قاعدة الفراغ والتجاوز

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
256 /
59

مع انّ المحقق النائينى (قدّس سرّه) بنفسه التزم بترتيب الآثار الوضعية على صحة الموجود بقاعدة الفراغ أيضا.

و ثانيا- اذا كان موضوع قاعدة الفراغ الشك في وجود المركب الصحيح بنحو مفاد كان التامة لزم جريان القاعدة في مورد الشك في اصل وقوع المركب أيضا و لو عند تجاوز وقته أو حصول حائل و هذا مما لا يلتزم به.

ان قلت- المفروض انّ موضوع هذا التعبد بوجود المركب الصحيح الفراغ عن العمل، فلا بدّ من فرض وجود اصل عمل يفرغ عنه من الخارج.

قلت: اذا فرض اخذ هذا القيد في موضوع قاعدة الفراغ فالحاق الشك في وجود جزء الصلاة بالشك في المركب و اعتباره مركبا لا يجدي شيئا، اذ لا بدّ من احراز الجزء الثاني لموضوع هذا التعبد و هو كون المشكوك في وجوده قد تحقق جزء أو مقدار منه خارجا، مع انّ المفروض الشك في اصل الركوع و السجود لا في وقوع الصحيح منه.

و الحاصل: اذا فرض انّ قاعدة الفراغ تعبّد بوجود المركب الصحيح في فرض تحقق شي‏ء منه خارجا فالحاق الشك في جزء الصلاة بالشك في المركب لا يكفي للتعبد بوجوده ما لم يحرز تحقق شي‏ء من ذلك الجزء المشكوك فيه خارجا كالمركب، و ان لم تكن قاعدة الفراغ مقيدة بوقوع شي‏ء من المشكوك لزم ورود النقض الذي ذكرناه من جريان القاعدة حتى في موارد الشك في اصل تحقق المركب، و هذا لا يلتزم به احد.

و بهذا يتضح انّ قاعدة الفراغ- بناء على مسالك المشهور في حقيقة الحكم الظاهري و أنّ المجعول فيها هو التعبد بصحة العمل بنحو مفاد كان الناقصة- حتى لو فرضت قاعدة عامة تجرى في الاجزاء أيضا فهى لا تنفع في كل الفروض الا اذا كان الشك في صحة المركب- الاستقلالي أو الضمني- بعد الفراغ عن وجوده، و اما اذا شك داخل المركب في وجود بعض الاجزاء أو القيود الراجعة للمركب فلا بدّ من قاعدة اخرى تعبدنا بوجود ذلك الجزء بعد المضي عن محله، و هذا هو

60

مفاد قاعدة التجاوز. و بهذا يصح أيضا ما يقال من اختصاص قاعدة الفراغ بالكل و عدم جريانها في الشك في الاجزاء بمعنى عدم جريانها في الشك في وجود الاجزاء اذا كان الشك داخل ذلك العمل المركب، و هذا لا ينافي جريانها عن الجزء المركب في نفسه اذا شك في صحته من ناحية ما هو قيد فيه لا في المركب الكل، لانّ جريانها عن صحة مثل هذا الجزء المركب أيضا يكون مشروطا بكون الشك بعد الفراغ عنه لا داخله، فتأمل جيدا.

المحاولة الثالثة- توحيد القاعدتين بارجاعهما معا الى قاعدة التجاوز

و التعبد بوجود الجزء أو الشرط المشكوك للمركب بعد مضى محله.

و البحث عن هذه المحاولة نورده تارة بلحاظ عالم الثبوت و اخرى بلحاظ الروايات و ما يستفاد من ظواهرها اثباتا، فالحديث يقع في مقامين:

المقام الاول- في البحث الثبوتي‏

مع قطع النظر عن لسان الروايات، و قد ظهرت محاولة التوحيد بهذا المعنى بين القاعدتين في كلمات جملة من الاعلام، حيث انهم ادّعوا انّ قاعدتي الفراغ و التجاوز يمكن ان ترجعا ثبوتا الى قاعدة واحدة و هي قاعدة التجاوز أو التعبد بوجود القيد المشكوك في وجوده بعد تجاوز محله، و ان اختلفوا في انّ هذا المطلب الثبوتي هل هو المستفاد من الروايات اثباتا أيضا أم انّ المستفاد منها هو التعدد.

و قد استدلوا على التوحيد الثبوتي بهذا المعنى بوجوه:

الاول- انّ الشك في الصحة الذي هو موضوع قاعدة الفراغ مسبب دائما عن الشك في وجود الجزء أو الشرط المشكوك للمركب، و الاثر مترتب على ذلك لا على عنوان الصحة الانتزاعي، فيمكن ان يرجع التعبد بصحة الموجود في قاعدة الفراغ الى التعبد بمنشإ الصحة و هو وجود القيد المشكوك فيه بنحو مفاد كان التامة.

61

و يمكن ان يناقش في هذا الوجه:

أولا- بانّ عنوان الصحة و ان كان انتزاعيا عقليا و الاثر مترتب على منشأ هذا العنوان و هو واقع الصحيح- على ما سوف يأتي مزيد توضيح له- الّا انّ ذلك المنشأ و هو تحقق تلك الاجزاء و الشرائط تارة يكون الشك فيها بنحو مفاد كان التامة، أي في تحققها في الخارج، و اخرى يكون الشك فيها بنحو مفاد كان الناقصة، أي كون الفعل الخارجي الذي صدر من المكلف صلاة تامة أو عقدا تاما، فلو فرض ترتب الاثر على ذلك- و لو بلحاظ بعض الآثار على ما سوف نتحدث عنه- لم يكن التعبد بوجود المشكوك بنحو مفاد كان التامة- سواء اجريناه بعد الفراغ عن الجزء المشكوك أو عن وجود المركب الصحيح- كافيا لترتيب كل آثار صحة الموجود المستفاد من ادلة قاعدة الفراغ. فمجرد كون الصحة عنوانا انتزاعيا مسببا عن الشك في وجود جزء المركب أو شرطه الذي هو موضوع التعبد بوجوده بقاعدة التجاوز لا يكفي لترتيب تمام آثار الشك في صحة الموجود الذي هو مفاد قاعدة الفراغ لترجع قاعدة الفراغ ثبوتا الى قاعدة التجاوز الّا اذا اثبتنا في المرتبة السابقة انّ تمام الآثار الشرعية التكليفية و الوضعية تترتب على مفاد كان التامة لا الناقصة، و هذا ما سوف نبحثه مستقلا و نثبت عدم صحته.

