علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
456 /
205

و إذا وردت كلمة في الشريعة، و ترددت بين أكثر من معنى و لا دليل على التعيين- وجب التوقف عن العمل بالحديث الغريب، و تكون الواقعة المشكوك في حكمها من جهة إجمال اللفظ، تماما كأنه واقعة لا نص عليها، لأن مجرد تصور المعنى لا أثر له إذا لم يقترن بالتصديق، و لا تصديق بلا سبب يوجبه.

و ذكر السيد الخوئي المجمل و المبين في تقريراته لدرس النائيني، و كل ما نقله عنه يتلخص بأن مفهوم المجمل و مصاديقه مجهولة، و ان من اللفظ ما هو مجمل عند زيد و مبين عند عمرو لعلم الثاني بالوضع أو القرينة دون الأول، و مثلوا للمجمل بالعديد من الأمثلة، و في الكثير منها نظر. و لا يترتب على البحث في ذلك أي غرض أصولي.

أما المقرر الخراساني فقد أهمل هذا البحث من الأساس، و لم يشر اليه من قريب أو بعيد.

و هو سبحانه المسئول أن يهبنا من لدنه رحمة و توفيقا لأداء أمانة الدين و العلم.

و الصلاة على محمد و آله.

206

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

207

مبحث القطع و الظن‏

208

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

209

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

210

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

211

القطع‏

الوظائف الثلاث‏

تختلف وظيفة المكلّف تبعا لعلمه بالحكم و ظنه به و شكه فيه، و تحدث الأصوليون عن وظيفة الأول في باب مستقل بعنوان القطع، و عن وظيفة الثاني في باب آخر بعنوان الظن، و عن وظيفة الثالث في باب الشك، و دوّنوا هذه الأبواب في القسم الثاني من اصول الفقه بحسب الدراسة و التأليف لا بحسب النوعية و الهوية (1). اما القسم الأول فهو مباحث الألفاظ، و بالأصح البحث في شكل الاستنباط و عملية استخراج الحكم من الدليل السمعي. و سبق الكلام عن ذلك فيما تقدم.

و نعود إلى المكلف المذكور أعلاه لنشير إلى أن المراد به المجتهد، لأنه المقصود الأول بمباحث الظن و الشك من الأخذ بالامارات و الاصول العملية، و لا عبرة بظن المقلد- بكسر اللام- و شكه، أجل قد تشمله بعض مباحث القطع، و لكن تبعا و استطرادا، و المراد بالحكم هنا الواقعي فقط لمكان التكليف به أولا و قبل كل شي‏ء، و لأنه المقصود الأساسي بالدرس و البحث، اما الحكم الظاهري فلا يجب التعبد به إلا بعد الاطلاع على مدركه و دليله، و متى استخرجناه منه وجب علينا العمل بموجبه سواء أعلمنا بموافقته للواقع أم ظننا أم شككنا.

و في بعض الحالات نعمل بالظاهر مع علمنا بأنه خلاف الواقع. و من ذلك ما إذا علمنا بأن هذا المتاع لزيد أو لعمرو، و قد تداعياه معا و لا يد أو بينة لأحدهما، فإنهما يحلفان و يقتسمان بالسوية، و شاع على ألسنة الفقهاء: التفكيك بين الأحكام الظاهرية و الواقعية ليس بعزيز (انظر اصول الاثبات للمؤلف ص 160).

____________

(1) قسموا مباحث الاصول بحسب النوع الى أربعة أقسام: اللفظية و العقلية و الامارات و الاصول العملية.

212

نتيجة القطع‏

المصادر التي ينشأ منها القطع لا يبلغها احصاء. و لست بصدد تتبعها و نقدها في هذا الفصل، بل بصدد القطع بالذات و أقسامه و بعض آثاره و كشفه عن الواقع في نظر القاطع. و ليس من شك أن الكشف ذاتي في القطع، و ليس من صنع صانع و جعل جاعل تماما كالوجود بالنسبة إلى الموجود، بل القطع هو الكشف بعينه عن المقطوع به، و لذا عرفوا العلم بأنه معرفة المعلوم، اما النتيجة الحتمية لهذا القطع و الكشف فهي العمل بالمقطوع به، لأن القطع يفرض نفسه على القاطع، و لا يدع له عذرا يتعلل به مع الامكان و المقدرة: فان ترك و اهمل، و هذي هي الحال، استحق الذم و العقاب. قال الإمام أمير المؤمنين (ع): قطع العلم عذر المتعللين.

و تسأل إذا كان القطع يفرض نفسه على القاطع، و يحتم عليه العمل بالمقطوع به- يكون معذورا أمام اللّه و الناس ان هو أخطأ الحق و الواقع، و كان علمه و قطعه عمى و جهلا!. و لا قائل بذلك.

الجواب:

تحدثنا عن القطع هنا و أثره بالنسبة للقاطع، و هو لا يرى قطعه إلا حقا و صوابا، و من هنا تحتم عليه العمل بموجبه. و هذا لا يتنافى أبدا مع القول بأن الانسان يحاسب و يعاقب على تقصيره و اهماله، و على تعصبه الأعمى لآبائه و أجداده. ان اللّه سبحانه حمّلنا مسئولية الدرس و البحث، و بذل كل ما لدينا من طاقات عقلية في التفكير العلمي الجاد، قال سبحانه من جملة ما قال حكاية عن أهل النار: «وَ قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ- 11 الملك». و معنى هذا ان الذي لا يستعمل عقله يعد مذنبا لأنه أهمل أسمى ما ميزه اللّه به عن غيره، و هو العقل.

سؤال ثان: نسب إلى الاخباريين أو بعضهم القول بأنه لا وزن للقطع من حيث الأخذ و العمل بالمقطوع به إلا إذا حصل و نشأ من بديهة العقل أو دليل الشرع، و أيضا نسب إلى أحد الأقطاب أن قطع القطّاع و شكه بمنزلة سواء، فما رأيك في ذلك؟.

213

الجواب:

لقد نفى صاحب الكفاية هذه النسبة عن الاخباريين و برّ أهم منها. و على فرض وجود قائل بالتفرقة بين القطّاع و غيره- فقوله ليس بشي‏ء ما دامت حقيقة القطع هي الكشف التام الناجز في نظر القاطع، و ما دامت بديهة العقل تفرض على القاطع العمل بما قطع به، و من البديهة بمكان ان حكم العقل لا يقبل نسخا و لا تخصيصا، هذا ان كان القطع طريقا للحكم، و ليس موضوعا له أو قيدا من قيوده. و فيما يلي التوضيح.

القطع الطريقي و الموضوعي‏

قد يثبت الحكم الشرعي للفعل بعنوانه الأولي مجردا عن كل قيد مثل: الخمر حرام، فالحكم هنا لازم لاسم الخمر و عنوانه بما هو و تابع له بلا قيد و شرط، فإن علم به و أصابه من أصاب بقصد أو غير قصد- يكون علمه مجرد أداة، و ليس موضوعا للحكم و لا قيدا من قيوده.

و من أجل ذا سماه الأصوليون بالقطع الطريقي.

و قد يناط الحكم بعلم المكلف كموضوع واقعي له بالكامل بحيث يدور مداره وجودا و عدما دون أن يكون للواقع أية صلة في ذلك مثل: كل مائع قطعت و جزمت بأنه خمر فهو حرام محرم عليك، فإذا عصى المخاطب و شرب مائعا يقطع بأنه خمر استحق اللوم و العقاب حتى و لو تبين بعد ذلك ان ما شربه كان خلا لا خمرا، لأن القطع أخذ موضوعا كاملا بما هو في نفسه لا بما هو كاشف عن الواقع كي يسأل عنه، بل لا يمكن الجمع بحال بين أخذ القطع تمام الموضوع و بين اعتبار الكشف فيه عن الواقع، لان معنى كون تمام الموضوع ان الواقع غير ملحوظ و لا معتبر اطلاقا، و معنى أخذ القطع موضوعا كاملا من حيث الكشف عن الواقع أن الواقع ملحوظ و معتبر. و هذا عين التناقض. و على أية حال فإن هذا النوع يسمى بالقطع الموضوعي.

و قد يناط الحكم بالواقع و العلم به معا، فيوجد بوجودهما معا، و ينتفي بانتفاء أحدهما مثل كل خمر علمت بحقيقته فهو حرام، فإذا شرب المكلف مائعا يقطع بأنه خمر، ثم تبين أنه خل فلا شي‏ء عليه، حيث لا خمر في الواقع الذي أخذ جزءا مقوما لموضوع الحكم. ثم ان هذا القسم بالذات من القطع الموضوعي قد يؤخذ

214

جزءا من الموضوع من حيث هو بصرف النظر عن جهة الكشف عن الواقع، و قد يؤخذ جزءا من الموضوع من حيث هو كاشف عن الواقع.

أما العلم بأن الشارع قد أخذ القطع جزءا من الموضوع على هذا الوجه أو ذاك فيستفاد من مراجعة الأدلة، لأن اطلاق موضوع الحكم و تقييده بيد الحاكم وحده، فإذا لم نجد في كلامه أثرا لذكر القطع كان القطع طريقا الى حكمه، و ان قيد موضوع الحكم بالقطع الى نظرنا جهة التقييد و أسبابه، و حكمنا بموجبها.

و بالاجمال و الاختصار أن القطع على أربعة أقسام:

1- القطع الطريقي الذي يكشف عن الواقع في نظر القاطع، و لا يمد بسبب إلى ما تعلق به الحكم من قريب أو بعيد.

2- القطع الموضوعي الذي هو وحده تمام الموضوع سواء أصاب الواقع ام أخطأه لأنه غير ملحوظ كما سبقت الاشارة.

3- القطع الموضوعي الذي هو جزء من الموضوع، و لكن لا من حيث الكشف عن الواقع، و ان كان الكشف ذاتيا للقطع.

4- القطع الموضوعي الذي هو جزء من الموضوع، و لكن من حيث كشفه عن الواقع. و حكم هذا القسم الرابع قريب من القسم الأول، أما القسمان الثاني و الثالث فيفترقان عن القطع الطريقي في أكثر من وجه، و فيما يلي بيان الفارق.

بين الموضوعي و الطريقي‏

يفترق القطع الطريقي عن الموضوعي من وجهين:

1- ان الشي‏ء المقطوع به في القطع الطريقي تلحقه و تترتب عليه جميع آثاره العقلية و الشرعية و العرفية أيا كان القاطع، و في أي زمان أو مكان حدث القطع، و من أي سبب نشأ حتى و لو كان السبب الموجب رفيف الغراب، لأن هذه الآثار من لوازم الذات للكشف، و هو موجود بالفعل في كل الحالات و الخصوصيات، اما القطع الموضوعي فيمكن اعتباره موضوعا أو قيدا في حال دون حال، كما هو الشأن في حد الزنا، فإنه لا يقام على الزاني و الزانية حتى و لو شهد أربعة

215

شهداء عن علم و جزم إلا إذا كان علمهم و يقينهم ناشئا عن رؤية الميل في المكحلة.

2- ان القطع الطريقي يمكن أن تسد مسدّه عند فقده الأمارات و الاصول العملية المحرزة دون القطع الذي أخذ تمام الموضوع أو قيدا له من حيث هو لا من حيث كشفه عن الواقع. و السر أن الطريق إلى معرفة الحكم الشرعي لا ينحصر بالعلم و القطع، بل هناك طرق أخرى الى معرفته اقامها الشارع عند عدم العلم بمراده، و اعتبر مؤداها بمنزلة الواقع، و أمر بتطبيق العمل بموجبها تماما كالقطع، فكما يجب علينا أن نقيم الصلاة للقطع بوجوبها كذلك يجب ان لا نصرف وجوهنا عن القبلة- مثلا- أثناء الصلاة لخبر الثقة حتى و لو لم نقطع بصدقه. و يأتي الحديث مفصلا ان شاء اللّه عن الامارات و الاصول، و منها الخبر الواحد و الاستصحاب.

