علم أصول الفقه في ثوبه الجديد

- الشيخ محمد جواد مغنية المزيد...
456 /
405

قاعدة الفراغ و التجاوز

لمجرد التمهيد

قد يطلب منك أن تقوم بعمل معين، فتستجيب و تفعل، و بعد فراغك من العمل شككت و ترددت: هل أديت المطلوب بالكامل، أو ضيعت و قصرت في جزء أو شرط؟. إذا كان ذلك فما ذا تصنع؟ هل تستأنف العمل و تعيده من جديد، أو تمضي في شأنك و لا تلتفت تماما كما لو أيقنت و آمنت بصحة ما فعلت و سلامته. هذا هو موضوع قاعدة الفراغ التي تقول: امض و لا تعتدّ بشي‏ء من هذا النوع من الشك.

أما موضوع قاعدة التجاوز فهو أن تشك و أنت في أثناء العمل: هل ذهلت عن بعض ما يعتبر فيه بعد أن تجاوزت محله المقرر له، كما لو شككت في الركوع بعد الدخول في السجود.

هذه صورة مجملة، و لمحة خاطفة عن قاعدة الفراغ و التجاوز، مهدنا بها ليكون القارئ الغريب عن هذا الفن على شي‏ء من فهم ما يقرأ، و ان كان في هذا التمهيد ثغرة يجب أن تسد أو شرط ينبغي أن يضاف فالحديث الآتي فيه تبيان ما لا بد من بيانه.

أصل لا أمارة

قيل: ان قاعدة الفراغ و التجاوز أمارة لا أصل، لأن العاقل إذا أراد و عزم‏

406

على فعل شي‏ء يتضمن العديد من الحركات المتنوعة و باشره- فلا ينصرف عنه إلا بعد تمامه و إكماله على الوجه المطلوب، و هذه الحال تدل بظاهرها على أن الفاعل قد أتى بكل ما قصد الإتيان به. و يعزز ذلك- ما زلنا نتكلم بلسان القيل- قول الإمام (ع): «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» فإنه يومئ إلى ان هذه القاعدة أمارة لا أصل حيث اعتبر من يباشر أي عمل من الأعمال ذاكرا ملتفتا إلى ما قصد و أراد، و لا شك أن هذه الحال ظاهرة في أن الفاعل ما ترك شيئا من أهدافه و مقاصده. هذا كل ما يملكه القائلون بالأمارة.

أما نحن فلم يتضح لدينا الوجه السليم لهذا القول لأن الفرق الأساسي بين الأمارة و الأصل أن الأمارة فيها جهة كاشفة دون الأصل، و الكشف يدرك بالحس و التبادر لا بالفلسفات و النظريات و نحن لم ندرك هذا الكشف بأي سبيل فكيف نؤمن به، أما قول الإمام (ع): «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» فلعله اشارة إلى أصل عدم النسيان، أو أي شي‏ء آخر غير الكشف و الظهور، هذا إلى أن الشارع بما هو شارع قد يتمم الكشف و يكمل ما فيه من نقص، اما أن يوجده و يخترعه فلا. و عليه فالأقرب أن هذه القاعدة أصل لا أمارة. و ان قال قائل: ان الشارع هنا اكمل الكشف الموجود لا إنه أوجد الكشف من عدم- أعدنا القول مرة ثانية: لم يتضح لنا هذا الكشف.

و على جميع الأقوال و الأحوال فإن هذه القاعدة مقدمة على الاستصحاب بالاتفاق لأن دليلها أخص من دليله، و مورده أعم من موردها، و لو تقدم هو عليها لوجب طرحها و اهمالها من الأساس، و لم يبق لها من مورد و موضوع.

مدرك القاعدة

حاول بعض الفضلاء أن يرجع هذه القاعدة إلى بناء العقلاء، و أن الشارع رضي و أمضى ما تبنّوه و فعلوه. و الحق أن المدرك هو الضرورة المذهبية، و ان كان هناك بين الفقهاء من خلاف فهو في التطبيق و الجزئيات لا في المبدأ و الفكرة.

و السبب الأول لهذه الضرورة النصوص الصحيحة الصريحة عن الآل الأطهار (ع).

و منها ما يلي:

«إذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء .. إن شك‏

407

في الركوع بعد ما سجد فليمض، و ان شك في السجود بعد ما قام فليمض، كل شي‏ء شك فيه، و قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه .. كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو .. إذا شككت في الوضوء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء، انما الشك في شي‏ء لم تجزه .. كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فأمضه كما هو .. و عن رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ منه قال الإمام: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك».

و بعد أن اتفق علماؤنا على العمل بهذه الأخبار اختلفوا: هل يستفاد منها قاعدة واحدة أو قاعدتان؟ و أيضا اختلفوا حول المراد من بعض محتوياتها و مفرداتها كلفظ الشي‏ء، و المحل، و الدخول بالغير، و كلمة الشك و نحو ذلك مما نشير اليه فيما يلي:

قاعدة أو قاعدتان؟

هل يستفاد من أخبار هذا الباب قاعدة واحدة تسمى باسم مركب من الفراغ و التجاوز، أو قاعدتان تستقل كل منهما عن الثانية معنى و مبنى إحداهما تسمى قاعدة الفراغ، و الثانية قاعدة التجاوز؟.

الجواب:

لا بد أولا و قبل كل شي‏ء من النظر إلى موارد الأخبار و تتبعها بالكامل، و هي لا تخلو من أحد فروض ثلاثة:

1- أن تكون جميع مواردها من نوع واحد كالشك في أصل وجود الشي‏ء من حيث هو لا في صحة الشي‏ء المفروض وجوده بالفعل، و عليه يكون المستفاد من الأخبار قاعدة واحدة هي قاعدة التجاوز عن المحل.

2- أن تكون جميع الموارد أيضا على نسق واحد، و لكن الشك تعلق بصحة الشي‏ء الموجود بالفعل لا بأصل وجوده من حيث هو، و عليه يكون المستفاد منها أيضا قاعدة واحدة هي قاعدة الفراغ.

3- أن تكون موارد الأخبار من النوعين لا من نوع واحد، بعضها مورده الشك في أصل الوجود، و بعضها الآخر في صحة الشي‏ء الموجود، فيكون المستفاد من الأخبار قاعدتان: الاولى قاعدة الفراغ، و الثانية قاعدة التجاوز.

408

و إذا رجعنا إلى الأخبار و نظرنا اليها على هذا الأساس، وجدنا مورد البعض منها الشك في صحة الشي‏ء الموجود كقول الإمام (ع): كل ما مضى من صلاتك و طهورك فأمضه. و قوله: كلما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو. و أيضا وجدنا مورد البعض منها الشك في أصل الوجود من حيث هو كقول الإمام:

إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما.

و عليه فلا مناص من القول بوجود قاعدتين: احداهما قاعدة الفراغ، و محلها الشك في صحة العمل بعد الفراغ منه، و الثانية قاعدة التجاوز، و محلها الشك في أصل وجود الشي‏ء بعد الخروج من محله المقرر و الدخول في غيره، و قد تلتقي القاعدتان على صعيد واحد، و ذلك اذا فرغ المكلف من عمل مركب، و شك في إخلاله ببعض الشروط و الأجزاء.

و تسأل: و أي مانع من القول بأن المستفاد من الأخبار قاعدة كلية لمفهوم عام و قدر مشترك بين النوعين؟.

و أجابوا عن ذلك بأنه لا قدر مشترك بينهما لمكان التغاير و التنافر بخاصة ان كلمة «في» في قول الإمام: «شككت فيه» حرف، و معاني الحروف جزئية لا كلية. قال الآشتياني هنا من جملة ما قال: «ان معاني الحروف آلية ربطية جزئية لا تجمع بين معنيين في اطلاق واحد».

و قال الأنصاري: يمكن إرجاع المعنيين إلى معنى واحد، و هو الشك في وجود الشي‏ء الصحيح الذي يشمل الشك في أصل الوجود، و الشك في صحة الموجود، و عبّر عن ذلك بأكثر من أسلوب، من ذلك قوله: «إن الشك في وصف الصحة للشي‏ء ملحق بالشك في أصل الشي‏ء». و في مكان آخر قال:

«إن الشك في صحة الشي‏ء المأتي به حكمه حكم الشك في الاتيان، بل هو هو لأن مرجعه إلى الشك في وجود الشي‏ء الصحيح».

و مهما يكن، فنحن مع ظاهر الأخبار الدال بصراحة على وجود قاعدتين لا قاعدة واحدة، لمكان التعدد و التنوع في مواردها. و سجلنا رأينا هذا في كتاب فقه الإمام جعفر الصادق (ع) منذ سنوات، و ما زلنا على هذا الرأي برغم دراسة الموضوع مرة ثانية بروية و عناية. و كل الآراء تحتمل الخطأ و الصواب، و أي عاقل أو عالم لا يتوقع الخطأ في أقواله و أفعاله؟

409

المحل‏

تكلموا هنا في تفسير المحل و ما هو المراد منه؟ مع العلم بأن هذه الكلمة لم ترد اطلاقا في أخبار القاعدة، و انما وردت كلمة الشك، و الفراغ، و المضي، و الدخول، و الخروج، و التجاوز، و لكن التجاوز عن الجزء المشكوك في إتيانه لا يكون أبدا بالتجاوز عنه بالذات لعدم احرازه، و انما يكون بالتجاوز عن محله، فاقتضى الواقع بيان المراد من المحل.

و من البديهي أن محل كل شي‏ء بحسبه، فمحل الفاتحة في الصلاة- مثلا- بعد تكبيرة الإحرام و قبل السورة، و محل القبول في العقد بعد الايجاب. قال الأنصاري: «محل الشي‏ء مرتبته المقررة له بحيث لو أتى به فيه لم يقع اختلال».

الدخول بالغير

هنا خلافان بين العلماء: الأول هل جاء ذكر الدخول بالغير في هذه الأخبار كغاية و شرط أصيل بحيث إذا تحقق معنى التجاوز و الفراغ عرفا بلا الدخول بالغير- لا يكفي و لا يسوغ الأخذ بالقاعدة إلا مع الدخول بالغير، أو أن الأخبار ذكرت هذا الدخول و اعتبرته كوسيلة لتحقيق مفهوم التجاوز و الفراغ، فإذا تحقق هذا المفهوم في نظر العرف بلا الدخول بالغير جرت القاعدة من دونه؟.

و الحق أن ذكر الدخول بالغير في الأخبار وسيلة لا غاية و لا امتياز له على الاطلاق إلا إذا كان محققا للفراغ و التجاوز عن المحل، فإذا وجدا من دون الدخول جرت القاعدة و صح العمل بها. و ليس من شك في أن الدخول بالغير يوجب العلم و اليقين بوجود الفراغ و التجاوز، و عليه فالأولى اعتباره بخاصة في العبادة من باب الحيطة في الدين.

الخلاف الثاني حدث في معنى الغير و المراد منه. و بما أن الشارع لا عرف له و لا اصطلاح في معنى الغير- وجب حمله على كل ما يراه العرف غيرا سواء أ كان من المستقلات أم من المقدمات. و من هنا قال بعض الفقهاء: «إذا شك في كلمة من الحمد، و قد دخل في كلمة أخرى فضلا عن الدخول في الآية أو السورة أو الهويّ إلى الركوع فقد تجاوز المحل، لإطلاق قول الإمام: «إذا خرجت‏

410

من شي‏ء و دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء» و الكلمة المشكوكة شي‏ء، و التي تليها غيرها، ما في ذلك ريب، و لكن كثيرا من الفقهاء ذهبوا إلى أن الفاتحة بكاملها فعل واحد، و قال آخر: الفاتحة و السورة فعل واحد!. و التحقيق في كتب الفقه الطوال.

الطهارات الثلاث‏

لا ريب و لا خلاف في أن قاعدة الفراغ تجري في الصلاة و الوضوء و الغسل و التيمم، و في كل عمل بعد الفراغ منه للإجماع و السيرة القطعية و للروايات الكثيرة، و منها ما رواه محمد بن مسلم: «كل ما شككت فيه مما قد مضى فأمضه كما هو ..

كل ما مضى من صلاتك و طهورك .. فأمضه» و هذا نص على الطهارة بالخصوص.

و أيضا لا شك و لا خلاف في أن قاعدة التجاوز تجري في الصلاة للإجماع و السيرة و الروايات و منها صحيحة زرارة: «في رجل شك في التكبير و قد قرأ قال الامام: يمضي، قلت: شك في القراءة و قد ركع قال: يمضي، قلت:

في الركوع و قد سجد قال: يمضي».

و أيضا لا إشكال و لا نزاع في أن قاعدة التجاوز لا تجري في الوضوء للإجماع و السيرة و صحيحة زرارة عن الإمام: «إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه».

و إنما الإشكال و الخلاف في أن قاعدة التجاوز هل تجري في الغسل و التيمم كما تجري في الصلاة، أو لا تجري كما هو الحكم في الوضوء؟ ذهب المشهور إلى أنها لا تجري فيهما إلحاقا لهما بالوضوء لأن الجميع من باب الطهارة، و هي بكاملها فعل واحد في نظر الشارع بالإضافة إلى ان الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

هذا صفوة القول في الطهارات الثلاث، و للفقهاء فيها كلام طويل عريض يصعب على الطالب أن يتابعه و يسايره، و ينتهي منه إلى ما ينفعه، و من أجل هذا خففنا عنه بهذه الخلاصة السهلة الواضحة.