و ثانيا- لو فرضنا انّ الآثار تترتب على مفاد كان التامة دائما تعين ان تحمل الروايات اثباتا على قاعدة التجاوز لا الفراغ، حيث لا يعقل التعبد- بناء على المسالك المشهورة- بصحة الموجود بعد ان كانت الصحة حكما انتزاعيا ليس هو موضوع الاثر. فلو فرض ظهور بعض الروايات في التعبد بصحة الموجود كان لا بدّ من صرف هذا الظهور و اعتباره مجرد تعبير اثباتي استطراقا الى التعبد بمنشإ الصحة، فلا تكون الّا قاعدة واحدة هي التجاوز ثبوتا و اثباتا بحكم البرهان و القرينة العقلية هذه فانها تقتضي ان يكون محمول التعبد و بالتالي موضوعه الشك في الوجود دائما، نعم يعقل البحث عن اطلاق هذا التعبد لموارد الشك قبل الفراغ‏

62

عن اصل المركب و عدمه، الّا انّ هذا يرجع الى البحث عن سعة المجعول الواحد و ضيقه بحسب الحقيقة لا الى تعدده و وحدته خصوصا بناء على ما هو الصحيح من جريان ما يسمى بقاعدة الفراغ في اجزاء المركب الواحد عند الشك في تحقيق بعض قيوده لا في اصل وجوده.

الثاني- انّ الصحة و الفساد حيث انهما حكمان عقليان لا يمكن ان تنالهما يد الجعل فلا يعقل ان يكون المجعول الصحة للعمل المشكوك في صحته الّا بان يرجع الى جعل منشأها و هو التعبد بوجود المشكوك الذي هو مفاد قاعدة التجاوز، فلا تكون هناك الّا قاعدة واحدة هي التجاوز.

و فيه: أولا- ما بيّن في علم الاصول في ردّ مثل هذه المقالة التي يذكرها صاحب الكفاية في موارد عديدة من انّ المراد بالجعل ليس الّا التعبد و الاعتبار استطراقا لترتيب آثاره شرعا و عقلا، و الجعل التعبدي بيد الشارع بل باعتبار انّ المنشأ في المقام امر اعتبارى أيضا يكون الجعل الحقيقي مما تناله يد الجعل فضلا عن التعبدي.

و ثانيا- انّ هذا المقدار من البيان لا يكفي لدفع الاشكال المتقدم من المحققين من انّ بعض الآثار تترتب على صحة الموجود و لو بمعنى منشأ الانتزاع لا عنوان الصحة الانتزاعي بنحو مفاد كان الناقصة، و هذا لا يثبت بقاعدة التجاوز لانها تعبدنا بمفاد كان التامة.

الثالث- انّ جعل قاعدة الفراغ يكون لغوا بعد فرض جعل قاعدة التجاوز، لأنّها أعم منها.

و فيه: أولا- لو سلمنا ترتب اثر على مفاد كان الناقصة، أعني صحة الموجود، فإنّه لا يمكن اثباته بمفاد كان التامة فلا يكون جعل قاعدة الفراغ لغوا.

و ثانيا- مجرد الأخصيّة بحسب المورد لا تكفي للغوية إذا فرض تعدد المجعول و ملاكه و نكتته، و إن اجتمعا في المورد.

و ثالثا- بناء على بعض المباني في قاعدتي التجاوز و الفراغ، من قبيل المبنى‏

63

القائل بعدم جريان التجاوز في الشك في الجزء الاخير من العمل، لعدم المحل له بخلاف الفراغ، تكون النسبة بينهما العموم من وجه لا الأخصية ليكون جعل احدهما كافيا عن الآخر.

و هكذا يتضح: عدم تمامية هذه الوجوه المذكورة ثبوتا لا ثبات رجوع قاعدة الفراغ الى التجاوز، و بذلك تنتهي المحاولات الثلاث التي ذكرها المحققون، و قد ظهر عدم تمامية شي‏ء منها بالبيانات المستفادة من كلماتهم.

[بيان المختار في التوحيد بين القاعدتين.]

و التحقيق: ان يقال برجوع القاعدتين، قاعدة الفراغ و التجاوز الى قاعدة واحدة يمكن ان نعبر عنها بقاعدة التجاوز كما يمكن ان نعبر عنها بقاعدة الفراغ، على ما سوف يظهر، و هذا ما نوضحه من خلال رسم امور:

الاول- انّ المراد من وحدة القاعدتين و تعددهما ليس مجرد الاختلاف بينهما بحسب التعبير الوارد في الروايات إثباتا، كيف و قد يعبر عن حجية خبر الواحد بتعابير مختلفة مع كونها قاعدة واحدة، كما انّ الميزان في الوحدة و التعدد ليس بمجرد امكان تصوير مفادين و مجعولين انشائيين اعتباريين مختلفين لروح حكم واقعي أو ظاهري واحد، فانّ اختلاف الصياغات الانشائية مع وحدة روح القاعدة و مضمونها الواقعي و نكتتها الثبوتية لا يكفي لتعدد القاعدة الواحدة، بل المعيار في التعدد امّا بتعدد المجعولين بحسب الروح و المحتوى بان يكونا من سنخين، أو بتعدد الموضوع و الملاك المشتمل على نكتة ذلك الجعل و المحتوى بحيث يكون هناك ملا كان و نكتتان مستقلتان و لو لجعل حكم واقعي أو ظاهري من سنخ واحد.