و تسأل: لما ذا خصصت و حصرت قيام الامارات و الاصول المحرزة بالقطع الطريقي و الموضوعي شريطة أن يؤخذ قيدا من حيث كشفه عن الواقع لا من حيث هو؟.

الجواب:

ان المقدمات تدل على النتيجة، و قدمنا ان الشارع اعتبر مدلول الامارة و مؤدى الأصل المحرز بمنزلة الواقع تماما كالمقطوع به، و مقتضى ذلك جواز قيام الامارة و الأصل مقام القطع، اما القطع الموضوعي من حيث هو لا من حيث الكشف- فليس له مدلول و لا مؤدى، و انما هو مجرد قيد من صفات المكلف اعتبره الشارع لسبب أو لآخر غير الكشف تماما كما اعتبر العدالة في امام الجماعة، و النسبة إلى هاشم في مستحق الخمس.

المتجرى‏

جرء و جراءة و جرأة: أقدم و هجم، و بهذا المعنى تكلموا عن المتجرى الذي أقدم على عمل بسوء نية و قصد المعصية، و لكنه أخطأ الفعل المقصود، و تبين ان ما أقدم عليه لا سوء فيه و لا إثم، كمن شهد على آخر شهادة زور في علمه و يقينه، ثم تبين أنها حق و صدق، فهل يعد هذا آثما يستحق العقاب على جرأته هذه أو لا شي‏ء عليه؟. و تجدر الاشارة إلى أن عرض مسألة التجرؤ على‏

216

هذا الشكل يجعلها كلامية لا أصولية و لا فقهية، لأن البحث في استحقاق العقاب أو عدمه من علم الكلام في الصميم.

و ليس من شك أن الفعل المقصود به المعصية باق على هويته، لأن سوء النية لا تحرم حلالا، كما ان حسنها لا يحلل حراما، و ان دل التجرؤ على شي‏ء فانه يدل على سوء الضمائر و خبث السرائر. و على حد تعبير بعض العلماء ان القبح هنا فاعلي لا فعلي، و من هنا قال كثيرون: ان المتجرى يستحق التعنيف و التأنيب دون العقاب و التعذيب لأنه لم يأت بفعل محظور نص الشرع على عقوبته، و غاية الأمر ان المتجرى نوى و كفى، و العقاب على مجرد النية تماما كالعقاب على مجرد التفكير، فاذا كان هذا قبيحا فذاك مثله، و الفرق تحكم، اما تعنيف المتجرى دون المفكر فلأن الأول تحرك و باشر عملا ما يعتقد بحرمته، و الثاني لم يقدم على شي‏ء كما هو الفرض.

و تسأل: ما قولك بحديث «انما الأعمال بالنيات» فانه يدل بظاهره أن المعيار الأساس لكل عمل هو النية و الطوية؟.

الجواب:

إن أفعال العباد منها ما لا يختلف و لا يرتبط حسنا و قبحا بنية الفاعل، بل بذات الفعل و هويته كالفساد في الارض بعد اصلاحها، و اصلاحها بعد فسادها، و منها ما يرتبط بنية الفاعل و نظرته كالعبادات و العقود و الموجبات. و المراد من حديث النيات هذا النوع من الاعمال، و ليس كل الاعمال و إلّا لم يكن للخير و الشر من عين و لا أثر الا في ذات الانسان و أعماقه.

217

الظن‏

سلطان الشارع و منهجه‏

القطع لا يقبل احتمال النقيض، و الشك تساوي الاحتمالات بلا رجحان لأحدها، و الظن احتمال راجح على نقيضه دون أن يلغيه. و معنى هذا أن في الظن ايماء إلى الواقع، و لكن لا يوثق بشهادته حتى عند الظان نفسه ان كان من أهل الفطنة و الحجى. و ليس هذا محلا للبحث و الكلام، و أيضا ليس من شك و خلاف في ان الإلزام باتباع الظن و ايجاب العمل به ممكن ذاتا و غير مستحيل عقلا، و إنما الكلام في ان إلزام الشارع باتباع ما يوجب الظن بأحكامه كالخبر الواحد- مثلا- هل يتولد منه مفسدة و ادغال في الدين، أو لا يستدعي شيئا من ذلك؟.

الجواب:

ان الذي بيده سلطة التشريع، و له كل الحق في ان يقول: هذا حلال و هذا حرام، و على الناس ان يتعاملوا معه بالسمع و الطاعة، ان هذا الشارع المتسلط يحق له أيضا- و بطريق أولى- أن يختار لمعرفة احكامه أي طريق يشاء، و أن يكتفي بالظن في طاعتها و امتثالها، و لو أطعناه فيما يحلل و يحرم، و عصيناه في هدايته و ارشاده إلى سبيل الطاعة و وجهها- لكنّا تماما كمن يعترف بالأصل و ينكر الفرع، و يسلم بالمقدمات دون النتيجة.

طريق الأمن و الأمان‏

و قال قائل: ان للّه في كل واقعة حكما، و حكمه تعالى لا يصاب بالظن لأنه لا يغني عن الحق شيئا، و من أجل هذا لا يسوغ بحال أن يلزمنا الشارع‏

218

بالطرق غير العلمية كالخبر الواحد و نحوه، و يوجب علينا العمل بها في طاعة اللّه و امتثال أمره و نهيه، و لو أن الشارع أباح ذلك لأوقع العباد في الأخطاء و المفاسد.

الجواب:

ان الأهم من كل شي‏ء عند المكلف المنقاد هو أن يوقن و يقطع بفراغ ذمته و الخروج عن عهدة التكليف و مسئوليته، و أن يأمن على نفسه نقاش الحساب و أليم العذاب، و ليس من شك ان الوسيلة الأولى لذلك هي أن يسلك المكلف الطريق الذي قرره الشارع لطاعته أيا كان نوعه، فإذا التزمه و عمل بموجبه فقد أيقن و قطع حتما بالخروج عن العهدة سواء أ وافق عمله الواقع أم خالفه. و بكلمة ان الواقع من حيث العمل و بالنسبة إلى المكلف هو مدلول الدليل الشرعي و كفى، و كل من عمل بهذا المدلول فقد أصاب الحكم الذي قرره اللّه في حقه.

و تسأل: هذا صحيح، و لكنه لا يدحض الإشكال المعروف، و هو إذا ثبت التعبد و الالتزام بهذه الامارة- فالأمر لا يخلو من أحد فرضين:

الفرض الأول أن يبقى الحكم الواقعي كما كان قبل قيام الامارة، و عندئذ يتوارد على حادثة واحدة حكمان: الحكم الواقعي الموجود قبل الامارة، و عليه فإن كان الحكمان متضادين يلزم اجتماع الضدين، و ان كانا متماثلين يلزم اجتماع المتماثلين، و الأول محال و الثاني قيل بأنه محال، و قيل: هو تأكيد، و قيل:

تحصيل للحاصل.

الفرض الآخر هو خلو الحادثة من الحكم الواقعي، و يحكم عليها بالحكم الظاهري فقط على وفق مؤدى الامارة، و عليه يلزم التصويب الباطل عند الشيعة و العديد من مذاهب السنة. و يأتي الكلام عنه في الفقرة التالية:

و أجاب صاحب الكفاية و المرزا النائيني بأنّا نختار الفرض الأول، و أنه ليس للحادثة إلا الحكم الواقعي المعين الذي كان قبل الامارة و ثبت في أصل الشريعة، و ان الشارع حين اعتبر الامارة الظنية لم يشرع حكما ثانيا للحادثة على وفق مدلول الامارة يسمى بالحكم الظاهري- توهم ذلك من توهم- كي يلزم اجتماع المتضادين أو المتماثلين، كلا و إنما جعل شيئا آخر سماه صاحب الكفاية بالحجية، و النائيني بالوسطية في الاثبات، و نسميه نحن باتمام الكشف و إلغاء أثر الاحتمال المعاكس، و تكون النتيجة لذلك تنجيز الحكم الواقعي في صورة الموافقة و اصابة الواقع، و المعذرة و رفع المسئولية في صورة المخالفة و البعد عن الواقع.

219

إشكال آخر، و هو أن العمل بالظن أكثر خطأ من العمل بالعلم، و أكثر حرمانا من مصلحة الواقع، و بديهي ان الضرورة تقدر بقدرها، و عليه يجب العمل بالعلم وحده دون الظن حتى و لو نشأ من خبر الثقة، و أجابوا عن هذا الاشكال بأن في الامارة أو في السلوك بموجبها مصلحة تعوّض و تجبر مصلحة الواقع الفائتة!. و لا أدري على أي شي‏ء استند القائل بهذه المصلحة الجابرة و لا دليل عليها من آية أو رواية؟.

و هناك اشكالات و شبهات تقذف هي و أجوبتها بالطالب في متاه بني اسرائيل.

التصويب:

معنى التصويب- على وجه العموم- انه لا حكم للّه اطلاقا في أية حادثة من الحوادث قبل اجتهاد المجتهدين، و إنما ينتظر، جلّت حكمته، حتى يحكم المجتهد بما أدى اليه نظره، و عندئذ ينشئ تعالى علوا كبيرا حكما موافقا لحكم المجتهد بحيث يكون حكم الجلالة تابعا لحكم من ليس له من الأمر شي‏ء.

و هناك معنى آخر للتصويب، و هو ان للّه حكما في كل حادثة، و لكن هذا الحكم يصاب بالنص الشرعي و بغيره ايضا، كالاستحسان و القياس و ما إلى ذلك مما لا دليل عليه من شرع و لا عقل.

و معنى التخطئة ان للّه في كل واقعة حكما واحدا معينا في أصل الشريعة، و قبل الاجتهاد و بعده و إلى يوم يبعثون، و ان المجتهد يخطئ و يصيب، و أجمع مثال و أوضحه هذه الكلمة العاقلة العالمة: «أقول في المسألة برأيي، فإن كان صوابا فمن اللّه و رسوله، و ان كان خطأ فمني و من الشيطان».

و ذهب الامامية و أكثر الشافعية إلى نفي التصويب و بطلانه، و في كتاب اللمع لأبي إسحاق ص 71 طبعة 1939 «الظاهر من مذهب مالك و أبي حنيفة القول بأن كل مجتهد مصيب، و هو مذهب المعتزلة و أبي الحسن الأشعري». و هذا القول يحمل معه الأدلة القاطعة على فساده و ضلاله، و مع هذا نشير فيما يلي إلى بعض ما يستلزمه القول بالتصويب من المفاسد و المخاطر.

اللازم الأول أن يكون ظن المجتهد تماما كالوحي من اللّه ينزل على أنبيائه و رسله، لأن المفروض عدم الخطأ في الحكم.

220

اللازم الثاني أن يتعدد حكم الحادثة الواحدة بعدد الآراء و الأنظار.

اللازم الثالث أن نسد باب الجدال و المناظرة في الفقه ما دام الكل في الحق بمنزلة سواء.

اللازم الرابع ان التصويب يناقض نصوص القرآن و السنة. قال سبحانه‏ «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏- 49 المائدة» و قال نجيه الكريم:

«اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، و إذا اجتهد فأخطأ فله أجر». إلى غير ذلك كثير من الآيات و الروايات.

و في الختام نذكر ما نقله صاحب كشف الأسرار عن صاحب القواطع، و هذا نصه «رأيت أكثر القائلين بالتصويب ليس لهم في الفقه معرفة، و لا في الأحكام كثير حظ، و لم يقفوا على شرف هذا العلم و منصبه في الدين».