411

احتمال التعمد

و من شروط العمل بقاعدة الفراغ و التجاوز أن يكون الشك و احتمال الخلل ناشئا عن سهو لا عمد أو احتماله، فمن احتمل ترك جزء أو شرط عن قصد فلا يسوغ له أن يجري هذه القاعدة و يتمسك بها لأن قول الامام (ع): «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» لا يتناول إلا من كان مصمما منذ البداية على أن لا يدع صغيرة و لا كبيرة تتصل بالعمل إلا أتى بها، أما المتعمد أو المتردد فبعيد كل البعد عن مدلول «اذكر منه».

و أيضا لا تجري هذه القاعدة في حق الجاهل- مثلا- من كان يجهل وجوب الترتيب بين الجانب الأيمن و الأيسر في غسل الجنابة، ثم علم بعد ذلك، و شك في صحة أعماله الماضية التي لم يحفظ الآن صورتها بالضبط و انه هل كان يغتسل فوضى أو على الترتيب؟ فلا يسوغ له، و الأمر كذلك، أن يتمسك بقاعدة الفراغ، و عليه أن يبحث عن دليل آخر لعدم وجوب الاعادة كالإجماع و السيرة، و نفي العسر و الحرج و نحو ذلك غير قاعدة الفراغ.

412

أصل الصحة

لمجرد التمهيد

مورد قاعدة الفراغ و التجاوز هو عمل العامل بشخصه و خصوصه، أما مورد أصل الصحة فهو عمل الآخرين بحمله على الصحة بمعنى انه (أي الفعل) هو المطلوب الشرعي، و عدم الاعتناء بالشك في فساده من الوجهة الشرعية- مثلا- إذا رأيت متعبدا فلا ينبغي لك أن تقول: هذا مراء في عبادته يتخذ منها ساترا و متجرا إلا أن تعلم ذلك منه علم اليقين.

و هذا الأصل على فطرة اللّه بساطة و وضوحا، و أيضا يكشف عن إيمان الاسلام بطبيعة الانسان من حيث هو إنسان بلا فرق بين فرد و فرد و فئة و فئة، و انه كائن مختار و منزه عن الخطأ و الخطيئة بحكم البراءة الأصلية حتى يثبت العكس، و ليس كالدين المسيحي القائل بأن الانسان عنصر شيطاني خاطئ بطبعه و طبيعته، و من هنا كانت نظرية الفداء و غفران الكنيسة أو حرمانها .. من صميم هذا الدين و أركانه.

المدرك‏

استدل على صحة هذا الأصل بعض من كتب و ألّف، بقوله تعالى:

«وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً- 83 البقرة». و قوله: «وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ- 30 الحج». و قوله: «إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ‏- 12 الحجرات». و ردوا عليه بأن‏

413

هذا الحكم أخلاقي!. يا سبحان اللّه! و هل أحكام الاسلام غير أخلاقية؟. و الرد الاقوى هو أن النهي عن سوء الظن معناه أن العامل لم يرتكب حراما بعقيدته و أنه غير آثم. و هذا شي‏ء، و الحكم بصحة عمله شي‏ء آخر.

و أيضا استدلوا بما جاء عن الآل الأطهار (ع) و منها: «لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا، و أنت تجد لها في الخير سبيلا .. من اتهم أخاه فهو ملعون ملعون .. إذا اتهم المؤمن أخاه انماث الايمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء .. كذّب سمعك و بصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة انه قال، و قال هو: لم أقل فصدقه و كذبهم .. ان اشتبه عليك أمر بعض الناس فكلهم إلى عالم الغيب، و قل: اللهم اني محب لمن احببت انت و رسولك، و مبغض لمن أبغضت أنت و رسولك» إلى غير ذلك كثير.

و علق الأنصاري على هذه الأخبار بقوله: هذا غير ما فيه، فإن الذي يهمنا أن العقد الصادر من العاقد هل هو صحيح أو فاسد؟ و هذه الأخبار- ما زال الكلام للأنصاري- تقول: ما يصدر عن الفاعل أحمله على الوجه الحسن لا على الوجه القبيح.

و قول الأنصاري صواب في عالمه، و لكن لا يمنعنا من القول: ان هذه الأخبار بخاصة قول الإمام (ع): «كذّب سمعك و بصرك» تدل بصراحة على أن الإسلام يبحث عن الإيمان حتى في قلب الكافر، و عن الصدق حتى في نفس الكاذب، و عن الخير حتى في مقاصد الشرير و أهدافه .. فهل يتعظ بهذا و يذكر من يفسّق الناس و يكفرهم بلا وزن وكيل و عد؟.

و على أية حال، فإن أمكن النقاش و القال في الأدلة السمعية فلا محل للكلام في بناء العقلاء و السيرة القطعية لكل العلماء من كل مذهب و في كل زمان .. أبدا لا شي‏ء ناقص و فاسد لذاته و في عالمه بمقتضى الأصل جمادا كان أم نباتا أم حيوانا أم انسانا، فكل موجود على طبيعته، و كل عدم يبقى في عالم الغيب تماما كالمطلق يبقى على اطلاقه حتى يثبت العكس، فهل في هذا نظر و كلام؟

414

كلا، حتى ظاهرة السوء فانها مؤوّلة بعذر صاحبها دينا و تعبدا ما دام التأويل ممكنا و بابه مفتوحا. فكيف بمن استغش الذين يتقربون إلى اللّه بإكرامه و خدمته!!.

أصل لا أمارة

أصل الصحة لا يمت الى الأمارة بسبب لأن الكشف من طبيعتها و لوازمها، و إن كان ناقصا و تم بدليل الاعتبار كما تقدمت الاشارة، و لا كشف إطلاقا في أصل الصحة تام أو ناقص، و من أجل هذا قال الأنصاري و النائيني و غيرهما من الأقطاب: لا يثبت أصل الصحة إلا الآثار الشرعية التي تلحق مؤداه مباشرة و بلا واسطة، أما ما ثبت منها بالمستلزمات العقلية و العادية فيلحق بالأصل المثبت الباطل.

- مثلا- إذا مر بك زيد، و سمعت منه كلمة خفي عليك معناها، و انها مسبّة أو تحية؟ أجريت أصل الصحة بمعنى أنه لم يرتكب محرما، اما وجوب رد التحية بالمثل أو بالأحسن فلا لأنها لا تثبت إلا بالأصل المثبت و الملازمة بين نفي السب و اثبات التحية حيث لا ثالث هنا.

الصحة الواقعية

كلمة الصحة تعبر عن نفسها و تدل على أن البحث و الكلام هو في الفعل من حيث الحكم الوضعي مع الجهل بحال الفاعل و الشك في صحة فعله و فساده شرعا، اما من حيث الحكم التكليفي و عدم الإثم و قصد الحرام فمحل وفاق بين الجميع، أيضا بشرط الجهل و عدم العلم بالحال. و من هنا أجمعوا قولا واحدا على أن من فاحت رائحة الخمر من فيه فلا حد عليه، فلعله قد تمضمض بها، أو شربها مضطرا أو مكرها.

و لصحة العمل نسبتان: الأولى إلى اعتقاد الفاعل، و الثانية إلى الواقع، و يتضح الفرق بينهما من المثال التالي:

علمنا أن زيدا يجيز العقد و يوجب تنفيذه و الوفاء به بمحض التوافق بين إرادة المتعاقدين من دون حاجة إلى أي شكل من الأشكال في الايجاب و القبول،

415

و في رأينا نحن أن العقد لا يجب الوفاء به إلا إذا وقع على شكل خاص بين المتعاقدين، ثم أجرى زيد عقدا مع آخر، و شككنا: هل توافر في هذا العقد الشكل الذي نشترطه نحن و لا يوجبه زيد كي يكون صحيحا عنده و عندنا، أو أن العقد وقع على غير الشكل الذي نريد كي يكون صحيحا عنده دون الواقع في نظرنا؟.

فبناء على القول بأن المراد من الحمل على الصحة هو الصحة الواقعية لا الفاعلية يجب الحكم بصحة العقد المشكوك في صحته، و بناء على القول بأن المراد الصحة باعتقاد الفاعل فلا يسوغ الحكم بصحة العقد المذكور.

و الحق أن كل فعل أو عقد يقبل الصحة و الفساد فهو موضوع لأصل الصحة الواقعية دون الفاعلية لبناء العقلاء و الاجماع القائم على الكبرى الكلية لا الجزئيات بشهادة النائيني الذي قال برواية الخراساني: «يكفينا من الأدلة على أصل الصحة الاجماع المحقق .. و الظاهر أن تكون نفس أصالة الصحة معقد الاجماع على الكبرى الكلية، و لا يضر التمسك بالاجماع وقوع الاختلاف في بعض الموارد الجزئية .. و أيضا الظاهر أن يكون المراد من الصحة في معقد الاجماع الصحة الواقعية لا مجرد الصحة عند الفاعل».

العقد و أصل الصحة

الشروط الأساسية للعمل بأصل الصحة و جريانه في العقد هي أولا احراز الموضوع و العنوان الذي تعلق به الأمر و عليه يترتب الأثر، ثانيا قابلية الموضوع لعروض الصحة و الفساد، ثالثا أهلية المتعاقدين للمعاملة، و العوضين للتمليك و التملك، و مع الشك في شي‏ء من ذلك تجري الاصول الموضوعية، و لا يجري أصل الصحة لأن الأصل أو الحكم لا يثبت موضوعه، و فيما يلي التفصيل:

يتكون العقد بجملته من عناصر ثلاثة: الصيغة، و المتعاقدين، و هما الموجب و القابل، و العوضين، و هما الثمن و المثمن، و لكل واحد من هذه الثلاثة شروط، فمن شروط الصيغة- مثلا- تطابق الايجاب و القبول، و من شروط المتعاقدين أن يكون كل منهما عاقلا بالغا رشيدا مختارا عالما بحقيقة الثمن و المثمن، و لكن العقل و البلوغ و الرشد شروط أساسية ترتكز عليها أهلية المتعاقد، و هي بهذا

416

الاعتبار موضوع للعقد و لا يمكن تحققه بدونها. أما العلم و الاختيار فهما شرطان لصحة العقد لا لأهلية المتعاقدين، و أما العوضان فمن شروطهما أن يكون كل منهما ملكا طلقا قابلا للنقل و الانتقال، لا وقفا و لا خمرا و لا خنزيرا.

و عليه فإن شككنا في صحة عقد و فساده نظرنا قبل كل شي‏ء إلى سبب الشك، فإن كان ناشئا عن فقدان شرط من شروط الصيغة كعدم تطابق القبول مع الايجاب و نحوه أجرينا أصل الصحة، لوجود الموضوع و إحرازه و الشك في محموله و ليس فيه بالذات، و طرحنا أصل الفساد و استصحاب عدم النقل و الانتقال، و كذا الحال إذا كان الشك ناشئا عن عدم التحقق من اختيار أحد المتعاقدين أو جهله بالثمن أو المثمن لأن الاختيار أو العلم من شروط صحة العقد لا من شروط أهلية المتعاقد، و إن رجع الشك في صحة العقد و فساده إلى الشك في قابلية العوضين أو أحدهما للنقل و الانتقال- فلا يجري أصل الصحة بحال، بل يتعين العمل بالأصل الموضوعي، أو باستصحاب ما كان على ما كان قبل العقد.

و السر في ذلك أن أهلية المتعاقدين و العوضين ركن للعقد و موضوع له، و عليه يكون الشك في هذه الأهلية و القابلية شكا في أصل العقد و تحققه لا في صحته بعد وجوده، و بديهي أن موضوع أصل الصحة الشك في صحة الموجود بالفعل لا الشك في أصل الوجود.

و على هذا، إذا ادعى البائع فساد عقد البيع لأن القبول لم يطابق الايجاب، أو لأنه كان مكرها، أو جاهلا بالثمن، أو محجورا عليه لفلس- فعليه الاثبات، أما إذا قال: بعت قبل البلوغ أو قبل الرشد فالقول قوله بيمينه، و البيّنة على خصمه، لرجوع الشك حينئذ إلى أهلية المتعاقد. و كذا لو وضع انسان يده على عين موقوفة مدعيا شراءها من المتولي بعد وجود المبرر و المسوغ لبيعها، فإن أصل الصحة لا يجري هنا لأن الحكم لا يتعرض لموضوعه و لا يثبته.

معنى الحمل على الصحة

الصحة و الفساد من الأمور الإضافية يختلف معناها تبعا للمضاف اليه، فصحة الجسم سلامته من الأمراض، و صحة العقل إدراك الشي‏ء على حقيقته، و صحة الخبر صدقه، و صحة الصلاة قبولها و موافقتها لأمر الشارع و سقوط القضاء عن‏

417

المكلف، و صحة العقد ترتب الأثر الشرعي و العرفي عليه كالملك و الحل و الإرث.

و من هنا اشتهر «صحة كل شي‏ء بحسبه». و كما يصدق هذا على العقد المركب من الإيجاب و القبول و سائر الشروط، و على الصلاة بمجموعها أجزاء و شروطا- يصدق أيضا على كل جزء و شرط منها بمفرده، فمعنى صحة الايجاب في العقد، و صحة الركوع في الصلاة- مثلا- أنه لو انضمت اليه الاجزاء و الشروط الباقية لصحت الصلاة بكاملها، و صح العقد بمجموعه، و ليس معنى صحة الايجاب انها توجب حتما وجود العقد.

