علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
456 /
305

هل يجب الاحتياط في مشكوك الحصر تماما كما لو علمنا بعدم الحصر؟ و لمجرد التقريب نعرض هذا المثال، و هو أن تنحصر النجاسة بين إناءين، ثم يختلطان في العديد من أوان متشابهة شكلا و حجما، و لا ندري هل صارت الشبهة بسبب ذلك غير محصورة، أو أن الخلط لم يحدث أي تغيير بالنسبة إلى الحصر؟.

الجواب:

لا مفر هنا من العمل بالاحتياط لأن التكليف ثابت باليقين كما هو الفرض، و الشك إنما هو في وجود المانع (أي عدم الحصر) و الأصل عدمه حتى يثبت العكس، و على حد ما قاله الأنصاري- محتوى لا أسلوبا- ان الدليل القاطع قام على وجود الحرام و تنجيزه محصورا كان أم غير محصور، فوجب الاجتناب عن الاثنين من غير فرق، ثم قام دليل آخر على خروج غير المحصور، فأخرجنا المعلوم منه، و بقي المشكوك مشمولا بوجوب الاجتناب، و مصداقا لدليله حيث لا دليل على خروجه، و لا أمن و أمان من الوقوع في الضرر على فرض المخالفة و بكلمة أجمع: التكليف اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني.

التنبيه الثاني لا مخالفة قطعية

بعد العلم بأن الاحتياط لا يجب في الشبهة غير المحصورة، فهل تجوز المخالفة القطعية بارتكاب جميع الأطراف بحيث يعلم المكلف أنه في فعله هذا وقع في الإثم و المعصية؟.

أورد هذا السؤال الأنصاري و قال في جوابه من جملة ما قال: «التحقيق عدم جواز ارتكاب الكل لاستلزامه طرح الدليل الواقعي الدال على وجوب الاجتناب عن المحرم». و قال النائيني: ان هذا السؤال غير وارد من الأساس بعد الفرض بأن ارتكاب جميع الأطراف في الشبهة غير المحصورة، متعسر و متعذر. و نحن مع النائيني في جوابه هذا لأن القدرة العقلية لا تؤثر أثرها في تنفيذ التكليف و تنجيزه مع الضيق و الحرج الذي اعتبر قيدا في غير المحصور.

أجل، ان المخالفة القطعية متيسرة و ممكنة في الشبهة الوجوبية غير المحصورة

306

- مثلا- إذا علم المكلف بأن عليه درهما لواحد من أهل البلد لا يعرفه بشخصه فلا شي‏ء أيسر عليه من التجاهل و اللامبالاة، و لكن يصعب عليه جدا أن يترك أكل اللحم لعلمه بأن جزارا واحدا من عشرات الجزارين لا يحسن الذبح الشرعي أو يحسنه و يتسامح، و من هنا صح تقسيم الشبهة التحريمية إلى محصورة و غير محصورة دون الشبهة الوجوبية.

إشارة و تذكير

سبقت الاشارة في فصل الاحتياط فقرة: أسباب الشك، ان الشبهة التحريمية على قسمين: موضوعية و حكمية، و أنهينا الحديث عن الموضوعية المحصورة و غير المحصورة مع التنبيهات، و بقي الكلام عن الشبهة التحريمية الحكمية و هي ما كان سبب الشك فيها عدم النص أو إجماله أو معارضته. و لا ريب في وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية الحكمية إذا كان سبب الشك عدم النص أو إجماله و كانت الشبهة محصورة- لنفس الدليل الذي عرضناه في وجوب الموافقة القطعية في الشبهة الموضوعية المحصورة، أما إذا كانت التحريمية غير محصورة و كان سبب الشك عدم النص أو إجماله- فلا يجب الاحتياط، أيضا للدليل المتقدم في الشبهة الموضوعية غير المحصورة.

و إذا كان سبب الشك في الشبهة التحريمية الحكمية تعارض النصين في تعيين الحرام الثابت واقعا- فقد ذهب المشهور بشهادة الآشتياني في حاشيته على الرسائل، إلى التخيير، لقيام الدليل الشرعي على ذلك.

و تجدر الإشارة إلى أن عبارة الأنصاري هنا تومئ و توهم بأن الحكم فيما إذا كان سبب الشك تعارض النصين تماما كالحكم فيما إذا كان السبب عدم النص أو إجماله، و هو تسامح في التعبير لبعده عن الواقع، و مثلها أيضا عبارة النائيني برواية الخراساني.

و الخلاصة ان الشبهة التحريمية غير المحصورة لا تجب فيها الموافقة القطعية، أما المحصورة فتجب فيها الموافقة القطعية بقول مطلق إذا كانت موضوعية، أما الحكمية فتجب فيها الموافقة القطعية إذا كان سبب الشك عدم النص أو إجماله، و إذا كان تعارض النصين فالحكم هو التخيير.

307

الشبهة الوجوبية

معناها

معنى الشبهة الوجوبية هنا أن يشتبه الواجب بغير الحرام، و أن يكون المكلف قادرا على الموافقة القطعية إذا كانت محصورة، و يأتي الكلام، أما التقييد بغير الحرام فللاحتراز من الوقوع في المعصية، و مثال ذلك أن يعلم المكلف بأن عليه فريضة لا يدري: هل هي صلاة الصبح أو الظهر، و الاحتياط ممكن دون أي محذور لأن إحدى الصلاتين واجبة، و الثانية لا يحرم فعلها.

أقسامها

و للشبهة الوجوبية العديد من الأقسام، فهي باعتبار أسباب الشك تنقسم إلى حكمية و موضوعية، فإن كان سببه عدم النص أو جماله أو معارضته فحكمية، لأن الشك أتى من جهة الشارع، و إن كان الشك لاشتباه الأمور الخارجية فموضوعية حيث لا يد للشارع و لا أثر له في هذا الإجمال و الإبهام.

و أيضا تنقسم الوجوبية باعتبار أطرافها إلى محصورة و غير محصورة على غرار الشبهة التحريمية، و أيضا إلى تردد الواجب بين متباينين، و بين الأقل و الأكثر، و مثال الأول اشتباه القبلة إلى جهتين أو أكثر، و مثال الثاني الشك في التيمم عن الغسل: هل تكفي له ضربة على الصعيد أو لا بد من اثنتين؟. و يأتي المزيد من التوضيح و الأمثلة إن شاء اللّه.

308

بين المتباينين و لا نص‏

و نبدأ الحديث بتردد الواجب بين متباينين لعدم النص، و مثاله أن يعلم المكلف بأن عليه واجبا مرددا بين أن يتصدق بما تيسر مرة واحدة في الأسبوع، أو يصلي صلاة الليل في كل جمعة، و لا نص على التعيين، فما يصنع؟ هل يجوز له أن يترك الصدقة و صلاة الليل معا بحيث يحصل له العلم بالوقوع في المعصية و الإثم، أو يحرم ذلك عليه؟.

الجواب:

لا ريب في حكم العقل و العقلاء بحرمة المخالفة القطعية و ترك جميع الأفراد، و بحسن العقاب على المخالفة لأن المكلف يعلم بوجود الواجب في مورد العلم الإجمالي، و لا شي‏ء يمنع من تنجيزه و تنفيذه تماما كما هو الشأن في الشبهة التحريمية التي تقدم الكلام عنها مطولا و مفصلا.

سؤال ثان: أجل، لا ريب في حرمة المخالفة القطعية و ترك جميع الأطراف، و لكن هل تجب الموافقة القطعية بإتيان جميع الأطراف بحيث يحصل العلم للمكلف بفعل الواجب، أو تجوز المخالفة الاحتمالية و الاكتفاء بفعل بعض الأطراف فقط؟.

الجواب:

كلا، لا يجزي فعل بعض الأطراف عن فعل الكل، و لا مبرر للمخالفة الاحتمالية، و لا مفر من وجوب الموافقة القطعية، و السر في ذلك هنا هو السر في حرمة المخالفة القطعية، و نعني به شمول دليل الواجب لجميع العلم الإجمالي، و علم المكلف بالتكليف، و عدم المانع من بلوغه حد التنجيز و التنفيذ.

أجل، للشارع أن يكتفي في مقام الطاعة و الامتثال ببعض الأطراف، و يجعله بدلا عن الواقع، و عندئذ يرفع العقل يده عن الموافقة القطعية، و لا يحكم بوجوبها لانتفاء السبب الموجب لهذا الحكم، و هو الخوف على المكلف من سخط اللّه و مؤاخذته، فاذا أمن و اطمأن على نفسه من المؤاخذة و الحساب، انتهت مهمة العقل.

و لكن العبرة بوجود الدليل الشرعي على ذلك، فأين هو؟ أما الدليل الخاص فلا عين له و لا أثر، و اما العام فلا شي‏ء لدينا إلا أخبار الإباحة، و هي اجنبية

309

عما نحن بصدده لأن موضوعها الشك في التكليف لا في المكلف به بعد العلم بالتكليف، و سبق الحديث عن ذلك مرارا و تكرارا.

بين المتباينين و اجمال النص‏

اذا كان اللفظ مجملا من كل وجه و لا شي‏ء يفهم منه اطلاقا- فوجوده كعدمه، و هذا النوع من الاجمال خارج عما نحن فيه، و إذا فهمنا من اللفظ وجوب أمر من أمرين، و الثاني ليس بمحرم، فهذا هو المقصود بالبحث، و مثاله أن يقول لك من تجب طاعته: اكرم زيدا العالم، و في العلماء زيدان.

و ليس من شك في وجوب الاحتياط باكرام الاثنين كما هو الشأن مع عدم النص، و الدليل هو الدليل.

و تسأل: ما رأيك فيما ذهب اليه القمّي، و نسب الى الخونساري من جواز المخالفة القطعية هنا، لأن المجمل لا يصلح- كما زعما- لأمر و لا لزجر؟

الجواب:

ذاك المجمل من كل وجه، و قد أخرجناه عن البحث منذ البداية، و فرضنا الكلام في العالم تفصيلا بوجوب الواجب من نفس النص المبين من هذه الجهة، و الإجمال إنما هو في تعيين الواجب و تمييزه عما عداه، و أيضا فرضنا الكلام في القادر على الطاعة و الامتثال، و تردد الواجب بين شيئين لا مانع يحول دون التكليف و تنجيزه، و لا دون حكم العقل بالمؤاخذة على المخالفة و عدم الامتثال.

بين المتباينين لمعارضة النص‏

إذا اشتبه الواجب بغير الحرام لتعارض نصين متكافئين من كل وجه- فالمشهور بين الفقهاء بشهادة الأنصاري أن المكلف يختار العمل بأيهما شاء، و ذلك لثبوت الدليل الشرعي على التخيير. و قال الآشتياني في حاشيته الكبرى على الرسائل ج 2 ص 131: «الحكم عندنا و عند المشهور هو التخيير فيما تعارض النصان في جميع الصور من غير فرق بين الشك في التكليف و في المكلف به لأن هذا هو الثابت عن الشارع».

310

بين المتباينين لاشتباه الموضوع‏

إذا اشتبه الواجب لسبب خارجي لا يمد إلى الشارع بصلة- وجب على المكلف أن يحتاط و لا يدع طرفا واحدا من الأطراف المحتملة، فمن نسي من صلاة يومه واحدة، و لا يدري: هل الثنائية أو الثلاثية أو الرباعية، صلى اثنتين و ثلاثا و أربعا، و الدليل:

أولا: حكم العقل بأن التكليف اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني دفعا للضرر.

ثانيا: النص، فقد سئل الإمام الصادق (ع) عمّن نسي صلاة واحدة من الخمس و لا يدري أيتها؟ فقال: «يصلي ثلاثا و أربعا و ركعتين، فإن تكن الظهر أو العصر أو العشاء فقد صلى أربعا، و إن تكن المغرب أو الغداة فقد صلى».

و هذا التعليل لبراءة الذمة و الخروج عن عهدة التكليف على كل فرض و حال هو ارشاد و امضاء لحكم للعقل بالقاعدة الشاملة القائلة: التكليف اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني، قال صاحب الجواهر: «المشهور على ذلك قديما و حديثا نقلا و تحصيلا، بل في العديد من المؤلفات نقل الإجماع عليه».

و قال الفاضل القمّي: يكفي الاتيان بطرف واحد و لا يجب الزائد عليه إذا اشتبه الواجب بغير الحرام من جهة اشتباه الموضوع، لمكان قبح التكليف بالمجمل و تأخير البيان عن وقت الحاجة.

و جوابه ان بيان التكليف هنا موجود و لا إجمال، كما قلنا في فقرة إجمال النص قبل قليل. ثانيا: ان الاشتباه هنا من الخارج لا من الشارع لأنه في المصداق و الموضوع كما هو الفرض.

و قال النائيني برواية السيد الخوئي في أجود التقريرات ج 2 ص 279 طبعة 1933: «لا قبح في تأخير البيان عن وقت الحاجة إذا كان هناك مصلحة مقتضية له».

و يلاحظ بأنه مع وجود المصلحة لا حاجة إلى البيان لأن عدمه خير و أفضل، و عليه فلا يصح- في هذه الحال- نفي القبح عن تأخير البيان الى وقت الحاجة، إذ لا نقش بلا عرش. و الحق جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، كما هو

311

الشأن في النسخ، لا عن وقت الحاجة، و الدليل على ذلك تحمله كلمة «الحاجة» في مبناها و معناها.