الأصل في اتباع الظن‏

و الآن و بعد أن اتضح لدينا أن التعبد و الإلزام بالظن كطريق إلى معرفة الأحكام الشرعية- لا يتنافى مع حكمة الشارع، و لا يستدعي الفساد في دين اللّه و شريعته، بعد هذا ننتقل إلى مرحلة الحس و الواقع، و نتساءل: هل في الأدلة الأربعة ما يدلنا على أن الشارع قد اعتبر الظن على وجه العموم أو على سبيل القضية الجزئية، طريقا إلى بيان مراده، و أمرنا بسلوكه لمعرفة أحكامه، أو لا عين و لا أثر للطرق و الامارات غير العلمية في الشريعة الإسلامية.

و قبل الجواب على هذا التساؤل ب «لا» أو ب «نعم» نفترض أن الشارع لم يشر من قريب أو بعيد إلى الظن كطريق إلى أحكامه سلبا و لا ايجابا، و نبحث بصرف النظر عن كل شي‏ء: هل هناك أصل يسوّغ لنا أن نطلب أحكام الشريعة عن طريق غير علمي؟ تماما كما نبحث عن الأصل في حكم شرب التتن عند عدم النص. و عليه تكون هذه المسألة فقهية لا أصولية. هذا هو المراد بالأصل الذي افتتح به هذه المسألة الانصاري و النائيني و صاحب الكفاية و قالوا:

الأصل المنع دون أن يمهدوا بكلمة واحدة ترفع الغموض و الالتباس.

و اتفق المحققون على أن الأصل عدم جواز العمل بالظن في الأحكام الشرعية الا ما خرج بالدليل القطعي، و استدلوا بالأدلة الأربعة. و في رأينا أن المنع عن‏

221

القول بغير علم لا يحتاج إلى دليل، لأنه من المسلمات الأولية التي يستدل بها و لا يستدل عليها، و من هنا احتج القرآن الكريم على الجاحدين بأنهم يظنون و يخرصون، و اعتبر هذا الظن و التخرص وحده دليلا وافيا على الجهل و الضلالة، قال سبحانه من جملة ما قال في الرد على من كابر و عاند: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ‏- 116 الانعام» و تومئ الآية الكريمة الى أن الظن من غير دليل أشبه بالكذب، بل في الحديث الشريف «الظن أكذب الكذب».

و قال صاحب الكفاية: «مع الشك في التعبد بالظن يقطع بعدم حجيته، و لعمري هذا واضح لا يحتاج إلى بيان و اقامة برهان» و مثل ذلك في رسائل الشيخ الانصاري حيث قال: «أطالوا الكلام في النقض و الإبرام في هذا المقام بما لا ثمرة مهمة في ذكره» .. و مع هذا أطال الشيخ في النقض و الإبرام، و أسهب و أطنب. (قدس اللّه أرواح الجميع).

و الخلاصة لا مانع شرعا و عقلا- من حيث الامكان و المبدأ- أن يعتبر الشارع الظن المقيد طريقا إلى معرفة الأحكام الشرعية بشرطه و شروطه، و لكن لا يسوغ لأحد ان يطلب الحكم الشرعي بالظن الا بعد قيام الدليل القطعي على اعتبار هذا الظن، و عندئذ يكون هذا الظن الخاص المعتبر خارجا موضوعا عن الأصل العام الذي حرم العمل بالظن.

و تجدر الاشارة إلى أن الاصوليين يعبرون عن الظن الخاص الذي دل الدليل على اعتباره، و يسمونه بالدليل العلمي إشارة إلى أن العمل به يستند إلى العلم.

و غير بعيد أن يكون مدرك هذه التسمية قوله تعالى: «ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ‏- 4 الاحقاف» نقول هذا مع علمنا بأن معنى «اثارة» بقية.

ظواهر الكتاب و السنة

و بناء على أن الاصل يقتضي المنع عن العمل بالظن إلا ما خرج بالدليل- نتساءل: هل خرج بالدليل عن هذا الأصل بعض الامارات التي من شأنها أن توجب الظن بالحكم دون العلم؟. الجواب خرجت ظواهر الكتاب و السنة، و الخبر الواحد. بل قيل بخروج غيرهما أيضا. و كلامنا الآن و فيما يأتي يدور حول الدليل على خروج ما خرج عن الاصل المذكور من الامارات و العلامات‏

222

غير بصرف النظر عن فتح باب العلم بالأحكام أو سده. و يأتي الحديث عن هذا السد ان شاء اللّه في فصل مستقل.

و نبدأ الحديث عما خرج بظواهر الكتاب و السنة، ان كل آية أو رواية قطعية الدلالة كالآيات و الروايات الناطقة بوجوب الواجبات و تحريم المحرمات التي لا يختلف في تحديدها اثنان من المسلمين- فهي خارجة عما نحن بصدده، لأنّا نتكلم عن الظن لا عن القطع، و كل آية أو رواية ظنية فهي محل الكلام.

و ليس من شك أن ظاهر الكلام بيان و دليل يوجب العمل به، لا فرق في ذلك بين كلام الكتاب و السنة و غيرهما، و سواء أحصل من هذا الظاهر الظن الفعلي الشخصي لمن علم به أم لم يحصل ما دام الكشف عن المدلول ذاتي لدلالة الظاهر من الكلام، بل هو هي، و متى تحقق هذا الكشف يرتفع الحجاب، و ينقطع العذر، و تتم الحجة على الجميع المقصود بالمشافهة و غير المقصود، لأن عدم القصد لا يبطل دلالة الدليل، و لا يسوغ لغير المقصود أن ينكرها و يقول:

لا دلالة لهذا الكلام لأني غير مخاطب به.

و على هذا جرى العرف العام الذي يعبّر عنه علماؤنا ببناء العقلاء من كل دين و مذهب، و الشارع المقدس سيد أهل العرف و العقل يخاطب الناس في أحكامه و مرامه على المألوف و المعروف فيما بينهم، و لا يختلف عاقلان في ان المعنى المدلول عليه بظاهر اللفظ، أي لفظ، هو المقصود و المراد للمتكلم، و انه حجة له و عليه. قال الإمام أمير المؤمنين (ع): «الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فاذا تكلمت به صرت في وثاقه».

و على هذا الأساس يرتكز القضاء و العديد من الأحكام الشرعية، و ترسم الحقوق و الواجبات، و به و عليه تدور عجلة الخطابات و الفهم و الإفهام، و لولاه ما انتظم شي‏ء من الحياة الاجتماعية، و بهذا يتبين معنا أنه لا حاجة إلى القول «بأن الشارع قرر هذا العرف أو هذا البناء و لم يردع عنه» ما دام الردع غير ممكن، و التقرير تحصيل للحاصل. ان الشارع يقرر و يقلّم و يطعّم من المعروف عرفا، ما في ذلك ريب، و لكن حيث تدعو الحاجة إلى التقرير و التقليم و التطعيم.

و تبعا للسادة المؤلفين في الاصول نشير أن البحث في حجية الظواهر هو بحث في الكبرى لا في الصغرى أي في القاعدة الكلية من حيث هي بصرف النظر عن مصاديقها و أفرادها، اما البحث في دلالة الأمر على الوجوب، و النهي على‏

223

التحريم و ما اشبه من مباحث الألفاظ- فهو بحث في الصغرى بعد التسليم بالكبرى تماما كالبحث في ان هذه الكلمة فاعل أو مفعول مع العلم و الاتفاق بأن الأول مرفوع و الثاني منصوب.

الاخباريون:

ذهبت فئة من الاخباريين إلى أن آي الذكر الحكيم لا تفسّر إلا بالنص من المعصوم، و ان المحكمات منها تماما كالمتشابهات من حيث الاتقاء و الاحجام عن القول فيها خشية الوقوع في الحرام. و قال الشيخ الانصاري في الرسائل: «ان العمدة في منع الاخباريين عن العمل بظواهر الكتاب هي الاخبار المانعة عن التفسير». و أقوى هذه الأخبار قول الرسول الاعظم (ص): من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار.

الجواب:

1- ان هذا التهديد و الوعيد محمول على التفسير بلا علم، أو على تكييف الآيات و تحريفها حسب الأغراض و الأهواء، أو على الأخذ بظاهر الآية دون النظر إلى سائر الآيات كالناسخة و المخصصة و المقيدة مع العلم بأن القرآن ينطق بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض، كما قال الامام (ع) و دون النظر إلى بديهة العقل و ما صح من النقل عن سيد الكونين.

2- ان في القرآن الكريم الكثير من النصوص المحكمة الداعية إلى تدبر القرآن و تعقله، و الاستنارة بهداه، و الانتفاع بعظاته، و العمل بأحكامه، و من ذلك- على سبيل المثال- قوله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏- 2 يوسف» .. «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى‏ قُلُوبٍ أَقْفالُها- 24 محمد» و إذا كان القرآن ألغازا و طلاسم فكيف نتدبر آياته و نتعقلها؟ و هل تقوم الحجة على الخلق بالغيب المحجوب؟.

3- ان القرآن معجزة الإسلام الخالدة، و تنفرد معجزته عن كل المعجزات بالعموم و الشمول، و بأنها مصدر التشريع و مصدر الاخلاق، و بأنها نهضة انسانية، و ثورة علمية تخرج الناس من الظلمات الى النور، و تفتح أمام العلماء و الباحثين آفاقا واسعة من الدراسة و التفكير و التأليف و التصنيف في شتى العلوم و الفنون،

224

فكيف يجتمع كل ذلك أو بعضه مع الزعم بأن القرآن مبهم غير مفهوم لأولى الالباب و العلوم؟ «لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى‏ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ‏- 67 المؤمنون».

قول اللغوي‏

اعتاد الناس منذ القديم أن يرجعوا الى قواميس اللغة اذا أشكلت عليهم كلمة غريبة عن افهامهم. و هذا خارج عن كتب الاصول و غرض الاصوليين سواء أحصل العلم من قول اللغوي ام لم يحصل ما دام معنى اللفظ لا يمد بسبب إلى عالم التشريع، و لا يترتب عليه حكم شرعي، و أيضا لا شك و لا خلاف في الاعتماد على العلم الناشئ من قول أهل اللغة حتى و لو ترتب عليه حكم أو أكثر من أحكام الدين و الشريعة، لأن العلم حجة بذاته لصاحبه و عليه مع صرف النظر عن كون باب العلم بالأحكام مفتوحا أو موصدا.

و بهذا يتبين معنا أن الشك هنا انما هو في أصل الوضع و معنى اللفظ ابتداء و بلا واسطة، و في مراد المتكلم بالتبع و الواسطة، و أيضا يتضح لنا ان الظن الذي تحدثنا عنه في ظاهر اللفظ هو غير الظن الذي نتحدث عنه هنا، ذاك ناشئ من الظاهر، و هذا ناشئ من شهادة اللغوي بعد العلم بأن اللفظ لا ظهور له. و قال النائيني: أجل، و لكن الظن بصدق اللغوي يوجب ظهور اللفظ في المعنى الذي كان مجهولا قبل شهادة اللغوي، و عليه يكون حكم الظن الناشئ من قوله تماما كحكم الظن الناشئ من ظاهر اللفظ.

و في سائر الأحوال فنحن مع العلماء و العقلاء الذين دأبوا تلقائيا، و استمروا قديما و حديثا على الرجوع إلى قواميس اللغة لمعرفة ما أشكل عليهم من معاني الكلمات حين تدعو الحاجة سواء ما كان منها موضوعا لحكم ام لم يكن .. و ان كان من طريق غير هذا فليدلّنا عليه من يجادل و يكابر اللهم إلّا أن يقول:

الأحوط أن نحتاط؟.