الثاني- الصحة و الفساد امران انتزاعيان عقليان و ليسا مجعولين شرعيين، سواء اضفناهما الى تمام المركب، أم الى المركب المهمل من حيث تمامية الاجزاء و الشرائط، أم الى جزئه. و قد اثبتنا ذلك مفصلا في البحوث الاصولية من غير تفصيل بين باب المعاملات و العبادات، و بناء عليه يكون اثبات الصحة بهذا المعنى العقلي بالتعبد بوجود الاجزاء و الشرائط من الاصل المثبت، كما انّ الصحة

64

و الفساد بهذا المعنى لا يترتب عليه اثر لا في باب التكليف، و لا الوضع، لانّ الصحة بهذا المعنى يستحيل ان يتعلق بها نفس الحكم المنتزع بلحاظه الصحة ببرهان كونها طوليا منتزعة في مرتبة متأخرة عن تعلق ذلك التكليف أو الوضع بالمركب، و انما الحكم يتعلق بواقع الصحيح و المركب التام، فيكون الاثر مترتبا على واقع الصحيح و منشأ انتزاع الصحة، بل حتى الاحكام الاخرى المترتبة على الاتيان بفعل صحيحا متعلقها بحسب الحقيقة واقع ما هو الصحيح و منشأ انتزاع الصحة، اذ لا دخالة لهذا العنوان الانتزاعي فيما هو المهم عادة، و انما المهم واقعه و منشأ انتزاعه، و هذا واضح.

الثالث- لا اشكال في الفرق بين مفاد كان التامة و مفاد كان الناقصة، فانّ الاول تعبد بوجود شي‏ء، و الثاني تعبد بثبوت شي‏ء لشي‏ء، و لا يمكن اثبات احدهما بالآخر الّا بنحو الاصل المثبت.

و دعوى: انّ مفاد كان الناقصة عبارة عن الجمع بين مفادين لكان التامة، فاذا شك في ثبوت شي‏ء لشي‏ء امكن اثباته بمفاد كان التامة باجرائه في الوصف و في نسبته الى الموضوع، فيثبت مفاد كان الناقصة بالجمع بينهما بنحو التركيب.

مدفوعة: بانّ التعبد بوجود الوصف و النسبة بنحو التركيب لازمه العقلي ثبوت الا تصاف بين ذلك الوصف و ذلك الموضوع. و إن شئتم قلتم: إنّ الفرق بين المطلبين كالفرق بين مفادي جملتي (بياض زيد موجود) (زيد ابيض) و ان كانا متلازمين في الصدق، و هذا واضح.

الرابع- الاحكام المتعلقة بالطبائع اذا كانت انحلالية بحسب مصاديقها كان متعلق كل حكم من تلك الاحكام المنحلة منوطا بكون ذلك المصداق الخارجي متصفا بذلك الوصف العنواني بنحو مفاد كان الناقصة، فوجوب اكرام كل عالم يعني انّ هذا الشخص ان كان عالما وجب اكرامه، و حرمة كل خمر تعني هذا المائع ان كان خمرا يحرم شربه، و حرمة قطع كل صلاة معناها انّ هذا العمل ان‏

65

كان صلاة يحرم قطعها، و وجوب الوفاء بكل عقد معناه ان كان هذا الانشاء عقدا وجب الوفاء به و هكذا، فليس الموضوع لكل حكم انحلالي وجود تلك الطبيعة في الخارج بنحو مفاد كان التامة اينما كانت بل اتصاف هذا المصداق الجزئي الخارجي بتلك الطبيعة بنحو مفاد كان الناقصة.

و قد اثبتنا ذلك مفصلا في علم الاصول و جعلناه هو الميزان في جريان البراءة عند الشك في الشبهة الموضوعية و الّا كان من الشك في المحصل المقتضي للاحتياط، و يمكن أن نشير هنا الى برهانه اجمالا و حاصله: انّ الاحكام الانحلالية حيث انها تنحل و تتعدد بعدد الموجودات و المصاديق في الخارج فثبوت كل واحد من تلك الاحكام المنحلة فرع اتصاف ذلك الموجود الخارجي بعنوان الطبيعة و كونه مطبقا لها لا وجود الطبيعة في الخارج بنحو مفاد كان التامة و الذي قد يكون في فرد اخر لا ربط له بالفرد الأول، و هذا يعني انّ ما هو المأخوذ لبّا كموضوع للحكم الانحلالي في مثل (اكرم العالم) انما هو اتصاف الفرد الخارجي بكونه عالما لا وجود العالم في الخارج، اذ لو اريد وجود صرف وجود الطبيعة فهو موجود قبل تحقق هذا الفرد، و لو اريد وجود هذا الفرد من الطبيعة فالفردية و الجزئية انما تكون بالوجود، فلا معنى لافتراض فرد مع قطع النظر عن الوجود ليفرض وجوده قيدا لفعلية الحكم، فيتعين ان يكون الحكم المنحل موضوعه كون هذا الوجود مطبقا و مصداقا للطبيعة، و هو معنى اناطة الحكم بمفاد كان الناقصة، و هذا بخلاف ما اذا كانت الطبيعة مأخوذة بنحو صرف الوجود و البدلية كما في مثل (اكرم عالما)، فانه عندئذ تكون طبيعة العالم متعلقا للحكم لا موضوعا له فكلما احرز اصل وجود الطبيعة في الخارج و لو في مصداق اخر كان الحكم فعليا و كان الشك في تحصيل الواجب و امتثاله بهذا الفرد المشكوك، فتدبر جيدا.

و في هذا الضوء نقول: انّ التعبد بوجود المركب بتمام اجزائه و قيوده يجرى بلحاظ سقوط التكليف المتعلق به، لأنّه متعلق بايجاده بنحو صرف الوجود، فيكون المطلوب مجرد ايقاعه و تحقيقه خارجا بنحو مفاد كان التامة، و هذا هو الذي‏

66

ذكره الميرزا (قدّس سرّه) من كفاية التعبد بمفاد كان التامة في باب التكليف، فانّ هذا الكلام صحيح بالنسبة لما هو متعلق التكليف و الذي لا يكون الحكم منحلا بالنسبة إليه، و اما اذا كان المركب موضوعا لحكم تكليفي أو وضعي كما في مثل حرمة قطع الصلاة مثلا فانّ الصلاة في هذا الحكم موضوع لا متعلق، فالحرام قطع كل ما هو صلاة، و الحرمة تنحل بعدد ما هو صلاة في الخارج، فلا بدّ لترتيب حرمة القطع من احراز صلاتية ما بيد المكلف من العمل، و كذلك سجود السهو لمن سها في صلاته، فضلا عن مثل وجوب الوفاء بالعقد و نحوه من الاحكام الوضعية الانحلالية، ففي هذه الاحكام لا بدّ من اثبات مفاد كان الناقصة، أي أنّ العمل الشخصي الواقع في الخارج عقد صحيح أي تام الشروط أو صلاة كذلك، و لا يجدي التعبد بوجود عقد في الخارج أو وقوع صلاة تامة في الخارج، فانه لا يثبت الآثار الانحلالية المترتبة على الفعل الخارجي كحرمة قطع هذا العمل أو وجوب الوفاء بهذا العقد.

