عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل‏ - ج1

- السيد عبد الله الشيرازي المزيد...
243 /
50

ثم إن التكلم في الظن و أقسامه و أن الأمارات الأخر و بعض الأصول- مثل الاستصحاب- يقوم مقام أيّ قسم منها تطويل بلا طائل، بعد ما لم تكن الأحكام في أبواب الفقه معلّقة عليها، إلا على قسم منها، و هو الظن الذي أخذ على وجه الطريقية.

***

51

الكلام في التجري‏

هل حجية القطع تشمل مورد المخالفة مع الواقع في علم اللّه؟

[ينبغي التنبيه على أمور:]

ينبغي التنبيه على أمور

[الأول هل القطع حجة سواء صادف الواقع أم لم يصادف:]

الأول هل القطع حجة سواء صادف الواقع أم لم يصادف قوله- (قدس سره)-:

لكن الكلام في أن قطعه هذا هل هو حجة عليه من الشارع و إن كان مخالفا للواقع في علم اللّه؟

اعلم أن الكلام في حرمة التجري الذي هو محل البحث في المقام: تارة بحسب حكم العقل و أنه هل يحكم العقل بحرمته أو لا؟ و أخرى بحسب حكم الشرع لإمكان أن يكون من المحرمات الشرعية و إن لم يكن بحكم العقل حراما، كما أن العكس أيضا ممكن. نعم، إذا حكم بحرمته العقل فحكم الشرع- على تقدير وروده- يكون إرشاديا، لما سيجي‏ء من أنه في كل مورد ثبت حكم العقل فيه بحيث يرتب عليه الثواب أو العقاب، لا يكون حكم الشرع بالنسبة إليه إلا إرشادا.

و لا يتوهم أنه إذا كان من المحرمات الشرعية فيكون عصيانا و يخرج عن كونه تجريا. لوضوح أن إطلاق التجري عليه باعتبار ارتكاب ما يعتقد أنه حرام واقعي، و الحال أنه ليس كذلك و يكون مخطئا في الاعتقاد، و لا مانع من تعلق النهي الشرعي بهذا العنوان، فافهم.

أما الكلام في المقام الأول فلا بدّ من البحث فيه من جهات:

52

الأولى:- أن التجري من جهة كشفه عن سوء السريرة و خبث الباطن، هل يكون حراما أو لا؟

الثانية:- أن العزم على العصيان الذي هو ظرف تحققه بعد خبث الباطن، حيث أنه بمنزلة معلوله، هل هو حرام أو لا؟

الثالثة:- هل يصير الفعل المتجرّى به حراما لأجل التجري من جهة انقلابه عما هو عليه، أو من جهة أخرى أو لا؟

أما الجهة الأولى:- فقد أتى المصنف «قده» بأقصى ما يمكن أن يحقّق، و أنه من هذه الجهة لا يوجب إلا استحقاق المذمة على الفاعل، و هو غير ملازم لاستحقاق العقاب، حيث أن حكم العقل و العقلاء باستحقاق العقاب فيما إذا كان الذم و اللوم على الفعل، لا على الفاعل.

و أما الجهة الثانية:- فقد ذهب بعض المحققين إلى حرمته، بل يلتزم بأن استحقاق العقاب في باب العصيان أيضا من جهة العزم على المخالفة و العصيان.

و فيه- مع أنه خلاف ما تقتضيه الأخبار المستفيضة الدالة على أنه ليس بحرام كما سيجي‏ء إنشاء اللّه في المقام الثانى- أنه لا شاهد عليه من العقل و لا من العقلاء، و أن العبد بمجرد العزم على مخالفة المولى بلا أن يصدر عنه فعل في الخارج، لا يحكم باستحقاقه للعقاب، بل يذمون من عاقب عبدا بمجرد ذلك.

ثم إن ظاهر عبارته «قده» أنه جعل العزم موجبا و موضوعا للعقاب من جهة أنه ينطبق عليه عنوان هتك المولى.

و فيه: مع قطع النظر عن عدم صدق عنوان الهتك على مجرد القصد و العزم، أنه يلزم أن يلتزم بحرمة الفعل الصادر عن العزم، لأنه أيضا يكون هتكا مسلّما، و سيجي‏ء زيادة توضيح لذلك إنشاء اللّه.

53

و أما الجهة الثالثة:- فلا يخفى أن الفعل بعنوانه الأولي- و إن لم يكن ينقلب عما هو عليه من الحسن و القبح و المحبوبية و المبغوضية- ضرورة عدم انقلاب شرب الماء و قتل الولد عما هما عليه من الجهات المذكورة، إلا أنه لا ينافي ذلك طروّ عنوان عليه، يكون حكم هذا العنوان الطارئ غير ما حكم على ذات الفعل بالعنوان الأولي، كما هو الحال في طروّ مثل عنوان التعظيم و التوهين على القيام، حيث أن ذاته لا يكون فيه حسن و لا قبح و يكون كشرب الماء و لكن إذا انطبق عليه عنوان التوهين أو التعظيم يصير حراما أو واجبا.

و من المعلوم أن عنوان التقابل للمولى، بعنوان المخالفة و الطغيان، يكون من العناوين القبيحة عند العقل و العقلاء، و هو كما أشرنا لا ينطبق على نفس العزم بل ينطبق على الفعل الصادر عنه، فيكون حال شرب الماء في المقام، حال القيام في التعظيم و التوهين، فحينئذ يصح أن يقال: إن شرب الماء باعتبار أنه صار دخيلا في عنوان التجري، يكون حراما بحرمته. و لو قيل: بأنه مقدمة للتجري، كما أن القيام مقدمة للتعظيم فتطرأ عليه الحرمة الغيرية، مع أنه يمكن أن يقال ببقاء شرب الماء على ما هو عليه من حكم عنوانه الأولي من عدم المبغوضية و القبح، و لكن باعتبار طروّ عنوان التجري عليه يصير قبيحا و حراما.

و إشكال اجتماع المتضادين، يرتفع بما يرتفع به إشكال لزومه في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري ببعض الوجوه.

و مما ذكرنا ظهر أنه ليس المقصود من الانقلاب، كون مجرد طروّ القطع على الشي‏ء موجبا للانقلاب، حتى يورد عليه بوضوح فساده كما في كلمات بعض المحققين «قده» و تقريرات بحث الأعاظم «قده».

ثم لا يخفى: أنه بعد ما يكون عنوان التجري مما ينطبق على الفعل الخارجي، فلا إشكال في أنه ما دام يكون مشغولا بالفعل من المقدمات أو ذيها يكون متجريا و يفعل‏

54

حراما، بناء على الحرمة، فيختلف بالطول و القصر كاختلاف الخط فيهما.

و التحقيق: أن التجري يكون حراما من هذه الجهة، لوضوح أنه هتك على المولى و طغيان بالنسبة إليه، و وضوح حرمة الهتك و الطغيان بالنسبة إليه.

ثم اعلم: أنه لا مانع من كون الفعل بعنوان التجري حراما، من جهة عدم الالتفات إلى كون الفعل مما يقطع بحرمته غالبا، كما في كلمات بعض المحققين «قده»، حيث أنه لا يوجب عدم ترتب العقاب عليه في غير الغالب، مع أنه لا يلزم الالتفات إلى عنوان أنه مقطوع الحرمة، أو إلى عنوان التجري في ترتب العقاب، بل يكفي الالتفات إلى نفس التقابل للمولى و الطغيان عليه، و هما مما يلتفت إليهما في هذه الحالة، بل لا يحتاج إلى الالتفات إليهما أيضا، حيث أن تحقق العناوين على ثلاثة أقسام:

[أنواع تحقق العناوين:]

أحدها:- أنه لا يتوقف حصوله على قصد و إرادة، و إنما يتوقف صدوره الاختياري منه عليهما، كالضرب.

الثاني:- يتوقف حصوله على قصد عنوانه، كالتعظيم و التوهين.

الثالث:- يتوقف حصوله على قصد عنوان آخر، كالعصيان حيث أنه لا إشكال في تحققه بمجرد القصد إلى ارتكاب متعلّق النهي، في غير صورة العذر، و لا يتوقف على قصد العصيان، لوضوح أنه لا يحتاج إلى القطع بالنهي، كما في صورة الجهل مع التقصير، بل و لا يحتاج إلى قصد المخالفة، بل الالتفات إليها عند العلم بالنهي، فتأمل جيدا، و الظاهر أن التجري أيضا كذلك.

ثم لا يخفى: أنه لا يرد على ما ذكر من كلام هذا المحقق، من أنه لا يكون الفعل بعنوان أنه مقطوع الحرمة، مما لا يلتفت إليه، فلا يكون اختياريا، لزوم عدم إمكان أخذ القطع موضوعا للحكم، مع اعترافه بامكان أخذ العلم موضوعا لحكم آخر، لأنه «قده» ليس في مقام بيان أن المانع في المقام في جميع أفراده هذه الجهة، بل مقصوده «قده» أن هذه الجهة

55

لا تكون من الجهات المحسّنة أو المقبّحة، لأنها مما لا يلتفت إليها غالبا في مقام ارتكاب المحرمات و متعلقات النواهي، لا أنه لا يمكن أن يلتفت إليها من باب الاتفاق حتى لا يمكن للشارع أخذ القطع بشي‏ء، موضوعا للحكم.

أما الكلام في المقام الثاني: فتارة يستدل بالاجماع و أخرى بالأخبار.

أما الإجماع: فقد حكي ادعاؤه في موردين- على ما ذكره المصنف «(قدس سره)».

أحدهما: الظان بضيق الوقت، يعصي إذا أخر صلاته و لو انكشف بقاؤه.

ثانيهما: سلوك طريق مظنون الضرر حرام موجب لاتمام الصلاة و لو انكشف عدم الضرر.

و الإنصاف أنه غير متحقّق في الموردين، لأنه- مع قطع النظر عن عدم كون المسألة شرعية محضة حتى يمكن فيه تحصيل الإجماع- أن الأول غير مسلّم كونه مما اتفق عليه الكل، و لذا حكي عن شيخنا البهائي «قده» التوقف في العصيان، بل حكي عن التذكرة عدم العصيان عند انكشاف الخلاف، مع ما أشرنا إليه من أنه لما كانت المسألة عقلية- أي للعقل سبيل إليها بحيث يمكن أن يكون المتفقون كلّهم أو بعضهم حكموا بحرمة التأخير من جهة حكم العقل بحرمة التجري، كما هو المظنون لو لم يكن مقطوعا- فلا يمكن تحصيل الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم، كما هو واضح.

و هذا هو المقصود من قول المصنف «قده» «و المسألة عقلية». و لا يرد عليه إيراد بعض الأعاظم «قده» من أنه لا مانع من تحقق الإجماع بعد ما كان البحث عن ثبوت الإجماع و دلالة الأخبار على حرمة التجري فقهيا و المسألة شرعية، لوضوح أنه لو ثبت الإجماع و دلت الأخبار على حرمة التجري، تكون حرمته حرمة شرعية، أي حرمة حكم بها الشرع. و لكن هذا غير ملازم لأن يكون الاتفاق كاشفا عن الحكم الشرعي و لاثبات الإجماع، بعد ما كان نظر القائل بالحرمة إلى حكم العقل ممكنا.

56

ثم إنه «قده» أجاب عنه: بأن الظن بالضيق أخذ موضوعا لوجوب المبادرة و حرمة التأخير.

و هو في غاية العجب، حيث أنه لم يكن عليه دلالة من الكتاب و السنة فيما أعلم، بل مقتضاهما، مثل قوله تعالى‏ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ‏ (1) و أخبار الوقت، أن وجوب الصلاة حدوثا و بقاء تابع للوقت الواقعي، و لم يكن في البين إجماع إلا نفس هذا الإجماع المدعى، الذي هو محل الكلام. و هو مع أنه لا يكون إجماعا، يكون- على مذاقه «قده»- دليلا على الحرمة الشرعية للتجري. اللهم إلا أن يكون مقصوده: أن هذا الإجماع كما يحتمل أن يكون من جهة حرمة التجري، كذلك يحتمل أن يكون من جهة موضوعية الظن. و لكن هذا خلاف ظاهر تقريرات بحثه «قده»، بل لا يحتمل فراجع.