و أيضا صحة العقد بمجموعه لا تستدعي وجود الشرط الذي هو بمنزلة الجزء و الركن كالقبض في الهبة و الوقف، و الإجازة في الفضولي، و الإذن ببيع الرهن، فأصل الصحة يجري في عقد الواهب كصيغة، و كذلك في عقد الواقف و المرتهن و الفضولي حتى مع العلم بعدم القبض أو الاجازة، و لكنه لا ينفذ فور إنشائه لأن التنجيز و التنفيذ يرتبط بالقبض في الهبة و الوقف، و بالاجازة في الفضولي و المرتهن، و عليه يكون معنى صحة العقد أنه لو حصل القبض أو الاجازة لاكتفينا في مقام التنفيذ بالعقد الموجود، و لا داعي لعقد جديد.

و قبل الختام نشير إلى أن أصل الصحة لا يختص بفعل المسلم، بل يعمّ و يشمل أفعال الناس بالكامل، أما التعبير بفعل المسلم فلأن الأغلبية العظمى في بلاد الفقهاء كانوا مسلمين، و كان الفقهاء يخاطبون بالأحكام الجمهور المسلم. قال الآشتياني:

«ان اصالة الصحة ليست مختصة بفعل المسلم، بل مجراها أعم منه».

احراز الموضوع و العنوان‏

لا يجري أصل الصحة إلا بعد أن نعلم و نحرز نفس الموضوع و العنوان الذي تعلق به الأمر و عليه يترتب الأثر الشرعي مباشرة و بلا واسطة، و ان شككنا في موضوع الحكم و تردد بين شيئين فلا يجري أصل حيث لا حكم بلا موضوع، و لا نقش بلا عرش- مثلا- إذا رأيت رجلا يغتسل و تساءلت في نفسك: هل يتطهر من الجنابة أو يغتسل لمجرد النظافة؟ فأصل الصحة لا يثبت انه جنب و انه يتطهر من الجنابة، و أن طهارته هذه صحيحة شرعا!. و من يعمل بأصل كهذا فهو تماما كمن يكذب على نفسه، ثم يصدق كذبته و يرتب عليها آثار الواقع.

418

أجل هناك أفعال تدل صورتها عليها، و لا أحد يشك فيها، كالصلاة على الميت بل مطلق الصلاة و الوضوء و زيارة الحسين (عليه السلام)، فكل انسان إذا رأى شيئا من ذلك يجزم بأنه عبادة، و يخبر عنه و يقول: رأيت فلانا يتوضأ أو يصلي أو يزور الحسين (ع) و لا يحتمل اطلاقا ان فعله هذا مجرد عمل اعتاد عليه الفاعل، أو قصد به الرياضة، أو أي شي‏ء آخر.

و لكن إذا شك في هذه العبادة: هل هي عن نفسه أو نيابة عن غيره، و انه هل يصلي قضاء أو أداء- فأصل الصحة لا يثبت شيئا من ذلك لأن القضاء و النيابة من العناوين القصدية (1) فالقصد مأخوذ في موضوعه و مفهومه، و الشك فيه يمنع من العمل بأصل الصحة، و من أراد إثبات العناوين القصدية فعليه أن يعتمد على اخبار القاصد، أو أي شي‏ء سوى أصل الصحة. و التفصيل في كتب الفقه.

أصل الصحة و الاستصحاب‏

كل فعل نشك في صحته و فساده من حيث ترتب الأثر عليه- فالأصل الأولي (أي العدم) يقتضي الفساد و نفي الأثر عنه، سواء أ كان هذا الفعل من نوع العبادات أو غيرها عملا بإبقاء ما كان على ما كان حتى يثبت العكس.

و لكن لما كان الشك في ترتب الأثر المقصود على الشي‏ء المشكوك ناشئا و مسببا عن الشك في أن هذا المشكوك هل هو واجد لما اعتبره الشارع فيه، و كان أصل الصحة ضامنا و كفيلا لإثبات ما أراد الشارع، لما كان الأمر كذلك ينتفي الشك في فساد الفعل و عدم ترتب الأثر عليه، و يرتفع موضوع الأصل الأول، و هذا معنى حكومة أصل الصحة على استصحاب الفساد (أي عدم ترتب الأثر) و لو أخذنا بهذا الاستصحاب و قدمناه على أصل الصحة لم يبق لهذا الأصل من مورد و موضوع و كان لغوا و عبثا.

و لكن يجب أن لا ننسى ما سبقت الإشارة اليه من أن أصل الصحة لا يجري‏

____________

(1) هذه العناوين القصدية هي الهدف من التنبيه الرابع الذي ذكره الأنصاري، و الأمر الرابع الذي حرره النائيني، و كان الأنسب أن يشير إليه في التنبيه الثالث و كذلك النائيني، و أيضا كان ينبغي أن نشير إليه في الفقرة المعنونة بالعقد و أصل الصحة، و لكن آثرنا السير على درب الأنصاري تماما كما فعل النائيني.

419

بحال إلا بعد توافر شروطه الأساسية، و هي احراز موضوعه، و قابليته للصحة و الفساد، و أهلية المتعاقدين للمعاملة- فيما يعود إلى العقد- و قابلية العوضين للتمليك و التملك، و مع الشك في شي‏ء من ذلك لا يجري أصل الصحة بحال لأن الحكم لا يثبت موضوعه و لا شي‏ء من دعائمه و أركانه.

أصل الصحة في الأقوال‏

بعد الحديث عن أصل الصحة في الأفعال نتساءل: هل يجري هذا الأصل في الأقوال؟ و يختلف الجواب عن ذلك تبعا لجهة الشك في أقوال المتكلم، و فيما يلي التفصيل:

1- أن نشك في أن المتكلم في حديثه هذا: هل هو آثم قد ارتكب الحرام المحرم، أو معذور فيه لسبب أو لآخر؟. فنحمله على الصحة من هذه الجهة.

2- أن نشك في أن المتكلم هل قصد المعنى الظاهر من قوله، أو فاه به من غير قصد، فنحمله على الصحة بمعنى كشف الظاهر عن قصده و مرامه، و لو ادعى عدم القصد لا نسمع منه إذا تعلق بحق الآخرين كالإقرار بمال و نحوه. و في نهج البلاغة: الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به فإذا تكلمت به صرت في وثاقه.

3- ان نشك في أن كلامه: هل يكشف عن اعتقاده حقا و واقعا، أو هو مجرد كذب و رياء؟ فنحمله على الأحسن، و من هذا الباب القول المألوف:

أنا محب و مخلص. و جوابه شكرا جزيلا.

4- أن نشك في انطباق كلامه على الواقع. و لا مكان هنا لأصل الصحة بالاتفاق لأن كل خبر يحتمل الصدق و الكذب، و كل رأي يحتمل الخطأ و الصواب بطبعه، و لو صح العمل بالأصل هنا لكان كل كلام حقا و صدقا. و قد كذب الناس على اللّه و ملائكته و رسله و على بعضهم البعض، بل و على أنفسهم أيضا.

أصل الصحة في الاعتقاد

لأصل الصحة في الاعتقاد معنيان: الأول أن يكون السبب الموجب للشك في‏

420

صحة الاعتقاد هو التقصير في البحث عن الدليل، و انه آمن لمجرد الظن و الحدس أو تقليدا و محاكاة. قال الأنصاري: «الظاهر وجوب الحمل على الصحيح في مثل هذه الحال لظاهر ما دل من وجوب الحمل على الحسن دون القبيح».

و لا بأس بذلك شريطه أن يكون المعتقد من أكثر أهل الجنة.

المعنى الثاني أن نشك في مطابقة اعتقاده للواقع. و هذا أسوأ حالا من مطابقة الكلام للواقع. انظر الرقم 4 في الفقرة السابقة بلا فاصل. و ذكرنا هذا الفرض محاكاة للأنصاري و إلا فلا أحد يشك في عقيدة الآخرين من حيث الصحة و عدمها إلا إذا كان هو بلا عقيدة ثابتة لأن عقيدة كل انسان تستولي على عقله و قلبه، و ترى ما عداها بدعة و ضلالة، و معنى هذا أن صاحب العقيدة حقا لا يشك إطلاقا لا في عقيدته و لا في عقيدة غيره، فهو قاطع و جازم في الحالين بصواب الأولى و خطأ الثانية، و لا واسطة. و سلام اللّه على من قال: «ما شككت في الحق مذ أريته».

421

تقابل الأصول‏

الحديث في هذا الفصل يتناول تقابل الاستصحاب مع البراءة و التخيير و الاشتغال.

و أيضا يتناول تقابل فرد من أفراد الاستصحاب مع فرد آخر منه. و لا يتصور اجتماع البراءة موردا مع التخيير و الاحتياط لأن مورد البراءة الشكّ في التكليف غير دوران الأمر بين محذورين: الوجوب و الحرمة، و مورد التخيير دوران الأمر بين هذين المحذورين، و مورد الاحتياط الشك في المكلف به بعد العلم بالتكليف، و أين هذا من الشك في التكليف الذي هو مورد البراءة؟

بين الاستصحاب و الأصول الثلاثة

دليل الاستصحاب واضح كل الوضوح على تنزيل الواقع المشكوك منزلة الواقع المعلوم، و ان الحكم فيهما واحد في مقام العمل، و أي شي‏ء أوضح في الدلالة على ذلك من قول الإمام (ع): «لا تنقض اليقين بالشك. و أبق ما كان على ما كان؟» و هل من تفسير للأمر بالبقاء على اليقين و النهي عن نقضه بالشك إلا المنع و النهي عن العمل بأصل البراءة و التخيير و الاحتياط و ما أشبه، مع وجود العلم السابق و عروض الشك اللاحق؟. و هذا هو معنى حكومة الاستصحاب و تقديمه على هذه الأصول.

و بكلام آخر ان الأصول الثلاثة: البراءة و التخيير و الاشتغال ترتكز على الشك في الواقع، و الاستصحاب أصل احترازي يثبت الواقع تنزيلا و تعبدا، و يمحو الشك فيه و يجعله كالعدم من حيث الآثار الشرعية، و بهذا يرتفع حتما موضوع‏

422

الأصول الثلاثة من الأساس، و هذه الحتمية محل وفاق بين الجميع، و ان اختلفوا في ان هذه الحتمية هل هي من باب الورود أو من باب الحكومة أو بالتفصيل بين الأصول العقلية- فيكون الاستصحاب واردا- و بين الأصول الشرعية فيكون حاكما؟.

بقي أن نذكر ثلاثة أمثلة بقصد التوضيح (1) لتقديم الاستصحاب على البراءة (2) لتقديمه على التخيير (3) لتقديمه على الاشتغال و الاحتياط.

مثال البراءة: عصير العنب إذا غلى يحرم يقينا، و إذا ذهب ثلثاه بالغليان يحل يقينا. و بعد هذا اليقين نفترض أنه غلى و حرم، ثم ذهب ثلثاه و لكن بالهواء لا بالنار و الغليان، و شككنا: هل صار حلالا بذلك تماما كما لو ذهب الثلثان بالغليان، أو هو باق على التحريم؟.

و حيث لا دليل شرعيا ينهى عن هذا الفرض فهو مورد لأصل البراءة، و لكن العلم السابق بالتحريم و وجوب البقاء على هذا العلم و عدم نقضه بالشك- يلغي الشك و التردد و احتمال التحليل، و يجعل هذا الفرد المشكوك فردا من أفراد العصير قبل ذهاب الثلثين من حيث التحريم، و يرتفع موضوع البراءة، و يجري استصحاب الحرمة بلا معارض.

مثال التخيير: شككت في أن هذا اليوم: هل هو أول شوال كي يحرم صيامه لأنه عيد أو آخر رمضان كي يجب الصيام؟ فيدور الأمر بين محذورين:

الوجوب و الحرمة، و هذا هو مورد أصل التخيير العقلي، و لكن العلم السابق بوجوب الصيام و البقاء عليه حتى يثبت العكس يلغي احتمال وجوب الافطار، و يرتفع موضوع التخيير، و يجري استصحاب ما كان. و قد أرشد الإمام (ع) إلى هذا الاستصحاب بقوله: اليقين لا يدخله الشك، صم للرؤية، و أفطر للرؤية.

مثال الاشتغال: سافرت و جهلت المسافة فحرت: هل تصلي قصرا أو تماما؟.

و هذا هو موضوع الاحتياط و وجوبه بالجمع بين الأمرين لمكان الشك في المكلف به بعد العلم بالتكليف. و الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني لحكم العقل بدفع الضرر الأخروي المحتمل، و لكن العلم بوجوب التمام سابقا و البقاء عليه حتى يثبت العكس يلغي الشك و التردد بين القصر و التمام حكما و تعبدا، و يرتفع موضوع الاحتياط، و يأخذ استصحاب وجوب التمام طريقه و مجراه.

423

و الخلاصة أن الثابت بالاستصحاب كالثابت بالعيان تنزيلا و تعبدا، و هنا يكمن السر في حكومته أو وروده على كثير من الأصول، و منها أصل البراءة و التخيير و الاحتياط.