و الخلاصة أن الاحتياط واجب بقول مطلق في الشبهة الوجوبية الموضوعية المحصورة و في الشبهة الوجوبية الحكمية إذا كان السبب الموجب للشك عدم النص أو إجماله، أما إذا كان سبب الشك تعارض النصين فالحكم التخيير.

التنبيه الأول حول المتباينين‏

الاحتياط و نية القربة

سبقت الاشارة في التنبيه الأول من تنبيهات البراءة، إلى أن من شك في عبادة فعل من الأفعال، فله أن يتعبد به بداعي الأمر المحتمل و رجاء المحبوبية لأن هذا هو المناسب و الموافق لوضعه و حدود معرفته حيث لا علم تفصيلا و لا اجمالا بالأمر و لا بالمحبوبية، و عليه نتساءل: لو علم المكلف اجمالا بأن أحد الفعلين عبادة واجبة و الفعل الآخر غير محرم كالذي نحن بصدده، فهل له أن يأتي بأحد المحتملين بداعي احتمال الأمر تماما كما ساغ ذلك مع الشك في التكليف لا في المكلف به؟.

قال الأنصاري: إن وجد العلم الاجمالي وجب على صاحبه أن يقصد الأمر المعلوم بالاجمال عملا بالواقع الثابت حسا و وجدانا، و لا يتم ذلك و يتحقق إلا إذا عزم منذ البداية على اتيان جميع الأطراف، و قصد عند اتيانه بالطرف الأول أن يستوعب الأفراد الباقية، أما إذا كان عازما على الاكتفاء و الاقتصار على طرف واحد و فعله بداعي الأمر المحتمل- فلا يقبل منه حتى و لو صادف الواقع، لأن الذي تعلق به القصد، و هو الأمر المحتمل، لا وجود له، و الأمر الموجود، و هو المعلوم اجمالا، لم يتعلق به القصد.

و لاحظ النائيني على الأنصاري بأن كل طرف من أطراف العلم الاجمالي مأمور

312

به بالأمر المحتمل لا بالأمر المعلوم بالاجمال كي يقصده المكلف، و لا علاقة أو ملازمة بين الأطراف حتى يكون التكليف المعلوم بالنسبة إلى كل الأطراف معلوما أيضا بالنسبة إلى كل طرف بخصوصه، و معنى هذا أنه لا فرق اطلاقا بين التعبد بفعل نشك ابتداء في تعلق الأمر به، و بين التعبد بأي طرف من أطراف العلم الاجمالي، فإذا صح الاحتياط هناك يصح هنا أيضا.

و نحن مع النائيني لأن المهم في قصد الأمر و نية القربة إلى اللّه تعالى هو أن تكون العبادة خالصة لوجهه الكريم، أما الشكل و اللون فليس مقصودا لذاته.

و بالمناسبة- لا بقصد الاستدلال- فقد روي أن النبي (ص) قال لرجل:

كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد ثم أقول: اللهم اني أسألك الجنة و اعوذ بك من النار، أما اني لا أحسن دندنتك و لا دندنة معاذ- الدندنة الكلام المبهم- فقال نبي الرحمة (ص) و حولها ندندن.

التنبيه الثاني اشتباه الشرط الواجب‏

من كل ما تقدم تبين معنا أن الشبهة الوجوبية و التحريمية المحصورة، يجب فيها الاحتياط بشتى أقسامها و صورها ما عدا صورة واحدة، و هي ما كان السبب الموجب للشك تعارض النصين، فيتعين التخيير.

و لكن بعض الفقهاء استثنوا صورة ثانية من وجوب الاحتياط و قالوا: ان الشبهة الوجوبية الموضوعية لا يجب فيها الاحتياط بقول مطلق، بل لا بد من التفصيل فيها بين الواجب لذاته و الواجب لغيره، فيجب الاحتياط في النوع الأول دون الثاني- مثلا- إذا علم المكلف بفوات صلاة المغرب أو العشاء فعليه أن يحتاط و يصلي ثلاثا و أربعا لأن الصلاة واجبة لذاتها، أما إذا كان عنده ساتران: أحدهما طاهر و الآخر نجس، و لا يدري أيهما الطاهر و لا ثالث لديه- فعليه أن يتركهما معا و يصلي عاريا لأن طهارة الساتر شرط في صحة الصلاة و ليست واجبة لذاتها و الشروط تسقط عند الاشتباه.

313

الجواب:

أولا: إن هذا القول يبتني على أساس باطل، و هو أن العلم المفصل بالشرط شرط رئيسي في وجوبه، فطهارة الساتر و القبلة- مثلا- ليسا بشرط إلا بعد العلم بهما، و هكذا سائر الشروط، كلها علمية لا واقعية!. و أصغر الطلاب لا يخفى عليه أن إطلاق أدلة الشروط و واجباتها يعم و يشمل العالم و الجاهل و القاصر و المقصر سوى ان الجهالة عن قصور عذر و كفى، و أن العلم بالحكم و موضوعه شرط لتنجيز الحكم و تنفيذه لا لجعله و إنشائه.

ثانيا: ان محل الكلام يشمل الشرط الواقعي الذي علمنا بوجوبه على اليقين، ثم اشتبه علينا لسبب من العوارض الخارجية، و من البديهي أن اشتباه الواجب لا يسقط وجوبه المعلوم، و على فرض سقوطه- و فرض المحال ليس بمحال- يخرج عن محل البحث، لأنه في الشك في المكلف به بعد العلم بالتكليف لا في التكليف الساقط.

التنبيه الثالث الشبهة الوجوبية غير المحصورة

تنقسم الشبهة الوجوبية إلى محصورة و غير محصورة على غرار الشبهة التحريمية، كما سبقت الاشارة، و غير المحصورة لا يجب فيها الامتثال اليقيني و الموافقة القطعية، تحريمية كانت أم وجوبية حيث يعجز المكلف عادة- في الغالب- ان يرتكب و يفعل جميع الأطراف الكثيرة المتفرقة في الوجوبية تماما كما يعجز عادة عن ترك جميع الأطراف في التحريمية، فمن نذر- مثلا- صوم يوم معين من سنة معينة، ثم نسي تعيين اليوم المنذور، يصعب عليه أن يصوم السنة بالكامل، و من علم أن في السوق ثوبا غصبا، يشق عليه أن يجتنب كل ما فيه من ثياب ما دام في حاجة إلى واحد منها.

أبدا لا فرق بين الشبهتين من حيث الموافقة القطعية و عدم وجوبها، و انما

314

الفرق بينهما في المخالفة القطعية، فانها تحرم في الوجوبية غير المحصورة لمكان القدرة على ترك جميع الأطراف، و أي شي‏ء أيسر من ترك الواجب؟ و لا تحرم المخالفة القطعية في التحريمية غير المحصورة لأن العلم الاجمالي لا أثر له من الأساس بعد الفرض بأن المخالفة القطعية فيها متعسرة و غير ممكنة عادة كما هو الفرض.

و تقدم الحديث عن ذلك بالتفصيل.

و إذا حرمت المخالفة القطعية في الشبهة الوجوبية غير المحصورة- تعين وجوب الموافقة الاحتمالية بفعل بعض الأطراف دون بعض. و قال بعض العلماء: يأتي المكلف من الأطراف قدر الامكان. و ما هذا القول ببعيد لأن الضرورة تقدّر بقدرها.

315

الأقل و الأكثر

تمهيد

سبقت الإشارة إلى أن الواجب المشتبه قد يتردد بين متباينين، أو بين الأقل و الأكثر، و أنهينا الكلام عن الأول، و نتحدث الآن عن الأقل و الأكثر، و هو على قسمين: استقلالي و ارتباطي، و فيما يلي بيان الفرق بين الاثنين.

معنى الاستقلالي‏

الواجبات في الشريعة على أصناف، منها فعل بسيط لا تركيب فيه و لا أجزاء له كردّ الأمانة و العارية، و قصد امتثال الأمر في العبادات، و منها واجب مركب من أفراد أو أجزاء.

و المراد بالواجب الاستقلالي هنا الواجب الذي له أكثر من فرد على أن يكون كل فرد مستقلا بنفسه من حيث الأمر و طاعته و معصيته، و لا تتوقف صحته على وجود الأكثر على تقدير وجوبه، و من أمثلته صيام شهر رمضان، فإن صحة الصيام في أي يوم منه لا تتوقف على صيام أيامه بالكامل، بل لكل يوم تكليفه و حسابه.

و هذا الواجب الاستقلالي، و ان تردد بين الأقل و الأكثر فهو خارج عن موضوع الكلام و مبحث الاحتياط و داخل في باب البراءة، لأن الأقل معلوم الوجوب على كل تقدير، و لا رابط بينه و بين الأكثر، فينحل العلم الاجمالي‏

316

و يزول أثره من حيث التنجيز و التنفيذ، و يرجع الشك في الزائد على الاقل إلى الشك في نفس التكليف، و الأصل فيه البراءة.

معنى الارتباطي‏

و إذا عرفت معنى الواجب الاستقلالي هانت عليك معرفة الواجب الارتباطي، و هو المركب من أجزاء و المقيد بشروط لا يستقل شي‏ء منها بنفسه من حيث الأمر و الصحة و الامتثال، بل هي بمجموعها متلاحمة متشابكة، و لا أثر لأي جزء منها أو شرط إلا منضما مع الكل. و أوضح مثال لهذا الواجب الصلاة بما فيها من ايمان و اخلاص و حل و طهارة و استقبال و تهليل و تكبير و تشهد و تسليم و ركوع و سجود و قيام و قعود إلى آخر هذا التركيب العجيب الذي أخذ بعضه برقاب بعض.

محل البحث‏

و هذا الواجب المردد بين الأقل و الأكثر الارتباطيّين هو وحده محل البحث و الكلام دون غيره، و الأقل هو الواجب المعلوم في سائر الأحوال إما لذاته و إما في في ضمن الواجب الأكثر لذاته أيضا من دون حد لعدد أجزاء الأقل و شروطه، و الأكثر هو مجموع الأجزاء و الشروط المعتبرة بما فيها الزائد المشكوك على تقدير وجوبه، و بعض العبارات تطلق الأكثر على خصوص هذا الزائد، و بمتابعة ما نعرضه في هذا الفصل يتضح معنى الأقل و الأكثر بصورة أوضح.

و قد يكون الشك في الزائد على الأقل في جهة الجزئية أي هل هو جزء من الواجب أو أجنبي عنه، و قد يكون الشك في جهة الشرطية، و أسباب الشك في كل من الجزء و الشرط أربعة: عدم النص و إجماله و معارضته و اشتباه الموضوع الخارجي على غرار غيرهما، و نبدأ الحديث بالشك في الجزء لعدم النص، ثم سائر الأسباب و الأقسام.

الشك في الجزئية لعدم النص‏

إذا شك المكلف في جزئية شي‏ء من المأمور به لعدم النص فما هو مقتضى‏

317

الأصل: البراءة أو الاحتياط؟- مثلا- الفقيه يعلم بوجوب هذه الصلاة التي يقيمها في الأوقات الخمسة من كل يوم، ثم شك لعدم الدليل في ان الاستعاذة بعد تكبيرة الإحرام و قبل بسملة الحمد في الركعة الأولى هل هي واجبة كجزء من الصلاة أو غير واجبة؟ فبأي أصل يأخذ في مثل هذه الحال؟.

و الأقوال في ذلك ثلاثة: الأول وجوب الاحتياط للعلم بالتكليف و شغل الذمة به، و هذا العلم اليقيني يستدعي الامتثال اليقيني بالاحتياط، فيجب بحكم العقل دفعا للضرر. و هذا القول ضعيف و متروك عند الكثرة الكاثرة من العلماء، لأن احتمال الضرر الأخروي الذي هو الموضوع و الموجب لحكم العقل بالاحتياط، لا عين له هنا و لا أثر مع وجود الأدلة الشرعية على البراءة، و الأمن و الأمان من الحساب و العقاب. و يأتي التفصيل.

القول الثاني البراءة عقلا و شرعا، و عليه الأنصاري، القول الثالث البراءة شرعا لا عقلا، و عليه النائيني و ظاهر عبارة الخراساني في كفايته، و نحن على ذلك مع العلم بأنه لا فرق جوهريا بين القول الثاني و الثالث من حيث النتيجة و عدم الاحتياط، و الفرق أنه على القول الثاني تكون البراءة الشرعية تقريرا و إمضاء للبراءة العقلية، و على القول الثالث تكون البراءة الشرعية واردة على حكم العقل بالاحتياط و رافعة لموضوعه بالبيان الآتي.

و خلاصة السبب الموجب لحكم العقل بالاحتياط بصرف النظر عن الأدلة الشرعية- أن العلم الاجمالي يتنجز به التكليف و ينفذ تماما كالعلم التفصيلي، و ان الإتيان بالأقل وحده و ترك الجزء المشكوك يلازم حتما الشك في الامتثال، لأن احتمال وجوب المتروك ما يزال قائما. و متى حصل العلم بالتكليف و لو اجمالا، و شككنا في الامتثال و الخروج عن العهدة- قامت الحجة اللازمة، و تمت العلة الموجبة لحكم العقل بالاحتياط و التحرر من مسئولية التكليف بالامتثال اليقيني.