و الثاني غير مرتبط بالمقام، حيث أن الظن في باب الضرر موضوع للحكم بوجوب دفعه: أما بحسب العقل فلوضوح أن حكمه لا يكون إلا على ما لا يؤمن من الضرر، و أما بحسب الشرع فلأن أحكام الضرر- و إن تعلقت بالضرر الواقعي- إلا أنه لما كان إحرازه بالقطع و العلم في غاية الندرة، بحيث لو دارت الأحكام مداره يلزم إلغاؤها، فالعقل يستقل بأنه لا بدّ و أن يحرز بالظن و أن الضرر المظنون هو الموضوع، و لذا يجري الأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)- مقدمات الانسداد في باب الضرر، و يسمى بالانسداد الصغير، بل مقتضى الجمع بين أدلة الضرر و الأخبار الواردة في الموارد الخاصة المذكور فيها الخوف من الضرر أو الظن به، أن الموضوع هو الظن أو الخوف منه، فتأمل جيدا.

لا يقال: إنه يمكن أن يكون كفاية الظن في باب الضرر، من جهة كفايته في طريق الامتثال، و أنه لا يلزم الامتثال القطعي، كما هو الحال في الانسداد الكبير.

____________

(1). سورة الإسراء/ الآية 18.

57

فإنه يقال: إن الالتجاء إلى مقدمات الانسداد في المقام يكون من جهة لزوم اللغوية في جعل أحكامه، بخلاف ذلك المقام فلا تلزم فيها كما لا يخفى. اللهم إلا أن يقال: بأنه يكفي في عدم اللغوية إيكال الشارع طريق الامتثال إلى العقل، و عند عدم تمكن الامتثال العلمي يكون الظن بنظره قائما مقام القطع.

ثم إن بعض الأعاظم «قده» أجاب عن المطلب: بأنه يخرج المقام عن باب التجري و القطع الطريقي، من جهة أنه من أفراد ما لا يؤمن معه من الضرر، و هو موضوع حكم العقل بوجوب دفعه.

و لكن لا يخفى: أنه و لو كان حينئذ دفعه واجبا بحكم العقل، و لكنه غير ملازم لترتب العقاب و الحرمة الشرعية الذي يكون الإجماع- على فرض تحققه- كاشفا عنهما، فتأمل جيدا، و ينبغي التأمل و التتبع الكامل في المقام.

الأخبار الواردة في حرمة التجري‏

و أما الأخبار:- فالوارد منها في هذا الباب و إن كان بعضها لا يدل على الحرمة مثل الأخبار التي توهم دلالتها على العفو المستلزم لاستحقاق العقاب المستلزم للحرمة، حيث أنها:

أولا: لا تكون بلسان العفو، حتى يقال بأن العفو فرع الاستحقاق، بل لسانها أنه «من همّ بسيئة لم يكتب»، في قبال العزم على الحسنة، فراجع.

و ثانيا: العفو لا يدل على الاستحقاق، إذ الظاهر وجود المقتضي للحرمة، و هو يكفي في صدق العفو. و لا يلازم هذا التعبير نفيها، كما لا يخفى نظيره في كلمات الأصحاب في غير المقام، و بعضها قابلة للحمل، إلا أن بعضها الآخر يدل على الحرمة، مثل قوله (ص) في‏

58

التقاء المسلمين بسيفهما: «... فالقاتل و المقتول كلاهما في النار، قيل: يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال (ص): إنه كان حريصا على قتل أخيه» (1) حيث أنه (صلى اللّه عليه و آله)، علل دخول المقتول في النار على إرادة المعصية، و الأخبار الدالة على أن الرضا بالمعصية إثم، و أن للداخل إثمان و للراضي إثم، و لا يكون المراد من الأخيرة خصوص الرضا بفعل الغير و إن كان صدر بعضها في ذلك، حيث أن قوله (صلى اللّه عليه و آله) «و على الداخل إثمان إثم الرضا و إثم الدخول» بمنزلة التعليل، بل توسعة في الموضوع، فلا بدّ بناء على اعتبار سند هذه الروايات من الالتزام بحرمة التجري، لأنه يشمل الرضا بالمعصية و القصد إليها، إلا أن يرجع أخبار العفو و أنه لا يكتب أو يجمع بينها و بين هذه بنحو آخر، بأن تحمل هذه على صورة الاشتغال بالمقدمات كما هو المتعيّن.

ثم لا يخفى: أنه و إن كان المبحوث عنه في الأصول، هو ما إذا أتى بما يعتقد أنه معصية، و لا يعمّ كلام الأصولي غير هذا القسم من التجري، إلا أنه ثبت شرعا حرمة الرضا و الإرادة. أو القسم الآخر، و هو ما إذا تلبس بالمقدمات و لكن ما وصل إلى نفس العمل، إما من جهة ارتداعه بنفسه أو حصول مانع قهري، كما هو مفاد حديث التقاء المسلمين.

و لا بأس بالالتزام به، كما قد عرفت أنه هو المتعيّن بحسب حكم العقل، يكون المبحوث عنه أيضا محرّما قطعا بالأولوية القطعية.

فما عن بعض الأعاظم «قده»- على ما في تقريرات بحثه- من أنه لا دليل على حرمة التجري في القسم المبحوث عنه منه، مع اعترافه بورود الأدلة الشرعية فيما إذا تلبس بالمقدمات، من الغرائب.

مع أنه يمكن أن تكون صورة الاشتغال بالمقدمات أيضا داخلة في المبحوث عنه، إذ

____________

(1). الجامع الصغير للسيوطي/ وسائل الشيعة ج 11/ باب تحريم قتال المسلمين على غير سنة/ بنفس المضمون و اختلاف في ألفاظ الحديث/ نقلا عن التهذيب ج 2 و علل الشرائع.

59

أن نتيجته في النهاية تصل إلى مسألة فرعية، حيث أن الحرمة تتعلق بفعل المكلّف، فلو ثبتت حرمته- كما اعترف به «قده»- يكفي في المطلب في ثبوت المدعى في الجملة.

***

60

في بيان كلام صاحب الفصول «قده» في التجري‏

قوله- (قدس سره)-:

ثم إنه ذكر هذا القائل في بعض كلماته أن التجري إذا صادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما- الخ‏

أقول: البحث في تحقق العنوانين الموجبين للعقاب في صورة المصادفة، أولى من البحث في التداخل، حيث أنه فرع أن يتحقق في المقام عنوان العصيان الموجب للعقاب و عنوان التجري الموجب له، مع أنه لا يكون في البين إلا عنوان واحد، و هو المعصية، لأنها لا تكون إلا مخالفة الواقع عن عمد و اختيار، و التجري ارتكاب ما يعتقد أنه الواقع و لا يكون كذلك، و لذلك ورد في تقريرات بحث بعض الأعاظم «قده» أنهما في طرفي النقيض، فكيف يجتمعان.

و يمكن أن يؤتى ببيان آخر، و هو أنه: لو لوحظ تحقق عنوان التجري في العصيان- و هو ارتكاب ما يعتقد أنه حرام- عن إرادة، فلا يبقى إلا مصادفة الواقع عن غير اختيار، و من المعلوم أنها لا تكون عصيانا، لأنه لا يكون أمرا اختياريا، فتأمل جيدا.

هذا، و لكن يمكن الانتصار لهذا القائل- أعني صاحب الفصول «قده»- بأنه يمكن انطباق عنواني المعصية و التجري على صورة المصادفة:

أما الأول: فواضح.

و أما الثاني: فلأن التجري لما كان حراما عند القائل بالحرمة من جهة الهتك‏

61

و الطغيان، و من المعلوم أن هذين العنوانين يعمان المعصية في صورة المصادفة، فينطبق العصيان و التجري بمعنى الطغيان، و إلا فلا يليق بمثله أن يلتزم بتحقق طرفي النقيض في مورد واحد.

و لكن يرد عليه: أنه لا يلزم من ذلك تعدد العقابين حتى يقال بالتداخل أو عدمه، لأن انطباق عنوان الطغيان على المعصية:

إما من جهة أنه عنوان انتزاعي عن المعصية و التجري بالمعنى الأخص الذي هو في قبال المعصية، كعنوان التعدي المنتزع عن الغيبة و الإيذاء و السب و الشتم المنطبق على كل واحد منها، و من المعلوم أنه إذا اغتاب أحد لم يتعدّد عقابه لأجل تحقق عنواني الغيبة و التعدي.

و إما من جهة أنه- و إن فرضنا عدم كونه عنوانا انتزاعيا بل هو جامع بينهما خارجا، و قلنا: بأن عقاب العاصي من جهة وجود الجامع- كما أشرنا إليه آنفا- أحد المذاهب في المقام، و لم نقل بأن عنوان العصيان بخصوصه مذموم عند العقلاء في قبال الإطاعة، إلا أنه لا يلزم من كون الجامع و الجنس تحت الحكم مستقلا، أن يتعلق الحكم ثانيا بالجنس المحكوم عليه في ضمن الخاص و مع الفصل، كما يظهر من نظائر المقام في بابي العموم و الخصوص و المطلق و المقيد، فافهم.

و بالجملة، التجري، له إطلاقان:

أحدهما: في مقابل المعصية.

ثانيهما: ما هو أعم منه المنطبق عليها، كما هو المراد من قوله (عليه السلام) في دعاء كميل «و قد تجرّأت بجهلي ...». و ما يمكن أن يحمل عليه كلام صاحب الفصول هو الثاني، و لكن لا يترتب عليه استحقاق العقابين كي يبحث عن التداخل و عدمه.

***

62

حكم القطع الحاصل من المقدمات العقلية

[الثاني [هل القطع الحاصل من المقدمات العقلية حجة]:]

[هل القطع الحاصل من المقدمات العقلية حجة] قوله- (قدس سره)-:

و ينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريين عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدمات العقلية القطعية الغير الضرورية

اعلم أن ما يمكن أن يوجّه به مقالة الأخباريين من عدم حجية العلم الحاصل من المقدمات العقلية، هو: منع الملازمة بين حكم العقل و الشرع، و قبل الإثبات و النفي لا بأس بالاشارة إلى ما يكون محل الخلاف بين الأشاعرة و المعتزلة من الالتزام بالحسن و القبح العقليين و عدمه.

فاعلم أن في المقام أقوالا أربعة:

الأول:- أنه لا تكون الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد أصلا، بل كل ما أوجبه الشارع يصير حسنا، و كل ما حرمه الشارع يصير قبيحا.

الثاني:- أن يكون وجود الملاك في الطبيعة كافيا لتعلق الحكم، و لو بالنسبة إلى بعض أفراد الطبيعة أو أصنافها، بلا لزوم أن يكون في خصوص ما حكم به. و يستشهدون لذلك بأكل الجائع أحد الرغيفين و اختيار الهارب أحد الطريقين، مع أنه لا يكون الملاك في خصوص المختار، بل هو موجود في الطبيعة و الجامع، الموجودين في كليهما.

الثالث:- قيام الملاك في نفس الأمر و النهي.

63

الرابع:- وجود المصلحة أو المفسدة في نفس متعلّق الحكم.

و هناك احتمال خامس سنذكره- إنشاء اللّه تعالى.

أما الأول: ففساده واضح بحسب العقل و الشرع، بشهادة الوجدان في كثير من الأحكام و تواتر الأخبار و دلالة الآيات. و أما الاستدلال بما في خطبة حجة الوداع من قوله (صلى اللّه عليه و آله): «ما من شي‏ء يقرّبكم إلى الجنة و يبعّدكم عن النار إلا و قد أمرتكم به ...» فيمكن الخدشة فيه من جهتين:

أما أولا: فمن جهة أنه لا يدل على أن كل حكم ناشئ عن الملاك، بل يدل على أن كل ما فيه الملاك ففي الشرع صار موضوعا للحكم. إلا أن يقال: بأنه يكفي للإثبات في الجملة، أو يقال: إنه بعد اقتران الحديث الشريف بكونه (صلى اللّه عليه و آله) في مقام الامتنان و بيان حكمته «ص»، و أنه لا يقول إلا عن مصلحة و ملاك يدل عرفا على الكلية.

