علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
456 /
355

هل نتوقف و نأخذ بالشك الطارئ؟ و إذن يكون الشك حجة لازمة، و العمل باليقين بدعة و ضلالة!.

و كل من أنكر و ينكر الاستصحاب فقد تغلّب شكه على يقينه، و هدم هذا بمعول ذاك من حيث يريد أو لا يريد. و لعل هذا يفسر لنا سر التوكيد و التكرار في صحيحة زرارة عن الإمام الصادق (ع): «لا ينقض اليقين بالشك، و لا يدخل الشك في اليقين، و لا يخلط احدهما بالآخر، و لكنه ينقض الشك باليقين، و يتم على اليقين، و يبني عليه، و لا يعتد بالشك في حال من الحالات».

و مع العلم بأن الاستصحاب حجة ضرورية يستدل به و لا يستدل عليه، نشير فيما يلي الى طرف من الأدلة عليه من باب العدوى و المحاكاة.

القرآن الكريم‏

لا علم لي بأن أحدا من الإمامية استدل بآية قرآنية على الاستصحاب، و رأيت في بعض كتب السنة من استدل عليه بقوله تعالى: «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً- 36 يونس» و فسّر الحق هنا بالحقيقة الواقعة كاليقين، و انه لا ينقض بالظن و الشك لأن اليقين أقوى. و هذا الاستدلال سليم من الريب. و أيضا رأيت في كتاب ثان للسنة من استشهد بقوله سبحانه: «وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً- 4 النور». و الآية الأولى أوضح في الدلالة، و تصلح سندا لقاعدة عامة:

«اليقين لا يزال بالشك» لأنها ذكرت اليقين بلفظ الحق، و ذكرت الشك بلفظ الظن، أما الآية الثانية فلم تشر الى الشك من قريب أو بعيد، و هو ركن ركين للاستصحاب.

و يمكن الاستدلال على صحة الاستصحاب بالآية 16 من يونس: «فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ؟». و شاهدنا في هذه الآية الكريمة أن الحال السابقة لا يسوغ تجاهلها و الغفلة عنها، و ان على كل عاقل أن يعتبرها كشاهد و قرينة لها وزنها و تأثيرها في مقام النفي و الإثبات، و من خلالها ينبغي أن يصدر الحكم، أما من يجزم و يحكم على الشي‏ء بضد ما يعلمه منه و بصرف النظر

356

عن علمه كلية- فجزمه و حكمه ليس بشي‏ء، لأنه أهمل و تجاهل ما تجب رعايته و العناية به، و مثله تماما من اهتم بالشك و أخذ بأثره، و لم يمض على يقينه السابق لا لشي‏ء إلا لطيف مرّ لخياله.

و بعد الاشارة إلى الهدف المقصود من الآية نذكر وجه الدلالة فيها على الاستصحاب، و هو أن اللّه وبّخ المشركين، و نفى عنهم العقل و الإدراك، و احتج عليهم بأنهم كانوا بالأمس القريب على علم اليقين بصدق النبي و أمانته حتى أطلقوا عليه لقب الصادق الأمين، و كان- بحكم العقل و البديهة- على من جزم و قطع بكذب الدعوة المحمدية أن ينظر إلى سيرة صاحبها و سوابقه، و في ضوئها يصدر عليه حكمه، و لا يسرع إلى القطع بالكذب و الافتراء بمجرد اللمحة و البارقة، و أيضا كان على من تشكك و تردد أن يأخذ بالماضي و يعمل به، و لا يقف من الصادق الأمين موقف المكذّب و المحارب، و لو لم يكن لليقين السابق هذا الأثر الذي ذكرناه- لما صح الاحتجاج عليهم بسيرة محمد (ص) و صدقه، و لا توبيخهم بخطاب‏ «أَ فَلا تَعْقِلُونَ».

الإجماع‏

استدل بعضهم على الاستصحاب بالإجماع، و ردوا عليه ب «الكليشة و الماركة المسجلة»: الاجماع المحصل غير حاصل، و الحاصل ليس بحجة لأنه منقول، و بأن دعوى الاجماع لا تسمع مع كثرة الخلافات و تعدّد الأقوال و التفصيلات.

و قال النائيني: «نعم يمكن دعوى الشهرة أو ما يقرب من الاجماع على اعتبار الاستصحاب في خصوص الشك في الرافع».

و مهما قيل أو يقال حول الاجماع أو الخلاف، و ان الاخباريين أنكروا الاستصحاب في الحكم الشرعي الكلي، و ان صاحب «الوافية» أقره في الحكم التكليفي دون الوضعي .. إلى آخر ما جاء في كتاب «الرسائل»، مهما كان أو يكن فإن مدرسة أهل البيت (ع) قد أمرت بالاستصحاب و نهت عن مخالفته. اما أقوال الأقطاب الخالدين علما و تقى و أدلتهم و حججهم فانها تشهد بصراحة أن الاستصحاب عندهم من الأوليات و المسلّمات المتوارثة جيلا عن جيل.

357

و قرأت الكثير من حوارهم و جدالهم و ما رأيت واحدا تردد في صحة الاستصحاب، و كل الذي رأيت أن العالم إذا احتج على آخر بالاستصحاب في مسألة من المسائل تحول النقاش إلى توافر شروطه و أركانه او عدم توافرها في المسألة المختلف فيها، لا إلى نفس الاستصحاب كحجة و دليل، و من أجل هذا و حرصا على الوقت المحدود نتجاهل الأدلة الخاوية الواهية على نفي الاستصحاب و عدم صحته.

بناء العقلاء

لقد دأب العقلاء في كل عصر و مكان و من كل فئة و دين، و اعتادوا بفطرتهم التي فطرهم اللّه عليها في شئونهم الخاصة و العامة- على انهم إذا أيقنوا و تأكدوا من وجود شي‏ء أو عدمه يمضون على يقينهم حتى يثبت العكس.

و ليس من شك ان كل معروف عند العقلاء فهو من صميم السنة النبوية شريطة أن لا يصطدم مع نهي الشارع و لا يتخطى الحدود الأساسية لدين اللّه و شريعته، و انما أرجعنا بناء العقلاء بشرطه و شروطه الى السنة النبوية، لأن هذه السنة تتمثل بالاتفاق و تتجسم في قول النبي (ص) و فعله و تقريره، و بناء العقلاء على الحال السابقة مظهر من مظاهر تقرير النبي و فرد من أفراده، و عليه يكون الظن الحاصل منه معتبرا عند الشارع، و خارجا عن الأصل العام الذي تكلمنا حوله في مبحث الظن، و هو حرمة العمل بالظن إلا ما خرج بالدليل.

و هنا سؤال يطرح نفسه، و هو بأي شي‏ء تثبت أن النبي (ص) أقر العقلاء و عملهم بالحال السابقة؟. و نستوحي الجواب عن السؤال من قول النائيني:

«إن اللّه سبحانه قد ألهم عباده بالجري على ما سبق في امور معاشهم و معادهم كيلا يختل النظام». و معنى هذا أن النبي يستحيل في حقه أن ينهى العقلاء عن طريقتهم هذه ما دامت إلهاما من اللّه، و رفقا بعباده، و حرصا على حياتهم و سعادتهم .. و إذن فلا حاجة بنا إلى القول بأن النبي (ص) لو ردع لنقل الرواة ردعه و زجره، بل لو نقل ناقل عنه الزجر و الحظر لوجب تأويله أو طرحه،

358

هذا إلى أن النصوص الشرعية شائعة ذائعة على أن اليقين لا يزال بالشك، و بعد قليل نتلو عليك شيئا من هذه النصوص.

و تجدر الإشارة إلى أن جماعة من العلماء ذهبوا إلى أن بناء العقلاء هو الأصل و العمدة في الاستصحاب، و ان النصوص الواردة فيه لمجرد الإمضاء و الإرشاد.

و ليس هذا ببعيد، قال الفقيه الكبير الآغا رضا الهمداني في تعليقه على رسائل الانصاري ص 46: «إن العلماء يعتبرون الاستصحاب من باب (بناء) العقلاء».

و الظاهر من هذه العبارة أن كل العلماء على ذلك، و قال في ص 153:

«العمدة في الاستصحاب بناء العقلاء، و الاخبار منزلة عليه، و امضاء له، و لكنك قد عرفت اختصاص هذا الدليل بما عدا الشك في المقتضي، و ان بناء العقلاء انما هو على عدم الاعتناء بالرافع .. فلو كانوا يقلدون شخصا لا يرفعون اليد عن تقليده بمجرد احتمال موته، أو كان شخص وكيلا عن آخر لا ينعزل لاحتمال موته .. و الحجية انما تعرف من هذه العادات و نحوها».

الاستقراء

المهم في هذه الفقرة أنها تمهد لمعرفة المراد مما نعرضه من الروايات، و تدعمها فيما تهدف اليه من وجوب العمل بالاستصحاب.

جاء في رسائل الأنصاري: «تتبعنا موارد الشك في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع، فلم نجد من أول الفقه إلى آخره موردا إلا و حكم فيه الشارع بالبقاء حتى يثبت الخلاف .. و الإنصاف أن هذا الاستقراء يكاد يفيد القطع». و معنى الاستقراء تتبع الجزئيات و الافراد من أجل الحكم على الكلّي أو العام الشامل لكل ما يتناوله، كما تحكم بأن السمك لا يحيا إلا بالماء بعد مشاهدة بعض أفراده. و الاستقراء منه تام، و هو أن تلاحظ كل الأفراد، و منه ناقص، و هو أن تلاحظ بعضها دون بعض، و الأنصاري يدّعي الاستقراء التام و عليه تصح قاعدة «لا تهدم اليقين بالشك».

و لكن الاستقراء يفترض مبدأ الحتمية عند علماء اللغة و الطبيعة، اما علماء الدين و الشريعة فأدلة الأحكام عندهم أربعة، و ليس منها الاستقراء اللهم‏

359

إلا إذا أفاد القطع، و عندئذ يكون هو الحجة، و الاستقراء طريق له و وسيلة، و لذا استدرك الأنصاري و قال: «الإنصاف ان هذا الاستقراء يكاد يفيد القطع».

و الشي‏ء الذي يمكن الركون اليه من هذا الاستقراء- على فرض تمامه- هو أن الاستصحاب إنما يكون حجة مع الشك في الرافع بعد إحراز الاقتضاء و الاستعداد للبقاء و الاستمرار. و على مبدأ صاحب القوانين القائل بأن مطلق الظن حجة يجوز العمل بالاستقراء، و قد صرح هو بذلك حيث قال في آخر قانون الاستصحاب:

«الظاهر ان الاستقراء حجة لإفادته الظن بالحكم الشرعي».

الروايات‏

في صحيح البخاري ج 1 باب: من لم ير الشي‏ء إلا من المخرجين، سئل رسول اللّه (ص) عن رجل خيل اليه أنه يجد الشي‏ء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». و مثله في صحيح مسلم ج 1 باب: الدليل، على أن من تيقن الطهارة ثم يشك في الحدث فله أن يصلي بطهارته. و في فقه السنّة للسيد سابق، باب ما لا ينقض الوضوء: أن هذا الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي.

يريد بالجماعة أصحاب الصحاح الستة.

و استدل علماء الإمامية على الاستصحاب بالعديد من روايات أهل البيت (ع) منها رواية زرارة، قال: سألت الامام (ع) عن الرجل ينام، و هو على وضوء، أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ قال: قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن، فإذا نامت العين و الأذن فقد وجب الوضوء. قال زرارة: فإن حرك في جنبه شي‏ء و هو لا يعلم؟ قال الامام: لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن و إلا فإنه على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين أبدا بالشك، و لكن ينقضه بيقين آخر».

و محل الشاهد في هذه الرواية قول الامام (ع): «و لا ينقض اليقين أبدا بالشك، و لكن ينقضه بيقين آخر» فاللام في اليقين للجنس تستغرق كل يقين سواء أ كان يقينا بالوضوء أم بغيره تماما كقوله تعالى: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ‏

360

الرِّبا» الشامل لكل بيع و ربا دون استثناء، و الفرق تحكّم.

و قد يقال: ان اللام في اليقين للعهد لا للجنس بالنظر إلى ذكر الوضوء في الجملة الأولى، و عليه ينحصر موضوع الرواية بخصوص الوضوء، و يسقط الاستدلال بها على أصل عام لكل يقين طرأ الشك من بعده.

الجواب:

أولا: أبدا لا خصوصية هنا للوضوء دون غيره في نظر الشرع و العرف، أما الشرع فواضح لأنه نهى صراحة عن نقض اليقين بالشك في الصلاة و الصيام و الطهارة و غيرها كثير تماما كما نهى عن نقضه في الوضوء، و أما العقل و العقلاء فإنهم لا يرون أية ميزة و تفرقة بين اليقين بالوضوء و اليقين بنواقضه، و لا بين اليقين بالجنابة و اليقين بالغسل منها.

ثانيا: إن اليقين في الجملة الثانية مطلق و مجرد عن كل قيد، و المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل على التقييد، و لا دليل هنا، و لو أراد الشارع التقييد لقال: «لا ينقض اليقين بالوضوء» فدل سكوته عن القيد ارادة الإطلاق و الالزام تأخير البيان عن وقت الحاجة، و فوق ذلك كله أن مجرد قول:

لا تنقض اليقين بالشك أبدا يتبادر منه لكل ذي لب أن العلة الموجبة للحكم بعدم نقض الشك لليقين هي قوة اليقين و ضعف الشك من حيث هما لا من حيث ما وقعا عليه و تعلقا به، و الحكم يدور مدار علته وجودا و عدما، فمتى أو أين وجد اليقين ثم طرأ شك يبقى اليقين على سلطانه نهيا و أمرا و عملا و أثرا حتى يخلفه يقين آخر في حجته و منزلته، لا فرق في ذلك بين واقعة و واقعة، و لا بين شخص و شخص.

