علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
456 /
155

مفهوم الوصف‏

الوصف‏

و المراد بمفهوم الوصف دلالة اللفظ المقيد بصفة على انتفاء الحكم عن غير الموصوف، فإذا قلت: أكرم رجلا عالما أفاد بمنطوقه الأمر بإكرام العالم، و بمفهومه- على القول به- النهي عن إكرام سواه. أما المراد بالوصف فهو:

1- كل لفظ يضيّق من معنى الموصوف و يقلل من شيوعه و شموله نعتا نحويا كان مثل: أكرم رجلا عالما، أو مضافا نحو: في سائمة الغنم زكاة، أو ظرفا أو مجرورا نحو: أطعم رجلا يوم الجمعة، و تصدق على رجل من الفقراء و غير ذلك.

و بهذا يتضح ان الوصف المقصود بالبحث لا بد و أن يكون أخص من الموصوف كالأمثلة المذكورة، فإن كلا من الرجل و الغنم له أكثر من وصف، و ذكر الوصف الواحد بالخصوص يضيّق من مدلول الموصوف و يحدّ من معناه الشامل. و أيضا يتضح ان الوصف المساوي للموصوف خارج عن محل الكلام مثل لا تذكر امس الدابر، و أكرم زيدا أخاك، حيث ينتفي الموصوف بانتفاء الوصف و لا يبقى للمفهوم من مكان، و مثله تماما الوصف الأعم من الموصوف كقولك: أرفق بزيد لأن له كبدا رطبة، و النبي (ص) يقول: «في كل كبد رطبة أجر» حيث لا يشذ عن هذا التعليل فرد من الأفراد كي يثبت له حكم المفهوم.

156

2- أن يعتمد الوصف على موصوف مثل‏ «أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ- 4 البلد» فإذا كان الوصف هو الموضوع بالذات يكون حكمه حكم الجوامد، فيخرج عن مفهوم الوصف و يدخل في مفهوم اللقب، و من أمثلته قوله تعالى:

«إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ‏- 3 الانفطار».

و إن قال قائل: لكل وصف ذات لا محالة، فقولنا: أكرم عالما معناه أكرم ذاتا ثبت لها العلم، و عليه فلا فرق بين أن يعتمد على موصوف ظاهر أو مضمر، ان قال هذا قائل قلنا في جوابه: للجوامد أيضا ذوات، فقولنا أكرم رجلا معناه أكرم ذاتا ثبت لها الانسانية و الرجولة، فلما ذا أخرج العلماء هذا عن مفهوم الوصف و أدخلوه في مفهوم اللقب؟.

محل الخلاف‏

لا شك و لا خلاف في أن الوصف يستعمل مع القرينة في العديد من المعاني- غير المفهوم- من ذلك الذم و الهجاء نحو «أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم».

و المدح و الثناء «بسم الله الرحمن الرحيم» و القرينة هنا علم المخاطب بحال الموصوف، و التوكيد «لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ» و الخروج مخرج الغالب‏ «وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ» الى غير ذلك من الاستعمالات التي لا عد لها و لا حصر مثل: رأيت اليوم رجلا طويلا، و أمس مات رجل عالم، و غدا يزورني رجل من الشام.

كل ذلك و ما إليه لا ريب فيه، و إنما الخلاف إذا تجردت الجملة الوصفية و تعرت عن كل القرائن فهل تدل على انتفاء الوصف، أو لا دلالة على ذلك، و ان هذا الانتفاء يفتقر الى دليل مستقل؟.

الأقوال‏

و المشهور بين الأصوليين الجعفريين أن الوصف بما هو لا مفهوم له، و لا يحتج به إلا بقرينة تدل عليه، لأن الوصف ظاهر كالشمس في أنه قيد للموضوع لا للحكم، فقول الشارع مثلا: المرأة المدخول بها أو الحائض أو اليائس حكمها

157

كذا و كيت، و قوله: الرجل الغني أو الفقير يفعل ذا و يترك ذاك، كل هذه الصفات و ما اليها قيود لموضوعات الأحكام.

و ان وجد وصف أنيط الحكم به مباشرة فهو خارج عن محل الكلام. قال الشيخ الأنصاري في (التقريرات): «الظاهر من كلمات العلماء اختصاص النزاع بما اذا كان الوصف قيدا للموضوع لا للحكم» أي ان الحكم مطلق و موضوعه مقيد بالوصف، فإذا انتفى الوصف تبعه موضوع الحكم الجزئي المختص بالموصوف المنصوص عليه، أما نفي نوع الحكم عن غير هذا الموصوف فيحتاج الى دليل تماما كما هو الشأن في مفهوم اللقب، و مثاله أكرم زيدا، فإن وجوب الإكرام المختص بزيد ينتفي بموته- مثلا- أما نفي الإكرام عن غير زيد فلا يستفاد من أكرم زيدا، بل من دليل آخر. و الأمر كذلك في أكرم رجلا عالما.

و استدل المثبتون لمفهوم الوصف بأدلة لا تغني عن الحق شيئا، منها أن تعلّق الحكم بالوصف يشعر بالعلية! و الجواب يتم هذا لو أنيط الحكم بالوصف، و سبقت الاشارة الى ان الحكم هنا مطلق بالنسبة الى الوصف المذكور في المنطوق، و نضيف ان مجرد الإشعار ليس بشي‏ء إلا اذا بلغ أشده من الظهور على ان الوصف علة منحصر للحكم بحيث يدور مدارها وجودا و عدما، و لا شي‏ء من ذلك.

و منها ان فائدة الوصف هي الاحتراز و الانتفاء عند الانتفاء و إلا كان لغوا و عبثا.

و الجواب: ان الفوائد من ذكر الوصف لا يبلغها إحصاء، و ان الوضع اللغوي أو الظهور العرفي لا يثبت بالفوائد إلا اذا اقترنت بقرينة خاصة أو عامة، كما أسلفنا في مفهوم الشرط.

158

النقض بالمطلق و المقيد

و تسأل: في باب المطلق و المقيد قال الأصوليون: اذا ورد لفظ مطلق في نص، ثم ورد هذا المطلق بعينه مقيدا في نص آخر منفصل عن الأول، و اتحد فيهما السبب الموجب مثل ان ظاهرت فأعتق رقبة .. و ان ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة، قالوا بالاتفاق: يحمل المطلق على المقيد مع العلم بأنه لا مبرر لهذا الحمل إلا على القول بوجود المفهوم للرقبة المؤمنة، و هو لا تعتق رقبة غير مؤمنة.

بيان الملازمة أننا لا نجد أي مانع من بقاء المطلق على إطلاقه و المقيد على تقييده، بناء على القول بعدم المفهوم، لأن المقيد فرد من أفراد المطلق، و عليه يكون قول الشارع: اعتق رقبة .. و اعتق رقبة مؤمنة تماما كقوله: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏- 238 البقرة». فنعمل بهما معا، لأن النص حجة قائمة بذاتها، و التقييد من غير دليل بدعة و تشريع من غير مشرع.

أما على القول بمفهوم الوصف فإن حمل المطلق على المقيد حتم لا مفر منه، لأن: أعتق رقبة، يفيد بمنطوقه ان المطلوب أية رقبة مؤمنة كانت أم كافرة، و اعتق رقبة مؤمنة يفيد بمفهومه- على القول به- ان الرقبة الكافرة لا تجزي و ان الايمان شرط، و عليه يحدث التعارض و التنافر بين مفهوم المقيد و إطلاق المقيد، و لا وسيلة لرفع هذا التعارض إلا تقييد إطلاق المطلق بمفهوم المقيد.

الجواب:

ان التنافي و التعارض المبرر لحمل المطلق على المقيد واقع و موجود بالفعل بين نص المطلق و إطلاقه و بين لفظ المقيد و منطوقه لا مفهومه، لأن موضوع النصين واحد، و السبب الموجب واحد، و زمن الحكم كذلك .. و مع هذا أحدهما يوسع و يطلق، و الآخر يضيق و يقيد، و من هنا جاء التعارض أي من منطوقين لا من منطوق و مفهوم، و لذا وجب حمل منطوق المطلق على منطوق المقيد بحيث يكون المراد من مجموع النصين مدلول النص المقيد بالخصوص باعتباره الأصل في بيان مراد الشارع.

159

الخلاصة

و بعد، فإن لنا و لكل عالم أن يحمل المطلق على المقيد، و في الوقت نفسه ينكر مفهوم الوصف، و لا منافاة بين هذا الانكار و ذاك الحمل. و أيضا لكل عالم أن يقول بمفهوم الشرط دون مفهوم الوصف، لأن الشرط في الجملة الشرطية قيد للحكم لا للموضوع، و الوصف في الجملة الوصفية قيد للموضوع لا للحكم.

160

مفهوم الغاية

لكلمة الغاية معان، منها المسافة و الفائدة، و منها الانتهاء المقابل للابتداء، و هذا المعنى هو المراد بالبحث، و من الأدوات الدالة عليه «الى و حتى».

الحد و المحدود

هنا خلافان: الأول يتناول المنطوق فقط دون المفهوم، و الثاني في دلالة المنطوق على المفهوم. و الآن و في هذه الفقرة نتحدث عن الخلاف الأول الذي لا يتجاوز حدود المنطوق، و خلاصته أن التقييد بالغاية إذا تجرد عن القرينة- هل يدل على ان حد الانتهاء الذي دخلت عليه الأداة هو جزء من المحدود المذكور و داخل فيه، أو يدل على خروجه عنه، أو لا دلالة في القيد بالغاية على ذا و لا ذاك؟.

من الأصوليين من قال بوجود هذه الدلالة مطلقا سواء أ كان ما بعد الأداة من جنس ما قبلها نحو أكلت السمكة حتى أو إلى رأسها، أم لم يكن نحو «وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى‏ مَيْسَرَةٍ- 280 البقرة». و سواء أ كانت الأداة «الى أم حتى». و منهم من تقى هذه الدلالة مطلقا من غير فرق بين «إلى و حتى» و بين أن يكون الحد و المحدود من جنس واحد أو من جنسين، و منهم من فصّل بين «الى و حتى» و آخر بين الجنس الواحد و الجنسين.

161

و في رأينا ان وجدت القرينة على الدخول أو الخروج، يعمل بها. و مثال الدخول: قرأت القرآن من أوله الى آخره، و القرينة هنا سياق الكلام، و مثال الخروج‏ «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ» و القرينة الضرورة و الاجماع أن الصيام في النهار لا في الليل. و إن تجرد الكلام و استوى الاحتمالان مثل: نمت البارحة الى الصباح- يجب التوقف، لأن التعيين ترجيح بلا مرجح.

و تظهر ثمرة هذا الخلاف إذا قلنا بمفهوم الغاية- يأتي الحديث عنه في الفقرة التالية- و نوضح ذلك بمثال من كتاب اللّه قال سبحانه: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏- 6 المائدة». فالمرفق في الآية الكريمة هو حد الغسل و غايته، فعلى القول بدخول الحد و الغاية في المحدود و المغيّا يجب غسل المرفق وجوبا نفسيا على كل حال، و ينتفي الغسل عما بعده أي عن العضد بناء على وجود المفهوم، و على القول بخروج الغاية و الحد عن المغيا و المحدود تنفي الآية بمفهومها وجوب الغسل عن المرفق تماما كما تنفيه عن العضد.

الخلاف في مفهوم الغاية

و الآن نتحدث عن الخلاف الثاني الذي يتناول مفهوم الغاية، و قبل أن نحرر محل النزاع نشير الى انه قد ورد في الشرع التقييد بالغاية مثل‏ «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» فقد حددت الآية حكم ما قبل الكعبين، و أوجبت مسحه ابتداء من رءوس أصابع القدم الى الكعبين، و لم تذكر بصراحة حكم ما بعد الكعبين، أما حكم الكعبين بالذات اللذين جعلا حدا و غاية فهو منطوق به تماما كالذي قبلهما من حيث وجوب المسح إن قلنا بدخول الحد في المحدود، و هو غير منطوق به كالذي بعد الكعبين إن قلنا بخروج الحد عن المحدود.

و بعد هذا التمهيد نحرر الخلاف كالآتي: هل يدل التقييد بالغاية- مجردا عن القرينة- على انتفاء نوع الحكم عما عدا المذكور بحيث نفهم من هذه الآية ان ما بعد الكعبين لا يجب مسحه، بل و كذلك الكعبان بناء على خروج الحد عن المحدود، أو لا نفهم شيئا من ذلك؟. و على فرض وجود هذه الدلالة ينتفي الحكم عما عدا المذكور بنص الشارع مفهوما، و على فرض عدمها لا ينتفي الحكم و لا يثبت إلا بدليل خاص.

162

الأقوال‏

ذهب أكثر علماء الشيعة و السنّة الى القول بمفهوم الغاية، و في أكثر من كتاب من كتب الأصول «عمل الجمهور بمفهوم الغاية، و قال به من لم يقل بمفهوم الوصف و الشرط».

و احتج المثبتون بأدلة منها ان الغاية نهاية، و نهاية الشي‏ء انتفاؤه و عدمه، و إلا فلا نهاية، و هذا خلاف الفرض.

و منها ان كل انسان يفهم و يتبادر من «كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام» انه لا حلال مع العلم بالحرام «و يفهم من: اضربه حتى يتوب. و احبسه حتى يؤدي الدين» انه لا ضرب بعد التوبة، و لا حبس بعد الأداء.

و تسأل: إن محل الخلاف فيما اذا تجرد الكلام عن القرائن، و هذه الشواهد و الأمثلة مصحوبة بالقرينة الواضحة، و هي ان العلم بالحرام لا يجتمع مع الحلال، و إن القصد من وجوب الضرب وجود التوبة، و من الحبس وجود الأداء، فيكون الحكم مقصورا على ذلك و منتهيا بتحقق الغاية، و عليه فلا يصح الاستدلال بهذه الأمثلة على ثبوت مفهوم الغاية.