و أما ثانيا: فإن المقرّبية و المبعّدية، لا يمكن أن يكونا ملاكين للحكم، لتأخر مرتبتهما عنه، فيمكن أن تكون المقربية و المبعدية علة غائية له، فحينئذ يكون على مدعى الأشاعرة أدل. إلا أن يقال- أيضا- إن المقصود بمعونة القرينة، أن مقتضى القرب و البعد كونهما سببين للأمر و النهي، و من المعلوم أنهما لا يكونان إلا المصلحة و المفسدة.

و أما الثاني: و إن مال إليه بعض الأعاظم «قده» لكن التحقيق أن الالتزام به على خلاف التحقيق، حيث أنه يلزم أن يكون الملاك الإلزامي الموجود في بعض أفراد الطبيعة، غير مستتبع للحكم الإلزامي على طبقه، و لازمه أن يكون الحكم غير الإلزامي الموجود في مورده- مثل الإباحة- ناشئا عن الملاك الإلزامي، و هو خلاف مذهب العدلية، و كيف يمكن أن تكون المفسدة الموجودة في جميع أصناف الخمر مثلا، موجبة لتحريم بعض أصنافه لا جميعها، و يبقى غيره من الأصناف تحت الإباحة، مع أن العدلية يقولون: بأن‏

64

جميع الأحكام الخمسة تابعة للملاكات، و أن الحكم غير الإلزامي لا بدّ و أن لا يكون في مورده و موضوعه ملاك إلزامي، و أما القياس بأكل أحد الرغيفين و اختيار أحد الطريقين فليس في محله.

بيان ذلك يحتاج إلى تمهيد مقدمة:

و هي: أنه لا يخفى أن لكل واحد من حكم العقل و الشرع مقامين: مقام الإثبات، و مقام الإسقاط. و ليس هذا مختصا بالشرع، بل العقل أيضا كذلك، فمقام إثبات حكم العقل عبارة عن حكمه بالحسن و القبح، و أن هذا واف بالغرض و ذو مصلحة أم لا، و مقام إسقاطه عبارة عن العمل على طبقه و الجري على وفقه. و الذي ينبغي أن يقاس عليه الحكم الشرعي و يشبّه به، هو الأول لا الثاني، و من المعلوم أن اختيار أحد الرغيفين و أحد الطريقين مقام الإسقاط، و امتثال حكم العقل و مقام إثباته عبارة عن حكمه بوجود المصلحة و الملاك، و هو في المثال الأول ليس إلا رفع الجوع، و هو موجود في كلا الرغيفين.

و بعبارة أخرى: حكم العقل لا يكون إلا لزوم أكل أحد الأرغفة بنحو الوجوب التخييري، لكن امتثال هذا الحكم و إسقاطه بإحدى المتشخصات- مثل الأحكام التخييرية للشارع- أو تعلق حكمه بالجامع المنطبق على جميع أفراده، فافهم و اغتنم.

و أما الثالث: فهو أيضا لا يمكن الالتزام به، لأنه لو كان الملاك في نفس الأمر و النهي، يلزم سقوطهما بمجرد تحققهما، كسقوط الأمر بالصبي للصلاة بمجرد أمره بها، بناء على عدم شرعية عبادته و عدم كونها تمرينية، كما قيل، و ما مثّلوا له بالأوامر الامتحانية غير مطابق للممثّل له، حيث أنه لا يكون الملاك فيها في نفسها، بل الملاك في إظهار العبد الإطاعة و انقياده للمولى.

نعم، يمكن للخصم الالتزام بأن الأحكام الشرعية، يمكن أن تكون امتحانية و أن المصلحة و المفسدة لا تكونان في المتعلقات، و حيث لا يعلم العبد بكونها كذلك، يجب عليه‏

65

القيام بها و الإقدام عليها، لو قلنا بأنه لو علم العبد بكون أمر المولى امتحانيا لا يلزم العقل به، و إلا فالأمر سهل.

و يمكن له الاستشهاد لهذه المقالة بظهور كثير من الآيات الشريفة الدالة على أن بعثة الرسل لامتحان العباد، بل تدل على أن الخلق لذلك، فحينئذ يصير هذا قولا خامسا في المسألة إذا كان مرادهم من كون الملاك في نفس الأمر و النهي، غير ذلك مما قد عرفت.

و لكن الإنصاف: أن المطلب- و إن كان غير مناف لتلك الآيات- و لكن مقتضى الأخبار و الآيات أن اللّه- تبارك و تعالى- يمتحن الخلق بالأحكام التي نشأت عن المصالح و المفاسد الكائنة في الأشياء، و الحكم الموجودة فيها، و الآيات الدالة على وجود الحكم و المصالح في المتعلقات و الأشياء فوق حد الإحصاء، و التمسك ببطلان الترجيح بلا مرجح في إثبات المطلب من باب إلزام الخصم و النكتة بعد الوقوع.

و العمدة هي ما أشرنا إليه من دلالة الآيات و الأخبار على أن الأحكام ناشئة عن الحكم و الملاكات، قال اللّه- تبارك و تعالى- اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (1) و هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ (2) إلى غير ذلك، و لا يخفى أن صريح هذه الآيات تحقق النور و الحكمة قبل التعليم و الإخراج، لا أن بهما يتحققان.

فتلخص من جميع ما ذكرنا: أن التحقيق ما عليه العدلية من المعتزلة و الإمامية من أن الأحكام تابعة للملاكات في المتعلقات. و لكن لا يخفى: أن ذلك بحسب الغالب، و إلا قد يتفق وجودها في الأوامر و النواهي بأحد المعنيين.

إذا عرفت هذا، فاعلم أنه- كما أشرنا إليه في صدر المطلب- يمكن أن يكون نظر

____________

(1). سورة البقرة/ الآية 257.

(2). سورة الجمعة/ الآية 2.

66

الأخباريين في عدم حجية القطع الحاصل من المقدمات العقلية، إلى منع الملازمة، و أنه ليس كل ما حكم به العقل يحكم به الشرع، و قد وافقهم في الجملة بناء على ذلك صاحب الفصول «قده»، و استدل بأن العقل لا يدرك إلا وجود الملاك، و لكن لا يحيط بالواقع، فمن الممكن أن يكون في البين مانع عن حكم الشرع على طبق ما أدركه العقل. نعم في الظاهر يحكم على طبقه ما لم يحرز المانع.

و لكن لا يخفى: أن الكلام ليس في إدراك العقل ملاك الحكم فقط، بل المقصود حكمه بحسن الفعل أو قبحه، و هو لا يكون إلا بعد إحراز عدم المانع، فيكون النزاع لفظيا.

و أما ما أفاده من الحكم الظاهري عند الشك في وجود المانع. فمما لا معنى له، لأن العقل إما أن يدرك الملاك و عدم المانع، فيحكم بالحسن أو القبح، و إما أن لا يدرك، فلا حكم له، لا واقعا و لا ظاهرا. و إن كان نظرهم إلى أن نفس القطع الحاصل من المقدمات العقلية ليس بحجة من جهة مدخلية توسيط الحجة في بلوغ الأحكام، و لا عبرة بالحكم الواصل من غير تبليغ الحجة، فهو مما لا يرجع إلى معنى محصّل، بل إلى أمر معقول، بعد ما كان الكلام في القطع الطريقي و أنه لا يرى العقل إلا نفس الواقع، و لا يتم هذا المطلب بنتيجة التقييد الذي أسسه بعض الأعاظم «قده»، حيث قد عرفت سابقا عدم تماميته.

و ما دل على لزوم توسيط الحجج في الأحكام لا يمكن التمسك بها:

أما أولا: فلأن بعضا منها في مقام بيان شرطية الولاية في صحة العبادات، و بعضا منها في مقام ردّ العامة، حيث لم يعتنوا بالعترة (عليهم السلام) و قالوا: «حسبنا كتاب اللّه ...».

و أما ثانيا: فلأنه- بعد تسليم دلالتها على المطلب- تكون من باب تعارض العقلي و النقلي الذي هو عين محل الكلام.

***

67

الكلام في حجية قطع القطاع و عدمها

[الثالث: قد اشتهر في ألسنة المعاصرين أن قطع القطاع لا اعتبار به:]

قوله- (قدس سره)-:

الثالث: قد اشتهر في ألسنة المعاصرين أن قطع القطاع لا اعتبار به‏

لا يخفى: أنه بعد ما علم في المبحث السابق عدم تمامية كلام الأخباريين- من عدم حجية القطع الحاصل من المقدمات العقلية- يظهر الجواب عما نسب إلى بعض الأساتيد «قده» و إلى غيره من عدم حجية قطع القطاع، حيث أن المقصود إن كان هو القطع الطريقي- كما هو الظاهر- فهو مما لا معنى له، بل لا يعقل، و إلا لجرى في غيره كما أفاده المصنف «قده». و إن كان القطع الموضوعي فهو مما لا ينكر، حيث أن المنصرف منه- كما هو الحال في الشك و الظن- إلى ما هو المتعارف الحاصل من الأسباب المتعارفة و لا يشمل غيره، فحينئذ لا تشمله أدلة أحكامه، و هو خارج عنها. و لا فرق في ذلك بين أحكام نفس القطاع و غيره.

و دعوى عدم التفات القاطع حال قطعه إلى كونه قاطعا، فلا تظهر الثمرة بالنسبة إليه، و إنما تظهر بالنسبة إلى غيره- كما في تقريرات بحث بعض الأعاظم «قده»-.

ليست بتامة، حيث أن كونه كثير القطع مثل كونه كثير الشك و كثير الظن، فكما يمكن أن يكون ملتفتا إلى كونه كثير الشك أو كثير الظن، و لذا يجري عليه حكمهما، فكذلك يمكن التفاته إلى كونه كثير القطع و أن حصول قطعه على خلاف المتعارف.

68

و بعبارة أخرى: كما أن خروج الشك عن المتعارف له ميزان و معيار، و هو تحققه ثلاث مرات متواليات في صلاة واحدة مثلا، و يمكن للشاك إحراز هذا المقدار و التفاته إليه، كذلك خروج القطع عن المتعارف له ميزان، فإذا بلغ هذا الميزان يعدّ قطاعا عند القاطع و عند غيره، و لا مانع من الالتفات إليه لنفس القاطع، و الذي لا يمكن أن يلتفت إليه كونه على خلاف الواقع و أنه غير مصادف له. و الظاهر أن هذا صار منشئا للتوهم و الخلط بين المقامين.

هذا، و الذي أدى إليه التحقيق بنظري القاصر- بعد مضي مدة على درج هذا في الكتاب- أنه يمكن الذهاب إلى عدم كون قطع القطاع حجة حتى لنفس القاطع، و أن الحق هو ما ذهب إليه الشيخ كاشف الغطاء «قده» و من تبعه، لكن قطعه في مقام إسقاط التكليف لا في مقام إثباته، كما هو الظاهر من كلامه، و بيانه يتوقف على تمهيد مقدمات:

الأولى:- إن الإشكال في أنه للمولى أن يكتفي في مقام الامتثال بغير ما هو المأمور به من فرد ناقص أو محتمل الفردية أو مظنونه و أمثال ذلك، و قد أشبعنا الكلام في هذا المطلب في موارد متعددة في الفقه و الأصول، فلا مانع أن يكتفى من القطاع و الوسواسي بما يأتي به من الغسل للذي لا يراه صحيحا من جهة فقدان شرط أو جزء عنده.

الثانية:- قد عرفت آنفا إمكان كون القطاع ملتفتا إلى كونه قطاعا.

الثالثة:- إن المراد من أخبار كثير الشك، مطلق ما كان بتحريك الخبيث، فيكون قطعه- كشك كثير الشك- منهيّا عن العمل به حتى بنظره. و منه ظهر، أن خروج كثير الظن أيضا من هذه الجهة، لا من جهة الانصراف.