لا جديد في بقية الروايات‏

و هناك روايات كثيرة عن الآل الأطهار (ع) في معنى هذه الرواية و دلالتها على الاستصحاب، و إن اختلفت في شي‏ء فإنها تختلف في نوع الدلالة مطابقة أو التزاما و تكرارا أو اختصارا، و ليس في ذكرها و الكلام حولها- فيما يعود الى‏

361

الاستصحاب- أي جديد مفيد لا نجده في الرواية التي تحدثنا عنها. و مع هذا نذكر طرفا من تلك الروايات لليمن و البركة على حد ما كان يقول استاذنا في حلقة الدرس، عليه رحمة اللّه و رضوانه. جاء في رسائل الأنصاري ما نصه بالحرف الواحد:

«قال الإمام (ع) في الموثقة: إذا شككت فابن على اليقين .. و عن الخصال قال علي أمير المؤمنين (ع): من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه، فإن الشك لا ينقض اليقين، و لا يدفع بالشك. و عدّ المجلسي هذه الرواية في سلك الأخبار التي يستفاد منها قاعدة كلية .. و أيضا عن المعصوم: إذا استيقنت انك توضأت فإياك أن تحدث وضوءا حتى تستيقن انك أحدثت .. و في صحيحة ثالثة لزرارة: لا ينقض اليقين بالشك، و لا يدخل الشك في اليقين، و لا يخلط أحدهما بالآخر، و لكنه ينقض الشك باليقين، و يتم على اليقين فيبني عليه، و لا يعتد بالشك في حال من الحالات».

أبعد هذا الوضوح في البيان و التوكيد و التكرار يتشكك متشكك و يتردد متردد في صحة الاستصحاب و حجته في الوقت الذي يغتسل من الجنابة أو يتيمّم مثلا لقوله تعالى: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ 43 النساء». و أيهما أوضح و أظهر هذه الآية في الغسل أو التيمم، أو روايات الاستصحاب في الأخذ باليقين و توكيدها و تكرارها؟. و أين الذوق الفني أو دليل الشم على حد ما نقل عن بعض الفقهاء؟.

و قد يدل الإغراق في الخيال على الغور و المقدرة، و لكن لا تثبت به الأوضاع اللغوية و معاني الألفاظ.

إن أية محاولة لفهم النصوص الشرعية و الأدبية من خلال التصورات و الأقيسة الأرسطية فهي مرفوضة من الأساس، ان فهم المعاني من ألفاظها لا يخضع إلا لتبادر العرف و الناس العاديين، و إذن علام تراكم الاحتمالات و الولوع بالمناقشات حول دلالة الألفاظ؟. و رحم اللّه صاحب القوانين حيث جعل من شروط المجتهد «أن لا يكون معوج السليقة و لا جربزيا».

و بعد، فإن الاستصحاب من واقع الحياة، و صميم الدين، يستدل به و لا يستدل عليه بحكم العقل و العقلاء و الوحي و الانبياء و كل العلماء غير «الجربزيين».

و لا شرط إلا أن يكون المستصحب أهلا للاستمرار و البقاء إلى حين عملية الاستصحاب.

362

و قال كثيرون: حتى الحيوانات و الطيور و الحشرات تستصحب، فالماشية تعود الى مرابضها، و العصافير الى أعشاشها، و النمل الى بيوتها، و النحل الى قفرها الخ و اذا عادت هذه المخلوقات الى اماكنها بدافع اللاشعور فان الحيوان يفعل كثيرا بغريزته ما يفعله الانسان ببصيرته. و الشي‏ء المحير هو أن الذين أنكروا الاستصحاب من بني آدم كانوا يستصحبون عدالة العادل و حياة الغائب- مثلا- فهل فعلوا ذلك من غير شعور، أو هو من باب تناقض الانسان مع نفسه؟ و العصمة لأهلها.

363

حول الأحكام الوضعية

الحكم التكليفي‏

الحكم الشرعي منه تكليفي و منه وضعي، و التكليفي من مقولة الجعل و الإنشاء بلا ريب و خلاف، و يتعلق بأفعال المكلفين مباشرة طلبا أو تخييرا. و الطلب على أربعة أقسام: طلب الفعل على الإلزام أو الرجحان، و طلب الترك كذلك، و الأول الإيجاب و الثاني الندب و الثالث التحريم و الرابع الكراهة، أما التخيير بين الفعل و الترك مع المساواة و عدم الرجحان فإباحة.

الحكم الوضعي‏

يفترق الحكم الوضعي عن التكليفي في أن الاول لا طلب فيه و لا تخيير، و أيضا لا يتعلق بأفعال المكلفين مباشرة، أما من حيث الجعل و التشريع فهو محل الخلاف و النزاع، فقال قائل: الحكم الوضعي مجعول مطلقا. و قال آخر: غير مجعول مطلقا. و قال ثالث: الشرطية و الجزئية غير مجعولتين، و ما عداهما مجعول- كما في الآشتياني- و الحق في رأينا أن الحكم الوضعي من حيث الجعل و عدمه على ثلاثة أقسام:

1- لا يمكن جعله و تشريعه بحال لا بالأصل و لا بالتبع، و هو ما كان من نوع الكونيات و الطبيعيات كأوقات الصلاة و الحج و الصيام، و العقل و البلوغ، فقد أطلق الفقهاء على هذا النوع كلمة الشرط أو السبب للتكليف، و أيضا أطلقوا عن كل من الجنون و الصغر و الحيض كلمة المانع، و في هذا الإطلاق تسامح و تجوز

364

ظاهر- لأن الأمور الطبيعية غير مقدورة للمكلف و لا تنالها يد الشرع و التشريع سلبا و لا ايجابا حتى بالتبع و الواسطة. و الأقرب الأنسب أن يسمى هذا النوع بالعلامة و الأمارة على وجود التكليف الشرعي أو نفيه، فزوال الشمس- مثلا- علامة على أن الشارع أوجب الصلاة في هذا الوقت، و الحيض علامة و أمارة على أن الشارع لا يريد الصلاة و لا يقبلها في هذه الحال.

2- يمكن جعله و تشريعه لأنه مقدور للمكلف، مثل الملكية المترتبة على عقد البيع و الزوجية على عقد النكاح، و هذا النوع جعله الشارع بالأصل لا بالتبع حيث أقره و رضي به، و معلوم أن السنة الشرعية هي قول الشارع أو فعله أو تقريره.

و يستحيل أن يكون الحكم الوضعي هنا تابعا للحكم التكليفي؛ و هو حلّيّة التصرف بالمال و جواز التمتع بالزوجة، بل الحكم التكليفي تابع للوضعي، و هو الملكية و الزوجية لأن حلية التصرف فرع عن الملكية، و جواز التمتع من آثار الزوجية و لا عكس.

3- يمكن جعله و تشريعه لأنه مقدور للمكلف تماما كالقسم الثاني، و لكن الشارع جعله تابعا للحكم التكليفي و فرعا عنه، و مثاله أن يأمر الشارع بالصلاة حال الطهارة و بقراءة السورة و ينهى عن النجاسة حين إقامتها و أدائها، و يتفرع على أمره هذا اعتباره الطهارة كشرط للصلاة و السورة كجزء لها، و يتفرع على نهيه اعتبار النجاسة كمانع من صحة الصلاة و قبولها. و من البديهة ان الفرع لا ينفرد بالحكم، و التابع لا يستقل بالجعل.

أقسام الحكم الوضعي‏

قال من قال: إن الأحكام الوضعية تنحصر بالسببية و الشرطية و المانعية. و قال آخر: هي أكثر من ذلك. و قال ثالث: لا يبلغها عدّ و لا حد. و إن صحّ بأن الأحكام تتبع الأسماء عند الخلو من القرائن- فكل ما يصدق عليه اسم الحكم و عنوانه بلا قرينة فهو وضعي شريطة أن تناله يد الجعل، و أن لا يكون من نوع التكليف.

و بهذا يتضح معنا أن الرخصة و العزيمة ليستا من الوضع في شي‏ء، لأن الرخصة إباحة في واقعها، و العزيمة التزام بما أوجب اللّه و حرم، و عليه فهما من الأحكام‏

365

التكليفية. أما الصحة بمعنى موافقة الواقع، و الفساد بمعنى مخالفته- فهما بالطبيعيات غير المجعولة أشبه حيث يتبعان الواقع وجودا و عدما قهرا و حتما، و يدخلان في القسم الأول من فقرة أقسام الحكم الوضعي.

أما الصحة و الفساد بحسب الظاهر دون الواقع فهما من الأحكام الوضعية حيث يقبلان الجعل و التشريع، و مثال ذلك من العبادات الشك في صحة الصلاة بعد الفراغ، و من المعاملات الشك في صحة العقد بعد صدق الاسم و العنوان عليه، و للشارع هنا ان يجعل الصحة في الصلاة و العقد بمعنى الأخذ بأحكامها و آثارها ظاهرا لا بمعنى ايجاد الصحة واقعا.

الحكم الوضعي و الاستصحاب‏

أبدا لا مكان للاستصحاب في الطبيعيات، و هي التي أطلقنا عليها اسم العلامة في القسم الأول. و يجري الاستصحاب في الحكم الوضعي المجعول بالأصل لا بالتبع، و هو ما أشرنا اليه في القسم الثاني، أما الوضعي المجعول بالتبع لا بالأصل الذي ذكرناه في القسم الثالث- فيجري عليه ما يجري على أصله. و يأتي ان شاء اللّه أن استصحاب السبب حاكم على استصحاب المسبب.

366

تنبيهات الاستصحاب‏

التنبيه الأول استصحاب الكلي‏

قد يكون المستصحب كليا يصدق على أكثر من واحد ك: الانسان، و قد يكون جزئيا لا جهة فيه للعموم و الشمول كزيد و بكر. و المقصود الأول و بالذات من هذا التنبيه هو استصحاب الكلي لنرتب عليه آثاره و أحكامه، و ليس من شك أن الكلي لا يوجد في الخارج إلا بوجود أفراده، و من هنا جاء ذكر الفرد كوسيلة لا غاية. و لاستصحاب الكليّ صور ثلاث نشير اليها فيما يلي:

الكلي و الفرد المعين‏

1- أن نعلم بوجود الكلّي في ضمن فرد معين من أفراده، و أيضا نعلم بأن هذا الفرد المشتمل على الكلي له كل الاستعداد و القابلية للبقاء و الاستمرار إلى حين الاستصحاب، ثم نشك في بقاء الكلي للشك في بقاء هذا الفرد- مثلا- علمنا باحتلال الصهاينة لمدينة القنيطرة في الجولان سنة 1967، و علمنا أن السوريين هاجروا منها إلا واحدا، و بعد أمد شككنا هل بقي في القنيطرة سوري على وجه العموم؟ و السبب الموجب لهذا الشك هو الشك في بقاء ذاك الفرد في القنيطرة.

و لا ريب و خلاف في استصحاب الكلي و الفرد أيضا في هذا الفرض إذا كان‏

367

لكل منهما أثر شرعي يخصه ألحقناه به، و السر واضح و هو اليقين بالحدوث و الشك في البقاء.

الكلي و الفرد المردد

2- ان يكون للكلي فردان: أحدهما نرجو له طول البقاء لتمام المادة فيه و القابلية للاستمرار، و الآخر على العكس لا مادة و لا قابلية إلا إلى أوان قصير، و قد علمنا بوجود الكلي ضمن أحد الفردين لا على التعيين، ثم شككنا في بقاء الكلي لسبب واحد، و هو أن القصير قد انتهى يقينا بانتهاء امده، اما الفرد الطويل فهو باق يقينا- على تقدير وجوده- لبقاء أمده.

و مثلوا له بالحي المردد بين البقة و الفيل، و قال النائيني لا يجري الاستصحاب في هذا المثال لأنه من الشك في المقتضي، و في رسائل الأنصاري مثال من العبادة و هو أن يخرج من المكلف شي‏ء مردد بين البول و المني، فيجب عليه الاحتياط بالجمع بين الوضوء و الغسل‏ (1) و لكن المكلف فعل احدهما دون الآخر فتوضأ و لم يغتسل من الجنابة، أو اغتسل و لم يتوضأ، فهنا يقين بوجود كلي الحدث المردد بين الأصغر و الأكبر، و شك في بقائه بعد الوضوء أو الغسل، فنستصحب كلي الحدث، و تلحقه الآثار المترتبة على القدر الجامع بين الحدثين الأصغر و الأكبر كتحريم مس كتابة المصحف، اما الآثار المترتبة على خصوص الجنابة كعدم دخول المسجد، أو على خصوص الحدث الأصغر فلا تلحق الكلي.

اما الفرد الطويل فلا يجري فيه الاستصحاب، بل يجري فيه أصل العدم لأن موضوع الاستصحاب يقين بالحدوث و شك في البقاء، و الفرد المذكور غير معلوم الحدوث بل وجوده و حدوثه محل الشك، فكيف يجري الاستصحاب؟

____________

(1) قد يقال: لا يصح الوضوء إلا مع الخلو من الجنابة فكيف يغتسل بعد الوضوء؟ و أيضا بعد الغسل من الجنابة لا داعي للوضوء، فكيف يتوضأ؟ و الجواب: قبل الوضوء و الغسل كنا نعلم بوجود الحدث الكلي، و بعد فعل احدهما دون الآخر شككنا في بقاء الكلي فنستصحبه، و لا وسيلة للعلم بالطهارة و رفع الحدث الكلي المردد بين الفردين إلا بالوضوء و الغسل معا فوجب الجمع بينهما بالاضافة إلى أن أصل عدم حدوث البول لا يثبت الجنابة، و أصل عدم حدوث الجنابة لا يثبت البول إلا على الأصل المثبت.