225

الإجماع‏

تمهيد:

تقدم أن الأصل في الظن الردع و المنع عن العمل به في الأمور الشرعية إلا ما خرج بالدليل، و أثبتنا بالدليل خروج الظن الشأني الناشئ من ظواهر الكتاب و السنّة. و ذهب كثير من الفقهاء إلى أن الإجماع المنقول خرج أيضا بالدليل عن هذا الأصل. و نتحدث هنا عن الإجماع بوجه عام، و بالخصوص حول الإجماع المنقول.

تعريف الإجماع:

الإجماع في اللغة: العزم، يقال: أجمع فلان على كذا إذا عزم عليه، و منه قوله تعالى: «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ‏- 71 يونس». و في الشرع اتفاق المجتهدين في عصر من العصور على أمر شرعي.

الإجماع بين السنة و الشيعة:

هل الإجماع دليل قائم بنفسه تماما كالكتاب و السنة بحيث تكون مصادر الفقه أربعة:

الكتاب و السنة و الإجماع و بديهة العقل، أو أن الاجماع ليس بحجة منفردة و دليل مستقل، و انما هو مجرد أداة تكشف عن وجود دليل متين و قويم كآية من كتاب اللّه أو رواية من سنة نبية تنطق بالحكم المجمع عليه، و هي معلومة عند المجمعين‏

226

و مجهولة عندنا، و عليه تكون أدلة الفقه في واقعها ثلاثة لا أربعة حيث يكون الإجماع أحد الرواة عن الكتاب و السنة، و ليس نظيرا و مثيلا لهما؟.

قال السّنة: ان الأدلة في واقعها أربعة لا ثلاثة، لأن الإجماع على مستوى كتاب اللّه و سنة نبيه استقلالا و عصمة و حجة.

و قال الشيعة: الأدلة في واقعها ثلاثة لا أربعة، و الاجماع حاك و راو لحكم من أحكام الآيات و الروايات من الكتاب و السنة، و أنكروا أشد الانكار أن يكون الاجماع دليلا قائما بنفسه حتى قال الشيخ الانصاري في الرسائل: «الإجماع هو الأصل للسنة، و هم الأصل له». و قال النائيني: «ليس الإجماع دليلا برأسه في مقابل الادلة الثلاثة: الكتاب و السنة و العقل».

و تسأل: و لكن فقهاء الشيعة قالوا: مصادر الفقه أربعة، و عدوّا الإجماع منها الى جانب الكتاب و السنة و بديهة العقل؟.

و أجاب الشيخ الانصاري من سأل هذا السؤال بما معناه أن عدّ الإجماع مع الأدلة فيه ضرب من التسامح، لأن الاجماع يكشف- مع توافر الشروط- عن وجود الدليل، فسمي المجموع من الكاشف و المكشوف دليلا.

نتاج الفرق بين القولين‏

بناء على قول السنة يكون الاجماع معصوما عن الخطأ و الخطأ مستحيلا في حقه، و من يتهم المجمعين بالاشتباه و الغلط فهو تماما كمن يتهم بذلك قول اللّه و رسوله، و عليه يكون البحث عن اشتباه الاجماع و أهله حراما محرما على الباحثين و أهل العقول من المسلمين، و بهذا صرح بعض علماء السنة، قال صاحب كشف الأسرار في ج 3 ص 251: «الأصل في الاجماع أن يكون موجبا للحكم قطعا كالكتاب و السنة». و قال الغزالي في كتاب المنخول ص 303: «الاجماع حجة كالنص المتواتر». و غالى جماعة من السنة في قولهم: لا يشترط أن يستند المجمعون إلى دليل حيث يجوز أن يحصل لهم العلم الضروري- أي اللدني كما يقول‏

227

الصوفية- و يوفقهم اللّه تلقائيا لاختيار الصواب. (الجزء الثاني من فواتح و أصول الخضري).

و على مذهب الشيعة يجوز تخطئة الاجماع و المجمعين. جاء في كتاب القوانين للمحقق القمي: «يجوز الخطأ على كل واحد من المجمعين، فهكذا المجموع».

و السر أن الاجماع عندهم ليس بأصل و دليل كما سبقت الإشارة، و إنما هو راو و الراوي لا يجوز الأخذ بقوله إلا بعد الوثوق بصدقه و الأمن من خطئه، بل ان فقهاء الشيعة يتسامحون مع خبر الواحد- يأتي الحديث عنه- و يكتفون منه بالظن بل يعملون به و إن لم يحصل الظن، و يتشددون مع الاجماع حيث لا يعتبرونه شيئا إلا مع القطع و اليقين بأنه يكشف عن الدليل السليم، و معنى هذا أن مجرد الاحتمال بخطإ الاجماع يسقطه عن الاعتبار بلا داعي إلى البحث و الدرس حيث لا يقين مع الشك، و لا شك مع اليقين.

و بعد، فإن الشيخ الأنصاري، و هو المحلل الخبير لقضايا الاصول، قد حطّم الاجماع، و ما أبقى له من باقية، و كفى شاهدا على ذلك قوله:

«هو أصل السنة، و هم أصل له».

أقسام الإجماع‏

الاجماع على أقسام، منها:

1- الاجماع المحصل،

و هو الذي يحصّل الفقيه العلم به عن طريق الحس و التتبع لا عن طريق النقل و السماع. و نشير إلى أن الحصول على الاجماع من أصعب الصعب حتى قال أكثر من واحد: انه متعذر.

2- الاجماع المنقول،

و هو نقل الاجماع المحصل مرويا إلى الآخرين بلسان فقيه أو أكثر، و يأتي الحديث عنه في الفقرة التالية.

3- الاجماع السكوتي،

و هو أن يفتي فقيه أو أكثر، و تنتشر الفتوى بين فقهاء العصر، و يمضي أمد للتأمل في الفتوى و مدركها دون أن ينكر منكر و يخالف فقيه. و ليس هذا الاجماع بشي‏ء عند الشيعة حيث لا ينسب لساكت قول، و في كشف الأسرار للأحناف ج 3 ص 228 «الاجماع السكوتي مقطوع به عند أكثر

228

أصحابنا» (1) و قال الغزالي الشافعي في المستصفى: «المختار انه ليس باجماع و لا حجة و لا هو دليل».

4- الاجماع المركب،

و هو أن يقول فريق من الفقهاء بحرمة هذا الشي‏ء- مثلا- و فريق آخر يقول بأنه مكروه. فمجموع القولين اجماع على عدم الوجوب أو الندب، فإن قال قائل بأحد هذين أو بالاباحة الخاصة فقد خرج على الاجماع، و أحدث قولا ثالثا، و نفي هذا القول الثالث يكون بالاجماع البسيط، و لكنه فرع عن المركب، و قد يكون الاجماع بسيطا و مستقلا كما لو اتفقوا قولا واحدا و ابتداء على ان هذا واجب، أو اتفقوا على انه ليس بمباح بالمعنى الأخص أي متساوي الطرفين ثم اختلفوا: هل هو واجب أو مستحب؟.

5- الاجماع القولي، و هو الاتفاق على الفتوى، و الاجماع العملي، و هو عمل المجتهدين بأمر شرعي فإن أفتوا فهو اجماع قولا و عملا و إلا فهو اجماع عملا لا قولا.

حول الاجماع المنقول‏

قلنا في تحديد الاجماع: انه اتفاق المجتهدين في عصر من العصور، و ان من حصّله بنفسه كان الاجماع بالنسبة اليه محصّلا، فاذا نقله إلى الآخرين الذين لم يحصلوه كان الاجماع منقولا بالنسبة اليهم بخبر الواحد، و عندئذ نتساءل:

هل يجب عليهم ان يعملوا بهذا الخبر، و يرتبوا عليه كل آثار الاجماع بحيث يكون الاجماع المنقول في حكم الاجماع المحصل على الرغم من عدم العلم بوجوده؟.

الجواب:

قال فريق من الفقهاء: لا يجب العمل بالاجماع المنقول بخبر الواحد لسبب واضح و بسيط، و هو أن خبر الواحد ليس بحجة في شي‏ء من الأشياء من أصله و أساسه حتى و لو كان المخبر من أعلم العلماء و أتقى الأتقياء.

____________

(1) و في هذه الصفحة بالذات «ان الاجماع يثبت بهذا السكوت إذا كان في غير حالة التقية». و إذن فعلا م الإنكار و التشنيع على من أجاز التقية كفكرة.!

229

أما القائلون بحجية خبر الواحد فقد اختلفوا فيما بينهم، فذهب جماعة منهم إلى ان الاجماع يثبت بخبر الواحد تماما كما يثبت قول المعصوم ما دام كل منهما نقلا بطريق غير علمي كما هو الفرض.

و قال آخرون: لا يثبت الاجماع بخبر الواحد، و قياس نقله على النقل عن المعصوم- قياس مع وجود الفارق، لأن الراوي ينقل عنه بعد السماع منه حسا و مباشرة، أو عمن سمع منه كذلك، فيشمله الدليل الذي دلّ على الأخذ بخبر الواحد، لأن موضوعه النقل عن حسّ لا عن حدس، أما الاجماع فإن الراوي ينقله عن حدس و تخمين و رأي و اجتهاد، و عليه يستحيل أن يكون موضوعا و مقصودا للدليل، الأمر الباعث على العمل بخبر الواحد.

نحن و الإجماع:

و نحن من القائلين بوجوب العمل بالخبر الواحد، و لكن لا نفتح صدرنا للاجماع بشتى أقسامه و أنواعه مع احترامنا للمجمعين إلا إذا اتفق كافة العلماء من يوم الصحابة إلى يومنا، و عندئذ يكون الأمر المجمع عليه ضرورة و بديهة دينية، و تكون هي وحدها الحجة القائمة الدائمة، و ليس الإجماع. و بكلمة إذا لم يصل الاجماع الى حد الضرورة و البديهة فما هو بشي‏ء، و ان بلغها ذهب مع خبر كان.

و دليلنا على هذا الموقف السلبي من الإجماع هو أدلة السنة على اعتباره، و منهج من اعتمده من الشيعة، لأن شيئا من هذا أو تلك لا يقوم على أساس سليم، و لا ينهض باثبات المدعى به، فعمدة الأدلة و أهمها عند السنة حديث «لا تجتمع أمتي على خطأ» و في رواية ثانية على ضلالة. و مع صرف النظر عن صحة الحديث فإن ظاهره يتناول كل مسلم من أمة محمد (ص) أو كل مجتهد مقبول الفتوى من كل عصر لا من عصر واحد لأن الجميع من أمة محمد بلا استثناء.

أما منهج الشيعة في الاجماع فهو حدس، و لا شي‏ء أدل على ذلك من أقوال علمائهم، و منها: الاجماع يكشف عن رضا المعصوم لأن أقوال المرءوسين تدل على قول الرئيس!. و منها: المجمعون علماء اتقياء، و التقوى تمنع من القول بلا علم، و اللازم الحتم لذلك أن نؤمن و نوقن بأن المجمعين ما أجمعوا إلا لوجود دليل‏

230

معتبر عندهم، و هذا الدليل هو حجة علينا على الرغم من جهلنا به كما هو حجة عليهم لعلمهم به؟. و منها قاعدة اللطف، و تقريرها هنا ان اجماع العلماء لو كان خطأ لوجب على المعصوم أن يظهر لهم الحق بطريق أو بآخر كي يقرّبهم من الطاعة، و يبعدهم عن المعصية، لأن ذلك من أخص خصائصه و أهم مهماته! .. إلى أمثال هذه التصورات و الخطرات التي تبتعد عن الحس و الواقع بعد الأحلام عنه تماما كالاستحسان الذي ما أنزل اللّه به من سلطان.