***

69

الكلام في اعتبار المعلوم إجمالا كالمعلوم تفصيلا و عدمه‏

[الرابع إن المعلوم إجمالا هل هو كالمعلوم بالتفصيل في الاعتبار أم لا؟]

قوله- (قدس سره)-:

الرابع إن المعلوم إجمالا هل هو كالمعلوم بالتفصيل في الاعتبار أم لا؟

اعلم أن الإجمال لا يكون راجعا إلى العلم في الحقيقة، و إنما يرجع إلى المعلوم، لأنه غير معيّن و غير مبيّن، و توصيف العلم به من باب المسامحة، كما أن إجماله لا يكون بمعنى خلطه و شوبه بالجهل، و إلا خرج عن كونه علما، و يدخل في الظن أو الشك أو الوهم، لأنها هي الاعتقادات المخلوطة بالجهل، إلا أن يكون المراد من الخلط و الشوب أنها عبارة عن قضية معلومة، و قضايا مشكوكة، بعدد الأطراف.

ثم إن الكلام في العلم الإجمالي: تارة في مقام الإثبات، و أخرى في مقام الإسقاط، و الأول طبعا مقدّم على الثاني، لكن المصنف «قده» قدم الثاني، و لم يعلم وجهه بنحو القطع، و ربما كان ذلك من جهة كون الكلام فيه أخصر.

و على كل حال، فلا إشكال في أنه كالعلم التفصيلي في المسقطية. أما في التوصليات فواضح، لمكان أن الغرض منها حصولها بأي وجه اتفق، و أما في العباديات فمن جهة أنه لا يعتبر فيها إلا حصول الطاعة، و هي تتحقق باتيان العمل بداع القربة، و محركيته عالما حين العمل بالمقربية.

و ما قيل: بأنه يلزم في حقيقة الطاعة عقلا، أن يكون عمل الفاعل حال العمل بداع الأمر المتعلق به، حتى يتحقق منه قصد الامتثال التفصيلي فيما بيده من العمل. مما لا شاهد

70

عليه، لأنها لا تحتاج إلا إلى قصد الأمر الموجود بين الأطراف، فيما إذا استلزم التكرار، و لا يلزم أن يكون المعلوم أنه كذلك في المقام، و لا يرجع إلى الانبعاث عن احتمال الأمر، بالنسبة إلى المأمور به الموجود بين الطرفين، و إن كان كذلك بالنسبة إلى كل واحد منهما، كما هو الحال بالنسبة إلى جميع العلوم الإجمالية، حيث تكون قضايا مشكوكة بعدد الأطراف، و لذا يكتفى بهذا الامتثال الإجمالي عند عدم التمكن من التفصيلي منه، بلا أن يراه العقل نحوا آخر، حتى يمكن أن يقال: هذا امتثال في هذه الرتبة.

نعم، تحقق الاحتياط في الشبهة البدوية، لا يكون إلا من جهة محركية احتمال الأمر.

لكن هذا أيضا من شئون محركية الأمر الواقعي، و لذا عند المصادفة يكون امتثالا و عند المخالفة انقيادا، لا أن الانبعاث عن احتمال البعث و الأمر نحو آخر من الطاعة عند العقل، و إلا يلزم أن لا يتحقق الانقياد عند المخالفة و يكون أيضا امتثالا.

و بعبارة أخرى: معنى الانبعاث عن احتمال الأمر و محركية احتماله، محركية الأمر المحتمل، فإذا صادف الواقع يكون امتثالا للأمر الواقعي، و إذا لم يصادف يكشف العمل عن انقياده.

و أما اعتبار قصد الوجه فيها فهو و إن لم يكن عليه دليل، و هذا دليل على عدم الاعتبار، كما هو الحال في قصد التميز، حيث أنه لو كان معتبرا- مع أنه مما يغفل عنه غالبا مع كونه مما تعمّ به البلوى- لا بدّ أن ينص عليه الشارع، و الحال أنه ليس في الأخبار منه عين و لا أثر، إلا أن تحققه في الامتثال الإجمالي بمكان من الإمكان: أما في صورة عدم استلزام التكرار فواضح بالنسبة إلى أصل العبادة، و بالنسبة إلى الأجزاء لم يقل به أحد، و أما في صورة استلزام التكرار فمن جهة أنه كما يمكن أن يكون الأمر المتعلق بالواقع بينهما محركا نحو العمل و يأتي بالعمل بقصد امتثاله، كذلك يمكن أن يكون المحرك الأمر الوجوبي أو الندبي كذلك، و يأتي بالعمل لوجوبه أو لندبه، كما هو كذلك في الخارج كثيرا.

***

71

الكلام في لحوق الظن التفصيلي المعتبر بالعلم التفصيلي‏

[المقام الثاني و هو كفاية العلم الإجمالي في الامتثال:]

المقام الثاني و هو كفاية العلم الإجمالي في الامتثال قوله- (قدس سره)-:

و هل يلحق بالعلم التفصيلي الظن التفصيلي المعتبر فيقدم على العلم الإجمالي أم لا؟

قد عرفت مما ذكرنا أن مرتبة الامتثال الإجمالي ليست متأخرة عن مرتبة الامتثال التفصيلي العلمي، و إن كانت عبارة المصنف في المقام موهمة لذلك، و لكن المصرّح به في السابق خلافه، فلا يكون متأخرا عن الامتثال الظني أيضا، سيما عن الظن المطلق، حيث لم تثبت حجيته إلا بعد عدم وجوب الاحتياط لا عدم جوازه، سواء على الكشف أو على الحكومة، و لذا تعجب المصنف «قده» من المحقق القمي «قده» حيث أنه- مع ذهابه إلى حجية الظن المطلق- التزم ببطلان عبادات تارك طريقي الاجتهاد و التقليد.

و الإنصاف أن التعجب في محله، و إن قيل بأنه ليس في محله‏ (1)، تخيلا منه بأنه لما كانت مرتبة الامتثال للظن التفصيلي- بناء على الكشف- مقدمة على مرتبة الامتثال الإجمالي، لا تصل النوبة إلى الامتثال الإجمالي، إذ يمكن الامتثال التفصيلي بالظن المطلق بأحد الطريقين: الاجتهاد أو التقليد. و من المعلوم أن المحقق المذكور «قده» كشفي، و من أجل ذلك التزم بما ذكر.

____________

(1). القائل هو بعض الأعاظم الميرزا النائيني «قده».

72

و الذي يظهر في المقام أن بعض الأعاظم «قده» قد التبس عليه الأمر و توهم أن المصنف لم يفرّق بين الحكومة و الكشف في تأخر رتبة الامتثال به، عن الامتثال الإجمالي.

و قد عرفت أن وجه تعجب المصنف «قده» ليس إلا من جهة أن من مقدمات حجية الظن المطلق مطلقا، عدم وجوب الاحتياط، لا عدم الجواز كما يصرح به مرارا، و ليس مرتبطا بتأخر مرتبة حجية الظن، من غير هذه الجهة حتى يقال: بأنه بناء على الكشف يكون الظن في عرض العلم، و إلا فقد عرفت أن المصنف «قده» لا يكون ملتزما بتقدم العلم التفصيلي في الامتثال على الإجمالي، فضلا عن الظن التفصيلي، مع أن تعجبه «قده» فيما إذا لم يستلزم الاحتياط التكرار الذي لا يلتزم المعترض بتقدم الظن التفصيلي على العلم الإجمالي في الامتثال.

و بالجملة، تأخر حجية الظن على العلم، تارة من جهة أن من مقدماتها عدم وجوب الاحتياط، و أخرى من جهة أن الظن مرتبة متأخرة عن مرتبة العلم، و المصنف «قده» يشكل على المحقق المذكور من الجهة الأولى، و المعترض ناظر إلى الجهة الثانية التي لا يقول بها المصنف «قده»، فافهم و اغتنم.

***

73

كفاية العلم الإجمالي في تنجز التكليف‏

[أما المقام الأول و هو كفاية العلم الإجمالي في تنجز التكليف و اعتباره كالتفصيلي:]

أما المقام الأول و هو كفاية العلم الإجمالي في تنجز التكليف و اعتباره كالتفصيلي قوله- (قدس سره)-:

و هو كفاية العلم الإجمالي في تنجز التكليف و اعتباره كالتفصيلي‏

لا يخفى: أن العلم الإجمالي على شقوق: فإنه قد يكون متعلقا بشخص واحد، و قد يتعلق بالمتعدّد، و على كلا التقديرين إما هو متعلق بجنس التكليف و إما هو متعلق بنوع التكليف، و على كل حال إما أن يمكن الاحتياط و إما أن لا يمكن الاحتياط، و الفرد الأجلى منها العلم المتعلق بنوع التكليف الراجع إلى شخص واحد، كالعلم بوجوب أحد الشيئين أو العلم بحرمته، و لا بدّ أن يتكلم في أنه هل يكون كالعلم التفصيلي في حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعية أو لا يكون، أو بالنسبة إلى الأول يكون و بالنسبة إلى الثاني لا يكون.

ذهب شيخنا الأستاد «قده» إلى معنى في بيان حقيقة العلم الإجمالي، و بنى عليه المطلب، لا بأس بالإشارة إليه. يقول- أعلى اللّه مقامه: لا يخفى أن ما يوجد في الخارج أو الذهن، لا بدّ و أن يكون معينا غير مردّد، بحيث تكون حدوده معلومة، حيث أنه لو لم يكن كذلك لا وجود في البين، لأن الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد، فما يوجد في الذهن من صور الأشياء لا بدّ و أن يكون إما محدّدا بحدود شخصية و يكون صورة فرد، و إما محدودا بحدود جامعي، و قد يكون هذا الجامع منتزعا عن الذاتيات كالأجناس و الفصول، و قد يكون‏

74

منتزعا عن منشأ انتزاع عرضي، فإذا تعلق بشي‏ء من الشيئين فلا محالة يكون متعلّق العلم صورة جامعة منطبقة على كل واحد من الشيئين، و لا معنى لكونه موجودا مردّدا في الذهن، لوضوح أنه لا معنى للترديد في الوجود، فلا يكون متعلّق العلم إحدى الخصوصيتين، لأن المراد من «الأحد» لو كان عنوانه فلا إشكال في أنه أيضا لا يكون إلا الجامع، و إن كان مصداقا و فردا فلا يخفى أنه لم يتعلق العلم به، لأن كل واحد منهما بشخصه ما جاء في الذهن أصلا، فالخصوصية و التشخص غير متعلّق به العلم و اللحاظ.

و الثمرة في أن متعلق العلم هل هو الجامع أو الخصوصية؟ وجوب الموافقة القطعية و عدمه، حيث أنه لو تعلق بصرف الجامع بلا أن يتعلق بالخصوصية، فلا إشكال في أنه يحصل بحصول الفرد، بخلاف ما إذا لم يتعلق بالجامع.

ثم أورد على نفسه «قده» بأنه: إذا كان هذا معنى الصورة الإجمالية، فما الفرق بين المقام و بين تعلق العلم بالجامع من أول الأمر؟ كما هو الغالب في الأحكام.

فأجاب عنه بأنه: من جهة تعلق العلم لا فرق بين المقامين، و إنما الفرق من جهة أن هذه الصورة المتعلقة للعلم فيما نحن فيه تكون مرآة لأحد الأفراد و الخصوصيات، بخلاف الجامع، فلا يكون مرآة و يكون منظورا فيه مستقلا.

و بعبارة أخرى: إبهام المعنى في المعاني المبهمة لا يكون معناه إلا الترديد في المرآتية، و أما نفس المعنى فقد عرفت أنه لا يعقل أن يكون مردّدا.

هذا ما استفدته منه «قده» في مجلس البحث، و لكن لا يخلو عن تأمل و إشكال، حيث أن في العلم المتعلّق بأحد الشيئين يكون واقع محفوظ، بحيث لو كشف الغطاء يكون المعلوم عينه، بخلاف ما إذا تعلق بالجامع.