بين استصحابين‏

قد يحدث التقابل و التعارض بين فردين من أفراد الاستصحاب، فما هو العلاج و الأمر كذلك؟ هل نطرحهما معا و نبحث عن أصل ثالث، أو نعمل بأحدهما على التعيين أو على التخيير؟ و الجواب عن ذلك يستدعي التفصيل التالي:

1- أن يكون الشك في بقاء أحد المستصحبين ناشئا و مسببا عن الشك في بقاء المستصحب الآخر، و الحكم هنا تقديم السبب على المسبب شريطة أن يكون المسبب أثرا شرعيا للسبب، و يلحقه مباشرة و بلا واسطة المستلزمات العقلية أو العادية.

و مثال ذلك: ماء كنا نعلم بطهارته من قبل، ثم شككنا و احتملنا نجاسته من بعد، و ثوب متنجس على اليقين فطهرناه بذاك الماء المعلوم المشكوك، و بعد التطهير شككنا أيضا في بقاء نجاسة الثوب و زوالها، و السبب الأول لهذا الشك هو الشك في طهارة الماء التي تدور مدارها نجاسة الثوب وجودا و عدما في الفرض المذكور، و حيث ان شروط الاستصحاب متوافرة بكاملها في طهارة الماء فنستصحبها، و نرتب عليها جميع آثارها، و منها طهارة الثوب للملازمة الشرعية الحتمية المباشرة بين الطهارتين، و عليه فلا يبقى لاستصحاب نجاسة الثوب من مورد و لا موضوع.

2- ان لا يكون بين الشكّين أية علاقة سببية، بل هما في عرض واحد و مرتبة واحدة. و أيضا أن يكون العمل بالاستصحابين معا مستلزما للمخالفة القطعية، و لكن طرحهما معا لا يستدعي أي محذور. و الحكم هنا تساقط الاستصحابين و عدم جواز الأخذ بهما و لا بأحدهما.

و مثاله أن نعلم سابقا بطهارة إناءين، ثم نعلم أيضا بوقوع نجاسة في أحدهما لا على التعيين، و من البديهي أن استصحاب الطهارة في كل من الإناءين للعلم السابق يتنافى مع العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما على اليقين، فيتعارض الاستصحابان و يتساقطان.

424

3- نفس الفرض، و لكن يتعذر العمل بالاستصحابين معا من جهة العجز، كما أن طرحهما معا يستدعي المخالفة القطعية. و الحكم هنا التخيير، و مثاله أن يعلم المكلف بوجوب الإنفاق على والده و وجوب الصدقة على الفقير بدرهم، و هو لا يملك من الدراهم إلا واحدا. قال السيد الحكيم في شرحه للكافية: «يستصحب وجوب الأمرين معا، و يتخير بينهما إن لم يكن أحدهما أهم، و إلا تعين».

4- أيضا أن يكون الشك في كل منهما غير مسبب عن الشك في الآخر، و لكن العمل بالاستصحابين لا يستدعي المخالفة القطعية، و ان استلزم المخالفة الالتزامية. و الحكم في هذا الفرض العمل بالاستصحابين معا، و مثاله أن يتوضأ المحدث بإناء من إناءين فيهما ماء: أحدهما نجس دون الآخر، فله و الأمر كذلك، أن يستصحب طهارة أعضاء الوضوء، و أيضا يستصحب بقاء الحدث، و نتيجة ذلك أن عليه أن يتوضأ ثانية، و لا يجب عليه ان يطهر أعضاء الوضوء مع العلم بأنه لو كان الماء طاهرا في الواقع لارتفع الحدث و لا يجب الوضوء، و انه لو كان الماء متنجسا واقعا تنجست الأعضاء و عليه أن يطهرها، و لكن هذه المخالفة ليست عملية بدليل انه لو ترك الاستصحابين معا لوجب عليه أيضا الوضوء لقاعدة الاشتغال، و لا يجب عليه تطهير الأعضاء لقاعدة الطهارة، فالنتيجة واحدة على كل حال استصحب أو لم يستصحب.

و الخلاصة ان الاستصحابين المتعارضين تارة لا يجريان معا، و قد يجريان معا تارة أخرى، و حينا يجري أحدهما دون الآخر، و رابعا يجريان معا مع التخيير.

425

التعادل و التراجيح‏

426

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

427

التعادل و التراجيح عند تعارض الأدلة الشرعية

هذا الفصل‏

الغرض الأول من هذا الفصل هو الحديث عن تعارض الأدلة الشرعية و حقيقته، و بيان محله و شروطه و ما يتصل بذلك. و لا يمد بسبب إلى تعارض الاصول بعضها مع بعض، و في فصل «تقابل الأصول» أشرنا إلى أن الاصول الأربعة لا يقع التعارض بينها حقيقة و واقعا، لأن الاستصحاب مقدم على البراءة و التخيير و الاحتياط، و ان البراءة لا تجتمع في مورد واحد مع التخيير، لأن موردها الشك في غير الدوران بين الحرمة و الوجوب، و مورده نفس هذا الدوران بالذات، و أيضا لا تجتمع البراءة مع الاحتياط، لأن مورده الشك في المكلف به بعد العلم بالتكليف، و موردها الجهل بالتكليف.

تعريف التعارض‏

كتب بعض الفضلاء الصفحات الطوال في تعريف التعارض!. و لا أدري كم يبلغ عدد قرائها؟ هذا مع اعتراف الجميع بأن الحد الحقيقي لكل تعريف أنه لفظي يكتفى فيه بمجرد التمييز من وجه. و مهما يكن فإن التعارض مأخوذ من اعترض، و في بعض كتب اللغة اعترض الشي‏ء دون الشي‏ء أي حال دونه، و منه اعتراض الفقهاء الذي يمنع من التمسك بالدليل.

428

اما التعريف الاصطلاح فنستوحيه من أقوال جماعة من علماء الاصول في الفرق بين التعارض و التزاحم تاركين سائر التعاريف لمن يقرأها أو «لا يقرأها» و يتلخص التعريف المستوحى بأن التعارض هو التمانع بين دليلين بالنظر إلى أن كلا منهما يكشف عن حكم ينقض ما يكشف عنه الآخر في مقام الجعل و التشريع لا في مقام الطاعة و الامتثال، و بكلمة: ان التعارض هو التدافع بين حجتين .. و بما ان التدافع و التناقض محال في حق الشارع العليم الحكيم احتجنا إلى علاج مقبول و معقول لذلك.

و المراد بالتعادل هنا التكافؤ و المساواة بين الحجتين بلا مزية لإحداهما على الأخرى من حيث الاعتبار و وجوب العمل لو لا المعارضة. و تجدر الإشارة إلى أنه ليس للتعادل إلا فرض واحد، و هو عدم الصفة المرجحة، على عكس التراجيح أو المرجحات المفروض فيها وجود صفات متعددة و موجبة للتقديم و الغلبة.

حول التزاحم‏

يلتقي التزاحم مع التعارض على صعيد التنافر و التمانع من حيث هو مع الفرق بأن السبب الموجب للتمانع في باب التعارض هو الاصطدام بين حكمين شرعيين- كما يبدو في الظاهر- أي ان التعارض جاء من داخل الجعل و التشريع لا من خارج عنه، و مثاله أن يروي راو أن الفقاع حرام، و يروي آخر أنه حلال.

أما التمانع في باب التزاحم فسببه عجز المكلف عن طاعة الحكمين و امتثالهما معا لا جعل الشرع و الشارع، و مثاله أن يقول من تجب طاعته: أكرم زيدا، و أكرم بكرا، و يعجز المكلف عن إكرام الاثنين معا لسبب أو لآخر لا يمت إلى صاحب الشريعة بصلة حيث لا تعاند بين وجوب اكرام هذا و ذاك.

و أيضا يلتقي التزاحم مع التعارض على صعيد التعادل و التراجيح مع الفرق في نوع المرجحات و حكم التعادل و المساواة من الوجهة الشرعية، و يأتي الحديث عن مرجحات التعارض و حكم المساواة بين المتعارضين، أما تعادل المتزاحمين و تكافؤهما فالحكم فيهما التخيير بالاتفاق و إلا فالترجيح للأهم. و ذكر النائيني خمسة أسباب توجب العناية و الاهتمام بأحد المتزاحمين دون الآخر، و قد استفادها من تتبعه و استقرائه لكتب الفقه و الأخبار، و هي:

429

1- أن يكون أحد الواجبين مضيقا و الآخر موسعا، فيقدم الأول لأنه يفوت بفوات وقته، و يؤخر الثاني لإمكان أدائه في الوقت المحدد له!. هكذا ذكر النائيني برواية الخراساني، و هو خارج عن باب التزاحم حيث يستطيع المكلف و يقدر على الواجبين معا كل في وقته، و المفروض في المتزاحمين عجز المكلف عنهما و قدرته على واحد منهما فقط.

2- أن يكون أحد المتزاحمين مشروطا بالقدرة الشرعية، و هي ما علّق الواجب عليها بنص دليله مثل من استطاع فليحجّ، و الثاني مشروطا بالقدرة العقلية، و هي مجرد الطاقة على الفعل بلا عسر و حرج، فيقدم المشروط بالقدرة العقلية، و مثال ذلك أن يستطيع المكلف الحج ذهابا و إيابا، و قبل السير و السفر إلى الحج اعلن الجهاد و النفير العام لردع الغزاة و الطغاة، و الحج مشروط بالقدرة الشرعية، و الجهاد بالقدرة العقلية، فيترك المكلف الحج، و ينخرط مع المجاهدين لأن جهاد العدو أهم و وجوبه مطلق، و نفعه أفضل و أكمل.

3- أن يكون لأحدهما بدل اضطراري دون الآخر، فيقدم ما لا بدل له، و يؤخر ما له البدل، و مثاله أن يكون عند المجنب ماء يكفيه للغسل فقط، و بالقرب منه نفس محترمة في أمسّ الحاجة إلى هذا الماء، فهي به أولى، و يتيمم المجنب للصلاة بدلا عن الغسل.

4- أن يكون الوقت مختصا بأحد الواجبين منذ البداية قبل حدوث التزاحم، ثم زاحمه في وقته المختص واجب طارئ، فيقدم صاحب الوقت، و مثاله أن يضيّق وقت الفريضة اليومية، و تزاحمها فيه صلاة الكسوف أو الخسوف، فيقدم اليومية لأنها أصيلة، و صلاة الآية دخيلة.

5- أن يكون أحدهما أهم من الآخر، فيقدم الأول، كما لو رأى المصلي شخصا أوشك على الهلاك، فيقطع صلاته و يسعفه، و قريب منه أن يدور أمر المكلف بين ضررين، فيختار أهون الشرّين، فما كان ضرره أقل فهو المطلوب، و ما كان ضرره أكثر فهو المتروك، و كذلك شأن المنفعة، فما كان نفعه أكثر فهو الأهم، و ما كان نفعه أدنى فهو المهم.

و هذه القاعدة من أهم مدارك الفقه، و يتفرع عليها العديد من مسائله، و هي فطرية عقلية، و عرفية شرعية، و ضرورة دينية سجّلها القرآن في العديد من‏

430

الآيات، و على سبيل المثال: «وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏- 39 الانفال». «وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ‏- 191 البقرة». «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ‏- 217 البقرة».

«فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏- 173 البقرة».

محل التعارض‏

أبدا لا تعارض و لا تدافع بين الأصول العملية و الأدلة الاجتهادية، لأن الأصول العملية لا مدلول لها حتى تزاحم ما له مدلول لسبب واضح و بسيط، و هو ان هذه الأصول هي مبادئ و قواعد عقلية أو نقلية جعلها الشارع وظيفة للجاهل بالحكم الواقعي، و الدليل يكشف عن الحكم الواقعي كما هو الفرض، فكيف يقع التدافع و التعارض بين ما يرفع جهل الجاهل بالحكم، و ما هو وظيفة للجاهل بالحكم؟. و من هنا كان تقديم الدليل على الأصل حتما لا مفر منه، أما ان هذا التقديم هل هو من باب الورود أو الحكومة أو أي شي‏ء آخر- فيأتي الحديث عنه بعد قليل.

و أيضا يستحيل التدافع و التعارض بين دليلين قطعيين أحدهما يثبت ما ينفيه الآخر، و بين دليل قطعي و آخر ظني، و أي عاقل يقطع بوجود الشي‏ء و عدمه أو يقطع بثبوته و يظن بنفيه في آن واحد؟. ان ما علم على الجزم و اليقين يستحيل أن يعلم خلافه أو يظن أو يحتمل ذلك .. أجل ان العقلية البدائية قد تقبل التناقض، و تخلع على الشي‏ء الواحد صفات متنافرة متضاربة دون أن تلتفت إلى جهة التنافر و التضارب، و لكن هذا خارج عما نحن فيه.

و بهذا يتبين معنا أنه لا تعارض بين الأصول العملية و الأدلة الاجتهادية، و أيضا يستحيل التعارض بين دليلين قطعيين، أو بين دليل قطعي و آخر ظني، و عليه ينحصر مورد التعارض و محله بالأدلة التي من شأنها أن تفيد الظن نوعا، و ان لم يحصل منها الظن فعلا لزيد أو بكر، بل لا ضير حتى و لو حصل له الظن بالخلاف شريطة أن يناط اعتبار الدليل بالظن النوعي كما أشرنا.

