علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
456 /
255

الجلدة» كما في الحديث. أما أصل الاحتياط فموضوعه طاعة الأحكام و امتثالها، و أين هذا من الحكم الواحد الذي يعم و يشمل كل الأشياء دون استثناء؟.

و قد يقول قائل: لما ذا سكتّ و تجاهلت حصر الاصول بأربعة، و قول القائلين: «اما ان يلاحظ الحالة السابقة للشك، و اما لا، و على الثاني اما ان يكون التكليف معلوما، و اما لا، و على الاول اما ان يمكن الاحتياط، و اما لا.

فللأول الاستصحاب، و للثاني الاحتياط، و للثالث التخيير، و للرابع البراءة»؟.

(انظر تقريرات النائيني للخراساني ج 3 ص 118 طبعة 1351 ه). هذي عبارة الكتاب، و لا أدري: هل غلط الناسخ في شي‏ء منها؟.

الجواب:

أولا المهم معرفة الاصول و كفى، اما الحصر و أسلوبه و انه عقلي أو استقرائي- فلا ينفع من علمه، و لا يضر من جهله. ثانيا رفقت بالطالب أن يقع في دوار يأخذ برأسه نقضا و ابراما. و اللّه في عون الاستاذ ما دام هو في عون طلابه و تلاميذه.

256

البراءة

بين البراءة و الإباحة

ذكروا العديد من الفروق بين أصل البراءة و أصل الإباحة، نلخصها بالآتي:

1- ان أصل البراءة لا يعنيه من أمر الحكم الواقعي شي‏ء بعد أن تعذر وصوله إلى المكلف، و إنما ينظر فقط إلى وظيفة المكلف في الحال التي هو عليها، و تحريره من المسئولية و إعفائه من العقاب، اما أصل الإباحة فإنه ينظر إلى الفعل الذي لا مصلحة فيه تلزم بإتيانه، و لا مفسدة تلزم بتركه، و معنى هذا أن كلا من الأصلين يؤدي إلى نفس النتيجة التي يؤدي اليها الآخر، و هي جواز الفعل و الترك، و الاختلاف إنما هو في الطريق و الوسيلة.

2- إن أصل الإباحة يعبر به في الشبهات التحريمية فقط لأنه ينفي التحريم، أما أصل البراءة فيعبر به في الشبهة الوجودية لأنه ينفي الإلزام بالفعل و المسئولية عنه.

3- ان أصل الإباحة ينفي الحكم الشرعي الظاهر، و أصل البراءة ينفي العقاب.

4- قال الآشتياني: أصل البراءة أعم و أشمل من أصل الإباحة.

هذا ما اطلعت عليه و انتهيت اليه بعد التتبع و الاستقراء، و ما رأيت أي حد و فرق جوهري بين الأصلين، كالفرق بين البراءة و الاستصحاب مثلا. و لذا أعبر بما يسبق اليه لساني منهما دون تحفظ.

257

على طريق الانصاري‏

سبقت الإشارة في الفصل المتقدم إلى أن المقصود بالبحث أولا الأصول الأربعة:

البراءة و التخيير و الاحتياط و الاستصحاب، و ابتدأ الشيخ الانصاري بالبراءة، و قسّم البحث فيها الى الشبهة التحريمية و الشبهة الوجوبية، ثم قسّم كلا منهما باعتبار سبب الشك و الاشتباه إلى مسائل أربع: عدم النص و اجماله و معارضته و اشتباه موضوع الحكم في الخارج، و أفرد كل مسألة ببحث خاص، و نحاول نحن أن نسير في البحث على نهج الشيخ الواضح من حيث الترتيب.

الشبهة التحريمية

و معنى الشبهة التحريمية أن يعلم الفقيه بالتفصيل حقيقة هذا الفعل كشرب التتن الذي مثل به الانصاري، و أيضا يعلم الفقيه باليقين أن هذا الفعل ليس بواجب، و لكنه يجهل و يشك في حكمه الخاص عند اللّه: هل هو الحرمة أو الندب أو الكراهة أو الاباحة بالمعنى الأخص؟ أي إما يجب ترك المشكوك حتما، و اما يجوز فعله لا بنحو الحتم و الإلزام. هذا هو المراد بالشبهة التحريمية.

و أشرنا قبل قليل إلى أسباب الشك الأربعة، و منها عدم النص، و نتكلم الآن حول الشبهة التحريمية التي تعرض للفقيه بعد جهده و عجزه عن الاطلاع على النص و معرفته به، و في هذه المسألة قولان: الأول البراءة و عدم المسئولية عن الحكم المشكوك، و هذا القول لعلمائنا الأصوليين. و القول الثاني: وجوب الاحتياط بترك الفعل، و هو للاخباريين كلهم أو جلهم. و نعرض أولا أدلة الاصوليين، و نعقبها بأدلة الاخباريين.

آية نفي العذاب بلا بيان‏

استدل الاصوليون على البراءة بالأدلة الأربعة، فمن الكتاب قوله تعالى:

«وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا- 15 الاسراء». قال صاحب الكفاية:

«ان هذه الآية أظهر الآيات التي استدلوا بها على البراءة». و وجه الدلالة أن المراد بالبعث هنا تبليغ الأحكام، و بالرسول البيان نقلا أو عقلا، و المعنى‏

258

لا عذاب إلا بعد قيام الحجة الواصلة الكافية، و نفي العذاب الأخروي و الدنيوي يكشف عن التوسعة و الرخصة بالفعل و الترك، و لا معنى للبراءة وراء ذلك.»

و الحق أن هذه الآية أبعد ما تكون عما نحن بصدده، لأنها تدل بصراحة أن كلمة العذاب حقت على من علم بالحق و قامت عليه الحجة اللازمة، و مع هذا تمرد و عاند، و أين هذا من وظيفة الجاهل بأحكام اللّه و هل عليه أن يحتاط؟

كما هو الفرض؟. و ليست سائر الآيات التي استدل بها الاصوليون، أوضح في الدلالة من هذه الآية، بالإضافة إلى أن الاخباريين القائلين بوجوب الاحتياط يعترفون بأنه لا عقاب بلا بيان، و لكنهم يدّعون وجود النص و البيان على وجوب الاحتياط، و اذن يجب على القائلين بالبراءة أن يبطلوا هذه الدعوى، و يثبتوا نفي الدليل على الاحتياط في مقام الشك في التحريم.

حديث الرفع‏

و أيضا استدل الأصوليون بأحاديث، منها المعروف بحديث الرفع، و هو «رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا اليه، و الطيرة و الحسد و الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة».

و هذا الحديث يدل بظاهره على أن التسعة المذكورة كلها مرفوعة من الأساس عن أمة محمد (ص) و الواقع العياني المحسوس ينفي ذلك و يرفضه، و عليه فلا بد من التأويل تصحيحا لكلام العليم الحكيم، فبأي شي‏ء نؤوّله و نفسره؟.

و يمكن الجواب عن هذا السؤال بصفحات طوال عراض، كما فعل الأنصاري و النائيني، و أيضا يمكن الجواب عنه بأسطر، و نختصر ما أدركناه و فهمناه بأن المراد بالرفع هنا دفع المؤاخذة قبل ثبوتها، و يكون المعنى أن اللّه سبحانه لا يحاسب و يعاقب على ترك الشي‏ء أو العمل به تكليفا كان أو مكلفا به ما دام الفاعل أو التارك مخطئا أو ناسيا أو جاهلا أو عاجزا أو مكرها أو مضطرا أو حاسدا أو متطيرا أو موسوسا، أبدا لا يؤاخذ واحدا من هؤلاء، شريطة أن لا يكون مقصرا و متهاونا فيما يطلب منه، و أن لا يبغي إذا هو حسد، و أن يمضي إذا تطير، و ان لا ينطق بسوء إذا وسوس الخنّاس في صدره.

259

و هذا المعنى- كما ترى- يلتحم و ينسجم مع كل عقل غني، و فهم ذكي، و مع فطرة اللّه التي فطر الناس عليها، و مع الشريعة السهلة السمحة التي لا عسر فيها و لا حرج. و عليه يكون المراد ب «ما» في قول النبي (ص): «و ما لا يعلمون» الذي هو محل الشاهد، يكون المراد دفع المؤاخذة على الشي‏ء المجهول تكليفا كان كحرمة شرب التتن- على فرض الحرمة بعلم اللّه- أو موضوعا للتكليف كالسائل المردد بين الخل و الخمر، و بتعبير علماء الأصول يشمل الدفع «فيما لا يعلمون» الشبهة الحكمية و الموضوعية، و القاسم المشترك بينهما مفهوم الشي‏ء المجهول. و لا عبرة بقول من قال: لا جامع بين الحكم و متعلقه، لأن الشي‏ء المجهول و المشكوك لدى الفقيه الحائر يعم الاثنين.

هل يمكن رفع المرفوع‏

و تسأل: ان دفع الشي‏ء أو رفعه إنما يتصور بعد أن يثبت السبب الموجب لوجود الشي‏ء الذي يراد دفعه أو رفعه، و بدون ذلك لا يمكن الدفع و الرفع حيث لا نقش بلا عرش، و لا أصل بدون فرع، و بديهي أن المؤاخذة فرع و نتيجة لوجود التكليف الشرعي و معصيته، و أيضا من البداهة بمكان أن الشارع الحكيم لا يكلف المخطئ و الناسي و المكره و المضطر، إلى آخر التسعة المذكورة في الحديث؛ لأن التكليف مع أي عارض من هذه التسعة إلا الاحتياط في مورد الجهل- هو تكليف بما لا يطاق، و إذن فلا معنى لدفع المؤاخذة بعد العلم بأنها قد ارتفعت و انتفت بانتفاء سببها لا برفع الشارع أو غيره. اللهم إلا على أساس دفع المدفوع، و رفع المرفوع؟.

الجواب:

ان الاحكام الشرعية الأولية ترتكز على العقل و البلوغ و القدرة، و تسمى هذه العناصر الثلاثة بالشروط العامة، لأنها تعم و تشمل كل حكم تكليفي بلا استثناء، و هي بالكامل مجتمعة شروط رئيسية لأصل التكليف لا لتنجيزه و تنفيذه و بلوغه مرتبة الإلزام و العقاب على معصيته و إهماله. أما غير العقل و البلوغ و القدرة من الصفات الطارئة كالعلم و عدم الخطأ و النسيان و عدم الإكراه و الاضطرار، أما هذه فلا شي‏ء منها بشرط لأصل التكليف و تشريعه، و إنما هي من شروط تنجيز

260

التكليف الذي لا ينجز إلا بعد وصول الحجة الكافية، و بكلمة: وجودها مانع، و عدمها شرط لتنفيذ الأحكام لا لوجودها في عالم التشريع.

و بعد العلم بهذه الحقيقة يسوغ لنا أن ننتهي إلى القول بأن المراد بدفع المؤاخذة دفع السبب الموجب لها، و هو التكليف الذي أمره بيد الشارع وضعا و دفعا، اما الطريق إلى دفعه فيختلف تبعا للموارد و ما يطرأ على المكلف من صفات و حالات، فدفعه عن المخطئ و الناسي و المكره و المضطر- يتم و يتحقق ببقاء الحكم الواقعي في مرتبته الاولى التي كان عليها في أصل التشريع و لا ينتقل إلى مرتبة التنجيز و التنفيذ التي يكون المكلف معها مسئولا عن الحكم و مؤاخذا عليه.

و على هذا يكون معنى رفع الخطأ و النسيان و ما دعت الضرورة اليه أو الإكراه، يكون معناه أن أي عمل يتصف بشي‏ء من ذلك فلا حساب على فاعله و لا عقاب حتى و لو كان حكمه في الواقع التحريم، لا عقاب لوجود الأعذار الطارئة.

هذا فيما يعود إلى حقوق اللّه سبحانه دون حقوق العباد، فمن أتلف مال غيره نسيانا أو خطأ لا يرفع عنه وجوب الضمان، و مثله من أكل مال غيره مضطرا، لأن العفو هنا و عدم الحساب لا يتفق مع التفضل و الامتنان منه تعالى، بل و لا مع العدالة الإلهية لمكان الضرر بالآخرين.

اما رفع ما لا يطاق فالمراد به هنا دفع التكليف عن غير المقدور من الأساس حتى في عالم التشريع و الواقع، لأن القدرة من الشروط الأساسية لأصل التكليف كما أسلفنا، و عندئذ يكون معنى قول النبي الكريم (ص): «رفع عن أمتي ما لا يطيقون» مرادفا لقوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها- 286 البقرة». و مثله الطيرة و الحسد و الوسوسة ما دامت هذه الامور خارجة عن القدرة و الطاقة الا ما ظهر من آثارها في القول و الفعل، و من هنا قال الشارع الحكيم: و إذا حسدت فلا تبغ. و لم يقل: لا تحسد.

اما الدفع فيما لا يعلمون فالأمر فيه سهل يسير، لأن الاحتياط في مقام الشك ممكن و مقدور، كما هو الفرض، فيدفعه سبحانه عن عبده منة و كرما.

هذا ما رأيته أقرب إلى الحق و أيسر على الفهم و أوجز في التعبير بعد البحث و النظر إلى ما قاله الأقطاب حول حديث الرفع، و العصمة لأهلها. و هناك روايات استدلوا بها على البراءة مثل: الناس في سعة ما لا يعلمون .. ما حجب‏

261

اللّه علمه عن العباد فهو مرفوع عنهم .. كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي الخ فاعترف بعضهم بدلالتها، و ناقشها آخرون على غرار كل شي‏ء يستدل به حتى و لو كان من عالم الحس و العيان.