و مجرد الفرق بأنه: فيما نحن فيه تعلق بالجامع المنطبق، و في مثل تعلق الإرادة بإكرام أحد الرجال تعلق بالجامع مع قطع النظر عن كونه منطبقا. لا يكون مجديا إلا أن يرجع إلى‏

75

ما ذكرنا، من أن الجامع المنطبق له في الخارج واقع محفوظ، و لو كانت الخصوصية غير متعلقة. و من المعلوم أنه إذا كان تعلق العلم بهذا النحو من الجامع ممكنا، فلا مانع من الالتزام بتعلقه بالخصوصية، لأن مرجعه إلى تعلقه بإحدى الحصتين من الجامع الذي يكون له في الخارج واقع مخصوص، لكن في الظاهر كان مردّدا بين هذه الحصة أو تلك الحصة، فما كان مانعا موجود أيضا.

و حلّ المطلب: أن ما أفاده «قده» من لزوم كون الوجود في الذهن أو الخارج محدودا- و إن كان مسلما- لكن الحدود في الوجود الذهني لا يلزم أن تكون على طبق حدود الوجودات الخارجية بل دائرتها أوسع، و لذا يتحقق الوجود الذهني بالحدود النوعية و الصنفية بل الجنسية، لكن في الخارج لا بدّ و أن يتحقق مع الحدود الشخصية، فالترديد في الوجود و إن لم يمكن في الخارج إلا أن تصوره في الخارج من الحدود الذهنية، كما أن الشك ليس إلا الترديد، و معناه تحقق صورة الترديد في الوجود خارجا في الذهن، غاية الأمر من جهة الوجود و العدم، مع أنه في الخارج لا يخلو الأمر من الوجود أو العدم.

ثم إنه بناء على ما أفاده «قده» أو على المختار، هل يكون العلم الإجمالي بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية تعليقيا و بنحو الاقتضاء أو تنجيزيا و بنحو العلية؟ و الثمرة تظهر في جريان الأصول بالنسبة إلى الأطراف، و أما بالنسبة إلى طرف واحد فلا مانع بناء على مبناه «قده»، بل لا يحتاج إليه أبدا و يمكن التمسك بالبراءة العقلية.

و الإنصاف: أنه بنظر العقل كالعلم التفصيلي في أنه لا يمكن ردعه بسبب ما في الأذهان من ارتكاز المناقضة، و لا معنى لانحفاظ مرتبة الحكم الظاهري بالنسبة إلى كل واحد من أطراف المعلوم، كما ذهب إليه المحقق الخراساني «قده»، و يقول: بأن لزوم المنافاة بين مفاد الأصل مع الواقع هو ما يلزم في جمع الحكم الواقعي و الظاهري في غير المقام. و الجواب الجواب، حيث أن مفاد الأصل- و إن لم يكن مضادا مع احتمال الحكم‏

76

الواقعي في كل واحد من الأطراف- إلا أن مجموع مفادها مضاد مع المعلوم في البين، لأن الترخيصات المتعددة تضادّ بنظر العقل مع تحريم في بينها.

و لا يقاس المقام بتنا في الحكم الظاهري مع الحكم الواقعي في غير المقام، و أن احتمال المتناقضين كالقطع بهما، فإن التنافي في غير المقام ليس فعليا حتى يحكم العقل باستحالته، بل هو مجرد احتمال بدوي، و بأحد المجموع يرتفع. بخلاف المقام، فإنه مضادة فعلية و مناقضة كذلك، و العقل يأباه و إلا لصح ردع القطع التفصيلي.

فإن قلت: من شرائط التناقض وحدة المرتبة، و الحرام الواقعي ليس في مرتبة الترخيص، حيث أن مرتبة الحكم الظاهري متأخرة عن مرتبة الحكم الواقعي.

قلت: نعم لكن يرد عين ذلك في القطع التفصيلي، حيث أن الحكم المقطوع به الذي يكون حكما واقعيا في المرتبة المتقدمة عن القطع، و ردع الشارع بقوله «لا تعمل بقطعك» في المرتبة المتأخرة عنه، فما يجاب به عنه في ذاك المقام يجاب عنه في المقام، و ليس ذلك إلا بأن يلتزم بالمناقضة بين ما ينشئه العقل من جعل المماثل لحكم الشرع في المرتبة المتأخرة عن القطع و تقع المناقضة بينهما. و هذه نكتة دقيقة استفدتها من شيخنا الأستاذ- أعلى اللّه مقامه- في مجلس البحث. و على كل حال، ما يجاب به عن الإشكال في القطع التفصيلي، يجاب به عن الإشكال في المقام.

و أما الكلام في وجوب الموافقة القطعية: أما بناء على المبنى المتقدم، فهو و إن كان مقتضاه ظاهرا عدم وجوب الموافقة القطعية، حيث أن العلم ما تعلق إلا بالجامع، و هو ينطبق على أحد الأفراد، إلا أنه مع ذلك يمكن ابتناء المسألة على شي‏ء آخر، و هو أن دائرة التنجز أوسع من دائرة القطع، لأن التنجز ليس مثل القطع، محل عروضه الذهن، بمعنى أنه يتحقق عند العقل في الذهن، و لا ربط له بالواقع و الخارج، بل إنما هو تابع لواقع المعلوم، و لذا لو قطع العبد بأمر المولى ثم انكشف الخلاف، لم يكن من الأول منجزا في البين،

77

فيستكشف من ذلك: أن العقل طريق محض.

نعم، العلم سبب للتنجز، بمعنى أنه لو لم يكن العلم لم يكن الواقع من حيث هو واقع منجّزا، و لكن لا يلزم أن يتعلق العلم بنفس الواقع بعنوانه التفصيلي، بل يكفي تعلقه بعنوانه الإجمالي و بشي‏ء كان مرآة له. و على كل حال لا إشكال في أن العقل حاكم بوجوب الموافقة القطعية، و إنما الكلام في أنه هل هو بنحو التنجيز و العلية أو بنحو التعليق و الاقتضاء؟

تحقيق المطلب يتوقف على تحقيق معنى كون العلم التفصيلي علة تامة لوجوب الموافقة القطعية، و أنه بنحو التنجيز. و فهم هذا المطلب في غاية الإشكال، حيث أن معناه إن كان العلية- و لو في حال الشك في إتيان المعلوم و عدمه الذي هو مورد حكم العقل بالاشتغال- فما معنى جريان قاعدة الفراغ بعد مثل الصلاة؟ مع أنه مشكوك صحتها، و إن كان علة تامة مع قطع النظر عن حال الشك بل عليته في حال القطع بعدم الاتيان، فلم لا تجري أصالة البراءة فيما إذا شك في إتيان الصلاة و عدمه؟ و على كل حال، يلزم أحد المحذورين و لا يمكن الالتزام به، و الالتزام بأن القطع التفصيلي ليس علة تامة لوجوب الموافقة القطعية أصلا، بل مقتض لها، و لا يزيد العلم الإجمالي عنه، كما ترى.

و الذبّ عن الإشكال: بأنه لا إشكال في أنه إذا تعلق العلم بشي‏ء من الأحكام، يحكم العقل بأنه جاء من قبل المولى في ذمة العبد ذاك الشي‏ء منجّزا، و أن ذمته اشتغلت به قطعا بحيث يجب أن يخرج من عهدته قطعا و لا يكفي خروجها عنه احتمالا.

و بعبارة أخرى: العلم علة تامة لشغل الذمة في إثبات التكليف، بنحو يجب الخروج عن عهدته قطعا، و لا يكفي الخروج عنها احتمالا- الذي هو معنى الموافقة الاحتمالية- و لا ينافي ذلك توسعة الشارع في وادي الفراغ و المخرجية، و أن ينزّل شيئا منزلة الواقع بدلا عنه في مقام الخروج عن العهدة، حيث أنه تصرّف منه و توسعة في مقام فراغ الذمة

78

و الخروج عن العهدة، بجعل شي‏ء مصداقا للخروج، فإذا كان هذا حال العلم التفصيلي فكذلك الكلام في العلم الإجمالي.

و هذا معنى جعل البدل المتداول في كلام المصنف في مبحث البراءة و الاشتغال، لا أنه «قده» يلتزم بأن العلم الإجمالي ليس علة تامة لوجوب الموافقة القطعية، و يكون مقتضيا له، حتى يرد عليه ما أورده بعض المحققين: بأنه لا معنى للتفكيك بين العلية و الاقتضاء بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية، و الحال أنه «قده» في بحث الاشتغال يصرح بأنه علة تامة لوجوب الموافقة القطعية، و لا معنى للتفكيك بينها و بين حرمة المخالفة القطعية.

و قد عرفت: أن جعل البدل الموجود في كلامه لا ينافي العلية بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية في مقام إثبات التكليف.

و بالجملة، كلما ورد من الشارع دليل على التنزيل و كان بلسان جعل البدل، لا مانع من عدم الاعتناء بالطرف الآخر مما يكون محتمل الواقع، سواء في العلم التفصيلي أو في العلم الإجمالي.

و مما ذكرنا ظهر أنه ما يكون بلسان جعل البدل في بعض أطراف العلم الإجمالي لا بدّ و أن يكون قبل الترخيص في الطرف الآخر، و إلا فهو مناف لمنجزية العلم، كما يصرح بهذا المطلب المصنف «قده» أيضا في بحث الاشتغال. بل لا يخفى أنه بعد ما جعل أحد الطرفين بدلا عن الواقع، لا احتياج إلى الأصل الشرعي في الطرف الآخر، و لا مانع من ارتكابه و لو لم يكن فيه أصل أصلا و يتمسك بالبراءة العقلية.

و بالجملة، إن ورد دليل على البدلية في أحد الطرفين أولا لا مانع من ارتكاب الطرف الآخر، و لو لم يكن فيه أصل أصلا، و إن لم يرد دليل على ذلك لم يجز الارتكاب أصلا، أو لو لم يكن بين الأصلين مناقضة و معارضة، أو لو كان في البين أصل واحد بالنسبة إلى طرف واحد بلا معارض.

79

و منه ظهر: أنه لا يكفي في الترخيص في بعض الأطراف إطلاق مثل أصالة الإباحة، فما عن بعض الأعاظم «قده» من أنه يمكن الترخيص في بعض الأطراف و الاكتفاء عن الواقع بالطرف الآخر، الظاهر في إمكان الترخيص أولا، و كفاية مثل أصالة الإباحة لو كان بلا معارض، بل يصرح به و يمثّل له بفرض وجود الأصل مثل أصالة الاباحة في طرف واحد، ليس في محله. و العجب إسناد هذه المطالب إلى مراد المصنف «قده»، مع أن كلماته صريحة في خلاف ذلك، فراجع كلامهما في بحث الاشتغال.

نعم، لو ورد ترخيص بالخصوص، غير أدلتها العامة في طرف واحد، يمكن أن يستكشف من ذلك بدليل الاقتضاء، جعل الشارع أولا الطرف الآخر بدلا عن الواقع، لكن أين ذلك من الترخيصات المطلقة التي يصرح المصنف «قده» من أنه ليس فيها من جعل البدل عين و لا أثر؟

هذا كله في العلم الإجمالي بشي‏ء واحد متعلّق بشخص واحد، و قد ظهر منه الحال في سائر الشقوق من العلم الإجمالي، غير ما إذا كان متعلقا بالوجوب و الحرمة، بحيث يكون شي‏ء واحد إما واجبا و إما حراما، و لم يكن أحدهما معينا عباديا بحيث يمكنه المخالفة القطعية العملية و غير ما إذا كان متعلقا بأزيد من شخص واحد.

دوران الأمر بين المحذورين:

أما الكلام في الشق المذكور، و هو دوران الأمر بين المحذورين فنقول:

لا يخفى أنه مورد التخيير العملي غير المنافي لكونه مجرى البراءة على ما قويناه في صدر المبحث، حيث أن الانسان لما كان على كل حال إما فاعلا لذلك الشي‏ء أو تاركا له، و لا يقدر على كليهما، لم يكن مجال لتنجز الوجوب أو الحرمة. و لا يخفى أن التخيير في المقام في مقابل التخيير الشرعي الفرعي، و التخيير الأصولي في مثل لزوم الأخذ بأحد

80

الخبرين.

