الأصوليين حصروا الخلاف هنا بما إذا كان للمكلف مندوحة عن الحرام كالغصب حين يكون قادرا على العبادة الصحيحة فيكلف بها و بترك الغصب مثلا لعدم التكليف بالمحال في مثل هذه الحال، فإذا خالف و أساء الاختيار بأدائها في الحرام أمكن الخلاف في اجتماع الأمر و النهي، أما مع عدم المناص من الغصب فلا أمر بالصلاة في غير الغصب لأنه تكليف بما لا يطاق. و مع عدم الأمر يكون الخلاف في اجتماعه مع النهي بلا موضوع إلا النقش بلا عرش.

و قال قطب من الأقطاب: لا ضرورة الى قيد المندوحة في تحديد محل الخلاف لأنه في واقعه: هل تعدد الجهة يستدعي تعدد الموجه أو لا؟ و قال آخر: الخلاف في جوهره: هل يسري الأمر من متعلقه الى ما تعلق به النهي و بالعكس كي‏

131

يقع التعارض و التكاذب بين الحكمين المتنافرين، أو لا يسري كي يقع التزاحم و التصادم بينهما في مقام الامتثال؟ و محتوى هذين القولين واحد، و عليه فلا تمت المندوحة الى الخلاف هنا بسبب قريب أو بعيد.

أجل، مع وجود المندوحة يمكن البحث في ان وجوب الشي‏ء و تحريمه في آن واحد حين الامتثال لا في مقام التشريع هل هو باطل لأنه تكليف بما لا يطاق، أو لا غبار عليه لأن هذا التكليف بما لا يطاق تولّد من سوء اختيار المكلف للفرد الحرام إذ المفروض ان اللّه قد أغناه بحلاله عن حرامه، و لكنه أبى إلا الحرام فعوقب بما لا يطيق جزاء لما كسبت يداه.

و قيل: يصح الأمر بالطبيعة مع القدرة على فرد منها و إباحته و إن منع عن سائر أفرادها، فإذا اختار المكلف الفرد الممنوع شرعا صدقت عليه طبيعة المأمور به قهرا، و تحقق الامتثال عقلا. و ردّوا عليه بأن الممنوع شرعا تماما كالممتنع عقلا، و معنى هذا ان طبيعة المأمور به لا تصدق بلحاظ أمرها على الفرد المحرم.

أما القول بأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار فقد تقدم تفسيره، و انه يرجع الى العقاب فقط، و ان التكليف بما لا يطاق لا يسوغ بحال حتى و لو كان السبب الموجب سوء الاختيار. (انظر المقدمة الخامسة من مقدمات الترتب، الفصل السابق بلا فاصل).

العبادة و الكراهة

من جملة ما استدل به القائلون بجواز اجتماع الأمر و النهي: ان الشرع قد جمع الوجوب و الكراهة، كالصلاة في الحمام و الصوم يوم عاشوراء، و اذا جاز الحكم على الفعل الواحد بالوجوب و الكراهة جاز الحكم عليه بالوجوب و التحريم، لأن الأحكام الخمسة متقابلة بكاملها بخاصة الوجوب و التحريم أو الكراهة.

و أجاب عن ذلك القائلون بالامتناع: أولا، ليس معنى الكراهة في العبادة ان فيها مفسدة ذاتية توجب النهي عنها، بل المراد ان هذا الفرد المنهي عنه أقل ثوابا من سائر الأفراد. ثانيا، ان النهي هنا لم يتعلق بالعبادة مباشرة، بل بشي‏ء خارج عنها و لكنه مقارن لها في الوجود، أي ان النهي عن العبادة انما هو بالغير لا بالذات.

132

التخلص من الحرام‏

من توسط أرضا غصبا فهو مأمور بالخروج منها دون ريب. و من الواضح ان الخروج في هذه الحال مستلزم للتصرف بالغصب فهل يكون مأمورا به و منهيا عنه؟

أقوال: الأول ان الخروج هنا مأمور به و منهي عنه في آن واحد. الثاني انه مأمور به فعلا، أما النهي فقد ارتفع خطابا لا عقابا و عينا لا أثرا. الثالث انه مأمور به و كفى و لا أثر للنهي إطلاقا. و هو الحق لأنه تخلص من الحرام، و التخلص من الحرام واجب بنفسه و ليس مقدمة لواجب سواه- كما نعتقد- و يستحيل أن يكون التخلص من الحرام حراما و إلا كان الواجب حراما، و الحرام واجبا. و من هنا أفتى الفقهاء بصحة الصلاة حال التخلص من الغصب إن ضاق وقتها و ما لها من بديل.

الجاهل و الناسي‏

اذا صلى المكلف في الغصب جهلا أو نسيانا للغصب نفسه لا لحكمه فهل تصح صلاته؟.

الجواب:

أجل، تصح لأن الجهل و النسيان من الأعذار الشرعية و العقلية، و عليه فلا أثر للنهي حتى يصطدم مع الأمر بالصلاة، و مثله الجاهل بالحكم قصورا لا تقصيرا لأن القاصر معذور، أما المقصر فإنه تماما كالعامد في عدم العذر و استحقاق العقاب.

هل الأصل تقديم النهي أو الأمر؟

سبقت الإشارة الى أنه بناء على القول بعدم جواز اجتماع الأمر و النهي- لا يمكن بحال أن يكون الشي‏ء الواحد مرغوبا فيه و عنه في آن واحد، بل إما هذا و إما ذاك، و عليه نتساءل هل نأخذ بإطلاق النهي بحيث يشمل مورد الاجتماع، و نقيد الأمر بغير مورد الغصب، أو نأخذ بإطلاق الأمر و نقيد النهي بغير مكان الغصب، أو نطرح الاثنين معا حيث لا موجب لترجيح أحدهما على الآخر، و نرجع الى الأصول العملية؟

133

الجواب:

يرى بعض المؤلفين أن إطلاق النهي شمولي لأنه يستغرق الترك بشتى صوره و ألوانه، أما إطلاق الأمر فهو بدلي يكتفي بمجرد الوجود و أوله بحيث يكون وجود الفرد الثاني و ما بعده بلا أمر. و الاطلاق الشمولي- كما قال هذا البعض- مقدم على البدلي عند التعارض و التصادم، لأن المطلوب في البدلي فرد واحد مثل أكرم رجلا، و المطلوب في الشمولي كل الأفراد مثل لا تكرم رجلا، فإذا قدمت البدلي فقد ضيقت مدلول الشمولي بإخراج بعض الأفراد عنه، أما إذا قدمت الشمولي فإن مطلوب البدلي يبقى واحدا كما كان، و معنى هذا أنك ان قدمت النهي على الأمر فقد عملت بمدلول الأمر و بمدلول النهي معا ككل بلا استثناء من ذا و ذاك، أما إذا قدمت الأمر على النهي فقد عملت بكل ما دل عليه الأمر و ببعض ما دل عليه النهي، و ليس من الشك ان الجمع أولى من الطرح.