و يمكن أن يجاب بأن المثبتين لمفهوم الغاية ذكروا هذه الآية، و هم على علم بما تستصحب من قرائن، بل قد اتخذوا منها دليلا على ان الغاية- على العموم أو الأغلب- تكون قيدا للحكم لا للموضوع على عكس الوصف فإنه قيد للموضوع لا للحكم كما أسلفنا و كل قيد يرجع الى الحكم يدل على انتفاء سنخه و نوعه عما يخالف القيد، و أيضا كل غاية ترجع الى الحكم تدل على الانتفاء عما بعدها.

و في (تقريرات) الأنصاري: «احتج النافون لمفهوم الغاية بأنه لو كان لدلت عليه إحدى الدلالات الثلاث، و لا شي‏ء منها. و الجواب ان العرف شاهد على ثبوت الدلالة الالتزامية». و إن دل هذا الدليل و جوابه على شي‏ء فإنما يدلان على ان كل المفاهيم، بل و مداليل الألفاظ بكاملها- لا مدرك لها إلا الظهور و التبادر المحسوس، بخاصة اذا كان الكلام في الوضع كما هو في مفهوم الغاية، لا في الاطلاق كما هو في مفهوم الشرط.

163

مفهوم الحصر

للحصر في اللغة معان، منها الضيق، يقال: حصره أي ضيّق عليه و أحاط به، و منها الانقباض قال سبحانه: «حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ» أي ضاقت و انقبضت، و الحصور: الذي لا يأتي النساء، أو يغالب النفس عن كل الشهوات. و الحصر في الاصطلاح قصر الشي‏ء و اختصاصه بالمذكور و إثبات نقيضه لسواه، و مثاله ما كتب هذا إلا زيد، فحصر الكتابة بزيد منطوق، و نفيها عن غيره مفهوم.

و للحصر أدوات و هيئات، منها:

1- «الا» الاستثنائية. و لا شك في انها تدل بالوضع اللغوي أو الظهور العرفي على ان حكم المستثنى مخالف لحكم المستثنى منه في السلب و الإيجاب. و الدليل القاطع التبادر.

2- «انما» المؤلفة من كلمتين «ان» المكسورة المشدّدة، و «ما» الزائدة الكافة عن العمل، و هي أقوى في الدلالة من «الا» على اختصاص الشي‏ء و حصره بالمقصود من النطق، و نفيه عن غيره مفهوما، بل قيل: تدل «انما» على هذه النفي بالمنطوق أيضا. و ما أبعد هذا القول عما نسب الى الحنفية من المساواة بين معنى إنما زيد قائم، و معنى زيد قائم بحيث يكون وجود «انما» و عدمها بمنزلة سواء. (فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت).

3- قيل: الحصر باللام الاستغراقية تماما كالحصر بإنما، فلا فرق إطلاقا بين «انما الأعمال بالنيات» و الأعمال بالنيات.

و هناك أدوات و هيئات للحصر ذكرت في كتب الأصول مع الأمثلة الطوال العراض. و أيا كان شكلها و لفظها فإن الظهور و التبادر هو الأصل و المعيار.

مفهوم العدد

إذا تعلق الحكم أو الاقرار و نحوه بعدد معين مجردا عن القرائن مثل أعطه أربعة دراهم، أو عليّ أربعة، إذا كان ذلك فهل يدل هذا التعليق و التعيين على المفهوم، و يكون المعنى أعطه أربعة لا أقل و لا أكثر، أو ان مجرد ذكر العدد و تعيينه لا يوحي بشي‏ء إلا بما دل عليه اللفظ في محل النطق؟.

164

و الحق ان العدد لا مفهوم له، و عليه يجب الوقوف و التعبد بالمنطوق فقط، و لا يجوز التعدي عنه الى زيادة أو نقصان إلا مع القرينة. و مثال وجود القرينة على جواز الاضافة و الزيادة قول الشارع: «اغسل الإناء من سؤر الخنزير سبع مرات» لأن الغاية من التكرار هنا إزالة الخبث و القذارة، و زيادة الغسل تحقق هذا الغرض و تؤكده. و مثله قول المتسول: اعطني درهما واحدا. و مثال القرينة على عدم الزيادة قوله تعالى: «فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً» لأن الزيادة هنا ظلم و عدوان. و مثال القرينة على جواز النقصان قول الشارع: أكثر الحيض عشرة أيام.

و متى تجرد الكلام عن القرائن فلا دلالة فيه على ما زاد أو نقص، و معنى هذا ان من قال: عندي عشرة دراهم، و أنت تعلم ان لديه أكثر- فلا يسوغ لك أن تنعته بالكاذب، لأن العدد لا مفهوم له، و ذكره لا يدل على عدم الزيادة و نفيها.

مفهوم اللقب‏

و معناه ان اثبات شي‏ء لاسم أو وصف أو جنس يستدعي نفيه عن غير المذكور! فإذا قال قائل: زيد قائم أفاد قوله هذا أن غير زيد لم يقم، و ان قال: في التمر حلاوة فقد نفى الحلاوة عن غير التمر حتى السكر و العسل، أما إذا قال:

ما أنا بزان، و لا أمي بزانية فقد رمى المخاطب و أمه بالزنا، و أقيم عليه حد القذف .. الى آخر هذا الهراء و الغباء.

و شذ الدقاق و الصيرفي و ابن خويزمنداد و بعض الحنابلة و قالوا بمفهوم اللقب‏ (1).

و من الردود الساخرة على هؤلاء الشذاذ: ان هذا يستلزم كفر القائل: زيد موجود، و بكر عالم، لأنه جحود لوجود اللّه و علمه، و كذا لو قال: عيسى رسول اللّه، لأنه كفر برسالة محمد (ص).

____________

(1) جمع الجوامع لابن السبكي. و فيه أيضا بلا فاصل ان أبا حنيفة أنكر كل المفاهيم بلا استثناء ج 1 ص 137 طبعة سنة 1308 ه.

165

العام و الخاص‏

من ألفاظ العام‏

معنى العموم الإحاطة و الشمول، و عموم كل شي‏ء بحسبه، فكلمة «كل» ليس في كلام العرب ما هو أدل منها على العموم و لكن لما تدخل عليه و كفى، فإذا قيل: أكرم العلماء كان معنى العموم إكرام كل واحد من العلماء بحيث يتعدد وجوب الإكرام بعدد العلماء، و لا يناط وجوب فرد منهم بوجوب الآخر، و يسمى هذا النوع بعموم الجمع و الاستغراق. و يقابله العموم المجموعي، و هو الذي ينظر فيه الى الكل كشي‏ء واحد تعلق به حكم واحد حتى إذا ما ترك فرد منه انتفى التكليف و المكلف به من الأساس تماما كالمركّب لا يوجد إلا بوجود أجزائه كاملة، و ينتفي إذا فقد واحد منها. و مثال ذلك الإسلام فإنه قائم على الإيمان باللّه و رسوله محمد و اليوم الآخر على سبيل المجموع. و من آمن ببعض و كفر ببعض فليس بمسلم.

و تسأل: إذا ورد عام و شككنا: هل هو على مستوى الجميع أو المجموع فهل هناك من أصل يعين أحدهما؟.

الجواب:

قال النائيني: الأصل اللفظي يرجح العموم على مستوى الجميع دون المجموع بدعوى أن المجموع خلاف الظاهر حيث يحتاج الى اعتبار الكثير بمنزلة الواحد من حيث الحكم، و يفتقر هذا الى بيان زائد، و الأصل عدمه حتى يثبت العكس.

و المعيار عندنا هو الظهور دون سواه، فإن دل على أحد العمومين فذاك و إلا

166

فالعموم مجمل من هذا الوجه. و المحقق النائيني و ان اعترف بهذه الحقيقة فإن دعواه أن العام المجموعي يحتاج الى زيادة في البيان دون غيره- فيها نظر، فقد تكون نفس كلمة العموم تدل بالوضع أو بمطلق الظهور على العموم المجموعي.

و من ألفاظ العموم الجمعي المقرون ب «ال» حيث لا عهد مثل: قد أفلح المؤمنون، و النكرة بعد النفي «لا إله إلا اللّه»، و المفرد المقرون ب «ال» التي تفيد الاستغراق، و ضابطها ان تخلفها «كل» مع بقاء المعنى المقصود مثل: الزانية و الزاني فاجلدوا الخ، فإن اختل المعنى فلا دلالة على العموم كالعهدية نحو: اليوم اكملت لكم دينكم، و الجنسية: الرجل خير من المرأة حيث لا يستقيم المعنى لو قلنا:

كل يوم أكملت، و كل رجل خير من كل امرأة.

و عدّ صاحب (القوانين) من ألفاظ العموم لفظة الجميع و ما يتصرف منها، و كافة و قاطبة و من و ما الشرطيتين و الاستفهاميتين، أما الموصولتان فلا عموم فيهما إلا أن تتضمنا معنى الشرط.

العام و المطلق‏

العام يتناول كل ما يصلح له من أفراد دفعة واحدة نحو «اللّه خالق كل شي‏ء» و المطلق ما دل على الماهية بلا قيد بحيث اذا جاء في سياق النفي تناول كل أفراد الماهية و اذا جاء في سياق الإثبات تنال فردا شائعا من أفرادها مثل «أو تحرير رقبة» فإطلاق الرقبة هنا يدل على ان المراد فرد واحد من أفرادها التي تستوي جميعا في نظر العقل من حيث تأدية الغرض بمجرد وجود الطبيعة في أي فرد كان و يكون، و من هنا قالوا: إن عموم العام شمولي، أي يشمل الكل دفعة واحدة، و عموم المطلق بدلي أي يكتفي بالواحد عند الإثبات بدلا عن سائر الأفراد، و عليه يكون المطلق عاما من حيث صدق الماهية على كل فرد بالتواطؤ، و خاصا من حيث الاكتفاء بالواحد. و نعود الى المطلق ثانية في بابه.

و الكلام هنا في العام و الخاص، و يأتي الحديث عن المطلق و المقيد إن شاء اللّه، أما الحديث عن التعارض بين ظهور العام و ظهور المطلق و ترجيح أحدهما على الآخر- فمكانه الملائم باب التعارض و التراجيح. فإلى هناك.

167

النصوص الشرعية قضايا حقيقية

للقضية العديد من الأقسام تبعا للحيثيات و الاعتبارات، فهي باعتبار السلب و الإيجاب، تنقسم الى موجبة و سالبة، و باعتبار وقوع الحكم على الكل أو البعض، تنقسم الى كلية و جزئية، و باعتبار وقوعه على الماهية من حيث هي أو من حيث ما وجد فعلا و يوجد تقديرا من أفرادها أو على خصوص الموجود بالفعل- تنقسم القضية الى عقلية و خارجية و حقيقية.

و مثال العقلية الانسان نوع و الحيوان جنس و الناطق فصل، و مثال الخارجية «وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ»* أي من وجد منهم آنذاك فحسب، و مثال الحقيقية «وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا» أي طبيعة كل من البيع و الربا من حيث وجودها فيما كان من أفرادها و يكون الى اليوم الأخر.

و بهذا يتضح لنا ان القضية العقلية أجنبية عما نحن فيه و عن كل مبحث أصولي و فقهي لأنها ذهنية محض لا تمت الى الأحكام الشرعية بسبب قريب أو بعيد، أما القضية الخارجية فيمكن دخولها في مبحث العام و الخاص على مستوى الأفراد نحو أضرب الطلاب عن الدرس إلا فلانا و فلانا، و اذا قلت: إلا طلاب الجامعة فالمقصود أفراد الطلاب الجامعيين، و لكن القضايا الخارجية أجنبية عن نصوص الشريعة، كما سنشير.

أما القضية الحقيقية فهي المقصود الأول من هذا البحث لأن النصوص الشرعية بكاملها من نوع القضايا الحقيقية التي يقع الحكم فيها على الماهية من حيث تناولها لكل فرد من أفرادها أينما وجد و يوجد، و التخصيص فيها دائما على مستوى الأنواع لا الأفراد لأنها مبادئ و قوانين، و من أخص خصائص المبدأ أو القانون أن يسقط ما هو خاص من جوانب الموضوع الذي يهمه، و لا يستبقي إلا ما هو عام منه. أجل، يمكن أن يكون النص الشرعي على مستوى فرد أو أفراد، و لكن مجرد الإمكان شي‏ء و الوقوع شي‏ء آخر. و قيل: لم يثبت هذا النوع في الشريعة الاسلامية إلا ما كان من خصائص النبي (ص).

التخصيص‏

خصّص الشي‏ء: ضد عمّمه. و تخصيص العام بشي‏ء: انفراده به، و هو

168

جائز عقلا، و واقع شرعا، و الاستقراء يدل على أن المخصص على أنواع:

منها الحسّ نحو قوله تعالى: «وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ- 23 النحل». فإن أكثر الأشياء لم تكن عند بلقيس بالوجدان، فوجب تخصيص الشي‏ء بما كان موجودا في بلادها أو زمانها، و منها العقل فإنه يسقط المؤاخذة عن الجاهل القاصر، لاستحالة تكليف من لا يفهم، و منها الإجماع كحديث «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» حيث اتفقوا على ان المراد لا صلاة كاملة فاضلة، و منها النقل متصلا كان أو منفصلا. و فيما يلي التعريف بالموصول و المفصول.

الموصول و المفصول‏

الخاص الموصول هو أن يكون جزءا من الكلام المشتمل على العام نحو «لا إله إلا اللّه». و المفصول أن يكون كل من الخاص و العام في دليل مستقل عن الآخر كقوله تعالى: «وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما- 38 المائدة». ثم يرد عن المعصوم «لا يقطع السارق في عام مسنت» أي مجدب ممحل. و بكلمة الموصول يلتصق بالعام، و المفصول يتراخى عنه.