و قال النائيني برواية الخراساني: «أظهر ما استدلوا به على البراءة من الأخبار حديث الرفع، و فيه الكفاية». اما الانصاري فقد عرض الأخبار كلها أو جلها، و ناقشها بكل ما أوتي من نقوض و طعون، كما هو دأبه و ديدنه في الغربلة و التمحيص، ثم انتهى إلى القول: «و الانصاف ظهور بعضها في الدلالة على عدم وجوب الاحتياط فيما لا نص في الشبهة التحريمية بحيث لو فرض تمامية الأخبار الآتية للاحتياط وقعت المعارضة بينهما». و لهذا الجزم و اليقين ثقله من شيخ المحققين.

الإجماع‏

لا أحد يشك أو يختلف مع أحد في أن عدم الدليل من الشرع و العقل على تحريم مجهول الحرمة- دليل على العدم، و انما الخلاف بين الاصوليين القائلين بالبراءة، و بين الاخباريين القائلين بالاحتياط، الخلاف فيما بينهم ينحصر بشي‏ء واحد، و هو: هل هناك دليل على وجوب الاحتياط، أو لا عين و لا أثر لهذا الدليل؟.

ذهب الاخباريون إلى وجوده و وضوحه في الشبهة التحريمية من الكتاب و السنة و العقل، و وقف الاصوليون في الجانب المعاكس، و استدلوا بالكتاب و السنة و الإجماع و العقل. و طريف أن يحتج الأصولي بالاجماع على الاخباريين، أو يحتج الاخباري بالاجماع ضد الاصوليين، و هما في قلب المعركة! (انظر فصل الاجماع، فقرة: تناقض و اضطراب، من هذا الكتاب).

دليل العقل‏

استدل الأصوليون بالعقل، و المراد بدليله هنا قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

طبعا بعد الأناة و البحث عن الدليل قدر الإمكان و اليأس منه.

و قال قائل: محل الكلام هو الشبهة التحريمية، و الشك في ان الحكم المجهول:

262

هل التحريم أو غيره من الاحكام المأذون بتركها. و من البديهي ان احتمال العقاب على الفعل لازم عقلي و حتمي للشك في التحريم، و العقل شاهد و حاكم بوجوب دفع الضرر الأخروي حتى و لو كان محتملا. و من شواهد ذلك الاتفاق على وجوب النظر في معجزة مدّعي النبوة، و وجوب البحث عن دليل الأحكام، و مؤاخذة من أهمل و تهاون. و بديهي أيضا أن حكم العقل بدفع الضرر بيان لا يبقى معه أي مجال لقاعدة قبح العقاب بلا بيان. و بكلمة: ان قاعدة دفع الضرر المحتمل ترفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان تكوينا من أساسها.

الجواب:

بل العكس هو الصحيح، لأن قاعدة دفع الضرر ليست بيانا و يستحيل أن تكونه، و ذلك لأن الشرط الأساسي في هذه القاعدة هو وجود البيان حيث ينشأ منه وحده احتمال الضرر الموجب للتحفظ و الاحتياط، فكيف يكون المشروط بوجود البيان بيانا عند عدم البيان!. و هل يعد مع العقلاء من يقول: لا يوجد المطلوب إلا بعد فقده و عدمه!. أما قاعدة قبح العقاب فشرطها الأساسي عدم البيان و معه يحصل القطع و اليقين بعدم الضرر و العقاب، و ينتفي موضوع قاعدة دفع الضرر المحتمل تكوينا، و هذا ما عناه المحققون بقولهم: قاعدة القبح واردة على قاعدة الدفع و رافعة لموضوعها.

السمعيات الطاف في العقليات‏

و تسأل: ان الامامية يؤمنون بالعقل و أحكامه، و هو عندهم من الأدلة الأربعة التي هي المصدر الاول للفقه و الشريعة، و عليه تكون أحكام العقل بيانا يثاب عليها الطائع، و يعاقب العاصي، و على ذلك نص علماء الامامية بصراحة حين استدلوا على البراءة بقوله تعالى: «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا- 15 الإسراء» كما تقدم، و يتناقض هذا مع مقالتهم هنا بقبح العقاب بلا بيان من الشرع لأن العقاب باعترافهم يكون على مخالفة العقل و بيانه كما يكون على مخالفة الشرع و نصوصه .. هذا إلى ان العقل لا يقول: إن بياني ليس بشي‏ء بالنسبة الى العقاب، و ان بيان الشرع هو الأساس في ذلك؛ و لو قال هذا لسقط العقل و الشرع معا عن الاعتبار، لأن العقل هو الأصل لدين محمد (ص)؟.

263

الجواب:

أولا: إن العقل يدرك حسن بعض الأشياء كالصدق و العدل، و قبح بعضها كالكذب و الظلم، و لكن هناك أمورا كثيرة لا يدرك العقل احكامها سلبا و لا ايجابا، بل يترك الحكم فيها الى خالق الكون و العقل، كشكل العبادات و حقوق الزوجين و الأبوين و الميراث و الزنا، و ما إلى ذلك كثير، و الشرط الأساسي فيها أن لا يرفضها العقل و ينكرها لا أن يحكم بها مستقلا عن الشرع. و تكلمنا عن ذلك مفصلا في كتاب النبوة و العقل، فصل: النبوات.

ثانيا: ان الامامية كما آمنوا بالعقل و احكامه أيضا آمنوا بهذه القاعدة كدين و عقيدة، و هي «السمعيات- الاحكام الشرعية- ألطاف في العقليات» أي ان الاحكام العقلية وحدها لا تقرب العبد من طاعة اللّه، و تبتعد به عن معصيته تعالى، لأن العقل في الأكثر الأغلب تطغى عليه الأهواء، و لا يطاع له حكم، فاحتاج إلى من يؤازره و يناصره بالتأييد و التوكيد تارة، و بالوعد و الوعيد تارة أخرى، فكان الدين مع شريعته هو هذا المؤازر و المناصر، و بيانه الحجة الكافية على من شاكس و عاكس، بالإضافة إلى ان العقل لا يدرك كل الاحكام كما أشرنا.

أدلة الاخباريين‏

و استدل الاخباريون على وجوب الاحتياط بالكتاب، و منه- على زعمهم- الآيات الناهية عن القول بغير علم مثل‏ «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏- 36 الإسراء» و الجواب ان وجوب الاحتياط حكم بلا علم، أما القول بالبراءة فهو علم بالبينات التي عرضناها قبل قليل.

و أيضا استدلوا بالسنّة مثل الروايات الآمرة بالتوقف عند الشبهات، و منها «انما الأمور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتبع، و أمر بيّن غيه فيجتنب، و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرمات، و هلك من حيث لا يعلم» حيث دلت هذه الرواية على وجوب الاحجام عن الشبهة. و قريب منها قول المعصوم: «إذا لم تدروا فعليكم الاحتياط حتى تسألوا .. اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت» إلى كثير من أشباه ذلك و نظائره.

264

و الإجابة عن مجموع ما استدلوا به من الروايات بشتى طوائفها- بما يلي:

1- إن المسألة التي نحن بصددها في الشك و التردد بين التحريم و غير الوجوب كما أوضحنا، و ليست مسألتنا هذه من الشبهات بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة، لأن الفكرة انما تعد شبهة حقيقية و واقعا إذا كان حكمها مكتوما و مجهولا لا بيان فيه و لا دليل عليه من قريب أو بعيد، و الدليل هنا أي على حكم الشبهة التحريمية- قائم و صريح، و هو الإذن بالفعل و الترك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و بحديث الرفع، و بالآيات التي في معناه. و تقدم ذكرها و الكلام عنها بما فيه الكفاية.

2- إن الأمر بالاحتياط في الروايات كلها أو جلها انما هو ارشادي لا مولوي مثل من رعى حول الحمى أو شك أن يقع فيه، و من المقرر أن أمر الإرشاد لا إلزام فيه، بل هو مجرد نصيحة لا يترتب عليه من حيث هو ثواب و لا عقاب.

3- لا قائل حتى من الإخباريين بوجود الملازمة الحتمية بين فعل المشتبه و إصابة الحرام، بل قد يصيبه و قد يخطئه، و عليه فلا يسوغ بوجه أن نحمل قول المعصوم: «من أخذ بالشبهات وقع في الحرمات» نحمله على العموم لكل شبهة بعد الفرض ان بعض الشبهات بعيدة كل البعد عن المحرمات، و اذن لا بد من حمل الشبهات في الرواية على البعض دون الكل كالشبهة المحصورة التي يكون التكليف بها معلوما و المكلف به مجهولا، و كالخوض في الغوامض و المشكلات التي سكت اللّه عنها، و منها الحديث عن الذات القدسية و ما يتصل بها مما لا يجب التدين به. قال الإمام الباقر (ع): «اياكم و التفكر في اللّه .. انظروا إلى عظيم خلقه». و في رواية ثانية «تكلموا في خلق اللّه، و لا تتكلموا في اللّه».

4- يأتي بعد قليل أن الاخباريين لا يوجبون الاحتياط في الشبهة التحريمية الموضوعية مع أن الروايات التي استدلوا بها تعم هذه الشبهة و تشملها.

و أيضا استدل الاخباريون بالعقل على وجوب الاحتياط هنا، و بيانه، كما قرروه في أسلوبين: الأول ان المكلف الراشد يعلم اجمالا بوجود العديد من المحرمات المشتبهة، و هذا العلم يوجب الاحتياط بحكم العقل القائل: العلم اليقيني بالتكليف يستدعي الامتثال اليقيني بإتيان المطلوب بالذات إن أمكن و إلا بإتيان جميع الأطراف المحتملة.

265

الجواب:

ان هذا العلم انفرط عقده بعد الاطلاع على أدلة معظم الأحكام، و لم يبق له خبر و لا أثر.

الأسلوب الثاني لتقرير العقل الاخباري أن الأصل في الأشياء الحظر حتى يثبت العكس، أو التوقف- على الأقل-.

الجواب:

أولا ان الأصل في الأشياء الإباحة، قال سبحانه: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً- 29 البقرة». ثانيا أن أصل الاباحة الذي نتكلم عنه هنا هو غير أصل الاباحة في مطلق الأشياء، هذا ينظر إلى الأشياء قبل التشريع، و ذاك ينظر اليها بعد الشرع و مع الجهل بالحكم. (انظر الفصل السابق حول الشك في الحكم فقرة، الأصل: الحظر و الاباحة؟).

و بعد، فلا ريب في أصل البراءة في الشبهة التحريمية، أما أدلة الاخباريين فإنها تدور في فلكهم الخاص، و لا حجة فيها على غيرهم، نقول ذلك بعد العلم بأن الاخباريين يلتقون مع الاصوليين في مصادر التشريع و في كل مبدأ عام و خط عريض، و ان كان من خلاف فهو في التطبيق، اما المثل الأعلى فواحد.

و لا شي‏ء أصدق في الدلالة على ذلك من ان الفقهاء الاصوليين كثيرا ما يدعمون آراءهم بفتوى الفقهاء الاخباريين، لأن فيهم المتخصص و المتبحر، و نفس الشي‏ء نراه من الاخباريين.

الشك لإجمال النص‏

سبقت الإشارة إلى أن أسباب الشك أربعة: عدم النص و اجماله و معارضته و اشتباه الموضوع في الخارج، و بعد الكلام عن عدم النص نشير إلى اجماله، و الحكم فيهما واحد، قال الأنصاري و غيره من الاصوليين: ان حكم مسألة اجمال النص تماما كحكم عدم النص، و الأدلة واحدة من غير فرق بحكم البديهة أن الشي‏ء الذي لا يفهم، وجوده كعدمه، و ربما كان عدمه خيرا أو أفضل.

و ان قال قائل: ان إعمال الكلام أولى من اهماله قلنا في جوابه: أجل،

266

إذا كان الكلام ظاهرا في معنى من المعاني، اما المبهم من كل وجه، كما هو الفرض، فعلى أي أساس يقوم العمل؟.

الشك لمعارضة النص‏

السبب الثالث تعارض النصين «و الأقوى فيه أيضا عدم وجوب الاحتياط لعدم الدليل عليه» على حد ما قال الأنصاري، لأن السبب واحد في الجميع و إن تعدد الاسم و الشكل.

و تسأل: هذا صحيح على القول بأنه لا علاج للخبرين المتعارضين إلا التساقط، و معنى ذلك أنه لا نص، و لكن الأنصاري لا يرى هذا الرأي، و يقول بالتخيير، و هذه عبارته: «إذا تعارض الخبران و تساويا من كل وجه وجب العمل بأحدهما على سبيل التخيير و عليه المشهور و جمهور المجتهدين» و معنى هذا انه لا مكان مع التخيير لأصل البراءة حيث انه لا يجري إلا مع عدم البيان، و أحد الخبرين بيان بالكامل، فكيف نجمع بين قول الأنصاري هنا و قوله في باب التعارض؟.