و تسأل: ان العلم الاجمالي لا أثر له هنا لأنه غير منجز على كل تقدير بعد الفرض بأن وجوب الأقل معلوم بالتفصيل، و انه لا بد من الاتيان به على كل حال، إما وحده، و اما مع غيره، و بتعبير أهل الاصول القدر المتيقن موجود، و معه ينحل هذا العلم الاجمالي و يذهب مع الريح، و يكون الزائد في حكم المشكوك منذ البداية، فيجري فيه أصل البراءة بلا معارض؟.

318

الجواب:

إن العلم الاجمالي هنا لا ينحل بوجود العلم التفصيلي كيف اتفق، و انما ينحل و يذهب إذا حصل العلم التفصيلي بفراغ الذمة خاصة، و الخروج عن عهدة التكليف على كل تقدير عند الطاعة و الامتثال، لا بالعلم بوجود التكليف على كل الفروض و التقادير، لأن هذا ليس بشي‏ء إذا كان الإتيان بمعلومه و متعلقه لا يحصل منه العلم ببراءة الذمة من التكليف و التحرر من مسئوليته، بل يبقى احتمال عدم الطاعة قائما بعد الإتيان به كما هي الحال فيما نحن فيه.

فإن المكلف يعلم تفصيلا بوجوب الأقل، ما في ذلك ريب، و لكنه مع هذا العلم يشك من جهة ثانية في ان هذا الوجوب المعلوم يقينا: هل تعلق بالأقل وحده كي يكتفى به عند الامتثال بدون الزائد المشكوك، أو تعلق به و بهذا الزائد كي يجب الإتيان بهما معا؟. و هذا هو عين الشك في الامتثال بعد العلم بالتكليف، فيجب الاحتياط ببديهة العقل دفعا للضرر المحتمل. و بالتالي يكون وجود هذا العلم التفصيلي كعدمه .. لأنه لا يغني شيئا في مقام الطاعة و تحصيل العلم بها الذي هو الهدف و بيت القصيد.

و بهذا يتبين معنا أنه لا مكان للبراءة العقلية مع الشك في الجزئية المقصودة بالكلام، لعدم انحلال العلم الاجمالي، و وجوب الاحتياط بحكم العقل مع صرف النظر عن الأدلة الشرعية على البراءة التي نعرضها فيما يلي:

البراءة الشرعية

أي شي‏ء نجهل نوع التكليف به، و نشك في وجوبه أو حرمته فهو مدلول و مشمول لحديث: رفع عن أمتي ما لا يعلمون، و حديث: ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم، و غير ذلك من أحاديث البراءة، سواء أ كان المشكوك في وجوبه واجبا بذاته و لذاته أو لكونه جزءا أو شرطا لغيره. أجل، هنا شرط واحد و أساسي للعلم بأدلة البراءة الشرعية، و هو أن لا يستدعي العمل بها أي محذور عقلي أو شرعي كالمخالفة القطعية للحكم الواقعي، و كالاصطدام مع اطلاق أية رواية و معارضتها.

319

و نحن نجهل وجوب ما زاد على الأقل و نشك في جزئيته كما هو الفرض، و لا مانع و محذور من الأخذ باطلاق أخبار البراءة و العمل بأصلها في الجزء المشكوك في طلبه و اعتباره، لأن المانع، كما أشرنا قبل سطرين أو أكثر، لا يخلو من أحد أمرين: المخالفة القطعية للحكم الواقعي، أو الاصطدام مع اطلاق بعض الآيات و الروايات، و العمل بأصل البراءة في الزائد المشكوك لا يستدعي المخالفة القطعية إذ من الجائز جدا أن يكون الأقل المأتي به هو الواجب الواقعي، و أيضا لا يصطدم أصل البراءة هنا مع أي عموم أو إطلاق في أدلة الأحكام الواقعية، بل العكس هو الصحيح لأنه يتفق تمام الاتفاق مع إطلاق الدليل الدال على وجوب الأقل لأن كلا منهما ينفي وجوب الزائد المشكوك في جزئيته، و اذن لا مفر من العمل هنا بأخبار البراءة الشرعية و أصلها.

و متى رفع الشارع التكليف فلا يبقى لحكم العقل بالاحتياط من موضوع و لا من سبب موجب حيث لا خوف في هذه الحال من حساب الشارع و عقابه لأنه هو الذي أباح و اذن بالإقدام على ما حجب عنا علمه. و من هنا اتفق العلماء الا من شذ على أن أدلة البراءة الشرعية واردة على قاعدة الاشتغال، و رافعة لموضوعها الذي هو الركيزة و الاساس لحكم العقل بالاحتياط، و مثلوا لذلك- من جملة ما مثلوا- باشتباه القبلة، فإن العقل يوجب الصلاة في هذا الفرض إلى الجهات الأربع إلا إذا اكتفى الشارع ببعضها لأن حكم العقل هنا فرع لا أصل يدور مدار أمر الشارع وجودا و عدما.

الشك في الجزئية لإجمال النص‏

إذا كان السبب الموجب للشك في الجزئية اجمال النص، فالكلام فيه عين الكلام فيما لو كان السبب عدم النص حتى في الاقوال و أدلتها و ما يرد عليها لعدم الفرق بين المسألتين، و مثّل له السيد الخوئي في تقريرات النائيني بقوله: «كما إذا شك في صدق لفظ الصلاة على فاقدة السورة». و قال النائيني برواية الخراساني: «لا فرق في جريان البراءة الشرعية في دوران الأمر بين الأقل و الاكثر الارتباطي في باب الاجزاء و الشروط و الموانع بين أن يكون منشأ الشك في وجوب الاكثر فقدان النص أو اجماله».

320

الشك في الجزئية لمعارضة النص‏

إذا كان السبب الموجب للشك تعارض النصين فالحكم هو التخيير بينهما، قال الانصاري: «إذا تعارض نصان متكافئان في جزئية شي‏ء لشي‏ء، فدل أحدهما على جزئية السورة- مثلا- و الآخر على عدمها، فمقتضى اطلاق أكثر الاصحاب القول بالتخيير بعد التكافؤ».

الشك في الجزئية لاشتباه الموضوع‏

قد يشك المكلف في جزئية شي‏ء للمأمور به من أجل اشتباه الامور الخارجية التي لا تمد إلى الشارع بسبب، و مثال ذلك أن يشك الجنب في ان هذا الجزء المعين من جسده: هل هو من الظاهر كي يجب غسله، أو من الباطن كيلا يجب؟. و لا ريب عند الشيخ الأنصاري في وجوب الاحتياط لبديهة العقل و حكمه القاطع بالامتثال اليقيني خروجا عن عهدة التكليف اليقيني.

و تسأل: ما هو وجه الفرق بين الشك في الجزئية لعدم النص أو اجماله، و بين الشك فيها بسبب الامور الخارجية حتى قال من قال بالبراءة في الحال الأولى، و بالاحتياط في الثانية؟.

و أجاب الأنصاري بما معناه ان الشك لعدم النص أو اجماله يعود إلى الشارع بالذات لأنه سكت أو أبهم، اما الشك بسبب الامور الخارجية فلا صلة للشارع فيه من قريب أو بعيد لأنه تكلم و أفصح و بيّن و أوضح، و لا شك اطلاقا في الحكم الشرعي، و انما الشك في موضوعه تماما كمن شك في إقامة الصلاة في وقتها أو خارجه، و في قراءة الفاتحة أو تركها.

هذا تلخيص و توضيح لقول الأنصاري في الرسائل، و لا رأي لنا في هذه المسألة إلا القول بأن الاحتياط حسن على كل حال، و قال الآشتياني في تعليقه على ذلك: «لا اشكال و لا خلاف بين الاصحاب في وجوب الاحتياط

321

في الشبهة الموضوعية من الأقل و الأكثر». و عليه العهدة في نقل هذا الاجماع.

و خلاصة ما تقدم انه مع الشك في الجزئية يجري أصل البراءة الشرعية إذا كان سبب الشك عدم النص أو إجماله، و التخيير إذا كان تعارض النصين، و الاحتياط عند الأنصاري لاشتباه الموضوع الخارجي.

الشك في الشرطية

بعد الكلام عن الشك في الجزئية نتكلم عن الشك في الشرطية، و الشرط منه ما يستقل بنفسه في الوجود عن المشروط كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، و منه ما يتحد في الوجود مع المشروط اتحاد الصفة بالموصوف كالإيمان مع الرقبة و العلم مع العالم.

و الحكم في الشرط بنوعيه هو الحكم في الجزء: البراءة مع عدم النص أو إجماله، و التخيير مع تعارض النصين، و الاحتياط مع اشتباه الموضوع، قال الأنصاري: «فالمسائل الأربع في الشرط حكمها حكم مسائل الجزء فراجع» و مراده بالأربع عدم النص و إجماله و معارضته و اشتباه الموضوع.

و تسأل: ان الفعل المستقل في الخارج يمكن أن يتعلق به تكليف مستقل، فإذا وقع الشك عليه نفيناه بالأصل على المبدأ القديم، أما الوصف فلا يجري فيه أصل البراءة إلا تبعا لإجرائه في المشروط، و الفرض أن المشروط معلوم الوجوب على كل حال فلا يجري فيه الأصل، و اذن فلا مفر من التفصيل بين الشرط المستقل و الشرط المتحد، فيجري أصل البراءة في الأول لأنه شك في نفس التكليف، و يجري أصل الاحتياط في الثاني لأن التكليف معلوم، و المكلف به مردد بين المطلق و المقيد، و لا قدر متيقن ينحل به العلم الإجمالي، فيبقى على أطرافه و يؤثر أثره؟.

الجواب:

إذا وجد معلوم الوجوب على كل حال، و مشكوك الوجوب- عملنا بالمعلوم حيث لا عذر في تركه، و نفينا المشكوك بالأصل لجهلنا به سواء أ كان فعلا

322

مستقلا في الوجود كالوضوء لو شككنا في وجوبه بالنسبة إلى الصلاة، أم كان قيدا تابعا و متحدا ما دام كل قيد يحتاج إلى بيان زائد أيا كان نوعه، فقول الشارع: أعتق رقبة مؤمنة هو تماما كقوله: لا صلاة إلا بطهور من حيث حاجة القيد إلى بيان، و لو سكت الشارع عنه فيهما لصحت الصلاة بلا طهور و أجزأت الرقبة الكافرة عن المؤمنة، و اذن فالتفرقة اعتباط و نحكم.

و بعد، فلا فرق إطلاقا بين الشك في الجزء أو الشرط أو المانع، لأن تقييد المأمور به بعدم المانع تماما كتقييده بشرط عدمي، و لا فرق إلا أن الشرط العدمي ينفى بالأصل مع الشك في وجوده، و يحتاج الشرط الوجودي إلى وسيلة من وسائل الإثبات.

323

تنبيهات الأقل و الأكثر

محل البحث في التنبيه الأول‏

قد يسهو المسلم الملتزم عن جزء أو شرط معتبر شرعا في العبادة كالفاتحة أو الطهارة في الصلاة، و أيضا قد يزيد فيها جزءا عن سهو أو عمد، فما هو الحكم إذا حدث مثل ذلك؟.

الجواب: ان الهدف الأساسي من هذا التنبيه هو البحث عما يقتضيه الأصل في حكم النقص و الزيادة سهوا أو عمدا، و أثر ذلك في صحة العبادة أو فسادها، و لا نتعرض لخصوص الترك و النقص عن عمد لأنه يفسد العبادة و يبطلها بالاتفاق و حكم البديهة، و إلّا لم يكن الجزء جزءا و لا الشرط شرطا.

و ليس المراد بالأصل في قولنا: «ما يقتضيه .. الخ». الأصل اللفظي كالعموم و الاطلاق، و لا الأصل العملي كالبراءة و الاشتغال، و انما القصد منه الأصل في العبادة صحة و فسادا تماما كالأصل في المعاملة و فعل الغير و في النسب من حيث الفراش و في الانسان من حيث الحرية و ما إلى ذلك. و بعد الاشارة إلى الأصل في العبادة قد نشير إلى الأدلة الخاصة على حكم ما زاد أو نقص في العبادة سهوا أو عمدا، و لكن البحث يرتكز على الأصل قبل كل شي‏ء، و نبدأ الكلام بالترك و النقص عن سهو و نسيان.

324

في ترك الجزء أو الشرط نسيانا

لا ريب في أن الأصل عدم صحة العبادة مع ترك أي جزء من أجزائها أو شرط من شروطها حتى و لو كان عن سهو و نسيان، لأن المشروط عدم عند عدم شرطه بالبديهة، و بالأولى الكل عند عدم الجزء لأنه من صلب الذات و هويتها، اما الشرط فأجنبي عنها و لا تأثير له إلا في وجود المشروط لا في حقيقته و طبيعته.

ثانيا: ان الجزء أو الشرط في العبادة كسائر الأمور الواقعية لا يتغير و يتبدل تبعا لذاكرة الانسان أو غفلته، و على حد ما قاله الأنصاري: «ما كان جزءا حال العمد كان جزءا حال الغفلة». فالفاتحة- مثلا- و هي جزء من الصلاة في حق الناسي و الذاكر، فمن قرأها فقد امتثل و أتى بالمأمور به، و من تركهما و لو نسيانا فقد ترك الواجب من الأساس.