و دعوى: اننا نثبت وقوع عقد صحيح متعلق بهذا المال بالثمن المعين بنحو مفاد كان التامة، و هو يكفي في اثبات كونه ملكا للغير و كون الثمن ملكا لي.

مدفوعة: بانّ ملكية الثمن و المثمن و هكذا سائر الآثار الوضعية تثبت بعنوان الوفاء بالعقد و امضاء ما أنشأه المكلف، و ما هو موضوع الوفاء العقد الخارجي بنحو الانحلال، أي كل عقد فلا بدّ من اثبات انّ الفعل الخارجي الذي صدر من المكلف عقد و إنشاء بنحو مفاد كان الناقصة ليترتب وجوب الوفاء به، و اما صدور عقد اجمالا منه من دون تشخيصه في عقد خارجي فليس موضوعا للحكم و لا يكون المكلف مسئولا عنه و لا يترتب عليه الآثار الوضعية الامضائية المتعلقة بكل ما يكون عقدا خارجا.

و هكذا يثبت: انّ وقع المركب الصحيح بنحو مفاد كان التامة لا يكفي لترتيب جميع الآثار المطلوبة في موارد الشك في الصحة فما تقدم من بعض الاعلام من كفاية التعبد بوجود المشكوك بنحو مفاد كان التامة لترتيب جميع آثار

67

الصحة، و كذلك ما تقدم من بعض اخر من الاعلام من كون مفاد قاعدة الفراغ اخص مطلقا من مفاد قاعدة التجاوز غير تام.

و انما الصحيح: اننا اذا اردنا ان نتعامل مع مفاد كل من القاعدتين بالدقة و افترضنا انّ المجعول في احداهما هو التعبد بوجود الجزء أو الشرط المشكوك فيه بنحو مفاد كان التامة المعبر عنه في كلماتهم بقاعدة التجاوز، و انّ المجعول في الأخرى هو التعبد بصحة الموجود- و نعني بها واقع الصحة و التمامية و الاتصاف بالعنوان المأخوذ في موضوع الاثر للموجود الشخصي الخارجي- المعبر عنه في كلماتهم بقاعدة الفراغ فليس شي‏ء منهما يغني عن الاخر. اما عدم اغناء قاعدة التجاوز عن الفراغ فلما ذكرناه الآن، و امّا عدم اغناء قاعدة الفراغ عن التجاوز فلما تقدم في رد المحاولة الثانية من انها لا تنفع في تصحيح الشك في وجود الجزء بعد تجاوز محله داخل المركب، و هذا يعني انّ بينهما عموما من وجه من حيث التطبيق و ترتب الاثر، و منه يظهر ثمرة القول بالتعدد بهذا المعنى، و لكن سوف يأتي أنّ اصل هذا الافتراض غير تام.

الخامس- انّ موضوع هذا الحكم الظاهري الترخيصي المعبر عنه بقاعدة الفراغ أو التجاوز هو الشك في وقوع ما اوقعه المكلف من المركبات خارجا بتمام خصوصياته و قيوده أي صحيحا أم لا، فلا بدّ من فرض وجود شي‏ء من ذلك المركب خارجا، و لا تجري القاعدة في مورد الشك في اصل تحقق مركب و عدمه من دون فرق بين كونها قاعدة واحدة أو قاعدتين.

و الوجه في ذلك انّ هذا القيد أعني وقوع شي‏ء من المركب و كون الشك في تمامية ما يقع خارجا هو موضوع تمام الروايات سواء كان واردا بعنوان الفراغ، أو التجاوز، امّا روايات الفراغ، فلأنّ التعبير بالفراغ و المضي و الانصراف، بل و التعليل في قوله (ع): (لانه حين العمل اذكر منه حين يشك) كل ذلك صريح في أنّ الموضوع هو الشك في تمامية ما وقع خارجا من الفعل، و امّا روايات التجاوز فأيضا كذلك لانّها جميعا واردة في مثل الصلاة و الشك في شي‏ء منها بعد فرض‏

68

الخروج و التجاوز عنه أو عن محله و الدخول في غيره، و هذا كله مخصوص بموارد الشك في وقوع الجزء أو القيد المشكوك لمركب اصله مفروض التحقق، فليس مفاده التعبد بوقوع كل ما يشك في وقوعه- كما قد يظهر من ظاهر تعبيرات بعض الاعلام المتقدمة- كيف و هذا يستلزم جريان هذه القاعدة في موارد الشك في اصل المركب بعد تجاوزه، و لا اظن ان يلتزم به احد.

و دعوى: انّ جريان القاعدة بالنسبة الى الشك في اصل الطهور لمن دخل في الصلاة. مع انّ الطهور مركب و الشك فيه هنا شك في اصل المركب دليل على جريانها في ذلك.

مدفوعة: بانّ جريان القاعدة هنا ليس بمعنى اثبات وقوع مركب الطهور خارجا، و الّا كان يمكنه الاكتفاء بذلك لصلواته القادمة مع وضوح عدمه، و انما معناه التعبد بوجدان الصلاة الواقعة لقيدها و هو كونها عن طهور لا اكثر، و لهذا لم يكن ينفع جريان القاعدة هنا بلحاظ الصلوات القادمة لانها مركبات اخرى لم يقع شي‏ء منها بعد و ليس الشك في وقوعها صحيحا أو فاسدا، نعم لو شك في صحة وضوء قد فرغ منه كان جريان القاعدة محرزا لكونه متطهّرا حتى لما يأتي من الاعمال لان مجرى القاعدة هنا مركب اخر هو الوضوء و الذي أصله واقع في الخارج و انما يشك في تماميته و عدمها.