و بهذه المناسبة نشير إلى ان الشيعة لا يقيمون وزنا لأي ظن خاص و ذاتي من‏

431

ظنون المجتهد بصفته الشخصية في استنباط الأحكام الشرعية بالغا ما بلغ من العلم و الورع، على عكس السنّة أو أكثرهم القائلين بأن للفقيه أن يستنبط من ظنه الشخصي الذاتي علة مشتركة بين واقعة منصوص عليها، و ثانية مسكوت عنها، ثم يعطي الفقيه بهذا الظن «العندي» حكم الواقعة التي نص عليها الشارع للواقعة التي سكت عنها!.

و لا أدري كيف جمعوا بين هذا القول و بين ما رواه البخاري و مسلم و الترمذي و غيرهم من أهل السنة، من ان رسول اللّه (ص) قال: «حلال بيّن و حرام بيّن، و بين ذلك أمور مشتبهات: لا يدري كثير من الناس: أ من الحلال هي أم الحرام؟ فمن تركها استبراء لدينه و عرضه فقد سلم، و من واقع شيئا منها يوشك أن يواقع الحرام، كما أن من رعى حول الحمى أوشك ان يواقعه».

من شروط التعارض‏

ذكروا للتعارض بين الدليلين شروطا، منها أن يثبت أحدهما ما ينفيه الآخر، اما بصريح العبارة مثل: إن سافرت فقصّر الصلاة. و إن سافرت فلا تقصرها، و اما بالإشارة و التلازم القهري مثل إن سافرت فقصر. و إن سافرت في رمضان فلا تفطر، فهنا لا تكاذب بين المدلولين من حيث هما، و لكنهما متكاذبان بحكم الشرع و الشارع لوجود الملازمة عنده بين القصر و الافطار، و اذن فلا مفر من التعارض و علاجه بين وجوب القصر و وجوب الصيام في السفر، ان وجد شي‏ء من هذا التلازم و التلاحم.

و منها أن يكون كل واحد من الدليلين حجة لازمة لو لا معارضة الآخر، لأن ما ليس بحجة لا يعارض الحجة.

و منها ان لا يكون احدهما واردا أو حاكما على الآخر حيث لا تعارض بين الحاكم و المحكوم و لا بين الوارد و المورد.

الورود و الحكومة

في فصل «ذيول الاستصحاب» أشرنا إلى معنى التخصيص و التخصص و الورود

432

و الحكومة، على وجه العموم، و نعود الآن إلى الحكومة و الورود لنشرح بوضوح ما ذكره الأنصاري في أول باب التعادل و التراجيح، و وصفه النائيني بقوله:

«لا يخلو من دقة، بل قد التبس المراد منه على كثير من الاعلام». و فيما يلي الكشف عن هذه الدقة و هذا اللبس و الخلط.

تنقسم الاصول العملية إلى نوعين: عقلية و نقلية، و من الأولى البراءة العقلية، و موضوعها قبح العقاب بلا بيان. و الاحتياط، و موضوعه احتمال العقاب عند الشك في فراغ الذمة و الخروج عن العهدة. و التخيير، و مورده دوران الأمر بين محذورين (أي الحرمة و الوجوب) مع عدم وجود المرجح.

فإذا جاء البيان و الدليل على المجهول المشكوك يرتفع حتما موضوع البراءة العقلية للبيان الواصل إلى المكلف من الشارع، لأن موضوع هذه البراءة عدم البيان، و قد وجد. و أيضا يرتفع موضوع الاحتياط حيث لا يحتمل المكلف العقاب إذا هو ترك الاحتياط و التزم بالدليل. و أيضا يرتفع موضوع التخيير المشروط بعدم وجود المرجح لأحد المحذورين، و الدليل مرجح، بل و ملزم بالحكم الذي دل عليه.

و أطلق الأنصاري كلمة الورود على هذا الرفع لموضوع الأصول العقلية بواسطة الدليل الشرعي و تقديم هذا الدليل عليها، و هذه عبارته بالحرف: «إن كان الأصل مؤداه بحكم العقل كأصل البراءة العقلية و الاحتياط و التخيير العقليين فالدليل وارد عليه و رافع لموضوعه». و عليه يكون معنى الورود ارتفاع موضوع المورد وجدانا و حقيقة، و لكن بواسطة الدليل الذي اعتبره الشارع كاشفا عن الحكم كخبر الواحد بحيث يكون وجود هذا الخبر في واقعه بمنزلة عدمه لو لا اعتبار الشارع له.

هذا فيما يعود إلى الأصول العقلية، أما الأصول الشرعية كالاستصحاب بناء على اعتباره من باب التعبد- فإن الدليل الشرعي يكون حاكما عليها لا واردا، و ضابط الحكومة عند الأنصاري أن يكون الدليل الحاكم ناظرا و مفسرا للمعنى المراد من دليل المحكوم و محددا لموضوع حكمه سعة و ضيقا، و هذه عبارته بحروفها:

«و ضابط الحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضا لحال الدليل الآخر .. و مبينا لمقدار مدلوله و مسوقا لبيان حاله». و كل من جاء بعد الأنصاري‏

433

سار على دربه و قال: الدليل الشرعي وارد على الأصول العقلية، و حاكم على الأصول الشرعية.

و بعد أن بيّن الأنصاري ورود الدليل الشرعي على الأصل العقلي، و حكومته على الأصل الشرعي- قال: «ان هذا جار في الأصول اللفظية أيضا» و مراده من الأصول اللفظية أصل بقاء المطلق على إطلاقه و العموم على عمومه عند الشك في التقييد و الاطلاق، و أصل إرادة المتكلم المعنى الحقيقي لكلامه عند الشك في مراده، فإن وجد الخاص- مثلا- و كان قطعي السند و الدلالة فهو رافع لموضوع أصل العموم و وارد عليه تماما كالدليل الشرعي بالنسبة إلى الأصول العقلية، لأن أصل بقاء العموم على عمومه ظني، و الخاص قطعي كما هو الفرض، فيكون واردا لا حاكما.

و ان كان الخاص ظنيّ السند و الدلالة يترجح العمل بالأقوى ظهورا حتى و لو كان الأقوى هو العام. و هذا هو المفهوم من عبارة الأنصاري، و قال النائيني: يجب تقديم الخاص على العام في شتى الأحوال لأنه قرينة تحدد المراد من العام، و ظهور القرينة مقدم على ظهور صاحبها و ان كان أقوى من ظهورها. و هو الحق و الصواب.

و ان كان الخاص ظنيّ السند و قطعي الدلالة فهو حاكم على ظهور العموم عند الأنصاري، و احتمل أن يكون واردا، و سكت عن حكم قطعي السند و ظني الدلالة، و لكن النائيني قال برواية الخراساني: «ان الشيخ الأنصاري قد التزم في المسائل الفقهية بتقديم الخاص على العام مطلقا سواء أ كان الخاص ظني السند و الدلالة، أم قطعي السند و ظني الدلالة، و لم يعارض ظهور الخاص بظهور العام».

و على ذلك جميع العلماء و العقلاء قديما و حديثا بدافع الفطرة و السليقة، و الكثير منهم لا يعرفون معنى الورود و الحكومة، و لا قاعدة التخصيص و أصل الظهور و الاطلاق.

و الخلاصة أنه لا معارضة إطلاقا بين أي دليل من الأدلة الاجتهادية من جهة، و بين أي أصل من الأصول العملية و اللفظية كأصل الظهور أو ارادة الحقيقة و ما أشبه، لأن الركن الركين في المعارضة هو أن يتحد المتعارضان موضوعا و حكما، و الدليل الشرعي الاجتهادي يرفع موضوع الأصل من الأساس على سبيل‏

434

الورود، أو يحدد موضوع حكمه بما عدا مورد الدليل على سبيل الحكومة فكيف يصطدمان و يتعارضان؟.

نعم الجمع أولى من الطرح‏

كثيرا ما تدور على الألسن هذه الجملة: «مهما أمكن الجمع فهو أولى من الطرح». و معناها- كما يبدو- انك إذا رأيت نصين متعارضين بظاهرهما فاجمع بينهما بما ينفي التعارض ما أمكن .. و معنى هذا بعمومه سد باب التعارض و التعادل و التراجيح و إلغاء ما ورد في ذلك من أخبار و طرحها من الأساس.

و من هنا قال جماعة من العلماء: ليست هذه الكلمة بآية أو رواية، و لا تستند إلى كتاب أو سنة، و لا إلى إجماع أو عقل، و لو أخذنا بها على وجه العموم لم تدع الحاجة إلى الاخبار المتواترة المتضافرة على الترجيح بين الخبرين المتعارضين مع وجود المرجح، و التخيير مع عدمه، و لا مبرر لوجودها و وجود باب التعادل و التراجيح على الإطلاق حتى من الوجهة النظرية ما دام العلاج هو الجمع لا الترجيح أو التخيير!. «مضافا إلى ان علماء الإسلام من زمان الصحابة إلى يومنا هذا لم يزالوا يستعملون المرجحات في الأخبار المتعارضة في ظواهرها، و يختارون أحدها، و يطرحون الآخر بلا جمع و تأويل». كما قال الأنصاري.

هذا تلخيص لما دار حول هذه الكلمة الشائعة الذائعة من جدال و نقاش. و في رأينا أنها قاعدة صحيحة و سليمة من كل شبهة، و انها من وحي أسلوب القرآن و السنة النبوية و استعمال الأدباء و العرف و أهله، شريطة أن لا نعلم إجمالا بكذب أحد الخبرين أو الجملتين فرارا من المخالفة القطعية للواقع، و أن نفسر الامكان بالامكان الوقوعي العرفي لا بالامكان الذاتي العقلي، و نفسر الجمع بالجمع الفني القائم على أساس العرف و فهمه لا بالجمع التبرعي و الاعتباطي، و يكون معنى القاعدة بجملتها كالآتي:

إذا رأيت دليلين من الكتاب أو السنة، و بدا لك للوهلة الأولى ان بينهما تدافعا و تمانعا- فلا تتعجل و تبادر إلى الحكم بانهما مجملان فتطرحهما و ترجع إلى الاصول العملية، و لا إلى الحكم بأنهما متعارضان فتذهب إلى التعادل و التراجيح، بل عليك أن تتمهل و تتأمل: هل احدهما مخصّص أو مقيد للآخر بحيث يكون المعنى المراد

435

منهما واحدا، أو هو حاكم و مفسر للثاني، أو وارد عليه و رافع لموضوعه، أو ظهوره أقوى و أمتن من ظهور الآخر، إلى غير ذلك من القواعد المقررة، فإن لم يكن من ذلك شي‏ء أجريت عندئذ عملية التعارض، و عالجته بالترجيح مع وجود المرجح، و بالتخيير مع عدمه.

و الشاهد العدل على ارادة هذا المعنى كلمة «مهما أمكن» أي و إذا لم يمكن الجمع على أساس القواعد المقررة التجأنا إلى التعادل و التراجيح.

و هذا الكلام لا غبار عليه، و لا ريب فيه، فالعام و الخاص، و المطلق و المقيد، و الظاهر و الأظهر، كل أولاء من مباحث علم الاصول و أبوابه و فصوله. و اذن علام ضجة الجدال و القبل و القال؟.

436

التعادل‏

المساواة في المرجحات‏

كل ما قلناه في الفصل السابق هو مجرد تمهيد للحديث عن أمرين: التعادل بين الدليلين، و الترجيح. و يختص هذا الفصل بالبحث عن حكم الدليلين و تساويهما في المرجحات المعتبرة شرعا بحيث لا يمتاز أحدهما عن الآخر بأية صفة توجب تقديمه و تأخير الآخر. و مثاله أن يرد في حادثة واحدة خبران متساويان في الصدق دل أحدهما على وجوبها و الآخر على حرمتها. و الكلام في ذلك من جهتين: الأولى فيما يقتضيه الأصل بصرف النظر عن الدليل الخاص. الثانية فيما يقتضيه الدليل الخاص.

الأصل‏

هل الأصل في الخبرين المتكافئين من كل وجه هو التساقط أو التخيير؟.

و الجواب عن هذا السؤال يتوقف على معرفة السبب الموجب لاعتبار الخبر كدليل على الحكم الشرعي، و ان وجوب العمل به هل هو من باب السببية بمعنى أن مجرد إخبار العادل بأن هذا الشي‏ء واجب شرعا- مثلا- يجعله الشارع واجبا في حق المكلف حتى و لو كان محرما في الواقع و هذا هو التصويب الباطل بالذات- أو أن العمل بخبر العادل من باب الطريقية بمعنى أن الشارع أراد نفس‏

437

الواقع دون سواه، و أمر المكلف بالتوصل اليه عن طريق خبر العادل لأنه أقل خطأ من غيره، و اقرب الطرق الممكنة الى المطلوب.

و على القول بالسببية الباطلة يكون للحادثة الواحدة حكمان متكاذبان تبعا لتناقض الخبرين المتكافئين. و بما ان المكلف قادر على امتثال أحدهما لا على التعيين، و عاجز عن امتثالهما معا- يقع التزاحم بين الحكمين في مقام الطاعة و الامتثال، و تجري قاعدة الأهم إن وجد، و إلا فالتخيير، لأن التعيين ترجيح بلا مرجح، و هذه قاعدة مطردة في جميع الأشياء المتزاحمة بلا استثناء.