و ليس من ريب في ان العام إذا لم يلحقه الخاص دل بظاهره على استغراق ما يصدق عليه بالكامل. و عليه نسأل: إذا لحقه الخاص فهل يبقى ظهور العام على ما كان من الاستغراق قبل التخصيص، أو أن الخاص يصرفه الى ما بقي بعد التخصيص؟.

و الجواب عن هذا السؤال يقتضي التفصيل بين الخاص الموصول بالعام و المفصول عنه، فإن كان من نوع الموصول فلا ينعقد للعام ظهور منذ البداية إلا فيما بقي تحته من أفراد لأن الكلام واحد فيجب أن تكون دلالته واحدة، و من هنا قيل:

لا ينعقد للكلام ظهور إلا بعد تمامه. و عليه يكون استعمال العام في استغراق ما بقي، على سبيل الحقيقة دون المجاز، لأن المعنى الحقيقي للعام هو الاستغراق، و قد استعمل حال التخصيص في هذا المعنى بالذات. و سبقت الاشارة الى أن استغراق كل شي‏ء بحسبه.

و ان انفصل الخاص عن العام يبقى ظهور العام على ما كان قبل التخصيص حيث لا قرينة تصرف العموم عن عمومه حين صدوره و تمامه، كما هو الفرض.

169

و لكن على الرغم من بقاء العام على ظهوره فإن الترجيح للخاص، و العمل به حتم، ما في ذلك ريب. و إليك الحجة بإيجاز: من الأوليات و المسلّمات أن السبب الأساسي للأخذ بظاهر الكلام هو أن هذا الظاهر يعكس مراد المتكلم و يكشف عنه، و معنى هذا ان الكلام إذا لم يكن له ظهور أو كان له ظهور غير كاشف عن مراد المتكلم- يسقط عن الحجة و الاعتبار.

و العام المخصص بمنفصل له ظهور في جميع أفراده، كما أشرنا، و لكن هذا الظهور لا يعكس مراد المتكلم و لا يكشف عنه، لأن الخاص قد كشف عنه و حدده بقسم خاص من العام، و عليه يسقط ظهور العام بالنسبة لهذا القسم لأن ما ساغ لسبب يبطل بزوال هذا السبب و ارتفاعه. و بكلمة إن ظهور العام يوجب العمل به عند الشك و الجهل بمراد المتكلم، و لا وسيلة الى العلم به إلا هذا الظهور، أما مع علمنا بالمراد فنعتمد عليه وحده، و ما عدا العلم فهو وهم و سراب. و أي عاقل يقدم الدليل الظني على القطعي، و الظاهر على الأظهر؟ و ليس من شك ان ظهور الخاص أقوى من ظهور العام في الكشف عن مراد المتكلم و تحديده.

العام بعد التخصيص‏

ليس من شك ان العام إذا بقي على عمومه و استعمل في جميع أفراده بلا تخصيص- يكون هذا الاستعمال على سبيل الحقيقة، و إذا استعمل العام في واحد من أفراد فهو على المجاز نحو: رأيت اليوم بني فلان، و أنت تريد سيدهم أو فارسهم. و إذا خصصت العام فهو حقيقة في الداخل من أفراده و الخارج منها على السواء، لأن كلا منهما في جملة ما دل عليه العام، و الذي أخرجه الخاص إنما خرج عن العام حكما لا موضوعا، و ما بقي تحته فهو داخل فيه موضوعا و حكما- مثلا- ان امرأة لوط هي من أهله حقيقة و واقعا، و لكن لا يشملها الوعد بالنجاة في قوله تعالى: «إِنَّا مُنَجُّوكَ وَ أَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ‏- 33 العنكبوت».

و اذا كان العام حقيقة في الباقي فهو أيضا حجة فيه لا محالة، و معنى هذه الحجة ان حكم العام ثابت لكل فرد منه لا يتناوله الخاص بالتخصيص، فقول القائل:

أكرم العلماء إلا فسّاقهم معناه أكرم عدول العلماء و لا تكرم الفساق منهم، و لو قلنا بأن العام ليس حجة في الباقي لكان المعنى لا تكرم عدول العلماء و لا فساقهم،

170

أو يكون هذا الكلام لغوا من أساسه لا يثبت و لا ينفي! .. و لا عاقل يلتزم بذلك. كيف؟ و إلا محق الدين و شريعته! و يستحيل حتى في عالم التصور و التعقل صحة الخلاف في ان العام هل هو حجة أو ليس بحجة فيما بقي تحته من أفراد بعد التخصيص، حيث يرجع الخلاف في ذلك الى الخلاف في ان الحجة اللازمة هل هي حجة أو ليست بحجة! و ان الأدلة الثابتة في كتاب اللّه و سنّة نبيه هل يجوز العمل بها أو لا يجوز! لأن كل عمومات الكتاب و السنّة أو جلّها قد لحقها التخصيص. و مثلها سائر العمومات، و من هنا شاع و اشتهر: ما من عام إلا و قد خص.

و تسأل: اذا كان الخلاف في ثبوت حكم العام لما بقي تحته من أفراد هو بهذه المنزلة من الهذيان، و من نوع الخلاف في وجود الموجود و «تعقيل» ما يعقل- فكيف عرضه علماء الأصول من السنّة و الشيعة، و عقدوا له فصلا خاصا و مطولا في كتبهم، و اهتموا به أي اهتمام؟.

الجواب:

أول من أثار هذا الخلاف علماء السنّة، فقد حرروه و سجلوه في كتب الأصول و أطالوا فيه الكلام، و تعددت فيه الأقوال، فمن قائل: بأن العام حجة في الباقي مطلقا، و آخر بالنفي مطلقا، و مفصل بين الخاص الموصول و المفصول (انظر كتاب كشف الأسرار و متنه للبزدوي، و فواتح الرحموت لابن عبد الشكور، و جمع الجوامع لابن السبكي و غير ذلك). ثم تبعهم علماء الشيعة و لكن في عرض الخلاف و الأقوال عند السنّة حيث لا خلاف عند الشيعة في ثبوت حكم العام لجميع ما تبقى تحته من أفراد بعد التخصيص.

قال الشيخ الأنصاري في (التقريرات): «لا ينبغي الإشكال في ان العام حجة في الباقي .. و لا يظهر من أصحابنا الشيعة فيه خلاف، و انما نسب الخلاف الى بعض السنّة .. و على القول بالنفي يجب سد باب الاجتهاد- حتى على أئمة المذاهب الأربعة و غيرهم- لأن رحى الاجتهاد تدور على العمل بالعمومات».

و قال المحقق القمّي في (القوانين): المعروف من مذهب أصحابنا ان العام حجة في الباقي، و اختلف السنّة في ذلك الخ.

و بعد، فإن التخصيص لا يؤثر في العام من حيث كونه حقيقة في الداخل و الخارج و ان اختلفا في الحكم، و أي مانع من الحكم ايجابا على أحد الأخوين،

171

و سلبا على الآخر؟ و أيضا لا أثر للتخصيص من حيث كون العام حجة لازمة فيما بقي تحته من أفراد و إلا كان معنى «إنا منجوك و أهلك إلا امرأتك» لا نجاة لك و لا لأهلك حتى امرأتك الصالحة الناصحة.

و قرأت فيما قرأت ان كاتبا «بحاثة» كتب مقالا مطولا بحث فيه عن زراعة الأرض: أ تجوز في الاسلام أم لا تجوز؟ و حاول الكاتب بكل علمه أن يذكر النصوص، و يستنبط منها الحكم بالحل و الجواز (جريدة الأهرام 7/ 3/ 1975).

و اذن فلا غرابة اذا بحث «كاتب» في ان العام حجة في الباقي أو ليس بحجة.

172

العام و الشبهة في المصداق و المفهوم‏

محل الكلام‏

إذا ألحق العام بخاص يضيّق من سعته و انتشاره، فهناك صور و حالات.

نذكر منها ما يلي بقصد التمهيد:

1- أن يكون الخاص واضحا مفهوما و مصداقا، كما لو قال من تجب طاعته:

أكرم العلماء إلا فسّاقهم. و أنت تعرف معنى الفسق و حقيقته، و هذا هو المراد بوضوح المفهوم، و أيضا تعرف من هو العادل و من هو الفاسق من أفراد العلماء، و هذا هو المراد بوضوح المصداق. و هذه الحالة خارجة عما نحن بصدده.

2- أن يكون الخاص واضحا من حيث المفهوم، و مجملا من جهة المصداق، (أي الفرد الخارجي المشتبه) و لكن هناك أصل موضوعي كالاستصحاب يزيل الإجمال و الإبهام عن المصداق، ان كان ذلك عملت بموجب الأصل سواء أ كانت نتيجة الحكم على الفرد المشكوك هي حكم العام أم حكم الخاص، مثال ذلك أن تعلم بأن زيدا العالم- من أكرم العلماء إلا فساقهم- كان عادلا فيما مضى، ثم تشك:

هل فعل ما يوجب الفسق؟ فتستصحب عدالته، و تثبت له حكم العام (أي وجوب الإكرام). أما إذا علمت بفسقه، ثم شككت بتوبته و عدالته فأيضا تستصحب و تبقي ما كان على ما كان، و تثبت له حكم الخاص.

و كل مورد يجري فيه الأصل الموضوعي سواء أ كان الموضوع العدالة أم الفسق أم غيرهما فهو خارج عن محل الكلام، لأن الكلام في هذا الفصل ينحصر بالعام المخصص بكلام مجمل و مبهم مفهوما أو مصداقا، و لا أصل يوجب تحكيم العام أو الخاص، و ان هذا الإجمال هل يتجاوز الخاص الى العام، و يتسرب منه اليه،

173

أو ان العام يبقى على ظهوره و عمومه بالنسبة الى ما أجمل و أبهم من الخاص.

و التفصيل كالآتي:

الشبهة و أقسامها

تنقسم الشبهة عند أهل الأصول من الجعفريين، الى أقسام تبعا لمورد الشي‏ء المشكوك فيه و نوعه و أسبابه الموجبة للشك. و اليك البيان:

1- الشبهة الحكمية،

و ضابطها أن يكون المشكوك من مخترعات الشارع، و عليه وحده بيانه، و منه يستفسر عنه، مثال ذلك أن يشك المكلف في حكم واقعة ما: هل هي حلال أو حرام في دين اللّه؟ أو يشك في ان هذا الشي‏ء:

هل هو جزء أو شرط في الصلاة أو غيرها من العبادات. و هذه الشبهة أجنبية عما نحن بصدده. و الكلام عنها في الأصول العملية.

2- الشبهة الموضوعية،

و هي أن يشك المكلف في حكم جزئي لواقعة جزئية لسبب لا يمت الى الشرع و الشارع بصلة، كما لو شك في مائع معين: هل هو حلال أو حرام؟ لأنه يشبه الخل و الخمر مع علم المكلف بأن الأول حلال و الثاني حرام. و هذه الشبهة كسابقتها في الخروج عن محل الكلام، و يبحث عنها في الأصول العملية. و بعد سطور نشير الى الفرق بينها و بين الشبهة المصداقية.

3- الشبهة المفهومية،

و هي أن يقع الشك في دلالة اللفظ و معناه بحيث لا يفهم إلا ببيان خاص، فإن كان المعنى المشكوك فيه شرعيا استفسرنا من الشارع و إن كان لغويا فمن أهل اللغة، أو عرفيّا فمن أهل العرف، أو علميا فمن العلماء و اصطلاحهم الخاص. و لا يعنينا من هذه الشبهة إلا الخاص المجمل الذي أوجب الجهل بمعناه الجهل بحقيقة بعض أفراد العام، و مثاله أن يقول لك من تجب طاعته: أكرم العلماء الراسخين في العلم، و تشك بدورك: هل الراسخ هو المتبحر في علم الفقه فقط أو فيه و في علم التفسير أيضا. و يأتي المزيد من الايضاح.

4- الشبهة المصداقية،

و ما رأيت أحدا فرّق بينها و بين الشبهة الموضوعية مع العلم بأن مورد الشبهتين هو الفرد المردد بين أكثر من عنوان، و لكن أهل الفقه و الأصول من الجعفريين‏ (1) ترد كلمة الشبهة المصداقية على ألسنتهم، و في عباراتهم‏

____________

(1) لم أجد فيما لدى من مصادر السنة كلمة الشبهة المصداقية و المفهومية و الموضوعية كما في كتب الجعفرية.

174

حين يتحدثون عن دلالة اللفظ و ما يقتضيه الأصل اللفظي في الفرد المشكوك، و يرددون كلمة الشبهة الموضوعية عند ما يتحدثون عن الأصل العملي، و عدم وجود النص في مورده.

و من هنا ذكروا الشبهة المصداقية في الأصول اللفظية، و الشبهة الموضوعية في الأصول العملية. و على فرض صحة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية تكون هذه الشبهة متقدمة و حاكمة على الشبهة الموضوعية، و تكون النسبة بينهما التباين لعدم اجتماعهما بحال، و ليس العموم و الخصوص المطلق، كما يظن. و على أية حال فمن المؤكد ان بعض موارد الشبهة المصداقية يدخل في مبحث العام و الخاص.

و فيما يلي الشرح و الإيضاح.

الخاص المجمل الموصول‏

تقدم أن البحث هنا يقف عند العام المخصوص بمجمل، و الآن نتساءل: هل إجمال الخاص و إبهامه يسري الى العام بحيث تتغير دلالة العام و تتحول من الظهور الذي كان قبل التخصيص الى الإبهام بالنسبة الى الفرد المجمل الذي شككنا في أمره، و احتملنا أنه من أفراد الخاص؟.