368

و تسأل: ان أحد الفردين اللذين تردد الكلي بينهما قد ارتفع يقينا، و الآخر مشكوك الحدوث، و عليه يكون الكلي أيضا مشكوك الحدوث لأن وجوده عين وجود هذا الفرد الذي نشك في أصل وجوده، فكيف نستصحب ما ليس لنا علم بحدوثه؟ و ما بقاء فرع بلا أصل؟ ان دليل الاستصحاب يقول: «من كان على يقين ثم شك فلا ينقض اليقين بالشك» و بعد ذهاب أحد الفردين فلا يقين بحدوث الكلي كي نبقي عليه و لا ننقضه .. أبدا لا شي‏ء هنا إلا الشك في الحدوث، فيتعين أصل العدم لا استصحاب البقاء.

الجواب:

لدينا فيما نحن فيه فردان، و قدر جامع بينهما، و هو الكلي، فإذا نظرنا إلى كل من الفردين بخصوصه صح القول فيه بأنه مشكوك الحدوث، و انه من أجل ذلك لا يجري فيه الاستصحاب حيث لا نقش بلا عرش. اما إذا نظرنا إلى الكلي المشترك بين الفردين بصرف النظر عنهما، فلا ريب في انه قد كنا نعلم علم اليقين بوجوده قبل ذهاب الفرد القصير، و انه قد شككنا في بقائه بعد ذهاب هذا الفرد. و هذا هو بالذات موضوع الاستصحاب، و مدلول الدليل القائل: لا تنقض اليقين بالشك، و أبق ما كان على ما كان.

سؤال ثان: إن الشك في بقاء الكلي مسبب عن الشك في حدوث الفرد الطويل، فإذا أجرينا الأصل في عدم حدوثه علمنا يقينا بارتفاع الكلي لأن الشي‏ء إذا انتفى ينتفي ما في ضمنه حتما و جزما، و إذن فلا موضوع لاستصحاب الكلي.

الجواب:

ان الشك في بقاء الكلي مسبب عن العلم بارتفاع الفرد القصير- على تقدير وجوده- لا عن الشك في حدوث الفرد الطويل، و لا شي‏ء أدل على ذلك من أن اليقين بوجود الكلي كان سببه العلم الاجمالي بحدوث أحد الفردين، و قد استمر هذا اليقين إلى أن علمنا يقينا بارتفاع الفرد القصير و ذهابه- على تقدير وجوده- و عندئذ فقط طرأ الشك في بقاء الكلي بعد العلم بحدوثه، و لو لا العلم بارتفاع القصير لاستمر اليقين و لم يطرأ أي شك.

369

الكلي و الفرد المحتمل‏

3- أن نعلم بأن زيدا كان في الدار- مثلا- و خرج منها، و نحتمل حلول بكر محله، و بهذا يحدث لنا القطع بوجود الانسان الكلي، و نشك في بقائه باعتبار ان وجود الكلي عين وجود أفراده. و قسموا هذا الفرض إلى ثلاثة أقسام (1) احتمال وجود بكر في الدار قبل خروج زيد منها. (2) احتمال دخول بكر اليها في نفس اللحظة التي خرج فيها زيد. (3) احتمال ان يكون الفرد الثاني المشكوك من نوع الفرد الأول المعلوم، و لكنه يختلف عنه شدة و ضعفا كالعلم بسواد شديد في الثوب و الشك في تحوله إلى سواد أخف و أضعف.

فهل يصح استصحاب الكلي في هذه الفروض بكاملها، أو لا يصح في شي‏ء منها، أو في بعضها دون بعض؟. ذهب إلى كلّ فريق، و نحن مع النافين بلا استثناء، و منهم صاحب الكفاية، و دليلنا واضح و بسيط يفهمه و يهضمه حتى الطالب الكسول، و هو:

هل يقع الكلي تحت حاسة من الحواس؟ و هل يفهم القارئ أو السامع كلاما لا يحس معناه، و لا يدركه حتى في عالم التصور و الخيال؟ و اين يوجد هذا الكلي؟ و أجابوا بأن وجوده عين وجود أفراده، و معنى هذا ان الانسان الموجود في زيد- مثلا- له كل ما لزيد من ميول و انفعالات، و آراء و معتقدات، و اهتمام و عادات، إلى آخر الخصائص و الصفات، و أيضا معنى هذا أن زيدا فيه كل ما في الانسان من عقل و عاطفة، و طموح و منافسة، و حرص و ابداع الخ و إلا كان احدهما غير الآخر و منفصلا عنه.

و عليه يكون الاستصحاب في بقاء الانسان في الدار بعد خروج زيد في المثال السابق- تماما كاستصحاب بقاء زيد فيها مع العلم و اليقين بخروجه منها، و اللازم باطل و مثله الملزوم. قال صاحب الكفاية: «الأظهر عدم جريان الاستصحاب لأن وجود الكلي و إن كان بوجود أفراده إلا أن وجوده في ضمن المتعدد ليس على نحو وجود واحد له، بل متعدد حسب تعددها» أي أن الانسان في هذا الفرد غيره في ذاك الفرد، و لا أدري إن كان هذا القول من وحي مذهب «هيرقليطس» القائل بالتغيير المستمر، و أن الانسان لا يستطيع أن ينزل في‏

370

نهر واحد مرتين، و يلمس شيئا واحدا مرتين لأن كل شي‏ء يتبدد و يتجدد في كل ثانية؟.

و قال الآغا رضا الهمداني في تعليقه على الرسائل: «إذا علم بوجود فرد من الكلي، و احتمل وجود فرد آخر معه فهو في الحقيقة لم يعلم إلا بوجود حصة من الكلي فلا يبقى بعد العلم بارتفاع تلك الحصة مجال للاستصحاب».

و قال السيد الحكيم في حاشيته على الكفاية: «إذا علم بوجود الكلي في فرد، و علم بارتفاع ذلك الفرد فقد علم بارتفاع وجود الكلي. و احتمال وجود فرد آخر و إن كان شكا في وجود الكلي إلا ان هذا الوجود المشكوك ليس بقاء لذلك الوجود المعلوم .. ليكون موردا للاستصحاب، بل هو شك في وجود آخر للكلي، و الأصل عدمه».

و غريب حقا أن يستدل عالم على الاستصحاب ببناء العقلاء، ثم يجريه في أوهام لا تمر بخيال عاقل في شكل من الأشكال.

الشبهة العبائية

و تسأل: سمعنا كلمة «الشبهة العبائية» تدور على ألسنة الأصحاب و الطلاب حين المذاكرة، فما هو القصد منها؟.

الجواب:

لم تأت هذه الكلمة في آية أو رواية، و لا حد أو رسم، و لا في قاعدة أو وصل، بل ضربت مثلا بقصد التوضيح لمسألة كثر حولها النقاش و طال، و كانت تعرض على الآراء كل مرة بنفس المثل حتى اشتهرت بهذا الاسم، و اليك المسألة شكلا و محتوى:

أصابت النجاسة الجانب الأيمن من عباءتك أو الأيسر لا على التعيين، و كان ينبغي أن تطهر الجانبين و تريح نفسك من عب‏ء الشك و الاحتياط، و لكن لسبب أو لآخر طهرت الجانب الأيمن، و تركت الأيسر، و قد يكون هو المتنجس في الواقع، و قد يكون هو الطاهر، فعرض لك الشك في بقاء النجاسة و زوالها بعد العلم بحدوثها، فما ذا تصنع؟

371

هل تستصحب النجاسة لمكان اليقين بالحدوث و الشك في البقاء؟ و لكن استصحاب كلي النجاسة المردد بين فردين: أحدهما قد ارتفع يقينا- على تقدير وجود النجاسة في الجانب الأيمن المغسول- و الثاني باق يقينا- على تقدير وجودها في الأيسر غير المغسول- لكن هذا الاستصحاب يتولد منه إشكال يصعب حلّه، و هو إذا لاقت يدك مثلا برطوبة كلا من الجانب الأيمن و الأيسر فينبغي أن تطهرها لأن استصحاب كلي النجاسة يثبت وجودها في أحد الطرفين، و المفروض أن يدك لاقت كلا منهما تماما كما لو لاقت إناءين أحدهما نجس على اليقين مع العلم بأن يدك هذه لا يجب تطهيرها لأنها لاقت الجانب الأيمن من العباءة و هو المغسول الطاهر يقينا، أما ملاقاتها للجانب الأيسر فلا أثر له لأنه شك في النجاسة ابتداء ..

فتستصحب طهارة يدك بلا شبهة أو معارضة.

الجواب:

ان العلم الإجمالي بنجاسة أحد جانبي العباءة كان قبل تطهير الجانب الأيمن- نافذا و منجزا بالنسبة الى الجانبين معا- بحيث لو جعلنا العباءة نصفين لا تجوز الصلاة في أحدهما إطلاقا، فإذا طهرت الجانب الأيمن جازت فيه الصلاة دون الآخر تماما كما لو طهرت أحد الإناءين المشتبهين استعملته دون الآخر، و لا يجوز بحال أن تجري أي أصل بهذا الآخر و إن كان موافقا، لأن المورد خاص بقاعدة الاحتياط و الاشتغال، و هي وحدها كافية وافية.

أما نجاسة اليد أو غير اليد فلا تثبت إلا بعد إحراز ملاقاتها لمعلوم النجاسة، و المفروض في المثال المذكور أن اليد لاقت مشكوك النجاسة دون المعلوم، و عليه فلا يسوغ الحكم بنجاستها. و بكلمة: ان العلم الإجمالي أثر أثره بالنسبة الى الجانب الأيسر من العباءة دون الأيمن، و كذلك أصل الطهارة أو استصحابها أثّر أثره بالنسبة إلى اليد الملاقية.

التنبيه الثاني استصحاب الزمان و الزماني‏

قد يكون المستصحب نفس الذي يسميه الناس زمانا كالليل و النهار و الصباح و المساء، و قد يكون من نوع آخر، و لكن أجزاءه تدريجية لا تجتمع في آن‏

372

واحد، و لا يوجد اللاحق منها إلا بعد ذهاب السابق كالمشي و الكلام، و يسمى هذا بالزماني. و قد يكون الزمان قيدا للمستصحب كما لو قال واجب الطاعة:

اجلس هنا حتى الزوال. و نتحدث في هذا التنبيه عن صحة الاستصحاب في كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة.

الزمان‏

1- استصحاب الزمان، و مثاله أن يشك الصائم في بقاء النهار و دخول الليل، فيستصحب بقاء النهار أو عدم دخول الليل، و يبقي ما كان على ما كان حتى يثبت العكس. و على هذا أكثر الفقهاء قولا و عملا.

و تسأل: ان الشرط الأساسي في الاستصحاب أن يكون المشكوك عين المتيقن، و لا فرق إلا من جهة تعلّق اليقين بحدوث المستصحب و تعلق الشك ببقائه. و هذا الشرط ممتنع الوجود في الزمان لأن ما مضى منه غير موجود، و الموجود الآن كان في عالم الكتمان؟.

الجواب:

ليس المراد بالاستصحاب هنا أن نثبت أن هذا الزمان الحاضر الذي نحن فيه هو جزء من النهار لا من الليل كي يقال: لا يقين به بل بعدمه، و أيضا ليس المراد بوحدة الموضوع في الاستصحاب الوحدة عقلا و واقعا، كلا، بل المعيار و المرجع في تشخيص موضوع الاستصحاب و وحدة موضوع اليقين و الشك هو العرف و أهله- لأن الأحكام الشرعية تتبع الأسماء العرفية للموضوع و ليس الدقة العقلية.

و أهل العرف يرون لكل من الليل و النهار بداية و نهاية، و ما بينهما أجزاء للوقت لا جزئيات، و يقولون: أول الليل و آخره و نصفه، و في ذلك نزل القرآن الكريم: «وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ- 114 هود» .. «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ‏- 20 المزمل». و عليه يكون معنى استصحاب النهار في واقعه أن آخره لم يأت، أو أن أول الليل لم يدخل. و هكذا الحال في الأزمنة التي هي شي‏ء واحد في فهم العرف و نظره.

373

و قال الأنصاري: «المهم هو أن نثبت أن هذا الحين الذي نحن فيه هو من الليل لا من النهار، أو من النهار لا من الليل لكي نرتب عليه أثره الخاص به، و استصحاب بقاء النهار أو عدم دخول الليل لا يثبت أن هذا الحين نهار لا ليل أو بالعكس إلا على القول بالأصل المثبت، و إذن فالأولى- ما زلنا نتكلم بلسان الأنصاري- ترك استصحاب الزمان، و التمسك بأصل آخر، و هو البقاء على جواز الأكل و الشرب حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، و البقاء على الإمساك حتى يثبت دخول الليل».

و لنا أن نجيب الشيخ المعظم بأن النقض بالأصل المثبت انما يصح فيما يقع تحت الحس أو ما هو في حكمه، أما الموهوم و المسمى بلا اسم كالزمان بخاصة بعد النظرية النسبية فلا مكان اطلاقا للأصل المثبت و لا للاستصحاب أيضا إلا بالمعنى الذي نريده منه هنا، و هو وقوع الفعل أو لا وقوعه بين حادثين أو بين حالين، و هما النور و الظلام اللذان اشار اليهما سبحانه بالخيط الأبيض و الأسود.

الزماني‏

2- استصحاب الزماني كالشك في استمرار البقرة الحلوب في درها، و العين في فوران الماء منها، و خير الأقوال في هذا الباب ما رواه السيد الخوئي عن استاذه النائيني، و يتلخص بأن صور الشك هنا ثلاث:

1- أن نحرز المقتضي و نشك في وجود المانع، كعلمنا بأن لهذه العين مادة غزيرة تستمر في الفوران سنوات، ثم نشك: هل عرض عارض و حال حائل دون فيضها و فورانها فنجري الاستصحاب بلا إشكال.