تناقض و اضطراب‏

و أخيرا نشير إلى بعض ما ذكره الشيخ الانصاري في الرسائل من أقوال الفقهاء في نقل الاجماع، نشير إلى ذلك كمثال على الاضطراب و التناقض. و هذا هو:

ان أكثر الفقهاء أو الكثير منهم ينقلون الإجماع في مسائل اشتهر فيها الخلاف، و بعضهم يدعي الاجماع على فتوى ثم يرجع عنها، و فوق ذلك ينقل بعض الفقهاء الاجماع على مسألة لم يتعرض لها أحد سواه!.

اما سر هذا التدافع فهو أن الفقيه كان يعتقد أن هذا الأصل- مثلا- محل وفاق بين الفقهاء، ثم يستخرج منه فرعا من الفروع و يدعي الاجماع عليه لا لشي‏ء إلا لأنه هو قد استخرج بنظره و اجتهاده هذا الفرع أصالة عن نفسه، و نيابة عن الفقهاء حيث ينبغي أن يفعلوا ذلك، و كل ما ينبغي أن يكون فهو كائن بالفعل في رؤيته و منطقه و معالجته الاصول و القواعد!.

الشهرة

ألحق بعض الفقهاء الشهرة بالاجماع، و من أجل ذلك تكلم عنها الاصوليون في ذيل كلامهم عن الاجماع. و ننظر نحن اليها في هذه الفقرة نظرة خاطفة لأنّا على شك من السابق فكيف باللاحق؟.

231

تعريف الشهرة

الشهرة لغة و عرفا، و أيضا عند الفقهاء: الشيوع و الظهور.

أقسام الشهرة

تنقسم الشهرة باعتبار الرواية و العمل و الفتوى إلى ثلاثة أقسام:

1- الشهرة الروائية، و هي أن تعرف الرواية و تشتهر بين الرواة و المؤلفين.

و فائدتها- كمبدإ عام- ترجيحها و تقديمها على أية رواية غير مشهورة تعترضها و تصطدم معها. و يأتي التفصيل في باب التعادل و التراجيح.

2- الشهرة العملية، و هي أن يشتهر بين الفقهاء العمل بالرواية و اسناد الفتوى اليها. و قد اختلف الفقهاء: هل هذا العمل يقوي الرواية إذا كانت ضعيفة، و يجبر من ضعفها، أو انها تبقى على ما كانت عليه تماما كما لو أهملها المشهور؟. و لا بأس باحترام الرواية و ان كانت ضعيفة السند بشرط أن يكون فيها جانب انساني، و لا تصطدم مع شي‏ء من أدلة الشرع. و لكن هذا في واقعه ليس عملا بالرواية الضعيفة، بل بالأصل القائل: كل شي‏ء جائز إلا أن يحلل حراما أو يحرم حلالا.

3- الشهرة الفتوائية، و هي أن تشتهر الفتوى بين الفقهاء مع الجهل بمدركها و دليلها. و هذه الشهرة هي المقصود الأول بالبحث و الخلاف.

الأقوال‏

قيل: الشهرة الفتوائية حجة يجب العمل بموجبها، لأن الظن المتولد منهما أقوى من الظن الناشئ من خبر الواحد، و هذا الخبر حجة، فتكون الشهرة حجة بطريق أولى. و الجواب ان خبر الواحد حجة لقيام الدليل على اعتباره لا لوجود الظن المتولد منه، و لا دليل على الشهرة الفتوائية، و عدم الدليل دليل العدم.

232

و قال المحققون: لا يسوغ بحال الاعتماد على هذه الشهرة في الدين و أحكامه، لأن مجرد الشك في اعتبارها شرعا هو كاف في الدلالة على انها ليست بسبيل إلى معرفة الحق و الدين، هذا إلى أن الدليل الرابع (أي الاجماع) محل الشك و الريب، فكيف بخامس؟ مضافا إلى القول المشهور: «رب مشهور لا أصل له».

و من طريف ما قرأت، و أنا أبحث و أتتبع الأقوال في الشهرة- هذا الكلام أو الإشكال: «ان المشهور عدم حجية الشهرة، فالقول بحجية الشهرة مستلزم للقول بعدم حجية الشهرة، و ما يستلزم وجوده عدمه فهو باطل ببديهة العقل».

233

خبر الواحد

تعريف الخبر الواحد

الخبر منه متواتر، و منه واحد، و التواتر في اللغة: تتابع أشياء واحدا بعد واحد، و المتواتر في اصطلاح المتشرعة: خبر جماعة بلغوا من الكثرة و التباعد فيما بينهم حدا يمتنع معه عادة توافقهم على الكذب، و من شأن الخبر المتواتر ان يحصل منه العلم بالصدق أو ركون النفس و اطمئنانها- على الأقل- و هو خارج عما نحن بصدده. و المراد هنا بخبر الواحد ما انحط عن الخبر المتواتر سواء أ كان راويه واحدا أم أكثر، و من شأنه أن يفيد الظن و هو موضوع البحث في هذا الفصل بشرط الثقة بأمانة المخبر في خبره.

و لا وزن لقول القائلين بحجية كل الأخبار و وجوب العمل بها دون استثناء بزعم أنها بالكامل قطعية الصدور!. قال الشيخ الانصاري: نسب هذا القول إلى شرذمة من متأخري الاخباريين، و لا فائدة في بيانه و الجواب عنه إلا التحفظ من وقوع آخرين في هذا الوهم و الخطأ .. ثم عرض آراء تلك الشرذمة الواهمة و فندها في العديد من الصفحات. اما نحن فيصدنا عن ذكرها عدم الجدوى منها كما قال الانصاري و لم نشر اليها في محل الخلاف و نقل الاقوال حرصا على الوقت، و خوفا من ملل الطالب و القارئ.

محل الخلاف‏

كل خبر من أخبار الآحاد علمنا بصدقه أو كذبه فهو خارج عن محل البحث،

234

و ينحصر كلامنا بأخبار الآحاد غير العلمية. و جهة الخلاف- ان كان خلاف له وزن- أن قول الشارع او فعله او تقريره: هل يثبت بخبر الآحاد الثقات، أو لا يثبت إلا بالخبر المتواتر، أو الواحد شريطة ان تصحبه و تعززه قرينة تفيد العلم و اليقين؟. و هذا الخلاف في واقعه يرجع إلى الخلاف في وجود الدليل السمعي أو اللبّي على ان خبر الواحد حجة في أمور الدين و شرعه مع قصور هذا الخبر عن افادة العلم، أو لا أثر لهذا الدليل؟.

من علم الأصول‏

لا شك في أن البحث حول خبر الواحد كما حررناه هو بحث أصولي محض حيث يناط به و يستخرج منه العديد من الأحكام الشرعية. فإذا ثبت أن خبر الواحد حجة ساغ لنا أن نقول- على سبيل المثال- هذا الشي‏ء أخبر الثقة بأنه حرام، و كل ما حرمه خبر الثقة فهو حرام محرم شرعا لأنه حجة لازمة، فهذا الشي‏ء حرام شرعا.

أدلة النافين‏

قال بعض الناس: لا يسوغ العمل بخبر الواحد لأنه لا يوجب العلم، و اللّه سبحانه يقول: «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏- 36 الإسراء». و غير ذلك كثير من الآيات و الروايات الناهية عن الظن و أتباعه.

الجواب:

1- إن المراد بالظن المنهي عنه الظن في العقيدة و أصول الدين. و كلامنا في الفروع لا في الاصول.

2- نحن أيضا نقول: ان العمل بالظن من غير دليل حرام محرم، و سبق منا الحديث مفصلا و مطولا أن الأصل يقتضي المنع و الردع عن العمل بالظن إلا ما خرج بالدليل القطعي. و لدينا أكثر من دليل قطعي على أن خبر الواحد الموثق قد خرج عن هذا الأصل، و سنعرض الأدلة بعد قليل. و عليه يكون العمل بالظن الذي قام الدليل على اعتباره عملا بالقطع في حقيقة الأمر و الواقع، و ليس عملا بالظن، كما يظن.

235

و أيضا استدل المانعون النافون بدليل العقل، و سبقت الإشارة إلى دليلهم الواهي و ما فيه في أول فصل الظن، فقرة: طريق الأمن و الأمان. و أيضا استدلوا بدعوى الاجماع، و أجابهم من أجاب بالقول المكرور: الاجماع المحصل غير حاصل، و المنقول غير مقبول. و نعطف على هذا الجواب أن القائلين بخبر الواحد أيضا استدلوا بالاجماع. (انظر ما قلناه في فصل الاجماع، فقرة: تناقض و اضطراب).

أدلة الموجبين‏

أما القول بحجية خبر الواحد غير الضعيف فهو المشهور، «بل كاد يكون إجماعا» على حد ما قال بعض الأقطاب، و ليس قوله ببعيد. و لا شي‏ء أدل على وجوب العمل بخبر الواحد من سنّة الرسول و أهل بيته، و سيرة الصحابة و العلماء المراجع في بعث الآحاد إلى الأمصار و البلاد للتبليغ و الهداية، و لو لا ذلك لما قام للدين عمود، و لا اخضرّ للايمان عود. و لو قلنا بأن خبر الواحد ليس بحجة مع أنه يشمل و يعم فتوى المجتهدين- لحرم على الجاهل أن يرجع الى العالم، و كان الاجتهاد فرضا على العين لا على الكفاية!. و مع هذه البديهة الناصعة فقد استدل الموجبون بالأدلة الأربعة التي نعرضها بايجاز فيما يلي.

من الكتاب‏

الدليل الأول آيات من كتاب اللّه. و نكتفي منها بآية النبأ التي تقول: «... إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏- 6 الحجرات». و وجه الاستدلال بها من وجهين:

الوجه الأول الأخذ بمفهوم الشرط حيث أناط منطوق الآية وجوب التحفظ و التثبت بمجي‏ء النبأ من فاسق، و عليه يكون الشرط الأساسي للعمل بخبر الفاسق هو البحث أولا عن صدقه و كذبه، فإن تبين الصدق ساغ الاعتماد على خبره و الحكم به و إلا وجب الإمساك و الإجحام، و معنى هذا بمفهوم الكلام أن أي خبر من غير الفاسق فهو غير مشروط بالتحفظ و التبين، بل يترك أمره و حكمه إلى سامعه إن شاء بحث و سأل عن صدق المخبر غير الفاسق، و ان شاء عمل بالخبر بلا بحث‏

236

و سؤال. و عليه يسوغ لنا أن نعتمد على خبر الواحد ان كان الراوي من غير أهل الذنوب و العيوب.

و قد انهالت الطعون و النقوض على الاستدلال بهذه الآية من كل حدب و صوب. قال الشيخ الانصاري: «أورد على الآية ايرادات ربما تبلغ الى نيف و عشرين»!. و في سائر الأحوال نذكر من هذه الايرادات واحدا فقط لأن فيه الكفاية و زيادة.

و يتلخص هذا الواحد بأن الركن الأول لوجود المفهوم هو أن يكون الموضوع في المنطوق مع كل ما يتصل به موجودا في المفهوم ما عدا الحكم فإنه في المفهوم ضد الحكم في المنطوق، مثل: إن أتاك زيد فأكرمه. فإن المفهوم لهذا الكلام هو إن لم يأتك زيد فلا تكرمه- و ليس إن أتاك أو لم يأتك عمرو- فقد توارد الايجاب في منطوق هذا الكلام و السلب في مفهومه على موضوع واحد، و هو زيد.