و قد يدعى: انّ مثل موثقة محمد بن مسلم المتقدمة (كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) ظاهرها الاطلاق للشك في اصل وقوع المركب خصوصا بناء على كونها من روايات التجاوز بارجاع الضمائر كلها الى الأمر المشكوك في وجوده و عدمه حيث يكون مفادها: انّ كل ما يشك في وجوده بعد مضيه- بمعنى مضي محله أو وقته- يبنى على وجوده فيشمل موارد الشك في اصل المركب و لو بعد مضي الوقت أو دخول الحائل.

الا انّ هذه الدعوى باطلة: فانّ ظاهر هذه الرواية أيضا وقوع عمل في الخارج يشك في تماميته و نقصانه، اما اذا استفيد منها قاعدة الفراغ بان اريد من الشك‏

69

فيه الشك في صحته- كما لعله هو الظاهر- فالامر واضح، و أمّا اذا كانت من ادلة التجاوز و اريد من الشك فيه الشك في الوجود فأيضا كذلك، لانّ اسناد المضي الى المشكوك ظاهر في مضيه بنفسه لا مضيه بحصول حائل أو مضي وقته، و المضي بنفسه لا يصدق على المشكوك الّا اذا كان له موقع ضمن مركب قد تحقق و مضى، هذا اذا اسندنا المضي الى نفس المشكوك، و أمّا اذا اسندناه الى محله، فلانّ المحل لا يصدق الّا بلحاظ المركب، و ليس مطلق الوقت أو الحائل محلا للشى‏ء.

و ان شئتم قلتم: المراد بالمحل الموقع و المكان لا الظرف و الزمان فالرواية على كلا التقديرين تفترض وقوع اصل المركب خارجا سواء كان مفادها التعبد بوجود المشكوك بنحو مفاد كان التامة أو بصحة الموجود بنحو مفاد كان الناقصة.

و هكذا يتضح: انّ موضوع هذا الحكم الظاهري و مورده على تمام التقادير و الاقوال هو الشك في تمامية عمل شخص خارجي قد فرغ منه المكلف أو فرغ من القيد المشكوك فيه منه و دخل في غيره مع فرض تحقق سائر اجزاء العمل خارجا، و انما الاختلاف فيما بينهم بلحاظ ما هو المجعول فيه و انه التعبد بوجود المشكوك أو صحة الموجود أو وجود الصحيح؟

السادس- لا اشكال انّ ظاهر روايات الفراغ التعبد بصحة العمل لترتيب تمام آثار صحة العمل المفروغ عنه سواء ما كان منها مترتبا على وجود المركب الصحيح بنحو مفاد كان التامة أم على صحة الموجود بنحو مفاد كان الناقصة خصوصا اذا قلنا بعمومها للمعاملات بالمعنى الاعم، لانّ هذا هو مقتضى ظاهر قوله (فامضه كما هو) حيث يكون ناظرا الى الموجود الخارجي و ترتيب آثار الصحة عليه.

و امّا روايات التجاوز فقد يقال انّ غاية ما يستفاد منها هو التعبد بوجود المشكوك بنحو مفاد كان التامة، لأنّ المأخوذ في لسانها الشك في وجود الجزء بعد تجاوزه و التعبد بتحققه و انه قد ركع، و هذا لا يثبت اكثر من مفاد كان التامة

70

و الآثار المترتبة عليه.

الّا انّ هذا الكلام غير تام أيضا، بل ظاهر ادلة التجاوز أيضا ترتيب تمام تلك الآثار، لانّ ظاهرها انها بصدد تصحيح العمل الذي بيد المكلف من كل الجهات حتى الآثار المترتبة عليه بنحو مفاد كان الناقصة كحرمة قطعه و نحوه، خصوصا اذا قلنا بعموم بعض ادلة التجاوز أيضا للمعاملات، بل مثل موثقة ابن ابي يعفور الواردة في الشك في الوضوء بعد الدخول في غيره و المذيلة بقوله (ع): (انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) بناء على كونها من روايات التجاوز، لا اشكال في انها تعبد بكون عمله طهورا صحيحا.

و بعبارة اخرى: انه في داخل العمل أيضا يوجد شك في وجود الجزء أو القيد بنحو مفاد كان التامة، و شك في تمامية ما بيده من العمل بنحو مفاد كان الناقصة الموضوع لحرمة القطع و نحوه، و المقصود ترتيب تمام هذه الآثار كما في قاعدة الفراغ فلا بد فيها أيضا من تصحيح الموجود بنحو مفاد كان الناقصة كروايات الفراغ. فثبوتا كلتا الطائفتين تصحيح للعمل بنحو مفاد كان الناقصة كل الآثار، و ليس التعبير بالشك في الركوع و السجود أو قوله (بلى قد ركعت) و نحو ذلك بمعنى انّ المجعول في روايات التجاوز هو التعبد بالوجود بنحو مفاد كان التامة، و انّ الشك الموضوع فيه هو الشك في الوجود لا صحة الموجود، فانّ هذه مجرد تعبيرات و اختلافات لفظية مع كون المهم تصحيح العمل في كلتا الطائفتين، غاية الامر احداهما تنظر الى ما بعد الفراغ عن المركب و الشك في قيد من قيوده، و الأخرى ناظرة الى الشك حتى داخل العمل، و هذا هو منشأ ما ارتكز في ذهن الميرزا (قدّس سرّه)، بل لعله عند المشهور أيضا من اختصاص قاعدة الفراغ بما بعد العمل، فانّ جريانها داخل العمل عن المركب الجزء يلغي الفرق بينها و بين قاعدة التجاوز على ما سوف يأتي مزيد توضيح لذلك.

71

اذا اتضحت هذه الامور فنقول:

تارة نتحدث على المسلك المختار في حقيقة الحكم الظاهري و انه عبارة عن درجة اهتمام المولى بملاكاته الترخيصية و الالزامية المتزاحمة في مرحلة الحفظ، و اخرى نبني على مسالك القوم من انّ حقيقة الحكم الظاهري ما هو المجعول الانشائي و التعبدي في دليله.