و يلاحظ على هذا التفلسف بأن المبدأ و المعيار في تقديم أحد الدليلين على الآخر إنما هو الظهور العرفي بحيث يكون المقدم أقوى ظهورا من المؤخر في إفهام العرف، أما تقديم النهي على الأمر من حيث هو فليس بمبدإ و قاعدة مطردة، بل يختلف ذلك تبعا للموارد، فقد يتساوى الأمر و النهي في الظهور، و عندئذ فلا يقدم أحدهما على الآخر كما في مثالنا الموروث، فإن دلالة «صل» تماما كدلالة «لا تغصب» كل واحدة منهما تستوي في الظهور مع الأخرى. و قد يكون النهي أقوى ظهورا مثل «صلّ» و لا توجد شيئا من أفراد الغصب .. و قد يكون الأمر أظهر مثل «لا تغصب» و صلّ في كل مكان، لأن الصلاة لا تسقط بحال.

و على هذا فلا مبرر لتقديم النهي على الأمر بقول مطلق.

الأصل العملي‏

إذا تعذر الأخذ بالأصل اللفظي رجعنا الى الأصل العملي، و هو- كما في تقريرات الأنصاري- يقتضي إباحة الغصب حال الصلاة فقط، لأن المفروض تعارض الخطابين في مورد الاجتماع و هو الكون الصلاتي في مكان الغصب، و الرجوع الى الأصول العملية. و أيضا يقتضي الأصل عدم الصحة للشك في سقوط التكليف المعلوم بعد الإتيان بالفرد المشكوك.

134

و تسأل: بعد الحكم بإباحة الغصب حين الصلاة- فالوجه الحكم بصحتها و إلا لزم التفكيك بين المتلازمين؟.

الجواب:

ثم ما ذا؟ فإن الملازمة بين الأحكام الظاهرية و في مجرى الأصول- لا تجب مراعاتها بحال، و من هنا أجمع الفقهاء ان من شك في الوضوء لصلاة الظهر بعد الفراغ منها- فلا يعيدها و لكنه يتوضأ للعصر .. الى غير ذلك كثير.

أجل، يلاحظ على الانصاري بأن الشك هنا- بالنسبة الى الصلاة- في أصل التكليف لا في المكلف به كي يجب الاحتياط، لأن الشك ان رجع الى ان إباحة المكان هل هي شرط لصحة الصلاة فقد أجرينا أصل الاباحة، كما سبق، و ان رجع الى أن الغصب مانع فأيضا يجري فيه هذا الأصل تماما كما يجري في الجزء و الشرط. و بكلام آخر كل شك ينتهي الى تقييد المأمور به كتقييد الصلاة الواجبة بغير الغصب- فالأصل عدم القيد.

135

أثر النهي في العبادات و المعاملات‏

لمجرد التمهيد

يرى المتتبع لأحكام الشريعة الغراء نواهي عن بعض العبادات و المعاملات في حالات خاصة و معينة، و حديثنا في هذا الفصل يدور حول المنهي عنه من عبادة أو معاملة. و نمهد لما نهدف اليه بالتساؤلات التالية:

السؤال الأول: ما هو الفرق بين هذا الفصل و البحث السابق في اجتماع الأمر و النهي؟.

الجواب:

إن البحث السابق فيه أمر و نهي، و لكن الأمر تعلق بشي‏ء، و النهي بشي‏ء آخر، و كثيرا ما يفترقان كالغصب و الصلاة، و قد يجتمعان لسبب أو لآخر كما سبقت الاشارة، أما متعلق النهي هنا فهو خاص و منحصر ببعض العبادات المأمور بها، و بألوان من المعاملات التي سنشير اليها. و قال كثير من الأصوليين: إن بين متعلق الأمر و متعلق النهي هنا العموم المطلق، و العموم في جانب الأمر.

و في جميع الأحوال فالفرق الأساسي ان البحث في هذا الفصل ينحصر بدلالة النهي على الفساد بمعنى عدم ترتب الآثار و الأحكام الشرعية على المنهي عنه، بصرف النظر عن جواز اجتماع الأمر و النهي أو عدم جوازه. أما البحث في السابق فهو في هذا الجواز بالذات بصرف النظر عن دلالة النهي على الفساد أو عدمها.

136

أجل، على فرض امتناع الاجتماع هناك و تقديم جانب النهي على الأمر- يدخل هذا النهي في فصلنا كجزء منه لا ككل، و لا كموضوع له بالكامل.

سؤال ثان: هل هذه المسألة أصولية، أم هي من المبادئ كمسألة الاجتماع؟.

الجواب:

بل هي من أصول الفقه في الصميم حيث يستنبط الفقيه المسألة الفقيه منها مباشرة، و يفتي بفساد العبادة أو المعاملة المنهي عنها على القول بدلالة النهي على الفساد فيهما و بصحتها على القول المقابل و المضاد.

سؤال ثالث: هل هذه المسألة لفظية تبحث عن دلالة صيغة النهي على الفساد اذا تجردت، أو هي عقلية يبحث فيها عن الملازمة بين مدلول صيغة النهي و الفساد؟.

الجواب:

انها الى العقلية أقرب، لأن صيغة النهي تدل على مطلق الطلب، و هو غير الفساد، بالاضافة الى ان الكثير من النواهي تعلقت بما لا يتصور فيه الصحة و الفساد كالقتل و الزنا و شرب الخمر و نحو ذلك.

سؤال رابع: ما هو المراد بالعبادة و المعاملة هنا؟.

الجواب:

المراد بالعبادة كل مأمور به من أجل التعبد به للّه وحده، و بهذا تخرج العبادة غير المشروعة، و المراد بالمعاملة معناها الأعم أي كل ما يمكن وصفه بالصحة و الفساد كالعقود و الموجبات و تطهير النجاسات و ما أشبه.

محل الكلام‏

اختلفوا في ان النهي عن عبادة أو معاملة هل يقتضي فسادها بمعنى ان النهي يبطل كل ما لها من ثمرات و أحكام لو لا النهي، أو ان النهي عنها لا يضر بشي‏ء من آثارها و نتائجها؟

137

و بهذا يتضح معنا ان المراد بالصحة هنا ترتب الآثار، و بالفساد نفي الآثار و الأحكام.

و أيضا اختلفوا هل يختص النهي هنا بنهي التحريم دون الكراهة، و بالنفسي دون التبعي كالنهي المنبثق من الأمر بالشي‏ء؟.

و الحق ان النهي هنا لا يشمل الكراهة بمعنى قلة الثواب، لأنها لا تتنافى مع الإذن بالفعل. و ما من شك في ان الإذن بالشي‏ء تقرير و إمضاء لكل ما له من آثار، أما النهي التبعي فهو داخل في محل الكلام لأن كثيرا من العلماء استدلوا على فساد الضد بالنهي عنه المنبثق من الأمر بالشي‏ء.