و على القول بالطريقية كما هو الحق، يتساقط الخبران المتعارضان حيث لا دليل على اعتبارهما و جواز العمل بهما، أما الدليل الذي دل على الأخذ بخبر الواحد و قال: صدق العادل فلا يشملهما بحال لأنه مقيد عقلا و شرعا بعدم العلم تفصيلا و إجمالا بكذب المخبر و عدم معارضته بمثله تنزيها لكلام العليم الحكيم عن التناقض و التنافر. بل حتى العقلاء و أهل العرف يطرحون الأقوال المتناقضة المتنافرة و لا يعتمدون عليها أيا كان مصدرها. و إذا أردت شاهدا على ذلك فانظر إلى حالهم إذا تضاربت أهل الخبرة في شي‏ء و ناقض بعضها بعضا كيف يعرضون عنها، فكيف بصاحب الشريعة و سيد العقلاء و أهل العرف؟.

أجل، ان للشارع أن ينشئ أمرا جديدا- غير أمره بتصديق الخبر المعبر عنه بدليل الاعتبار- يتضمن العمل بأحد الخبرين على التخيير، و يكون هذا أصلا عمليا تماما كالاحتياط بالموافقة الاحتمالية عند تعذر الموافقة القطعية، و ليس طريقا إلى الواقع كما هو شأن الأمارة و الخبر الواحد. و الأمر بالتخيير موجود في كلام الشارع، و يأتي عنه الحديث بعد قليل.

و تسأل: هل يدل الخبران المتعارضان على نفي الثالث، حتى على القول بالتساقط- مثلا- إذا قال أحدهما: هذا واجب. و قال الآخر: بل هو حرام فهل يدلان على أنه ليس بمكروه و لا مندوب و لا مباح بالمعنى الأخص؟.

الجواب:

ان الخبرين يتساقطان بالنسبة إلى ما تصادما و تنافرا فيه، أما بالنسبة إلى ما تعاضدا على نفيه أو على اثباته فلا موجب للتساقط، و عليه يدلان على نفي الثالث، و النتيجة الحتم لذلك بعد التساقط و الرجوع إلى الاصول العملية هي وجوب‏

438

العمل بالأصل الموافق لاحدهما كالتخيير في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة، و المنع عن الأصل المخالف لهما معا كالإباحة.

الإخبار و التخيير

قلنا في صدر الكلام: ان البحث هنا يقع في جهتين: الاولى فيما يقتضيه الأصل بصرف النظر عن الدليل الخاص، و تبين معنا أنه التساقط، و الآن نتحدث عن الجهة الثانية، و هي فيما يقتضيه الدليل الخاص. و أخبار الباب تدل بمجموعها على التخيير بشرط العجز عن الترجيح لعدم المزية المرجحة لأحد الطرفين.

و المشهور على ذلك بشهادة الأنصاري و القمّي و غيرهما.

لأن أخبار الباب بمجموعها تدل على التخيير، و هو وحده يحسم و يحل مشكلة المعارضة بين الأخبار الواردة لعلاج الأخبار المتعارضة. فمن أخبار العلاج ما رواه الحسن بن الجهم عن المعصوم حيث سأله عن ثقتين يأتيان بحديثين مختلفين، و لا يعلم أيهما الحق؟ فقال الإمام (ع): إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيهما أخذت. و هذا الخبر مطلق من كل قيد.

و منها «مقبولة» ابن حنظلة التي جاء في آخرها: «ارجئه- أي الخبر المعارض بمثله- حتى تلقى أمامك، فإن الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكات» قال النائيني: «تدل هذه الرواية على وجوب التوقف في زمن حضور الإمام، و ما رأيت رواية على التوقف مطلقا حتى في زمن الغيبة».

و يمكن الجمع العرفي بين هذين الخبرين، و ذلك بأن نحمل خبر التخيير المطلق على خبر التوقف في زمن حضور الإمام و امكان الرجوع اليه، و يكون المعنى هكذا: اختر أي الخبرين شئت إلا إذا استطعت الرجوع إلى الإمام المعصوم فعليك و الأمر كذلك، أن تتوقف عن التخيير، و تذهب إلى الإمام و تسأله عن الحق و الواقع.

هذا تلخيص سريع لمدرك القول بالتخيير الذي ندين به، أما بقية الأقوال و مداركها و محاكمتها فلا يتسع له موضوع هذا الكتاب. أجل لا بد من التنبيه إلى المسائل التالية:

439

وجوب الفحص‏

أشرنا إلى أن التخيير بين المتعارضين أصل عملي يعتمد عليه الفقيه عند الشك في طريق الحكم و ترجيح أحد المتعارضين أو تعادلهما. و هذا الشك ينتهي في واقعه إلى الشك في نفس الحكم. و من المسلّمات و الضرورات الدينية أن الشرط الأساسي لإعمال الأصل في الحكم المشكوك هو الفحص و اليأس من العثور على الدليل و كل ما يمد اليه بسبب قريب أو بعيد، و سبقت الاشارة إلى ذلك أكثر من مرة.

المقلّد و أصل التخيير

ليس شك أن المجتهد و المقلد بمنزلة سواء في جميع المسائل الفرعية، كالتخيير في خصال الكفارة، اما التخيير بين الخبرين المتعارضين فهو مسألة أصولية بحتة، تقع في طريق الاستنباط، و تختص بالمجتهد وحده مفتيا كان أم قاضيا، فالمفتي يختار أحد الخبرين و يفتي المقلد بمعناه و محتواه، و لا يفتيه بالتخيير بين مؤدى كل من الخبرين.

و نسب إلى المشهور أنه يفتيه بالتخيير لا بمعنى الخبر المختار بحجة أن المجتهد ينوب عن المقلد في معرفة التعادل و حكمه، و يبين له ذلك في أسلوب الفتوى بالتخيير!. و هذا اشتباه في التطبيق و خروج بالمسألة الاصولية إلى المسألة الفقهية.

و اتفقوا قولا واحدا على أن القاضي إذا عرضت له مسألة فيها تعارض و تعادل كمقدار الحبوة، يختار و يحكم، و لا يسوغ له، بل لا يعقل بحال أن يخيّر المتخاصمين، لأنه نقض للغرض المقصود من القضاء و فصل الخصومة حيث يختار كل طرف ما يحلو له، فتحدث الفوضى و يتسع الخرق.

لا خيار بعد الاختيار

إذا اختار الفقيه أحد المتعارضين يجب أن يستمر عليه، و لا يسوغ له العدول عنه بعد ذلك إلى ما ترك بخاصة إذا استلزم ذلك المخالفة القطعية، لأن أخبار

440

التخيير ظاهرة في التخيير الابتدائي دون الاستمراري. و عليه يكون العمل الثاني بعد الالتزام بالأول عملا بلا دليل و أساس، بالإضافة إلى حديث «لا تقض في الشي‏ء الواحد بحكمين مختلفين».

و تسأل: كنّا على يقين بجواز التخيير قبل اختيار أحدهما، و بعد الشك في بقاء التخيير و جوازه نستصحب و نبقي ما كان على ما كان؟.

الجواب:

ان الشرط الأساسي في الاستصحاب هو اتحاد الموضوع في القضيتين: المتيقنة و المشكوكة، و موضوع المتيقنة هنا التخيير الابتدائي، و موضوع المشكوكة التخيير الاستمراري، كما هو الفرض، فامتنع الاستصحاب.

441

الترجيح‏

معنى الترجيح‏

في الفصل السابق تكلمنا عن تعادل الحجتين المتكافئتين من كل وجه، و الآن نتحدث عن الترجيح، و هو في اللغة جعل الشي‏ء راجحا، و في اصطلاح الأصوليين تقديم احدى الحجتين على الثانية لمزية توجب ذلك، و من الواضح ان الترجيح فرع المقابلة و المعارضة، و لا تعارض بين اثنتين إلا إذا كان كل منهما ندا للآخر و في منزلته، و من هنا اشترطوا في الدليلين المتعارضين أن يكون كل واحد منهما حجة لازمة في نفسه لو لا معارضة الآخر.

الترجيح فطري‏

عزي إلى بعضهم إنكار الترجيح حتى و لو كان لإحدى الحجتين ألف مزية و مزية، و أتعب الأنصاري نفسه بالرد على هؤلاء، و سوّد في ذلك العديد من الصفحات، استهلّها بقوله: «و يدل على الترجيح الإجماع المحقق، و السيرة القطعية و المحكية عن الخلف و السلف، و تواتر الأخبار» و ليس من ريب أن مبدأ التفاضل و الترجيح حق و عدل، و انه فطري بديهي، و عليه فلا موجب للإسهاب في ايراد الأدلة و البراهين.

المرجحات المنصوصة

الترجيح فطري كما أشرنا، و لكن لا بد له من سبب، و من هنا اشتهر،

442

لا ترجيح بلا مرجح، و يختلف نوع المرجح تبعا لهوية ما يراد الترجيح بينهما، و لا خلاف بين القائلين بالترجيح في أن كل ما نص عليه الشارع من المرجحات بين الخبرين فهو حجة لازمة يجب التعبد به، و لكنهم اختلفوا: هل يجب الوقوف عند المرجحات المنصوصة و الاقتصار عليها، أو يجوز التعدي عنها إلى غيرها، و هذا هو الموضوع الأساسي لبحثنا في هذا الفصل، و نبدأ بالحديث عن المرجحات المنصوصة و هي:

1- الشهرة الروائية دون الفتوائية و العملية. (انظر فصل الاجماع، فقرة اقسام الشهرة) و قد جاء في «مقبولة» ابن حنظلة: «و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور» و المراد بالخبر المشهور ما شاع و ذاع عند أهل الحديث، و يقابله الشاذ، و قال الشيخ الأنصاري: «ان سيرة العلماء و طريقتهم في باب الترجيح مستمرة على تقديم الخبر المشهور على الشاذ».

و الشهرة تدعم سند الرواية و تقوّيه. و في كتاب «جمع الجوامع» للسنّة: «العمل بالراجح واجب .. و إذا كثر رواة أحد المتعارضين رجح على الآخر لأن الكثرة تفيد القوة». و في مستصفى الغزالي: «من المرجحات أن يكون رواة أحد الخبرين أكثر، فالكثرة تقوي الظن».

2- الأحدث، و المراد به أن يكون صدور الخبر متأخرا عن صدور ما يعارضه، فقد روي أن الإمام (ع) سأل بعض أصحابه: «أ رايت لو حدثتك بحديث، ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ذلك، بأيهما كنت تأخذ؟ قال: بأحدثهما و أدع الآخر. فقال له الإمام: قد أصبت».

و ذكر الأنصاري هذا الخبر و آخر بمعناه دون أن يعلق عليهما بشي‏ء على غير عادته، و أهمل النائيني الترجيح بالأحدث فيما لديّ من مصادر، و قال الآغا رضا في تعليقه على الرسائل: «لم يتعرض المصنف للترجيح بالأحدثية، كما أن الأصحاب أيضا لم يلتفتوا اليه في مقام الترجيح .. و ليس على المكلف الأخذ بالأحدثية، بل عليه التحري و الأخذ بما هو أقرب إلى الواقع باستعمال سائر المرجحات، كيف لا؟ و إلا لم يبق للتراجيح المنصوصة موقع في سائر الروايات».

و هذه الشهادة من صاحب «مصباح الفقيه» تعزز ما قاله السيد الصدر برواية

443

تلميذه السيد الهاشمي في كتاب «تعارض الأدلة الشرعية (1)»: «في الترجيح بالأحدثية روايتان: احداهما ساقطة سندا، و الثانية ضعيفة».

3- صفات الراوي، فقد سئل الامام (ع) عن الخبرين المتعارضين بأيهما الأخذ و العمل؟ فقال: «خذ بما يقول أعدهما عندك و أوثقهما في نفسك».

و في رواية ثانية «و أفقههما و أعلمهما و أصدقهما و أورعهما» و الترجيح في صفات الراوي محل وفاق عند الجميع، قال الغزالي في المستصفى: «أن يكون أحد الراويين أعدل و أوثق و أضبط و أشد تيقظا و أكثر تحريا». و في كتاب فواتح الرحموت: «و الترجيح بفقه الراوي و ضبطه و ورعه».

و ترجيح الرواية بالأعدل و الأوثق حق لا ريب فيه، أما بالأعلم و الأفقه فلا، إلا في القضاء و الفتيا، فيقدّم الأعلم و الأفقه، و الدليل على تقديم الأوثق في الرواية أن مدار تعارض الخبرين على اتهام أحدهما بالكذب فيقدم الأصدق بحكم البديهة، و لا صلة هنا أبدا للفقه بصدق النقل. و الدليل على تقديم الأعلم في الحكم قول الامام (ع): «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما». و هذا غريب عن الخبر و الرواية، و صريح في الحكم و القضاء. و ليس من شك أن العدل أساس الحكم، و العلم صرحه، و لكن هذا شي‏ء، و صدق الراوي شي‏ء آخر. و قال الأنصاري:

«اتفق العلماء على عدم الترجيح بين الحكام إلا بالفقاهة و الورع».

4- موافقة الكتاب، و هذا المرجح يرجع الى المضمون، و تأتي الاشارة، و في «أصول الكافي» عن الإمام (ع): «كل شي‏ء مردود إلى الكتاب و السنة، و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف .. إذا ورد عليكم حديث فوجدتم فيه شاهدا من كتاب اللّه و من قول رسول اللّه- فاقبلوه- و إلا فالذي جاء به أولى .. ما وافق حكم الكتاب و السنة يؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة» و لا يختلف اثنان من المسلمين في ذلك، و هذا المعنى بالذات موجود في كتب السنّة.