و الجواب عن هذا التساؤل يقتضي التفصيل بين الخاص الموصول و المفصول، فإن كان الخاص موصولا و ملتصقا بالعام سرى إجماله الى العام إطلاقا و بلا استثناء لمصداق أو مفهوم بكلا شقيه. و مثال الأول (أي الشبهة المصداقية) القول المكرور: أكرم العلماء إلا فسّاقهم، و في العلماء من هو معلوم العدالة، و معلوم الفسق، و مجهول الحال، و ليس من ريب ان معلوم العدالة باق تحت العام و يجب إكرامه يقينا، و ان معلوم الفسق خارج و لا يجب إكرامه، أما مجهول الحال فلا يدخل في عنوان العام و لا في عنوان الخاص، و إنما هو معلق و مذبذب بينهما.

أما الشبهة في المفهوم فلها صورتان: الأولى أن يتردد معنى الخاص بين متباينين.

و مثاله أن يقال: كل امرأة تطلق قبل الدخول فلها نصف المهر المسمى إلا أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح، و شككنا من الذي بيده عقدة النكاح؟ هل هو الزوجة أو أبوها؟ الصورة الثانية أن يتردد معنى الخاص بين الأقل و الأكثر.

175

و تقدم مثاله في الفقرة السابقة، و هو أكرم العلماء الراسخين في العلم. مع الشك في ان المراد بالراسخ المتبحر في الفقه أو فيه و في التفسير.

و كل هذه الحالات بكاملها يسري فيها إجمال الخاص المتصل الى العام، و لا يجوز التمسك به و بعدم تخصيصه لإدخال المشكوك و إعطائه حكم العام. و السر الأساس أن العام المخصوص بموصول مجمل لا ينعقد له ظهور منذ البداية إلا في المعلوم بقاؤه تحت العام بعد التخصيص، أما المردد بين عنوان الخاص و عنوان العام فليس للعام فيه ظهور، و مع عدمه كيف نأخذ به و نعتمد عليه؟ و هل يوجد الفرع دون الأصل، و يمكن النقش بلا عرش؟.

و ختاما نؤكد و نردد: لا يسوغ التمسك بالعام المخصص بموصول، لا في الشبهة المصداقية و لا في الشبهة المفهومية سواء أ كانت من نوع المتباينين أم من نوع الأقل و الأكثر، كان المخصص لفظيا أم غير لفظي.

الخاص المجمل المفصول‏

إذا انفصل الخاص المجمل عن العام في كلام مستقل- يكون العام، و هذه هي الحال، ظاهرا في جميع أفراده، ما في ذلك ريب، حيث لم تلتصق به أية قرينة تصرفه عن ظاهره، كما هي الحال في الخاص المتصل، و لكن هل يسوغ الاعتماد على هذا الظهور و العمل بموجبه؟ و الجواب عن ذلك يستدعي التفصيل التالي:

إجمال المفهوم المردد بين متباينين‏

1- أن يكون إجمال الخاص المنفصل ناشئا من تردد مدلوله و مفهومه بين متباينين كالمثال الذي سقناه في الفقرة السابقة، و هو المرأة المطلقة قبل الدخول مع الفرق في ان العام هنا ورد في جملة مستقلة عن الجملة المشتملة على الخاص، كأن يقال: كل مطلقة قبل الدخول تستحق نصف المهر المسمى، ثم يقال: اذا عفا الذي بيده عقدة النكاح فليس لهذه المطلقة شي‏ء من المسمى.

176

فالعام في الجملة الأولى ظاهر في ان المطلقة قبل الدخول لها نصف المهر حتى و لو عفا الذي بيده عقدة النكاح، ثم علمنا إجمالا من الجملة الثانية ان الذي بيده هذه العقدة واحد من اثنين: إما الزوجة، و إما أبوها، و هذا العلم الإجمالي يسقط ظهور العام عن الاعتبار و لا يبقي له أي أثر لأن العلم الإجمالي تماما كالتفصيلي من حيث الاعتماد عليه و الأخذ به، فكما ان الظاهر يسقط حتما اذا علمنا تفصيلا بأنه غير مراد كذلك يسقط اذا علمنا إجمالا بأنه غير مراد.

و بالاختصار ان الظاهر يوجب العمل حتى يثبت العكس بطريق صحيح و معتبر، و العلم الإجمالي من جملة الطرق الصحيحة المعتبرة. و عليه فلا يجوز التمسك بالعام اذا خصص بمجمل تردد مدلوله و مفهومه بين متباينين، و بالتالي لا يثبت للفرد المردد المشكوك حكم العام و لا حكم الخاص، لأن الخاص مجمل كما هو الفرض، بل هو المصدر الأول للإجمال، و اذا تعذر إجراء الأصل اللفظي في الخاص و العام تعين الرجوع الى الأصل العملي.

إجمال المفهوم المردد بين الأقل و الأكثر

2- أن يكون إجمال الخاص المنفصل ناشئا عن تردد مدلوله و مفهومه بين الأقل و الأكثر. و تقدم مثال: أكرم العلماء الراسخين في العلم، و لكنه في الخاص المتصل، و يمكن فصله الى جملتين، و يدخل بذلك فيما نحن فيه، و لكن نتركه و نعود الى المثال الموروث خلفا عن سلف لأنه أخف و أيسر، و هو أن يقول لك من تجب طاعته: أكرم العلماء، ثم يقول في كلام منفصل: لا تكرم فساق العلماء. و أنت تجهل حد الفاسق و معناه: هل هو الذي يستهين بكبير الجرائم و الآثام فضلا عن صغيرها، أو يعم أيضا من يصون نفسه عن الكبير دون الصغير؟

و المعنى الأقل هنا هو الأول حيث لا يكون للفاسق إلا فرد واحد، و المعنى الثاني هو الأكثر حيث يكون للفاسق فردان: من باع نفسه بالكامل للشيطان، و من أسكته بالحشف التافه. و إجمال الخاص المنفصل الذي تردد مفهومه بين الأقل و الأكثر- لا يسري الى العام، أما بالنسبة الى مرتكب الكبيرة فهو خارج عن محل الكلام منذ البداية حيث نعلم بأنه من أفراد الخاص يقينا، و كلامنا في المشكوك لا في المعلوم.

177

و أما بالنسبة الى مرتكب الصغيرة فقط فإن العام ظاهر الدلالة فيه، و لا نعلم بخروجه عنه لا تفصيلا و لا إجمالا، و الخاص مجمل فيه كما هو الفرض، و عليه يكون الشك في خروج مرتكب الصغيرة عن حكم العام- شكا في نفس التخصيص و انه موجود أو غير موجود، فننفيه بالأصل، و نثبت حكم العام للفرد المشكوك.

و أريد من القارئ أن يكون دائما على ذكر في ان التمسك بالعام جائز في الشبهة المفهومية دون غيرها بشرطين: الأول أن يكون الخاص مفصولا لا موصولا.

الثاني أن يكون مفهومه المجمل مرددا بين الأقل و الأكثر لا بين المتباينين.

الشبهة المصداقية

3- أن يكون إجمال الخاص المنفصل ناشئا عن اشتباه المصداق بسبب الظروف الخارجية دون المفهوم، و مثاله نفس المثال السابق مع الفرق في ان الشك هناك كان في معنى الفاسق و مفهومه، أما هنا فالمفهوم معلوم، و انما الشك في صدقه و انطباقه على هذا الفرد المشكوك تماما كما لو رأيت شبحا من بعيد، و لا تدري:

هل هو انسان أو شجرة لوجود الضباب و نحوه، فأنت تعرف معنى الانسان و معنى الشجرة، و لكن لا تدري هذا الشبح من أيهما، و لا طريق لديك الى تمييزه و معرفته.

و قد يعرض نظير هذا الاشتباه في مسائل شرعية، كأن يقول الشارع: «وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا». ثم يقول: كل زيادة في أحد العوضين من جنس واحد فهي ربا. و بعد هذا البيان و ذاك يبيع فلان الفلاني زيت الزيتون لآخر بزيت القطن مع الزيادة في أحد العوضين، و اشتبه الأمر علينا: هل هذان البدلان من جنس واحد كي يبطل البيع لمكان الزيادة أو من جنسين كي يصح؟ إن حدث ذلك و لا أصل موضوعي أو خبير يرفع الاشتباه- فهل لنا أن ننفي الربا عن هذا البيع و نحكم بصحته أخذا بظاهر العام و هو «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» لأن هذه المعاملة الخاصة يصدق عليها اسم البيع و عنوانه في نظر العرف؟.

الجواب:

إن الأخذ بظاهر العام في هذا المورد و أمثاله هو عين التمسك في الشبهة المصداقية، و لا يجوز ذلك بحال، لأن الرجوع الى ظاهر العام و التمسك به انما يصح اذا كان الشك في مراد المتكلم على وجه لو صرح بما يريد لارتفع الشك، أما اذا كان‏

178

سبب الاشتباه الأمور الخارجية التي نرجع في معرفتها و تمييزها الى الحس و ذوي الاختصاص- فلا يسوغ الاعتماد على ظاهر العام إذ لا شأن له في تحديد الموضوعات و بيان مفاهيمها و أفرادها، و أي عاقل يتصور أن قول الشارع: «وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» هو بيان لماهية الأجناس التي يقع عليها البيع، و ما تناكر منها اختلف!.

و تسأل: ان محل الكلام هنا هو العام المخصوص بمفصول. و سبق منك القول:

«ان العام في هذه الحال لا يؤثر فيه التخصيص، بل يبقى على ظهوره في جميع أفراده بما فيها الفرد المشتبه». و ليس من شك أن عنوان العام يصدق على هذا الفرد من غير تفاوت بينه و بين سائر الأفراد، و معنى هذا أن الفرد المشتبه لا بد أن يكون مشمولا بحكم العام، مثله في ذلك مثل الأفراد التي لم تخرج بالتخصيص، و لا يمكن أن يكون الفرد المشتبه مشمولا بحكم الخاص، لمكان الشك في أنه من أفراده .. و بكلمة نحن نعلم يقينا أن الفرد المشتبه يصدق عليه عنوان العام فنعطيه حكمه و نثبته له، و لا نعلم بأن عنوان الخاص يصدق عليه فننفي حكمه عنه.

الجواب:

أجل، نحن نسلم بأن حكم الخاص لا يثبت للفرد المشتبه للشك و الجهل بصدق عنوانه عليه. و أيضا نسلم بأن العام ظاهر في هذا الفرد و عنوانه ينطبق عليه، و على الرغم من ذلك نسقط هذا الظهور عن الحجة و الاعتبار، و لا نسلّم بجواز الأخذ به و الاعتماد عليه، لأن مورد الأخذ بظاهر الكلام هو الجهل و الشك في مراد المتكلم حيث يعكس هذا الظاهر المراد المشكوك لدينا و يكشف عنه. أما إذا علمنا بالمراد فنأخذ بعلمنا لا بالظاهر، بل نضرب به عرض الحائط إذا كان مخالفا لما نعلم. و اختصارا ان الظاهر لا يوجب العلم، و إنما يوجب العمل مع عدم وجود العلم، و متى وجد العلم يبطل الظاهر تماما كما يبطل التيمم عند وجود الماء.

و نحن نعلم بمراد المتكلم من الدليل الخاص فنعمل بما علمنا و ان خالفه ألف ظاهر و ظاهر إذ لا قيمة له في مقابلة العلم، و سبقت الاشارة إلى ذلك في الفصل الأول من العام و الخاص فقرة «الموصول و المفصول».

و خلاصة الكلام في الشبهة المصداقية و المفهومية- أن العام المخصوص بموصول لا يجوز التمسك به، لا في المفهومية و لا المصداقية على الإطلاق و بلا استثناء.

179

أما العام المخصوص بمفصول فلا يجوز التمسك به في الشبهة المصداقية إطلاقا، و لا في الشبهة المفهومية إذا تردد المفهوم بين متباينين، و يجوز التمسك بالعام إذا تردد المفهوم بين الأقل و الأكثر.

و في آخر هذا الفصل تأتي الاشارة الى ما استثناه صاحب الكفاية من المخصص غير اللفظي في التمسك بالعام إذا كانت الشبهة مصداقية.

الشك في أصل التخصيص‏

كل ما قلناه في الشبهة المصداقية و المفهومية ينحصر بما إذا علمنا بوجود التخصيص يقينا، و تردد المشتبه بين حكم العام و حكم الخاص، و لا مرجح لأحدهما على الآخر و لو في الظاهر، أما إذا لم نعلم بوجود التخصيص، بل شككنا في أنه موجود أو غير موجود- فالأصل عدم وجوده حتى يثبت العكس، شأنه في ذلك شأن كل قرينة نشك في وجودها.

و على هذا إذا قيل لك: أكرم العلماء مجردا عن التخصيص و أية قرينة، ثم قيل لك في كلام آخر: لا تكرم زيدا. و احتملت ان المراد بزيد هذا هو العالم دون الجاهل لأن «لا تكرم زيدا» مخصص لأكرم العلماء إذا احتملت هذا فإن احتمالك ليس بشي‏ء لأن العام ظاهر في زيد العالم و شامل له، و احتمال خروجه عن العموم لا يعتمد على دليل، و لا يزيد عن كونه شكا في وجود القرينة، و الأصل عدمها كما أشرنا.

أجل، إذا كان الخاص متصلا بالعام مثل أكرم العلماء إلا زيدا و احتملت ان المراد زيد الجاهل و بقاء العام على عموميته- تنعكس الآية لا محالة، لأن الجاهل خارج عن العلماء موضوعا، و احتمال إرادته غير معقول حتى على الاستثناء المنقطع، لأن الشرط الأساسي في المنقطع أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه مثل: ما فيها إنسان إلا وتدا، و قام القوم إلا حمارا. و زيد العالم فرد من العلماء فكيف يستثنى منهم على الانقطاع.