الجواب:

لقد تفطن الانصاري لهذا الإشكال، و أشار إلى جوابه دون أن يأتي له على ذكر، و يسمى هذا الأسلوب عند علمائنا ب «دفع دخل» أي ريب، و قد عرضنا الدخل في صورة سؤال، كما رأيت، اما دفع الانصاري فهو قوله:

«ان المقصود هنا نفي وجوب الاحتياط» أي في مقابل القائلين به، و ليس من شك أن نفي الاحتياط يجتمع و يلتئم مع العمل بأحد الخبرين المتعارضين.

الشبهة الموضوعية

إذا علمت حقيقة هذا السائل الخاص و أنه خلّ بلا ريب، و شككت في حكمه:

هل هو التحليل أو التحريم- سميت هذه الشبهة حكمية لا موضوعية لأن الموضوع معلوم، و هو الخل، و حكمه عند اللّه مجهول. و بيانه عند الشارع وحده لأنه المصدر الأول و الأخير لتشريع الأحكام و بيانها. و تقدم الكلام عن الشبهة الحكمية التحريمية.

267

و إذا كان لديك إناءان في أحدهما خل، و في الثاني خمر، و اشتبها عليك مع علمك بأن الأول حلال و الثاني حرام- سميت هذه الشبهة بالمحصورة، و هي خارجة عما نحن بصدده، و يأتي حديثها في باب الاحتياط ان شاء اللّه.

و إذا علمت بإباحة الخل و حرمة الخمر، و لكن جهلت هوية هذا السائل الخاص: هل هو خل أو خمر- سميت الشبهة موضوعية لأن الحكم معلوم، و الموضوع مجهول على عكس الشبهة الحكمية. و بديهي ان الشارع لا شأن له ببيان الموضوعات لترجع اليه، بل ترجع في ذلك إلى العرف و الخبرة، و ما زلت على ذكر- و قد مضى أكثر من أربعين عاما- أن الاستاذ حين بحث لنا الشبهة الموضوعية قال من جملة ما قال: أنت لا تذهب إلى الشارع و تقول له: هل أنا جنب أو طاهر؟ و إنما تسأله عن حكم الجنب و كيفية التطهير من الجنابة.

و نحن الآن بصدد هذه الشبهة و بيان حكمها، و لا شك و خلاف من أخباري أو غيره في أن حكم الشبهة التحريمية الموضوعية هو عدم الاحتياط و الترخيص بالفعل و الترك للعديد من الروايات، منها: «كل شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال» فإن ظاهرها يدل بصراحة ان حكم المردد بين الحلال و الحرام هو حلال.

و تجدر الإشارة إلى أمرين: الأول أن أصل الإباحة في الشبهة الموضوعية مشروط بأن لا يكون هناك أصل موضوعي حاكم على أصل الإباحة و إلا وجب العمل بهذا الأصل، و مثاله أن يشك المرء في جواز النظر إلى امرأة لا يدري هل هي من النسوة اللائي يسوغ له النظر اليهن أو هي أجنبية عنه؟. و لا يجري هنا أصل الإباحة، لأن جواز النظر إلى أية امرأة مشروط بأمر وجودي، و هي أن تكون زوجة أو من المحارم، و يكفي لنفي الشرط الوجودي مجرد الشك فيه.

و كذلك لو حصل الشك في أن هذا اللحم مذكى أو غير مذكى فإن أصل التذكية حاكم على أصل الإباحة.

الأمر الثاني أن الشبهة الحكمية لا يجري فيها أصل الإباحة إلا بعد الفحص و اليأس من العثور على الدليل، أما الشبهة الموضوعية فلا يجب فيها الفحص عن حقيقة الموضوع.

و تسأل: لما ذا وجب الفحص في الشبهة الحكمية دون الموضوعية؟.

الجواب:

أولا: لقيام الإجماع على وجوب الفحص في تلك دون هذه.

268

ثانيا: لوجود النص على عدم الوجوب في الشبهة الموضوعية و منه الرواية السابقة «كل شي‏ء فيه حلال الخ.» و أوضح منها رواية مسعدة بن صدقة «كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ... و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البينة». و هذه الرواية ظاهرة في الشبهة الموضوعية بشهادة «حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه» أي تدع الفعل، و شهادة «حتى يستبين لك» أي تظهر لك حقيقة الفعل بطريق أو بآخر، و لم يقل حتى تفحص و تيأس.

ثالثا: أن تعلّم الدين و أحكامه واجب بحكم العقل و بديهته، و التارك عن تقصير لا عذر له، بل هو كالعاصي له عامدا و معاندا. أما تعلّم الموضوعات العرفية و معرفتها فلا بجب شرعا و لا عقلا.

الشبهة الوجوبية

و الآن و بعد الكلام عن الشبهة التحريمية- جاء دور الشبهة الوجوبية، و موضوعها أن نشك و نتردد في ان حكم هذا الشي‏ء المعلوم لدينا، اما الوجوب، و اما غير الحرمة كالندب و الكراهة و الإباحة بمعناها الخاص، أي اما يجب فعله حتما، و اما يجوز تركه لا بنحو الإلزام. و مثاله أن نشك في وجوب الاستهلال من أجل العلم بدخول رمضان، أو لمعرفة عيد الفطر أو الأضحى. و أسباب الشك هنا أربعة: عدم النص و اجماله و معارضته و اشتباه الموضوع بغيره من الموضوعات الخارجية تماما كما هو الشأن في الشبهة التحريمية.

و اتفق الاخباريون و الاصوليون قولا واحدا على انه لا احتياط في الشبهة الوجوبية.

و تسأل: لما ذا أوجب الاخباريون الاحتياط في الشبهة التحريمية دون الوجوبية؟.

الجواب:

لأن الأصل في الأشياء عند الاخباريين المنع و الحظر حتى يثبت الدليل من الشرع على الإباحة، و معنى هذا ان أي شي‏ء شككنا في تحريمه يجب أن نرجع إلى الأصل الأولي، و هو المنع و التحريم، و لو على سبيل الاحتياط الوجوبي، و لا قائل من الاخباريين، و بالأولى من غيرهم، بأن الأصل في الأشياء الوجوب حتى‏

269

يلزم الاحتياط في الشبهة الوجوبية، بالاضافة إلى أن حديث التثليث الذي أوجب الاحتياط مختص بالمحرمات، و كلماته صريحة في ذلك و هي «فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرمات».

و لا فرق من حيث عدم وجوب الاحتياط هنا بين أن يكون الشك ناشئا عن عدم النص أو اجماله أو معارضته أو اشتباه الموضوع، و على ذلك الاصوليون و الاخباريون، قال النائيني برواية الخراساني: «ان مناط البحث في جميع أسباب الشك واحدة .. و لا نزاع بين الاصوليين و الاخباريين إلا في خصوص الشبهة التحريمية». و من هنا أهمل صاحب الكفاية بحث كل سبب على حدة كما فعل الأنصاري، و جمعها بالكامل في بحث واحد.

270

تنبيهات البراءة

بعد أن أنهى علماء الاصول حديثهم عن مسائل البراءة نبهوا إلى بعض القواعد و الفوائد التي تتصل بالبراءة بسبب أو بآخر، و أطلقوا عليها اسم التنبيهات، و نذكر منها أو أهمها فيما يلي.

التنبيه الأول حسن الاحتياط

معناه‏

الاحتياط من الاحاطة، قال سبحانه: «إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ‏- 60 الإسراء» أي في قبضته. و له عند أهل اللغة العديد من المعاني، منها التحفظ و التعهد و الثقة و الرعاية، و كلها تهدف إلى شي‏ء واحد، و هو الحرص و التثبت، و هذا المعنى بالذات هو مراد العلماء من الاحتياط، فإذا قالوا في الشبهة الوجوبية:

الأحوط الفعل، فإنهم يعنون الإتيان بكل طرف يحتمل وجوبه، و بالعكس الشبهة التحريمية، أي يعنون ترك كل ما يحتمل تحريمه بحيث يحصل العلم و اليقين بالطاعة و الامتثال هنا و هناك.

رجحانه‏

أما حسن الاحتياط و رجحانه فدليله قائم بذاته و صفاته، و هل الاجتهاد في‏

271

طاعة اللّه و الحرص على مرضاته يحتاج إلى شاهد و دليل؟. و اشتهر بين الفقهاء قديما و حديثا: «الاحتياط حسن على كل حال» أي حتى مع الأمن و الأمان و قيام الحجة و البرهان فكيف مع الشبهة و الالتباس؟. و من احاديث التقوى و الورع:

«أروع الناس من وقف عند الشبهات».

في العبادة

و تسأل: لا ريب في ذلك، و لكن قد تكون عملية الاحتياط في العبادة ممكنة فتحسن، كما لو علم المكلف بطلبها، و شك في أنه على سبيل الوجوب أو الندب، فيقصد نفس الطلب بصرف النظر عن جهته- على أن قصد الوجه لا دليل عليه- اما مع الشك في أصل الطلب و وجود الأمر بالعبادة فيتعذر الاحتياط بها، لأن قصد الأمر ركن ركين في العبادة، و قصده يتوقف على العلم به تفصيلا أو اجمالا أو بالظن المعتبر، و المفروض لا شي‏ء من ذلك، و اذن فلا موضوع للاحتياط، و تشريعه في العبادة، و هذي هي الحال، بدعة و ضلالة؟.

و الأنصاري على هذا الرأي، و ما قلناه شرح و تفسير لعبارته، و هذا نصها بالحرف: «الأقوى العدم، لأن العبادة لا بد فيها من نية التقرب المتوقفة على العلم بأمر الشارع تفصيلا أو اجمالا أو الظن المعتبر».

الجواب:

ذكروا لهذا السؤال أو الإشكال العديد من الأجوبة، منها- على سبيل المثال- ان المكلف يتقرب إلى اللّه سبحانه بنفس الأمر الذي تعلق بالاحتياط مباشرة الثابت بحديث «احتط لدينك». و هذا الجواب لا يدفع الإشكال، لأن الأمر بالاحتياط كالأمر بالتقوى كلاهما إرشاد إلى حكم العقل بالطاعة. و لا يتحقق التقرب و يتم إلا بقصد التقرب اليه بطاعة أمره المولوي.

و أقرب الاجابات إلى الفهم ما قاله النائيني بأن للامتثال أربع صور على الترتيب دون التخيير: أولها الامتثال بالعلم التفصيلي، و مع العجز عنه يمتثل المكلف بالعلم الإجمالي، فإن تعذر فبالظن، و إلا فبالاحتمال حيث لا بد مما ليس منه بد.

و معنى هذا أن التعبد بداعي احتمال الأمر أو رجاء المحبوبية، كاف في صحة الاحتياط في العبادة لأن هذا هو الممكن على شرطه و مرتبته في حق المكلف،

272

و مثاله أن يغتسل الشاك في الجنابة بداعي الأمر المحتمل.

و تسأل: لا شك في أن مراتب الامتثال و صوره أربع على الترتيب، و لكن هذه المراتب أثر و فرع لعلم المكلف بوجود التكليف و شعوره بالمسئولية عنه و وجوب الخروج عن عهدته بكل طريق ممكن بالعلم و إلا فبالظن و إلا فبالاحتمال، و هذا غير ما نحن فيه، لأن محل الكلام الجاهل الشاك في أصل التكليف، و أين هذا من العالم به؟.

الجواب:

أجل، ان المكلف لا يعلم بوجود الطلب، و لكنه يحتمل وجوده كما هو الفرض، و الطلب المحتمل يبرر الامتثال بالاحتمال، هذا إلى أن العلم الإجمالي بوجوب العبادة المرددة بين فردين أو أكثر- يوجب الاحتياط حتما بالاتفاق، مع العلم بأن المكلف يأتي بكل فرد من أفراد الشبهة بداعي احتمال وجوبه الخاص، لأن الواجب مجهول لديه، و لكنه يرجو أن يكون هذا الفرد المحتمل ضالته التي يطلبها، و إذا ساغ الامتثال في شبهة العلم الإجمالي، بداعي الأمر المحتمل يسوغ أيضا الاحتياط بهذا الداعي في كل شبهة حتى ما كان منها ابتداء، لاتحاد السبب الموجب، و الفرق تحكّم.

و الخلاصة أن أي تعبد للّه بفعل من الافعال على أنه من دين اللّه و شريعته، و لم يكن لفعله هذا شبيه و نظير فيما جاء به محمد (ص) و لا عليه شاهد و دليل من الكتاب و السنة- فهو بدعة و ضلالة، ما في ذلك ريب، سواء أتقرب به المتعبد على سبيل القطع أو الظن أو الوهم و الاحتمال.

و إذا لم يكن شي‏ء من ذلك و لا ما يشبهه من قريب أو بعيد- كما هو البحث و القصد- و إنما أتى البالغ الراشد بعبادة مشروعة و مفروضة بضرورة الدين كالصلاة، أتى بها أولا كفريضة واجبة عليه و على كل مكلف، ثم احتمل و توهم حدوث خلل في هذه الصلاة التي أداها الآن، أو فيما مضى و فات من صلاته، و أراد أن يعيدها خوفا من اللّه سبحانه، و يأتي بها برجاء المحبوبية و داعي الأمر المحتمل، إذا كان ذلك فهل لأحد أن يقول له: إياك أن تعيد الصلاة لأن شرعية العبادة و صحتها تتوقف على علم اليقين بالأمر بها، و أنت لا تعلم بهذا الأمر؟.