أين الأصل؟

اذا ورد نهي عن عبادة أو معاملة، و لم ترافقه قرينة تشعر بفساد المنهي عنه فهل هناك أصل يثبت أو ينفي أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟

ليس من شك في ان البحث عن وجود هذا الاقتضاء بحث أصولي لا فقهي، و عقلي لا لفظي، كما سبقت الاشارة، و لا أظن أحدا ادّعى أو يسوغ له أن يدعي بأن الأصل وجود الملازمة العقلية بين تحريم الشي‏ء و فساده أو عدم وجود هذه الملازمة، لأنها ذاتية لا تنفك بحال إما كائنة واقعا و اما غير كائنة منذ البداية.

هذا إذا كان الشك في المسألة الأصولية أي في الاقتضاء و عدمه، أما إذا كان الشك في المسألة الفرعية أي في صحة المنهي عنه و فساده- فيختلف الأصل تبعا للموارد، فإن رجع الشك في صحة العبادة الى الشك في التكليف بها فالأصل العدم، و ان رجع الى الشك في الامتثال بعد العلم بالتكليف فالاحتياط حتم بحكم العقل. أما المعاملة فإن كان الشك في تحققها و وجودها فالأصل العدم بلا ريب و خلاف، و ان رجع الشك الى صحتها بعد العلم بوجودها فالأصل اللفظي، و هو إطلاق التجارة عن تراض، يقتضي الصحة، و الأصل العملي، و هو إبقاء ما كان على ما كان، يقتضي الفساد و عدم ترتب الآثار و الأحكام.

النهي عن العبادة

في تقريرات الأنصاري أن الأقوال في اقتضاء النهي للفساد ربما زادت على‏

138

العشرة. و أكثرها بلا جدوى، و الرئيسية منها ثلاثة: قول بأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه و بطلانه مطلقا سواء أ كان من العبادات أم المعاملات. و قول بأنه لا يقتضيه فيهما. و ثالث بأنه يقتضيه في العبادات دون المعاملات، و عليه المشهور.

و نبدأ بالعبادات.

و لا تخلو العبادة المنهي عنها من أحد فرضين: الأول أن يتعلق النهي بذات العبادة بحيث تكون صحيحة في نفسها لو لا النهي كصوم يوم الفطر و صيام المسافر في غير معصية. و هذا النهي يكشف عن فساد العبادة و ان إطلاق الأمر بها مقيد بما عدا مورد النهي لا محالة لمكان التعارض و التضاد بين الدليلين فنجمع بينهما و نعمل بهما معا بتقييد دليل الأمر بإطلاق دليل النهي. و المبرر لهذا الجمع هو وجود الملازمة بين التحريم المانع من التقرب بالحرام الى اللّه سبحانه و بين الفساد.

الفرض الثاني ان لا يتعلق النهي عن العبادة لذاتها، بل لخلل فيها بفوات جزء أو شرط أو وصف على التفصيل التالي:

1- أن يتعلق النهي بجزء زائد عما هو مقرر شرعا من أجزاء الفريضة، فإن كان النهي يقيد الأمر بالفريضة بما عدا هذا الجزء المنهي عنه- تبطل الفريضة لا محالة، و إلا فالأصل بطلان الزائد و كفى. و يأتي التفصيل في محله إن شاء اللّه.

2- أن يتعلق النهي بشرط العبادة. و عندئذ ينظر: فإن كان الشرط أيضا من نوع العبادة كالنهي عن غسل الجنابة لمكان الضرر، إن كان ذلك- يفسد الشرط، و أيضا تفسد العبادة المشروطة به لا محالة، و إن كان الشرط المنهي عنه من غير العبادة و غير قابل للصحة و الفساد كالنهي عن نوع خاص من الساتر حين الصلاة- فإن النهي يدل على حرمة الساتر و كفى و لا يدل على فساد الصلاة تماما كالنظر الى الأجنبية أثناء الطاعة و الامتثال.

3- أن يتعلق النهي بالعبادة لوصف لازم لها، و ليس له وجود مستقل كالجهر و الإخفات في القراءة. و من البديهي ان النهي عن مثل هذا الوصف أو عن العبادة لأجله فهو نهي عن العبادة بالذات، و الحكم هو الفساد تماما كالصورة الأولى.

أما اذا كان الوصف مفارقا لا ملازما كالصلاة في مكان الغصب فيدخل هذا الفرض في بحث اجتماع الأمر و النهي، و كل فريق على مبناه من الامتناع أو الجواز و التعارض و التزاحم. فراجع إن شئت.

139

و الخلاصة ان العبادة تخرج عن مفهومها و رجحانها إن تعلق النهي بها أو بالجزء أو الشرط على التفصيل، و لا يمكن التقرب بها إطلاقا إذ لا يطاع اللّه من حيث يعصى.

النسيان و الاضطرار

و تسأل: اذا خالف المصلي- مثلا- النهي المذكور لا عن قصد و عمد كما لو أخفت في مكان الجهر اضطرارا أو نسيانا- فهل مقتضى القاعدة صحة العبادة أو فسادها بصرف النظر عن الأدلة الخاصة؟.

الجواب:

قال أحد الأقطاب: ان الفساد هنا يتبع النهي، فمتى وجد نحكم بفسادها، و إذا انتفى النهي و تأثيره لمكان الاضطرار أو النسيان نحكم بصحتها، و على هذا الأساس ذهب المشهور الى صحة الصلاة في الحرير و الذهب اضطرارا أو نسيانا.

و قال آخر معترضا على المشهور: العكس هو الصحيح أي ان النهي تابع للفساد و انعكاس عنه، فإذا انتفى النهي لسبب أو لآخر ينتفي التحريم و العقاب، أما الفساد فيبقى على واقعه، و عليه فمقتضى القاعدة فساد العبادة مع الخلل بشي‏ء منها سواء أ كان ذلك عن علم و عمد أم عن خطأ و جهل أم عن نسيان و اضطرار.

و يلاحظ على هذا القائل بأن الفساد على نوعين: الأول فساد ذاتي في نفس المنهي عنه كالنهي عن الصلاة في جلد الميتة، و هذا النوع من الفساد يؤثر أثره في شتى الحالات، و يكون النهي معلولا له و انعكاسا عنه. و لكن كلام المشهور أجنبي عن ذلك.

الثاني: فساد عارض تولد من التحريم و نهي الشارع بالذات. و لا معنى له إلا تخلف الآثار عن المنهي عنه و عدم ترتبها عليه، و هذا النوع من الفساد يتبع النهي و يدور مداره وجودا و عدما، فإذا طرأت الغفلة أو الضرورة يسقط النهي و يلحقه الفساد حتما. و هذا هو مراد المشهور، و لو تنبه له المعترض لأراح نفسه و القراء من تسويد الصفحات نقضا و إبراما.