و الموضوع في منطوق الآية الفاسق فيجب ان يكون هو دون غيره الموضوع في المفهوم أيضا بحيث يكون المفهوم هكذا: و ان لم يجئكم فاسق بنبإ فلا يجب التبين لا إن جاءكم عادل فلا يجب التبين، لأن العادل غريب عن المنطوق فكيف يكون موضوعا للمفهوم؟.

و سبقت الإشارة مرات إلى أن محل البحث خبر الثقة الأمين دون الفاسق.

هذا، إلى أنه لا مفهوم لهذه الآية من الأساس حتى بلفظ إن لم يجئكم فاسق الخ .. لأنه مع عدم النبأ لا يبقى موضوع للتثبت من صدق النبأ و المنبئ، فكيف نسلب المحمول عن موضوع لا عين له و لا أثر؟ و هل يصح قول من يقول لك: لا تتصرف بالمعدوم، و إياك ان تجالس غير الموجود؟ و عليه يكون الشرط في هذه الآية لمجرد بيان الموضوع و كفى تماما كقوله تعالى: «وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها- 86 النساء». و لو قال قائل:

تدل هذه الآية بمفهومها على أن من ترك التحية لا يجب علينا أن نردها له- لاتهمناه بالعته و البله.

237

الوجه الثاني للاستدلال بالآية الأخذ بمفهوم الوصف، و بيانه أن منطوق الآية ربط بين وجوب التبين و بين مجي‏ء الفاسق بالخبر، و هذا القيد و الربط يشعر بأن الفسق هو العلة المناسبة لوجوب التبين، و ليس خبر الواحد، و لو كان الخبر علة للحكم لوجب التعليل به لا بالفسق، لأن الخبر ذات و الفسق عرض، و لا يسوغ التعليل بالعرض ما دام التعليل بالذات ممكنا، و هل يسوغ لقائل أن يقول:

الأخرس لا يحسن الحديث باللغة الانكليزية لأنه لم يدرسها؟.

و نقض المشتغلون (بأن قلت قلت) نقضوا هذا الاستدلال بأن الوصف لا مفهوم له من الأساس، و بالخصوص إذا لم يعتمد الوصف على الموصوف كما جاء في الآية، فإن الوصف فيها تمام الموضوع و ليس قيدا له، و لو قال:

إن جاءكم مخبر أو رجل فاسق لكان للقول بالمفهوم وجه، حيث يكون الوصف قيدا للموضوع لا نفس الموضوع.

و بعد، فلا أدري لما ذا ركز بعض علماء الأصول كل اهتمامهم على هذه الآية و أوردوا عليها نيفا و عشرين اشكالا مع أن في كتاب اللّه العديد من الآيات التي لا يتطرق اليها الاحتمال المعاكس، و منها على سبيل المثال: «وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ‏- 187 آل عمران».

و لو لم يكن العمل بالخبر واجبا لما وجب البيان و حرم الكتمان. و منها: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏- 43 النحل». و لو لم يكن القبول واجبا لم يجب السؤال.

من السنة

من تتبع سيرة الرسول الأعظم و أهل بيته الأطهار (ص) يقطع و يوقن بانهم كانوا يعتمدون على خبر الواحد في تبليغ الأحكام و الارشاد إلى شريعة الإسلام، فقد بعث النبي لهذه الغاية الآحاد إلى أقصى الأقطار، و تواتر عن آله الأمر بالرجوع إلى الثقات، و من أراد الاطلاع عليها فعليه بوسائل العاملي و رسائل الانصاري. و تجدر الإشارة إلى أن أخبار الآحاد إذا تكاثرت و اتفقت معنى و مضمونا تكاتفت و تعاضدت و صارت متواترة تفيد علم اليقين.

238

تقرير الاجماع‏

قال الأنصاري في رسائله: اما الاجماع على حجية خبر الواحد فطريق تحصيله أحد أمرين: الأول تتبّع أقوال العلماء من زماننا إلى زمان الشيخين: المفيد و الطوسي، فيحصل من ذلك القطع .. و الثاني تتبّع الاجماعات المنقولة. ثم عرض الكثير من قول العلماء القصير و الطويل و الأوسط و انتهى إلى القول:

«الإنصاف انه لم يحصل في مسألة يدّعى فيها الاجماع و الشهرة العظيمة و الامارات الكثيرة الدالة على العمل ما حصل في هذه المسألة، فالشاكّ في تحقق الاجماع في هذه المسألة لا أراه يحصل له الاجماع في مسألة من المسائل الفقهية ..

و لكن الانصاف ان المتيقن من هذا كله الاطمئنان لا مطلق الظن».

و في رأينا أن حصول الاطمئنان ليس شرطا للعمل بخبر الواحد لأن حكم الاطمئنان حكم العلم، و انه يجب العمل بهذا الخبر حتى و لو لم يحصل الظن منه فضلا عن الاطمئنان، و انما الشرط الأساسي هو امانة المخبر و تورعه عن الكذب، و هذا وحده هو شرط كتاب اللّه و سنة نبيه و آله و التابعين لهم بإحسان، و غير بعيد أن يكون مراد الشيخ بالاطمئنان هنا مجرد التثبت و التأكد من أمانة الراوي و صدقه.

العقلاء و خبر الواحد:

الغريب يسأل: أين الطريق؟ و يسلكه تلقائيا بمجرد الاشارة اليه أيا كان المشير، و الطبيب يخبر عن الداء و يصف الدواء، و المهندس يرسم الخطوط أو ينصح باخلاء المسكن، و الفقيه يفتي الجاهل بالحلال و الحرام، و المحامي يشير على صاحب العلاقة .. و الكل يسمعون و يعملون، و لا أحد يشاكس و يعاكس في شي‏ء من ذلك، و لا فيما هو أخطر شأنا و أعظم.

و أيضا كل العقلاء يقبلون الرسالات الشفهية و يجيبون عليها بلا تحفظ، و كل المعاملات و الصناعات و المهن و التجارة أو جلّها ترتكز على خبر الآحاد، و كان المسلمون يتزوجون أيام زمان الحجاب، و يربطون حياتهم و مصيرهم بخبر الواحد،

239

بل و الواحدة أيضا .. حتى رجال المباحث و مكاتب الاستخبارات و أجهزة التجسس يركنون و يعملون بخبر الواحد، و على أساسه تقيّم الدول سياستها حربا و سلما و اقتصادا و علما .. الى ما لا يحصيه إلا عقل الكتروني، و لو لا الاعتماد على خبر الواحد لاختل نظام الحياة الاجتماعية بشتى أبعادها.

و لا أحسب عاقلا يجرؤ على القول بأن كل ذلك مصدره الدلائل و القرائن القطعية التي رافقت خبر الواحد لأنه خلاف الحس و الوجدان. و قال المحققون من العلماء: ان خبر الواحد الموثوق حجة و دليل، لسيرة العرف و العقلاء، و ان هذه السيرة شرعة متبعة إذا أقرها الشارع صراحة أو ضمنا بالسكوت عنها، و كل الأخبار المتواترة و المتعاضدة على جواز العمل بخبر الواحد هي امضاء و تقرير من الشارع لسيرة العقلاء، و لو انه ردع عنها لم تكن حجة، أما نحن فنقول:

يستحيل أن يردع الشارع عن سيرة العقلاء فيما يعود إلى العمل بخبر الثقة لأنها الركن الركين لنظام الحياة و التفقه بالدين، و من ينسب مثل هذا الى الشرع و الشارع فهو مشتبه.

و الخلاصة

و الخلاصة انه يجب العمل بكتاب اللّه و سنة نبيه المتواترة بالقطع و ضرورة الدين، و أيضا ثبت بالقطع المنع عن العمل بالظن إلا ما خرج بالدليل، و قد خرج بالدليل القاطع الظن الشأني النوعي الناشئ من ظواهر الكتاب و السنة، و قول اللغوي إذا لم يصطدم مع الشرع و العرف، و الشهرة الروائية في باب الترجيح، و خبر الواحد بشرط الوثاقة و الأمانة. و لا خصوصية أو أية ميزة للكتب الأربعة (1) علي غيرها من حيث الالتزام بالأصل القائل: لا يجوز العمل بالظن إلا ما خرج بالدليل، أجل ان أكثر الأخبار التي دل الدليل على خروجها عن هذا الأصل- تحتوي عليها الكتب الأربعة.

____________

(1) و هي كتاب الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني، و من لا يحضره الفقيه لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه، و التهذيب، و الاستبصار لمحمد بن الحسن الطوسي. و اذا قال فقهاء الشيعة: المحمدون الثلاثة، فالمراد بهم هؤلاء الأقطاب. اللهم صل على محمد و آل محمد.

240

أما قول الشيخ الانصاري: «اعلم أن وجوب العمل بالأخبار المدونة في الكتب المعروفة مما أجمع عليه في هذه الاعصار، بل لا يبعد كونه ضروري المذهب» أما هذا القول فلا يتنافى اطلاقا مع الأصل المذكور، لان مراد الشيخ بالكتب المعروفة نفس السنة، و إنما خص الكتب المعروفة بالذكر لانها السجل الحافظ لأخبار النبي و آله (ص) و أن أي خبر شذ عنها فهو متروك، و قوله «في هذه الاعصار» يومئ إلى ذلك لأن عصر السلف دوّن كل شارد و وارد حتى الغريب و النادر.

241

شبهة العمل بالظن و أدلتها

بين إفراط و تفريط

ادعى قلة من العلماء أنهم يملكون الأدلة على أن الظن حجة بوجه العموم في مقابل من قال: لا شي‏ء بحجة وراء العلم و اليقين، و قد أفرط أولئك كما فرط هؤلاء، و الطريق الوسطى أن الأصل في الظن المنع عن العمل به الا ما خرج بدليل القطع. و سبق الحديث مفصلا عن هذا الأصل و ما خرج عنه بالدليل.

و الآن نذكر أدلة الواثقين بالظن أو الأدلة على شبهة العمل بكل ظن، و هي أربعة نلخصها كالآتي:

الضرر المزعوم‏

1- إنّ ظن المجتهد بوجوب شي‏ء يستدعي الظن بالعقاب على تركه، و ظنه بحرمة شي‏ء يستلزم الظن بالعقاب على فعله، و الضرر المظنون يجب دفعه بحكم العقل، فيجب العمل بالظن دفعا للضرر، لأن المقدمات تدل على النتيجة.

الجواب:

أولا ان هذا القياس واضح البطلان لعدم الملازمة بين الحكم الواقعي من حيث هو و بين استحقاق العقاب، و إلّا كان الجاهل القاصر مستحقا للعقاب، و لا قائل بذلك، حيث اتفق الجميع على أن الحكم الواقعي لا أثر له إلّا إذا بلغ مرتبة التنجيز، و الشرط الأساسي في بلوغ الحكم هذه المرتبة هو العلم به أو

242

ما يقوم مقامه. قال سبحانه: «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏- 115 التوبة». و قال الإمام الصادق (ع) في تفسير هذه الآية: «حتى يعرّفهم ما يرضيه و ما يسخطه .. ان اللّه احتج على الناس بما آتاهم و عرّفهم». و محل الكلام الجاهل العاجز عن المعرفة، فكيف يستحق العقاب؟ و بالتالي فلا سبيل إلى دعوى الملازمة بين الظن بالوجوب و الحرمة و بين استحقاق العقاب.

ثانيا لو سلمنا- جدلا- بهذا القياس فانه أخص من الدعوى لأنها تعم و تشمل كل مظنون حتى المكروه و المندوب مع العلم بأنه لا عقاب على فعل الأول و لا على ترك الثاني.

الراجح و المرجوح‏

2- لو لم يجب العمل بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح، و الراجح هنا الظن لقربه من العلم، و قبيح في نظر العقل ترك الظن الى الشك و الوهم.