أما حديث «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان» فليس معناه أن الجزء أو الشرط في العبادة يسقط في حق الغافل عنه، و يتوجه اليه الأمر بالعبادة ما عدا الشي‏ء المنسي منها، كلّا، بل معناه أن الغافل لا ينفذ التكليف في حقه كما ينفذ و يتنجز في حق الملتفت المستيقظ لأن النسيان عذر شرعي و عقلي، و بكلمة: النسيان يمنع من أداء التكليف و الوفاء به لا من تشريعه و إنشائه.

ثالثا: ان محل البحث هنا هو ما يقتضيه الأصل من صحة العبادة أو فسادها، و هما من الأحكام الوضعية التي يشترك فيها العالم و الجاهل و القاصد و الغافل.

رابعا: ان الشك في صحة العبادة يرجع إلى الشك في تحقق الامتثال و عدمه بعد العلم بالتكليف، و هذا هو موضوع الاحتياط و مكانه.

هذا ما يقتضيه الأصل الأول، و هو عدم صحة العبادة الناقصة الفاقدة لأحد أجزائها أو شروطها الثابتة من غير فرق بين أن يكون الترك و الإخلال عن قصد و عمد أو عن غفلة و نسيان.

و يجب العمل بهذا الأصل حتى يثبت العكس بالنص الشرعي على أن الجزء أو الشرط في العبادة مرفوع حال النسيان. و يقول الأنصاري: ان هذا النص غير ثابت كقاعدة تعم و تشمل جميع العبادات و كل جزء أو شرط منسي فيها، و يمكن ثبوت النص في الصلاة خاصة بحديث «لا تعاد الصلاة إلا من خمس: الطهور

325

و الوقت و القبلة و الركوع و السجود» و حديث «يسجد سجدتي السهو لكل زيادة و نقصان».

و في سائر الأحوال فإن استنباط الأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية- مكانه علم الفقه لا علم الأصول.

في زيادة الجزء عمدا أو سهوا

قد يجب الجزء في العبادة بشرط التكرار كالسجود مرتين في كل ركعة من الصلاة، و قد يجب بشرط عدم التكرار كالركوع مرة واحدة في كل ركعة، و قد يجب بعنوان الطبيعة الشاملة للكثير و القليل كالذّكر و التسبيح في الركوع و السجود، و قد يجب الجزء لذاته لا بعنوانه الكلي، و لا بشرط الانضمام أو الانفراد، و لا بلحاظ أي شي‏ء آخر كقراءة الفاتحة.

و هذا الفرض الأخير دون سواه هو وحده محل الكلام منضما اليه شرطان آخران: الأول أن يكون الزائد من جنس المزيد عليه و سنخه، الثاني أن يؤتى به بقصد أنه جزء شرعي من العبادة لا بداعي أي غرض آخر، و إذا لم تكن الزيادة من سنخ المزيد عليه، أو كانت من سنخه و لم يقصد بها الجزئية- فلا تصدق عليها زيادة الجزء في العبادة، بل هي زيادة غريبة تماما كقراءة الشعر في الصلاة، و لها حكم ثان لسنا بصدده.

إذا تمهد هذا نظرنا: ما هو الدافع و الهدف الذي بعث المكلف على إضافة هذا الجزء الزائد؟ فان كان الاعتقاد و الجزم بأنه جزء مستقل يجب شرعا الاتيان به كسائر الأجزاء الواجبة- بطلت العبادة، ما في ذلك ريب، لعدم الدليل على الوجوب، و لأن المزيد عليه إما ان يكون واجبا بشرط عدم الزيادة فقد زاد، و اما أن يكون واجبا لا بشرط الزيادة و لا بشرط عدمها فقد زاد بعنوان وجوب الزيادة و شرطها، و كلا الأمرين خلاف الواقع، و من هنا جاء الفساد.

و إن كان الدافع على الزيادة الاعتقاد بأن الواجب هو طبيعة الجزء و نوعه الذي يصدق على القليل و الكثير، أو كان الدافع العدول عن خصوص الجزء إلى آخر يسد مسده كما لو ابتدأ بسورة الجمعة بعد الفاتحة و لما قرأ بعضها عدل عنها

326

إلى سورة الإخلاص من أجل الاستعجال لسبب طارئ، ان كان ذلك فمقتضى الأصل عند الأنصاري صحة العبادة في الحالين لمكان الشك في أن وجود الزائد هل هو مانع كي يكون عدمه شرطا لصحة العبادة، أو ليس بمانع كي يكون وجوده و عدمه بمنزلة سواء، و من البديهي ان الاصل عند الشك في وجود المانع أو مانعية الموجود هو عدم المانع، و النتيجة صحة العبادة مع هذه الزيادة.

و كل زيادة عمدها لا يبطل فسهوها كذلك بطريق أولى، و إذا ثبت أن عمدها مبطل فسهوها كذلك حتى يثبت العكس لأن وجود المانع يؤثر أثره على كل حال تماما كالحدث في نقض الوضوء.

هذا ما يقتضيه الأصل الأول، أما الأدلة الشرعية الخاصة فقد نصت بوضوح على ان «من زاد في صلاته فعليه الإعادة .. و إذا استيقن أنه زاد في المكتوبة فليستقبل الصلاة» أي يعيدها، إلى غير ذلك من الاخبار المستفيضة على حد تعبير الانصاري. و مرة ثانية نشير أن استخراج الاحكام الفرعية من الآيات و الروايات، مكانه علم الفقه، فإلى هناك.

التنبيه الثاني في تعذر الجزء أو الشرط

القدرة شرط لوجوب الواجب، و بدونها فلا وجوب، و لكن قد يعجز المكلف عن شرط من شروط الواجب لا عن الواجب مجردا عن الشرط كمن فقد الماء و الصعيد فإنه يقدر على الصلاة بلا وضوء و تيمم، أو يعجز عن جزء من أجزاء الواجب كالقراءة في الصلاة فإنها فوق قدرة الأخرس، أما بقية الاجزاء فيقدر عليها، إذا حدث شي‏ء من ذلك فهل الاصل- بصرف النظر عن الادلة الخاصة- يقضي بسقوط الجزء أو الشرط المتعذر فقط، و يبقى الواجب على وجوبه فيصلي فاقد الطهورين بلا طهارة، و الأخرس بلا قراءة، أو يسقط الوجوب من الاساس لانه يدور مدار القدرة على جميع أجزائه و شروطه؟.

الجواب:

في هذه المسألة قولان: الاول عدم وجوب الباقي لان الدليل الدال على وجوب‏

327

الجزء أو الشرط لا يخلو من أحد فرضين: اما أن يكون له إطلاق يعم و يشمل حال القدرة عليه و حال العجز عنه مثل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، و لا صلاة إلا بطهور، و اما أن لا يوجد هذا الإطلاق في دليل القيد، و على فرض وجوده يسقط الامر بالمقيد (أي الباقي) بعد تعذر قيده لا محالة، لان ظهور القيد مقدم و حاكم على ظهور المقيد، و سبقت الاشارة الى ذلك في بحث المطلق و المقيد ص 199.

و إن لم يكن لدليل القيد اطلاق احتكمنا الى الاصل العملي، و هو يقضي هنا و يحكم بالبراءة، لأن الشك في وجوب الباقي بعد تعذر الجزء أو الشرط هو شك في نفس التكليف لا في المكلف به.

القول الثاني وجوب الاتيان بالباقي، و استدل أصحابه بدليلين: الاول الاستصحاب حيث كنا نعلم على اليقين بوجوب الباقي قبل تعذر القيد، ثم شككنا في وجوبه بعد أن تعذر القيد و تعسّر، فنستصحب وجوب ما تبقى كما كان.

و يلاحظ بأن الشرط الاساسي في الاستصحاب أن يكون المشكوك عين المعلوم، و هذا الشرط مفقود فيما نحن فيه لأن وجوب الباقي منضما إلى شرطه أو جزئه قبل التعذر كان تبعا لوجوب الكل، و لم يكن وجوبا مستقلا، و بعد التعذر يكون وجوبه مستقلا لا تبعا لغيره على تقدير وجوبه فكيف يجري الاستصحاب في ظل التعدد و التباين؟.

الدليل الثاني: قول النبي (ص): «إذا أمرتكم بشي‏ء فأتوا منه ما استطعتم» بزعم ان المراد بكلمة «شي‏ء» ما يعم المركب، و ان «منه» للتبعيض، و «ما» موصولية. و قول الإمام أمير المؤمنين (ع): «الميسور لا يسقط بالمعسور، و ما لا يدرك كله لا يترك كله».

و يلاحظ على الحديث الأول بأنه ليس المراد من كلمة «شي‏ء» ما كان مركبا من أجزاء كالصلاة، بل المراد المعنى الكلي من أفعال البر و الإحسان، و ان الحديث بجملته مرادف أو مفسر لقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏- 16 التغابن».

أجل، ذهب العديد من العلماء- و ربما أكثرهم و منهم النائيني- إلى أن قول الإمام: «الميسور الخ ..» ظاهر في الدلالة على ما نحن بصدده، و انه يعم و يشمل كل ميسور جزءا كان أم شرطا، واجبا أم مستحبا، بل قد

328

استخرجوا منه قاعدة أغلبية، ان لم تكن مطردة، و اطلقوا عليها اسم قاعدة الميسور، و الشرط الأساسي في موضوعها أن يكون الباقي ميسورا بالنسبة إلى المطلوب الاول في نظر العرف بحيث لا يكون الفرق بينهما كالفرق بين الاعمى و البصير، بل أشبه بالفرق بين الأعور و السليم، هذا إذا كان الموضوع من المفاهيم العرفية، اما إذا كان من المعاني الشرعية و حقائقها كالعبادات فتحديد الميسور و تعيينه موكول إلى النص و اجماع الفقهاء.

و ما زلت على ذكر أن أستاذنا، يسر اللّه حسابه، حين كان يدرّس لنا قاعدة الميسور ضرب مثلا لبعد الميسور عن المعسور بقوله: إذا جاءك ضيف و ليس لديك ما يؤكل، فهل يسوغ أن تأتي بحزمة من الحطب و تقول له:

هذا ما تيسر، و الميسور لا يسقط بالمعسور لمجرد علاقة الخبز و الإدام بالنار و الحطب!.

التنبيه الثالث بين الجزء و الشرط

لو علمنا بأن هذا الشي‏ء واجب يقينا، و لكن لا ندري: هل هو جزء لواجب أو شرط له، فهل هناك أصل يفرق بين الاثنين، و يميز أحدهما عن الآخر؟.

الجواب:

لا أصل يقوم بهذه المهمة، و المرجع هو الدليل الذي أوجب و اعتبر، فإن استفدنا منه الشرطية أو الجزئية فذاك و إلا نظرنا: فإن كان هناك أثر واحد للاثنين معا التزمنا لأنه القدر المتيقن، و ان تعدد الأثر و اختلف و لا جامع عملنا بما يقتضيه الأصل في الأثر المشكوك، و ليس من ريب ان الاصول تختلف تبعا للمورد و ما يحيط به.

التنبيه الرابع بين الشرط و المانع‏

الشرط في اصطلاح الفقهاء ما يلزم من عدمه العدم، و المانع ما يلزم من‏

329

وجوده العدم، و عليه نسأل: إذا شك الفقيه في أن وجود هذا الشي‏ء: هل هو شرط في صحة العبادة أو مانع منها؟ فعلى أي أصل يعتمد و يعوّل؟ و مثلوا له بوجوب القراءة جهرا أو اخفاتا في صلاة الظهر يوم الجمعة لأن بعض الفقهاء أفتى بوجوب الجهر فيها؟.

الجواب:

لا مفر هنا من الاحتياط لوجود العلم الإجمالي بوجوب الصلاة إما مع الجهر و اما مع الإخفات، و العلم الإجمالي كالتفصيلي في تنفيذ الأحكام و أدائها فيجب الاحتياط تحصيلا للعلم بالخروج عن عهدة الواجب المعلوم، و من هنا وجب تكرار الصلاة في الثوب الطاهر و النجس مع الاشتباه. و لا فرق في وجوب الاحتياط و التكرار بين الواجب التعبدي و التوصلي ما دام المكلف قادرا على الامتثال اليقيني.

330

بين الواجب و الحرام‏

قلنا في فصل الاحتياط فقرة، أقسام الشك و الشبهة: ان الشك في المكلف به ينقسم إلى ثلاثة أقسام: (1) اشتباه الحرام بغير الواجب (2) اشتباه الواجب بغير الحرام (3) اشتباه الواجب بالحرام، و تقدم الكلام عن القسم الأول و الثاني اللذين يمكن الاحتياط فيهما، و نشير الآن إلى القسم الثالث الذي لا يمكن فيه الاحتياط الشرعي، و مثاله أن يوجد غريقان: أحدهما يجب اسعافه و الحرص على حياته، و الثاني يحرم ذلك لأنه من الساعين في الأرض فسادا الذين عناهم اللّه تعالى بقوله: «فَخُذُوهُمْ وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ‏- 91 النساء» و قد اشتبه أحدهما بالآخر، فما ذا يصنع المكلف القادر على اسعافهما معا؟ هل يتركهما، أو ينقذهما، أو يسعف أحدهما دون الآخر على التخيير؟.