النهي عن المعاملة

هل النهي عن المعاملة يقتضي فسادها بمعنى تخلف الآثار عنها؟ و الجواب يستدعي التفصيل التالي:

140

1- أن يكون القصد من النهي مجرد التنبيه الى ان هذه المعاملة ليست من الأسباب التي تلحقها الآثار و الأحكام الشرعية كالنهي عن زواج الخامسة لمن عنده أربع، فإن النهي هنا لمجرد الإرشاد الى ان هذا ليس من الزواج في شي‏ء. و هذا خارج عن محل الكلام لأنه فاسد و باطل بالذات.

و أيضا النهي عن المعاملة لفقد جزء أو شرط خارج عما نحن بصدده لأن انتفاء الشرط يستدعي انتفاء المشروط، و كذلك الكل لا يوجد إلا بوجود أجزائه كاملة بالبداهة.

2- أن يتعلق النهي بصيغة المعاملة و ما يحكي عنها، و على حد قول الأصوليين بالسبب الموجب للآثار و الأحكام الشرعية، مثل: لا تبع وقت النداء، فإن النهي هنا لا يقتضي الفساد حيث لا اصطدام و تضاد بين تحريم الشي‏ء و صحته، فإذا خالف المكلف و أوجد سبب البيع وقت النداء فقد فعل محرما و أوجد البيع، فنحكم بالتحريم و الصحة معا. و بكلمة، ان إطلاق لا تبع وقت النداء لا يضاد إطلاق التجارة عن تراض و وجوب الوفاء بالعقد.

3- أن يتعلق النهي بآثار المعاملة و أحكامها كالنهي عن أكل ثمن الميتة و الخنزير و هذا النوع من النهي يدل على الفساد بالاتفاق، لأنه منصبّ على ما للمعاملة من ثمرات و أحكام، و معنى هذا ان المعاملة المذكورة ليست سببا للتمليك شرعا و جواز التصرف و أن وجودها و عدمها بمنزلة سواء.

و الخلاصة ان السبب الأول و الأخير لدلالة النهي على الفساد في العبادة دون المعاملة هو أن العبادة طاعة للّه و تقرب اليه سبحانه بما يحب و يريد، و النهي يضاد الطاعة و القربة فيما نهى عنه اللّه تعالى، ما في ذلك ريب، و لا طاعة و لا قربة في المعاملات، و إذن فلا تضاد و فساد حتى و لو كان هناك ألف نهي و تحريم.

الأحناف‏

قال الغزالي في (المستصفى) ما نصه بالحرف الواحد: «نقل عن محمد بن الحسن و أبي حنيفة انه يستدل بالنهي عن صوم النحر على انعقاده، فإنه لو استحال انعقاده لما نهي عنه، فإن المحال لا ينهى عنه كما لا يؤمر به، فلا يقال للأعمى: لا تبصر كما لا يقال له: «ابصر». أي ان النهي عن إحداث‏

141

الصيام يوم العيد يدل على ان الصيام الصحيح شرعا يمكن أن يقع من الصائم في هذا اليوم، و لو كان ممتنعا بالذات لاستحال التكليف به، لأن الشارع لا يكلف بالممتنعات و المستحيلات.

ثم رد الغزالي هذا القول بما يتلخص: ان النهي لا يدل إلا على التحريم، و الصحة ليست عين التحريم و لا ملازمة له فكيف تكون من ضرورات النهي! ..

و قد اعتمد هذا الرد جل الأصوليين من الشيعة و السنّة. و نعطف عليه أن فساد الصوم يوم العيد تولّد- كما سبقت الاشارة- من نهي الشارع عنه لسبب هو به أعلم، و ليس من ذات الصوم و طبيعته، و لا من أي شي‏ء آخر، كما يبدو لنا نحن الفقهاء المستنبطين، و لو لا هذا النهي لحكمنا بصحة الصوم المذكور.

و على هذا الأساس أخرجنا الصوم يوم العيد عن سائر الأفراد الصحيحة الراجحة.

142

المنطوق و المفهوم‏

دلالة المنطوق‏

و المراد بها هنا دلالة لفظ الجملة التركيبية على حكم مذكور في الكلام سواء أدل اللفظ على الحكم الملفوظ به بنحو الحقيقة مثل‏ «وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا 275 البقرة». أم بنحو المجاز مثل‏ «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً- 43 النساء». حيث دل الكلام المركب بمنطوقه في الآية الأولى على جواز البيع و تحريم الربا بنحو الحقيقة، و دل في الآية الثانية على وجوب التيمم عند عدم الماء و وجود الجنابة المعبر عنها باللمس مجازا. و هذا هو ما أراده الأصوليون من تعريف المنطوق بأنه حكم دل عليه اللفظ في محل النطق.

و ربما سمي المنطوق بدليل الخطاب حيث يفهم منه مباشرة و بلا واسطة.

و تسأل: هل يختص المنطوق بدلالة المطابقة، كدلالة كلمة البيت- مثلا- على مجموعه و تمامه، أو يعم و يشمل دلالة التضمن كدلالة البيت على جزء منه كالسقف، و أيضا يشمل دلالة الالتزام كدلالة السقف على الجدران القائم عليها؟.

و يعرف الجواب عن هذا السؤال مما ذكرناه في تعريف المنطوق و انه تخصيص الحكم بالذكر بحيث يفهم من لفظ الجملة مباشرة و بلا قرينة، و معنى هذا ان المنطوق يختص بما دلت عليه الجملة بالمطابقة لا بالتضمن أو الالتزام سواء أ كان ذلك بسبب الوضع، أم بسبب الظهور الموجب للفهم. و في جميع الحالات فإن المقصود الأول في البحث هو المفهوم انطلاقا من المنطوق، و من هنا دعت الحاجة للإشارة الى المنطوق.

143

دلالة المفهوم‏

و المراد بها هنا دلالة لفظ الجملة التركيبية على حكم غير مذكور في الكلام لوجود الملازمة البينة الواضحة بين هذا الحكم المفهوم و بين الجملة الملفوظ بها بحيث يستدل بوجودها على وجوده عند الاطلاق و تجرد الكلام من كل القرائن. و هذا هو المراد من تعريف المفهوم بأنه حكم دل عليه اللفظ لا في محل النطق، و بهذا يتضح معنا ان المنطوق و المفهوم و صفان من أوصاف المعنى باعتبارهما مدلولين للفظ، و ليس من أوصاف اللفظ بالذات كالفصاحة و الاطناب و الإيجاز. و بكلام آخر ان المعنى من حيث النطق بلفظ يدل عليه يسمى منطوقا، و من حيث ان الناطق يقصده و يعنيه يسمى معنى، و من حيث ان السامع يفهمه من الكلام يسمى مفهوما، و من حيث وضع الاسم له فهو مسمى.