و هذا المقدار من الحكم مما لا إشكال فيه في المقام، و إنما النزاع في أن التخيير هل هو ابتدائي، بحيث لو اختار الفعل أو الترك لا بدّ و أن يختاره في جميع الأوقات؟ أو استمراري، و له أن يختار في الوقت الثاني غير ما اختاره أولا؟ قد يعلّل التخيير الابتدائي الذي اختاره المصنف «قده» بأنه لما كان العلم علة تامة لحرمة المخالفة القطعية، و لكن كان مقتضيا لوجوب الموافقة القطعية، و في التخيير الاستمراري يلزم المخالفة القطعية بخلاف التخيير الابتدائي، فإنه ملازم لترك وجوب الموافقة القطعية، فلا بدّ من اختياره.

و فيه: أن كون ذلك مبنيا على كون العلم علة تامة لذلك، يلزم فيه الدور، و بيانه يتوقف على تمهيد ثلاث مقدمات:

الأولى:- إن النزاع في كون العلم الإجمالي علة تامة أو مقتضيا، لا يكون إلا بعد الفراغ عن الحكم الواقعي، و كونه على ما هو عليه من الفعلية و المقدورية للمكلف.

الثانية:- حرمة المخالفة القطعية في المقام، تستلزم الإذن في ترك الموافقة القطعية، و وجوب الموافقة القطعية مستلزم للإذن في المخالفة القطعية.

الثالثة:- الإذن في ارتكاب المخالفة القطعية مستلزم لعدم مقدورية الواقع أو عدم فعليته، و الإذن في ترك الموافقة القطعية موجب لاحتمال ذلك، و وجه ذلك يظهر بأدنى تأمل.

إذا عرفت ما ذكرنا، فنقول: بناء على ما ذكر من المبنى، يتوقف عدم وجوب الموافقة القطعية على كون العلم الإجمالي مقتضيا له لا علة تامة، و هو يتوقف- بناء على المقدمة الأولى- على بقاء الواقع على ما هو عليه من المقدورية و الفعلية، و بقاؤه على ذلك يتوقف على عدم وجوب الموافقة القطعية، لأنه مستلزم- بالمقدمة الثانية- للترخيص في ارتكاب المخالفة القطعية. و هو مستلزم- بالمقدمة الثالثة- لعدم بقاء الواقع على ما هو عليه،

81

فيتوقف عدم وجوب الموافقة القطعية الذي هو معنى التخيير الابتدائي، أو سببه على عدم وجوب الموافقة القطعية.

و ببيان آخر: لو كان عدم وجوب الموافقة القطعية في المقام الذي لأجله التخيير الابتدائي من جهة كون العلم علة تامة لحرمة المخالفة القطعية، و مقتضيا وجوب الموافقة القطعية، يلزم من وجود العلم بالحكم عدمه، لأنه يتوقف على العلم بالحكم الفعلي، و هو يتوقف على بقاء الواقع على ما هو عليه، فحينئذ لو رخّص في المخالفة القطعية يلزم القطع بعدم الواقع الفعلي، و لو رخّص في ترك الموافقة القطعية يلزم احتمال أن لا يكون في البين واقع فعلي.

و منشأ الاشتباه فيما ذكر: أنه توهم أن الترخيص في المقام، مثل الترخيص الشرعي أو العقلي في سائر المقامات من جهة عدم البيان. و هذا التوهم غفلة محض، حيث أن الواقع في سائر المقامات بعد مقدوريتها في نفسها، إنما رخص من جهة عدم البيان، بخلاف المقام الذي لا يكون الترخيص فيه إلا من جهة عدم المقدورية في نفسها، فتأمل.

و أما إذا كان بأزيد من شخص واحد فقد أتى المصنف «قده» بما لا مزيد عليه من التفصيل، و إن كان يرد على بعض مطالبه- مثل ما أفاد في أواخر المطلب من عدم جواز نظر كل من الرجل و المرأة إلى الخنثى من جهة عموم دليل وجوب الغض- حيث أنه لا يكون في البين عموم إلا آيتين، و هما قوله تعالى‏ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ... (1) و قوله تعالى‏ قُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ ... (2) و هما تدلان على وجوب الغضّ على المؤمنين من النساء إلا المستثنيات، و على وجوب الغضّ على المؤمنات من الرجال إلا من استثني فيها، و كل واحد منهما إذا شك في أنها من جنسه حتى لا يحرم أو غيره حتى يحرم لا مانع من إجراء

____________

(1). سورة النور/ الآية 30.

(2). سورة النور/ الآية 31.

82

البراءة و لو رجعتا إلى خطاب واحد، و هو وجوب الغض عن غير المماثل، و ليس معناه وجوب الغضّ مطلقا و عن كل شي‏ء، فلا مانع أيضا من إجراء البراءة.

هل التخيير ابتدائي لا استمراري؟

ثم لا يخفى: أن الظاهر المتراءى في بادئ النظر من التخيير هو التخيير الابتدائي كما اختاره المصنف «قده»، معلّلا بأنه: يلزم من التخيير الاستمراري جواز المخالفة القطعية و لو تدريجا، و هو بنظر العقل عصيان لخطاب المولى. إلا أنه يمكن أن يقال: لما حققنا في محله أنه لا معنى للتفكيك في مقام الفعلية- بمعنى أنه لو كان المولى مريدا للشي‏ء فيريده على كل حال، و لا معنى لإرادته على بعض التقادير إلا على تقدير جعل البدل غير الراجع إلى عدم إرادة الواقع في المقام على كل حال، و المفروض أنه لم يجعل بدلا عنه في الظاهر، فلا بدّ من التخيير الاستمراري، و إن كان الأحوط خلافه، فتأمل.

***

83

[المقصد الثاني في الظن:]

المقصد الثاني في الظن‏

البحث عن الظن‏

84

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

85

فصل في البحث عن الظن‏

قوله- (قدس سره)-:

المقصد الثاني في الظن، و الكلام فيه يقع في مقامين ...

لا يخفى: أن الظن ليس كالقطع في الحجية في عدم مجعوليتها له و عدم انفكاكها عنه، بل لا بدّ من جاعل و حاكم إن كان أصلها ممكنا، و ذلك لما عرفت من عدم كونه كاشفا تاما و طريقا و اصلا بنظر العقل، بل يحتمل خلاف الواقع، فلا يؤمّن من أن يقع فيه.

إنما الكلام في إمكانه، و المقصود إمكانه الوقوعي في عالم التشريع، بمعنى عدم لزوم محال في الشرعيات، و إلا فإمكانه الذاتي- أي عدم كون إيجاب العمل بالظن و جعله حجة محالا- من الواضحات، و إقامة الدليل على الإمكان بالمعنى المذكور لا يمكن إلا بعد الإحاطة بالواقعيات التي يمكن أن يكون بعضها محذورا من جهة كونه محالا أو مستلزما لمحال، و هي لا تكون إلا للمعصوم (عليه السلام)، فالأولى في إثبات إمكانه ما سلكه بعض المحققين من الظفر بوقوعه، و هو غير عزيز عند الكل، حتى عند ابن قبة المدعي محاليته، مثل البيّنة و اليد و غيرهما في الموضوعات و فتوى المجتهد في الأحكام.

86

[المقام الأول إمكان التعبد بالظن عقلا:]

المقام الأول إمكان التعبد بالظن عقلا قوله- (قدس سره)-:

إن العمل به موجب لتحليل الحرام و تحريم الحلال‏

اعلم أن المقصود من محذور تحليل الحرام و تحريم الحلال أحد أمور أربعة:

الأول:- تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة.

الثاني:- طلب الضدين الذي هو تكليف بالمحال.

الثالث:- اجتماع الضدين من المحبوبية و المبغوضية و الإرادة و الكراهة في نفس المولى الذي هو تكليف محال.

الرابع:- نقض الغرض.

و لا يخفى: أن الأخيرين غير مختص بالعدلية القائلين بالحسن و القبح، بل يردان حتى على مذهب الأشعري غير القائل بهما.

أما الإشكال الأول: و هو الذي جعله المصنف محل الكلام مفصلا، فلا يخفى أنه على فرض انسداد باب العلم بالأحكام، غير وارد، بل يلزم التعبد بالظن بحكم الشارع و العقل، و إنما يكون المحذور المتصوّر على فرض الانفتاح، و المقصود من الانفتاح ليس انفتاح باب العلم المصادف بل المقصود مطلق الاعتقاد و التمكن من العلم مطلقا. و التحقيق أنه على هذا الفرض أيضا لا يلزم المحذور، لإمكان عدم كون الخطأ في الأمارات أكثر من العلم الذي يحصل للمكلّف بالأسباب العادية في تحصيل الأحكام، بل قد يكون أقل منه أو مساويا له.

نعم، لو أحرزنا أنه كان أكثر من الخطأ الواقع في العلم كان التعبد قبيحا، و مجرد الاحتمال بأحد الأولين يكفي في الجواب عن ابن قبة ورد دليله على تحليل الحرام و تحريم‏

87

الحلال.

و المقصود من كلام المصنف «قده» إبداء الاحتمالات في التشقيقات لاثبات الإمكان، و قد عرفت أنه يكفي، فلا مجال لإشكال بعض الأعاظم «قده» على ما في تقريرات بحثه‏ (1) على التشقيق الوارد في كلام المصنف «قده»، كما أنه لا وجه لإشكاله عليه «قده» بأنه اعتراف بالقبح في حال الانفتاح و لزوم تحليل الحرام، حيث أن كلمات المصنف «قده» تنادي بأعلى صوت بأنه لا يلزم القبح على تقدير الانفتاح المقصود منه التمكن من تحصيل مطلق العلم و انفتاح باب الاعتقاد، كما أن نفس التشقيق المذكور في كلامه الذي أشرنا إليه- و هو كون الأمارة غالب المطابقة أو دائم المطابقة أو أغلب المطابقة- أدل دليل على أن مقصوده من الانفتاح ليس انفتاح باب العلم المصادف للواقع.

نعم، في أوائل كلامه (ره) يصرح بأنه لو كان المقصود انفتاح باب العلم المصادف يلزم القبح، و هو صحيح. و العجب كل العجب من المستشكل «قده» كيف أخذ بهذا الكلام، و غفل عن بقية كلامه، فراجع مفصلا.

ثم إنه لا بأس بالتعبير بالتدارك بالنسبة إلى ما فات من المصالح، كما نقله عن بعض الأعلام و استشكل عليه أيضا، حيث أنه لو كانت موارد التخلف في العلم عين مورد الإصابة في الأمارات فلا يكون تداركا، و أما لو كانت غيرها- كما هو كذلك- ففي الحقيقة يكون تداركا لما فات من المكلّف من المصالح.

هذا كله بناء على الطريقية في الأمارات، و أما بناء على السببية و الموضوعية فالأمر سهل، كما فصله المصنف «قده» في المتن.

____________

(1). المعني به هو المحقق النائيني (ره).

88

جمع الحكم الواقعي و الظاهري على مذاق المحقق الخراساني‏

و أما الإشكال الثاني و الثالث، فقد تصدى المحققون للجواب عنهما بأجوبة:

منها: ما أفاده المحقق الخراساني «قده» باختلاف مراتب الحكم، و ملخصه أن للحكم الشرعي ثلاث مراتب:

الأولى:- مرتبة شأنية الحكم و كونه اقتضائيا، بمعنى كون الموضوع فيه اقتضاء الحكم من المصلحة أو المفسدة.

الثانية:- الفعلية الأولى، و قد يعبّر عنه بالإنشائي تارة و بالشأني أحيانا، و لكن يصرح بفعليته في هذا المقام من الكفاية، فراجع.

و ملخصه أنه قد يبلغ الحكم إلى مرتبة الفعلية بحيث يقع تحت الخطاب و ينشأ الحكم إنشاء تاما، لكن لأجل مانع- مثل جهل المكلّف أو غيره- لا يكون فعلا متضمنا للبعث و الإرادة أو الزجر و الكراهة. و قد كان «قده» يمثّل لهذه المرتبة من الفعلية بالقوانين الدولية التي تتم قانونيتها، لكن لأجل مانع تكون خالية عن الإرادة الفعلية، و لا تجري بين الرعية، و لكن إذا ارتفع المانع تبلغ مرتبة البعث و الإرادة الفعلية و تكون الرعية مسئولة عنها.