و قبل الجواب نشير إلى أن هذه المسألة غير مسألة تردد الفعل الواحد بين الوجوب و الحرمة لأن ما نحن بصدده لا بد من وجود فعلين: أحدهما واجب و الآخر محرم كما في المثال، و سبق الحديث عن المسألة الأولى في فصل التخيير.

الجواب:

إن ترك المكلف الفعلين معا فقد أطاع و عصى في آن واحد و وقع في المخالفة القطعية بترك الواجب، و ان اسعف الغريقين و أنقذهما معا من الهلكة وقع أيضا في المخالفة القطعية بفعل الحرام، و ان اسعف أحدهما دون الآخر نجا من المخالفة القطعية بالموافقة الاحتمالية، إذ من الجائز و الممكن ان يكون الذي أنقذه من الهلاك هو الواجب و الذي تركه هو الحرام.

فيدور الأمر بين اختيار المخالفة القطعية و بين اختيار الموافقة الاحتمالية فيتعين‏

331

تقديم هذه على تلك لأنها احدى مراتب الطاعة و الامتثال، و لذلك أوجب الأنصاري التخيير، و وافقه النائيني بشرط أن يكون امتثال أحدهما أو معصيته بمنزلة سواء لامتثال الآخر أو معصيته من حيث المصلحة و المفسدة، اما إذا كان امتثال احدهما أهم من امتثال الآخر فهو المتعين و ان استلزم هذا الامتثال المخالفة القطعية للآخر.

و يلاحظ بأن الإشكال ما زال قائما مع التخيير لأن الموافقة الاحتمالية باسعاف أحدهما فقط تقترن حتما بالمخالفة الاحتمالية للآخر، إذ من الجائز و الممكن أن يكون الذي أنقذه هو الحرام، و الذي تركه هو الواجب.

و إذا ما قال قائل: أجل، و لكن التخيير أهون الشرين حيث لا دافع و لا رافع للمخالفة القطعية إلا بالتخيير- قلنا في جوابه: قد يكون الداء دواء، و تكون المخالفة القطعية بعض الأحيان عين المطلوب. و لو كان لقاعدة «درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، و اجتناب السيئات أولى من اكتساب الحسنات» لو كان لهذه القاعدة فرد واحد فقط لكان هذا الفرد من خان و أفسد، و روّع الآمنين و شرّد البائسين‏ (1) و سبق الكلام عن قاعدة درء المفسدة في فصل التخيير فقرة الأقوال.

____________

(1) كتبت هذا الفصل و ما قبله و أنا بلا قلب و أعصاب من آثار الفتنة الدامية المستعصية التي نعيشها الآن- أيار سنة 1975- في بيروت.

332

من ذيول الاحتياط و البراءة

الاحتياط

اسم الاحتياط يدل عليه، و أدنى معاينة الصيانة و الحماية، و ليس له أي شرط، و لا في الاصطلاح الخاص من معنى، أما حسنه فله مصدر واحد هو احراز العمل بالحق و الواقع و المضي عليه. و من هنا اتفق الجميع على أنه في الدين تقوى و ورع، و ان كان من خلاف بين بعض الفقهاء فهو في إمكان الاحتياط و تصوره في العبادات لا في جوازه و رجحانه.

و قال قائل: لا يجوز التعبد للّه في شي‏ء إلا بعد العلم و الجزم بأنه عبادة، و أقفل باب الاحتياط فيها من الأساس بكلمة واحدة!. و أثبتنا في بعض تنبيهات البراءة و غيرها حسن الاحتياط في العبادة و حصول الطاعة بداعي الأمر المحتمل.

و قال آخر: لا بد في صحة العبادة من نية الوجه وجوبا في الواجبة، و ندبا في المندوبة، فمن استطاع تحصيل العلم بذلك اجتهادا أو تقليدا فلا يسوغ له أن يتركه و يحتاط، و من عجز سقطت عنه نية الوجه و ساغ الاحتياط عندئذ.

و قال العلماء الأكفاء: إن العلم بنوع الأحكام و وجهها ليس شرطا في صحة العبادة، و إنما هو مقدمة اعدادية و وسيلة للامتثال و الخروج عن عهدة التكليف، فإذا تحقق ذلك بالاحتياط أغنى عن العلم بنوع الحكم و وجهه الذي لا دليل عام و لا خاص على قصده.

و الخلاصة أن الاحتياط خير و فضيلة في العبادات و غيرها مع القدرة على تحصيل العلم بالواقع مفصلا و مع العجز عنه، و لا يجب الفحص قبل العمل بالاحتياط لأنه ليس براءة من التكليف، و تحررا من المسئولية، بل على العكس، انه التزام بالتكليف‏

333

و تحمل للمسئولية بمجرد الاحتمال، و لا ورع وراء ذلك. أجل، لا موضوع للاحتياط و لا موجب له مع وجود العلم التفصيلي حيث لا ريبة و لا شبهة، فينتفي موضوع الاحتياط، و أي عاقل يكرر الصلاة في ثوبين مشتبهين و لديه ثالث يعلم بطهارته، أو يصلي إلى الجهات الأربع و هو على علم اليقين بالقبلة و مكانها!.

لا فحص للشبهة الموضوعية

يجوز العمل بأصل البراءة قبل الفحص في الشبهة الموضوعية تحريمية كانت أم وجوبية. أولا للإجماع و بناء العقلاء في التحريمية و المشهور في الوجوبية. ثانيا للنص العام و الخاص، فمن العام: «كل شي‏ء نظيف حتى تعلم أنه قذر، فاذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك» و منه: «كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك أي تلقائيا من غير فحص- و ذلك مثل الثوب عليك قد اشتريته و لعله سرقة، و المرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك، و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير هذا أو تقوم به البينة». و لا مخصص أو مقيد لهذا العموم من عقل أو نقل أو اجماع، بل عليه الاجماع و بناء العقلاء كما أشرنا.

اما النص الخاص فمنه: «ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم».

و أيضا سأل الإمام (ع) سائل عن رجلين قاما إلى الفجر- في ليلة من شهر الصيام- فقال أحدهما هو ذا (أي الفجر) و قال الآخر: ما أرى شيئا؟.

فقال الإمام (ع): فليأكل الذي لم يبن له، و حرم على الذي زعم أنه طلع الفجر، ان اللّه قال: «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ- 187 البقرة» إلى مثل ذلك كثير.

ثالثا: تعلّم الدين و أحكامه واجب، اما وجوب تحصيل العلم بالأشياء و الموضوعات و ان هذا سلجم لا بصل- فبأي دليل؟. و سبق الكلام عن ذلك في فصل البراءة، فقرة: الشبهة الموضوعية.

لا بد من الفحص في الشبهة الحكمية

لا يجوز العمل بأصل البراءة قبل الفحص في الشبهة الحكمية تحريمية كانت أم‏

334

وجوبية للأدلة الأربعة: الكتاب و السنة و الاجماع و العقل.

1- الكتاب. قال سبحانه: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏- 122 التوبة» و قال: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏- 43 النحل». فآية النفر أوجبت الهجرة على العالم و الجاهل كي يتفقه هذا، و يتفقّه ذاك، و آية السؤال دلت بالمطابقة على وجوب التعلّم، و بالالتزام على وجوب التعليم، و نجد تفسيرها في قول الإمام أمير المؤمنين (ع): ما أخذ اللّه على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا.

2- الأحاديث النبوية، و يعرف الكثير منها القريب و البعيد، و للمضي على بركة اللّه و نجيه نذكر قوله (ص): «ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم و يعلمونهم؟ و ما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم و لا يتفقهون؟ .. ليعلّمن قوم جيرانهم أو لأعجّلنهم بالعقوبة». و عن الإمام الصادق (ع): «من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح» و قال: «لا يقبل اللّه عملا إلا بمعرفة» و البحث أو السؤال عن سند هذا النوع من الحديث بلاهة و غباوة لأنه من صلب الإيمان و وحي القرآن.

3- «انعقد الاجماع القطعي على عدم جواز العمل بأصل البراءة قبل استفراغ الوسع في البحث عن الأدلة» هذه العبارة للشيخ الأنصاري في الرسائل، و علق عليها تلميذه الآشتياني بقوله: «الاجماع محقق لا ريب فيه، و يظهر أمره بأدنى فحص لكلماتهم، بل الحق اجماع علماء الإسلام على ذلك».

4- لا ريب في أن الجهل بما لا يعنيك عذر شرعا و عقلا كالجهل بطول سيف عنتر و عرضه، و لا عذر لك أبدا عند أحد في جهل ما أنت مسئول عنه دنيا و آخرة مع القدرة على معرفته، أما قاعدة قبح العقاب بلا بيان فالمراد بعدم البيان العجز عن الوصول اليه، و من هنا أجمع العلماء قولا واحدا على أن الجهل بالأحكام في دار الاسلام ليس بعذر. و بمنطق الدين و العقل قال المتنبي:

و لم أر في عيوب الناس شيئا* * * كنقص القادرين على التمام‏

و كلنا يعلم أن للّه كتابه، و لمحمد (ص) سنته، و للعلماء أسفارا و رسائل، و كل ذلك تفصيل و بيان لشرائع الدين و أحكامه و حلاله و حرامه، و هي في متناول‏

335

كل يد، تزيل جهالة الجاهل، و تزيد في علم العالم، فهل بعد كتاب اللّه و كتب الحديث و الفقه من عذر لمتعلل بعجز و جهل؟ هذا ما قاله العلماء بيانا لحكم العقل. و خير و أفضل مما كتبه العلماء قديما و حديثا حول هذا الموضوع- ما قاله الإمام أمير المؤمنين (ع) في الخطبة 48 من خطب النهج، و فيما يلي طرف منها:

«ان اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثا، و لم يترككم سدى، و لم يدعكم في جهالة و عمى .. أنزل عليكم الكتاب فيه تبيان كل شي‏ء و عمّر فيكم نبيه أزمانا حتى أكمل لكم و له فيما أنزل من كتابه دينه الذي ارتضى لنفسه، و أنهى اليكم على لسانه محابه و مكارهه، و نواهيه و أوامره، و ألقى اليكم بالمعذرة، و اتخذ عليكم الحجة، و قدم اليكم بالوعيد، و أنذركم بين يدي عذاب شديد».

أ ليس في هذا اليسر و الوضوح النابع من صميم الوحي و العقل، أ ليس فيه غنى عن تلك التصورات و المعميات و طول الصفحات التى تأخذ وقت الطالب، و تمج من عقله و قلبه؟.

مقدار الفحص‏

للفحص حد محدود، و هو اليأس من الوصول إلى الدليل، اما مكان الفحص عن الأدلة الشرعية فآيات الأحكام، و كتب الحديث، و كتب فتاوى الفقهاء المعروفين قديما و حديثا فلا بد منها لمعرفة المجمع عليه، و المشهور و المتروك، هذا بعد الإحاطة بأصول الفقه و قواعده.

و تسأل: قد يعجز الفقيه عن استقراء كل ما ذكرت لسبب أو لآخر، و ليس لديه إلا بعض المصادر و المدارك، فما ذا يصنع؟ هل يسقط عنه وجوب الفحص، و يجري أصل البراءة فيما يشك؟.

الجواب:

أبدا لا مكان لأصل البراءة إلا بعد الفحص و اليأس مهما تقلّبت الظروف و الأحوال، و من لم يستطع بحثا و تنقيبا فعليه أن يحتاط بقدر الإمكان تبعا للأصول و القواعد.

336

جزاء من ترك الفحص‏

العلم وسيلة للعمل لا غاية، حتى الايمان باللّه الهدف الأول منه أن نسمع له و نطيع. و في أصول الكافي عن الإمام الصادق (ع): «لا معرفة إلا بعمل ..

من لم يعمل لا معرفة له .. لا يثبت إيمان إلا بعمل .. الايمان عمل كله» و لا شي‏ء أوضح في الدلالة من هذا الأسلوب على ان العمل الصالح هو المثل الأعلى لكل مبدأ و إيمان. و من الأحاديث الشائعة الذائعة: «إن اللّه سبحانه يسأل عبده يوم القيامة: هل علمت؟ فإن قال: نعم قيل له:

هل عملت؟» و تومئ «هل عملت» إلى أن العلم ليس بشي‏ء إلا مقرونا بالعمل، و معنى هذا أن الأمر بالعلم و طلبه ما هو إلا نصيحة و ارشاد إلى الحق و الهداية.

و عليه فلا حساب و لا عقاب على ترك الفحص و الدرس، و إنما الحساب و العقاب على مخالفة الواقع و كفى، و على هذا أكثر العلماء.

و تسأل: لنفترض أن فقيها ابتلي بحكم حادثة ما، و أنه لو بحث و نقّب لوجد نصا صريحا على وجوبها، و لكنه أهمل الفحص عن عمد، و عمل بأصل البراءة، و اتفق أن حكم الحادثة الإباحة في علم اللّه تعالى، و بهذا يكون قد خالف الدليل الذي كان من وظيفته أن يعمل به، و أصاب الواقع في آن واحد، فهل يستحق العقاب على ترك الدليل، أو لا شي‏ء عليه لأنه صادف الواقع؟.

و يعرف الجواب عن ذلك من قولنا قبل لحظة: إن العلم وسيلة لا غاية، و انه لا يغير الواقع، و كل ما في الأمر ان العمل بالدليل يوجب العذر مع المخالفة، أما إذا ترك الدليل و صادف الترك عين الواقع فعلى أي شي‏ء يعاقب؟ هل يعاقب لانه قد كان عليه أن يخطئ معذورا فترك هذا الخطأ الى الصواب صدفة!.