و ينقسم المفهوم الى موافق و مخالف، و حدّ الموافق دلالة اللفظ على ثبوت الحكم الملفوظ للمسكوت عنه و موافقته له نفيا و إثباتا لاشتراكهما في العلة سواء أ كانت في المفهوم أقوى و أعلى كدلالة قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ‏- 5 الزلزلة» على حكم ما وراء الذرة، و دلالة قوله: «وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ‏- 75 آل عمران» على تأدية الدرهم و الدينار، أم كانت العلة في المنطوق و المفهوم بمنزلة سواء كدلالة قوله عزّ من قائل: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى‏ ظُلْماً- 10 النساء» على حرمة إحراقها و إهلاكها.

و قد يطلق على المفهوم الموافق لحن الخطاب و فحوى الخطاب، لأن الحكم الثابت للمنطوق، يثبت للمفهوم من نفس الخطاب و روحه و معناه. و المفهوم الموافق حجة عند الجميع إلا من شذ من أهل الظاهر، و لذا لا نطيل فيه الكلام. و من الطريف ما نقل عن ابن حجر في شرحه على البخاري ان بعض الظاهرية قال:

إن البكر اذا أعلنت رغبتها في الزواج لم يجز العقد، لأن رسول اللّه قال: إذن البكر سكوتها. فيجب الجمود على ظاهر النص!.

و أما حدّ المفهوم المخالف فهو دلالة اللفظ على مخالفة حكم المسكوت عنه للحكم المذكور في السلب و الإيجاب، لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في المنطوق، و مثاله:

«وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً- 95 المائدة» فإن تخصيص الحكم بالمتعمد يدل- إن قلنا بالمفهوم- على نفي الحكم عن المخطئ.

144

ثم ان المفهوم المخالف ينقسم باعتبار القيود المأخوذة في المنطوق و نوعها- الى أقسام، أنهاها بعضهم الى عشرة، و أهمها ستة: مفهوم الشرط و الوصف و الغاية و الحصر و العدد و اللقب، و عقد الأصوليون لكل واحد منها فصلا مستقلا.

تنبيهان‏

و قبل الحديث عن هذه المفاهيم الستة تحسن الإشارة الى أمرين: الأول أنه لا خلاف إطلاقا في أن المفهوم المخالف حجة متبعة بشتى أنواعه على فرض وجوده و دلالة اللفظ عليه، لأن مداليل الألفاظ حجة عرفا و شرعا بالاتفاق، و إنما الخلاف في أصل وجود المفهوم، و دلالة اللفظ، أي ان الخلاف في الصغرى لا في الكبرى تماما كالخلاف في أن هذه الرواية عن المعصوم هل هي صحيحة أو ضعيفة بعد الاتفاق على ان قوله و فعله و تقريره حجة قاطعة.

الأمر الثاني: ان الشرط الأساسي في أي مفهوم اختلف فيه الأصوليون هو أن يكون لموضوع القضية حالان يمكن تعلق الإثبات بإحداهما و النفي بالثانية مع بقاء الموضوع على حاله مثل: ان أحسن إليك زيد فأحسن اليه، فزيد باق و موجود في حال إحسانه و إساءته، و عليه يمكن أن يكون لهذه القضية مفهوم، و هو إن لم يحسن إليك فلا يجب الإحسان اليه.

أما القضية التي ليس لموضوعها إلا حالة واحدة فلا مفهوم لها، و بالتالي تخرج عن محل الكلام. و مثالها ان وجدت زيدا حيا فسلم عليه، فإنه لا يسوغ القول: و ان لم تجده حيا فلا تبلغه السلام. و مثله ان أمرك أبوك فلا تعص له أمرا حيث لا عصيان بلا أمر. و قد نعود الى هذا الموضوع حين تدعو المناسبة.

145

مفهوم الشرط

المراد من الشرط

ذكروا للشرط أكثر من معنى، و المراد به هنا، بقولنا: «هل للشرط مفهوم» هو تعليق الحكم بأداة من أدوات الشرط على أمر لعلاقة بينهما. و قد تكون هذه العلاقة من نوع السببية التامة المنحصرة بخصوص الشرط الذي تعلق عليه الجزاء، و لا يخلف الشرط المذكور شي‏ء آخر و يسد مسده بحيث يلزم من وجوده الوجود و من عدمه العدم، كالحمل في قوله تعالى: «وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ‏- 6 الطلاق». فإن وجوب الإنفاق على المطلقات الحاملات يدور مدار الحمل وجودا و عدما.

و قد يكون ما تعلق عليه الحكم و الجزاء سببا تاما في التأثير و لكنه غير منحصر و يمكن أن يخلفه و يؤثر أثره سبب آخر بحيث يلزم من وجوده الوجود و لا يلزم من عدمه العدم كالأكل عن عمد، فإنه يفسد الصيام و يبطله مستقلا و بلا ضميمة و لكن لا على سبيل الحصر، لأن الصيام يبطل أيضا بالشرب و الجماع عن عمد.

و قد يكون الشرط سببا ناقصا و جزءا من السبب التام لوجود الجزاء و الحكم أي لا يلزم من وجوده الوجود، و إن توقف عليه من جملة ما يتوقف، كأهلية البائع بالعقل و البلوغ، فإنها شرط في عقد البيع و لا يوجد بدونها، و لكن الأهلية بمفردها و بما هي لا توجب وجود العقد بل لا بد معها من إرادة المتعاقدين، و قابلية المعقود للتملك و التمليك. و بعد هذا التمهيد نشير فيما يلي الى محل الخلاف في مفهوم الشرط.

146

محل الخلاف‏

اختلفوا في أن تعليق الجزاء على فعل الشرط، كما في قوله تعالى: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏- 185 البقرة» هل يدل بالوضع أو بالإطلاق و مقدمات الحكمة (1) على انحصار السبب التام للجزاء بفعل الشرط وحده بحيث يلزم من عدمه العدم تماما كما يلزم من وجوده الوجود، و معنى هذا ان للشرط مفهوما يستفاد من نفس اللفظ بلا قرينة، و هو انتفاء الجزاء و ثبوت نقيضه عند انتفاء شرطه.

و عليه نحكم بأنه لا صيام على المسافر استنادا لآية «فَمَنْ شَهِدَ الخ» .. و لا نحتاج الى دليل غيرها، أو ان الجملة الشرطية إنما تدل بمنطوقها على وجود الجزاء عند وجود الشرط و كفى و لا تدل على انتفاء الجزاء و ثبوت نقيضه عند انتفاء شرطه إلا بدليل خارج عن المنطوق، و معنى هذا أن الشرط لا مفهوم له.