2- ان نشك في وجود المقتضي، كما لو شككنا في أن هذه العين: هل لها مادة تستمر معها في الدفق إلى هذا الحين؟ و لا مكان هنا للاستصحاب إلا على مذهب القائلين به حتى مع الشك في المقتضي.

3- ان نعلم بنهاية الموجب و المقتضي للبقاء و الاستمرار، و لكن نحتمل وجود

374

خلف جديد له يحل محله و يؤثر أثره. و أيضا لا مكان هنا للاستصحاب إلا على مذهب من أجراه في القسم الثالث الباطل من أقسام استصحاب الكلي. و تقدم الكلام عنه.

المقيد بالزمان‏

سبقت الإشارة إلى ان المستصحب إما الزمان و إما الزماني و إما المقيد بالزمان، و بعد الحديث عن الأول و الثاني نشير إلى الثالث. و محل البحث فيه أن يكون الزمان قيدا للوجوب أو للواجب لا ظرفا، و أن نعلم يقينا بانتهاء الزمان الذي قيد به و ذهابه، و مثلوا له بالمثال السابق، و هو أن يعلم المكلف بوجوب الجلوس عليه في المسجد من كذا الى الزوال، و بعد الزوال يشك في وجوب المكث و استمراره، فهل يستصحب الوجوب، أو لا مبرر لمثل هذا الاستصحاب؟.

أبدا لا مجال هنا للاستصحاب، لأن المعلق بالشرط عدم عند شرطه، و القول بوجود ما يخلف الشرط و يؤثر أثره يحتاج إلى مثبت. قال الأنصاري بالحرف:

«ما كان مقيدا بالزمان فينبغي القطع بعدم جريان الاستصحاب فيه لأن الشي‏ء المقيد بزمان خاص لا يعقل فيه البقاء». و قال النائيني أيضا بالحرف: «إذ وجب الجلوس مقيدا من طلوع الشمس إلى الزوال فلا إشكال في أنه فرد مغاير للجلوس فيما بعد الزوال، فيكون اثبات حكم الفرد السابق للفرد اللاحق من باب إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر».

التنبيه الثالث الاستصحاب و حكم العقل‏

في فصل الاستصحاب، فقرة: باعتبار الدليل، أشرنا إلى أن الشيخ الأنصاري لا يجري الاستصحاب فيما إذا كان المتيقن السابق يستقل به العقل و لا فيما يلازمه من أحكام. و قد ذكر هذا التنبيه ليدعم مقالته هذه، و يزيدها وضوحا و تأكيدا.

375

و قال النائيني: «الظاهر انه لم يسبقه إلى ذلك أحد». و كل ما قاله الأنصاري في هذا التنبيه لتحصين رأيه و الذب عنه يرتكز على شي‏ء واحد، و هو أن الأحكام العقلية بكاملها لا بد أن تكون بديهية بذاتها لا تحتاج إلى دليل كقبح الظلم و التكليف بما لا يطاق، أو تنتهي إلى البديهة كالدليل على وجود الباري بواسطة مبدأ العلّيّة، و الدليل على نبوة النبي بواسطة المعجزة الخارقة الثابتة بالحس أو بالتواتر.

فإذا ما حكم العقل بشي‏ء كان المعنى أنه جازم و قاطع بحكمه بعد أن أحاط بموضوعه و كل ما يتصل به، و أيضا معناه أن العقل لا يشك في بقاء حكمه كي يستصحبه لأنه شارع بحق، و الشارع الحق إما ان يشرع و يحكم، و إما ان لا يشرع و يحكم، و هو في الحالين قاطع و جازم. و يستحيل الشك في حقه بالنسبة إلى الحكم و التشريع، و إذا استحال عليه الشك في الحكم استحال الاستصحاب لا محالة. و هذه بديهة ساطعة ناصعة يصعب علينا أن نشكك فيها و نرتاب.

و لكن النائيني رد على الأنصاري و قال فيما قال: ان العقل قد يحكم بشي‏ء و هو شاك و متردد في حكمه. و اليك عبارته بالحرف كما سجلها الخراساني:

«و دعوى ان الأحكام العقلية كلها مبينة مفصلة مما لا شاهد عليها، إذ من المحتمل أن يكون حكم العقل بقبح الكذب الضار غير النافع من جهة أن الكذب الواجد لهذه الخصوصية هو المتيقن في قبحه، و قيام المفسدة فيه مع انه يحتمل أن لا يكون لخصوصية الضرر أو عدم النفع دخل في مناط الحكم، بل يكون نفس العقل شاكا في قبح الكذب غير الضار».

و هذا الكلام واضح و صريح في ان العقل المشرّع يجوز عليه ان يحكم بقبح الكذب الضار، و هو شاك في قبحه! و معنى هذا ان العقل قد جزم و حكم بالنتيجة و هو يشك في مقدماتها، و انه قد شرّع أحكاما، و هو على علم بجهله و جهالته! و أيضا معنى هذا ان العقل لا عقل، و ان الادراك لا ادراك، و ان الشارع لا شارع!.

التنبيه الرابع الاستصحاب التقديري‏

لا ريب و لا خلاف في استصحاب الحكم الشرعي الفعلي الثابت بلا قيد و على‏

376

كل تقدير تكليفا كان أم وضعا. هذا إذا عرض الشك بطبيعة الحال- مثلا- نحن على يقين بأن الشارع حكم بتحريم الخمر و نجاسته بلا قيد أو شرط، فاذا صادف ان هذا الخمر قد ذهبت منه المادة المسكرة لسبب أو لآخر، و شككنا في بقاء النجاسة و التحريم، إذا حدث ذلك استصحبنا و مضينا على الحال السابقة و أبقينا ما كان على ما كان. و هذا الفرض خارج عما نحن بصدده.

فرض ثان، و هو محل البحث، و بيانه أن نعلم بأن الشارع ربط حكمه على شي‏ء بشرط أن يكون هذا الشي‏ء على صفة خاصة و حال معينة بحيث إذا لم تتحقق هذه الصفة لم يتحقق الحكم الشرعي، و مثال ذلك أن يقول الشارع:

يحرم العنب و ينجس إذا غلا. فقد جعل الغليان غاية و نهاية للطهارة و الاباحة، و شرطا لازما للحرمة و النجاسة. و عليه نتساءل: إذا صار العنب زبيبا و غلا فهل ينجس و يحرم تماما كما هو الحكم في العنب، و لا أثر اطلاقا للاسم و العنوان الذي ورد في دليل الغليان؟.

الجواب:

أجل، ينجس الزبيب و يحرم مع الغليان تماما كالعنب، و الدليل على ذلك:

1- ان الزبيب هو نفس العنب واقعا في نظر العرف أيضا تماما كالحنطة و دقيقها، و العجين و خبزه، و الحليب و لبنه، أبدا ما تغير إلا الشكل، و لا تعدد إلا الاسم، أما المسمى و المحتوى فواحد، و إذا كان العنب و الزبيب واحدا لا اثنين عرفا و واقعا- فالحكم الشرعي أيضا واحد لا حكمان شرعا و عقلا.

2- ان في الشريعة الإسلامية أحكاما منها مقيدة، و منها مطلقة، و دليل الاستصحاب يشملهما معا، فاذا ما ساغ الاستصحاب في أحدهما ساغ في الثاني، و لا دليل على الفرق إلّا الظن.

و أشكل من أشكل أولا: ان المعلق على شرط لا حظ له من عالم الوجود، بل هو طي العدم و الكتمان حتى يوجد الشرط. و جوابه ان وجود كل شي‏ء بحسبه، فإن كان مطلقا فوجوده كذلك أو مقيدا فيوجد بوجود قيده، و كل من الصنفين يناقض العدم المطلق و ينافره، و لا يجتمع معه بحال، و أوضح دليل على ذلك عدم صحة السلب المطلق عن المقيد.

377

ثانيا: ان الموضوع متعدد، فلا يشمله دليل الاستصحاب. و جوابه الموضوع واحد في جوهره و هويته واقعا و عرفا. و سبقت الاشارة.

ثالثا: ان استصحاب الحكم التقديري أو المشروط معارض بضده حيث نعلم علم اليقين بطهارة الزبيب و اباحته قبل الغليان و بعده نشك فنستصحب، و نبقي ما كان على ما كان، و اذا تعارض هذا الاستصحاب مع الاستصحاب التقديري سقطا معا و خلا الجو لأصل الإباحة و الطهارة.

و جوابه ان الشك في الطهارة و الاباحة في المثال المذكور مسبب عن الشك في أن الشارع: هل جعل الغليان غاية و نهاية للحكم بالطهارة و الاباحة، أو أن الحكم بهما على اطلاقه لا يحده الغليان و لا يقيده. و من المتفق عليه أن الأصل في السبب حاكم و مقدم على الأصل في المسبب.

و بعد، فلا يسوغ بحال أن نرفع اليد عن الأحكام الشرعية الثابتة باليقين لمجرد أن الشمس غيرت من ألوان موضوعاتها، أو قلصت من حجمها، و ما إلى ذلك مما يحدث لتقلبات البيئة و الطبيعة- و إلا تعددت الأحكام و تناقضت لأدنى سبب.

التنبيه الخامس الاستصحاب و الشرائع البائدة

يبحث هذا التنبيه- كما هو في رسائل الأنصاري- عن مسألة نظرية بحتة، و فرضية يعلم الباحث سلفا أنها ممتنعة الوجود، و انها لا تمد الى الحياة الدنيا و الآخرة بسبب، و ما أشرنا اليها إلا للتنويه بعدم جدواها. و موضوع هذا التنبيه البحث في استصحاب ما ثبت من أحكام الشرائع السابقة. و لا فائدة وراء ذلك الا شغل النفس بشأن غير شأنها، فأين هي الشرائع السماوية السابقة كي نستصحب حكما واحدا منها؟ لقد درست هذه الشرائع قبل الاسلام و نبي الاسلام (ص).

قال أمير المؤمنين (ع) في نهجه: «أرسل اللّه محمدا (ص)، و أعلام الهدى دارسة، و مناهج الدين طامسة». و أي مسلم يقر و يعترف بغير الإسلام و شريعته؟.

378

قال الأنصاري: «نفرض أن شخصا واحدا أدرك الشريعتين». و ما هو الباعث على هذا الفرض؟ و كيف نفرض شيئا نعلم سلفا باستحالة العثور عليه؟.

ان هذا الفرض و نحوه لا يصح عند أهل العلم حتى من الوجهة النظرية.

و قال آخر: إذا وردت آية في كتاب اللّه أو رواية في سنّة نبيه تحكي عن ثبوت حكم في شريعة سابقة- أثبتناه نحن في شريعة الإسلام بالاستصحاب، و من ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: «وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ‏- 45 المائدة».

الجواب، أولا: ان الحكم في هذه الآية و غيرها من الأحكام ثبت بقول نبينا محمد (ص) و فعله، و بإجماع المسلمين، و ضرورة الدين لا بالاستصحاب و غيره.

ثانيا: هل بلغت شريعة الاسلام بأحكامها و مبادئها و قواعدها من الفقر و الجفاف- الى هذا الموقف الذي تبحث فيه عن تراب الهالكين؟.

و بعد، فنحن المسلمين لا ندين إلا بالكتاب و السنة، فهما الأصل الأصيل للإسلام عقيدة و شريعة، و لا يحل لمسلم أن يستصحب إلا بإذن صريح منهما، و لا شي‏ء أدل على ذلك من سيرة الأئمة و الصحابة و التابعين و الفقهاء قديما و حديثا.

و عن النبي الأعظم (ص) أنه قال: «ما من شي‏ء يقربكم من الجنة إلا أمرتكم به، و لا من شي‏ء يبعدكم عن النار إلا نهيتكم عنه». و في أصول الكافي عن الإمام الصادق (ع): «ما من شي‏ء إلا و فيه كتاب و سنة». أبعد هذا نستصحب شريعة الأمم البائدة، و القرون الخالية؟.

و قول الرسول الأعظم (ص): انه أمرنا بكل ما أراد اللّه، و نهانا عن كل ما حرم اللّه، واضح كالشمس في أن اللّه سبحانه قد وضع عنا كل تكليف إلا أمر الإسلام و نهيه، و أنه تعالى لا يؤاخذنا على شي‏ء، و لا يسألنا عن شي‏ء إلا عما أمرنا به و نهانا عنه خاتم الأنبياء و سيد الكونين. و ليت شعري: هل تحتاج هذه البديهة إلى دليل؟

و بعد أن تكلم النائيني عن استصحاب الشريعة السابقة و أجهد نفسه ختم التحقيق و التدقيق بقوله: «نعم يمكن أن يقال: انه لا جدوى من استصحاب حكم الشريعة السابقة، فانه على فرض بقائه فانما يكون بقاؤه بإمضاء رسول اللّه‏

379

(ص) لقوله: «ما من شي‏ء يقربكم إلى الجنة و يبعدكم عن النار إلا أمرتكم به.» فمع عدم العلم بالامضاء منه لا جدوى من استصحاب بقاء الشريعة السابقة».

و كان بامكان النائيني أن يقول كلمته هذه منذ البداية، و لكن للبيئة ثمارها.