هذي هي الحجة الوحيدة عند من أشكل و منع الاحتياط في العبادة، أما نحن‏

273

فلا نرى أي بأس في هذا الاحتياط، و نعتقد بحسنه شرعا و عقلا بشهادة الفطرة و البديهة و النصوص المؤيدة و المحبذة بعد العلم بأن هذه العبادة مشروعة في دين اللّه، و ان فاعلها حريص على مرضاته تعالى، و أن الامتثال يكون بالعلم تارة، و بالظن طورا، و حينا بالاحتمال، على حسب حال المكلف، كما سبقت الاشارة.

و على ذلك جرت سيرة الفقهاء قولا و عملا.

و قال قائل: إن الفقهاء لم يفتوا بجواز الاحتياط في العبادة لمجرد الشك فيها و احتمال وجوبها كيف اتفق، و من أي مصدر جاء و حصل، كلا، و انما أفتوا بالاحتياط في العبادة شريطة أن يتولد احتمال وجوبها أو الأمر بها من خبر ضعيف دل على وجوب هذه العبادة، حيث تكون، و هذي هي الحال، مستحبة بنفسها و مطلوبة بالذات، و ليس من جهة الاحتياط، و عليه يصح- كما يدعي هذا القائل- الإتيان بها مطلقا حتى و لو لم يقصد بها الأمر المحتمل. اما المبرر للأخذ بالخبر الضعيف مع العلم بوهنه- فقاعدة التسامح بأدلة السنن التي لها مدركها في الأخبار الصحيحة. و في التنبيه التالي نتحدث عن هذا التسامح و ضعفه.

التنبيه الثاني التسامح بأدلة السنن‏

المراد بالسنن هنا المستحبات، أو كل ما هو مشروع في مقابل البدعة، و المراد بالتسامح في أدلتها أن كل ما دل خبر الضعيف على رجحانه و استحبابه فهو راجح و مستحب تماما كما لو دل عليه خبر الثقة و غيره من الأدلة الصحيحة.

و ليس معنى هذا أن خبر الضعيف حجة، كلا، لأن الحجة لا تتجزأ، بل معناه أن الضعيف يقدّم البلاغ و يوجده، و ان في البلاغ من حيث هو مصلحة تبرر العمل به أيا كان المخبر و المبلّغ.

هذا ما نسب إلى المشهور، و استدلوا عليه بروايات، منها: «من بلغه عن النبي (ص) شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له، و ان كان رسول اللّه (ص) لم يقله». و وجه الدلالة أن الثواب مترتب على العمل بعد البلاغ، و ان العامل استحق هذا الثواب على طاعته، و لا طاعة إلا مع وجود الأمر،

274

و عليه يكون الإخبار بالثواب الموعود على الفعل إخبارا بأن الشارع قد أمر بهذا الفعل على سبيل الندب، و هذا الأمر الشرعي المولوي هو وحده يصحح الاحتياط في العبادة، و ليس المبرر له و المصحح نفس الأمر المتعلق بالاحتياط كي يقال:

هو ارشادي لا يصح التقرب به إلى اللّه.

و رفض فريق من الفقهاء أن يتسامحوا في أدلة السنن و منهم الصدوق و العلّامة الحلّي و صاحب المدارك- بشهادة الآشتياني- و قالوا: الاستحباب حكم شرعي، و لا فرق بينه و بين سائر الأحكام من حيث الحاجة إلى دليل سليم و حجة كافية.

و آخرون ناقشوا الروايات التي استدل بها المشهور على التسامح، و ابطلوا دلالتها من وجوه:

أولا: إن مجرد الإخبار بالثواب لا يكشف عن وجود الأمر الشرعي المولوي بشتى أنحائه، لأن الأجر يكون على الانقياد و حسن النية تماما كما يكون على الفعل، و في نهج البلاغة: «ان اللّه سبحانه يدخل بصدق النية و السريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنة.». و في رواية محمد بن مروان قرينة واضحة على ان الثواب من اللّه سبحانه على نفس الانقياد لا على الفعل حيث جاء فيها «فعمل ذلك التماس ذلك الثواب» و هذا صريح في أن الثواب على الالتماس لا على الفعل، و غير هذه من الروايات المطلقة يحمل عليها، كما هو الشأن في قاعدة المطلق مع المقيد، و عليه يكون الأمر في كل الروايات لمجرد الارشاد لا للاستحباب تماما كقوله تعالى: «وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ‏- 13 النساء».

و هذا الأمر الارشادي موجود بالفعل و لكنه لا يصحح العبادة، و الأمر الشرعي المولوي لا وجود له مع العلم بأن عبادة المحتاط صحيحة باعتراف المتسامحين في أدلة السنن. فبأي شي‏ء نوجه و نبرر صحتها؟ أبدا لا شي‏ء الا رجاء المحبوبية و احتمال الأمر.

ثانيا: ان الروايات التي استدل بها المشهور على التسامح أخص من الدعوى التي أطلقوها في التسامح مع ضعف رواة السنن، حيث ادعى المشهور بأن كل فعل دل خبر الضعيف على حسنه و رجحانه فهو مستحب- سواء اقترن هذا الخبر بذكر

275

الثواب الموعود أم لم يقترن- مع ان موضوع أدلة التسامح خاص ببلوغ الثواب، و العام لا يعلّل بالخاص، و حكم الفرد لا يثبت للنوع، بل ان المشهور تجاوزوا في التسامح حد الاستحباب إلى الكراهة، و أفتوا بها إذا أخبرهم المخبر بالحرمة إلحاقا للعقاب بالثواب، و الأطرف أن بعضهم ألحق فتوى الفقيه بخبر الضعيف، و قال:

إذا أفتى الفقيه بوجوب إعادة العبادة لمجرد احتمال الخلل الموهوم تكون الإعادة مستحبة لاتحاد المناط! و هذا هو القياس بالذات. و قاس آخر رواية الفضائل على رواية السنن.

ثالثا: سلّمنا- جدلا- بأن الثواب يدل على الاستحباب و باتحاد المناط بينه و بين الكراهة، و بالفضائل و فتوى الفقيه، و لكن أية علاقة بين كل ذلك و بين فعل العبادة احتياطا بعد العلم بأن المحتاط لم يصل اليه البلاغ بالثواب على احتياطه من راو ضعيف أو غير ضعيف؟.

هذا تلخيص لما دار حول التسامح في أدلة السنن من نقاش، و هو كاف واف في الدلالة على عدم السخاء و السماحة مع ضعيف النقل و الإسناد. و رأينا باختصار أن وجود خبر الضعيف كعدمه لا يغير حكما عما هو عليه في علم اللّه تعالى، و لا يحدث حكما ظاهريا، و لا يصلح عذرا على الإطلاق. أجل نغض الطرف عنه، و نستشهد بما روى إذا كان فيه جهة خير و صلاح، شريطة أن لا يحلل حراما، و لا يحرم حلالا، و لكن هذا عمل بالخير و الصلاح لا بقول الضعيف و روايته.

التنبيه الثالث الوجوب التعييني و التخييري‏

تكلم النائيني في هذا التنبيه و أطال، و اكتفى الأنصاري بصفحة واحدة، اما نحن فمع طبيعة الموضوع و حتميته. و موضوع الكلام هنا في أن أصل البراءة هل يجري عند الشك في الوجوب المردد بين التعيين و التخيير، أو لا مكان له في هذا الفرض؟. و له العديد من الصور نلخصها بما يلي:

1- ان نشك في أن هذا الشي‏ء المعين: هل هو مباح شرعا أو واجب؟

276

و على فرض وجوبه نشك: هل هو واجب على التعيين، أو على التخيير بينه و بين شي‏ء آخر؟. و يجري هنا أصل البراءة بلا ريب لأن الشك فيه يرجع في واقعه إلى الشك في أصل التكليف تماما كما لو شككنا في انه مباح أو واجب على التعيين، بل هو أولى و أوضح لأن التخيير إلى الاباحة أقرب من التعيين، و أنكر النائيني على من فهم من عبارة الأنصاري عدم جريان أصل البراءة في هذا الفرض.

2- أن نعلم بوجوب شيئين كزيارة زيد و عمرو، و نشك: هل زيارة كل واحد منهما على التعيين، و لا صلة لإحداهما بالأخرى، أو ان وجوب الزيارة هنا على التخيير تغني احداهما عن الثانية؟.

و لا مكان في الفرض لأصل البراءة لانه شكّ في سقوط التكليف بعد العلم به لا في أصل التكليف، حيث نعلم بأن زيارة كل من زيد و عمرو واجبة. و نشك في أن القيام بإحداهما: هل يسقط الوجوب عن الثانية أو لا يسقطه، و كل شك في سقوط التكليف بعد العلم به فالأصل فيه الاحتياط لقاعدة: التكليف اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني.

3- أن نعلم بوجوب زيارة زيد- مثلا- و نشك في وجوب زيارة عمرو على التخيير بينها و بين زيارة زيد، و معنى هذا الشك في واقعه أننا نشك في جهة الوجوب الواقع على زيارة زيد بعد العلم به، و أنها هل وجبت تعيينا لا يجزي عنها شي‏ء، أو تخييرا يجوز تركها إلى بديل؟. و لا مكان هنا لغير الاحتياط بعد العلم بالتكليف و المسئولية عنه، و الشك في ارتفاعه و الخروج عن عهدته.

و الخلاصة ان أصل البراءة يجري في صورة واحدة، و هي عند الشك في أن هذا مباح أو واجب تخييرا أو تعيينا، و ما عدا ذلك مما نعلم بأصل وجوبه، و نشك في جهته تعيينا أو تخييرا- فالاحتياط حتم لا مفر من حكمه.

و بعد أن أنهى الأنصاري حديث الشك في التعيين و التخيير ختمه بهذه الإشارة:

«ثم ان الكلام في الشك في العيني و الكفائي يظهر مما ذكرنا». و قال النائيني:

«الأقوى ان الشك في العيني و الكفائي كالشك في التعييني و التخييري».

و الأساس في ذلك القاعدة العامة الشاملة لمسائل الشك في كل تكليف الزامي بشتى أنواعه مع صرف النظر عن حاله السابقة، و نعني بالقاعدة أن الشك متى‏

277

رجع في واقعه إلى أصل التكليف جرى أصل البراءة، و متى رجع إلى سقوطه بعد العلم به جرى أصل الاحتياط، و بناء على هذا فإذا مر رجل بجماعة- مثلا- و شكوا هل سلّم كي يجب الرد على الكل كفاية و يسقط بفعل البعض، أم لم يسلّم كيلا يجب الرد من الأساس؟ إذا حدث هذا أجرى كل واحد منهم أصل البراءة، لمكان الشك في أصل التكليف.

و إذا مر رجل باثنين و سلم يقينا، و كان أحدهما جالسا و الآخر يصلي، و شك الجالس: هل هو المقصود بالسلام دون المصلي، أو أن كلاهما مقصود بالتحية- فالاحتياط حتم على الجالس لأنه عالم بالتكليف، و شاك في ارتفاعه و سقوطه.

و هكذا كل شك حول العيني و الكفائي.

278

الأصل الموضوعي‏

الأصل الشرعي ما تتفرع عليه الأحكام الشرعية، قال الإمام الصادق (ع):

«علينا أن نلقي اليكم الأصول، و عليكم أن تفرّعوا». و الأصل الشرعي منه لفظي كالإطلاق و العموم، و يسمى دليلا أيضا، و منه عملي، و هو على نوعين:

موضوعي كأصل عدم البلوغ و عدم التذكية، و حكمي كأصل الإباحة و الطهارة.

و بهذا يتبين معنا أن الأصول الشرعية ثلاثة: لفظي و موضوعي و حكمي.

و يجب العمل بكل واحد من الثلاثة على الترتيب لا ننتقل إلى اللاحق إلا بعد تعذر السابق، و اليك المثال: حيوان تولّد من أب طاهر كالكبش، و أم نجسة كالخنزيرة، و ليس له من مثيل بين جميع الحيوانات كي نعطيه حكمه و نرتب عليه آثاره، و شككنا في طهارته و جواز أكل لحمه بعد الذبح فما ذا نصنع؟.

الجواب:

نلتزم الأصول الثلاثة على الترتيب كما قلنا، فننظر أولا إلى كتاب اللّه و سنة نبيه فإن وجدنا دليلا خاصا بنص الحكم، و إجماعا صحيحا- فهو المتعين و لا مجال لأي أصل من الأصول، و إن لم نجد للنص الخاص من أثر بحثنا عن العمومات و الإطلاقات في الكتاب و السنة، فإن وجدنا شيئا منها يعم و يشمل ما نحن فيه عملنا به، و يكون تماما كالنص الخاص، و هذا هو الأصل اللفظي، فإن لم نجد له من أثر أجرينا الأصل الموضوعي، و هو في مثالنا عدم قابلية هذا الحيوان المشكوك للتذكية، و على فرض وجود المانع من الأخذ بهذا الأصل لسبب أو لآخر- أجرينا الأصل الحكمي، و هو هنا أصل الحل و الطهارة.