الأقوال‏

و أثبت المشهور مفهوم الشرط، و نفاه بعض الأصوليين، و نحن مع الكثرة الكاثرة، لأن تعليق الحكم على الشرط معناه الانتفاء بانتفائه و إلا لم يكن للتعليق أية جدوى، بل يكون تخصيص الشرط بالذكر لغوا و عبثا ما دام ذكره و السكوت عنه بمنزلة سواء.

و تسأل: ان وضع اللغة يثبت بالتبادر و عدم صحة السلب لا بالاستحسان و التعليل بأن هذه الأداة أو هذه الجملة لو لم تكن موضوعة للارتباط أو للانحصار- مثلا- لم يكن لها من معنى أو فائدة.

الجواب:

أولا: ان التبادر موجود لأن أهل العرف و الأذهان الصافية الخالية يفهمون من التعليق في الجملة الشرطية، انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه. «و كفى بذلك حجة و دليلا» على حد ما قال الشيخ الأنصاري في التقريرات.

ثانيا: ليس هذا إثباتا لوضع اللغة بما فيه من فائدة، و إنما هو بحث عن‏

____________

(1) أشرنا إليها في الحاشية عند الكلام عن تعليق التكليف بالطبيعة أو بالأفراد.

147

فائدة التعليق في الجملة الشرطية لتشخيص المراد منه و من استعماله لا لتعيين وضعه اللغوي، فإذا بحث الفقيه عن الفائدة من التعليق و لم تظهر له إلا الانتفاء- تعين حمل القيد على ذلك صونا لكلام الحكيم عن اللغو.

ثالثا: لو سلمنا بأن مفهوم الشرط لا صلة له بالوضع و الواضع من قريب أو بعيد- أثبتناه بالإطلاق و مقدمات الحكمة، و خلاصتها ان الحكيم اذا كان في مقام البيان، و علق حكما على شرط خاص نصّ عليه صراحة، و سكت عن غيره، و لم يشر من قريب أو بعيد الى أي شي‏ء آخر يخلف الشرط و يقوم مقامه.

اذا كان ذلك اكتشفنا من إطلاق كلامه بالنسبة الى غير الشرط المذكور، الانحصار به وحده و نفي ما عداه .. و إلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و اللازم باطل.

و سنعود الى مقدمات الحكمة مرة ثانية أو ثالثة.

و لم أر في كتب الأصول للسنّة ذكرا لكلمة «مقدمات الحكمة» و لكن موجودة فيها بالمعنى و المضمون. من ذلك ما نقله صاحب (تفسير النص) عن كتاب (الأحكام) للآمدي، و هو: «إن مفهوم الشرط يؤخذ به من جهة المعنى لا من جهة الوضع اللغوي». و هذا يلتقي مع قولنا: إن مفهوم الشرط يؤخذ به من جهة مقدمات الحكمة التي نكتشف منها المعنى المراد للمتكلم بصرف النظر عن تشخيص المعنى الموضوع له.

و استدل النافون لمفهوم الشرط بأدلة خاوية. منها- على سبيل المثال- ان الشرط الذي تعلق عليه الحكم يمكن أن ينوب عنه شرط آخر!.

الجواب:

أجل، و لكن الكلام في الإثبات لا في الثبوت، و في الظهور و الإطلاق لا في مجرد الإمكان عقلا و واقعا. و منها وجود بعض النصوص التي لا تدل على المفهوم مثل قوله تعالى: «وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً- 33 النور».

و لو كان للشرط مفهوم للزم جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن، و اللازم باطل.

و الجواب: إن هذه الآية وردت لبيان موضوع الحكم و كفى تماما كقول القائل: إن ركب الشيخ فخذ بركابه، و إن ألّف كتابا فاقرأه. حيث لا ركاب بلا ركوب، و لا قراءة بلا كتابة .. و أيضا لا إكراه إلا مع الإرادة، و سبقت‏

148

الإشارة في فقرة: «التنبيهين» أن كل قضية ينتفي محمولها بانتفاء الموضوع فهي خارجة عن محل الكلام.

و بعد، فإن مجرد الإمكان أو الاستعمال أو انتفاء المحمول بانتفاء الموضوع- شي‏ء، و ظهور اللفظ إذا تجرد من القرينة و دلالته على انتفاء المحمول مع بقاء الموضوع- كما هو محل الكلام- شي‏ء آخر .. و ما من أحد ينكر أو يشك في ان الشرط في الجملة الشرطية قد يذكر أحيانا لمجرد التوكيد و التقرير، أو للترغيب، أو للترهيب، أو لبيان أنه الأعم الأغلب، أو غير ذلك مما لا مفهوم له، و لكن مع القرينة من حال أو مقال. و محل الكلام فيما إذا تجردت الجملة الشرطية و تعرت عن كل القرائن بشتى أنواعها.

سنخ الحكم لا شخصه‏

قد يقال: ان الخلاف في مفهوم الشرط لا معنى له، و لا يمكن أن يتصور بحال، لأن قولنا: ان جاء زيد فأكرمه و ما أشبه هو إنشاء خاص بوجوب إكرام زيد المقيد بمجيئه، فإذا انتفى القيد ينتفي هذا الوجوب من أساسه بانتفاء شرطه، و بالتالي ينتفي المفهوم حتما لأنه تبع له. و بكلمة ان انتفاء وجوب إكرام زيد بالخصوص لانتفاء الشرط يجعل قولنا: ان جاء زيد فأكرمه بمنزلة العدم كأن لم يكن، و إذن فمن أين يأتي المفهوم؟.

الجواب:

لا شك و لا خلاف في نفي الحكم الخاص المقيد بقيد خاص عند انتفاء هذا القيد، لأن المشروط عدم عند عدم شرطه، و إنما الكلام في أن انتفاء هذا الحكم الخاص، و هو وجوب إكرام زيد عند مجيئه، هل يستلزم و يستدعي عدم وجوب الإكرام المطلق بالنسبة الى بقية القيود- غير المجي‏ء- أو لا يستدعي ذلك؟.

فمن قال بمفهوم الشرط يدعي ان انتفاء القيد المذكور يستدعي انتفاء الوجوب المطلق بالقياس الى غير الشرط المنطوق حيث فهم من ذكره دون سواه أنه السبب التام المحصور، كما أسلفنا، و من نفى مفهوم الشرط يدعي أن انتفاء القيد لا يستدعي انتفاء الوجوب المطلق.

149

و بعد، فإن الغاية من هذا الإشكال و جوابه هي توضيح ما أراده صاحب (الكفاية) و الأنصاري و النائيني و غيرهما من الأصوليين، ما أرادوه من قولهم:

«إن المراد من انتفاء الحكم عند الشرط هو انتفاء سنخ الحكم لا شخصه»!.