التنبيه السادس في الأصل المثبت‏

هذا التنبيه و التالي له (أي السابع) أهم تنبيهات الاستصحاب، و أكثرها نفعا، و أغزرها علما، لأن هذا السادس يبحث في الأصل المثبت، و يبحث السابع في مجهولي التاريخ و في المعلوم و المجهول مجتمعين، و كلا البحثين من صميم الفقه و أصوله، و يكثر الابتلاء بهما، و لا عذر لابن العلم أن يجهلهما أو يقف منهما موقف اللامبالاة، و من أجل ذلك سنحاول في التنبيهين ما أمكن التوضيح و التركيز و الاقتصار على المفيد النافع تاركين الاطناب الى من يطيب له تكثير الكلام و تعقيده، و إن نفر منه الطالب و الراغب و لم يقرأه قارئ. و اللّه المستعان.

معنى الأصل المثبت‏

روى الآشتياني عن استاذه الأنصاري أن أول من عنون الأصل بهذا العنوان هو فقيه عصره كاشف الغطاء الشيخ جعفر، و شاع بين تلاميذه و تلاميذهم.

و قبل كل شي‏ء نشير إلى أن الأصل المثبت لا يعد من الأصول اللفظية أو العملية كأصل مستقل بنفسه و قائم بذاته، بل هو وصف لكل أصل- غير لفظي- يثبت أمرا شرعيا بطريق غير شرعي سواء أ كان استصحابا أم براءة أم صحة أم غير ذلك. و يبدو- للوهلة الاولى- من تسميته بالمثبت أنه صواب و حق، و ليس كذلك، فقد تسالم الفقهاء على فساده و عدم صحة العمل به في الأصول العملية، و كان الأنسب و الأقرب أن يسمى بغير المثبت.

و مهما يكن فلا نفهم معنى الأصل المثبت العليل ما لم نفهم معنى غير المثبت‏

380

السليم، و معنى هذا السليم أنه لا يحكي بطريق من الطريق، و لا يثبت حكما أو موضوعا في الخارج لا مباشرة و لا بالواسطة، و كل ما في الأمر وجوب العمل بمقتضاه تعبدا و كفى. قال الأنصاري: «هذا الأصل- أي غير المثبت- لا يثبت أمرا في الخارج حتى يترتب عليه حكمه الشرعي، بل مؤداه أمر الشارع بالعمل على طبق مجراه شرعا». و اخذ النائيني هذه العبارة و أوردها بقوله:

«الأصل العملي هو مجرد تطبيق العمل على مؤدى الأصل».

و الاصل المثبت على العكس، يثبت في الخارج أمرا شرعيا، و لكن بطريق غير شرعي كالملازمة العقلية و العادية، و فيما يلي نذكر بقصد التوضيح مثالين:

الأول للأصل السليم غير المثبت، و الثاني للمثبت العليل.

المثال الاول أن تكون على يقين من الوضوء ثم تشك في عروض الناقض، فتستصحب بقاء الوضوء، و هذا الاستصحاب- كما ترى- لا يثبت شيئا بحكاية و رواية من ناقل، و لا بملازمة من عقل أو عرف، و انما أوجب العمل حين الشك على وفق العمل حين اليقين و كفى.

المثال الثاني ان تعلم برطوبة ثوبك و ملاقاته للنجس، و بعد ذهاب الرطوبة تشك: هل حدثت الملاقاة حال الرطوبة و سرت النجاسة إلى الثوب، أو انها حدثت بعد الرطوبة و لا سراية؟. و الرطوبة بما هي ليست مجعولة للشارع و لا شرطا للنجاسة، و انما سراية النجاسة من النجس إلى الثوب هي الشرط الشرعي.

فإذا استصحبت بقاء الرطوبة إلى زمن الملاقاة ثبتت السراية بالملازمة الحتمية التي لا تنالها يد الشارع سلبا و لا ايجابا، و هذا الأصل- كما ترى- اثبت أمرا شرعيا، و هو عدم جواز الصلاة و صحتها بهذا الثوب، أثبت ذلك بطريق غير شرعي أي بالملازمة الحتمية، و من هنا جاء الفساد و البطلان.

الأخبار و الأصل المثبت‏

كل من تحدث عن الاستصحاب و الأصل المثبت من المؤلفين قال و كرر:

إذا كان المدرك الأول لحجة الاستصحاب و اعتباره هو التعبد الشرعي و الأخبار الشرعية فلا يجوز العمل به إذا استلزم الأصل المثبت، و أما على القول بحجة

381

الاستصحاب و اعتباره من جهة بناء العقلاء و افادته الظن بالبقاء فيصح العمل به حتى و لو كان أصلا مثبتا.

و ذلك بأن الشارع بما هو شارع لا يمكنه بحال أن يخرج من عالم التشريع الى عالم التكوين و نحوه، و أن يتصدى لأشياء لا تدخل تحت سلطانه سلبا و لا ايجابا و إلا ناقض نفسه بنفسه، فإذا قال: لا تنقض اليقين بالشك، و أبق ما كان على ما كان، فمعناه أن الذي كنت عليه في حال علمك و يقينك بأحكامي و أقوالي، فقد أوجبت البقاء عليه و العمل به في حال ترددك و شكك في بقائه و استمراره.

و هكذا الحال في غير الاستصحاب و سبق اليقين، فمعنى قوله: كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنه حرام، جعلت حكم مشكوك التحريم كحكم معلوم التحليل.

و معنى كل شي‏ء لك طاهر حتى تعرف أنه قذر، جعلت حكم مشكوك النجاسة كحكم معلوم الطهارة.

و لا ريب ان قوله هذا لا يتعدى في دلالته إلى الآثار التكوينية و العقلية و العادية، إذ هي بطبيعتها تأبى الجعل و التشريع وضعا و رفعا، و عليه تختص أخبار الاستصحاب- بل و الإباحة و الطهارة- بالآثار القابلة للتشريع و الإنشاء و التعبد بها، و يخرج عنها الأصل المثبت موضوعا و تخصصا لا انصرافا و تخصيصا بعد الفرض بأن الأصل المثبت يثبت الأثر الشرعي- ان صح التعبير- بطريق غير شرعي.

الواسطة الخفية

و تسأل: لقد استثنى الأنصاري من الأصل المثبت بالنسبة إلى عدم صحته، ما خفي على أهل العرف من واسطات و ملازمات، حيث يرون أثر اللازم واقعا أثرا للملزوم بالذات. فما قولك في هذا الاستثناء؟.

الجواب:

لقد اعترف الانصاري و قال بصراحة: ان حديث «لا تنقض اليقين بالشك» يتناول خصوص الآثار القابلة للتشريع و الإنشاء تماما كما قلنا في الفقرة السابقة بلا فاصل، و عليه فلا مجال لدعوى التفرقة بين الواسطة الخفية و الجلية ما دامت هذه و تلك تأبى الجعل بطبعها و طبيعتها، و هل مجرد الخفاء و الغموض يحوّل‏

382

الطبيعي إلى شرعي، و يجعل المحال و الممتنع جائزا و ممكنا؟. و إذا أخطأ أهل العرف في التشخيص و التطبيق، و أسندوا الفعل الى غير فاعله فهل يجب علينا أن نتابعهم في ذلك مع العلم بخطئهم و قصورهم في التشخيص و التطبيق؟. و اذن فلا معنى للقول: ان العلم حجة بنفسه أيا كان سببه!.

قال النائيني برواية الخراساني: «لا عبرة بالمسامحات العرفية في شي‏ء من الموارد، فإنّ نظر العرف إنما يكون متبعا في المفاهيم لا في تطبيقها على المصاديق، فقد يتسامح العرف في تطبيق المفهوم على غير مصداقه الواقعي، كما يشاهد في إطلاق أسماء المقادير على ما ينقص عن الوزن أو يزيد قليلا، فالمسامحات العرفية لا أثر لها، و تضرب على الجدار بعد تبيّن المفهوم».

الاستصحاب أصل محرز

سؤال ثان: و هو أن الاستصحاب من الاصول المحررة التي يجب البناء على أن مؤداها هو الواقع، و من هنا يقدم على أصل البراءة و الاشتغال و التخيير، و عليه ينبغي الأخذ بجميع آثار المستصحب حتى و لو كانت عقلية أو عادية، و بالتالي يكون الأصل المثبت حجة في الاستصحاب دون سواه من الاصول غير المحرزة؟.

الجواب:

مهما قيل و يقال في شأن الاستصحاب و أصالته، و مهما امتاز عن الاصول العملية و تقدم عليها فإنه لا يخرج عن هويته و انه أصل عملي يفترض فيه الوقوف عند خصوص الآثار الشرعية لعدم كشفه عن الواقع بأي طريق، كيف و قد اخذ الشك في الواقع جزءا مقوما له بنص دليله و اعتباره القائل: «من كان على يقين من شي‏ء، فشك فيه فليمض على يقينه». و الفرق بين الاصل المحرز و غير المحرز هو مجرد البناء العملي تعبدا بأن المشكوك في المحرز بمنزلة المعلوم و في حكم المتيقن من أجل تقديمه على غير المحرز عند التصادم و التعارض.

الأمارة و الأصل المثبت‏

الأمارة تثبت الشي‏ء بوجوده الواقعي، و من هنا و بمبدإ الحتمية يترتب على‏

383

مدلول الامارة جميع آثاره و لوازمه، شرعية كانت أم عقلية أم عرفية. أما الأصل العملي فلا يثبت شيئا، أو يثبته بوجوده الشرعي و التعبدي من الوجهة العملية، و معنى هذا أن الأصل العملي ينتمي إلى الشارع لا إلى الواقع الطبيعي، و يرفض كل ما لا يمد إلى الشرع و الجعل بسبب.

إن وظيفة الأمارة ايجابية لأنها تحكي عن الشي‏ء بدلالتها الذاتية، و إذا كانت هذه الدلالة ظنية لا قطعية فإن ظنها من حيث الحجة و الاعتبار تماما كالعلم بعد قيام الدليل القاطع على الاعتماد عليه و العمل به. و هنا يكمن السر في أن الأصل المثبت حجة في الأمارات دون الاصول العملية.

التنبيه السابع الحادث الواحد

كان اللّه و لم يكن معه شي‏ء، ما في ذلك ريب، و معنى هذا أن كل شي‏ء ما خلا اللّه فهو مسبوق بالعدم، فإذا شككنا في حدوث شي‏ء نفيناه بأصل العدم بلا ريب و خلاف.

و إذا علمنا بأنه قد وجد يقينا، و شككنا في تاريخ وجوده و مبدأ حدوثه- نستصحب عدم وجوده في آن سابق نحتمل حدوثه فيه دون أن نثبت تأخره عن الآن المشكوك مع العلم بأن النتيجة واحدة في الظاهر، و لكنها في الواقع ليست كذلك .. لأن الأثر الشرعي قد يترتب على عنوان التأخر لا على عدم الوجود في السابق كيف اتفق، و التأخر صفة وجودية، و لازم حتمي من لوازم عدم وجود الحادث في الآن السابق، فإذا أثبتناه بهذه الملازمة وقعنا في اشكال الأصل المثبت من حيث نريد أو لا نريد، و أيضا لا نثبت مبدأ حدوثه في الزمن الذي علمنا بوجوده فيه لأن مبدأ الحدوث أيضا صفة وجودية، فنقع في محذور التأخر.

و اليك المثال التالي:

رأينا ميتا على قارعة الطريق، و شككنا: هل مات الساعة أو منذ ساعات؟

384

فنستصحب حياته و عدم موته في الساعة السابقة المشكوكة، و نرتب آثار عدم الموت فيها، و لكن لا نحكم بتأخر الموت عنها، و لا بحدوثه في الوقت المعلوم فرارا من الأصل المثبت.

و تسأل: كثيرا ما تدور على الألسن كلمة «الأصل تأخر الحادث» و يعتبرون هذا الأصل حجة لازمة مع ان التأخر- كما قلت- لا يثبت إلّا بالأصل المثبت، فكيف استدلوا بأصل تأخر الحادث المثبت، و هم يؤمنون بفساد الأصل المثبت؟.

الجواب:

انهم يريدون بأصل تأخر الحادث المعنى الذي ذكرناه، و هو عدم وجوده في الزمن السابق، لا تأخره عنه و لا حدوثه في الزمن المعلوم.

الموضوع المركب‏

ما قلناه حول الحادث الواحد محل وفاق، بل يستكشف من عبارة الأنصاري إمكان القول بترتب الآثار على مبدأ حدوثه في الوقت المعلوم على أساس الموضوع المركب من جزءين: احدهما يثبت بالوجدان و الآخر بالأصل، لأن معنى مبدأ الحدوث، الوجود في الزمن اللاحق و عدم الوجود في الزمن السابق، و الأول ثابت وجدانا، و الثاني يثبت بالأصل اتفاقا، فتلحقه الآثار الشرعية حتما.

و قال النائيني: لا مانع من جريان الأصل و التئام الموضوع منه و من ضم الوجدان اليه إذا كان الموضوع مركبا من نفس الجزءين بنحو اجتماعهما زمانا.

و قال صاحب الكفاية: لا بأس من ترتب آثار الحدوث في الزمان الثاني بناء على ان الموضوع مركب من الوجود اللاحق و عدم الوجود في السابق. و علّق الحكيم في حاشيته على هذه العبارة بقوله: «و حينئذ يكون الأثر ثابتا لمجموع الجزءين: أحدهما ثابت بالأصل و الآخر بالوجدان».

و هذه الأقوال- كما ترى- تثبت التأخر محتوى و معنى بعد إنكاره لفظا و مبنى، إذ لا معنى للتأخر إلا الوجود في زمان و عدم الوجود قبل هذا الزمان،

385

فإذا نفينا الوجود القبلي بالأصل، و قطعنا بالوجود البعدي تحقق معنى التأخر شئنا أم أبينا. و نحن لا ننفي الموضوع المركب لأنه متين في حبكه و غزله، و لكن نتساءل: هل الشريعة الاسلامية و أحكامها السهلة السمحة التي ينهل منها كل ظامئ- تقوم على هذا الغوص و العمق الذي لا يبلغه إلا الأنصاري و من هو في ثقله علما و عقلا؟.