صاحب الكفاية و المخصص اللبي‏

ظهر مما تقدم ان الشبهة المصداقية ليست بحجة في شتى صورها من غير فرق بين أن تكون من موارد العام المخصص بموصول أو بمفصول. و لكن صاحب‏

180

(الكفاية) استثنى من ذلك صورة واحدة، و قال: يسوغ التمسك بالعام في الشبهة المصداقية بشرط أن يتوافر في الخاص أمران: الأول أن لا يكون لفظيا يصنف العام الى نوعين كالعادل و الفاسق، بل يكون الخاص من نوع آخر غير اللفظ كالحس و العقل و الإجماع. الثاني أن يكون نظريا لا بديهيا، لأن البديهي بحكم المتصل يدفع الظهور عن العام، و يمنع دلالته على الفرد المشتبه منذ البداية، كما سبقت الاشارة، أما المخصص النظري فهو بحكم المنفصل لا يدفع ظهور العام، و لا شي‏ء يمنع من الأخذ به. و عليه يسوغ لنا التمسك بالعام لنفي الشك عن مراد المتكلم بالنسبة الى الفرد المشتبه.

و مثال المخصص البديهي غير اللفظي قوله تعالى حكاية عن بلقيس: «وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ- 23 النمل». و بديهي انه ليس وراء «كل شي‏ء» من شي‏ء، و لأجل ذلك علمنا بالضرورة أن هذا العموم مخصص بأشياء كثيرة. فإذا شككنا أن بلقيس هل كانت تملك بساط الريح- مثلا- فلا نتمسك بالعام، و هو كل شي‏ء، لإدخال البساط في العام لمكان المخصص البديهي الذي هو بحكم المتصل.

و مثال المخصص النظري قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏- 11 النساء». فإن وجوب الإرث في الآية يعم و يشمل كل الأولاد حتى من قتل أباه عن عمد، ثم انعقد الإجماع‏ (1) على ان هذا القاتل لا ميراث له من أبيه. و الإجماع، كما هو معلوم، دليل نظري لا يمكن تحصيله إلا بالبحث و التنقيب، و عليه يكون بحكم المخصص المنفصل لا يمنع ظهور العام من التمام و الانعقاد، فإذا حدث الشك في ان القتل كان خطأ كي يستحق الارث، أو عمدا كيلا يستحقه- فيجوز، بناء على مبدأ صاحب (الكفاية)، التمسك بالعام و إثبات حكمه لهذا الفرد المشتبه، فنورثه من تركة أبيه، لأن عنوان العام شامل و ظاهر فيه، و لا عنوان آخر يزاحمه، كما هو الشأن في الخاص اللفظي.

و نكتفي بهذا التوضيح لما أراده صاحب (الكفاية) تاركين لغيرنا الإسهاب و الإطناب.

و اللّه ولي التوفيق.

____________

(1) قد يناقش بأن الاستثناء هنا بالنص لا بالاجماع، و عليه يكون الخاص لفظيا لا لبيا!. أجل، و لكن النقاش في المثال ليس من أدب أهل التحصيل، لأنه لمجرد التوضيح.

181

من أحكام العام‏

البحث عن المخصص‏

لا يسوغ العمل بأي عموم أو إطلاق في كتاب اللّه و سنّة نبيه يقبل التخصيص و التقييد- إلا بعد البحث و التنقيب عن المخصص و المقيد تماما كما لا يسوغ الرجوع و الركون الى أي أصل عملي كالبراءة و الاستصحاب و غيرهما من الأصول العملية، إلا بعد الفحص و اليأس من الوصول الى الدليل. و لا فرق من هذا الوجه بين الأصل اللفظي و العملي، و إنما الفرق بينهما في أن الفحص في الأصل العملي هو بحث عن وجود الدليل، و في الأصل اللفظي بحث عما يعارض الدليل الموجود بالفعل و يزاحمه.

و الدليل الأول و الأهم على أن البحث عن القيد شرط أساسي للعمل بظواهر آيات الأحكام و أحاديثها- هو العلم بأن الشارع كثيرا ما يسوق أحكامه بصيغ مطلقة و عامة لحكمة هو أدرى بها و أعلم، ثم يقلم و يطعم، و يأذن أو يمنع، و معنى هذا ان الشارع يعتمد في بيان مقاصده و أغراضه على القيد المنفصل تماما كما يعتمد على القيد المتصل. و علمنا بذلك كاف للمنع عن العمل بظهور كلام الشارع و الاحتجاج به إلا بعد الفحص و البحث عما يصرف الظاهر عن ظهوره و العام عن عمومه.

الدليل الثاني أيضا نعلم علم اليقين بأن في كتاب اللّه و كتب الأحاديث، بل و كتب الفقه أيضا أحكاما و إلزامات شرعية نحن مسئولون عنها، و لا نعذر بجهلها أو تجاهلها، و هذا العلم وحده يفرض علينا عدم الركون الى أي عموم أو إطلاق‏

182

في نصوص الشرع إلا بعد الفحص عن تلك الأحكام و الإلزامات، و إلا بعد البحث الموجب لانحلال هذا العلم و الخروج عن عهدته و تبعته.

و نؤكد على ان الفحص لا يجب إلا إذا كان العموم أو الاطلاق قابلا و محتملا للقيد مثل‏ «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ‏- 9 الزمر» إذ من الجائز أن يستثني الحكيم العليم من «الذين يعلمون» من يعلم و لا يعمل، أما إذا كان غير قابل للتخصيص فلا ريب بجواز العمل به قبل الفحص كقوله سبحانه:

«لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ‏- 100 المائدة».

أما مقدار البحث و كميته فهو أن ينتهي الباحث الى اليأس من وجود القيد المعاكس، و الاطمئنان الى ظهور العام و المطلق.

و تسأل: ان وجوب الفحص عن القيد و القرينة قبل العمل بما يظهر من كلام الشارع- هل يعني أن أصل الظهور في كلام أهل العرف لا يكون حجة لازمة أيضا إلا بعد الفحص و اليأس من وجود القرينة.

الجواب:

كلا، ان وجوب الفحص عن القيد و القرينة وقف على كلام الشارع وحده للعلم بعادته و طريقته كما أشرنا، أما غيره فعلى العكس حيث رأينا العقلاء يلزمون المتكلم بما يظهر من كلامه، و يرتبون عليه كل الآثار بمجرد الانتهاء منه، و لا يقبلون منه عذرا و لا تعليلا. قال الشيخ الانصاري في التقريرات: «لم يظهر من العرف توقف عن العمل بمداليل الألفاظ قبل الفحص، بل و ذلك ديدنهم على وجه لا يقبل الإنكار».

سؤال ثان: أ ليس اعتماد الشارع على القرينة المنفصلة تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة، و هو باطل بالاتفاق؟.

الجواب:

كلا، بل هو تأخير الى وقت الحاجة لا عن وقت الحاجة، و المراد بالحاجة تنجيز التكليف و العمل به في أوانه.

خطاب المشافهة

إن الأسس الأولى للشريعة الاسلامية هي القيم و المبادئ الانسانية، و الشرط

183

الرئيسي في كل مبدأ انساني أن يسقط ما هو خاص بفرد أو فئة، و لا يبقى إلا ما هو عام بين الناس، كل الناس. و إذن فلا معنى للخلاف أو التساؤل: هل المخاطبة شفاها- الواردة في النصوص الشرعية- تختص بالحاضرين، أو تعمهم و الغائبين و المعدومين الذين سوف يوجدون بعد ذلك؟.

و لا أدري: هل نسي أهل هذا الخلاف و التساؤل من الفقهاء و الأصوليين، هل نسوا أو تناسوا قوله تعالى لنبيه الكريم: «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‏- 107 الأنبياء». و قوله: «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً- 28 سبأ». و قوله: «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ‏- 87 ص». و حديث حلال محمد حلال الى يوم القيامة، و حرامه حرام الى يوم القيامة .. و بعثت الى الأحمر و الأسود.

الى العديد من الآيات و الروايات؟. و من هنا كان الاسلام منهجا للحياة، و أسلوبا للعمل على أساس العدل و المساواة.

و تسأل: أجل، و لكن الخلاف هنا في الوضع اللغوي، و في دلالة اللفظ لا في المبدأ الديني و ما يجب عمله شرعا لنص أو إجماع؟.

الجواب:

إن سلمنا- جدلا- بأن الخلاف هنا في الوضع اللغوي فإنا ننكر الثمرة العملية لهذا الخلاف بعد ان علمنا علم اليقين بأن المراد من استعمال المخاطبة في النصوص الشرعية هو المعنى الأعم الشامل لكل من كان و يكون، لأن طبيعة المستعمل فيه تقتضي هذا العموم و الشمول. و عليه فأي خطاب شرعي يوجه للحاضر فإنما يوجه اليه باعتبار النوع و الشمول لا باعتبار الفرد و الخصوص. قال الشيخ النائيني كما قرره السيد الخوئي: «الصحيح هو عموم الخطاب للمعدوم و الغائب و الحاضر على نهج واحد». و السر عنده لذلك هو أن القضايا الشرعية بكاملها من نوع القضايا الحقيقية التي يكون الحكم فيها على الماهية من حيث تناولها لكل فرد من أفرادها أينما وجد و يوجد. و تكلمنا عن ذلك في فصل (العام و الخاص) فقرة (النصوص الشرعية قضايا حقيقية).

و بعد، فإن المرحوم الرضا المظفر كان واقعيا في إهماله و تجاهله هذا البحث بكتابه أصول الفقه، لأن هذا البحث مجرد كلام لا يرشد الى عمل، و حتى من ذهب الى تخصيص الخطاب بالحاضر قال: إن الغائب يشارك المخاطب في النصوص‏

184

الشرعية و لكن بدليل زائد كالضرورة و الإجماع و النص المتواتر. و هذا اعتراف صريح بنفي الثمرة العملية لهذا البحث.

العام و الضمير الخاص‏

قد يرد عام بعده ضمير يرجع على بعض أفراده، و يكون الحكم أو المحمول على الذين رجع الضمير عليهم مغايرا لحكم العام، مثل أخذ اللّه على العلماء أن يبينوا أحكامه للناس، و بهم يستقيم الحق، و يحفظ الدين. فهنا صيغتان و حكمان أو حكم و محمول متغايران: الصيغة الأولى عامة لكل العلماء حتى الساكت الصامت و الحكم فيها وجوب البيان، و الثانية خاصة بالعلماء العاملين المجاهدين، و الحكم فيها أو المحمول إقامة الحق و حفظ الدين.

و عليه نتساءل: هل رجوع الضمير هنا الى بعض أفراد العام يستدعي صرفه عن العموم و الشمول و تخصيصه بالأفراد الذين رجع الضمير اليهم دون غيرهم، أو ان العام يبقى على شموله و عمومه؟.

الجواب:

ذهب قوم الى التوقف بدعوى أن تخصيص العام ببعض أفراده يستدعي التصرف بظاهره من غير مبرر. و أيضا بقاء العام على ظاهره يستدعي التصرف بالضمير الخاص ببعض الأفراد و صرفه عن ظاهره الى كل الأفراد على سبيل الاستخدام من غير مبرر

إذا نزل السماء بأرض قوم‏ رعيناه و ان كانوا غضابا

(1). و لا فرار من التحكم و الترجيح بلا مرجح الا إغلاق الفم على الصمت.

و قال آخرون: لا يسوغ بقاء العام على عمومه بعد العلم برجوع الضمير الى بعض أفراده، لأن هذا الرجوع وحده كاف في الدلالة على تخصيص العام و ان المراد منه منذ البداية الذين رجع اليهم الضمير دون سواهم.

و الحق أن العام باق على عمومه، لأنه ظاهر في جميع الأفراد، و لا قرينة

____________

(1) معنى الاستخدام أن يعود الضمير إلى شي‏ء و يراد به شي‏ء آخر، و مثلوا له بقول القائل:

إذا نزل السماء بأرض قوم‏* * * رعيناه و ان كانوا غضابا

فضمير «رعيناه» يعود إلى السماء، و المراد به واقعا النبات. و مثل هذا يسوغ على المجاز لعلاقة النبات بالمطر المراد من كلمة السماء.

185

تصرفه عن ذلك، فإذا شككنا أن المتكلم هل أراد أفراد العام بالكامل أو أراد بعضها؟ أخذنا بالظاهر، و نفينا التخصيص بالأصل. على القاعدة المتبعة.

و تسأل: إذا أخذت بظاهر العام وقعت في محذور الاستخدام في الضمير حيث يرجع لفظا، و هذه هي الحال، على جميع الأفراد مع العلم بأن المراد منه بعضها.

و مثل هذا سائغ على سبيل المجاز، و لكنه خلاف الظاهر؟.

الجواب:

1- لا استخدام هنا من الأساس، لأن ما يعود عليه و ما يراد به شي‏ء واحد، و هو العلماء. غاية الأمر ان لفظ العلماء الذين عاد عليهم الضمير أعم و أشمل من العلماء الذين استعمل فيهم الضمير و اريد منه، و هذا الفرق فرعي لا أساسي ما دام كل من المراد و الذين عاد عليهم الضمير هم من نوع واحد، و أعني بهم العلماء، و سبقت الاشارة في فصل العام و الخاص فقرة «العام بعد التخصيص»، الى أن استعمال العام في بعض أفراده يكون على سبيل الحقيقة تماما كاستعماله في جميع أفراده.

2- ان أصل بقاء العام على عمومه يمكن الاعتماد عليه هنا بلا أدنى محذور، و ذلك بأنّا نأخذ بهذا الأصل و نعتمد عليه حين الشك في مراد المتكلم و تعيينه و انه هل أراد كل أفراد العام أو بعضها، و هذا هو مورد التمسك بالعام و الأخذ بظاهر شموله، أما اذا علم مراد المتكلم، و حدث الشك في كيفية استعماله للفظ في مراده و انه هل كان على سبيل الاستخدام أو غيره- أما في هذه الحال فإن أصل عدم الاستخدام لا يجري لأن جميع الأصول اللفظية موردها الشك و الجهل بمراد المتكلم لا في كيف؟ و على أي وجه استعمل ألفاظه في هذا المعنى أو ذاك، و نحن نعلم المراد من الضمير. و إذن فلا يجري فيه أي أصل من الأصول، و منها أصل عدم إرادة الاستخدام.