وحدة المنطوق و المفهوم‏

لا بد من مراعاة الوحدة بين المنطوق و المفهوم موضوعا و محمولا، و شرطا و جزاء و قيدا و نسبة، و ما الى ذلك ما عدا السلب و الإيجاب. و اذا كان القيد في فعل الشرط أكثر من واحد ينتفي الجزاء بانتفاء واحد من القيود المذكورة في المنطوق- مثلا- اذا قال الشارع: من قتل بريئا متعمدا فجزاؤه القتل- فلا يقتص منه بالقتل اذا قتل مجرما عن عمد، أو بريئا عن خطأ. و السر ان الكل لا يوجد إلا بوجود أجزائه بالكامل، و لكنه ينتفي بانتفاء واحد منها.

تعدد الشرط

تقدم ان تعليق الجزاء على الشرط يوحي بأن الشرط وحده هو السبب المنحصر لوجود الجزاء بحيث يلزم من وجوده الوجود و من عدمه العدم. و عليه نسأل:

لقد ورد في الشرع جزاء واحد معلق على شرط في جملة مستقلة، و على شرط ثان في جملة أخرى مستقلة أيضا، و من ذلك قول الشارع: «اذا خفي الأذان فقصر». و قوله: «اذا خفيت الجدران فقصر». فالجزاء واحد في الجملتين و هو وجوب القصر، و السبب الموجب متعدد، و هو خفاء الأذان في الجملة الأولى و خفاء الجدران في الجملة الثانية.

و على القول بالمفهوم الذي يرتكز على الحصر و الانحصار يكون مفاد الجملة الأولى عدم وجوب القصر عند عدم خفاء الأذان حتى و لو خفيت الجدران، و هذا المفهوم يناقض و ينافر بصراحة منطوق الجملة الثانية القائلة: «اذا خفيت الجدران فقصر».

و أيضا يكون مفاد الثانية عدم وجوب القصر عند عدم خفاء الجدران حتى و لو خفي الأذان، و هذا يعارض بوضوح منطوق الجملة الأولى القائلة: «اذا خفي الاذان فقصر» فما هو الحل و العلاج؟.

150

و الجواب عن ذلك يستدعي التفصيل بين أن يكون الجزاء المشروط قابلا لتكرار الجزاء مثل ان نمت فتوضأ، و ان بلت فتوضأ. فإن وجوب الوضوء يمكن أن يتكرر بعدد موجباته، و بين أن يكون الجزاء المشروط غير قابل للتكرار كوجوب قصر الصلاة (1). و يأتي الكلام عن الأول. و نتحدث الآن عن الثاني، و فيما يلي البيان.

لا مفهوم مع تعدد الشرط

سبقت الاشارة الى أن الجملة الشرطية تدل على المفهوم بواسطة مقدمات الحكمة، و منها عدم وجود القرينة على أن الشرط المذكور يخلفه و يقوم مقامه شرط آخر، و هذه القرينة موجودة هنا بالفعل، فإن قول الشارع: «اذا خفيت الجدران فقصر» قرينة واضحة على ان خفاء الأذان و ان كان علة تامة لقصر الصلاة، و لكنها غير منحصرة بالأذان وحده، بل هناك علة ثانية تخلفها و تحل محلها، و هي خفاء الجدران.

و كذلك قوله: إذا خفي الأذان فقصر. فإنه قرينة على عدم حصر السبب الموجب بخفاء الجدران وحده، بل و مثله خفاء الأذان، و معنى هذا أنه لا مفهوم للشرط في كل من القضيتين لانتفاء عنصر أساسي من عناصر مقدمات الحكمة، و انه يمكن الجمع بين القضيتين الشرطيتين في كلام واحد بلا تدافع و تهافت، فيقال: إذا خفي الأذان أو الجدران فقصر. و عليه نعمل بهما ملتقيين و منفردين، و ان التقيا معا نتمم و لا نقصر. و قال الانصاري و صاحب الكفاية: «و لعل العرف يساعد على هذا الوجه» حيث يبقي ظهور الشرط في العلة التامة على ما هو، غاية الأمر أنه ينفي عنها صفة الانحصار و كفى.

و تسأل: ما رأيك في قول من قال: ان كلا من قضية «اذا خفي الاذان،

____________

(1) لا فرق بين وجوب الوضوء و وجوب القصر من حيث سقوط الوجوبين بمجرد الامتثال، و ان كان من تفرقة فهي ان الوضوء يستحب تكراره بنية القربة و إن لم يكن رافعا للحدث، أما صلاة الفريضة فلا يجوز تكرارها بأية نية مع العلم بصحتها و فراغ الذمة يقينا. و مهما يكن فان القصد من تمثيل الأصوليين بما مثلنا هو مجرد التوضيح، و لا مماحكة في التمثيل.

151

و إذا خفيت الجدران» تنحلّ الى قضية موجبة هي المنطوق، و أخرى سالبة، هي المفهوم، فيكون عندنا أربع قضايا: موجبتان و سالبتان: الأولى إذا خفي الاذان فقصر، و الثانية مفهومها و هو إذا لم يخف الأذان فلا تقصر، و الثالثة إذا خفيت الجدران فقصر، و الرابعة مفهومها و هو إذا لم تخف الجدران فلا تقصر. فنقيد مفهوم كل من القضيتين بمنطوق الأخرى لأن دلالة اللفظ على منطوقه أقوى من دلالته على مفهومه، و يكون المعنى هكذا: إذا لم يخف الأذان فلا تقصر إلا إذا خفيت الجدران، و إذا لم تخف الجدران فلا تقصر إلا إذا خفي الاذان.

و عليه يجب القصر عند خفاء الأذان أو خفاء الجدران، و بالأولى ان خفيا معا، و لا يجب التمام إلا إذا سمعنا الأذان و رأينا الجدران معا تماما كما هو الشأن لو رفعنا اليد عن مفهوم القضيتين مع الاختلاف في الاسلوب و كيفية الاستدلال.

الجواب:

أشرنا قبل قليل في فقرة «وحدة المنطوق و المفهوم» أن المفهوم غير مستقل عن المنطوق، و انه تابع له موضوعا و محمولا و كل قيد ما عدا السلب و الإيجاب.

و هنا موضوع كل من القضيتين مباين لموضوع القضية الأخرى، لأنه في احداهما الأذان و في الثانية الجدران، فكيف نقيد مفهوم القضية بما يباين منطوقها؟.

سؤال ثان: هل يسوغ تقييد منطوق كل من القضيتين بمنطوق الأخرى، و تكون النتيجة هكذا: إذا خفي الاذان فقصر شريطة أن تختفي الجدران أيضا، و إذا خفيت الجدران فقصر شريطة أن يختفي الأذان، و عليه يكون خفاء الأذان فقط أو الجدران فقط جزء علة للقصر، و خفاؤهما معا علة تامة للقصر؟.

الجواب:

إن هذا التقييد و الجمع اعتباطي محض لا يستند الى أساس من عرف و لا شرع.

التداخل‏

تكلمنا فيما سبق عن تعدد الشرط مع وحدة الجزاء الذي لا يقبل التكرار.