الحادثان‏

إذا علمنا بحدوث حادثين كموت الوارث و المورث، و شككنا في تقدم أحدهما على الآخر، إذا كان هذا و نحوه فلا أحد يقول: الأصل تقدم أحدهما المعين أو تأخره أو مقارنته فيما يحتمل فيه التقارن حيث لا علم سابق بوصف من هذه الأوصاف الثلاثة، بالإضافة الى أن أصل تقدم موت هذا على ذاك معارض بأصل تقدم موت ذاك على هذا. و لكن، هناك أصل آخر، و هو عدم وجود كل من الحادثين إلى زمان وجود الحادث الثاني، فهل يمكن الاعتماد عليه أولا؟. فيه تفصيل كالآتي.

كلا الحادثين مجهول التاريخ‏

1- أن نجهل تاريخ كل منهما و مبدأ حدوثه، و الحكم فيهما قبل كل شي‏ء أن ننظر: هل لأحدهما أثر شرعي دون الآخر، أو لكل منهما أثر شرعي يتبعه و يترتب عليه، فإن كان الأثر لواحد فقط جرى فيه استصحاب عدم وجوده إلى زمان القطع بوجوده، و لا يجري الأصل في الأبتر و عديم النفع كي يعارض صاحب الأثر، و ان كان لكل منهما أثره الشرعي يجري الاصل فيهما معا، و يتساقطان بالمعارضة و الممانعة.

فالاثر لموت المورث تقسيم التركة، و الاثر لموت الوارث بعد موت المورث استحقاقه في الميراث، و استصحاب عدم موت المورث إلى الوقت المعلوم كي يرث الوارث على فرض حياته في هذا الوقت، معارض باستصحاب عدم موت الوارث الى الوقت الذي نقطع فيه بموته و نحتمل بأن موته كان مقارنا لموت المورث‏

386

أو متأخرا عنه بلحظة، فيتساقطان لأن العمل بأحدهما ترجيح بلا مرجح، و بهما معا طرح للعلم الإجمالي و مخالفة له، و بعد التساقط نرجع إلى الاصول و القواعد، و هي في هذا المثال توجب عدم استحقاق الوارث في الميراث، لأن الشرط الأساسي ان يكون الوارث حيا عند موت المورث، و لسنا على يقين من هذا الشرط، و اذن فلا مشروط.

أحد الحادثين معلوم التاريخ‏

2- ان نعلم بمبدإ حدوث أحدهما و تاريخه دون الآخر، كما لو علمنا بموت المورث عند الزوال، و شككنا: هل مات الوارث بعد الزوال كي يرث أو عنده أو قبله كي يمنع من الارث؟.

و هنا لا يجري الاستصحاب في معلوم التاريخ، لأنه قبل هذا التاريخ معلوم العدم و بعده معلوم الوجود، و لا شك من حيث الزمن كي يجري الاستصحاب.

اما مجهول التاريخ فيجري فيه استصحاب عدم وجوده في التاريخ المعلوم للحادث الآخر، لا تأخر وجوده عنه و حدوثه فرارا من الأصل المثبت، و عليه فلنا أن نقول: الأصل عدم موت الوارث قبل الزوال و عنده أيضا، فيتحقق شرط الارث، و هو عدم موت الوارث عند موت المورث، و بكلمة: موت المورث عند الزوال ثابت بالوجدان، و عدم موت الوارث في هذه الساعة الزوالية ثابت بالأصل، فيتم الموضوع بجزأيه اللذين اجتمعا زمانا بصرف النظر عن عنوان تأخر موت الوارث و عنوان تقدم موت المورث.

و تسأل: لا ريب في أن معلوم التاريخ لا يجري فيه الأصل بالنسبة إلى أجزاء الزمن لأنه غير مشكوك من هذه الجهة، و ليس هذا محل الكلام، و إنما محل البحث في ان هذا الحادث الذي علمنا بتاريخ حدوثه هل وجد قبل مجهول التاريخ أو معه أو بعده؟ و مجرد العلم بتاريخ الحدوث لا يرفع الجهل بذلك، و عليه يجري الاستصحاب في معلوم التاريخ تماما كما يجري في مجهول التاريخ على حد سواء لمكان الجهل بحالهما معا من حيث التقارن و التقدم و التأخر؟.

الجواب:

أجل، ان العلم بتاريخ أحدهما لا يرفع الشك في تقدم المعلوم على المجهول‏

387

أو تأخره عنه أو مقارنته له في الوجود، و لكن هذا الشك غير مسبوق بيقين، فنحن منذ البداية نشك في التقدم و التأخر و التقارن، و لا نعلم بواحد منها، فكيف نستصحب؟ و بكلام آخر ان معلوم التاريخ من حيث الزمن لا يجري فيه الاستصحاب لعدم الشك، و من حيث التقدم أو التأخر أيضا لا يجري الاستصحاب فيه حيث لا يقين.

و الخلاصة ان الاصل عدم العروض و الحدوث مع الشك في عروض العارض و حدوث الحادث، و أيضا الأصل تأخر الحادث بمعنى ترتب الأثر على عدمه إلى زمن العلم بوجوده لا بمعنى تأخره إلى هذا الزمن، و أيضا يتساقط الأصلان مع الجهل بتاريخهما معا، أما مع العلم بتاريخ أحدهما فالاصل يجري في المجهول دون المعلوم، و الشرط الاساسي في جريان كل أصل وجود الأثر الشرعي، و لا أصل للذي لا أثر له و لا نفع أيا كان و يكون.

التنبيه الثامن بين العام الزماني و الاستصحاب‏

لا مكان للاستصحاب مع أي عموم أو اطلاق من نصوص الكتاب و السنة كي يحدث التعارض و التنافر تماما كغيره من الاصول العملية ما في ذلك ريب أو خلاف، و لكن هناك بعض الموارد فيها جهتان يظن مع إحداهما أن هذا المورد من موضوعات الاستصحاب و مسائله، و توهم الثانية أنه من افراد العام و مصاديقه، و من ذلك على سبيل المثال- أن يقول من تجب طاعته: أكرم العلماء في كل يوم، ثم يقول: لا تكرم زيدا العالم إذا دخل دار بكر، فدخل هذه الدار و خرج منها، و شك المكلف: هل يحرم عليه إكرام زيد العالم تحريما مطلقا بمجرد دخول الدار بحيث يبقى التحريم بعد الخروج كما كان حين المكوث، لأن علة التحريم صرف الوجود؛ أو يحرم إكرامه ما دام في الدار فقط، لأن علة الحكم نفس المكوث و استمراره؟ فهل يستصحب التحريم بعد الخروج، أو يتمسك بعموم أكرم العلماء؟ و هذا المثال لمجرد التمهيد.

388

محل البحث‏

و محل البحث فيما إذا ورد عام فيه إطلاق و شمول لكل الأزمنة، ثم ورد خاص و أخرج زمانا معينا منها و لا عموم في هذا الخاص لغير الفرد المعين، بل هو مهمل و مجمل بالنسبة الى سواه، و شككنا في حكم الزمان التالي بلا فاصل للوقت الذي خرج عن العموم، فما ذا نصنع؟ هل نلحق هذا الفرد المشكوك بحكم الخاص عملا بالاستصحاب، أو نلحقه بحكم العام تمسّكا بدلالته و شمولها؟ و مثال ذلك قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» فكلمة العقود لعموم أفراد العقد، و كلمة أوفوا لوجوب الوفاء المطلق في كل حال و زمان، و معنى مجموع الكلمتين يجب الوفاء بكل عقد في كل حال و زمان.

ثم قام الإجماع على أن المتعاقدين إذا عقدا صفقة فيها غبن على أحدهما فللمغبون خيار الرد في الجملة، فخرج الخيار الفوري عن العموم الزماني قطعا، و شككنا في الزمن التالي له المعبر عنه بالتراخي: هل يثبت فيه الخيار للمغبون عملا بالاستصحاب، أو لا يثبت تمسكا بعموم اوفوا بالعقود الشامل لكل زمان، و منها زمن التراخي المشكوك. هذا هو محل البحث هنا.

رأي الأنصاري‏

قال الأنصاري: لا نتمسك بالعام مطلقا و في كل مورد، و أيضا لا نعمل بالاستصحاب مطلقا كذلك، بل ننظر إلى دليل العام، فإذا استفدنا منه أن الشارع أنشأ حكمه على كل فرد من الزمن، و اعتبره جزئيا من جزئيات العام بحيث يكون فردا له مستقلا بذاته و بحكمه عن أي فرد آخر، لأن حكم الشارع هنا ينحل إلى أحكام بعدد الأزمنة تماما كأيام شهر رمضان لا كيوم واحد و أجزائه- إذا كان الأمر كذلك و شككنا في فرد من الزمن وجب التمسك بعموم العام لإدخال المشكوك حيث يكون الشك، و هذي هي الحال، شكا في التخصيص الزائد على القدر المتيقن.

و لا يصح استصحاب حكم الزمن السابق إلى الزمن اللاحق لأن هذين الزمانين فردان متغايران و موضوعان مختلفان، و الشرط الأساسي في الاستصحاب وحدة

389

الموضوع. و إذا تعذر التمسك بالعام لسبب أو لآخر وجب الرجوع إلى الأصول العملية غير الاستصحاب.

و مثّل الأنصاري لهذا الفرض بأكرم العلماء في كل يوم، و لا تكرم زيدا في يوم الجمعة، فالأمر هنا بإكرام العلماء ينحل إلى أوامر بعدد أيام العمر، خرج منها يقينا يوم الجمعة بالنسبة إلى اكرام زيد فيقتصر عليه، و ندخل السبت المشكوك تحت العام، و لا يسوغ ان نستصحب التحريم من الجمعة إلى السبت لتعدد الموضوع كما أشرنا.

و إذا استفدنا من دليل العام أن الشارع أنشأ حكما واحدا فقط مستمرا حتى نهاية العمر لا أحكاما متعددة بتعدد الأفراد- فلا يجوز التمسك بالعام لإدخال الزمن المشكوك تحته، لأن الأزمنة هنا ليست افرادا لعامّ و لا جزئيات و مصاديق، بل الزمن بكامله مصداق واحد و ظرف واحد لحكم واحد، و عليه يتعين العمل بالاستصحاب لوحدة الحكم و الموضوع، و إذا تعذر الاستصحاب لسبب من الأسباب وجب الرجوع إلى غيره من الاصول، و لا يجوز الرجوع إلى العام بحال.

في ظني و معرفتي‏

و على أية حال فإن أكثر الأدلة الشرعية تثبت الأحكام لمتعلقاتها و كفى، اما الدوام و الاستمرار لكل حال و زمان فنستفيده من دليل الاطلاق و مقدمات الحكمة، و من مناسبة الحكم لموضوعه أحيانا، و من الفرار من اللغو و العبث في قول الحكيم العليم، و من العقل و فطرة اللّه التي فطر الناس عليها.

و هكذا الشأن في كل اطلاق و عموم علمنا بخروج بعض أفراده منه في الجملة، فلا يسوغ لنا التمسك به في كل ما يعود إلى الخارج عنه جملة لا تفصيلا، و لا تنحصر أسباب الإجمال و الإهمال بالشبهة المصداقية و لا بما قاله العلماء في كتبهم، فليس كل العلم و كل الفقه في أقوالهم، و ربما كان لاطمئنان النفس بظهور اللفظ بعض الأثر.

390

التنبيه التاسع استصحاب وجوب الباقي‏

إذا تعذر جزء من أجزاء الواجب المركب أو شرط من شروطه، فهل الأصول و القواعد- بصرف النظر عن الدليل الخاص- تستدعي سقوط الوجوب عن البقية الباقية، أو يبقى كما كان قبل العجز؟ و مثاله أن يعجز المكلف عن الساتر في الصلاة أو عن القيام حال القراءة، فهل يجب عليه أن يصلي عاريا و بلا قيام؟.

قال بعضهم: يجب الإتيان بالبقية الباقية عملا بالاستصحاب حيث كنا على يقين من وجوبها قبل العجز عن غيرها، و بعده نشك فنمضي على اليقين السابق، و لا ننقضه بالشك.

و أجابوا هذا المستصحب بالعديد من الأجوبة، نلخص بعضها بأن وجوب الأجزاء و الشروط، منضمة متشابكة بعضها مع بعض- غير وجوبها منفردة متباعدة.

و معنى هذا أن الوجوب الأول الثابت باليقين حال الانضمام و قبل العجز قد ارتفع يقينا، و الوجوب الجديد حال الانفراد و بعد العجز مشكوك منذ البداية فينفى بالأصل.

و أقرب الأقوال إلى الصواب صناعة أن ننظر إلى دليل الجزء أو الشرط المتعذر، فإن كان واجبا مطلقا من غير قيد بحال القدرة و الاختيار سقط وجوب الباقي حيث لا كلّ بلا جزء و لا مشروط بلا شرط، و من ذلك تعذّر الطهورين في الصلاة لقوله (ص): «لا صلاة إلا بطهور» و عليه فمن فقد الماء و التراب لا تجب عليه الصلاة.

و ان كان الجزء أو الشرط المتعذر واجبا مقيدا بحال القدرة كالقيام في الصلاة- وجب الباقي من غير شك.

و رب قائل: هذا واضح و سليم بلا ريب و جدال، و لكنه ليس محل الكلام، و انما البحث فيما إذا جهلنا هوية الجزء أو الشرط من حيث القيد و الاطلاق، و لا ندري من أي النوعين هو؟.