و هذه الأصول الثلاثة هي الصفوة و النتيجة لعلم الأصول بشتى مباحثه اللفظية

279

و العملية، و الركن الأساسي لكل اجتهاد و استنباط. و ذكر علماء الأصول هذا التنبيه بعد الحديث عن الشبهة الحكمية بقسميها التحريمية و الوجوبية، ليشيروا إلى أن الأصل الحكمي لا يجري بحال إذا أجري الأصل الموضوعي، لأن هذا مقدم على ذاك، و ضربوا مثلا بأصل عدم التذكية، و لكنهم استقلوا الكلام عن هذه القاعدة الأصولية، فقفزوا منها الى الحديث عن معنى قابلية الحيوان للتذكية، و عن وجود اطلاق أو عموم يثبت هذه القابلية في كل حيوان إلا ما خرج بالدليل، إلى غير ذلك مما يبحث عنه في علم الفقه. و بعد أن تكلم الانصاري قليلا عن التذكية قال: «و تمام الكلام في الفقه».

و تكلمت مفصلا و مطولا عن التذكية في الجزء الرابع من فقه الامام جعفر الصادق (ع) باب الذباحة، و قلت من جملة ما قلت: لا آية و لا رواية وردت لبيان قابلية الحيوان للتذكية أو عدم قابليته لها، و الآن و بعد التأمل و التفكير أعترف بأني إذا قلت: الأصل عدم قابلية التذكية فإنما أقول ذلك لا عن فهم، بل تقليدا و محاكاة للسلف!. و لا أدري بأي دافع نطقوا بهذا الأصل؟. و لكني على علم اليقين بأن هذه القابلية لا تقع تحت الحواس و لا تحديد لها في الشرع، و لا يتصورها أهل العرف، فمنهم من يأكل الحشرات و الحيات، و منهم من لا يعف عن شي‏ء يمشي على أربع، بل منهم من يأكل لحوم البشر الأحياء منهم و الأموات؟.

فكيف أجري أصلا لا أفهمه؟. و ربما ظن غيري أنه يفهمه، و على المدعي البينة.

و في سائر الأحوال إذا لم يجر أصل عدم القابلية للتذكية إما للجهل بهويتها، و إما لسبب آخر- فالمعول عليه دينا و مذهبا هو أصل الحل و الطهارة إلا ما خرج بالدليل، و لكل مجتهد أن يتبع نظره في تحديد هذا الدليل و دلالته «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏»- 145 الانعام.

280

التخيير

محل البحث‏

قلنا فيما سبق: إن المقصود الأول في مبحث الشك الأصول الأربعة: البراءة و التخيير و الاحتياط و الاستصحاب. و أنهينا الحديث عن الأصل الأول و هو البراءة، و نتحدث الآن عن الأصل الثاني و هو التخيير، و محل البحث فيه أن نعلم بأن حكم هذه الحادثة لا يخلو من أحد فرضين: اما الايجاب التوصلي، و اما التحريم كذلك مع عجز المكلف عن الموافقة القطعية العملية للحكمين و مخالفتها، لأنه ان ترك احتمل الموافقة لمكان التحريم، و احتمل أيضا المخالفة لمكان الإيجاب، و نفس الشي‏ء ان فعل، و من البديهي ان الاحتمال لا يجتمع مع العلم و القطع.

و لوجود احتمال الموافقة و المخالفة أمكن القول بالرجوع إلى أصل البراءة أو غيره من الاصول العملية، و لا يمكن بحال الرجوع إلى أي أصل من الاصول مع المخالفة القطعية العملية، و لا بأس بالرجوع إلى الأصل مع المخالفة القطعية التزاما لا عملا، و من أجل هذا اختص البحث هنا بالإلزاميين التوصليين، إذ لو كان كل من الايجاب و التحريم أو أحدهما تعبديا- لحصلت و تحققت المخالفة القطعية العملية بطرح الحكمين معا لأن قصد امتثال التكليف شرط أساسي في العبادات.

و من أمثلة المخالفة القطعية العملية في العبادة أن يتردد حكم صلاة الجمعة

281

حال الغيبة بين الوجوب و الحرمة، فيتركها المكلف كلية، أو يفعلها لا بقصد القربة.

أسباب الشك‏

و أسباب الشك هنا أربعة على غرار الشبهة التحريمية الوجوبية، و هي عدم الدليل و اجماله و معارضته و اشتباه الموضوع، و مثال الأول أن يختلف الفقهاء بالكامل على قولين: الوجوب و الحرمة بلا قول ثالث، و مثال الثاني أن تتردد صيغة الأمر بين الوجوب و التهديد، و مثال الثالث أن يتعارض خبران متكافئان:

احدهما يأمر و ينهى الآخر، و مثال الرابع أن نعلم بوجوب إكرام الطيبين، و تحريم اكرام الخبيثين، ثم يشتبه حال فلان الفلاني: هل هو طيب أو خبيث؟.

و صورة المعارضة بين الخبرين خارجة عن محل البحث، لأن الكلام هنا في الشك بين الوجوب و الحرمة مع عدم وجود الدليل على العلاج، و دليل العلاج في الخبرين المتعارضين موجود، فقد ثبت عن المعصوم بأن الحكم فيهما التخيير.

قال الأنصاري: «لو دار الأمر بين الوجوب و التحريم من جهة تعارض الأدلة فالحكم هنا التخيير لإطلاق أدلته، و لخصوص ما ورد في خبرين متعارضين:

«أحدهما أمر، و الآخر نهى». و علق الآشتياني على ذلك بقوله: «المشهور بين الاخباريين موافقة المجتهدين في الحكم بالتخيير في المسألة». و متى وجد الدليل المتفق عليه تخرج المسألة عن محل الكلام.

و تبقى المسائل الثلاث، و هي ما كان السبب الموجب للشك فيها عدم الدليل أو اجماله أو اشتباه الموضوع، و الحكم فيها واحد.

الأقوال‏

ذكر بعض المؤلفين في هذه المسألة خمسة أقوال، و آخر ثلاثة. و نشير فيما يلي إلى أربعة:

الأول: البراءة شرعا و عقلا، و لكن في الظاهر لا في الواقع، و الدليل‏

282

حديث «كل شي‏ء لك حلال الخ .. و قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لأن كلا من الايجاب و التحريم غير معلوم بالعين و الشخص فيشمله الحديث و القاعدة.

و ان قال قائل: كيف تجري البراءة و عاقبتها المخالفة القطعية- فلأهل البراءة أن يجيبوا: و أي بأس في المخالفة القطعية ما دامت في نطاق الالتزام دون العمل.

و ناقش آخرون هذا القول بأن حديث كل شي‏ء لك حلال و ما في معناه- لا مكان له هنا لوجود العلم الاجمالي بالإلزام المردد بين الفعل و الترك، و مكان الحديث الشبهة الابتدائية حيث تكون الإباحة محتملة. و المكلف- كما هو الفرض- يقطع بعدم إرادتها، و أيضا لا مكان هنا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان لأن العلم الاجمالي كاف في البيان، و عليه فلا موضوع لقاعدة القبح.

و تسأل: أجل، العلم الإجمالي موجود، و لكن وجوده هنا كعدمه للعجز عن امتثاله- كما هو الفرض في محل البحث- و عليه يكون وجود العلم الاجمالي تماما كوجوده حين يضطر المكلف لارتكاب أحد أطراف هذا العلم حيث لا يكون له أي أثر على الاطلاق.

الجواب:

ان قاعدة قبح العقاب على العجز شي‏ء، و قاعدة قبح العقاب بلا بيان شي‏ء آخر. و كلامنا في البيان لا في العجز.

القول الثاني: الأخذ بالحرمة دون الوجوب، لأن الحرمة مسببة عن مفسدة، و الوجوب عن مصلحة، و درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، و في بعض الروايات «اجتناب السيئات أولى من اكتساب الحسنات». و يرده أن في فوات المصلحة مفسدة، و بالخصوص مصلحة الواجب حيث لا جزاء لمن استهان به إلا عذاب الحريق، أما رواية «اجتناب السيئات الخ» فإن ترك الواجب أسوأ السوء. أجل إذا تزاحمت المصلحة و المفسدة و لا مفر من احداهما- ثقلت موازين الأهم دفعا للضرر الأشد بالضرر الأخف، و معنى هذا أن المفسدة إذا عارضتها مصلحة أهم قدمت المصلحة، و ألغي اعتبار المفسدة.

القول الثالث: التخيير ظاهرا لا واقعا، و نسب هذا الى المشهور، و دليلهم‏

283

حكم العقل حيث لا بد من أحدهما، و لا مرجح له، و البراءة طرح للاثنين، و يستأنس للتخيير بما دل عليه في تكافؤ الخبرين المتعارضين من كل وجه.

التحذير من التخيير

و تسأل: دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة معناه الدوران بين محذورين، بين طلب ايقاع الفعل في الخارج و طلب عدم ايقاعه، و لا أحد يستطيع أن يفعل الشي‏ء و أن لا يفعله في آن واحد، بل إما أن يفعل و اما أن لا يفعل، و الشارع الحكيم لا يطلب ايقاع الفعل و عدم ايقاعه معا لأن ذلك ممتنع لذاته فيمتنع التكليف به، و هذا خارج عما نحن بصدده لأنه تكليف بما لا يطاق.

و أيضا يجب أن يخرج عن البحث الأمر بالتخيير بين ايقاع الفعل و عدم ايقاعه لأن هذا التخيير حتم لا مفر منه بحكم الواقع و قانون الطبيعة، و عليه يكون التكليف به لغوا و عبثا و تحصيلا للحاصل، و الشارع الحكيم منزه عن مثله. و اذن فلا وجه و لا معنى للقول بالتخيير.

الجواب:

أجل، ان التخيير بين محذورين حتم لا مفر منه حيث لا ثالث، أما اختيار واحد منهما بخصوصه و الالتزام به وحده و الاستمرار عليه- فلا حتم فيه و لا جبر، كيف؟ و لو منعنا اختيار واحد من الاثنين لكان ذلك إنكارا لأصل التخيير و الغاء له من الأساس بعد أن فرضنا وجوده، و انه هو بالذات موضوع البحث و الكلام.

هذا إلى أن كل المباحات و المستحبات و المكروهات هي تخيير بين الفعل و الترك اللذين لا ثالث لهما و لا مفر من أحدهما، و إذا كان الأمر بالتخيير فيما نحن فيه لغوا و عبثا فيجب أيضا أن تكون أحكام الإباحة و الندب و الكراهة لغوا و عبثا و تحصيلا للحاصل، و ان يكون تقسيم الحكم الشرعي إلى خمسة بدعة و ضلالة.

و تجدر الإشارة إلى أن الشرط الأساسي في التخيير- بناء على صحته- هو

284

البقاء و الدوام على المختار من البداية حتى النهاية، و لو أجزنا الترك لمن اختار الفعل و بالعكس لكان ذلك اباحة لا تخييرا و طرحا للحكمين معا، و ليس عملا بأحدهما دون الآخر، و هو خلاف الفرض.

القول الرابع: التوقف عن الحكم في الظاهر و الالتزام بالواقع اجمالا على ما هو عليه لعدم الدليل على التعيين و الإباحة و التخيير، و عدم الدليل دليل العدم، و لأحاديث الوقوف عند الشبهات. و هذا القول أقرب للتقوى، اما التخيير فأسرع إلى الأذهان، و تتلقاه بالقبول من أول وهلة.

285

الاحتياط

قبل كل شي‏ء

قبل الدخول في صلب الموضوع الذي نحن بصدده، نمهد بالإشارة الى أمور لا غنى للباحث عن التذكير بها، و لا للطالب عن معرفتها و الاحتفاظ بها في ذاكرته كوسيلة و مقدمة لفهم هذا البحث و القصد منه و الإحاطة بجهاته و أبعاده.

الاحتياط و الاشتغال‏

لك أن تطلق على بحثنا هذا اسم الاشتغال، و الاحتياط، و الشك في المكلف به- بلا تسامح أو مجاز في واحد من هذه الأسماء ما دام لكل وجه وجيه، فمن نظر الى شغل الذمة بالتكليف و المسئولية عنه أطلق عليه اسم الاشتغال، و من نظر إلى امتثال التكليف و الخروج عن عهدته سماه بالاحتياط، و من نظر إلى اشتباه المكلف به بما عداه عنون هذا البحث بالشك في المكلف به.

التشريع و التنفيذ

إذا ما سأل سائل: متى يكون التكليف نافذا و منجزا في حق المكلف؟

فجوابه: يصل التكليف إلى حد التنفيذ إذا وجد موضوعه في الخارج، و علم بوجوده المكلف، و بنوع الحكم الشرعي الذي تعلق به، و كان قادرا على طاعته‏

286

و امتثاله، و متى توافرت هذه الشروط مجتمعة وجب على المكلف أن يسمع و يطيع و إلّا استحق الذم و العقاب.

- مثلا- إذا حرم الشارع الخمر في عالم التشريع، و وجد الخمر في الخارج، ثبت لهذا الخمر الموجود بالفعل حكم التحريم حتما و يقينا، فإن علم المكلف بهذا الحكم، و أيضا علم أن في هذا الإناء خمرا، تنجز التكليف لا محالة، و أصبح نافذا في حق المكلف، و وجب عليه الامتثال بالترك و الابتعاد ما دام قادرا على ذلك.

و إن علم المكلف بالتحريم، و جهل بوجود الخمر، أو علم بوجود الخمر و جهل بالتحريم قصورا لا تقصيرا، أو علم بهما معا و عجز عن الامتثال، إن كان شي‏ء من ذلك يبق التحريم مخزونا في عالم التشريع، و لا يبلغ حد التنفيذ و التنجيز في حق هذا الجاهل أو العاجز.