و الآن نتحدث عن تعدد الشرط مع اتحاد ماهية الجزاء القابلة للتكرار و ايجادها في‏

152

العديد من أفرادها، فإن كان الشرط واحدا فقط، أو كان الجزاء أكثر من واحد، أو كانت ماهيته لا تقبل التعدد و التكرار فهو خارج عن محل الكلام، و مثال ما نحن فيه ان بلت فتوضأ، و ان نمت فتوضأ، و ان أجنبت فاغتسل، و ان مسست ميت الانسان فاغتسل، فإن ماهية كل من الوضوء و الغسل يمكن ايجادها مرات بعدد ما حدده الشارع من موجبات.

و لا يختلف اثنان من الفقهاء في ان وضوءا واحدا مجز و كاف مهما تعددت أسبابه الموجبة، سواء اتحدت بالنوع أم اختلفت، وجدت دفعة واحدة أم على التعاقب، بل ذلك من الضروريات. و أيضا اتفقوا على انه اذا وجدت أسباب عديدة و مختلفة للحدث الأكبر- يكفي غسل واحد للجميع لقول المعصوم: «اذا اجتمعت للّه عليك حقوق أجزأك غسل واحد» و غير ذلك من الروايات، و انما الخلاف حدث بين الفقهاء و الأصوليين فيما تقتضيه الأصول و القواعد بقطع النظر عن القرائن و الأدلة الخاصة تماما كما لو قال المولى قولا مجردا: إن جاء زيد فأعطه درهما، و إن سلّم عليك فأعطه درهما.

فهل يجب في مثل ذلك تكرار الجزاء و الإتيان به بعدد الأسباب الموجبة حيث لا تداخل في الأسباب و لا في المسببات، لا في الشروط و لا في الجزاء، أو يكفي الإتيان بالجزاء مرة واحدة إما لتداخل الأسباب بحيث يكون أثرها جميعا واحدا فقط، و إما لتداخل المسببات المتعددة بتعدد الشروط و الموجبات، و لكن يسد مسدها جميعا واحد فقط عند الطاعة و الامتثال؟. و نجيب عن هذا السؤال أولا بما يقتضيه الأصل اللفظي من الوحدة أو التكرار، ثم ما يقتضيه الأصل العملي من براءة أو احتياط.

الأصل اللفظي‏

ذهب كثير من الفقهاء و الأصوليين الى ان الأصل اللفظي هنا لا يقتضي التداخل في الأسباب و لا في المسببات، و ان على المكلف أن يكرر فعل الجزاء و يوجده مرات بعدد شروطه و أسبابه الموجبة إلا اذا دل الدليل الخاص على الاكتفاء بالمرة الواحدة، لأن كل شرط يدل بإطلاقه و ظهوره على انه مستقل في التأثير و وجود الجزاء المترتب عليه بحيث يلزم من وجوده الوجود دون أية ضميمة كما أسلفنا،

153

و المفروض ان ماهية الجزاء قابلة للتكرار و ايجادها في أكثر من فرد، فيجب تكرار الايجاد.

و تسأل: إن في الجملة الشرطية ظهورين لا ظهورا واحدا، و كل منهما يصادم الآخر و ينافره: الأول ظهور كل شرط من الشروط المتعددة في التأثير و الاستقلال به، و مقتضاه تعدد الجزاء. و الثاني ظهور الجزاء في الوحدة و الاكتفاء بالمرة، و عليه فلا بد من التصرف و رفع اليد عن ظهور أحدهما دون الآخر: إما عن ظهور الشروط المتعددة بإرجاعها الى شي‏ء واحد لا يقتضي إلا جزءا واحدا، و يكون ذلك من باب تداخل الأسباب، و إما عن ظهور الجزاء و وحدته، و اعتباره متعددا بعدد الشروط، و لكن يكفي عنه في مقام الامتثال فعل واحد، و يكون ذلك من باب تداخل المسببات، و النتيجة في الحالين واحدة، و هي الاكتفاء بالفعل الواحد، و بهذه العملية يلتقي الأصل اللفظي مع الأدلة الخاصة الدالة على إجزاء الوضوء الواحد و الغسل عن الجميع.

الجواب:

أولا: لا نسلّم بظهور الجزاء و دلالته على الوحدة، و انما يدل على إيجاد الطبيعة المهملة من حيث المرة و التكرار، كما سبقت الإشارة في دلالة صيغة افعل، و معنى هذا أنه لا ظهور للجزاء في الوحدة كي يعارض ظهور الشرط في التعدد.

ثانيا: لو سلمنا- جدلا- بظهور الجزاء في الوحدة فإن ظهور الشروط في تعدد المطلوب و إيجاده مرات حاكم و مقدم على ظهور الجزاء، لأن المشروط يتبع الشرط سعة و ضيقا.

ثالثا: ان التداخل في المسببات هنا لا يتصور بحال، لأنه تداخل بين فردين من طبيعة واحدة كما هو الفرض، و يستحيل التداخل بين الأفراد المتشخصة في الخارج مع حفظ المشخصات و المميزات تماما كما يستحيل أن يكون الفرد الواحد بما هو واحد فردين، و الفردان بما هما فردان فردا واحدا.

و ان قال قائل: كيف تدعي استحالة التداخل بين الأفراد، و هو واقع بالفعل مثل أكرم هاشميا، و أضف عالما، حيث يتحقق امتثال الأمرين معا إذا أكرم المكلف العالم الهاشمي بالضيافة- قلنا في جوابه: هذا من توافق المفهومين و تصادق الطبيعتين على فرد واحد، و هو ممكن بلا ريب، و لكنه أجنبي عما نحن فيه،

154

لأن كلامنا في الاتيان بفردين من طبيعة واحدة، و ليس من شك أن اتحادهما في الخارج محال مع احتفاظ كل فرد بما يميزه عن الآخر.

الأصل العملي‏

و يختلف الأصل العملي تبعا لمورد الشك و ما يتعلق به، فإن تعلق بالسبب الموجب للتكليف و تعدده، و هل هو في الواقع واحد أو أكثر- أتى المكلف بالجزاء مرة واحدة أخذا بالمعلوم يقينا، و نفى الزائد المشكوك بأصل براءة الذمة من الشواغل الشرعية في مورد الشك و عدم اليقين، و يسمى هذا النوع شكا في الأسباب أي في تأثير كل شرط على حده أو منضما الى غيره من الشروط.

أما إذا ثبت باليقين أن كل شرط قد أثر أثره منفردا عن سواه، و ان التكليف متعدد بعدد الشروط بلا ريب، و لكن شككنا في أن الامتثال الواحد هل يقوم و ينوب عن امتثال الجميع؟ إذا كان ذلك تعين العمل بالاحتياط، حيث يرجع الشك الى سقوط التكليف بعد العلم به، و من البديهي ان الاشتغال اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني، و يسمى هذا شكا في المسببات.