الثالثة:- المرتبة الثانية من الفعلية، و هي التي أشرنا إليها الآن من بلوغ الحكم إلى حدّ الإرادة و البعث و الكراهة و الزجر، و قد التزم «قده» بأن الأحكام الواقعية في موارد الأصول التي هي العمدة من محل الإشكال في نظره «قده»، حيث أن مفادها الحكم و الترخيص الفعلي غير المجامع مع الحكم الواقعي، بخلاف مفاد الأمارات، فإنها عبارة عن الحجية المجعولة المجامعة مع الحكم الواقعي بحيث يكون عينه في صورة المصادفة، و كونه‏

89

عذرا في صورة المخالفة، تكون في المرتبة الأولى من الفعلية، و هي خالية عن الإرادة و الكراهة و الحب و البغض و الأحكام الظاهرية في المرتبة الثانية من الفعلية.

و لا يخفى: أن هذا الالتزام في موارد الأصول- بل في موارد الأمارات أيضا- خال عن الإشكالين، حيث أنه ما اجتمعت الإرادة و الكراهة و لا الحب و البغض بالنسبة إلى شي‏ء واحد، و لا يلزم التكليف بالمحال، لأن حقيقة التضاد بالنسبة إلى المكلّف بالكسر أو الفتح، ليس في نفس الخطاب، و الخطابان المتضادان لا مانع من تحققهما و إنما المانع من جهة تضمنهما للإرادة و الكراهة و الحب و البغض المفروض خلوّ أحدهما عنها.

و مما ذكرنا ظهر: أنه لا وجه لإشكال بعض الأعاظم «قده» على ما في تقريرات بحثه: بأنه لا معنى لكون الحكم الواقعي مهملا أو مقيدا بصورة العلم، بل لا بدّ أن يكون مطلقا و لو بنتيجة الإطلاق، و إذا فرض أنه مطلق لشمل الجاهل و الشاك، فيقع التضاد بينه و بين الحكم الظاهري. و قد عرفت أنه لا مضادّة بناء على ما بينا مراده «قده» مع كونها مطلقة.

و لا يخفى: أنه بناء على هذا يستريح في رفع التضاد بين الحكم الظاهري و الواقعي، حتى في موارد الأصول، بل قد عرفت أن أصل تأسيسه «قده» لأجل ذلك، فلا حاجة إلى تشقيق الجواب بالنسبة إلى الأصول التنزيلية و غيرها، و استقلال كل منهما بجواب:

أما بالنسبة إلى الأولى، فلما كان المجعول فيها هو البناء العملي على أحد طرفي الشك على أنه هو الواقع و إلغاء الطرف الآخر و جعله كالعدم، فلا يكون مغايرا للواقع، بل الجعل الشرعي إنما تعلق بالجري العملي على المؤدى، على أنه هو الواقع. بل لا يخفى أنه لا يرفع به التضاد، بل يبقى بحاله، حيث أن هذا القائل العلم (رحمه اللّه) تعالى اعترف في كلامه، بأن مفاد هذه الأصول هو الهوهوية التي بنى عليها المصنف «قده» في باب الأمارات، و الحال أنه يرد عليه ما أورده عليه، و هو أن هذه الهوهوية و الحكم بأن المؤدى هو الواقع، لا يمكن‏

90

أن يكون إخبارا، بل لا بدّ و أن يكون إنشاء، و إنشاء الحكم بالهوهوية و كون المؤدى هو الواقع، لا يصح إلا بإعطاء صفة الوجوب أو الحرمة للمؤدى، فيعود إشكال التضاد عند مخالفة الأمارة للواقع.

و لا يكفي في التفرقة و الجواب، بأن الهوهوية في باب الأصول المحرزة هي الهوهوية العملية، أي البناء العملي على كون المؤدى هو الواقع، و هي لا تستلزم حكما في المؤدى على خلاف ما هو عليه من الحكم، بخلاف الهوهوية في الأمارات، فإنها إما أن تكون إخبارا و إما أن تكون إنشاء حكم في مورد الأمارة، فإن المجعول في باب الأمارات ليس هو البناء العملي، فلو كان في المؤدى حكم فلا بدّ أن يكون مضادا لما عليه من الحكم الواقعي، لوضوح أن البناء العملي الذي يكون مدلول الأصول المحرزة، لا يتحقق في الخارج بإنشاء الشارع، بل لا بدّ أن يحققه المكلّف، و لا إلزام له أن يحققه إلا بأمر من الشارع و إيجابه، و من المعلوم تضادّ هذا الإيجاب المتعلق بالبناء العملي مع الحكم الواقعي عند المخالفة.

في بيان جمع بعض الأعلام بين الحكمين‏

و أما بالنسبة إلى غير التنزيلية من الأصول كأصالة الاحتياط و الحل و البراءة، فلما كان الأمر فيها أشكل فالجواب عنه أدق، و قد تصدى بعض الأعلام‏ (1) من مقاربي عصرنا لرفع التضاد بين الحكمين: باختلاف الرتبة، فإن رتبة الحكم الظاهري رتبة الشك في الحكم الواقعي، و الشك في الحكم الواقعي متأخر في الرتبة عن نفس وجوده، فيكون الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي برتبتين، و لا تضادّ بين المختلفين في الرتبة.

و لا يخفى: أن هذا الجواب لا يختص لرفع التضادّ بالنسبة إلى هذه الأصول فقط، بل‏

____________

(1). هو المحقق المدقق السيد محمد الاصفهاني «قده».

91

يجري بالنسبة إلى جمع مطلق الحكم الواقعي و الظاهري. و لا يرد على هذا الجواب ما أورده المحقق الخراساني «قده» في الكفاية، بل و لا ما أورده بعض الأعاظم على ما في تقريرات بحثه من أن الحكم الظاهري- و إن لم يكن في رتبة الحكم الواقعي- إلا أن الحكم الواقعي يكون في رتبة الحكم الظاهري، فيجتمع الحكمان المتضادان في رتبة الشك.

حيث أن هذا الجواب مبتن على مسلكه «قده» من تعلق الأحكام بالصور الذهنية لا بالوجودات الخارجية، فلا مجال لدعوى أن صورة ذات الموضوع بما هي ذاته، موجودة و محفوظة في موضوع الحكم الظاهري، و هو مشكوك الحكم و إن كان بنحو الانضمام موجودا و محفوظا فيه، إلا أنه غير الصورة الاستقلالية التي هي الموضوع للحكم الواقعي. و هذا بخلاف ما لو تعلق الحكم بالوجود الخارجي، فإنه لا إشكال في أنه لا يتعدّد و لو بحسب جزئه و هو الذات، بواسطة طرو العناوين الطولية، و قد حققنا في باب اجتماع الأمر و النهي أنه لا يجوز و لو كانا واردين على جزء الموضوع.

نعم، يبقى بالنسبة إلى هذا الجواب إشكال التكليف بالمحال الذي هو أحد الإشكالات في هذا المقام كما قد عرفت، حيث أن ظرف الامتثال الخارجي متأخر عن كلا الحكمين.

الاشكال على الجمع بين الحكمين‏

و بعبارة أخرى: ظرف الامتثال هو الزمان المتأخر عن الحكم، و من المعلوم أنه لا يقدر على إتيان المتضادّين في زمان واحد بعد الحكمين، و من هذه الجهة يلزم التكليف بالمحال و إيقاع العبد في غير المقدور.

ثم اعلم أن هناك إشكالا آخرا بناء على طريقية الأمارات- كما هو التحقيق- على جميع المسالك في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، و هو: أنه كيف تكون الأمارة محركة

92

نحو العمل و موجبة لدعوة العقل و حكمه بلزوم العمل على طبقه، مع أنه بناء على الطريقية أمرها دائر بين أن يكون حكما ناشئا عن إرادة حقيقية في صورة المطابقة للواقع و بين أن يكون ترخيصا و أمرا صوريا على تقدير المخالفة.

و ربما يقال: إن هذا الإشكال أصعب من الاشكالات السابقة، و لكن الإشكال هذا فيما إذا ظفرنا- بعد الفحص- على الأمارة بمقدار المعلوم بالإجمال، بحيث لو لم تكن هذه الأمارة في البين كان حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان. و أما قبل الفحص و الظفر بالمقدار المذكور، فلا إشكال، لأن نفس احتمال التكليف منجّز بحيث لا يوجب الظفر بالأمارة مع هذا الاحتمال تأثيرا بنحو المولوية، بل ربما يكون إرشادا إلى الحكم العقلي لعدم حصول دعوة العقل بسبب الظفر بهما.

نعم، فيما إذا كان الأمر مردّدا بين الوجوب و الحرمة و عينت الأمارة الحكم في أحدهما، كانت موجبة للدعوة حينئذ، لأن العقل مع قطع النظر عنها كان حاكما بالتنجيز، فترفع الأمارة أحد المحتملين من البين، و لا يبقى إلا احتمال واحد، فافهم.

و قد تفصي عن الإشكال بوجوه:

أحدها:- ما أفاده المحقق الخراساني «قده»، و هو أن مفاد الأمارات جعل الحجية، و هي موضوع لحكم العقل باستحقاق العقاب على المخالفة إذا طابق الواقع، و لكونه عذرا إذا خالف.

ثانيها:- جعل الظن بمنزلة العلم، و جعل العلم التنزيلي للمكلّف، فيصير حاله حاله، فكما أنه لا يكون معذورا في صورة المخالفة فكذلك الأمارة.

ثالثها:- كون مفاد الأمارات حكما طريقيا، بمعنى أنه لو صادف الواقع تكون إرادة المولى موجودة و لو في مرتبة الشك، فيكشف عن الاهتمام بالغرض في هذه المرتبة.

و لا مناص إلا عن تصحيح المطلب بأحد هذه الوجوه، فنقول:

93

أما الوجه الأول: فهو مبني على كون الحجية مجعولة ابتداء، و هذا المطلب- مع قطع النظر عن إمكان الخدشة فيه من أن الحجية ليست مثل سائر الأمور الاعتبارية، مجعولة و معتبرة باعتبار المعتبر- يتم لو لم تكن دلالة الأمارة على لزوم الإتيان بالمتعلّق و لو على تقدير المطابقة كافية في المنجّزية، و إلا لو أثبتنا ذلك فلا مجال للالتزام بجعل الحجية في مقام دفع الإشكال.

لا يقال: من يلتزم بأن مفادها جعل الحجية، فلا دلالة لها عنده على لزوم العلم على طبقها و الإتيان بالمتعلّق، حتى ينازع في أن هذا المقدار يكفي في المنجزية أو لا يكفي.

فإنه يقال: نعم، لو التزم بما ذكر لا تبقى دلالة لفظية على ما ذكر، و لكن الدلالة التكوينية بالنسبة إلى الخطاب، على تعلق غرض المولى بحفظ وجود المتعلّق- و لو من جهة نفس الخطاب- موجودة، و إلا لما كان الخطاب مرادا بإرادة مقدمية، و هو كما ترى.

و القول بأن مقدمية الخطاب لا تكون إلا لذيها، و ذو المقدمة إذا كان هو الحجية فالارادة التكوينية من المقدمة، ما تعلقت بحفظ وجود المتعلّق أصلا. مدفوع: بأن الغرض من الحجية لما كان توصل العبد- بالنهاية و لو بواسطة حكم عقله- إلى الوجود، فلا محالة يكون تعلق الإرادة بحفظ وجود المتعلّق، و لو على تقدير المطابقة في المنجزية، فلا مجال للاحتياج إلى جعل الحجية أصلا، بل قد يقال: بأنه يلغى هذا الجعل.

و بالجملة، الخطاب على كل حال يدل على لزوم حفظ الوجود، و لو على تقدير المطابقة، فلو قلنا بكفاية ذلك يتم بذلك المطلب، و لا تصل النوبة إلى استكشاف مجعولية الحجة، و لو كان ذلك ممكنا، فتأمل جيدا.