معنى الشك في المكلف به‏

و بعد أن حددنا و بينّا الشروط و العناصر لبلوغ التكليف إلى حد التنفيذ و التنجيز- نشير إلى معنى الشك في المكلف به، و هو الموضوع الأساسي في مبحث الاحتياط، و ضابطه أن يعلم المكلف بالحكم الشرعي الكلي الذي وضعه الشارع في أصل الشريعة، و أيضا يعلم بوجود موضوعه في الخارج، و لكن لا يعلم مكانه بالضبط و تعيينه بالخصوص، و انه هذا دون ذاك، و مثاله أن يعلم المكلف بحرمة الخمر من حيث هي، و أيضا يعلم بوجودها الآن في أحد الإناءين، و لكنه لا يدري في أي واحد من هذين. هذا هو معنى الشك في المكلف به بعد العلم بالتكليف.

فإن جهل الحكم الشرعي الكلي و شك في أن الخمر حلال أو حرام- مثلا- أو علم بهذا الحكم و أنه التحريم بلا ريب، و لكنه شك في وجود الخمر و ان هذا السائل منه أو من الخل، ان كان شي‏ء من هذا رجع الشك إلى نفس التكليف لا إلى نفس المكلف به، و خرج عن مبحث الاحتياط، و دخل في مبحث البراءة.

أقسام الشك و الشبهة

ثم ان الشك في المكلف به ينقسم باعتبار نوع التكليف إلى ثلاثة أقسام:

287

(1) أن يشتبه الحرام بغير الواجب‏

كتردد الخمر بين إناءين، و المتنجس بين ثوبين، و تسمى هذه الشبهة تحريمية

(2) أن يشتبه الواجب بغير الحرام‏ (1)

كما لو علم المكلف أنه مسئول عن قضاء متيقن، و لكنه لا يدري هل هو صوم أو صلاة؟ و تسمى هذه بالشبهة الوجوبية

(3) أن يشتبه الواجب بالحرام،

و مثال ذلك أن يحلف حالف على أن يأكل هذا اللون من الطعام مرة في الأسبوع، و يترك ذاك اللون كلية، ثم نسي التعيين، و اشتبه ما حرّم بما أوجب.

و هذه الشبهات الثلاث تدخل بكاملها في مبحث الاحتياط، و لكل منها العديد من الجهات، و فيما يلي نشير إلى أسباب الشك و الاشتباه.

أسباب الشك و الاشتباه‏

لا تختلف أسباب الشك و الاشتباه في مبحث الاحتياط عنها في مبحث البراءة، كما و لا كيفا، انها أربعة في كل الشبهات هنا و هناك: عدم النص و إجماله و معارضته و اشتباه الموضوع الخارجي، و أهمها إطلاقا في باب الاحتياط و مسائله هي الشبهة التحريمية الموضوعية التي اشتبه الحرام فيها بغير الواجب لسبب من الأسباب الخارجة عن سلطة الشارع و مهمته.

قال النائيني برواية السيد الخوئي: «المهم في هذا البحث الشبهة التحريمية لعدم خلاف معتدّ به في الوجوبية، كما أن المهم من الشبهة التحريمية هي الموضوعية لكثرة جهات البحث فيها» و قال الانصاري: «قدمنا الشبهة الموضوعية هنا لاشتهار عنوانها». و تكلم عنها و أطال، و ختم كلامه الطويل بقوله: «أما الثلاث الأخر، و هي ما إذا اشتبه الحرام بغير الواجب لاشتباه الحكم من جهة عدم النص أو إجماله أو تعارضه، فحكمها يظهر مما ذكرنا في الشبهة المحصورة».

و سار النائيني على درب الأنصاري تعقيدا و تطويلا، و أهمل صاحب الكفاية

____________

(1) اشترطنا في الشبهة التحريمية أن يكون التردد بين الحرام و غير الواجب، ليتمكن من الاحتياط بالترك، إذ لا احتياط مع العلم بترك الواجب، و اشترطنا في الشبهة الوجوبية أن يكون التردد بين الواجب و غير الحرام ليتمكن من الاحتياط بالفعل إذ لا احتياط مع العلم بفعل الحرام.

288

ذكر أسباب الشك، أما نحن فنأتم بالأنصاري في الترتيب و التنضيد لا في التطويل و التعقيد.

و تجدر الإشارة الى ان مسألة الأقل و الأكثر تختص بالشبهة الوجوبية دون التحريمية لأن الأكثر فيها معلوم التحريم، و الأقل مشكوك فينحل العلم الإجمالي و تجري البراءة، و قد نعود إلى الكلام عن ذلك ثانية في الشبهة الوجوبية.

محل الكلام‏

قلنا و نكرر ان الأصول التي نتحدث عنها أولا و بالذات، أربعة: البراءة و التخيير و الاحتياط و الاستصحاب، و أنهينا الحديث عن الأصل الأول و الثاني، و منذ الآن إلى مبحث الاستصحاب نتحدث عن الأصل الثالث، و هو الاحتياط، و موضوعه الشك في المكلف به بعد العلم بالتكليف على الخط المرسوم في فقرة «معنى الشك في المكلف» فلاحظ.

و نبدأ حديث الاحتياط بالشبهة التحريمية الموضوعية، و هي على قسمين:

محصورة و غير محصورة، و لكل واحدة أحكامها الخاصة، و يأتي الكلام عن الثانية، أما الشبهة المحصورة فهي أن يشتبه الحرام بغير الواجب لسبب من الخارج لا من الشارع، على أن ينحصر الحرام بفردين أو أكثر و لا وسيلة للتمييز و التعيين، و لكن في طاقة المكلف و مقدوره أن يترك الجميع بلا مشقة و عناء، و أما التقييد بغير الواجب فللاحتراز من تركه و معصيته، و مثال ذلك أن تشتبه قطعة لحم من مذكى بثانية ميتة. أما الشبهة غير المحصورة فيأتي الحديث عنها بعد ذلك.

و الكلام عن الشبهة التحريمية الموضوعية المحصورة يقع في أمرين: الأول في تحريم المخالفة القطعية، و ان المكلف هل يسوغ له أن يقتحم حريم هذه الشبهة و يرتكب جميع أفرادها بلا استثناء بحيث ينتهي إلى اليقين بأنه قد فعل الحرام، و لا بأس عليه من ذلك لأن وجود العلم الإجمالي في هذا الفرض كعدمه، أو ان المخالفة القطعية محرمة، و لكن تجوز المخالفة الاحتمالية بارتكاب ما يختار

289

المكلف من أطراف الشبهة ما عدا مقدار الحرام لأن العلم الإجمالي يظهر أثره في بعض الأطراف دون الكل تحفظا من المعصية على اليقين؟.

الأمر الثاني في تحريم المخالفة الاحتمالية و وجوب الموافقة القطعية بالاجتناب و الابتعاد عن كل الأطراف بلا استثناء لأن العلم الإجمالي تماما كالعلم التفصيلي في التنفيذ و قيام الحجة، هذا هو محل الكلام في هذا الفصل.

الأقوال‏

و لا قائل بجواز المخالفة القطعية و ارتكاب جميع الأطراف للوقوع في المعصية بلا شبهة و معذرة، و يستحيل الإذن بها و الترخيص بفعلها شرعا و عقلا و عرفا، و على فرض وجود قائل بذلك فقوله شاذ و متروك، و قد اشتبه من برر هذا الزعم بقوله: لا بأس في ارتكاب جميع الأطراف على التدريج الواحد بعد الآخر لا دفعة واحدة لأن الحرمة هي المعصية في علم المكلف حين يفعل و يباشر لا بعد الفعل و المباشرة، و المفروض انه لا علم بالمعصية حين الفعل، و لا فعل حين العلم بالمعصية.

و تجاهل هذا المبرر عدم الفرق بين ارتكاب جميع الأطراف دفعة أو تدريجا بعد علم اليقين بأنه لا مفر من المعصية و العلم بها على كل حال، و لو صح هذا المنطق لساغ لأي انسان أن يخلط أقداح الخمر بأشباهها و نظائرها، ثم يشرب من كل واحد على حدة حتى النهاية!.

و قالت فئة قليلة: لا شك في تحريم المخالفة القطعية بارتكاب جميع الأطراف لأن الاذن بها ترخيص بمعصية اللّه تعالى، و جرأة على انتهاك نهيه الثابت بالعلم و اليقين، اما وجوب الموافقة القطعية بترك جميع الأطراف- فلا دليل عليه، بل قام الدليل على عدم وجوبه، و على جواز المخالفة الاحتمالية بارتكاب بعض الأطراف.

و يتلخص دليلهم هذا بأن كل واحد من أطراف الشبهة إذا نظرنا اليه مستقلا و من حيث هو- جهلنا حكمه الواقعي، و شككنا في حله و تحريمه، و هذا هو بالذات الموضوع الأساسي لأصل الإباحة المدلول عليه بحديث «كل شي‏ء لك‏

290

حلال حتى تعلم الحرام» لأنه شك في نفس التكليف لا في المكلف به بعد العلم بالتكليف كي يجري فيه أصل الاحتياط و قاعدة: التكليف اليقيني يستدعي التكليف اليقيني.

هذا مع العلم بأنه لا مانع على الإطلاق من الأخذ بأصل الاباحة في طرف من أطراف الشبهة، و لا يلزم منه أية مناقضة و مصادمة مع الحرام الواقعي كي نطرح الأصل و لا نعمل به، أجل ان إعمال أصل الاباحة في جميع الأطراف يستدعي الترخيص بالمعصية، و نفي الحكم الثابت باليقين، و لذا قلنا بحرمة المخالفة القطعية، و أبحنا المخالفة الاحتمالية بالإقدام على بعض أطراف العلم الاجمالي، و الإحجام عن بعضها الآخر على أن يكون بمقدار الحرام أو يزيد تهربا من المعصية.

الجواب:

أبدا لا موضوع و لا مكان مع العلم الاجمالي لأصل الإباحة و لا لحديث «كل شي‏ء لك حلال» لأن الموضوع الأساسي لهذا الأصل هو الشك في الحكم الواقعي، و هذا الحكم معلوم هنا، و يستحيل أن يوصف بالمجهول لأن العلم الاجمالي ضد الجهل و مقابل له، و صنف أو فرد من أفراد العلم، و قسيم أو نظير للعلم التفصيلي، و أثرهما واحد في قيام الحجة بتبليغ الأحكام و تنفيذها و طاعتها في نظر العقل و العقلاء، و هل يستسيغ العقل الإقدام على ما يظن أنه جرأة على اللّه و معصيته من غير مؤمّن و مبرر؟ و أي عاقل يشرب من أحد إناءين و هو على علم اليقين بأن السم قابع و ناقع في هذا أو ذاك، أو يرمي بسهمه القاتل رجلا من اثنين، له ثأر عند أحدهما دون الآخر؟.

و بعد، فإذا كان الانسان، كل انسان، يبني جميع حركاته و سكناته على أساس الواقع في علمه، فإن الحرام معلوم في الشبهة التحريمية، فكيف نتخطاه و نتجاهله؟ أما قول من قال بأن كل طرف بخصوصه مجهول التحريم فيجري فيه أصل العدم، اما هذا اللفظ فهو مغالطة و تلاعب بالكلمات، لأن ما من طرف‏

291

من أطراف العلم الاجمالي الا و يتصف حتما و قهرا بأنه معلوم بالاجمال بحكم الواقع حتى و لو نظرنا اليه مستقلا، لأن النظرة لا تنسخ الواقع و تحوله عن طبيعته، و اجراء أصل الاباحة معناه إخراج الطرف عن هذا الوصف و إبعاده عن العلم الاجمالي و أطرافه، و هو خلاف الفرض.

و بهذا يتبين معنا انه لا حاجة إلى القول بأن إعمال أصل الاباحة في جميع الأطراف مخالفة قطعية، و في طرف معين ترجيح بلا مرجح، و في طرف لا بعينه يتعدد إجراء الأصول بعدد الأطراف و تتعارض لمكان المخالفة القطعية، و إذا تعارضت تساقطت، أبدا لا داعي لذلك لأن أصل الاباحة لا يجري من الأساس لانتفاء موضوعه من جهة، و تعارضه مع الحكم الثابت بالقطع و اليقين من جهة ثانية، أما حديث «كل شي‏ء لك حلال الخ ..» فهو دليل على وجوب الموافقة القطعية، و تحريم المخالفة الاحتمالية حيث جعل العلم بالحرام غاية و نهاية للحل و الاباحة. و من البديهي ان العلم الاجمالي فرد من أفراد العلم كما أشرنا، و في النتيجة يكون هذا الحديث حجة على من استدل به، و لا حجة له فيه من قريب أو بعيد.

أجل، قد يقول قائل: انا لا أفهم و لا يتبادر إلى ذهني من حديث «حتى تعرف الحرام بعينه» إلا العلم التفصيلي، إذا وجد هذا القائل قلنا في جوابه:

سلّمنا بفهمك و تبادرك، و لكن العمل بهذا الحديث في أي طرف من أطراف العلم الاجمالي معارض بمثله في الظرف الآخر، و العمل بهما معا مخالفة قطعية و بأحدهما ترجيح بلا مرجح، و مهما يكن فإن نتيجة القول بعدم جريان الأصل في مورد العلم الاجمالي و القول بجريانه مع التعارض و التساقط- واحدة.