و لو صح هذا المنطق لكان كل من أصاب الواقع بغير قصد مذموما مدحورا لا لشي‏ء إلا لأنه خالف الطريق المضلل لسبب من الاسباب!.

تصرفات الجاهل‏

الأكثرية الغالبة من الناس في عصرنا- و ربما في كل عصر- يتصرفون في‏

337

أمورهم العادية، و شئونهم المالية على أعراف الناس بلا تقليد مجتهد و سؤال عارف، و البعض منهم لا يعرفون معنى التقليد في الاحكام الشرعية، و لم يسمع به من قبل و من بعد. فما هو حكم الدين و الشريعة الاسلامية في هذه التصرفات؟.

الجواب:

أما غير العبادات فالأمر سهل يسير، و حكمها الجواز و الصحة سواء أ كانت من تصرف الارادة الفردية أم الاجتماعية، شريطة أن لا تمس مصلحة الفرد أو مصالح المجتمع، أو تصطدم مع أي مبدأ من مبادئ الشرع، فتحرّم ما أحل أو تحلل ما حرم، و هذا معنى قول الفقهاء: بناء العقلاء حجة حتى يثبت العكس بحكم الشرع، و المعروف عرفا كالمشروط شرعا إلا ما خرج بالدليل.

و السر أولا: ان اللّه سبحانه يريد بالناس يسرا لا عسرا. ثانيا: ان المعاملات و ما اليها موضوعات عرفية بحتة، و الشارع أقرها و حدد آثارها على أساس المصلحة و صيانة الحقوق العامة و الخاصة، و متى وجد شي‏ء منها بهذا الشرط أثّر أثره و فعل فعله.

قال الانصاري: «اما المعاملات فالمشهور فيها أن العبرة بمطابقة الواقع ..

و لا مدخل للعلم و الجهل في تأثيرها، و ترتب المسببات عليها، فمن عقد على امرأة عقدا لا يعرف تأثيره في حلّية الوطء، فانكشف بعد ذلك صحته كفى في صحته من حين وقوعه .. و لا اشكال فيما ذكرنا بعد ملاحظة أدلة سببية تلك المعاملات، و لا خلاف ظاهرا في ذلك».

و معنى هذا الكلام ان قول الشارع: أوفوا بالعقود و بعهد اللّه إذا عاهدتم و غير ذلك من النصوص، يدل بصراحة أن وجود العقد أو التصرف يستلزم تلقائيا وجود حكمه و سائر الآثار التي رتبها الشارع عليه، كالملكية و الزوجية و الخيار و الشفعة و الوصية، إلى آخر ما جاء في كتب الفقه- غير العبادات- سواء أ كان المتصرف عالما بهذه الآثار أم جاهلا بها.

عبادة الجاهل‏

بعد الإشارة إلى حكم المعاملات عن جهل و تقصير في الفحص و السؤال، نتحدث عن حكم عبادة الجاهل المقصر، و ذكر الانصاري لذلك مثالين: الاول أن‏

338

يتعلم الانسان أحكام العبادة من أبويه و مدرسته و بيئته و يعتقد بصحتها، و يقيمها في أوقاتها شأن المسلم الملتزم غافلا عن سؤال أهل الذكر و الرجوع اليهم كما هي حال الاكثر الاغلب، فما هو الحكم في عبادتهم هذه؟

الجواب:

ان الميزان الأساسي للحكم بالصحة أو عدمها هو الواقع، فإن ظهر و تبين أن هذه العبادة على طبق الشرع و حدوده فهي صحيحة و لحقتها جميع الآثار من عدم المؤاخذة و عدم وجوب الاعادة في الوقت و القضاء في خارجه، لأن المكلف أتى بكل ما يعتبر فيها من شروط و أجزاء، و قصد امتثال الأمر على القطع و الجزم، و لا شي‏ء وراء ذلك، أما الاجتهاد و التقليد و العلم و الدليل، كل ذلك وسيلة الى بلوغ الحق و الواقع، و قد أداه المكلف بالكامل.

المثال الثاني: أن يعتمد المكلف- قبل الفحص عن الدليل- على أصل البراءة، فإذا شك في شرط أو جزء كالسورة بالنسبة إلى الصلاة نفاه بالأصل بلا بحث و سؤال، و أقامها مجردة عن السورة و مترددا في نية امتثال الأمر لأن شكه في وجوب السورة سرى الى شكّه بالصلاة من دونها، و أيضا كان منذ البداية عازما على عدم إعادة الصلاة مع السورة، ثم ظهر و انكشف ان السورة غير واجبة، فهل تكون صلاته هذه صحيحة لأنها على طبق الواقع، أو تجب عليه الاعادة و القضاء؟.

الجواب:

قال الانصاري: «لا إشكال و لا خلاف ظاهرا في فساد هذه الصلاة حتى و لو انكشف صحتها بعد ذلك» لأن المكلف أقام هذه الصلاة و هو متردد في نية الامتثال مع أن وظيفته الجزم بهذه النية، و عليه تكون صلاته بلا نيّة القربة المطلوبة، و من البديهي أنه لا عبادة بلا نيّة التقرب إلى اللّه سبحانه.

و تسأل: سبق منك أكثر من مرة أن الاحتياط باحتمال وجود الأمر و رجاء المحبوبية جائز و صحيح، و أنه إذا صادف الواقع أجزأ و استحق فاعله ثواب الطاعة، فكيف ساغ الاحتياط هناك بمجرد الاحتمال، و امتنع هنا إلا بالقطع و الجزم؟.

الجواب:

إن الفرق بين المقيس و المقيس عليه هنا هو عين الفرق بين الشك و اليقين،

339

و بين العلم و الجهل، لقد أجزنا الاحتياط بداعي الأمر المحتمل في الشبهة الحكمية حيث لا علم و يقين بوجود الأمر، و منعناه هنا بداعي الاحتمال للعلم و اليقين بأن الأمر بالصلاة موجود، فإن الفرض فيما نحن فيه أن المكلف يعلم بوجوب الصلاة و مع ذلك تغلب شكه على يقينه في نية الوجوب و آثر أن يصلي مترددا في نيته على الجزم بها مع امكان هذا الجزم، بل و وجوبه حتما.

و الخلاصة أن عبادة الجاهل الغافل التارك للتقليد و السؤال صحيحة مائة بالمائة إن أصابت الواقع، أما الجاهل الملتفت إلى وجوب الفحص و البحث و مع ذلك تركه عامدا متعمدا، و عمل بأصل البراءة و أتى بالعبادة بداعي احتمال الأمر، و اكتفى بذلك، اما هذا الذي جعله الانصاري محل البحث فهو غير معذور و عبادته باطلة، و يستحق المؤاخذة و العقوبة حتى و لو تبين أن عمله على وفق الواقع- ما عدا النية- لأنه ترك الشرط الأساسي في عبادته، و هو الجزم الممكن في النية لمكان علمه و يقينه بالأمر بالصلاة.

القراءة في الصلاة جهرا مكان الإخفات‏

من كل ما قدمناه يتبين معنا أن العلم و الدليل المنصوب بشتى أنواعه انما هو مجرد علامة و وسيلة إلى الواقع، و ليس بغاية في نفسه، و ان من أصاب الحق و الواقع صح عمله، و لا يسوغ عقابه حتى و لو خالف الطريق الشرعي المنصوب للباحث، أما من أخطأ الحق عن قصور لا عن تقصير، أو أخطأ بسبب سلوكه الطريق المتعين في حقه شرعا- فهو معذور و مأجور أيضا، و أما من أخطأ الحق لأنه قصّر و أهمل البحث فقد بطل عمله و استحق العقاب.

و من هنا اشتهر بين العلماء بشهادة النائيني و غيره أنه لا عقاب على ترك الفحص و التعلّم، بل على ترك الواقع و عدم صحة العبادة، فمن أصاب الواقع صحّت عبادته، و لا عقاب عليه حتى و لو ترك الفحص و السؤال عن عمد فضلا عن السهو، إلا في مسألتين حكم الفقهاء فيهما بصحة العبادة و استحقاق العقاب معا حال الجهل تقصيرا لا قصورا: الأولى الجهر بالقراءة في الصلاة حيث يجب الإخفات، و الإخفات بها حيث يجب الجهر. المسألة الثانية إتمام الصلاة حيث يجب القصر.

340

قال الفقهاء: تصح العبادة في هاتين المسألتين، و يسقط الأمر بها و لا تجب الإعادة و مع ذلك لا تسقط المؤاخذة و العقوبة. و في صحة العبادة هنا نص صحيح و صريح. و شاع حول هذه الفتوى إشكال سجله في الكتب العديد من علماء الفقه و أصوله، و يتلخص بأنه لا مبرر للجمع بين صحة العبادة و استحقاق العقاب عليها، لأن معنى صحتها أن المكلف قد أطاع أمرها على الوجه المطلوب، و معنى العقاب عليها أنه قد خالف و عصى، فكيف اجتمع الماء و النار في قبضة واحدة؟.

و أجابوا عن هذا الإشكال بالعديد من الأجوبة، و لعل أقربها إلى الفهم أن صلاة الجهر مكان الاخفات و بالعكس و صلاة التمام مكان القصر- غير مأمور بها إطلاقا حتى يرد الإشكال، و إنما الإتيان بها عن جهل و تقصير يجزي عن الفريضة المأمور بها، و تسقط الإعادة في داخل الوقت و القضاء في خارجه بعد انكشاف الواقع و العلم بالخطإ، و هذا هو المراد بصحة العبادة هنا، و ليس المراد ان هذه العبادة مأمور بها، اما استحقاق العقاب فإنه على الأصول بالنظر الى تفويت الواجب الأصيل و الفريضة المأمور بها.

و لا مانع في نظر العقل أن يكتفي الشارع عن الواجب بغير الواجب لمصلحة هو بها أعلم، و في نفس الوقت يؤاخذ المقصر المهمل على تفويت ما وجب، و مثله كثير في العرف، و أوضح مثال لذلك أن تقول لولدك: اشتر لحم الغنم، فيأتيك بلحم المعز، فتقبله منه مع الملامة و العتاب على المخالفة، و ليس من شك ان كل ما يجوز عقلا و يثبت شرعا يجب الإيمان به و التسليم.

341

حول لا ضرر و لا حرج‏

السند

من المسلّمات الأولية بين المسلمين كافة قديما و حديثا قولا و عملا، ان نبي الرحمة (ص) قال: «لا ضرر و لا ضرار». و مصدر هذا القول شريعة الوحي و بديهة العقل، قال سبحانه: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏- 78 الحج» اما بديهة العقل فلأن الضرر يرفضه الانسان و الحيوان بالفطرة و الغريزة، أبعد هذا و غيره يليق بعالم أو عاقل أن يبحث و يحقق في سند لا ضرر و لا ضرار؟ اللهم إلا إذا ارتاب في وجود الليل و النهار و النجوم و البحار.

المعنى اللغوي‏

الضرر في اللغة: الأذى من كل شي‏ء، ماديا كان كالأمراض و الأوجاع و النقص في الجسم و الأهل و الأموال و الثمرات، أو أدبيا كالافتراء و الغيبة و التنفير و التشهير و إذاعة السر، و كل ما يجرح الشعور و يحط من الشأن و المكانة.

اما الضرار فيستعمل لغة في معنيين: الأول في الضرر بحيث تكون الكلمتان مترادفتين و عطف احداهما على الثانية لمجرد التوكيد و التفسير، و هذا الاستعمال شائع و كثير، و منه قوله تعالى: «وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا- 231 البقرة» و قوله: «وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً- 107 التوبة» و الضرر في الآية الاولى من الأزواج، و في الثانية من المنافقين وحدهم.

342

المعنى الثاني مقابلة الضرر بالضرر كمن اعتدى على سيارة جاره لأنه اعتدى على سيارته.

لا عرف هنا للشرع و الشارع‏

و الضرر و الضرار ليسا من الأسماء الشرعية كالصلاة و الصيام، فإذا وردا في آية أو رواية فالمراد منهما عين المعنى العرفي و اللغوي تماما كالدم و لحم الخنزير «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ‏- 4 ابراهيم». و إذن فلا ضير عليك أن تفسر الضرار في الحديث بالضرر و يكون العطف لمجرد التوكيد و التفسير، و أن تفسره بمقابلة الضرر بالضرر، و يكون المعنى نفي الضرر مطلقا سواء أ كان ابتداء، أم على سبيل المقابلة و المقاصّة، و نحن على هذا التفسير الأخير.

و تسأل: ان تفسير «لا ضرار» بنفي الثأر و المقاصة- كما اخترت و رأيت- يتنافى و يصطدم مع قوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏- 194 البقرة»؟.

الجواب:

إن موضوع الآية الكريمة يختص بالقصاص في الجناية على النفس و البدن، و قد شرع سبحانه هذا لحكمة اشار اليها بقوله: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏- 179 البقرة» أي ان الجناية على النفس و البدن لا يقمعها أو يخفف منها إلا عقوبة من جنسها حيث يعلم الجاني أنه في النهاية يجني على نفسه بنفسه.