و معنى هذا ان للباحث أن يبقي العام على عمومه عملا بالأصل- فيما نحن فيه- و أن يرجع الضمير الى العام إن شاء، على سبيل الاستخدام، لأن أصل عدمه لا يجري كي يعارض أصل بقاء العام على شموله و ظهوره.

وحدة الاستثناء و تعدد المستثنى منه‏

قد يتحد المستثنى منه، و تتعدد الاستثناءات مثل: لا يهلك أحد من العباد إلا

186

من كفر باللّه و إلا من عمل لغير اللّه، و إن آمن به و صدق. و لا ينبغي الشك في صحة ذلك. و هو خارج عن محل الكلام حتى و لو تعدد المحمول ما دام المستثنى منه واحدا مثل «احسن الى الناس و احترمهم و اقض حوائجهم إلا الفساق». و اشتبه بعض المؤلفين الجدد في الأصول حيث أدخل هذا النوع في محل الكلام كما يومئ مثاله الذي ذكرناه لأن المستثنى منه واحد فيه. و الكلام هنا ينحصر بما اذا تعدد المستثنى منه و اتحد الاستثناء مع الاتفاق على انه يرجع يقينا الى الأخير، و الخلاف فيما عداه.

و الأقوال كثيرة، و أرجحها نسبيا التفصيل التالي:

1- أن يرد الاستثناء بعد مفردات غير مستقلة لا بعد جمل تامة مثل: تصدق على الفقراء و المساكين و أبناء السبيل إلا الفسقة منهم. و الاستثناء في هذا و أمثاله يرجع للجميع لوحدة المحمول التي تجعل الكلام بمجموعه جملة واحدة، و من هنا وجبت التسوية في الحكم بين الكل.

2- أن يرد الاستثناء بعد جمل تامة تختلف عن بعضها موضوعا و محمولا، لا بعد مفردات مثل تصدق على الفقراء، و احترم العلماء، و لا تحاسب الأصدقاء إلا الفسقة منهم. و الاستثناء في ذلك و أمثاله يرجع للأخير فقط، و ما عداه يحتاج الى القرينة، لأن استقلال كل موضوع بمحموله الخاص به لا يوجب المشاركة في الحكم، بل تجوز المشاركة و المخالفة، و التعيين يطلب الدليل.

و هذا التفصيل خير ما قرأت من الأقوال، و مهما يكن من شي‏ء فإن الخلاف هنا في رجوع الاستثناء الى الأخير أو الى الكل، يرجع الى الخلاف في نفس الظهور، و هو لا يثبت بالدعاوى و الأقوال، بل بفهم الكلام و مورده و كونه مساقا لغرض واحد أو أكثر، و غير ذلك مما يترك لفهم المخاطب و تقديره.

تخصيص العام بالمفهوم‏

اتفقوا على أن المفهوم الموافق من جملة الأدلة التي تخصص العام و تقيده.

و مثال ذلك قوله تعالى: «وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ‏- 45 المائدة». فهذه الآية الكريمة تثبت حق القصاص للجريح على جارحه أبا كان أو غير أب، و لكن الآية 23 من الإسراء أخرجت الأب من هذا العموم بمفهومها الموافق، و هي:

«فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ». فإنها تدل بحكم العقل عن النهي عن الضرب و الجرح بطريق أولى مهما كان السبب الموجب.

187

و اختلفوا في المفهوم المخالف: هل يخصص به العام كالمفهوم الموافق أم لا؟

- مثلا- قول الشارع «في الغنم زكاة» يعم و يشمل السائمة و المعلوفة. فإذا قال بعد ذلك: «في سائمة الغنم زكاة» و فهمنا من ذكر السائمة أنه لا زكاة في المعلوفة- بناء على القول بمفهوم الوصف- فهل يسوغ لنا أن نخصص العام أي «في الغنم زكاة». بهذا المفهوم، و ننفي الزكاة عن المعلوفة؟.

و الجواب عن هذا السؤال يستدعي التفصيل بين صورتين: الأولى أن يكون المفهوم المخالف أخص، و المنطوق أعم كالمثال المتقدم. و عندئذ يجب تقديم المفهوم و تخصيص العام به، لأن الخاص قرينة على أن المراد من العام هو مدلول الخاص فقط. و من البديهي أن القرينة لا يشترط فيها سوى شي‏ء واحد، هو أن تعبر و تكشف عن مراد المتكلم و كفى، و بمجرد أن يتحقق هذا الكشف تصبح حجة لازمة، لفظية كانت أو عقلية أو حالية و مقامية، أو غير ذلك مما لا حصر و لا ضابط لأفراده و موارده.

و لا يسوغ بحال أن نقارن بين ظهور القرينة و صاحبها لأن مرتبته متأخرة عن مرتبتها من حيث الكشف عن المراد، و هو محكوم لها و هي حاكمة عليه و إلا لم تكن قرينة. و المقارنة لا تكون و لن تكون إلا مع وحدة الصف و المساواة في الدرجة و الرتبة. و نضيف ما سبق تكراره من أن مدرك الحجة لظهور اللفظ هو الكشف عن المراد فإذا علمنا بالمراد من طريق آخر هدرنا الظهور و ألغيناه بالغا ما بلغ من القوة.

الصورة الثانية أن يكون بين المفهوم و المنطوق عموم من وجه، كما إذا قيل أولا: أكرم العلماء. و هذه الصيغة تعم بمنطوقها و تشمل العلماء العدول و الفسقة.

ثم قيل ثانية: أكرم الناس ان كانوا عدولا. و مفهوم هذه الجملة لا تكرم الناس الفسقة حتى و لو كانوا علماء. و يفترق هذا المفهوم عن المنطوق الأول (أي أكرم العلماء) في الجاهل الفاسق، و يفترق المنطوق الأول عن المفهوم في العالم العادل، و يجتمعان معا في العالم الفاسق، و عندئذ يحدث التدافع و التصادم بين الظهورين: المفهوم ينهى عن إكرامه، و المنطوق يأمر بإكرامه.

فإن قدمنا المفهوم و خصصنا به المنطوق العام يكون المعنى أكرم العلماء إلا الفسقة منهم، و عليه فلا يجب إكرام العالم الفاسق، و ان قدمنا العام المنطوق يكون‏

188

المعنى لا تكرم الناس الفسقة إلا العلماء، و عليه يجب إكرام العالم الفاسق، و بالتالي يكون المعنى المستفاد من مجموع المنطوق و المفهوم أن للإكرام سببين: العلم و العدالة.

و قال الشيخ الانصاري في التقريرات: «لعل هذا هو المتعين». و نقل المقرر الخراساني عن الشيخ النائيني قوله: «ربما يقدم المفهوم، و ربما يقدم العام».

أي تبعا لوجود ما يوجب التقديم أو التأخير. و نحن مع النائيني و على رأيه بعد أن نعطف عليه و ربما يسقطان معا، و نلجأ الى الأصول العملية في حكم العالم الفاسق، و ذلك إذا تساوى المنطوق و المفهوم في كل وجه، و لا أفضل و أرجح.

189

النسخ و التخصيص‏

الأدلة السمعية

تنقسم الأدلة السمعية باعتبار القطع و الظن الى أربعة أقسام:

1- أن يكون الدليل السمعي قطعي السند و الدلالة، كنصوص الكتاب و السنّة المتواترة اذا كان اللفظ فيها واضحا في معناه لا يقبل التأويل و احتمال الضد نحو «وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا» فإن النص على التفرقة بين حكم البيع و حكم الربا، قاطع لكل احتمال حيث لا مبرر للشبهة و تأويل الحل بغير الحلال، و الحرمة بغير الحرام.

2- أن يكون ظني السند و الدلالة كأخبار الآحاد التي يتطرق الى ظاهرها احتمال الحذف و التأويل مثل «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» فإن اللفظ ظاهر في نفي طبيعة الصلاة، و لكن هذا الظاهر يقترن بالاحتمال القائم على الدليل في أن النفي هنا يقع على صفة الصلاة لا طبيعتها، و على كمالها لا صحتها.

3- أن يكون قطعي السند ظني الدلالة كقوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏- 11 النساء» فالسند قرآني قطعي، و لكن المتن (أي اللفظ) ظني للاحتمال الذي يعضده الدليل على أن المراد بالأولاد هنا غير الولد القاتل و الكافر. و بديهي ان القطع لا يثبت و يجتمع مع الاحتمال المعاكس، لأن القطع ما سمي قطعا إلا لأنه يقطع الطريق على الاحتمال المخالف.

4- أن يكون ظني السند قطعي الدلالة كأخبار الآحاد التي لا يتطرق الى لفظها الاحتمال المعاكس مثل «الرشوة كفر باللّه العظيم». فإن أدنى ما يدل عليه هذا الأسلوب من الكلام هو القطع و اليقين بتحريم الرشوة و انها من الكبائر، أما أبعد ما يدل عليه فهو الإلحاد و الجحود باللّه و آياته.

190

تخصيص الكتاب بالسنة

يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب (أي القرآن) و بالخبر المتواتر بالاتفاق، لأن كل ما ثبت عن الرسول (ص) فهو وحي لقوله تعالى: «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏- 3 النجم». و قوله: «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا- 7 الحشر» الى غير ذلك من الآيات. أما تخصيص الكتاب بالخبر الواحد فمحل خلاف، و استدل المانع بأن التخصيص معارض للعام، و الكتاب مقطوع به، و الخبر الواحد مظنون، فكيف يقدم الظن على القطع؟

و الحق ان تخصيص الكتاب بالخبر الواحد جائز شرعا و عقلا، و واقع فعلا بلا ريب. و اليك الدليل:

1- ان محل الكلام في عموم الكتاب الذي يقبل التخصيص بوضعه و طبعه، و معنى هذا انه يحتمل العكس و الخلاف بشهادة المثل السائر «ما من عام إلا و قد خص». و معناه أيضا انه ظني الدلالة، و عليه تكون المعارضة بين ظنين لا بين ظني و قطعي، هذا اذا كان الخبر الواحد ظني الدلالة، أما اذا كان قطعي الدلالة فيكون هو الأقوى في الحكاية و التعبير.

2- لو ألغينا الخبر الواحد الذي نطق بتخصيص القرآن للزم تكذيب الراوي و طرح روايته، و المفروض انه ثقة، و يجب العمل بما يرويه عن المعصوم.

3- إن الخاص قرينة تكشف عما أراده المتكلم من صيغة العموم. و سبقت الاشارة مرارا و تكرارا انه لا أثر لأي عموم أو ظهور مع العلم بأنه على خلاف المراد.

4- قال الشيخ الأنصاري في (التقريرات): «قام الإجماع من الأصحاب على العمل بأخبار الآحاد في قبال العام الكتابي .. بل و ذلك مما يقطع به في زمن الصحابة و التابعين، فإنهم كانوا يتمسكون بالأخبار في قبال العمومات الكتابية، و لم ينكر ذلك عليهم، و هذه سيرة مستمرة الى زمن الأئمة (عليهم السلام).

و تسال: جاء في أحاديث الأئمة (ع): «إن كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف». و ليس من شك ان الحديث الخاص مخالف في ظاهره لعموم العام، فكيف نعكس الآية و نقدم خاص الحديث على عموم كتاب اللّه؟.

الجواب:

فرق بعيد بين ظهور العام و ظهور الخاص من جهة، و بين الدليلين المتباينين‏

191

من جهة ثانية، حيث يمكن الجمع العرفي بين ظهور العام و ظهور الخاص بحيث يصبحان كلاما واحدا و دليلا واحدا على عكس الدليلين المتباينين حيث لا يمكن الجمع بينهما بحال كما هو الفرض. و أمر الأئمة بطرح الحديث المخالف لكتاب اللّه يختص بالحديث المباين للكتاب من كل وجه، و لا يمكن الجمع بينهما بحال تماما كالسلب و الإيجاب. و التفصيل في باب التعادل و التراجيح.

نسخ الكتاب بالسنة

الفرق بين النسخ و التخصيص أن النسخ بيان و دليل على انتهاء الحكم الموجود، و التخصيص أيضا قرينة و بيان و لكن على أن الشارع أراد بالحكم الواقع على العام ما بقي تحته من أفراد فقط بعد التخصيص، و معنى هذا أن التخصيص ينفي الحكم قبل وجوده عن غير الباقي من أفراد العام. و أشرنا الى ذلك في فصل نسخ الوجوب من هذا الكتاب.

و النسخ ممكن و جائز في الفروع و الأحكام الشرعية لا في الأصول و العقيدة حيث لا يستدعي أي محذور، شريطة أن يكون الناسخ قول اللّه سبحانه و حديث الرسول (ص) لأن النسخ لا يكون إلا بالوحي، و لا وحي بعد خاتم النبيين، أما الأئمة الأطهار فهم وسيلة النقل و الحكاية عن جدهم و كفى، و قد أكدوا ذلك في العديد من أقوالهم، و منها «إن حدثنا عن شي‏ء فعن رسول اللّه نحدث» أي و ان لم نسند الحديث اليه صراحة. و إذا امتنع النسخ في لسان الأئمة الأطهار (ع) فبالأولى أن لا يجوز النسخ بالإجماع.

و في كتاب كشف الأسرار و متنه للبزدوي ج 3 باب تقسيم الناسخ: «يجوز أن يكون الإجماع ناسخا لكتاب اللّه عند بعض مشايخنا- الأحناف- لأنه كالنصوص ..

و عند جمهور العلماء لا يجوز لأن الاجماع اجتماع آراء، و لا مجال للرأي في معرفة نهاية وقت الحسن و القبح».

و ليس من شك و خلاف في جواز نسخ الكتاب بالكتاب، لأنه واقع بالفعل في أكثر من آية، و من ذلك آية القبلة- 144 البقرة، و آية الصدقة من أجل النجوى- 12 النجم. و أخبر سبحانه أن أحكامه تتبع المصلحة محوا و إثباتا:

192

«ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها- 106 البقرة». «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏- 39 الرعد».