و للتوضيح نضرب هذا المثل: جاء في صحيح مسلم و غيره عن النبي (ص):

«الميت يعذّب ببكاء أهله». فلو عارضه حديث يقول: الميت لا يعذّب‏

____________

(1) هذا الكتاب فريد في بابه سعة و تفريعا و تحقيقا.

444

ببكاء أهله، وجب تقديم هذا المعارض لأنه يتفق تماما مع قوله تعالى: «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏- 164 الانعام». و من التناقضات الغريبة أن أناسا من المسلمين يؤمنون بكتاب اللّه، و في الوقت نفسه يؤمنون بأحاديث تخالف كتاب اللّه، و هم لا يشعرون!.

5- مخالفة العامة، و المراد بالعامة هنا أهل الرأي و القياس الذين يستنبطون علل الأحكام الإلهية بحدسهم و ظنونهم، و يفرعون أحكاما يسندونها الى اللّه و رسوله لا لشي‏ء إلا لاعتقادهم بأن اللّه تعالى علوا كبيرا يشرع الأحكام و يصدرها تبعا للآراء و الظنون بالعلل المستنبطة، و الشيعة يسمّون هؤلاء بالعامة ضد الخاصة الذين يبنون أحكامهم على أساس كتاب اللّه و سنة نبيه.

و من أمعن النظر في روايات أهل البيت (ص) و أقوالهم الكثيرة في الرأي و القياس و أهله- يجد أنهم ما نهوا شيعتهم عن موافقة العامة حين تعوزهم النصوص، و أمروهم بمخالفتهم إلا خشية الوقوع في شبهة الرأي الكاذب، و القياس الباطل. و تتلخص أقوالهم الآل الأطهار (ع) بأن دين اللّه لا يصاب بالظنون، و أحكامه لا تقاس بالاوهام، و ان أول من قاس إبليس حيث قال: «خلقتني من نار و خلقته من طين». و عليه يكون الترجيح بمخالفة قياس إبليس تماما كالترجيح بموافقة كتاب اللّه و سنّة نبيه.

و إذا رجح الإمامية خبرا على خبر بمخالفة أهل الرأي و القياس فإن الشافعية رجحوا فتوى على فتوى بمخالفة أبي حنيفة، فقد جاء في الجزء الثاني من كتاب جمع الجوامع و شرحه ص 228 طبعة 1378 ه: أن أبا حامد الاسفراييني، هو أحد شيوخ الشافعية، قال: إذا ورد عن الشافعي قولان لا يعلم أيهما المتأخر فالقول المخالف لأبي حنيفة أرجح من القول الموافق له.

أما الكرخي، أحد أئمة الاحناف، فقد تجاوز كل حد حيث قال: كل آية في القرآن، أو رواية عن رسول اللّه (ص) تخالف ما قرره مذهب أبي حنيفة فهي مؤولة أو منسوخة!. (انظر تفسير المنار للآية 167 من البقرة، و كتاب ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين للشيخ عبد الجليل عيسى، الفصل الثامن) (1).

____________

(1) في كتاب شبهات الملحدين و الاجابة عنها نسبت خطأ هذا الكتاب إلى الشيخ عبد العزيز عيسى، و هو من اشتباه الأمثال.

445

هذي هي البدعة في الدين و الضلال المبين، اما مخالفة القياس و أهله و موافقة الكتاب و السنة فهي ذروة الإسلام و جوهر الايمان .. و ما كنت بحاجة إلى هذه الاشارة هنا لو لا ظني بأن هناك من يسرع إلى الحكم على الإمامية بالتعصب ضد أهل الرأي و القياس. و من أراد أن يعرف أين معدن التعصب و منبعه فليقرأ أقوال ابن تيمية، و منها على سبيل المثال «الرافضة أكذب طوائف أهل الاهواء- اقتضاء الصراط المستقيم ص 391 طبعة سنة 1950».

و الخلاصة أن المرجحات المنصوصة هي الشهرة الروائية، و الاعدل و الاوثق، و موافقة الكتاب و السنة، و مخالفة الرأي و القياس و أهله، و ما عدا ذلك محل نظر و نقاش.

الترجيح بين المرجحات‏

إذا تعارض خبران بحثنا قبل كل شي‏ء عن أحد المرجحات الأربعة المذكورة فإذا وجدنا شيئا منها قدمنا ما يخالف القياس على ما يوافقه و ما يوافق الكتاب على ما يخالفه، و الأوثق على من هو دونه ثقة، و المشهور على الشاذ، ما في ذلك ريب، و هنا سؤال يطرح نفسه، و هو: إذا وجدنا في أحد الخبرين المتعارضين وصفا يوجب الترجيح كالشهرة، و في الثاني وصفا آخر كموافقة الكتاب فما ذا نصنع؟

هل نحكم بالتساقط لأن كلا منهما حجة في نفسه لو لا المعارضة، و معها لا خبر و لا حجة، أو نقدم احداهما دون الثانية؟.

الجواب:

أبدا لا ترجيح في العدالة أو الأعدل، و لا في الشهرة أو الأشهر، و لا في الموافقة للكتاب أو لمخالفة أهل الرأي و القياس، و لا في أي شي‏ء على الاطلاق ما دام الجمع العرفي الفني ممكنا، و الجمع الشرعي بخبر ثالث موجودا، كحمل العام على الخاص، و المطلق على المقيد، و الظاهر على الأظهر، و المفسر- بالفتح- على المفسر- بالكسر- و من هنا كان الخبر الواحد مخصصا لظاهر الكتاب و عمومه لأنه قرينة تحدد المراد من الكلام.

و سبقت الاشارة إلى ذلك في فصل التعادل و التراجيح فقرة، نعم الجمع أولى من الطرح، و فقرة الورود و الحكومة- حيث بيّنا أن مسألة الحكومة و الورود تجري‏

446

بين الاصول اللفظية بعضها مع بعض تماما كما تجري بين الاصول العملية من جهة، و الأدلة الاجتهادية من جهة ثانية. و إلى هذا أشار الإمام بقوله: «ان في أخبارنا محكما كمحكم القرآن، و متشابها كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتبعوا متشابهها فتضلوا». و في رواية ثانية: «انتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، و ان الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء انسان لصرف كلامه كيف يشاء و لا يكذب».

و بعد أن نقل الأنصاري هاتين الروايتين علق عليهما بقوله: «و فيهما دلالة على وجوب الترجيح بالدلالة». و بعد حوالى أربع صفحات عاد إلى الروايتين و قال ما معناه: ان السائل لم يرجع إلى الإمام و يسأله عن حكم الخبرين المتعارضين و علاجهما إلا بعد عجزه و يأسه عن الجمع بينهما بطريق مقبول و معقول. و قال الآشتياني في شرحه لكلام استاذه الانصاري: «لا إشكال و لا خلاف في تقديم المرجح من حيث الدلالة على سائر المرجحات .. إن مصب الترجيح في الأخبار سؤالا و جوابا هو فيما لم يمكن فيه رفع التعارض بين الخبرين بجعل احدهما قرينة على المراد من الآخر بحكم العرف .. و لا يخفى ذلك على من أعطى الأخبار حق النظر».

و إذا تعذر الجمع العرفي الفني التجأنا إلى مرجحات التعارض تماما كما نلجأ إلى التيمم إذا تعذر الوضوء، فإذا وجدنا لأحد المتعارضين مزية دون الآخر وجب العمل بصاحب المزية، و إن كان لكل منهما مزية نص عليها الشارع حدث الاصطدام و التعارض بين المزايا نفسها، و عندها نجري عملية التقديم و التأخير أو التساقط أو التخيير تبعا لنوع المزية و هويتها، و هي على ثلاثة أنواع:

1- أن تقرب المزية الخبر من الصدق، و تبعده عن الكذب، كما لو كان راويه أوثق و اضبط من راوي الخبر الآخر. و تسمى هذه من مرجّحات السند و الصدور.

2- أن تكون المزية من الصفات التي تقرب ورود الخبر لبيان الحكم الواقعي لا للاتقاء و الخوف من الأعداء بعد الفراغ من ثبوت الخبر و صدوره، و تسمى هذه بمرجحات جهة الصدور.

3- أن ترجع المزية إلى المضمون كما لو وافق الخبر القرآن الكريم بمعناه و محتواه. و تسمى هذه بمرجحات المضمون.

447

فإذا كانت المزية الموجودة في أحد الخبرين هي و المزية الموجودة في الآخر من من نوع واحد و مرتبة واحدة- فلا مجال للمعارضة و المفاضلة بالاتفاق و حكم البديهة، لأن الدرجات و المقارنات انما تكون بين مزيتين من نوعين كما لو رجعت احداهما إلى السند و الثانية إلى المضمون- مثلا- لا بين مزيتين ترجعان إلى السند كالأوثق و الأضبط. و إن اختلفتا في النوع أمكن التقارن و التفاضل، و لكن على أي أساس؟ و ما هو ضابط التقديم و التأخير؟ و قد تعددت الأقوال في ذلك، و انهاها بعض المؤلفين إلى أكثر من أربعة، و لا واحد منها بسليم.

و لعل أرجحها نسبيا القول بأن ما يدعم السند و يقويه يقدّم على ما يرجح جهة صدور السند، لأنه إذا رجحنا أحد الخبرين على الآخر من حيث السند كان معنى هذا طرح الخبر الثاني المعاكس، و عليه فلا يبقى للترجيح من موضوع إذ لا بقاء لفرع بلا أصل، و اما الذي ترجح بالمضمون فإنه يقدم على ما ترجح بالسند شريطة أن يكون المضمون موافقا لكتاب اللّه لأن أعدلية الراوي في الخبر المخالف للكتاب لا تقاوم قطعية سند الكتاب الموافق للخبر الآخر، و بتعبير الآخر تكون المعارضة في الواقع بين الكتاب و الخبر الواحد فيقدم الكتاب.

هذا تلخيص سريع لما دار حول الترجيح بين المرجحات، و قد بحثت و راجعت بتأمل و امعان أخبار التعارض، و كتاب الرسائل، و الآشتياني، و تقريرات درس النائيني، و الكفاية و حاشيتها للحكيم، و غير ذلك .. و لم يقنعني قول أو يقو في نفسي شي‏ء سوى الظن بأنه لا قاعدة عقلية أو نقلية تدل على ترجيح مزية على مزية من المرجحات المنصوصة عند تعارضها، و من هنا تناقضت الأقوال تبعا لتعدد الظنون و الأوهام. و عليه فالأفضل أن يترك هذا الترجيح إلى نظر المجتهد و اطمئنانه. و عن الشيخ البهائي أنه قال في مسألة الترجيح بين المرجحات:

«انها مثنى و ثلاث و رباع، فاتبع منها الأقوى»، و لازم التقوى. و هذا كلام شعري كما ترى تعميمات و معميات لا يشير إلى ما نعلم، و لا يفسر ما نجهل «اقوى و تقوى» و ان دل هذا على شي‏ء فإنه يدل على أن مشكلة الترجيح بين المرجحات لا ضابط لها و لا حل إلا ورع المجتهد و رأيه الذاتي الشخصي.

المرجحات غير المنصوصة

لا ريب في وجوب العمل بالمرجحات الأربعة المنصوصة، و هي: الشهرة،

448

و صفات الراوي، و موافقة الكتاب، و مخالفة أهل الرأي و القياس كما أسلفنا، و لكن هل يجب الوقوف عندها و الاقتصار عليها، أو يسوغ التعدي عنها إلى مرجح يقرب الخبر من الحق و الواقع؟ قال النائيني: الأقوى وجوب الاقتصار على المرجحات المنصوصة و عدم جواز التعدي عنها. و قال الانصاري بعدم الاقتصار و وجوب الأخذ بكل مرجح يقرب إلى الواقع، و هذا هو المشهور، و عليه جمهور المجتهدين و المحققين، و هو الحق بالأدلة التالية:

1- ان المستفاد من الأخبار هو التخيير بين المتعارضين مع التعادل كما سبقت الاشارة، فاذا احتملنا وجود مرجح غير منصوص عليه في أحد الخبرين يدور الامر بين التعيين و التخيير، و من المسلّمات الاولية أن العقل يحكم بالتعيين تحصيلا لليقين بفراغ الذمة و الخروج عن العهدة، و الطرف الثاني مشكوك فينفى بالأصل.

2- عمل العقلاء قديما و حديثا، فإنهم اذا خيروا بين أمرين اختاروا بفطرتهم ما يظنونه الأرجح و الأصلح.

3- قال الأنصاري ما معناه: من دقق النظر في أخبار الترجيح ينتهي لا محالة إلى الجزم بأن المرجحات المنصوصة هي وسيلة إلى الواقع، و ليست غاية في نفسها، و إذن فكل ما يقرب إلى الواقع فهو مرجح سواء أنص عليه الشارع أم سكت عنه، بالإضافة إلى حديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» حيث دل بعمومه على أنه إذا دار الأمر بين شيئين، في أحدهما للريب، و الآخر لا ريب فيه- وجب العمل بالسليم من الريب، و ترك ما يشوبه الريب. و من البديهي إذا وجد المرجح في أحد الخبرين ينتفي الريب عنه بالنسبة إلى العاري عن المرجح، فيتعين العمل بالأول.