اما موضوع «لا ضرار» فيختص بالمال و نحوه، فمن أتلف مال غيره يضمنه بمثله أو قيمته، و هذا خير ألف مرة للناس و لصاحب المال من مقابلة اتلاف المال بمثله حيث يكثر الضرر و يتسع نطاقه بلا جدوى و عوض.

فقه الحديث‏

و المراد هنا بفقه الحديث صلته بالفقه و تأثيره في تشريع الأحكام بشتى أنواعها

343

التكليفية و الوضعية، و يتلخص معنى الحديث الفقهي بأن النفي لم يتعلق بطبيعة الضرر و وجوده، لأنه موجود بالحس و الوجدان .. و انما القصد من النفي أن اللّه سبحانه ما شرع حكما فيه شائبة الضرر سواء أ كان عاما أم خاصا، ماديا أم أدبيا، موجودا بالفعل أم سيوجد، فوجوب الصوم- مثلا- منفي عن المريض و عمن يخشى حدوث المرض أو شدته أو طول مدته.

و من هنا قال الفقهاء: ان قاعدة لا ضرر مقدّمة و حاكمة على جميع أدلة الأحكام حتى و لو كان بينها و بين القاعدة عموم من وجه، أو كان ظهور أدلة الأحكام أقوى و أظهر من دلالة لا ضرر، لأن عملية تقديم الأظهر على الظاهر إنما تجري بين المتعارضين لا بين الحاكم و المحكوم، لأن الحاكم يخرج منذ البداية جميع موارده و أفراده عن موضوع المحكوم- مثلا- الوضوء مع الضرر فرد من أفراد قاعدة «لا ضرر» و خارج موضوعا عن قوله تعالى: «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ الخ 6 المائدة» و كذلك البيع مع الغش و الضرر بعيد كل البعد عن وجوب الوفاء المدلول عليه ظاهرا بقوله تعالى: «.. أَوْفُوا بِالْعُقُودِ- 1 المائدة».

الأمر بالضرر

و تسأل: لقد أمر الاسلام بتحمل الضرر في الجهاد و الخمس و الزكاة، و نفقة الوالدين و الأولاد، فكيف نقض بأمره هذا ما أبرمه في «لا ضرر و لا ضرار».

و أجاب الأنصاري بأن هذه الأمثلة و نحوها خرجت عن قاعدة لا ضرر بالدليل، و كلامه صريح في ذلك بخاصة في رسالته الملحقة بالمكاسب، و أجاب النائيني- كما في «منية الطالب» في حاشية «المكاسب» للخوانساري- بأن الضرر على نوعين: الأول وصف عرضي خارج عن حقيقة الموصوف كالمرض الناشئ عن الصيام. و الثاني وصف ذاتي داخل في حقيقة الموصوف كالجهاد و أمثاله، و قاعدة لا ضرر تنفي الأضرار العرضية دون الذاتية.

344

و في رأينا ان اطلاق الضرر على الجهاد و نحوه فيه الكثير من التسامح، لأن الجهاد و الاستشهاد في سبيل الدين و الوطن و الحرية عزة و كرامة و خلود و علو كبير في الدنيا و الآخرة، و أي نفع و أ من وراء ذلك؟ قال الامام أمير المؤمنين (ع):

«الموت في حياتكم مقهورين، و الحياة في موتكم قاهرين».

أما النفقة على الوالدين و الأولاد فهي بر و وفاء و انسانية، و اما الأخماس و الزكوات و كل الصدقات فهي في سبيل اللّه و الصالح العام، و ان أبيت إلا أن تسمي ذلك ضررا- سلّمنا بما تدعي و قلنا: ان الشارع حين التشريع- و ليس العقل عند الامتثال و التزاحم- نظر الى الأهم فأوجبه و قدمه على المهم، فهل في ذلك مشكلة و معضلة؟.

الضرر لا يزال بالضرر

لا يجوز للمضرور أن يدفع الضرر عن نفسه بإدخاله على غيره، فلو أن سيلا أخذ طريقه إلى دار خاصة لا يحق لصاحبها أن يحوّل السيل إلى ملك الغير ليصرفه عن داره، لأن الضرر لا يزال بمثله، أجل لو لم يجد المضطر إلى دفع الهلاك عن نفسه جوعا إلا مال الغير، أخذ منه بمقدار ما يسد الخلة و ضمن إلى ميسرة.

و أيضا لا يجب على الانسان أن يتحمل الضرر ليدفعه عن غيره لأن الضرر لا يزال بمثله، و النفقة لا تفرض للقريب الفقير على من يكابد العوز و الفقر.

تعارض الضررين‏

إذا تعارض ضرران بالنسبة إلى شخص واحد و لا مفر له من أحدهما فما ذا يصنع؟ الجواب: إن تساويا اختار أيهما شاء، و ان كان أحدهما أشدّ دفعه بالضرر الأخف كالجرّاح يقطع عضوا ليدفع ضررا يسري إلى الجسم كله. و لا ريب في هذا الحكم أو خلاف لأنه نتيجة حتمية لنفي الضرر عقلا و شرعا.

و إذا تعارض ضرران بالنسبة إلى طرفين فله صورتان نشير اليهما فيما يلي:

345

1- ان يدور الأمر بين ضرر خاص و آخر عام، و مثاله أن يشب حريق في بيت من بيوت البلد، و يخشى سريانه إلى كل بيت إلا إذا هدمت البيوت الملاصقة للحريق، فتهدم منعا للضرر الأشد بالضرر الأخف.

2- ان يدور الضرر بين شخصين، و مثاله إذا حفر المالك بئرا في ملكه تضرر الجار، و ان ترك الحفر تضرر المالك. قال الأنصاري: الأوفق بالقواعد أن يتصرف المالك في ملكه بلا معارض، لأن في منعه ضررا عليه يعارضه ضرر الجار، فيتساقطان، و يبقى حديث: «الناس مسلّطون على أموالهم» على عمومه بلا معارض.

و قال النائيني في «منية الطالب» في حاشية «المكاسب» للخوانساري: «الظاهر من كلمات الأصحاب رعاية المالك، فيجوز تصرفه و ان كان ضرر الجار أعظم، بل يجعلونه من مصاديق قاعدة «لا يجب تحمل الضرر لدفعه عن الغير».

و في رأينا أن تقدير ذلك يترك إلى نظر المجتهد العادل، فهو وحده يقرر الحق تبعا لحال الشخصين و ظروفهما قوة و ضعفا و فقرا و غنى .. ان اللّه سبحانه قد رفع الضرر و الحرج عن عباده منة منه و رحمة، و الكل عنده بمنزلة سواء تماما كأسنان المشط، و إلقاء هذا في البحر حرصا على حرية ذاك يتنافى مع فضل اللّه و كرمه، فإن للحرية حدا محدودا بحرية الآخرين فكيف بإدخال الضرر عليهم.

بين الضرر و الحرج‏

لا أذكر أني رأيت- أثناء تتبعي و مطالعاتي- أحدا من الفقهاء القدامى قد فرّق بين الضرر و الحرج، و في المؤلفات الحديثة كلام عن الفرق بينهما، و لكنه موزع بين مسائل العبادات و المعاملات تبعا لما يقتضيه الحال. و قد استخلصت من مجموعه أن الحرج ما يمكن تحمله بتعب و ضيق و مشقة على الجسم دون أن يصل إلى حد الضرر بالصحة و المال، و ان الشارع نفى الحرج عن عباده من‏

346

باب الرخصة و التوسعة لا من باب العزيمة و الإلزام، فإذا تحمل المكلف المشقة الشديدة، و أتى بالعبادة صحت و قبلت منه كصيام الشيخ و الشيخة.

اما الضرر فيصعب تحمله عادة كالمرض أو زيادته، و قد نفاه سبحانه من باب الإلزام و العزيمة، فمن صام أو اغتسل من الجنابة مع العلم بالضرر بطل صيامه و غسله لأنه أقدم على الحرام عامدا، و لم ينته متعمدا، و الشرط الأساسي في العبادة هو التقرب اليه سبحانه، و ليس من شك ان اللّه لا يطاع من حيث يعصى.

347

الاستصحاب‏

جدال سطحي‏

كل العلماء أو جلّهم يقولون: الحد الحقيقي متعذر أو متعسر، و أن كل تعريف لعلم أو لأصل أو لأي شي‏ء إنما هو لفظي، و بالصفات و اللوازم العارضة على حقيقته و ماهيته تماما كتفسير لفظ مجهول بآخر معلوم لمجرد التقريب و التوضيح، و مع هذا نرى بعض المؤلفين يذكر تعريفا لسالف، ثم ينقضه طردا و عكسا، و إذا ما جاء من بعد هذا المؤلف كاتب آخر فعل به ما فعل بالأسبق و زيادة، و كتب بعض المؤلفين الجدد حول تعريب الاستصحاب و التمهيد له ما يقرب من أربعة صفحات!. و لما ذا إضاعة الوقت، و هو محدود و معدود، في جدال سطحي؟.

و أيضا قد يناقش بعضهم في المثال و يسهب، فإذا ما ناقشه آخر في مثاله قال:

النقاش في المثال ليس من دأب المحصّلين، و لكل أحد أن يمثل بما تيسر لهدف الشرح و التفسير.

تعريف الاستصحاب‏

الاستصحاب في اللغة: من الصحبة و المصاحبة، تقول: استصحبت هذا، أي هو معي و أنا معه، و في الاصطلاح: الالتزام بآثار معلوم الحدوث و أحكامه بعد عروض الشك في بقائه و استمراره. و قد يكون المستصحب وجودا كعلمك بحياة زيد الغائب، ثم تشك في بقائه حيا فتستصحب الحياة، و تكتب له بما تريد، و قد يكون عدما كعلمك بأن زيدا غير متزوج ثم تشك في زواجه فتستصحب حاله السابقة، و لا تبرق له بالتهنئة.

348

أركان الاستصحاب‏

للاستصحاب أركان أنهاها بعض الجدد إلى سبعة، و ربما كان بعضها من الشروط الخارجة لا من الدعائم الداخلة، و ليس هذا من المهمات، و مهما يكن فنذكر هنا أربعة أركان‏ (1) المستصحب (2) اليقين بحدوثه (3) الشك في بقائه (4) أن يكون كل من اليقين و الشك موجودا بالفعل حين ترتب آثار المستصحب المتيقن لا بالفرض و التقدير- مثلا- من كان على يقين من الحدث، ثم ذهل عن يقينه هذا و صلى و بعد الفراغ شك في أنه هل توضأ قبل الصلاة؟

فلا يجري استصحاب الحدث بالنسبة إلى هذه الصلاة لأن شكه فرضيّ و تقديري لا فعلي، و تجري قاعدة الفراغ لتمام موضوعها، و يتوضأ للصلاة الآتية عملا بالاستصحاب حيث أصبح كل من اليقين و الشك فعليا بعد نوم الغفلة.

و السبب الموجب لهذا الشرط هو أن العمل على اليقين و الأخذ بآثاره و أحكامه لا يمكن بحال مع الغفلة و النسيان حيث لا مكان لليقين و لا للشك و لا للدليل أو الأصل إلا مع اليقظة.

ثم ان المراد باليقين هنا ما يعم و يشمل الدليل الشرعي المعتبر و ان لم يحصل منه العلم، كما ان المراد بالشك ما يعم و يشمل الظن غير المعتبر شرعا.

و قد يظن أن أمد اليقين لا بد و أن يكون متقدما على أمد الشك كما يبدو للوهلة الأولى من هذا التعبير: «الاستصحاب يقين سابق و شك لاحق» و ليس هذا بشرط و ان كان الأكثر الأغلب، و إنما الشرط الأساسي في الاستصحاب أن يقع الشك على بقاء المستصحب بعد العلم بوجوده، و معنى هذا أن يكون زمن المتيقن متقدما على زمن المشكوك بصرف النظر عن تقدم اليقين على الشك أو تقدم الشك على اليقين أو تقارنهما معا، و إليك هذا المثال:

أنت لبناني و لك صديق عراقي، و قد اعتاد أن يصطاف في لبنان، و في اليوم الأول من شهر آب شككت هل جاء إلى لبنان كعادته؟ و على فرض مجيئه هل بقي إلى هذا التاريخ؟ و ساعة شكك هذا أخبرت بمجيئه في أول تموز، فذهب الشك في المجي‏ء و تحول الى العلم به، و لكنه مقترن بالشك في البقاء بلبنان، فاقترن العلم بالحدوث مع الشك في البقاء و الاستمرار في أمد واحد، فتستصحب‏

349

بقاء صديقك في لبنان، و إذا علمت بمجيئه بعد الشك فيه بأسبوع يكون أمد الشك متقدما على أمد العلم، و أيضا تستصحب البقاء لأن الشك وقع في الحالين على البقاء و الاستمرار بعد العلم بالحدوث فصحّ الاستصحاب، فالمهم تقدّم زمن المتيقن (أي الحدوث) على المشكوك (أي البقاء) و ليس زمن اليقين على الشك.