فعلى الاول: يكون من الواضح وحدة القاعدتين في قاعدة واحدة لتصحيح ما صدر من المكلف من العمل خارجا، لانّ الاختلاف الوارد في روايات الفراغ و التجاوز ليس الّا من الاختلاف في التعبير بالتجاوز أو الفراغ أو المضي، أو من الاختلاف في الاطلاق و التقييد بان يكون بعضها واردا في مورد الانتهاء عن المركب، و بعضها في مورد الانتهاء عن محل الجزء و الدخول في غيره، و كلا هذين الاختلافين لا يوجبان تعدد القاعدة الظاهرية طالما انّ روح الحكم الظاهري في المقام و ملاكه واحد، و هو تصحيح العمل الذي يفرغ عنه المكلف، أي ترجيح كافة الآثار المترتبة على صحة الموجود الخارجي اذا كان الشك في ايقاع جزء أو شرط من شروطه بعد الانتهاء و التجاوز عن محل ذلك الجزء أو الشرط بملاك طريقي و هو اذكرية الانسان قبل التجاوز منه بعد التجاوز، و بملاك موضوعي و هو كون ذلك المشكوك قد فرغ عن اصله و خرج عن موضعه سواء بالخروج عن كل المركب أم عن محل ذلك الجزء و الدخول في غيره.

و هذا المطلب سنخ حكم ظاهري واحد بملاك واحد، لانّ نسبة كلتا النكتتين الطريقية و الموضوعية الى موارد التجاوز و الفراغ على حد واحد سواء عبر عنه في مقام اللفظ و التعبير بالفراغ أم التجاوز أم المضي، و سواء صيغ في مقام انشائه و جعله بعنوان التعبد بصحة الموجود أم التعبد بواقع الصحيح و منشأ انتزاعه و انه قد ركع، أو انّ صلاته قد مضت فانّ هذه الامور لا تغير من روح القاعدة الواحدة بعد فرض انّ مناطها و موضوعها واحد. نعم لا بدّ و ان يكون دليل هذا

72

الحكم الظاهري شاملا لتمام الآثار المترتبة على العمل الصحيح ليمكن ترتيبها، و قد تقدم في الامر السادس ثبوت هذا الاطلاق و لا يلزم من ذلك الجمع بين مفاد كان التامة و الناقصة في مجعول واحد، لانه بناء على هذا المسلك، المجعول ليس الّا مجرد صياغة يمكن الاستغناء عنها كما يمكن ان تكون بالعنايات الانتزاعية أو الاختراعية و لو عنوان صحة العمل الذي شك في صحته بعد تجاوز منشأ الشك في الصحة، اذ ليس هذا هو روح الحكم الظاهري و جوهره ليتعدد الحكم، فيكون المجعول قاعدة واحدة ثبوتا يمكن ان نصطلح عليها بالتجاوز باعتبار انّ موضوعها اعم من الفراغ عن كل العمل، و ان كان هذا التجاوز يختلف عما يصطلح عليه القوم بالتجاوز، فأنهم يريدون به ما يعبدنا بالوجود فقط بنحو مفاد كان التامة بينما المجعول هنا مفاد كان الناقصة أيضا، فهذا اشبه بقاعدة الفراغ الجاري في داخل العمل و خارجه، و الذي حاوله الميرزا (قدّس سرّه) بسليقته الدقيقة في محاولته السابقة و ان كانت طريقته غير سليمة، فكأنّ الميرزا (قدّس سرّه) يريد ارجاع التجاوز الى الفراغ روحا و لبّا من حيث ترتب تمام آثار صحة العمل الخارجي، فلو لاحظنا عالم روح هذا الحكم الظاهري فالتجاوز راجع الى قاعدة الفراغ، و ان لاحظنا مرحلة اللفظ و العنوان المأخوذ في موضوع جريان القاعدة فالفراغ يرجع الى التجاوز، لانّ الموضوع التجاوز عن منشأ الشك في الصحة الأعم من الفراغ عن كل العمل.

و قد يبحث في انّ هذا الحكم الظاهري هل جعل في خصوص مورد الفراغ عن اصل العمل- و لو للنكتة الموضوعية لا الطريقية التي لا تختلف من هذه الناحية و تكون عامة- أو جعل حتى لما اذا كان الشك في داخل العمل بعد تجاوز محل المشكوك مطلقا أو في خصوص الصلاة؟ الّا انّ هذا في الحقيقة أيضا يكون بحثا عن سعة الحكم الظاهري المذكور و اطلاقه و ضيقه لا تعدده و وحدته، خصوصا مع ما عرفت من ترتيب تمام الآثار المترتبة بنحو مفاد كان التامة و الناقصة و كون ملاك الحكم و نكتته المستفادة من الروايات واحدة، فحال هذا البحث حال البحث عن اطلاق و تقييد كل حكم اخر واقعي أو ظاهري.

73

و اما على المسلك المشهور:

و الذي يرى أن حقيقة الحكم الظاهري ما هو المجعول في دليله، فتارة نبني على ما ذكره بعض الاعلام من كفاية التعبد بوجود المركب الصحيح بنحو مفاد كان التامة، و اخرى نبني على ما ذهب إليه الميرزا (قدّس سرّه) و المحقق العراقي (قدّس سرّه)- و هو الصحيح- من ترتب جملة من الآثار على مفاد كان الناقصة.

فعلى الاول: أيضا لا بدّ من المصير ثبوتا الى وحدة القاعدتين و هي قاعدة التجاوز بمصطلح القوم و لو فرض تغاير لسان الادلة اثباتا كما ذكرنا، فانّ هذا التغاير بعد ان كان المجعول فيهما واحدا و نكتته ملاك طريقي و موضوعي واحد لا يرجع الى تغاير القاعدتين ثبوتا بل الى مقدار سعته و اطلاقه و ضيقه اثباتا، و سوف يأتي مزيد توضيح لذلك.