و الخلاصة ان الحكم في الخبرين المتكافئين هو التساقط بحسب الأصل، و التخيير بحسب القاعدة الثانوية المستفادة من الاخبار، و إذا وجدت مزية في احدهما دون الآخر فصاحبها المقدم سواء أ كانت منصوصة أم لا نص عليها، و إذا كان لكل خبر مزية تخصه مع اختلافهما في النوع- وازن المجتهد بينهما بنظره و ورعه.

و ختاما فإن الغرض الاول من هذه الصفحات أن تكون تبصرة للمبتدي، و تذكرة للمنتهي، فإن بلغت هذه الغاية فمن توفيق اللّه و فضله و إلا فهي جهد العاجز، فقد بدّلت أقصى ما أملك من جهد بخاصة من أجل تفهم أقوال الشيخ الانصاري،

449

و تفهيمها بأوضح عبارة، و بصورة أخص الاصول العملية، فقد قضيت مع هذا الشيخ العظيم السنوات، و انتفعت بعلمه كما انتفع بها الكبار و الصغار على مدى الاجيال، و أعانني كثيرا على حل طلاسمه تلميذه الكبير الجليل الآشتياني، (رضوان اللّه عليه) و على استاذه، و ضاعف لهما الاحسان و الثواب.

و كان الانصاري في نفسي و ما زال عملاق الاقطاب و مصباحهم، و لكن الصورة التي انعكست عنه في ذهني قد ربت و علت، و أنا منصرف بكل كياني إلى أقواله أتتبعها و أمعن فيها الفكر و النظر كمصدر لكتابي هذا، و هي أن هذا العملاق المتواضع لو أتى بأعجب العجب لا يراه وافيا بما يبحثه و يحلله و يغربله!. و هكذا الكبير كلما اتسعت آفاقه صغرت في نفسه أشياؤه و آلاؤه. و أعوذ باللّه من حبائل الغرور.

و أيضا ظهر لي جليا من الاستقراء و الاستيفاء أن كل من كتب في الأصول اللفظية من الأقطاب بعد صاحب الحاشية الكبرى على المعالم- فهو عيال عليه، و ان كل من كتب في الأصول العملية منهم بعد الشيخ الانصاري فقد اغترف من بحره الزاخر.

و الحمد للّه على ما أنعم، و الصلاة على محمد و الآل الأطهار.

450

فهرست‏

5- المقدمة

أصول الفقه‏

13 بين الفقه و أصوله- 14 الموضوع- 15 التعريف- 15 الغاية- 16 متمم الجعل- 17 تقسيم الاصول إلى لفظية و عملية- 18 طرق المعرفة إلى الحقائق الاصولية.

البيان‏

19 معناه- 19 البيان بالكلام- 20 البيان بالفعل- 21 البيان بالتقرير.

الحقيقة و المجاز

23 المعنى- 23 الوضع- 24 طرق المعرفة الى الوضع- 26 الظاهر و مراد المتكلم- 28 الحقيقة الشرعية- 30 بين الشرع و العرف و اللغة- 31 معاني الحروف- 32 عودا و بدءا.

الصحيح و الأعم‏

35 لمجرد التمهيد- 36 محل النزاع- 37 الاقوال- 37 القدر الجامع- 38 ثمرة الأقوال- 39 المعاملات.

المشتق‏

42 المراد من المشتق- 43 الزمان و المشتق- 44 الحال و الماضي و الاستقبال- 45 محل النزاع- 46 الاقوال- 46 و ائتوا البيوت من أبوابها.

لفظ الأمر

48 مادة الأمر- 49 العلو و الاستعلاء- 50 اتحاد الطلب و الارادة.

صيغة افعل‏

53 الأمر دون حروفه- 54 العرف و صيغة افعل- 56 الرخصة و العزيمة- 56 الأمر بعد الحظر- 58 لا بدار و لا تكرار- 59 الأمر بالأمر.

التعبد و التوصل‏

60 بين التعبدي و التوصلي- 60 المباشرة و الارادة و الاباحة- 62 الأمر لا يقتضي التوصل و لا التعبد- 64 الأصل العملي.

الواجب المعين و المخبر و العين و الكفاية

65 بين المعين و المخبر- 65 شبهة حول المخير- 66 دفع الشبهة- 66 بين‏

451

الأقل و الأكثر- 67 التخيير في النهي- 68 العين و الكفاية.

وقت الواجب‏

70 غير الموقت- 70 الموقت- 72 القضاء بأمر جديد- 72 تعدد المطلوب.

نسخ الوجوب و تكرار الأمر

74 معنى النسخ- 74 محل النزاع- 75 استصحاب الجواز- 76 تكرار الأمر.

هل يسوغ التكليف مع العلم باستحالة الامتثال؟

78 السنة و التكليف بالمحال- 78 الشيعة- 79 اسلام علي قبل البلوغ- 80 التكليف بالطبيعة أو بالأفراد؟.

الإجزاء

82 لمجرد التمهيد- 82 الحكم الواقعي- 83 الحكم الظاهري- 84 محل النزاع- 85 هذا البحث لفظي أو عقلي؟- 86 المأمور به بالأمر الاضطراري- 87 المأمور به بالأمر الظاهري- 87 الأمارة الشرعية- 88 البينة الشرعية- 88 الأصل العملي- 90 نقض الاجتهاد.

مقدمة الواجب‏

93 الجزء و المقدمة- 93 السبب التام- 94 الشرط الشرعي- 94 الشرط المتأخر- 96 المطلق و المشروط- 96 الشك في المطلق- 97 القيد المردد- 98 المعلق و المنجز- 99 المقدمة المفوتة- 101 النفسي و الغيري- 102 الشك في النفسية و الغيرية- 103 الثواب على المقدمة- 104 الطهارات الثلاث- 104 حكم المقدمة عند ترك واجبها- 105 الأصلي و التبعي- 106 الخلاف و الثمرة- 107 الأصل في وجوب المقدمة- 108 مقدمة الندب و الحرام و المكروه- 108 العزم على الحرام- 109 العزم مع مباشرة بعض المقدمات.

الضد

111 محل الكلام- 111 الاقوال- 114 شبهة الكعبي- 114 الثمرة- 116 النهي- 116 تمهيد- 117 موضوع الترتب- 118 معنى الترتب- 118 الغاية من الترتب- 119 المقدمة الاولى- 120 المقدمة الثانية و الثالثة- 121 المقدمة الرابعة- 122 المقدمة الخامسة.

النهي و اجتماعه مع الأمر

125 النهي- 126 اجتماع الأمر و النهي- 127 من أدلة المانعين- 128 من أدلة المجيزين- 129 رأينا- 129 ثمرة الخلاف- 130 المندوحة- 131 العبادة

452

و الكراهة- 132 التخلص من الحرام- 132 الجاهل و الناسي- 132 هل الأصل تقديم النهي أو الأمر؟- 133 الأصل العملي.

أثر النهي في العبادات و المعاملات‏

135 لمجرد التمهيد- 136 محل الكلام- 137 أين الأصل؟- 137 النهي عن العبادة- 139 النسيان و الاضطرار- 139 النهي عن المعاملة- 140 الأحناف.

المنطوق و المفهوم‏

142 دلالة المنطوق- 143 دلالة المفهوم- 144 تنبيهان.

مفهوم الشرط

145 المراد من الشرط- 146 محل الخلاف- 146 الأقوال- 148 سنخ الحكم لا شخصه- 149 وحدة المنطوق و المفهوم- 149 تعدد الشرط- 150 لا مفهوم مع تعدد الشرط- 151 التداخل- 152 الأصل اللفظي- 154 الأصل العملي.

مفهوم الوصف‏

155 الوصف- 156 محل الخلاف- 156 الأقوال- 158 النقض بالمطلق و المقيد.

مفهوم الغاية و الحصر و العدد و اللقب‏

160 الحد و المحدود- 161 الخلاف في مفهوم الغاية- 162 الأقوال- 163 مفهوم الحصر- 163 مفهوم العدد- 164 مفهوم اللقب.

العام و الخاص‏

165 من ألفاظ العام- 166 العام و المطلق- 167 النصوص الشرعية قضايا حقيقية- 167 التخصيص- 168 الموصول و المفصول- 169 العام بعد التخصيص.

العام و الشبهة في المصداق و المفهوم‏

172 محل الكلام- 173 الشبهة و أقسامها- 174 الخاص المجمل الموصول- 175 الخاص المجمل المفصول- 175 اجمال المفهوم المردد بين متباينين- 176 اجمال المردد بين الاقل و الاكثر- 177 الشبهة المصداقية- 179 الشك في أصل التخصيص- 179 صاحب الكفاية و المخصص اللبي.

من أحكام العام‏

181 البحث عن المخصص- 182 خطاب المشافهة- 184 العام و الضمير الخاص- 185 وحدة الاستثناء و تعدد المستثنى منه- 186 تخصيص العام بالمفهوم.

النسخ و التخصيص‏

189 الأدلة السمعية- 190 تخصيص الكتاب بالسنة- 191 نسخ الكتاب بالسنة-

453

193 بين النسخ و التخصيص.

المطلق و المقيد

195 المطلق- 196 العدم و الملكة- 196 الشرط و اللاشرط- 198 مقدمات الحكمة- 199 ورود المطلق و المقيد- 201 المعيار- 201 التخيير و الاستصحاب- 202 الندب- 202 الحكم الوضعي.

204 المجمل و المبين القطع‏

211 الوظائف الثلاث- 212 نتيجة القطع- 213 القطع الطريقي و الموضوعي- 214 بين الموضوعي و الطريقي- 215 المتجرى.

الظن‏

217 سلطان الشارع و منهجه- 217 طريق الأمن و الأمان- 219 التصويب- 220 الاصل في اتباع الظن- 221 ظواهر الكتاب و السنة- 223 الأخباريون- 224 قول اللغوي.

الإجماع‏

225 تعريف الاجماع- 225 الاجماع بين السنة و الشيعة- 226 نتاج الفرق بين القولين- 227 أقسام الاجماع- 228 حول الاجماع المنقول- 229 نحن و الاجماع- 230 تناقض و اضطراب- 230 الشهرة- 231 تعريف الشهرة و أقسامها و الاقوال.

خبر الواحد

233 تعريفه و محل الخلاف- 234 من علم الاصول- 234 أدلة النافين- 235 أدلة الموجبين- 235 من الكتاب- 237 من السنة- 238 تقرير الاجماع و بناء العقلاء.

شبهة العمل بالظن و أدلتها

241 بين افراط و تفريط- 241 الضرر المزعوم- 242 الراجح و المرجوح- 242 الحرج المزعوم- 243 مقدمات الانسداد- 244 الحكم و طريقه- 244 الكشف و الحكومة- 245 القياس بين الشرع و العقل- 246 قياس ابليس.

حول الشك في الحكم‏

251 الشك و المشكوك- 251 بين الحكم الظاهري و الواقعي- 252 بين الأصل و الدليل- 253 الأصول الأربعة- 254 أصل الحظر أو الإباحة.

454

البراءة

256 بين البراءة و الإباحة- 257 الشبهة التحريمية و آية نفي العذاب بلا بيان- 258 حديث الرفع- 259 هل يمكن رفع المرفوع- 261 الاجماع و دليل العقل- 262 السمعيات ألطاف في العقليات- 263 أدلة الإخباريين- 265 الشك لإجمال النص- 266 الشك لمعارضة النص- 266 الشبهة الموضوعية- 268 الشبهة الوجوبية.

تنبيهات البراءة

270 التنبيه الأول، حسن الاحتياط- 273 التنبيه الثاني، التسامح في أدلة السنن- 275 التنبيه الثالث، الوجوب التخييري- 278 الأصل الموضوعي.

التخيير

280 محل البحث- 281 أسباب الشك و الأقوال- 283 التحذير من التخيير.

الاحتياط

285 الاحتياط و الاشتغال- 285 التشريع و التنفيذ- 286 معنى الشك في المكلف به و أقسام الشك و الشبهة- 287 أسباب الشك و الاشتباه- 288 محل الكلام- 289 الأقوال- 290 الموافقة التعبدية.

تنبيهات الشبهة المحصورة

294 التنبيه الأول، طبيعة المحرمات واحدة- 294 التنبيه الثاني، الاحتياط وسيلة لا غاية- 295 التنبيه الثالث، في الابتلاء- 297 التنبيه الرابع، أثر المخالفة لبعض الأطراف- 298 التنبيه الخامس، الضرورات تبيح المحظورات- 301 التنبيه السادس، واحدا بعد واحد.

الشبهة التحريمية غير المحصورة

303 معناها و حكمها- 304 التنبيه الأول، الشك في الحصر- 305 التنبيه الثاني، لا مخالفة قطعية- 306 إشارة و تذكير.

الشبهة الوجوبية

307 معناها و أقسامها- 308 بين المتباينين و لا نص- 309 بين المتباينين و اجمال النص- 309 بين المتباينين و معارضة النص- 310 بين المتباينين لاشتباه الموضوع- 311 التنبيه الأول، الاحتياط و نية القربة- 312 التنبيه الثاني، اشتباه الشرط الواجب- 313 التنبيه الثالث، الشبهة الوجوبية غير المحصورة.

الأقل و الأكثر

314 معنى الاستقلالي- 316 معنى الارتباطي و محل البحث- 316 الشك في الجزئية لعدم‏