قاعدة اليقين‏

تبين مما سبق أن قوام الاستصحاب هو الشك في البقاء بعد العلم بالحدوث، فلو حدث اليقين ثم أزاله الشك من الأساس امتنعت عملية الاستصحاب، و مثاله ان تجلس إلى فلان الفلاني، فيعجبك منطقه و ألفاظه، و توقن بفهمه و علمه حتى إذا امتد الكلام و تشعب ظهر في فلتات لسانه ما أوحى بجهله، و ارتبت في أمره: هل كان مجرد ببغاء في حديثه الأول، و معنى هذا أن شكك اللاحق أحال يقينك السابق بعلمه إلى سراب، و معه لا مكان لعملية الاستصحاب، و هذا النوع من اليقين و الشك يسمى بقاعدة اليقين، و بالشك الساري في مقابل الشك الطارئ الذي هو أحد أركان الاستصحاب.

الاستصحاب المقلوب‏

سبقت الإشارة إلى ان الاستصحاب هو ثبوت المشكوك في بقائه لاحقا بناء على العلم بحدوثه سابقا، اما الاستصحاب المقلوب فعلى العكس تماما أي ثبوت المشكوك في حدوثه سابقا بناء على العلم بوجوده لاحقا، و هذا الاستصحاب باطل عند الإمامية، و يسمونه بالاستصحاب القهقري، قال الأنصاري: «لو شك في زمان سابق عليه فلا استصحاب، و قد يطلق عليه الاستصحاب القهقري مجازا» يريد المجاز في كلمة الاستصحاب لا في كلمة القهقري.

و هو صحيح عند المالكية، و مثّلوا له بالزوج يكون غائبا عن زوجته دون ان يترك لها نفقة، ثم يقدم فتطلب منه ما انفقته اثناء غيبته، فيدّعي الإعسار،

350

و تدعي العكس، فينظر إلى حال قدومه: فإن كان موسرا حكم باستصحاب يسره في زمن غيبته و بنفقة ما انفقته أثناء غيبته‏ (1).

الاستصحاب أصل لا أمارة

في فصل، حول الشك في الحكم فقرة: بين الأصل و الدليل- قلنا: ان الدليل الظني المعتبر شرعا يسمى بالحجة و الأمارة و الدليل العلمي، و أشرنا إلى وجه واحد للفرق بين الأصل و الأمارة تمهيدا للحديث عن الاصول الأربعة: البراءة و التخيير و الاحتياط و الاستصحاب، و الآن نعطف على ما سبق ما يزيده وضوحا، و يثبت أن الاستصحاب أصل لا أمارة. و الفرق بين هذين من وجهين:

1- ان الأصل ينظر إلى الواقع، و لا يكشف عنه لأن الشك في الواقع جزء مقوم لموضوع الأصل، و هو بذلك أشبه بالشك المذهبي، اما الأمارة فعلى العكس، انها تنظر إلى الواقع، و تكشف عنه بنحو أو بآخر، و الشك عند العمل بها مجرد ظرف و مورد، أشبه بالشك المنهجي‏ (2).

2- إن المجعول في الأمارة هو اعتبار الظن الناشئ منها، و تنزيله منزلة العلم من حيث العمل به و الالتزام بآثاره، اما الأصل فالمجعول الشرعي فيه مجرد العمل بمؤداه كبديل عن الواقع بعد أن تعذر الكشف عنه بالعلم أو الظن المعتبر شرعا.

و الاستصحاب لا يكشف عن الواقع علما و لا ظنا لأن الشك في الواقع ركن ركين له كما هو الفرض، و إذن هو أصل لا أمارة. أجل، يفترق الاستصحاب عن غيره من الاصول و القواعد في ان الدليل الدال على وجوب العمل به قد

____________

(1) كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية لعلال الفاسي من علماء الطبقة الأولى بجامعة القرويين. و في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة أن المالكية يسقطون عن الزوج نفقة زوجته مع عسره سواء أ كانت مدخولا بها أم لا. و قال الإمامية: تثبت النفقة في ذمته إلى ميسرة.

(2) الشك المذهبي غاية عند صاحبه لا وسيلة، به يبدأ و إليه ينتهي حيث لا طريق بزعمه إلى العلم بأي شي‏ء، أما الشك المنهجي فهو عند صاحبه وسيلة لا غاية يبدأ به ليبعد الآراء السابقة، و ينتهي عن طريق البحث إلى العلم مجردا عن المؤثرات الذاتية و الوهمية.

351

اعتبر الشك المقوم لموضوعه كالقطع و في وزنه و منزلته من حيث الالتزام بآثاره، و معنى هذا ان الاستصحاب يصيب الواقع و يحرزه و لا يتجاوزه تنزيلا لا واقعا، و حكما لا حقيقة، و تشريعا لا تكوينا- و من هنا أطلق عليه العلماء اسم الأصل المحرز أو الاحترازي، و قدموه على سائر الاصول، و أشرنا إلى شي‏ء من ذلك في مبحث الإجزاء ص 89 و قد نعود اليه لمناسبة ثالثة.

هل الاستصحاب من الفقه أو الأصول‏

قد يقال: الاستصحاب قاعدة فقهية لا مسألة أصولية، و قبل الجواب نشير بالجملة لا بالتفصيل إلى الفرق بين الفقه و أصوله، ثم الى الفرق بين الشبهة الحكمية و الموضوعية.

يبحث علم الأصول عن الأدلة الشرعية و وجوه دلالتها على الأحكام، و ما يعرض لها من إجمال أو تفسير و تقليم أو تطعيم بصرف النظر عن تعلقها و صلتها بأفعال المكلفين، أما علم الفقه فيبحث عما يعرض لأفعال المكلفين و ما يتعلق بها من وجوب و حرمة، انظر ص 13.

و تفترق الشبهة الحكمية عن الموضوعية في أن الشك في الشبهة الحكمية يرجع إلى الشك في نفس التكليف لا في الفعل الذي تعلق به التكليف، و السبب الموجب لهذا الشك عدم وصول الأدلة الشرعية أو قصور دلالتها، أما الشك في الشبهة الموضوعية فيرجع الى الشك في الفعل الذي تعلّق به التكليف لا في نفس التكليف الكلّي، و سبب هذا الشك اشتباه الأمور الخارجية لا الشرع و الأدلة الشرعية.

و تقدم الكلام عن ذلك في فصل البراءة، فقرة: الشبهة الموضوعية.

و بعد هذه الإشارة الخاطفة نقول مع القائلين: كل استصحاب يجري في الشبهة الحكمية فهو من المسائل الأصولية، لأن البحث فيها بحث عن الدليل الشرعي و ما يعرض له لا عما يعرض لأفعال المكلفين، و كل استصحاب يجري في الشبهة الموضوعية فهو من المسائل الفقهية لأن البحث فيها بحث عما يعرض لأفعال المكلفين لا عن الدليل الشرعي و عوارضه.

352

المقتضي و المانع‏

اسم المقتضي يدل عليه، و يوحي بأنه لو خلا له الجو لفعل فعله و أثر أثره كالنار بالنسبة إلى الإحراق، و كذلك المانع يومئ الى المعاكسة و المشاكسة و الوقوف حائلا دون ما ينبغي أن يكون، و من هنا قال كثيرون: عدم المانع في حقيقته شرط للوجود لأن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، و المانع ما يلزم من وجوده العدم فكان عدمه شرطا.

و مسألة اليقين بوجود المقتضي و الشك في وجود المانع غير مسألة الاستصحاب و ان كان كلّ من اليقين و الشك ركنا له، لأن اليقين و الشك في مسألة الاستصحاب يقعان على شي‏ء واحد و إن تعددت الجهة حدوثا و بقاء، اما في مسألة المقتضي و المانع فاليقين يقع على شي‏ء و الشك على شي‏ء آخر، كاليقين بوجود تركة الميت، و الشك في وجود الدّين عليه المانع من الارث فيما يعادل الدين، و عليه فأدلة الاستصحاب لا تشير إلى مسألة المقتضي و المانع لا من قريب و لا من بعيد.

أقسام شتى‏

للاستصحاب أقسام عدة باعتبارات شتى، و فيما يلي نشير إلى طرف منها بقصد التمهيد و التيسير للعلم بمكان البحث و نتيجته.

باعتبار المستصحب‏

ينقسم الاستصحاب باعتبار المستصحب إلى وجودي كالطهارة و النجاسة، و عدمي كبراءة الذمة من الشغل بالتكليف، و كلا النوعين محل للخلاف، قال الأنصاري: لم نجد في أصحابنا من فرّق بين الوجودي و العدمي في محل الخلاف، نعم ذكر بعضهم التفصيل بينهما عن الحنفية. و قال النائيني: وقع الخلاف في كل واحد من أقسام الاستصحاب.

و تجدر الإشارة إلى أن الفقهاء اتفقوا على العمل بأصول و قواعد مستقلة عن‏

353

الاستصحاب، و لكنها تلتقي معه على صعيد واحد من حيث النتيجة، مثل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و عدم الدليل دليل العدم، و أصل عدم القرينة و التخصيص و التقييد، و عدم النقل، و غير ذلك.

باعتبار الدليل‏

و ينقسم المستصحب باعتبار الدليل على ثبوت الحكم المستصحب إلى ما ثبت بالشرع كحكمه بحرمة الأكل من المتنجس يقينا بالنسبة إلى المكلفين، و شكا بالنسبة لتقديمه إلى الأطفال، و إلى ما ثبت بالعقل كحكمه بقبح الصدق الضار بالنفس قطعا، و بغيره شكا- على سبيل المثال- و فصل الأنصاري بين الحكم الثابت بدليل شرعي فيجري فيه الاستصحاب، و بين الحكم الثابت بدليل عقلي فلا يجري فيه. و ذلك لأن العقل لا يحكم بحسن شي‏ء أو قبحه إلا بعد العلم بموضوع الحكم، و الاحاطة بكل ما يتصل به. و معنى هذا أن الحكم العقلي إما معلوم الوجود، و اما معلوم العدم، و لا يمكن تصور الشك فيه بحال، فإذا ما حدث شك فإنما هو في موضوع حكم العقل لا في الحكم بالذات، و من البديهي أنه لا مكان لأي أصل من الأصول إلا بعد إحراز موضوعه و التثبت من وجوده.

و هذا بخلاف الأحكام الشرعية فإنها تبع للموضوعات العرفية لا إلى ما تقتضيه الدقة العقلية، و لذا اشتهر بين الفقهاء أن الأحكام الشرعية تدور مدار الاسماء وجودا و عدما، و إذا امتنع الاستصحاب في الحكم العقلي فإنه يمتنع أيضا في الحكم الشرعي الذي اكتشفناه و توصلنا اليه عن طريق العقل، لأن اللازم عدم عند ملزومه. و نعود إلى هذا الموضوع في التنبيه الثالث من تنبيهات الاستصحاب.

باعتبار المقتضي‏

و أيضا ينقسم الاستصحاب باعتبار الاقتضاء إلى الشك في المقتضي و المانع، و المراد بالشك في المقتضي أن نشك طبيعة الموجود من حيث استعداده الذاتي للبقاء و مدى استمراره في عالم الوجود، و انه هل هو كريشة في مهب الريح،

354

أو انه صامد و مستقر؟ و المراد بالشك في المانع أن نشك في وجود القاطع و الناقض لاستمرار البقاء تماما كقطع الشجرة المثمرة، و هدم الحصن الحصين.

و يظهر من عبارة الأنصاري أن الفقهاء المتأخرين يجرون الاستصحاب مع الشك في المقتضي، قال: «المعروف بين المتأخرين الاستدلال بالأخبار على حجية الاستصحاب في جميع الموارد، و فيه تأمل». و نحن مع الذين منعوا الاستصحاب مطلقا و بشتى أقسامه إلا بعد الجزم و التثبت من استعداد المستصحب للبقاء و الاستمرار في الوجود الى زمن الشك و عملية الاستصحاب- على الأقل.

و الدليل على ذلك أن النقض لا يكون إلا بعد الإبرام و النقش بعد العرش، قال سبحانه: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ‏- 27 البقرة». و قال:

«وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها- 91 النحل». و قال: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ- 92 النحل» و مع الشك في المقتضي لا شي‏ء ثابت و مبرم حتى نمضي عليه و نعمل به و لا نهدمه و ننقضه، و اذن فالأخبار القائلة:

لا تنقض اليقين بالشك- بعيدة كل البعد عن مورد الشك في المقتضي، أما مع العلم بوجود الاقتضاء و الاستعداد للاستمرار و البقاء فإن موضوع النقض يتحقق بالكامل، فإذا ما طرأ الشك في حدوث الثالم و الهادم للبناء فوجّه الخطاب بلا نقض اليقين بالشك .. أي امض و أنت شاك على ما مضيت عليه و أنت متيقن.

هل الاستصحاب بحاجة إلى دليل؟

كل من يدعي شيئا ضروريا لا يطالب بالدليل لأن الضروري لا ريب فيه، و لكن قد يشتبه الضروري بالنظري، فيطلب عندئذ الدليل على المدعى به، و انه ضروري لا نظري، و في رأينا أن الخلاف في مسألة الاستصحاب من هذا النوع، و إن الذين استدلّوا عليه بالنص و العقل و بناء العقلاء أرادوا أن يثبتوا أن الاستصحاب ضروري و لا ينبغي أن يتطرق اليه الشك.

اما نحن فلا نستدل على ذلك بعقل أو بنقل، بل نتساءل: إذا ما قال قائل: كل ما ثبت باليقين لا يسوغ تجاهله و رفع اليد عنه إلا بدليل- نتساءل- هل هذه الحقيقة تحتاج إلى دليل؟ و أيضا إذا لم نأخذ باليقين السابق فما ذا نصنع؟