391

الجواب:

كلامنا السابق كان ضد الاستصحاب و المستصحب، و انه لا يصح بحال سواء أ كان وجوب الجزء مطلقا أما مقيدا، و أم الجواب عن حال الشك في نوع الجزء أو الشرط فقد ذكرناه في أثناء الكلام عن الاستصحاب و بيّنّا أن الشك في وجوب البقية الباقية هو شك في وجوب جديد و حدوثه، و الأصل فيه البراءة.

و لا مجال هنا لقاعدة الاحتياط و الاشتغال بعد أن فرضنا أن الواجب الأول و الأصيل متعذر للعجز عن بعض ما يعتبر فيه من جزء أو شرط، و عليه فلا يقين بالتكليف و اشتغال الذمة به حتى يستدعي اليقين بالفراغ و الخروج عن العهدة.

و أيضا لا سبيل إلى القول بأن الجزء أو الشرط المتعذر يعد في نظر العرف من حالات المأمور به و أوصافه العارضة لا من أركانه و مقوماته، و عليه يكون المتيقن و المشكوك واحدا فيجري الاستصحاب، أبدا لا سبيل إلى ذلك لأن المرجع الوحيد في معرفة المركبات الشرعية و تشخيصها هو صاحب الشرع و الشريعة، و ليس الناس و أهل العرف.

التنبيه العاشر المراد باليقين و الشك‏

تكررت كلمتا اليقين و الشك في أخبار الاستصحاب، فاقتضت الحال بيان المراد منهما، و مهما كان معنى الشك في اللغة و العرف فإن المقصود منه في الأخبار ضد اليقين، فيشمل الظن غير المعتبر شرعا، و قول الإمام (ع): «لا ينقض اليقين بالشك، و لكن ينقضه بيقين آخر» صريح في ذلك حيث جعل الشك في مقابل اليقين، و لا يجتمع يقين مع احتمال راجحا كان أو مرجوحا، و مثله في الدلالة قوله: «لا ينقض اليقين إلا باليقين» لأن هذا الحصر يدل على أن الظن بحكم الشك من حيث حرمة النقض بهما .. هذا بالإضافة إلى الاجماع القطعي قولا و عملا.

و المراد باليقين كل ما يكشف عن الواقع و يعبر عنه بطريق سليم كالعلم‏

392

التفصيلي أو الظن المعتبر، أو العلم الاجمالي حيث لا يجري الاستصحاب في مورده أو يجري و يسقط بالمعارضة، و النتيجة في الحالين بمنزلة سواء.

و تسأل: الشك ينقض اليقين و يزيله من الأساس فضلا عن الظن، فكيف ينهى الإمام (ع) عما ليس بالاختيار؟.

الجواب:

المراد بعدم النقض في الاخبار البقاء على حكم اليقين و آثاره حتى مع الظن و الشك، و بقول أجمع إن اليقين يؤدي وظيفته تعبدا مهما اعترضته من شكوك و ظنون حتى يأتي الكفؤ و الند، و لا يهتم اطلاقا بالاشباح و الاقزام.

393

من ذيول الاستصحاب‏

نبحث في هذا الفصل حول أمور ثلاثة: الأول حول بقاء الموضوع و وحدته.

الثاني حول معيار هذه الوحدة و المرجع لمعرفتها. الثالث في بيان كيف تقدم الدليل على أصل الاستصحاب؟.

بقاء الموضوع‏

لا بد من بقاء الموضوع في الاستصحاب بمعنى أن يقع اليقين و الشك على شي‏ء واحد موضوعا و محمولا و نسبة، و لا فرق إلا في أن اليقين تعلق بالحدوث، و الشك تعلّق بالبقاء، مثلا- إذا أيقنت بعدالة زيد تقول: زيد عادل يقينا، فإذا عرض لك الشك في عدالته بعد اليقين و استصحبتها تقول: زيد عادل تعبدا من الشارع، فالموضوع في القضيتين: المتيقنة و المشكوكة واحد، و هو زيد، و المحمول فيهما واحد، و هو العدالة، و وحدتهما تعني وحدة النسبة.

و السبب الموجب لاشتراط هذه الوحدة في الاستصحاب هو ان تصدق الكبرى الشرعية «لا تنقض اليقين بالشك» على أمور الاستصحاب.

المعيار لوحدة الموضوع‏

قبل كل شي‏ء نشير الى الفروض و الموارد الخارجة عما نحن بصدده خشية الوهم و الخلط، و هي:

394

1- ان يجري الاستصحاب في الحكم و موضوعه معا على أن يكون السبب الموجب للشك في بقاء الحكم لا يمت بصلة إلى الشك في بقاء الموضوع، بل هو شي‏ء آخر، و مثاله أن نعلم بإسلام زيد قبل غيابه، و بعد هجرته إلى أوروبا سمعنا عنه ما يوجب الريب في إسلامه، و في الوقت نفسه شككنا في حياته إلى الآن، فسبب الشك في إسلامه سمعة السوء، و سبب الشك في حياته شي‏ء آخر، فنجري الاستصحاب في الموضوع و هو الحياة لليقين السابق و الشك اللاحق، و نجريه أيضا في الحكم و هو الإسلام على تقدير الحياة، بل يسوغ هذا الاستصحاب حتى مع العلم بموت زيد، و نثبت أنه مات على الاسلام، و نرتب عليه جميع آثاره.

2- أن لا يجري الاستصحاب في الحكم و لا في موضوعه، و ذلك إذا شككنا في الحكم بسبب الشك في موضوعه المردد بين ما هو مرتفع قطعا، و بين ما هو باق يقينا، و مثاله أن ينقلب الخمر خلا، و لا ندري: هل موضوع التحريم هو صورة الخمر و مظهره كي يحل بهذا الانقلاب، أو هو ذات الخمر و عنصره كي يبقى على التحريم، و لا يجري الاستصحاب هنا في الحكم، للشك في موضوعه و عدم احرازه، و لا فرع بلا أصل، أو بكلمة أطول «ان ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له». و أيضا لا يجري الاستصحاب في الموضوع لعدم اليقين السابق بعد الفرض أنه مردد بين أمرين: أحدهما معلوم الارتفاع، و الثاني معلوم البقاء.

3- ان يجري الاستصحاب في الموضوع دون الحكم، و ذلك بأن تشك في بقاء الحكم للشك في بقاء موضوعه المعين و المعلوم سابقا بالتفصيل، فيجري الأصل في الموضوع دون الحكم، لأن نسبة الموضوع إلى الحكم كنسبة السبب الى المسبّب و الاصل في السبب حاكم على الأصل في المسبب و مقدم عليه، و متى وجد السبب وجد المسبب حتما، و عليه يكون استصحابه تحصيلا للحاصل، و مثاله أن نتوضأ بماء مشكوك الطهارة بعد العلم بها، و استصحاب طهارة الماء يستدعي صحة الوضوء، فنقدم استصحاب طهارة الماء لأنها السبب الموجب لصحة الوضوء.

4- ان يجري الاستصحاب في الحكم فقط للعلم بالموضوع، كالشك في نسخ المتعة المعلومة بعد اليقين بجوازها، فنستصحب بقاء الجواز و عدم النسخ.

395

و الخلاصة ان الاستصحاب قد يجري في الحكم و موضوعه معا كمثال الشك في إسلام زيد و حياته، و قد لا يجري فيهما معا كالشك في الحكم للشك في موضوعه المردد بين أمرين، و قد يجري في الموضوع دون الحكم كالشك في الحكم المسبب عن الشك في بقاء موضوعه المعين، و قد يجري في الحكم دون الموضوع.

و في جميع الحالات قد تكون وحدة الموضوع في القضيتين واضحة ظاهرة لا تحتاج إلى مقياس و معيار، و لا كلام لنا في ذلك، و إنما محل البحث هنا فيما لو شككنا في هذه الوحدة لذهاب صفة من صفات موضوع الحكم، أو عروض صفة جديدة عليه كالمجتهد العادل الذي قلّدته العوام في أمور دينها: ثم صار ضريرا بعد أن كان بصيرا، أو غنيا بعد أن كان فقيرا، و شككنا في جواز البقاء على تقليده للشك في أن هذا الطارئ العارض: هل غيّر موضوع الحكم و جعله متعددا بعد أن كان واحدا؟.

إذا حدث شي‏ء من ذلك فبأيّ شي‏ء نميّز وحدة الموضوع في القضيتين عن تعدده؟ و ما هو المعيار الذي يدلنا على ذلك؟. هل هو العقل أو الشرع أو العرف؟. هذا هو محل البحث و الكلام.

ليس من شك ان ميدان العقل هو العلم و الفلسفة و الموضوعات الرياضية، و لا شأن له باللغة و موضوعاتها و الألفاظ و مسمياتها، و اما الشرع فبيانه هو المعتمد الأول إن وجد و إلا رجعنا إلى العرف، فأيّ مورد تكون القضية المشكوكة هي عين القضية المتيقنة في نظرهم- جرى الاستصحاب، حتى مع الاحتمال المعاكس، إلا ان يدل دليل من الشرع على الخلاف، لأن الشارع خاطب الناس بلغتهم، و ترك تحديد أغراضه و مقاصده إلى ما يفهمونه من ظاهر كلامه، و لو أراد غير الظاهر العرفي لوجب عليه التعريف و البيان بمنطق الحكمة و بديهة العقل.

و هذه الحقيقة لا تقبل الجدال و النقاش، و من هنا شاع في حوار العلماء و الطلاب «ان الأحكام تتبع الأسماء، و تدور مدارها وجودا و عدما» و معنى هذه الجملة أن الأحكام تتعلق بالمعاني و المسميات العرفية، و لا صلة لها بالمختبرات العلمية و الدقة العقلية- مثلا- إذا قال الشارع: «و أنزلنا من السماء ماء طهورا» ثم تغير طعم هذا الماء بطول المكث، أو لونه بما تحمله اليه الريح من أوراق الشجر و غيرها- قالوا: هذا الماء الذي أنزله اللّه من السماء صار كدرا بعد أن كان‏

396

صافيا، و بهذا نعلم بوحدة الموضوع، و نستصحب إذا عرض الشك في حكم من أحكام الماء المطلق.

و إذا تشكك العرف و تردد في وحدة الموضوع وجب قبل كل شي‏ء النظر و التدقيق في دليل الحكم، فإن استفدنا منه ما يرفع الإبهام فذاك و إلا رجعنا إلى إلى الاصول العملية و عملنا بموجبها.

و في التنبيه السابع من تنبيهات الاستصحاب فقرة الواسطة الخفية أشرنا إلى أن العرف حجة متبعة في تشخيص مفاهيم الألفاظ لا في تطبيقها على المصاديق.

و بعد، فإن دليل الاستصحاب يقول: «لا تنقض اليقين بالشك، و أبق ما كان على ما كان» و لا اصطلاح للشارع في معنى النقض و لا في معنى البقاء، و عليه فكل مورد يراه العرف نقضا لليقين بالشك و عدم المضي و الثبات على ما كان فهو مورد للاستصحاب، و كل مورد لا يراه العرف كذلك فهو أجنبي عن الاستصحاب، و كل مورد يتردد العرف في صدق النقض و الإبقاء ينظر أولا إلى دليل الحكم، فإن كان فيه بيان لهذه الجهة عملنا بموجبه و إلا فالمرجع هو الاصول العملية.

الوجه في تقديم الدليل على الأصل‏

لا تصادم و تنافر بين الاصول العملية بما فيها الاستصحاب، و بين الاجماع القطعي و النصوص الشرعية العامة و الخاصة، لأن هذه مقدمة على تلك لكشفها عن الحكم الواقعي، أما الأصول العملية فلا كشف فيها و لا لسان لها، و إنما هي ملجأ لمن لا هادي له و لا دليل، و من هنا اتفق الجميع على أن الشرط الأساسي للعمل بالأصل، أي أصل، هو الفحص و اليأس من العثور على الدليل. و سبقت الاشارة إلى ذلك في فصل من ذيول الاحتياط و البراءة، فقرة: لا بد من الفحص في الشبهة الحكمية.

و هنا كلام و أقوال لا تزيد الفقيه فطنة و تبصرة في مقام العمل و ردّ الفرع إلى الأصل!. و تدور هذه الأقوال حول الوجه في تقديم الدليل على الأصل، و هل هو التخصيص أو التخصص أو الورود أو الحكومة؟.

397

التخصص و التخصيص و الورود و الحكومة

و معنى التخصيص أن الخاص يصرف العام عن عمومه و يخرج منه بعض أفراده حكما لا موضوعا، فأكرم العلماء يشمل الجميع، و لا تكرم فسقتهم يخرج كل فاسق منهم عن وجوب الاكرام، و لا يخرجه عن حوزة العلم و العلماء.

و معنى التخصص تقابل الأمرين ظاهرا و واقعا، و خروج كل عن الآخر موضوعا كتقابل العالم و الجاهل.

و معنى الورود أن يرفع الدليل موضوع الأصل وجدانا، و لكن بواسطة التعبد الشرعي، و مثاله حكم العقل بدفع الضرر الأخروي و ان كان محتملا، فيأتي دليل من الشرع و يقول: رفع عن امتي ما لا يعلمون، فيلغي احتمال الضرر الأخروي في الشبهة الحكمية الابتدائية، و لا يبقي هذا الدليل الشرعي لحكم العقل من موضوع.

و معنى الحكومة عند الأنصاري أن ينظر الدليل الحاكم إلى الدليل المحكوم، و يفسر المراد منه باخراج بعض ما دخل في مدلوله، أو بادخال بعض ما هو خارج عنه، و مثال الإخراج حكومة «لا ضرر» على أدلة الأحكام العامة.

انظر فصل حول لا ضرر و لا حرج. و مثال الإدخال قول الشارع: مداد العلماء كدماء الشهداء، فانه يوسع مفهوم الشهيد، و يدخل فيه العالم المؤلف شريطة أن يكون عمله لوجه اللّه تعالى.