و لا يخفى: أن هذا الاشكال لا يختص بالأمارات بتوهم الموضوعية بالنسبة إلى الأصول، لأن غاية منشأ التوهم كونها وظائف مقرّرة للشاك بلسان الحكم، مع أن غالب أدلة الأمارات أيضا كذلك، و لذا لم يذهب أحد من الفقهاء إلى كون الشخص عاصيا، لو

94

استصحب بقاء الوقت أو بقاء الحدث و أتى بالصلاة على سبيل الاحتمال، و كشف الخلاف بعد انقضاء الوقت. مع كونهم قائلين بأنه لا يكون إلا تجريا لو كانت هذه المخالفة بالنسبة إلى الأمارة مثل البيّنة، و لو قلنا بأن جعلها إمضاء لبناء العقلاء على جعلهم وظائف للشاك لرفع تحيره، فهو أدل على ما قلنا، لوضوح عدم مؤاخذتهم العبد لو خالفها، لو لم يكن مطابقا للواقع عقاب العصيان.

أما إثبات أصل المطلب فهو بمراجعة الوجدان الحاكم بأن مجرد احتمال اهتمام المولى بالغرض بنحو لو كان في البين، لما جاز عنه في مرتبة الشك، بل تعلقت الإرادة بحفظه و لو في هذه المرتبة، يكون بيانا رافعا لموضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، لاستقلال العقل بلزوم الإتيان.

و بعبارة أخرى: احتمال وجود الغرض على أنحاء:

أحدها:- احتمال وجوده بحيث يقطع بأنه ما أراد الشارع حفظه في مرحلة الشك، كما هو الحال في موارد أدلة البراءة الشرعية.

ثانيها:- احتمال وجوده مع عدم العلم بأنه لو كان، هل أراد الشارع حفظه في مرحلة الشك أو لا؟ و هو مورد البراءة العقلية.

ثالثها:- احتمال وجوده، و القطع بأنه لو كان حفظه عند الشارع مهتما به، كالاحتمال في أطراف الشبهة المحصورة، و كما نحن فيه، و هو قيام الأمارة على شي‏ء، و لو بعد الفحص و الظفر بها بمقدار المعلوم بالإجمال، و العقل مستقل بما ذكرنا. فالأمارة توجب دعوة العقل بلزوم الحركة على طبقها لأجل دفع الضرر المحتمل، و هذا هو المقصود من الحكم الطريقي غير المنافي لكونه مدلول الأصول.

و أما تصحيح المطلب: بأن مفاد الأمارات تتميم الكشف و جعل العلم التنزيلي للمكلّف، فغير قابل للمصححية، حيث أنه لما كان جعل العلم تنزيلا و لم يكن تكوينا، فلا

95

محالة لا بدّ و أن يكون بلحاظ الأثر، و هو لا يخلو إما من جعل الظن منزلة العلم في نفسه، و إما من الأمر بتنزيل المكلّف جعله منزلة العلم. و على كل حال، هذا الأثر إما استحقاق العقاب على المخالفة و إما وجوب العمل: أما استحقاق العقاب فلا مجال له، لأنه أثر عقلي لا شرعي، و أما إذا كان الأثر عبارة عن الوجوب فننقل الكلام فيه، لأنه لا يخلو إما أن يكون وجوبا حقيقيا على كل حال و إما أن يكون وجوبا صوريا محضا و إما يكون وجوبا صوريا اصطلاحا، لا مجال للأول و الثاني، و الثالث لا يتم إلا بما قلنا.

ثم إنه ربما ينتج المسلكين في بعض الموارد، مثل نتيجة مقدمات الانسداد، حيث إنه لا مجال للكشف بعد إتمام المقدمات على فرض عدم العلم الإجمالي بالأحكام كما سيجي‏ء- إنشاء اللّه- حيث أن العقل حينئذ لما كان محتملا لوجود أغراض في البين على تقدير وجودها بينهما، فهو بنفسه مستقل بلزوم الإتيان بالمحتملات و لو في دائرة المظنونات.

بخلاف المسلك الآخر، أعني كون الملتزم تتميم الكشف، فإنه- على تقدير عدم العلم الإجمالي و عدم كوننا كالبهائم- يلزم على الشارع أن يبين و يجعل لنا أمارات مثلا، و لو بجعل الظنون حجة.

96

البحث عن التشريع‏

[المقام الثاني وقوع التعبد بالظن في الأحكام الشرعية:]

المقام الثاني وقوع التعبد بالظن في الأحكام الشرعية قوله- (قدس سره)-:

التعبد بالظن الذي لم يدل على المتعبّد به دليل محرم بالأدلة الأربعة

اعلم أنه لا بدّ أن نتكلم أولا في أن الحرمة التشريعية هل هي من الأحكام العقلية القابلة لورود حكم الشرع عليها مولويا أيضا و لو من باب الملازمة، و يكون مثل قبح الظلم و العدوان و حسن العدل و الاحسان، أو من أحكامه غير المستتبعة للحكم الشرعي، بحيث لو ورد عليه دليل في خطابات الشارع كان إرشادا محضا كوجوب الاطاعة و حرمة المعصية؟

ظاهر كلام المصنف «قده» هو الأول، حيث استدل عليها بالأدلة الأربعة الظاهرة في استقلال كل واحد منها بالدليلية، و قد أيده بعض الأعاظم «قده»: بأن المناط في الأحكام العقلية غير المستتبعة للأحكام الشرعية وقوعها في سلسلة معلولات الأحكام، كقبح المعصية و حسن الاطاعة، لا في ما إذا كانت واقعة في سلسلة علل الأحكام الراجعة إلى باب التحسين و التقبيح العقلي الناشئ عن إدراك المصالح و المفاسد، فإن الأحكام العقلية الراجعة إلى هذا الباب كلها تكون موردا لقاعدة الملازمة و تستتبعها الخطابات الشرعية. و مسألة قبح التشريع من هذا الباب، لأن حكم العقل بقبحه ليس واقعا في سلسلة معلولات الأحكام، بل هو حكم ابتدائي من العقل، لما فيه من المفسدة من تصرف‏

97

العبد فيما ليس له.

و إن شئت قلت: إن التشريع من أفراد الكذب الذي يستقل العقل بقبحه و الشرع بحرمته.

هذا، و لكن الذي يقتضيه النظر الدقيق خلافه، حيث أنه لا دليل على ما ذكره من المناط و أن الفارق بينهما هو هذا، بل الميزان غير ذلك، حيث أن الخطاب المولوي ما يحصل بسببه داعوية حادثة، و ما له محركية مستقلة، و الإرشادي لا يكون كذلك، و إلا فنفس الخطابين من حيث اللفظ و الإنشاء و الشدة، و صدورهما من المولى إلى العبد و غيرها سيان، و لا تتحقق الداعوية إلا بترتيب استحقاق العقاب من أمر المولى و نهيه غير الحاصل قبل الخطاب. و في الأوامر و النواهي الإرشادية لا يكون كذلك، بل يكون استحقاق العقاب مع قطع النظر عن خطاب الشارع موجودا، كالأمر بالإطاعة و النهي عن المعصية، فكل خطاب من الشارع كان مستتبعا لاستحقاق العقاب كان مولويا، كان على طبقه حكم من العقل، مثل حرمة الظلم و قبحه و الأمر بالعدل و حسنه، أو لم يكن كالصلاة و الزكاة، و كل خطاب منه لم يكن كذلك كان إرشاديا.

و العجب منه «قده» كيف غفل عن هذا المطلب و فرّق بينهما بما هو غير فارق من الوقوع في سلسلة المعلولات و العلل، بلا أن يكون معه دليل أو برهان، و كونها في سلسلة العلل يرجع إلى باب التحسين و التقبيح العقلي الناشئ عن إدراك المصالح و المفاسد، غير موجب للحصر في سلسلة العلل، حيث أن نفس الإطاعة و المعصية مما يحكم العقل بحسن الأول و قبح الثاني مع أنهما في سلسلة المعلولات، و يكون الخطاب الوارد من الشرع بالنسبة إليهما إرشاديا.

98

في بيان حرمة التشريع‏

إذا عرفت هذا، فلا يخفى أن التشريع في أمر المولى مما يستقل بقبحه العقل، بحيث يرى فاعله مستحقا للعقاب، لأنه تجاسر عليه و هتك له، و طغيان بالنسبة إليه، فلو ورد حينئذ خطاب من الشارع في الكتاب الكريم أو الروايات الواردة عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) يكون إرشاديا، بل الظاهر من قوله تعالى‏ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏ (1) أنه إرشاد إلى حكم العقل بأن الافتراء لما كان محرّما عند الكل بحكم العقل فيكون الإسناد بلا إذن محرما.

فإن قلت: إن الافتراء حرام عقلا، و لا إشكال أن حرمته الشرعية لا تكون إرشادية، بل من المحرمات المولوية كالظلم و الكذب.

قلت: الافتراء حرام عقلا و شرعا استقلالا، إذا لم يكن بالنسبة إلى المولى، و لذا لا يستحق عليه العقاب، مع قطع النظر عن حرمته الشرعية كالظلم، و أما إذا كان بالنسبة إلى المولى فلما كان مستحقا عليه العقاب، لا يكون النهي الشرعي بالنسبة إليه مولويا.

و بالجملة، كلما كان راجعا إلى المولى- مثل الإطاعة و المعصية و التشريع و أمثال ذلك- يكون الخطاب الوارد بالنسبة إليه إرشاديا، لمكان استحقاق الثواب و العقاب، و عدم حصول الداعوية الزائدة عما هو حاصل قبله، و كلما لم يكن كذلك فالخطاب بالنسبة إليه مولوي.

و مما ذكرنا ظهر أنه لا تكون حرمة التشريع من جهة أنه من أفراد الكذب المطلق كما في كلام هذا البعض «قده»، بل من جهة أنه من أفراد الكذب المخصوص، و هو الكذب‏

____________

(1). سورة يونس/ الآية 59.

99

على المولى.

ثم إن متعلّق القبح و الحرمة، هل هو فعل القلب و الإسناد إلى المولى فيه، أو الفعل المتشرّع به؟

ظاهر كلام المصنف «قده» الثاني، كما لا يخفى على من لاحظه، و ذهب غير واحد منهم المحقق الخراساني «قده» إلى الأول. و الحق هو ما ذهب إليه المصنف، لما سبق و عرفت في باب التجري، من أنه ما لم يظهر في الخارج عمل من المكلّف لم يكن الفعل عند العقلاء حراما و قبيحا، و إن كان مستحقا للذم من جهة الفاعل.

نعم، في المقام لا يحتاج إلى تحقق الفعل الخارجي الذي هو محل البحث، و هو إتيان الفعل عن تعبّد و إسناد، حيث أن التشريع يتحقق بالإسناد باللسان، بل هو أجلى أفراده كما في الإفتاء. فتأمل.

و بالجملة، الانصاف أنه إذا أتى بالعمل عن إسناد و تعبّد، يكون تشريعا محرّما بحكم العقل و العقلاء. و افتراء على المولى عندهم.

و مما ذكرنا ظهر: أن حرمة الفعل من جهة انطباق عنوان التشريع عليه الذي هو بنفسه من العناوين القبيحة، و لو لاه لا يمكن الالتزام بحرمته، من جهة إمكان أن يكون القصد و الداعي من الجهات و العناوين المغيّرة لجهة حسن العمل و قبحه، كما في تقريرات بعض الأعاظم «قده»، حيث أن القصد ما لم يوجب انطباق عنوان قبح على الفعل- مثل التجري و التشريع- لا يوجب تغييره عما هو عليه، إلا إذا قلنا بأن نفس القصد و العزم حرام، كما ذهب إليه المحقق الخراساني «قده». و قد عرفت أنه بمعزل عن التحقيق و لا يلتزم به هو أيضا، بل بناء عليه القبح و الحرمة واقفان على نفس القصد، فلا وجه لحرمة الفعل، فافهم.

ثم إنه قد استشكل المحقق الخراساني «قده» على المصنف (ره) بأن صحة الالتزام بما