الجواب:

أبدا لا ملازمة بين ترك العمل بالظن و ترجيح المرجوح، لأن المجتهد غير ملزم و لا مضطر إلى العمل إما بالظن و اما بالشك و الوهم، بل يجوز له ترك العمل بهما معا لسبب واضح و بسيط و هو عدم الدليل على الإلزام و الاضطرار.

الحرج المزعوم‏

3- العلم الاجمالي بوجود واجبات و محرمات، و ان منها ما هو مظنون، و آخر مشكوك، و ثالث موهوم. و الاحتياط بإتيانها جميعا عسر و حرج، و يرتفع هذا الحرج بترك المشكوك و الموهوم، و عندئذ يتعين الامتثال بالظن دون الشك و الوهم.

و أجاب الشيخ الانصاري أولا بأن هذا الدليل يرجع الى الدليل الرابع، و يأتي الكلام عنه.

243

ثانيا إذا كان القصد دفع الحرج و كفى فإنه يرتفع بترك الموهوم فقط، فلما ذا يترك المشكوك أيضا مع انه أحد أطراف العلم الإجمالي، بل يجب فعل المظنون و المشكوك معا، و ليس فعل المظنون فقط، لأن الضرورة تقدّر بقدرها.

مقدمات الانسداد

4- مقدمات انسداد باب العلم بالأحكام الشرعية و هي أربعة (1) ان باب العلم بمعظم المسائل الفقهية مسدود و لا يفتح إلا لأهل العصمة، فأين هم الآن؟ اللهم إلا ما ثبت بضرورة الدين و هو أقل من القليل (2) نحن مسئولون عن الأحكام الشرعية، و لا بد من الخروج عن عهدتها بأي طريق ممكن (3) الاحتياط في كل الأحكام عسر و حرج، و اللّه سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها، و إعمال أصل البراءة في كل حكم مجهول محق للدين و مروق منه (4) و إذا تعذر العلم و الأصل و الاحتياط فما عسى أن يبقى من شي‏ء غير الظن، و لو أهملناه لكانت الشريعة اسما بلا مسمى.

و الأصل الأساسي في هذه المقدمات المقدمة الأولى القائلة بانسداد باب العلم، و لذا سمي هذا الدليل بالانسداد، أما سائر المقدمات فهي صحيحة في نفسها، و أي عاقل يشك في المسئولية عن التكاليف و وجوب الخروج عن عهدتها، أو يشك في نفي الحرج، أو في أن أصل البراءة لا يجري في كل الأحكام أو جلها؟

و لكن لا صلة اطلاقا لشي‏ء من ذلك بالظن إلا على القول بانسداد باب العلم، فإذا ثبت أنه مفتوح على مصراعيه يكون الحديث عن المقدمات الثلاث بعيدا عما نحن بصدده إذ لا بقاء لفرع بعد ذهاب أصله.

و من أجل هذا نقصر الحديث على المقدمة الاولى، و نلخص ما قاله الأقطاب حولها، بأن الشارع بعد أن أمر و نهى أرشد إلى طرق المعرفة بأمره و نهيه كأخبار الآحاد الموثوقين، بالإضافة إلى الأخبار المتواترة و ظواهر الكتاب و السنة، و هي كافية وافية بتوفير العلم بمعظم الأحكام الشرعية، أو ما يقوم مقام العلم، و عندئذ ينحل العلم الاجمالي إلى علم تفصيلي بأكثر الأحكام، و تجري الأصول و القواعد في البقية الباقية بلا محذور و لازم باطل و فاسد.

هذه وقفة قصيرة مع انسداد باب العلم بالأحكام، و تلخيص خاطف و سريع‏

244

قصدنا منه أن يكون الطالب على شي‏ء من العلم به، لأن أكثر الطلاب أو الكثير منهم يتجاوزونه في الدراسة، لأنه مجرد فرض لا تدعو اليه الحاجة إلا على أساس العلم بالتراث، أو العلم بالشي‏ء خير من الجهل به. و بعد أن أبطل الأنصاري و الخراساني و النائيني انسداد باب العلم- عادوا و افترضوا صحته و تحدثوا عن ثمره على تقدير وجوده- و فرض المحال ليس بمحال- و فيما يلي نشير إلى بعض ما قالوه حول ثمره و نتاجه، على عقمه!.

الحكم و طريقه‏

ليس من شك أن الظن بالحكم حجة كافية- على القول بالانسداد- فهل الظن بالطريق إلى الحكم أيضا يكون حجة حتى و لو لم يحصل منه الظن بنفس الحكم- مثلا- إذا ظن الفقيه بأن خبر مجهول الحال حجة شرعية يجب العمل به، و أخبره هذا المجهول بوجوب شي‏ء نقلا عن الشارع، و لكن الفقيه لم يحصل له الظن بالوجوب، إذا كان ذلك فهل يجوز للفقيه أن يفتي بالوجوب لمجرد أنه ظن بحجية خبر المجهول؟.

الجواب:

أجل، ان الظن بطريق الحكم حجة تماما كالظن بنفس الحكم، لأنه نائب عن العلم و خليفة له- على القول بالانسداد-، و العلم حجة لازمة سواء أوقع على الحكم نفسه أم على طريقه و دليله، و إن لم يحصل العلم بالحكم، كما هو الشأن في خبر الواحد العادل، فإنّا نقطع بوجوب العمل به حتى مع الشك في مؤداه، و حتى مع امكان تحصيل العلم بالواقع، بناء على انفتاح باب العلم.

و بكلمة: إذا قلنا بأن ظن المجتهد حجة فعلينا أن لا نفرق في حجيته و وجوب اتباعه بين المسائل الفقهية و المسائل الأصولية.

الكشف و الحكومة

بعد البناء على أن مقدمات الانسداد تبرر العمل بالظن و توجبه- نتساءل:

هل وجوب العمل بالظن، و هذي هي الحال، من باب الكشف أو الحكومة؟

245

و معنى الكشف هنا أن العقل يستخلص و يكتشف من مقدمات الانسداد أن الشارع هو الذي جعل و اعتبر الظن طريقا لطاعته و امتثال أمره دون أن يحكم العقل بشي‏ء سلبا و لا ايجابا، لأنه أداة كاشفة لا سلطة حاكمة.

و معنى الحكومة أن العقل يحكم هنا بأن الشارع يقبح في حقه أن يطلب من المكلّف الطاعة بغير الظن بعد أن انسد في وجهه باب العلم. و أيضا يحكم العقل مستقلا بأن المكلف لا يسوغ له أن يترك الامتثال بالظن إلى الامتثال بالشك أو الوهم ما دام الظن ميسورا أو ممكنا.

و نحن مع صاحب الكفاية في قوله بالحكومة دون الكشف، لأن مقدمات الانسداد بمجموعها تدور حول الطاعة و الخروج عن عهدة التكليف، و تفرض أن المكلف عاجز عن الامتثال العلمي، و أن الاحتياط ليس بواجب، و ان الرجوع إلى أصل البراءة ليس بجائز، و ان الظن هو المتعين، و ان العقاب على العمل به قبيح بحكم العقل، و أقبح منه أن يمتثل المكلف بالشك و الوهم مع قدرته على الامتثال بالظن، و كل ذلك يعود إلى الطاعة، و كل ما يعود إلى الطاعة فهو من وظيفة العقل دون الشرع، و إن أمر الشرع بالطاعة فأمره ارشاد إلى حكم العقل، و ليس انشاء و تأسيسا.

القياس بين الشرع و العقل‏

و تسأل: من المقرر أن القواعد و الأحكام العقلية لا تقبل التخصيص، و عليه فلو كان العقل مستقلا في الحكم بحجية الظن- كما ادعيت بناء على الانسداد- لما ساغ للشارع أن ينهى عن شي‏ء من الظن أيا كان السبب الموجب له مع العلم بأن الشارع نهى عن القياس، و أنكر أشد الإنكار على العاملين به حتى و لو حصل منه ألف ظن و ظن، فكيف نقض الشرع ما أبرم العقل و حرم ما أوجب؟

و كل الراسخين في علوم الإسلام قد أوجبوا تقديم ما يشير به العقل إذا تعارض مع ظاهر الشرع، و معنى هذا وجوب العمل بالقياس حتى و لو نهى عنه الشرع؟.

الجواب:

إن العقل هنا لا يحكم بحجية الظن مطلقا و من غير قيد، و إنما يحكم بحجية

246

الظن الذي لم ينه عنه الشارع، فإذا ثبت هذا النهي بالقطع و اليقين يخرج الظن المنهي عنه عن حكم العقل منذ البداية. و معنى هذا أن القياس خارج موضوعا عن حكم العقل، و أن الشرع و العقل متفقان في الحكم بخروج القياس و الخبر الضعيف و كل ما دل الدليل القطعي على خروجه و عدم اعتباره.

قياس ابليس‏

و بمناسبة ما تقدم نشير إلى أن حديث القياس كثير و طويل‏ (1) و نكتفي بالايماء إلى الأصل و الأساس الذي بني عليه اختلاف السنة و الشيعة في القياس .. أبدا لا خلاف بين المسلمين على وجوب الحكم بما أنزل اللّه، و أنه لا حرام إلا ما حرم، و لا حلال إلا ما أحل، و انما الخلاف بين السنة و الشيعة- حول القياس- في أنه هل يسوغ لأحد أن ينسب إلى دين اللّه و شريعته أحكاما رآها هو بظنه، و اكتشف عللها برأيه؟.

قال الشيعة: كلّا و ألف كلا، فإن دين اللّه لا يصاب بالآراء و الظنون و إلا لكان الناس في غنى عن ارسال الرسل و انزال الكتب. و أيضا ان اللّه لم يكل تشريع دينه و أحكامه إلى ملك مقرب أو نبي مرسل، فكيف يكله إلى ظن فقيه أو رأي مجتهد؟. بالاضافة إلى العديد من الآيات و الروايات الآمرة بالرد إلى اللّه و رسوله، الناهية عن القول على اللّه بالظن و الرأي.

و قد دحض سبحانه رأي ابليس و ظنه في قياسه الذي احتج به و «قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ‏- الاعراف 12» بل دحض سبحانه كل ظن لابليس إلا ظنا واحدا صدقه فيه، و هو «فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ‏- 83 ص».

و ليس من شك أن من عمل بقياس ابليس فهو من المستشهدين بين يديه، اما التصديق من اللّه تعالى بهذا القسم فتشهد له الآية 20 من سبأ: «وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ».

____________

(1) من أراد التطويل و التفصيل فعليه بالسفر القيم للسيد التقي الحكيم: «الأصول العامة للفقه المقارن» فلقد أعطى القياس من صفحاته 55 صفحة دون أن يأخذ المؤلف من القياس حرفا واحدا.

247

و قال السنة: إذا لم نجد نصا على حادثة نحكم عليها بحكم حادثة ثانية نطق النص بحكمها، اما الملازمة بين حكم المسكوت عنه و حكم المنطوق به- فيناط أمرها و تحديدها إلى نظر المجتهد و رأيه، لأن المجتهد- في مذهب السنة- كما يسوغ له أن يستخرج الأحكام من النصوص أيضا يسوغ له أن يستنبط علل الأحكام بظنه و اجتهاده دون أن يعتمد على نص و دليل من الشرع، ثم يعطي حكم المنصوص عليه للمسكوت عنه لا لشي‏ء إلا لأن الاثنين يشتركان في العلة التي استنبطها المجتهد بحدسه و تصوره.

- مثلا- نص الشرع على أن الخال و ابن الأخت يتوارثان، و سكت عن حكم النفقة و انها هل تجب للمعسر على الموسر منهما أم لا تجب؟ فيحكم الفقيه القياسي على الموسر بالانفاق لأن ما هو علة للتوارث يجب- في رأي القياسي- أن يكون أيضا علة للانفاق.