و أيضا يجوز نسخ الكتاب بالسنة الثابتة بالتواتر، بل و بخبر الآحاد ما دام الكل من عند اللّه و العقل لا يأباه، و اذا ساغ أن يكون الخبر الواحد مخصصا لعموم الكتاب يسوغ أيضا أن يكون ناسخا، لأن كلا منهما بيان و طريق للكشف عن إرادة الشارع. هذا من حيث الإمكان و المبدأ، أما من حيث الوقوع فلم يثبت عند الجعفريين نسخ الكتاب بالسنة، لا بسنة متواترة و لا بخبر واحدا كان أو أكثر. هذا في حدود ظني و معرفتي.

و يجوز نسخ السنة بالسنة، و الدليل هو الدليل على جواز نسخ الكتاب بالكتاب و بالسنّة، و في (مجمع البحرين) للطريحي روي «في حديث النبي (ص) ناسخ و منسوخ». أيضا هذا من حيث الجواز و الإمكان، و الوقوع يحتاج الى تتبع و تمحيص. و في ج 3 ص 186 من (كشف الأسرار) للأحناف عن النبي انه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها». و أيضا في هذا الكتاب ج 1 ص 291 أن النبي «مثّل بقوم فقطع أيديهم و أرجلهم و سمل أعينهم و تركهم في شدة الحر حتى ماتوا، ثم نهى عن المثلة .. و أباح شرب أبوال الإبل، ثم حرمها».

و يجوز نسخ إجماع انعقد في وقت من الأوقات، بإجماع انعقد في وقت آخر بعده، بمعنى أن يكتشف الاجماع الثاني ان الإجماع الأول استند الى أصل غير أصيل، و مدرك عقيم و عليل. و الواقع ان هذا ليس من النسخ في شي‏ء، و إنما هو اكتشاف لموقع الداء و الخطأ، و من هنا يسوغ لأي فقيه أن يخالف الإجماع إذا تبين له أن المجمعين اشتبه عليهم وجه الحق و الصواب، قال الشيخ الأنصاري في كتابه المعروف بالرسائل: «إذا اتفق القدماء على وجوب العمل بأخبار نجاسة البئر- مثلا- و ترجح في نظر الفقيه عدم الوجوب فلا يضيره اتفاق القدماء».

و يأتي التفصيل و التحقيق في الجزء الثاني ان شاء اللّه، أما الإجماع في كل عصر و مصر من عهد الصحابة الى ما بعدهم بقرون- فلا ينسخه شي‏ء لأن المجمع عليه كذلك تحول من الاجماع الى الضرورة و البديهة.

193

بين النسخ و التخصيص‏

قد يرد عام و خاص نعلم بأنهما مختلفان حكما، و لكن لا ندري: هل وردا معا في زمان واحد، أو كان أحدهما سابقا و الآخر لاحقا؟ و على هذا الفرض أيضا نجهل السابق و اللاحق، فما ذا نصنع، و هل يكون الخاص في هذه الحال مخصصا أو ناسخا؟ و الجواب عن ذلك يستدعي ذكر جميع الصور و الحالات المعلوم منها و المجهول مع بيان الحكم. فإلى التفصيل التالي:

1- أن نعلم بورود الخاص و العام في زمان واحد، و عندئذ يتعين التخصيص بحكم العرف و فهمه، و لا وجه للنسخ، لأن من شروطه أن يكون خطاب الناسخ متأخرا عن خطاب المنسوخ.

2- أن نعلم بورود الخاص بعد العام و قبل زمن العمل به. و الحكم هنا التخصيص أيضا دون النسخ.

3- أن نعلم بورود الخاص بعد العام و العمل به. و هنا يتعين نسخ الخاص لحكم ما يتناوله من أفراد العام، شريطة أن يكون العام واردا لبيان الحكم الواقعي.

و لا يسوغ التخصيص في هذه الحال دفعا لمحذور تأخير البيان عن وقت الحاجة.

4- أن نعلم بورود الخاص قبل العام و قبل العمل به أيضا، فنحمل العام على الخاص بلا ريب حيث لا نسخ قبل حضور وقت العمل.

5- أن نعلم بسبق الخاص و العمل به، و بعد ذلك ورد العام. و هنا يحمل العام على الخاص: و لا يسوغ أن يكون العام ناسخا للخاص.

و ان قال قائل: لما ذا ساغ نسخ الخاص للعام إذا ورد بعد العمل بالعام، كما في الصورة الثالثة، و ما ساغ نسخ العام للخاص إذا ورد بعد العمل بالخاص؟

ان قال هذا قائل قلنا في جوابه: ان التخصيص في واقعه نهي عن العمل بعموم العام و أمر بمدلول الخاص، و هذا هو المفروض في هذه الصورة، أما الصورة الثالثة فالمفروض فيها العكس أي العمل بالعام لا بالخاص، و من هنا جاء النسخ و هذا في منتهى الوضوح .. بالإضافة الى أن محذور تأخير البيان عن وقت الحاجة، لازم لتخصيص العام بعد العمل به، و لا محذور على اطلاق من التخصيص بعد العمل بالخاص.

194

6- أن نعلم بورود العام و الخاص، و لا ندري هل هما موصولان زمنا أو مفصولان؟ و على الفصل أيضا لا ندري أيهما تقدم على الآخر؟ و هنا يتعين تقديم الخاص و العمل به حيث لا شك في نفي الحكم إما بالنسخ و إما بالتخصيص، و لا خلاف في ذلك. قال الشيخ الانصاري: «هذا هو الظاهر في جميع الصور» أي صور الاحتمال، و قال صاحب القوانين: «المعروف من مذهب أصحابنا العمل بالخاص، و هو الأقوى».

و السر هو ما قلناه من ان كلا من النسخ و التخصيص ينفي حكم العام عن المخصوص و المنسوخ، و لا فرق إلا في جهة النفي و أسلوبه، أما النتيجة فواحدة.

195

المطلق و المقيد

المطلق‏

أشرنا في بحث العام ان المطلق هو اللفظ الدال على الماهية بلا قيد، و يلتقي هذا مع قولهم: المطلق ما دل على شائع في جنسه، أي يتناول كل فرد يصدق عليه لفظ المطلق بلا استثناء و لكن على سبيل البدل، لأنه بذاته اسم فرد مثل رجل و رقبة و فرس، و ما الى ذلك من المفردات التي تسمى باسم جنس تارة، و تارة بالنكرة.

و فرّق بعضهم بين النكرة و اسم الجنس بأن اسم الجنس يدل على الماهية مباشرة و بلا واسطة أي شي‏ء آخر، و يدل على الفرد بواسطة الماهية، أما النكرة فتدل على الفرد الشائع مباشرة و بلا واسطة الماهية! و لا أساس لهذه التفرقة إلا مجرد الخيال و التصور. فكلمة الرجل تدل على ماهية الرجولة الشائعة في بكر و عمرو و غيرهما تماما كما تدل كلمة أسد على ماهية الشجاعة و الافتراس.

و المقيد يقابل المطلق أي لا يشمل و يعم كل ما يتناوله المطلق و يصدق عليه.

و الواقع ان تعريف المطلق هو أيضا تعريف للمقيد. قيل للإمام أمير المؤمنين (ع):

صف لنا العاقل. فقال: هو الذي يضع الشي‏ء في موضعه. قيل له: صف لنا الجاهل. قال: قد فعلت.

196

العدم و الملكة

التقابل بين الألفاظ الدالة على المعاني تنقسم الى أربعة أنواع: الأول تقابل النقيضين أي السلب و الإيجاب مثل هذا موجود و غير موجود. الثاني تقابل الضدين كالأسود و الأبيض. الثالث تقابل المتضايفين أي لا يفهم أحدهما إلا بالقياس الى الآخر مثل الأب و الابن و الطويل و القصير. الرابع العدم و الملكة.

و الملكة اسم يدل على وصف ينبغي أن يوجد في الشي‏ء كالبصر في الانسان، و العدم اسم يدل على خلو الشي‏ء من الوصف الذي ينبغي أن يوجد فيه، و لكن لم يوجد كالأعمى الذي يفترض فيه أن يكون بصيرا. و التقابل بين المطلق و المقيد من هذا النوع، و الملكة هنا في جانب المقيد لوجود القيد الذي يمكن تحرير المقيد منه، و العدم في جانب المطلق لخلوه من القيد الذي يمكن أن يحدّ من شيوعه و انتشاره.

و من أخص خصائص المطلق ان الإتيان بواحد من أفراده، و إن كان الأدنى، كاف في الخروج عن عهدة ايجابه و تعلق الأمر به لأنه مشتمل على الماهية المطلوبة حقيقة و واقعا.

و تسأل: هل جاء هذا الاطلاق من الواضع باعتبار انه قد وضع اللفظ لنفس شيوع الماهية و انتشارها في كل فرد على السواء، أو أن الواضع وضع لفظ المطلق لنفس الماهية دون التعرض لشيوعها و خصائصها سلبا و لا ايجابا بحيث اذا أردنا من لفظ المطلق الشيوع و ما اليه من الخصائص فلا يحق لنا الاعتماد على الدلالة الوضعية لعدم وجودها، بل علينا أن نبحث عن شي‏ء آخر؟.

و تظهر النتيجة بين الفرضين انه على الفرض الأول يكون استعمال المطلق في الشائع المنتشر، على الحقيقة، و في المقيد على المجاز، و على الفرض الثاني يكون استعمال المطلق في الشائع و في المقيد، على الحقيقة دون المجاز. و فيما يلي يتبين لنا أي الفرضين أحق بالصحة و الرجحان.

الشرط و لا شرط

إن قصد الماهية و النظر اليها لا يخلو من أحد وجوه ثلاثة: الأول أن ينظر

197

اليها على نحو التقييد بشي‏ء وجودي مثل ضحّ بشاة سمينة، و يسمون هذا النحو من التقييد «بشرط شي‏ء». الثاني أن ينظر اليها على وجه التقييد بشي‏ء عدمي مثل ضح بشاة غير عوراء، و يطلقون على هذا «بشرط لا» (1). الثالث أن ينظر اليها «لا بشرط» أي من غير شرط وجودي، و غير شرط عدمي.

و هذه الأقسام الثلاثة متقابلة فيما بينها تقابل السلب و الإيجاب، أما بين الشرط الوجودي و الشرط العدمي فواضح، و مثله تماما في الوضوح التقابل بين كل قسم من هذين الشرطين و بين اللاشرط الذي لا يجتمع مع المشروط بشرط سواء أ كان الشرط وجودا أم عدما، و قد اشتبه اشتباها غريبا من جعل غير المشروط عنوانا جامعا و قاسما مشتركا بين المشروط بالوجود، و المشروط بالعدم، كيف، و هل يتحد النقيض مع نقيضه!.

ان القدر الجامع بين الأقسام الثلاثة هو الماهية بالذات كماهية الشاة في المثال السابق، و ماهية الرقبة في المثال الموروث.

إذا تمهد هذا نشير الى أن لفظ المطلق و اسم الجنس موضوع للماهية التي تعم و تشمل الأقسام الثلاثة، و هي بشرط شي‏ء، و تنطبق على الماهية المشروطة بقيد وجودي مثل رقبة مؤمنة، و بشرط لا، و تصدق على الماهية المتحررة من القيود الوجودية مثل أعتق رقبة، و لا بشرط أي لا بشرط الايمان في الرقبة و لا بشرط عدمه.

و عليه يكون استعمال المطلق أو اسم الجنس، أيا شئت فعبر، يكون استعماله في الماهية المنتشرة الشائعة، أو في الماهية المقيدة، على سبيل الحقيقة دون المجاز، فمدلول رقبة في قولنا: أعتق رقبة هو بعينه مدلول رقبة في قولنا: اعتق رقبة مؤمنة، و الإيمان إنما جاء من كلمة مؤمنة، أما الرقبة و الإيمان معا فهما مدلول الكلمتين معا، و ليس الإيمان مدلولا للرقبة من قريب أو بعيد، و إذن فمن أين تسرب المجاز الى الرقبة؟ و لو نفينا وجود الماهية عن فردها المقيد لكان معنى هذا سلب الشي‏ء عن طبيعته أو سلب الطبيعة عن مصداقها.

____________

(1) اذا لاحظت الماهية من حيث انها مجردة عن كل شي‏ء مثل الإنسان نوع يكون ذلك من القسم المسمى «بشرط لا» و لكن هذا خارج عن محل الكلام حيث لا وجود للماهية المجردة إلا في عالم التصور، و الذي نريده هنا من «بشرط لا» هو العدم النسبي كعدم العور في هذه الشاة الموجودة في الخارج.

198

و الخلاصة أن لفظ المطلق من حيث الصدق و الحمل يصدق و يحمل على الفرد الشائع من الماهية و غير الشائع، أما من حيث الدلالة فإن لفظه لا يدل إلا على الماهية و كفى، فإذا أردت منه القيد و الخصوصية كالعلم و الإيمان نصبت قرينة لفظية مثل رقبة مؤمنة و رجل عالم، و تسمى هذه القرينة بالخاص و القيد، و إذا أردت من لفظ المطلق الشيوع و الانتشار التجأت الى مقدمات الحكمة، و تسمى بالقرينة العامة. و فيما يلي بيانها.

مقدمات الحكمة

و على الرغم من ان لفظ المطلق لا يدل بالوضع على الشيوع في جنسه و لا على اللاشيوع، و انه قابل للانقسام الى الشائع و غير الشائع، على الرغم من ذلك فإن لنا أن نثبت بأن المتكلم قد أراد الاطلاق و الشمول مستندين في ذلك لا الى دلالة الوضع اللغوي، بل الى دلالة مقدمات الحكمة التي تتألف من الشروط التالية:

1- أن يكون المطلق قابلا للانقسام الى شيئين أو أكثر كلفظ انسان، فإنه ينقسم الى الذكر و الأنثى، و لفظ «كلمة» فإنه ينقسم الى اسم و فعل و حرف.