الموافقة التعبدية

و تسأل: صحيح أن العلم الاجمالي تقوم به الحجة في تبليغ الأحكام تماما كالعلم التفصيلي، و لكنه مع هذا لا يكشف عن الواقع كشفا تاما كما هو شأن العلم التفصيلي، و عليه فلا مانع عقلا أن يأذن الشارع بارتكاب بعض أطراف الشبهة التحريمية المحصورة التي نحن بصددها، و يأمر بالابتعاد عن البعض الآخر

292

كبديل عن امتثال النهي المعلوم ما دام الأمر و النهي في قبضته و الطاعة له وحده، إن شاء ترك أمرها لحكم العقل القاضي بالموافقة القطعية، و ان شاء قبل الطاعة بالظن و الاحتمال، و من البديهي أن حكم العقل بالطاعة تبع لحكم الشرع و الشارع، فأي لون من ألوان الطاعة يرتضيه يحكم العقل بتنفيذه.

الجواب:

أولا: ليس من شك في أن أية طاعة و موافقة يتعبدنا بها الشارع هي حق و عدل تماما كالموافقة القطعية، و لكن حديث «كل شي‏ء لك حلال أو طاهر» و ما أشبه، لا يدل على الإذن و الترخيص بارتكاب طرف من أطراف الشبهة، بل هو أجنبي و بعيد كل البعد عن ذلك كما أوضحنا.

ثانيا: ان الترخيص بأي طرف من أطراف العلم الإجمالي يحتاج إلى دليل يختص بالحادثة المشتبهة، و أن لا يكون هذا الدليل معارضا بدليل سليم. و في رسائل الأنصاري: «إن مثل هذا الدليل لو فرض وجوده يكون حاكما على الأدلة الدالة على الاجتناب عن المحرم الواقعي، و لكن معارض بالعديد من الأخبار الدالة على كون الاجتناب عن كل واحد من المشتبهين أمرا مسلما به و مفروغا منه عند الأئمة (ع) و الشيعة بل و غيرهم أيضا».

و بعد، فلا مفر من القول بوجوب الموافقة القطعية حيث لا شي‏ء بعدها إلا المخالفة القطعية و الاحتمالية، و قد أبطلناهما بالبرهان القاطع، و إذا انتفى وجود الشي‏ء ثبت نقيضه بحكم البديهة، على أن الدليل على وجوب الموافقة يعرف من خلال ما عرضناه في الصفحات السابقة، و مع هذا نعرضه مستقلا و بأسلوب آخر فيما يلي:

ان الأدلة الشرعية بما فيها أدلة المحرمات مثل لا تشرب الخمر و لا تأكل الميتة- تعم و تشمل كل ما دل عليه الاسم و تناوله العنوان الذي تعلق به الحكم الشرعي سواء أ كان معلوما عند المكلف أم مجهولا، و لا قائل بأن الأحكام الشرعية الواقعية تدور مدار العلم بها أو بموضوعاتها وجودا و عدما.

أجل ان الحكم الشرعي بشتى أنواعه لا يصل إلى درجة التنجيز و التنفيذ، و لا يترتب الثواب على فعله و العقاب على تركه إلا بعد العلم به و بوجود موضوعه‏

293

في الخارج، و بعد القدرة على فعله و تركه كما ذكرنا في فقرة «التشريع و التنفيذ» من هذا الفصل.

و المفروض فيما نحن فيه أن المكلف يعلم بالتحريم و بوجود موضوعه بالفعل، و أنه قادر على اجتناب كل الأطراف، و انه لا دليل ايجابي من الشرع و العقل على أن المكلف إذا ارتكب طرفا من الأطراف و أصاب الحرام فلا شي‏ء عليه، و يقبح حسابه و عقابه، بل العكس هو الصحيح، لأن العلم بالتكليف و موضوعه و القدرة على الطاعة علّة تامة لحكم العقل بإلزام المكلف بالموافقة القطعية، و لإنذاره بالعقاب إذا عاكس و خالف. و على هذا الأساس وحده ترتكز القاعدة العقلية القائلة: التكليف اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني، و هي من المسلّمات الأولية و لا يختلف فيها اثنان، و لا سر إلا لأن أساسها لا يقبل بطبعه شكا و لا خلافا.

294

تنبيهات الشبهة المحصورة

التنبيه الأول طبيعة المحرمات واحدة

قد ترى ماء في وعاء، و تعلم بأنه لا يخلو من أحد فرضين: اما مباح لكل الناس و لكنه متنجس، و اما طاهر و لكنه مملوك و غير مباح، و تشك: هل يسوغ لك التصرف فيه بشكل من الأشكال؟.

الجواب:

كلا، لمكان العلم التفصيلي بوجوب الترك و الابتعاد عن الحرام غصبا كان أم متنجسا، و مجرد الجهل بنوع الحرام ليس بعذر بعد العلم بوجوب الترك و حرمة الفعل على كل فرض و حال، و مع هذا العلم لا مكان و لا موضوع لأصل الحل و الطهارة.

أجل، و لو كان لأحدهما أثر يختص به دون الآخر، يجري فيه الأصل بلا معارض، اما الأثر التوأم فلا مفر منه للنهي عنه على كل حال.

التنبيه الثاني في ان الاحتياط وسيلة لا غاية

الحكم هنا بوجوب الاحتياط عقلي صرف لأنه من شئون الطاعة، و القصد منه الأمن و الأمان من غضب اللّه و عذابه، و بكلمة: ان أمر العقل بالموافقة القطعية

295

هو لمجرد الإرشاد و النصيحة، فإذا تجرأ المكلف و ارتكب طرفا من أطراف الشبهة و لم يصب الحرام- فلا بأس عليه، و ان أصابه حوسب على الحرام بالذات لا على حكم العقل بوجوب الاحتياط، لأن حكمه هنا وسيلة لا غاية.

التنبيه الثالث في الابتلاء

قلنا مرارا فيما سبق: ان التكليف لا يبلغ حد التنفيذ و التنجيز إلا مع علم المكلف بنوع الحكم و وجود موضوعه و القدرة على طاعته، و في هذا التنبيه نشير إلى أمر مهم يتصل بالقدرة عادة لا عقلا، و يسميه علماء الفقه و الاصول بالابتلاء، و مرادهم الشي‏ء المبتلى به و الذي لا غنى للمرء عنه بحكم بيئته و عاداته و أوضاعه و أحواله، و اعتبروا الابتلاء بهذا المعنى شرطا في تنفيذ النهي و تنجيزه صونا لكلام الحكيم عن اللغو و العبث.

و فرّعوا على ذلك أن كل طرف من أطراف الشبهة المحصورة، يجب أن يكون محلا لابتلاء المكلف كي يسوغ للشارع- في حكم العقل و نظر العقلاء- أن يوجه خطابه بالنهي عن كل طرف من أطراف العلم الإجمالي، و يقول للمكلف:

ان كان الحرام هنا فاجتنبه، أو هناك فابتعد عنه، أما إذا صح النهي عن طرف دون آخر، فلا يكون التكليف نافذا على كل فرض و حال، و يكون الشك عندئذ في الطرف الذي صح النهي عنه شكا في نفس التكليف، فيجري فيه أصل البراءة، و ليس شكا في المكلف به بعد العلم بالتكليف كي يدخل في باب الاحتياط.

و يتضح عدم توجيه الخطاب من الأساس، أو عدم بلوغه حد التنفيذ، و ينجلي بصورة أظهر و أكمل من الأمثلة التالية:

1- عندك إناءان في أحدهما ماء طاهر و في الآخر ماء نجس، ثم وقع شي‏ء من النجاسة في أحدهما و جهلت به على التعيين، فإن كانت النجاسة قد أصابت الماء الطاهر صح النهي و أثر أثره في وجوب الترك و الابتعاد، و إن كانت قد

296

أصابت الماء المتنجس فلا أثر للنهي الجديد كي يصح لأنه تحصيل للحاصل و ايجاد للموجود، و إذا لم يصح النهي عن كل طرف من أطراف العلم الإجمالي- يكون وجوده كعدمه، و بالنتيجة يبقى الماء الطاهر على طهارته لاستصحاب الحال السابقة بلا معارض.

هذا مثال لنفي التكليف و عدم وجوده من الأساس بالنسبة إلى الطرف المتنجس، و ليس مثالا لعدم بلوغ التكليف حد التنفيذ و التنجيز بعد وجوده. و مثله لو شككت في وقوع النجاسة في البحر أو على ثوبك. و لا بد من الإشارة إلى ان هذين المثالين لا يصدق عليهما الابتلاء و عدمه، و لكنهما بحكمه من حيث عدم وجوب الاحتياط، و من هنا جاء ذكرهما، و لا يخلو من فائدة.

2- إذا علمت بوقوع النجاسة في إنائك أو إناء جارك يصح النهي المطلق المنجز عن استعمال إنائك- على فرض وقوع هذه النجاسة فيه- لأنك مبتل به، فيفعل النهي فعله في الابتعاد عنه، و لا يصح النهي المطلق المنجز عن استعمال إناء جارك- على فرض وقوع النجاسة فيه- لأنك تارك له تلقائيا بحكم العادة و طبيعة الحال، و عليه فلا داعي لهذا النهي بعد أن تجرد من التنجيز و التنفيذ، و يكون وجود العلم الإجمالي كعدمه لأنه غير نافذ و منجز على كل تقدير، و يكون الشك في نجاسة إنائك شكا في نفس التكليف، فيجري فيه أصل البراءة بلا معارض.

و هكذا الحكم في كل طرف يخرج عن محل الابتلاء، كالشك في وقوع النجاسة على ثوبك أو على الطريق العام، و الشك في تردد الجنابة بين اثنين الذي مثل له الفقهاء بثوب مشترك بين رجلين يلبسه هذا حينا و ذاك حينا آخر، ثم ظهر عليه أثر المني، فيجري كل منهما أصل عدم الجنابة بلا معارض حيث لا صلة لجنابة أحدهما بجنابة الآخر.

و تسأل: إذا شك المكلف في طرف من أطراف العلم الاجمالي: هل هو محل ابتلائه أو خارج عنه، فما ذا يصنع؟ و مثاله أن يعلم بوقوع نجاسة على ثوبه أو على أرض غرفته، و لا يدري هل سيبتلي بها لسبب أو لآخر أو لا؟.

و أجاب الأنصاري بأن الشك في الابتلاء معناه الشك في ان التكليف بهذا الطرف هل بلغ حد التنفيذ و التنجيز، أو انه لم يصل بعد؟ فيجري أصل‏

297

البراءة، لأن الحساب و العقاب انما يكون على تنجيز التكليف، و ليس على وجود التكليف كيف اتفق.

هذا ما يقتضيه الأصل العملي، أما الأصل اللفظي، و هو التمسك باطلاق أدلة المحرمات فإنه يقتضي ترك المشكوك في الابتلاء به و الاجتناب عنه، لأن قول الشارع: لا تشرب الخمر و لا تصلّ بالنجس مثلا يعم و يشمل كل الأفراد المبتلى بها و غير المبتلى بها على صعيد واحد، خرج عن هذا الاطلاق معلوم الابتلاء بالدليل، و بقي المشكوك مع المحرمات.

و أشكل على الانصاري مع من أشكل بأن هذا تمسك بالاطلاق في الشبهة المصداقية. و تكلمنا حول هذه الشبهة مطولا و مفصلا في مبحث العام و الخاص.

و تجدر الاشارة أن الشيخ الأنصاري هو الذي اكتشف شرط الابتلاء و سبق اليه كما يظهر من عبارة تلميذه الآشتياني حيث قال: «كان بعض مشايخنا يطعن على شيخنا الاستاذ العلامة- أي الأنصاري- لأنه تفرد في تأسيس هذا الأصل و الشرط». و كان الشيوخ قبل الأنصاري إذا رأوا موردا من موارد العلم الاجمالي لا يجب فيه الاحتياط قالوا: خرج هذا بدليل خاص، و هم يعلمون بأن العقل هو الذي حكم بوجوب الموافقة القطعية، و ان حكمه لا يقبل نسخا و لا تخصيصا و تقييدا.

و حل الأنصاري هذه العقدة باكتشاف الابتلاء و قال: «هذا باب واسع ينحل به الإشكال عمّا علم من عدم وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة». هوّن اللّه عليه كل كرب يوم لا ينفع مال و لا ينون.

التنبيه الرابع في أثر المخالفة لبعض الأطراف‏

بعد البناء على وجوب الموافقة القطعية، نتساءل: إذا ترددت الخمر- مثلا- بين إناءين و عاكس المكلف و تجرأ على شرب واحد منهما دون الآخر

298

بحيث لا تعلم و نتيقن انه شرب الحرام و عصى الرحمن، فهل يقام عليه الحد و يجلد ثمانين جلدة؟.

الجواب:

كلا، أولا: لأن وجوب الحد و اقامته ليس أثرا للخمر من حيث هي و انما هو أثر لشربها عن قصد، و المفروض أن الشرب غير معلوم فالأصل عدمه أو عدم الموجب للحد حتى يثبت العكس.

ثانيا: ان علم الحاكم الذي يقيم الحد، جزء من موضوع وجوب الحد، و هو يشك في حدوث الشرب، و الشك نقيض العلم ان وجد أحدهما انتفى الآخر.

ثالثا و أخيرا: الحدود تدرأ بالشبهات.

سؤال ثان: إذا تردد النجس بين طرفين، فهل يتنجس الملاقي لأحدهما؟.