و يدحض هذا النوع من الاجتهاد:

أولا انه غير مفيد للقطع و اليقين لجواز أن يكون الحكم ثابتا لذات الموضوع و خصوصه لا لعمومه، أو لعلة خارجة عنه، و قد غابت عن حدس المجتهد القياسي و فهمه.

ثانيا ان علل الأحكام الإلهية لا يعرف كنهها إلا الذي شرعها، و إذا جاز لعالم ضليع أن يبين الحكمة من تشريع حكم من أحكام اللّه- فلا يسوغ له أن يتخذ من هذه الحكمة المستنبطة مبدأ عاما للتفريع و التطبيق.

ثالثا ليس من الضروري أن تشترك الأشباه و النظائر في علة الحكم، فإن مبنى شريعة الإسلام على جمع المتفرقات، و تفريق المجتمعات، فمن الأول الجمع بين النوم و الغائط في موجبات الوضوء، و من الثاني قطع يد السارق دون الغاصب، و هو أشد جرما.

رابعا يجوز أن تكون العلة التي استنبطها المجتهد هي في واقعها حكمة لا يجب اطرادها، أو جزء علة لا يلزم من وجودها الوجود و ان لزم من عدمها العدم، إلى غير ذلك كثير.

و ان شئت أن تعرف ما قاله أهل البيت (ع) في القياس فانظر أول باب القضاء في وسائل الشيعة للحر العاملي.

248

و في الختام نشير إلى أن القياس عند السنة ليس مجرد قاعدة أو أصل كالاستصحاب، بل هو من أصول الأدلة كالكتاب و السنة، و من هنا عدوّه معهما في أدلة الفقه و قالوا: هي أربعة: الكتاب و السنة و الاجماع و القياس. و قال صاحب كشف الأسرار الحنفي: «القياس مدرك في أحكام الشرع و دليل يوقف به على الحكم». و قال الغزالي الشافعي في كتاب المنخول: «القياس أمارة الحكم شرعا». و قال ابن القيم الجوزية الحنبلي في اعلام الموقعين ج 1 ص 133:

القياس الصحيح هو الميزان الذي عناه اللّه بقوله: «لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ- 25 الحديد».

و في كتاب «مالك» للشيخ أبو زهرة فصل الاصول التي عليها مالك هي أربعة: الكتاب و السنة و عمل أهل المدينة و القياس.

و بعد، فإن المذاهب الأربعة بالكامل ترى القياس أصلا من اصول الأدلة تماما كالنص، قال ابن القيم في أعلام الموقعين ج 1 الفصل الرابع: «ليس أحد من الأئمة إلا و هو موافق على هذا الأصل من حيث الجملة». و الفرق في مدى الاعتماد عليه سعة و ضيقا، اطلاقا و تقييدا.

249

مباحث الشك‏

250

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

251

حول الشك في الحكم‏

قلنا في أول باب القطع: إن وظيفة المكلف تختلف تبعا لعلمه بالحكم و ظنه به و شكه فيه. و سبق الحديث عن حكم القطع و الظن، و آن الأوان للحديث عن الشك.

الشك و المشكوك‏

و المراد بالشك هنا ما يعم الظن الذي لا حجة له و لا دليل عليه، و المراد بالمشكوك ما يشمل التكليف و المكلف به، و الشك في التكليف يسمى شبهة حكمية، و في المكلف به شبهة موضوعية، و الفرق بين الشبهتين أولا أن متعلق التكليف المشكوك في الاولى فعل كلي كشرب التتن، و متعلقه في الثانية فعل خاص و جزئي كشرب هذا السائل الموجود في إناء معين. و ثانيا ان مصدر الشك في الاولى اليأس من معرفة الدليل على الحكم، و في الثانية اشتباه الفرد المطلوب بأمثاله و نظائره مع العلم بالحكم و دليله كالشك في أن هذا خل أو خمر بعد العلم بأن ذاك حلال و هذا حرام.

بين الحكم الظاهري و الواقعي‏

الحكم الواقعي هو المجعول بالجعل الأولي في أصل الشريعة و بدايتها بلا قيد أو شرط، و لذا يعم و يشمل العالم و الجاهل و القادر و العاجز، و الفرق أن هذا الحكم‏

252

الواقعي لا يصل و يبلغ مرحلة البعث و التنجيز في حق ذوي الأعذار، و يصل اليها بالنسبة إلى من لا عذر له كالعالم القادر.

اما الحكم الظاهري فإنه مجعول للفعل من حيث الجهل بحكمه الواقعي و عدم العلم به، و لا بد من التنبيه إلى ان مؤدى الأدلة الظنية المعتبرة شرعا ليس حكما واقعيا و لا ظاهريا، لأنها مجرد طريق إلى الواقع و كفى، فإن صادفته تنجز و إلا فهي عذر فقط. و سبق الحديث عن ذلك في فصل الظن، فقرة: طريق الأمن و الأمان.

أما الشك في مورد الدليل الظني المعتبر فهو في حكم العدم شرعا و تعبدا. و فيما يلي التفصيل.

بين الأصل و الدليل‏

الدليل ما يستدل به على الشي‏ء لأنه يكشف عنه، و الكشف منه تام، و هو ما من شأنه أن يوجب العلم بالمدلول، و منه ناقص و هو ما من شأنه أن يوجب الظن دون العلم. فإن قام الدليل الشرعي القطعي على الأخذ به و الاعتماد عليه في المسائل الشرعية كالظن الناشئ من خبر الواحد- مثلا- كان هذا الدليل متمما للكشف الظني و لاغيا للشك من حيث الأثر تعبدا.

و الدليل الظني المعتبر شرعا يسمى بالحجة و بالأمارة و الدليل العلمي، لأن العمل به عمل بنفس العلم لا بالظن في حقيقة الأمر و الواقع، و ذلك بأن الشرط الأساسي في الدليل الذي يستدل به على اعتبار الظن و حجيته- أن لا يعترضه الشك و الريب و لا يسقط عن الاعتبار و الدلالة، لأن مجرد الشك في وجود الدليل أو في نعت الموجود بالدليل و صحة الاستدلال به- كاف في الدلالة على أنه ليس بشي‏ء يوصل إلى العلم و المعرفة.

أما الأصل فلا تطلق عليه كلمة أمارة بحال لأن من شأنها الكشف عن الواقع، و المفروض ان الشارع ألغى الاحتمال المعاكس في موردها، و أين الأصل من ذلك؟

فإن الشك شرط رئيسي في موضوعه و كيانه، و الشك- كما هو في طبعه- أبعد ما يكون عن الكشف و الحكاية. و قال بعض الفقهاء: يجوز أن نطلق على الأصل كلمة الدليل الفقاهتي بالنظر إلى أن الفقيه يلجأ اليه عند الحيرة، و يطبق عمله على موجبه بعد اليأس من دليل العلم و العلمي. أما كلمة الدليل الاجتهادي‏

253

فتختص بالأمارة لأن المجتهد يبذل كل ما يملك للبحث عن الدليل الظني المعتبر بالحكم الشرعي. و يجوز أن يطلق على الأصل كلمة الحجة حيث يحتج به الفقيه إذا أورده في مورده.

و من كل ما تقدم يتبين لنا أنه لا تعارض و لا تخصيص بين الأصل و الدليل، لأن الدليل متقدم ذاتا على الأصل، و الأصل متأخر رتبة عن الدليل، و معنى هذا أنهما لا يجتمعان و لا يتواردان على موضوع واحد حتى في عالم الجواز و الإمكان، لأنه مع وجود الدليل لا موضوع للأصل، و الأصل لا يوجد إلا بعد اليأس من وجود الدليل. و من هنا قال أهل النظر و التحقيق: ان الأصل خارج عن الدليل موضوعا و تخصصا لا حكما و تخصيصا.

الأصول الأربعة

الأصول كثيرة العدد، و شرحها يطول، و الجامع بين شتاتها أنها وظيفة للجاهل بالواقع من حيث جهله به و يأسه من الكشف عنه بالعلم أو الظن المعتبر.

أما الفرق بين أصل و أصل فيعرف من مورد الجهل و ما وقع عليه الشك، و القصد الأول من حديثنا الآن و ما بعده هو الأصول الشهيرة الأربعة: البراءة و التخيير و الاحتياط و الاستصحاب، و قد يجري الحديث عن غيرها و لكن استطرادا و بالمناسبة.

و تسأل: و لما ذا الاهتمام بالأصول الأربعة دون سواها؟

الجواب:

لأنها عامة تجري في الشبهات الحكمية و الموضوعية، و في كل كتاب و باب من كتب الفقه و أبوابه؛ أما غيرها من الأصول فإن عم و شمل الشبهة الحكمية و الموضوعية اختص بباب واحد من أبواب الفقه كأصل الطهارة فإنه خاص بها، بالإضافة الى أنه محل وفاق بين الجميع. و على فرض دخول أصل ما في أكثر من باب- فإنه يختص بالشبهة الموضوعية وحدها كأصل الصحة في فعل النفس و الآخرين.

و هناك بعض الأصول لا تجري إلا في مسألة واحدة فقط كالحرية في الانسان، و أصل الولد للفراش. و من هنا جاء الاهتمام بالأصول الأربعة دون سائر الأصول.

254

و موضوع أصل البراءة الشك في جنس التكليف و هويته بشرط غض النظر عن الحال السابقة و عدم لحاظها و ان كانت موجودة.

و موضوع التخيير العلم بوجود الإلزام و المسئولية مع التردد بين محذورين بحيث لا يمكن الجمع بينهما بالاحتياط و الموافقة القطعية كالوجوب و الحرمة.

و موضوع الاحتياط الشك في المكلف به بعد فرض العلم بنوع التكليف و القدرة على الموافقة القطعية و حصر المشتبه بأطراف معينه.

و موضوع الاستصحاب الشك في التكليف أو المكلف به بشرط النظر إلى الحال السابقة و لحاظها. و قال الشيخ الأنصاري: «ان موارد الاصول قد تتداخل لأن المناط في الاستصحاب ملاحظة الحالة السابقة المتيقنة، و مدار الثلاثة الباقية على عدم ملاحظة الحالة السابقة و ان كانت موجودة». و ما من شك ان التداخل الحقيقي غير مراد للشيخ، كيف و لكل أصل قيوده و حدوده التي تبتعد به عن غيره من الأصول؟ و انما أراد أن الحال السابقة قد توجد في موارد الأصول الثلاثة و لكن دون النظر اليها، و لو نظرنا اليها لجرى الاستصحاب.

هذه صورة مجملة و سريعة عن الأصول الأربعة، رسمناها لمجرد التمهيد، و الكلام الجامع، في محل البحث عن كل أصل منها على انفراد ان شاء اللّه.

أصل الحظر أو الإباحة

و تسأل: لما ذا الكلام عن البراءة و الاحتياط ما دام هناك بحث آخر يعرفه الجميع و هو هل الأصل في الأشياء الحظر أو الاباحة؟ أ لا يغني هذا عن بحث البراءة و الاحتياط؟.

الجواب:

إن الجهة المبحوث عنها في أصل البراءة و الاحتياط غير الجهة المبحوث عنها في حكم جميع الأشياء بمقتضى الأصل، فإن هذا الأصل ينظر إلى الأشياء من حيث هي و بصرف النظر عن حكم كل حادثة و ان للّه في كل واقعة حكما، أما أصل البراءة فموضوعه الحكم الخاص الذي شرعه اللّه لهذه الحادثة حين شرع الأحكام لكل شي‏ء «حتى أرش الخدش فما سواه، و الجلدة و نصف‏