2- أن يكون المتكلم في مقام بيان ما يريد لا هازلا أو غافلا.

3- أن لا يكون هناك قرينة حالية أو مقالية تدل على التقييد و التعيين.

مثلا، اذا قال لك من تجب طاعته: آتني بقلم، و أنت تعلم أن القلم منه ما يسيل مداده، و منه ما لا يسيل، و شككت: هل أراد القلم السائل أو مطلق القلم، اذا كان ذلك ساغ لك أن تأتيه بأي قلم شئت، شريطة أن يكون جادا في قوله، كما أشرنا في الشرط الثاني، و أن لا تكون هناك قرينة على انه يريد قلما معينا كما في الشرط الثالث، أما الشرط الأول فقد فرضنا وجوده في المثال.

و هكذا الشأن في كل كلام يحتمل التقييد، تجري فيه هذه العملية لنفي القيد المشكوك.

و تجدر الاشارة الى ان مقدمات الحكمة هي أقرب الى الأصول العملية منها الى الأصول اللفظية، و إن كان موردها أو نتيجتها التمسك بإطلاق اللفظ.

199

ورود المطلق و المقيد

ثم ان ورود المطلق و المقيد يقع على وجوه:

1- أن يرد المطلق و المقيد في كلام واحد نحو أعتق رقبة مؤمنة. و لا شك في حمل المطلق على المقيد عرفا و صناعة في هذا الفرض، أما أهل العرف فإنهم يفهمون من هذا الكلام أن الرقبة المؤمنة هي الغاية و المطلوب، و ان غيرها لا يغني عنها شيئا. و أما أهل الصناعة فقد فلسفوا ذلك بأن الكلام لا ينعقد له ظهور إلا بعد تمامه، و المفروض هنا أن القيد موصول بالمطلق و لاصق به، و معنى هذا أن المطلق ظاهر منذ البداية في مدلول القيد دون سواه من الأفراد تماما كما هو شأن العام المقرون بالخاص فراجع.

2- أن يكون القيد مفصولا عن المطلق و مستقلا عنه في كلام على حدة، و لكنهما متحدان موضوعا و حكما و سببا و إثباتا، كما لو ورد أولا: إن افطرت فأعتق رقبة، ثم ورد: ان أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة. و في هذا الفرض ينعقد ظهور المطلق في جميع أفراد جنسه على السواء لأن القرينة جاءت بعد تمام الكلام و انعقاد الظهور، و ليس قبله كي تصده و تمنعه.

و عليه يقع التدافع بين ظاهر المطلق و ظاهر المقيد في الرقبة الكافرة، فالمطلق يأمر بالكافرة على سبيل البدل و يقول: هي كافية في الطاعة و الامتثال تماما كالمؤمنة، و المقيد ينهى عنها و يقول: كلا، لا تجزي إلا المؤمنة، فما ذا نصنع في هذه الحال؟ هل نرجح و نقدم ظهور المطلق أو ظهور المقيد؟.

الجواب:

نرجح ظهور المقيد و نحمل المطلق عليه أولا لأن القيد قرينة تنطق بما يريده المتكلم من المطلق، و تفسر المعنى المقصود له و تحدده، و عليه يكون ظهور القرينة هو الأصل في الكشف، و ظهور المطلق فرع و تبع، و بديهي أن الأصل مقدم على الفرع و حاكم عليه، و يجعل وجوده كعدمه بالغا ما بلغ من القوة ما دام غير مراد، و كلنا يعلم أن ظهور كلمة أسد في الحيوان المفترس أقوى من ظهور كلمة يرمي في الرمي بالنبال، لأن الظهور الأول بالوضع و الظهور الثاني بالإطلاق، و مع هذا يقدم الظهور الاطلاقي هنا على الظهور الوضعي في قولنا: رأيت أسدا يرمي لأن «يرمي» تكشف ان مراد المتكلم هو الرجل الحاذق في الرمي و ليس‏

200

الحيوان المفترس. ثانيا: ان إطلاق المطلق و شيوعه في جنسه إنما يستفاد من مقدمات الحكمة كما سبقت الإشارة، و هي غير تامة هنا حيث تفقد أهم ركن من أركانها، و هو عدم وجود القرينة، و المقيد قرينة، و إذن فلا مقدمات حكمة، و بالتالي فلا إطلاق و مطلق من الأساس كي يزاحم بظهوره ظهور المقيد.

و سوّد بعض الأقطاب العديد من الصفحات لتقديم المقيد هنا على المطلق و قال من جملة ما قال: ظهور المقيد سبب، و ظهور المطلق مسبب، و أصل الظهور في السبب يرفع الشك في المسبب. و كل صفحاته تتلخص بما ذكرناه.

3- أن يتحد المطلق و المقيد موضوعا و حكما و إثباتا دون الإشارة الى السبب مثل أعتق رقبة، و أعتق رقبة مؤمنة. و حمل المطلق على المقيد حتم في هذه الحال، لأن المقيد هنا مفسر للقصد و المراد من المطلق، كما هو الشأن في الصورة السابقة بلا فاصل.

4- أن يتحدا موضوعا و يختلفا في المحكوم به مثل أطعم فقيرا، و اكس فقيرا هاشميا، فالموضوع واحد في المطلق و المقيد، و هو الفقير، و لكن المحكوم به في الأول الإطعام، و في الثاني الكسوة، و إذن فلا موجب للحمل ما دام العمل بكل منهما ممكنا في دائرته.

5- أن يختلفا في السبب الموجب مثل ان أفطرت فأعتق رقبة، و إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة. و هذه الصورة أوضح الصور و الحالات التي لا يجوز فيها الحمل، لأن الاختلاف في السبب تماما كالاختلاف في الموضوع.

6- أن يكون المطلق في سياق الإثبات، و المقيد في سياق النفي، نحو أعتق رقبة، و لا تعتق رقبة كافرة. و يجب هنا حمل المطلق على المقيد تماما كما هو الشأن في اعتق رقبة، و اعتق رقبة مؤمنة.

و تسأل: بناء على هذا يجب حمل المطلق على المقيد لو قيل: اعتق رقبة، و لا تعتق رقبة مؤمنة. و معنى ذلك ان الكافرة هي المجزية دون المؤمنة. و هو خلاف الإجماع و الضرورة؟.

الجواب:

أجل، هذا صحيح كنظرية مجردة، و لكن مثله لم يقع و لن يقع في شرع الحكيم العليم، لأنه يثير الدهشة و الذهول.

201

7- أن يكون كل من المطلق و المقيد في سياق النفي، و مثلوا له ب لا تعتق رقبة، و لا تعتق رقبة مؤمنة. و لا موجب للحمل و الجمع هنا لإمكان العمل بهما معا، و بالأصح لإمكان تركهما معا، و لا شي‏ء أيسر من الترك.

المعيار

و الخلاصة، ان المعيار الأساسي لحمل المطلق على المقيد هو وجود التنافي بينهما مع إمكان الجمع العرفي، لأن التعارض انما هو في الصورة لا في الواقع، و في اللفظ لا في المعنى. و من هنا يفترق التعارض في باب المطلق و المقيد عن التعارض الواقعي الحقيقي الذي سنتكلم عنه في بابه إن شاء اللّه .. إن أحد المتعارضين في باب التعارض لا يحمل في ذاته و طياته القوة الغالبة و المرجحة على الآخر، بل يحتاج التقديم و الترجيح الى مرجح من الخارج، أما في الباب الذي نحن فيه فإن المقيد يحمل في ذاته القوة الغالبة الموجبة لتقديمه على المطلق، و لا يحتاج الى إسعاف من الخارج.

التخيير و الاستحباب‏

و تسأل: اذا كان القصد من حمل المطلق على المقيد هو مجرد رفع التنافي فإن هذا القصد يتحقق أيضا بحمل الأمر في كل من المطلق و المقيد على التخيير، و يكون معنى «اعتق رقبة، و اعتق رقبة مؤمنة» أنت مخير أيها المكلف بين عتق أية رقبة شئت، و عتق رقبة مؤمنة فقط، و أيضا يرتفع التنافي بحمل الأمر في المقيد- مثل اعتق رقبة مؤمنة- على الاستحباب و ان المؤمنة هي الفرد الأكمل؟

و عليه يكون حمل المطلق على المقيد دون الحمل على التخيير أو الاستحباب- ترجيحا بلا مرجح، و واجبا بلا موجب.

الجواب:

انما يصح التخيير بين شيئين أو أشياء لا جامع بينها كالتخيير بين الكسوة و الإطعام و العتق و الصيام، أما التخيير بين القدر الجامع و أحد أقسامه، و بين الكلي و بعض أفراده فلا يتصوره عقل، و لا يقول به عاقل. و هل ينقسم الشي‏ء الواحد الى نفسه و الى غيره؟.

202

أما حمل الأمر في المقيد على الاستحباب فهو خلاف الظاهر، و لا يسوغ القول به إلا بقرينة و دليل، و لا دليل هنا سوى الزعم و الوهم بأن إطلاق المطلق يزاحم ظهور المقيد! و سبقت الاشارة في رقم (2) الى أنه لا إطلاق هنا من الأساس لعدم توافر مقدمات الحكمة، و إذن فلا مزاحمة، و بالتالي فلا مفر من إرجاع المطلق الى المقيد و حمله عليه، و اعتبارهما دليلا واحدا لا دليلين.

الندب‏

اذا كان الأمر في المطلق و المقيد للندب لا للوجوب- فلا موجب لحمل المطلق على المقيد، لأن المندوب مرخص بتركه بالاضافة الى انه على درجات متفاوتات، و اذن فأين المنافاة التي تستوجب الجمع العرفي، و من أمثلة ذلك: يستحب الدعاء، و يستحب الدعاء ليلة الجمعة. و قال الشيخ الأنصاري: ذهب المشهور الى عدم حمل المطلق على المقيد في المستحبات لأن تعدد الاستحباب كما يكون بتعدد الفعل و تكراره يكون أيضا بتعدد المراتب، فإذا ورد خبر مطلق بزيارة الحسين (ع) ثم مقيد بزيارته يوم عرفة يحمل المقيد على زيادة الاستحباب في عرفة.

الحكم الوضعي‏

الأحكام الشرعية منها تكليفية، كالإيجاب و التحريم، و منها وضعية كالصحة و الفساد، و النوع الأول يتعلق بالمعروف و المنكر، و يقع الثاني في العقود و الموجبات، و سبق الكلام عن الحكم التكليفي المتعلق بالمطلق و المقيد. و الآن نشير الى الحكم الوضعي، و هل حال المطلق و المقيد معه تماما كحالهما مع الحكم التكليفي سلبا و ايجابا؟

و لا بد من التفصيل بين صورتين: الأولى أن يكون المطلق في سياق الإثبات، و المقيد في سياق النفي مثل: البيع سبب للملك، و بيع الخنزير ليس سببا للملك.

و في مثله يحمل المطلق على المقيد لوجود المنافاة.

الصورة الثانية أن يكون كل من المطلق و المقيد في سياق الإثبات مثل البيع سبب للملك، و البيع الفلاني سبب للملك. و في هذه الحال يبقى المطلق على إطلاقه،

203

و المقيد على قيده لعدم المنافاة بينهما، و يكون المعنى ان كلا من المطلق و المقيد جائز و مشروع. و على ذلك فقهاء الطائفة بشهادة الشيخ الأنصاري.

و خلاصة ما سبق ان حكم المطلق و المقيد تماما كحكم العام و الخاص، فكل ما يجري هناك يجري هنا من حمل المطلق على المقيد موصولين و مفصولين، تقدم المقيد أم تأخر عن المطلق، علم تاريخهما أم جهل. و من النسخ بعد العمل بالمطلق و من تقييد الكتاب بالكتاب و السنة، و تقييد السنة بالسنة و الكتاب، الى غير ذلك.

204

المجمل و المبين‏

المبين هو الذي لا تفتقر معرفة المراد منه الى تفسير و بيان، و يقابله المجمل، أي الذي تفتقر معرفة المراد منه الى بيان و تفسير، و الأسباب الموجبة للإجمال ثلاثة:

1- أن يكون اللفظ موضوعا لأكثر من معنى، كالقرء للحيض و الطهر، و الناهل للعريان و العطشان. و كل كلمة اتحد لفظها و تعدد معناها الحقيقي فهي من نوع المشترك اللفظي اسما كانت كالقرء و الناهل، أم فعلا كعسعس للمقبل و المدبر، أم حرفا ك «من» الجارة للتبعيض و الابتداء، و غيرها.

2- أن ينقل اللفظ من معناه اللغوي الى معنى آخر غير معلوم، كلفظ الربا، فإنه موضوع في اللغة لكل زيادة حتى و لو كانت في البيع و الهبة، ثم استعمله الشارع في نوع خاص من الزيادة و نهى عنه، فإذا انسد باب العلم بالزيادة التي حرمها الشارع يكون لفظ الربا مجملا بالقياس اليها.

3- أن يكون المعنى الذي استعمل فيه اللفظ غريبا عن الافهام، و من ذلك الأحاديث النبوية المشتملة على كلمات غامضة لعدم شيوعها في الاستعمال، و يسمى هذا النوع من السنّة الأحاديث الغريبة لفظا، و قد ألّف فيها جماعة، منهم النضر بن شميل و معمر بن المثنى و القاسم بن سلام و مسلم بن قتيبة و الشريف الرضي.

و من هذه الأحاديث قول الرسول الأعظم (ص): «إياكم و خضراء الدمن» حيث يحتمل أن يكون النهي هنا نهيا عن زواج المرأة الجميلة في منبت السوء، و أيضا يحتمل أن يكون نهيا عن حلاوة اللسان مع مرارة الجنان كما قال الشاعر:

و قد ينبت المرعى على دمن الثرى‏* * * و تبقى حزازات النفوس كما هيا