و على الثاني: فارجاع القاعدتين الى قاعدة واحدة مبني على امكان تصوير جامع بين المفادين- مفاد كان التامة و مفاد كان الناقصة- لترتيب تمام الآثار- و هذا لا ربط له كما عرفت بكون الصحة امرا انتزاعيا أو شرعيا- و الجامع الحقيقي بين المفادين قد عرفت في التعليق على المحاولة الاولى عدم وجوده، و من هنا ذهب مثل المحقق العراقي (قدّس سرّه) الى لزوم تعدد القاعدتين ثبوتا، و لكنك عرفت انّ جعل الحجية للارادة حالة العمل و للاذكرية مثلا، معقول ثبوتا أيضا و هو جامع بينهما و حينئذ قد يكون تصوير مثل هذا الجامع خلاف مقام الاثبات فيدعى انّ مقام الاثبات ظاهر في جعل مفادين احدهما التعبد بصحة الموجود و المعبر عنه بقاعدة الفراغ، و الآخر التعبد بوجود الجزء المشكوك في وجوده و هو المعبر عنه بقاعدة التجاوز.

الا انّ هذا أيضا سوف يوقع صاحب هذا المبنى في الاشكال في موارد جريان قاعدة التجاوز بلحاظ الآثار المترتبة على مفاد كان الناقصة، حيث لا يمكن اثباتها لا بها لكون المجعول فيها مفاد كان التامة، و لا بقاعدة الفراغ لعدم كون الشك في‏

74

صحة ما مضى بل في وجوده اثناء المركب، و هذا بنفسه يكون دليلا لا محالة على عدم الفرق بينهما من هذه الناحية، لانّ المجعول في كل منهما يعم كلا نوعي الآثار و لو من خلال عنوان اختراعي أو اخذ الحالة السابقة موضوعا للحكم الظاهري، أو جعل التعبد فيهما معا لمفاد كان الناقصة و الذي يكون ثبوته كافيا لترتيب كلا نوعي الآثار كما هو الصحيح، فلا يبقى فرق في المجعول فيه، نعم يبقى الفرق من حيث الموضوع و اخذ عنوان التجاوز، أو المضي و الفراغ أو اضافة الشك الى صحة المركب، أو الى وجود جزء من اجزائه، و الاختلاف في هذه الحيثيات الاثباتية سوف يأتي في المقام الثاني انه لا يستوجب تعدد الحكم و القاعدة.

و هكذا يتعين على جميع المسالك القول بوحدة القاعدتين ضمن قاعدة واحدة لها سنخ محمول واحد و هو ترتيب كل آثار صحة العمل، و موضوع واحد و هو التجاوز عن محل القيد المشكوك فيه من مركب خارجي يفترض تحقق سائر اجزائه.

هذا كله في البحث عن المقام الأول و هو البحث الثبوتي.

المقام الثاني- البحث الاثباتي:

حيث ادعي استظهار وجود قاعدتين من روايات الباب لكل منهما موضوعها الخاص بها، و فيما يلي نتحدث عن ذلك ضمن نقطتين:

الاولى- ما استند إليه القائل بتعدد القاعدتين اثباتا.

الثانية- في تحديد ما هو موضوع القاعدة، و انه التجاوز أو الفراغ، و انه كيف يتحقق ذلك.

اما النقطة الاولى-، فقد افاد جملة من الاعلام انّ روايات الباب على طائفتين:

الطائفة الاولى- ما ورد فيها التعبير بانّ (كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا اعادة عليك) أو (كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو)، فيقال انّ هذه الطائفة ظاهرة في مضي الشي‏ء المشكوك فيه حقيقة، لانّ هذا هو ظاهر اسناد المضي بل و الامضاء و الاعادة للشى‏ء، و حمله‏

75

على مضي محله مجاز واضح، فلا يصدق ذلك الّا اذا كان هناك شي‏ء قد مضى و يقع فيه شك فلا محالة يراد بالشك فيه الشك في صحته لا في اصل وجوده، و لو فرض ظهور الشك في شي‏ء في نفسه في إرادة الشك في الوجود لا في الصحة لا بدّ ان يحمل على ذلك بالقرينة المذكورة، و يكون التعبد في طرف المحمول فيها التعبد بصحة الموجود بنحو مفاد كان الناقصة الذي هو مفاد قاعدة الفراغ.

الطائفة الثانية- ما ورد فيها التعبير بالشك في الركوع و قد سجد، و في القراءة و قد ركع مذيلا بقوله (ع): (كل شي‏ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه) أو بقوله (ع): (يا زرارة اذا خرجت من شي‏ء ثم دخلت في غيره فشككت، فليس بشي‏ء).

و ظاهرها كون الشك في وجود الشي‏ء، لانّ هذا هو ظاهر اضافة الشك الى شي‏ء، و هو صريح صدرها و موردها حيث فرض فيه الشك في اصل الركوع أو السجود، فيكون ذلك قرينة قطعية على إرادة الشك في الوجود بنحو مفاد كان التامة، و يكون المراد من التجاوز أو الخروج عن الشي‏ء و الدخول في غيره التجاوز عن المحل، و يكون المجعول فيها التعبد بوجود المشكوك بنحو مفاد كان التامة.

و عليه فيثبت جعل قاعدتين و حكمين ظاهريين متباينتين محمولا و موضوعا احداهما: التعبد بصحة مركب يفرغ عن وجوده بنحو مفاد كان الناقصة- سواء كان ذلك المركب كلّا أو جزء اذا شك في صحته- و الاخرى: التعبد بوجود الجزء أو الشرط المشكوك في وجوده بعد تجاوز محله و الدخول في غيره بنحو مفاد كان التامة.