و الفرق بين هذه الأربعة أن التخصيص يسلب ظهور العام و حكمه الخاص ان كان المخصص موصولا، و يسلب الحكم عنه دون الظهور ان كان مفصولا، اما الحكومة فتحدد موضوع الحاكم بادخال بعض ما خرج أو اخراج بعض ما دخل فيه ادعاء و تنزيلا، و لا تمس ظهوره من قريب أو بعيد، اما التخصص فخروج كل من موضوع الدليلين عن الآخر تكوينا لا تنزيلا من الشارع. و في الورود تنزيلا منه و القصد من التنبيه إلى هذه الأقسام هو رفع الاشتباه عما يظن أن بين الحاكم و المحكوم، و بين الوارد و المورد معارضة و مناطحة ثم ترجيح القوي على الضعيف، و الظاهر على الأظهر مع أنه لا معارضة اطلاقا بين الحاكم و المحكوم و الوارد و المورد كي تجري هذه العملية تماما كما هي الحال في التخصيص و التخصص.

398

و لمناسبة الكلام عن التخصص و التخصيص و الورود و الحكومة نختم هذا الفصل باشارة سريعة إلى القرعة و نسبتها إلى الأصول الأربعة: البراءة و التخيير و الاحتياط و الاستصحاب.

مدرك القرعة

روي عن طريق الشيعة «كل مجهول فيه القرعة». و نقل بعض الفضلاء عن كتب السنة روايتين: الأولى «القرعة لكل أمر مشتبه»، الثانية «القرعة لكل أمر مشكل». و ليس من شك أن تشريع القرعة من حيث هي و بصرف النظر عن التفاصيل- ثابت في الشريعة الاسلامية. و قد اشتهر أن النبي (ص) كان إذا سافر أقرع بين نسائه.

موضوع القرعة

كل من قال بالقرعة صرح بأنها لا تعارض الأدلة الشرعية، و لا تثبت حكما شرعيا عند عدم الدليل و لو في الظاهر، و ان كلمة «كل» في رواياتها لا يمكن أن يراد بها العموم و الشمول و إلا محيت الشريعة و محق الدين.

و الثابت باليقين من موردها و العمل بها أن تتوافر فيه هذه الشروط (1) أن يكون المشتبه من الموضوعات الخارجية لا من الشبهات الحكمية كالشاة الموطوءة المرددة بين عشرات الشياه (2) ان تدعو الحاجة الضاغطة إلى تعيين المشتبه و تمييزه (3) ان لا نجد غير القرعة من دليل أو أصل للخروج من المأزق تماما كأكل الميتة للمضطر (4) ان يعمل الفقهاء أو جماعة منهم- على الأقل- بها في المورد الذي نجري فيه القرعة بالذات.

فإذا فقد شرط واحد من هذه الأربعة فالأولى بالفقيه المتقي ان يحجم عن القرعة.

القرعة و الأصول الاربعة

الشرط الثالث لوحده كاف واف في تقديم كل أصل على القرعة، و لكن نتغاضى‏

399

عنه، و نشير إلى ان التقابل بين البراءة و القرعة في الشبهة الموضوعية، أشبه بالتقابل بين الضدين لأن موضوع البراءة واحد كالجهل بأن هذا الشراب الخاص:

هل هو خمر أو خل، و موضوع القرعة متعدد كالشاة الموطوءة المرددة بين العديد من الشياه، و كالمرأة المطلقة المرددة بين زوجتين أو زوجات، و عليه فلا مجال للنسبة و المقاربة بين البراءة و القرعة من حيث التقديم و التأخير. و مثل البراءة تماما التخيير، فإن موضوعه واحد و معلوم أيضا، و حكمه مردد بين الحرمة و الوجوب، انظر فصل التخيير.

أما موضوع الاحتياط و الاشتغال فإنه يلتقي مع موضوع القرعة في العدد و التردد بين اثنين أو أكثر، و لكن الشرط الأساسي في القرعة الحاجة الضاغطة الى التمييز و التعيين كما سبقت الاشارة، و أصل الاشتغال في حل من هذا الشرط.

أما الاستصحاب فهو رافع لموضوع القرعة و وارد عليها لأنها للمجهول و المشتبه، و الاستصحاب يحرز الموضوع و يثبته و يلغي الاشتباه و الجهل به. و بكلمة: الثابت بالاستصحاب كالثابت بالعيان تعبدا و من حيث الأحكام و الآثار، و عليه فلا مجال معه للقرعة.

400

حول اليد

اليد أمارة

المراد باليد هنا الاستيلاء و السيطرة على العين منقولة كانت أم ثابتة، و هي أمارة لا أصل، لأنها تكشف عن الملك في نظر العرف و أهله، شريطة الجهل بحالها و عدم العلم بأنها أمانة أو عارية أو وكالة أو غاصبة أو اجارة، و سبق أكثر من مرة أنه لا كشف في الأصل و لا حكاية، و من هنا تقدم اليد على الاستصحاب و غيره من الاصول، شأنها في ذلك شأن سائر الأمارات، و أقر الشارع هذا الكشف و امضاه بالعديد من الروايات.

منها أو من أهمها رواية حفص بن غياث، فقد سأل الإمام الصادق (ع) بقوله: إذا رأيت شيئا في يد رجل أ يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال الإمام:

نعم. فقال حفص: أشهد بأنه في يده، و لا أشهد بأنه له فلعله لغيره. فقال الإمام: أ يحل الشراء منه؟ قال حفص: نعم. قال الإمام: لعله لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه، و تصيره ملكا لك، ثم تقول بعد الملك: هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه لمن صار ملكه، و انتقل منه اليك! .. و لو لم يجز ذلك ما قام للمسلمين سوق.

و نقف عند فقرتين من هذه الرواية: الاولى «تصيره ملكا لك و تحلف عليه» فقد أشار الإمام بذلك إلى أن ملك البائع أصل، و ملك المشتري فرع،

401

فإذا تصرف المشتري في سلعة ابتاعها من صاحب اليد تصرف المالك في ملكه فعليه بطبيعة الحال أن يعامل صاحب اليد معاملة المالك لما في يده و إلا بطل تصرفه هو في السلعة و ناقض نفسه بنفسه.

اما الفقرة الثانية فهي: «و لو لم يجز ذلك ما قام للمسلمين سوق» فإن هذا التعليل إمضاء متين و صريح لما عليه الناس، يستمد قوته و متانته من صميم الحياة و نظامها و قوامها، و منه نستكشف أن اليد أمارة حيث لا تعبّد و عبودية في طريقة أهل العرف، بل لا بد من سبب معقول و مقبول، و لا سبب هنا نتصوره و نتعقله أقرب و أوثق من أن اليد تكشف عن الملكية. و مرة ثانية نقول بشرط الجهل بحالها و عدم العلم بأنها أمانة أو عارية أو غاصبة.

اليد عند التخاصم‏

اليد تشهد لصاحبها بأنه مالك لما في يده بشرطها و شروطها، فإن نازعه فيه منازع فعليه الاثبات، و لو عكسنا الأمر و كلفنا صاحب اليد بالاثبات لمهدنا السبيل إلى الفوضى، و تكثير دعاوى الزور، و احتاجت قرية صغيرة لعشرات القضاة.

أجل، تدل اليد على الملك بظاهر الحال، و هذا الظاهر قوي يطرح معه احتمال الخلاف في مقابل الأصل العملي، فإذا ادعى مدع على صاحب اليد و كان الأصل العملي معه فلا نتمسك بهذا الأصل، بل نسقطه، و نتمسك بظاهر اليد، و على المدعي أن يثبت دعواه بمثبت أقوى من ظاهر اليد، و المثبت الأقوى هنا إقرار صاحب اليد، و البيّنة العادلة.

استصحاب حال اليد

قلنا: ان اليد أمارة ظاهرة في الملك بشرط الجهل بحالها، فإذا علمنا بهذه الحال، و أن صاحب اليد كان قد استأجر أو اغتصب العين التي بيده و نحو ذلك من العارية و غيرها، ثم شككنا: هل انتقلت هذه العين بسبب مشروع الى صاحب اليد، إذا كان ذلك استصحبنا حال اليد و صفتها و أبقينا ما كان على ما كان‏

402

حتى يثبت العكس، و هذا الاستصحاب حاكم و مقدم على اليد تماما كما تحكم هي و تتقدم على الاستصحاب حين الجهل بحالها و سببها.

و إذا قال صاحب اليد للمدعي: كانت العين لك، و انتقلت منك إليّ بالشراء أو بالهبة، و أنكر المدعي ذلك- انقلبت الدعوى و صار المدعي منكرا، و المنكر مدعيا، و على صاحب اليد عب‏ء الاثبات بعد أن كان هذا العب‏ء على عاتق خصمه.

و لو قال صاحب اليد: ملكتها من فلان- غير المدعي- تبقى اليد على أمارتها و ظاهرها، و يبقى صاحب اليد على ملكه و سلطانه و لا ينقلب مدعيا لأنه أقر لغير طرف من أطراف الدعوى، و يبقى خصمه مدعيا و مسئولا عن الاثبات و اقامة البينة.

و تسأل: لنفترض أن صاحب اليد لم يقر بأن العين كانت للمدعي و لا لغريب عنه، بل أقر إلى مورث المدعي، كما لو قال له: ملكتها من أبيك، فهل تنقلب الدعوى و يصير صاحب اليد مدعيا، و يسقط ظهور يده عن الاعتبار؟.

الجواب:

كلا، حيث لا ملازمة بين الإقرار بأن العين كانت ملكا للمورث و بين الاقرار بأنها قد انتقلت بالارث حتما إلى الوارث إذ من الجائز أن تكون العين قد انتقلت من ملك المورث إلى غيره قبل موته، و انه مات و هي على غير ملكه، و لا يمكن أن نثبت بالاستصحاب بقاء ملكه لها إلى حين الموت، لأن اليد حاكمة على الاستصحاب و رافعة لموضوعه، و أيضا لا مجال هنا لاستصحاب حال اليد من عارية و نحوها حيث لا علم سابق بهذه الحال كما هو الفرض، و إذن يبقى صاحب اليد على سلطانه و لا ينقلب مدعيا.

فدك و أبو بكر

و مما سبق يتبين معنا أن قول المعصومة لأبي بكر: ان أباها أنحلها فدكا- لا يسقط ظهور يدها في ملكية فدك حيث لا ملازمة بين أن يكون النبي (ص)

403

مالكا لفدك في آن من الآنات، و بين أن ينتقل إلى ربه و هو مالك لفدك، أبدا لا ملازمة هنا كي تنتقل فدك بالإرث من النبي إلى المسلمين أو إلى أبي بكر بوصفه وكيلا عنهم.

لقد كان على أبي بكر أن يقيم أولا و قبل كل شي‏ء البينة على ان النبي توفي مالكا لفدك و انها من جملة ما ترك، ثم يحتج على سيدة النساء فاطمة، و لكنه عكس الأمر و طلب البينة من صاحب اليد المالكة المتصرفة، طلب منها البينة لا لشي‏ء إلا لمجرد دعواه بأن ما تركه أبوها فهو صدقة!. و نحن نسلم- جدلا- بذلك، و لكن نتساءل: هل كان النبي (ص) يملك فدكا حين وفاته حتى يصدق عليها أنها من جملة ما ترك؟ كيف، و قد ذهب إلى ربه و فدك ليست في يده و لا في تصرفه، بل في يد السيدة المعصومة و في سلطانها و تصرفها باعتراف أبي بكر و جميع الصحابة.

و بعد، فإن حكاية المعصومة و فدك و أبي بكر تماما كحكاية والد وهب ولده دارا و سكنها الولد في حياة الوالد، و بعد موت الوالد جاء فلان الفلاني و قال للولد الساكن المتسلط: عليك أن تخلي الدار و تسلمني إياها لأن أباك قد أوصى لي بجميع ما ترك، قال هذا دون أن يثبت أن الدار من جملة ما ترك الموصي! و مع التسليم بالوصية و صحتها هل يسوغ لعاقل وفاهم أن يقول للولد المتسلط عليك أن تسلم الدار للمدعي لأن أباك قد أوصى له بجميع ما ترك بعد العلم بأن أباه مات، و هذه الدار على غير ملكه، لأنها في يد غيره، و اليد تدل على الملك؟.

اليد و الوقف‏

قلنا: ان اليد أمارة على الملك مع الجهل بحالها، و انه مع العلم بالحال نستصحب هذه الحال المعلومة، و لا نأخذ باليد، و نشير هنا الى ان اليد قد تسقط عن الأمارة و الدلالة على الملك حتى مع الجهل بالحال السابقة، و ذلك فيما إذا استولت يد على عين نعلم بأنها- فيما مضى- كانت وقفا بلا ريب، و حين رأينا اليد عليها تساءلنا: هل عرض لهذه العين عارض جعلها قابلة و مؤهلة للملك‏

404

و النقل و الانتقال، و أن صاحب اليد استولى عليها بعد عروض السبب المشروع، أو ان العين ما زالت وقفا على هويتها الأولى، و ان صاحب اليد معتد أثيم؟.

فهذا المورد و أمثاله يجري فيه الاستصحاب، و لا أثر لليد إطلاقا.

و الدليل على ذلك ان اليد لا تدل على ملكية العين إلا بعد التثبت و اليقين بأنها قابلة و مؤهلة للملكية، و ليس من شك في أن هذه القابلية و الأهلية لا تثبت باليد، و لا تدل عليها من قريب أو بعيد، و إنما تثبت بسبب آخر لا يمت إلى اليد بصلة، و أي عاقل يستدل على وجود الموضوع في الخارج بدليل حكمه، و على بلوغ الغلام رشده بنفس العقد الذي أجراه مع آخر بالغ راشد؟.