و هذا السؤال يجيب بنفسه عن نفسه، لأن الفرض ان النجس مردد بين اثنين و لا ندري مكانه أين؟ و لو قلنا بتنجيس الملاقي لأحد الطرفين فقط لكان معنى ذلك ان مكان النجس معلوم بعينه، و هو الطرف الذي حدثت معه الملاقاة، و هذا خلاف الفرض و شرود عن محل البحث.

و إذا اتضحت الفكرة من هذين المثالين هان علينا فهم الضابط الأساسي، و هو أن أي أثر يختص بذات المحرم المشتبه من حيث هو فلا يسوغ بحال أن نلتزم به و نرتبه على طرف واحد من أطراف العلم الاجمالي فضلا عن الملاقي.

اما وجوب الاجتناب عن كل الأطراف فهو مقدمة و وسيلة للموافقة القطعية.

التنبيه الخامس الضرورات تبيح المحظورات‏

ذكر علماء الأصول في هذا التنبيه العديد من حالات الاضطرار إلى طرف من أطراف الشبهة المحصورة، نعرض منها ما يلي:

1- عندك كأسان في أحدهما دواء لا غنى بغيره عنه، و في الآخر ماء

299

و أصابت النجاسة واحدا منهما- مثلا-، و جهلت مكانها و انها في الدواء أو الماء، فهل يكون العلم الإجمالي في هذه الحال نافذا و منجزا بحيث يجب على المكلف الابتعاد عن الكأسين معا، هذا بعد الفرض بأن الاضطرار سابق و متقدم على العلم بالنجاسة؟.

الجواب:

لا أثر للعلم الإجمالي هنا على الإطلاق لأن الشرط الأساسي في تنجيزه أن يصح النهي عن كل طرف من أطرافه لو أصابته النجاسة، و لا يصح النهي عن الدواء على تقرير وقوع النجاسة فيه، و أيضا لا يجري فيه الأصل لمكان الاضطرار و الحاجة اليه، و يصح النهي عن الماء على فرض اصابة النجاسة له، و لكن الشك في حدوثها معناه الشك في نفس التكليف فيجري أصل البراءة بلا مانع بعد الفرض بأن العلم الإجمالي لا أثر له.

و الخلاصة أن ما دعت اليه الحاجة لا يصح النهي عنه، و الذي يصح النهي عنه مشكوك النجاسة فتنفى بالأصل. و مرة أخرى نشير إلى أن الفرض هنا فيما تقدم الاضطرار على العلم الإجمالي.

2- عندك إناءان في أحدهما عصير التفاح و في الآخر عصير الليمون- مثلا- و لست بحاجة اليهما و لا إلى واحد منهما، ثم أصابت النجاسة أحدهما، و التبس الطاهر بالنجس، و بعد علمك بذلك طرأ الاضطرار، و أحوجتك الضرورة إلى عصير التفاح بالذات، فما ذا تصنع؟. و الفرق بين الفرض السابق و هذا الفرض أن الاضطرار هناك إلى معين كان قبل العلم الإجمالي، أما الاضطرار إلى معين هنا فقد حدث بعد العلم الإجمالي.

و لا كلام في أن اللّه سبحانه أحلّ لك ما دعت اليه الحاجة و الضرورة دفعا للعسر و الحرج، و أيضا لا إشكال في وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر غير المضطر اليه تماما كما لو لم يكن هناك اضطرار من الأساس، لأن الاضطرار إلى معين طرأ بعد أن توافرت كل الشروط لتنفيذ العلم الإجمالي و تنجيزه الموجب للموافقة القطعية، و الضرورة تقدر بقدرها، و لا يباح من المحظورات بأكثر مما يسد الخلة، و يدفع الخطر كما قال سبحانه‏ «غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ».* و من‏

300

استرسل مع الهوى و الغرض وقع في خطر أشد.

3- عندك كوزان من ماء طاهر، ثم تنجس أحدهما و اشتبه الأمر، و اضطررت إلى واحد منهما، أي واحد بلا فرق و تمييز، فما هو الحكم في هذا و أمثاله؟ الجواب: الحكم أن يختار المضطر أيهما شاء سدا لخلته و دفعا لمضرته، و أن يترك الآخر حتما و وجوبا، و معنى هذا في واقعه ان الاضطرار الى غير معين يرفع وجوب الموافقة القطعية، و يبرر المخالفة الاحتمالية، و يبقى تحريم المخالفة القطعية على ما كان، سواء أطرأ الاضطرار إلى غير معين قبل العلم الإجمالي أم بعده.

قال النائيني: «الأقوى في الاضطرار إلى غير معين وجوب الاجتناب عما عدا ما يدفع به الاضطرار مطلقا في جميع الصور، سواء أ كان الاضطرار قبل العلم أم بعده أم مقارنا له».

و السر أنه لا مزاحمة و لا مصادمة في الواقع بين الاضطرار إلى غير معين و بين الحرام الواقعي، لأن المفروض فيما نحن فيه أن هناك فردين: أحدهما حلال و الآخر حرام، و ان المضطر يحتاج إلى واحد منهما لا على التعيين، فنعطيه الحلال، و يبقى على حكمه ما دام الاضطرار لا يزاحم الحرام، غاية ما في الأمر أن اشتباه الحلال بالحرام مساغ و عذر للمضطر في أن يختار واحدا لحاجته، و يدع ما تبقى عوضا عن الحرام، و من هنا لو ارتفع العذر و الاشتباه لكان الحلال نصيب المضطر بخصوصه، و الحرام على مكانته و حصانته.

قال الشيخ الانصاري: «لو علم حرمته تفصيلا وجب الاجتناب عنه، و ترخيص بعضها على البدل موجب لاكتفاء الأمر بالاجتناب عن الباقي». و معنى هذه العبارة أن المضطر إلى غير معين لو عرف الحرام بعينه لاكتفى بحلال اللّه عن حرامه، و لكن جهله بالتعيين دعا الشارع الحكيم أن يأذن له بالاقتصار على مقدار حاجته من أطراف العلم الإجمالي، و يترك البقية الباقية عوضا عن الحرام.

و بعد، فمن المسلّمات الشرعية و العقلية أن الضرورات تبيح المحظورات، لأن الخطر الذي ينجم عن ترك الحرام مع الاضطرار اليه هو أشد و أعظم من الخطر الناتج عن فعله، و إلى هذا تشير القاعدة المعروفة «الضرر الأشد يزال‏

301

و يدفع بالضرر الأخف شريطة أن تقدّر الضرورة بقدرها». و المصدر الأول لذلك قوله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏- 173 البقرة».

التنبيه السادس واحدا بعد واحد

أهمل صاحب الكفاية العديد من تنبيهات الشبهة المحصورة التي تعرض لها الأنصاري، و منها هذا التنبيه، و لم يذكر الا ثلاثة: الاضطرار و الابتلاء و الملاقي.

و خلاصة ما نحن الآن بصدده أن أطراف العلم الاجمالي قد توجد على التوالي و التتابع واحدا بعد واحد، و مثال ذلك أن تعلم علم اليقين بأنك لو خرجت من بيتك اليوم أو غدا حدث لك حادث قهري لا يأذن لك الدين و الشرع بالإقدام عليه، و يأمرك بالتحفظ منه، فهل يكون علمك هذا نافذا فيجب عليك أن تحتاط و لا تخرج في هذا اليوم و لا في الغد، أو يسوغ لك الخروج اليوم دون الغد أو الغد دون اليوم؟.

و الحق أنه لا فرق على الإطلاق بين وجود الأطراف دفعة واحدة، أو أن يتقدم بعض منها و يتأخر بعض ما دام الجميع محل الابتلاء، و العقل حاكم بالطاعة و الموافقة القطعية دفعا للضرر، و المكلف قادرا على الاحتياط.

و تسأل: ان المراد بشرط الابتلاء هنا هو أن تكون أطراف العلم الاجمالي مجتمعة لا متفرقة بحيث تكون بالكامل و في آن واحد تحت قدرة المكلف و سلطانه، يترك منها أو يفعل ما يشاء ساعة يشاء، و يستحيل أن يتحقق هذا الشرط في الأطراف المتتابعة المتوالية، لأن المكلف حين يبتلى بالطرف السابق لا يوجد اللاحق، و حين يوجد اللاحق يذهب السابق و لا يبتلى به، فكيف يجب الاحتياط و هذي هي الحال؟.

الجواب:

إن الهدف الأول و الأخير من شرط الابتلاء هو صحة الخطاب بالاجتناب عن‏

302

الحرام و كفى، و هذا الخطاب يعم و يشمل الحرام المردد بين السابق و اللاحق تماما كما هو الشأن عند وجودهما معا، و لا صلة للنهي عن الحرام بزمن الأطراف من قريب أو بعيد، بخاصة فيما نحن فيه، و كل ما يدل عليه النهي هو الابتعاد عن الأطراف أينما وجدت و متى وجدت و كيف وجدت تماما كما لو علم المكلف بالتفصيل لا بالاجمال أن الحرام سيوجد غدا أو بعد غد.

و أي فرق بين قول الشارع: لا تشتر اللحم من هذا الجزار يوم الجمعة و السبت إذا علمت و أيقنت بأنه يبيع الميتة في واحد من هذين اليومين، و بين قوله: لا تشتر اللحم منه يوم السبت اذا علمت و أيقنت بأنه يبيع الميتة في يوم السبت بالذات؟.

303

الشبهة التحريمية غير المحصورة

معناها

قلنا في فصل الاحتياط فقرة أسباب الشك: ان الشبهة التحريمية الموضوعية منها محصورة و منها غير محصورة، و تكلمنا عن الشبهة المحصورة و ما يلحق بها من التنبيهات، و الآن نتحدث عن غير المحصورة، و هي- في الغالب- ما توافر فيها أمران: الأول كثرة الأطراف، و الثاني أن يتمكن المكلف و يقدر عقلا لا عادة على ترك الأطراف كلها جمعاء، و لكن مع الشدة و المشقة تماما كصيام الشيخ و الشيخة، و مثال ذلك المسافر يدخل بلدا، و يعلم أن في بعض مطاعمه إناء أو خبزا أو إداما متنجسا، و لكنه في حاجة ماسة إلى الطعام و الشراب.

فإذا كثرت الأطراف و لا مشقة في تركها، فليست من الشبهة المحصورة في شي‏ء، كحبة حنطة متنجسة من صاع، و إذا قلّت الأطراف و كان في تركها بالكامل مشقة دخلت في المحصورة، و سبق الحديث عنها و عن الاضطرار إلى بعض أطرافها. و أية غرابة في إلحاق الضيق و المشقة بالضرر و الاضطرار؟ قال سبحانه: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏- 78 الحج».

حكمها

و حكم الشبهة التحريمية الموضوعية غير المحصورة- جواز المخالفة الاحتمالية و عدم وجوب الموافقة القطعية. و من أدلة القائلين بذلك: الاجماع، و هو كما يعرف الجميع حدس في حدس على طريق القدامى.

304

ثانيا: ان الاحتياط بالموافقة القطعية يستدعي الضيق و الحرج، و هو منفي شرعا و عقلا، و في حاشية الآشتياني على الرسائل: «لم أر من لم يتمسك بهذا الدليل ممن تعرض لحكم المسألة، بل ربما يجعلونه الضابط لغير المحصور».

ثالثا: ان أخبار الحل و الإباحة و الطهارة تعم و تشمل كل مجهول و مشكوك في حكمه حتى و لو كان طرفا للشبهة المحصورة. و أيضا أخبار الاحتياط و التوقف عند الشبهات تعم كل شبهة حتى و لو كانت طرفا لغير المحصورة، و طريق الجمع أن نحمل أخبار الاحتياط على الشبهة المحصورة لمكان العلم بوجوب الموافقة القطعية فيها، و نحمل أخبار الحل على غير المحصورة، أيضا للعلم بعدم وجوب الاحتياط فيها.

رابعا: ان السبب الموجب لحكم العقل بالاحتياط و وجوب الموافقة القطعية في الشبهة هو أن احتمال الضرر الأخروي قوي و متمكن إلى حد لا يقبح معه العقاب على المخالفة، أما احتمال الضرر في غير المحصورة فهو واه و ضعيف لا وزن له إطلاقا و يقبح معه العقاب على المخالفة في نظر العقل و العقلاء. و مثّل له الأنصاري بالفرق البعيد بين العلم بوجود السم في إناء من اثنين و العلم بوجوده في إناء من ألفين، و أيضا فرّق بين العلم بشتم شخص من شخصين و العلم بشتم واحد لا على التعيين من أهل البلد، و أيضا بين الخبر بموت رجل من رجلين، و الخبر بموت واحد من الجيش أو من أهل البلد، كل هذه الأمثلة و كثير غيرها دليل واضح على أن الأثر لقوة الاحتمال، و انه لا أثر للاحتمال الضعيف. و هكذا كل ضعيف.

و ليس من شك أن هذه الأدلة بمجموعها تتعاضد في الدلالة على عدم وجوب الاحتياط لو فرضنا و سلّمنا بأن كل واحد منها لا يفي بالحجة الالزامية الكافية.

التنبيه الأول الشك في الحصر

عرفنا من كل ما سبق وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية المحصورة دون غيرها، و نسأل الآن: ما هو مقتضى الأصل عند الشك في الحصر و عدمه،