و لا يمكن المساعدة على هذا الاستظهار و ذلك:

أولا- لأنّ روايات الطائفة الثانية- التجاوز- أيضا ظاهرة في تصحيح ما بيد المكلف من العمل، لانّها تفترض وجود مشكوك قد مضى و جاوزه المكلف في‏

76

عمله و خرج عنه و دخل في غيره، و هذا لا يصدق الا مع فرض تحقق عمل من المكلف و يكون الشك في جزء أو شرط منه قد مضى و لو بمضي محله، فيكون ظاهر قوله (ع): (فليمض عليه) ترتيب تمام آثار تحقق ذلك المشكوك في عمله حتى ما كان منها مترتبا على صحة الموجود الخارجي، فليس مفاد هذه الطائفة التعبد بوجود كل ما يشك في وجوده بعد مضي محله و لو لمجي‏ء الحائل مثلا، بل مفادها التعبد بانّ ما يشك في صحته من اعمال المكلف من جهة الشك في تحقق جزء أو شرط قد تجاوز محله و موقعه من الفعل لا يعتني به المكلف و يمضي عليه و يعتبره صحيحا، و القرينة على ذلك مضافا الى ما في مورد صدر هذه الطائفة من فرض صدور اصل العمل و انّ ما هو منظور السائل أيضا هو تصحيح العمل الخارجي- و لهذا لم يستفد منها حكم الشك في اصل عمل كما في موارد الحائل- ظهور (جاوزه، و خرج عنه، و دخل في غيره، و يمضي عليه) في انّ النظر الى عمل متحقق في الخارج، بل عنوان التجاوز بنفسه ظاهر في تجاوز الشي‏ء المشكوك بنفسه، و هذا لا يصدق الّا اذا فرض وقوع عمل خارجي لذلك المشكوك موضع و محل فيه، فانّه في مثل ذلك يكون صدق المضي أو التجاوز للمشكوك بلا عناية أو مع عناية خفيفة واضحة بخلاف ما اذا كان الشك في اصل وجود شي‏ء و عدمه، و هذا يعني انّ روايات التجاوز ناظرة أيضا الى تصحيح عمل خارجي و ترتيب مطلق آثاره حتى اذا كانت بنحو مفاد كان الناقصة.

و ان شئت قلت: كما انّ ظاهر روايات الفراغ النظر الى الفعل الواقع خارجا لتصحيحه، كذلك ظاهر روايات التجاوز ذلك أيضا، لما تقدم في الامرين الخامس و السادس من انّ الموضوع فيها وقوع سائر اجزاء العمل، كما انّ النظر فيها الى ترتيب تمام الآثار و تصحيح العمل الخارجي بلحاظها، فلا يبقى فرق بين محموليهما، اذ لو كانت الآثار كلها تترتب على مفاد كان التامة كما قيل فذلك فيهما معا، و ان كان بعضها يترتب على مفاد كان الناقصة ففيهما كذلك، فالمجعول فيهما شي‏ء واحد على كل حال، و معه يكون استفادة التعدد متوقفا على استفادة

77

تعدد الموضوع اما بلحاظ النكتة الطريقية أو الموضوعية المستفادتين من نفس الطائفتين، و قد عرفت انّ النكتة الطريقية و هي الّا ذكرية نسبتها واحدة الى مورد الشك في اثناء العمل بعد تجاوز المحل و مورد الشك بعد الفراغ عن تمام المركب. و اما النكتة الموضوعية فان اريد بها كون الشك الذي هو موضوع الحكم الظاهري لبّا و ثبوتا تارة في الوجود بنحو مفاد كان التامة، و اخرى في صحة الموجود بنحو مفاد كان الناقصة فقد عرفت انه من هذه الناحية لا فرق بين الطائفتين ثبوتا مما يعني انّ كلا الشكين ملحوظ لبّا و مشمول للتصحيح في القاعدتين معا، و ان اريد بالنكتة الموضوعية كون الشك المزبور بعد الفراغ عن اصل المركب لا في داخله المعبر عنه بالفراغ في روايات الطائفة الأولى، فيرد عليه:

مضافا الى انّ روايات التجاوز بنفسها دليل الغاء دخالة هذه الخصوصية في موضوع هذا التعبد الواحد خصوصا مع وحدة النكتة الارتكازية، انه بناء على جريان قاعدة الفراغ حتى عن الاجزاء للمركب اذا كانت مركبة في ذاتها سوف يلغي احتمال دخالة هذه النكتة أيضا عرفا على الاقل، فلا يبقى الّا صدق التعبير بالفراغ و التجاوز و من الواضح عدم احتمال دخالته في موضوع الحكم.

و ثانيا- انّ ورود التعبير بالشك في الوجود في بعض روايات الفراغ كما في صحيح زرارة: (فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه و دخلت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه مما اوجب عليك فيه وضوئه لا شي‏ء عليك.) و ما ورد في صحيح محمد بن مسلم: (كلّما شككت فيه بعد ما تفرغ من صلاتك فامض و لا تعد.) بعد فرض ظهور اضافة الشك الى شي‏ء في في وجوده، و كذلك ورود التعبير بامضاء العمل الموجود في بعض روايات التجاوز كما في صحيح حماد بن عثمان: (اشك و انا ساجد فلا ادري ركعت أم لا قال:

امضه)، و كما في رواية علي بن جعفر: (رجل ركع و سجد و لم يدر هل كبر أو قال شيئا في ركوعه و سجوده هل يعتد بتلك الركعة و السجدة قال: اذا شك فليمض في صلاته)، و كذلك ورود التعبير بالتجاوز في ذيل موثقة ابن ابي يعفور فيمن يشك‏

78

في صحة وضوئه بعد الفراغ عنه بناء على إرادة ذلك منها، فأنّ ظاهر هذه الروايات هو التعبد بصحة الموجود الخارجي المشكوك في صحته و عدمه.

اقول: انّ وقوع هذا الاشتراك في التعبيرات يدل على وحدة سياق الطائفتين، و بالتالي تكون قرينة عرفية واضحة على وحدة القاعدة الظاهرية المجعولة فيها، غاية الامر بعض الروايات ناظرة الى حصول الشك بعد العمل، و بعضها وسعت ذلك لما اذا حصل حتى داخل العمل بعد تجاوز محله و لهذا صح أن يقال بأننا نستفيد من روايات التجاوز أيضا بالملازمة العرفية أو بالإطلاق المقامي جريان القاعدة عند الشك في صحة جزء مضى حيث يكون من الشك في وجود قيده أو وصفه كما انه يستفاد منها صحة أصل المركب اذا شك فيه بعد الفراغ و تجاوز محل تداركه. و الظاهر انّ هذا هو مقصود الشيخ و الميرزا (قد هما) حينما قالا: انّ وحدة السياق و التعبيرات الواردة في روايات الباب يشرف الفقيه معها على القطع بوحدة الحكم الظاهري المجعول فيها، و من اوضح الروايات التي جمعت الموردين- الشك في الوجود و الشك في الصحة- في لسان و سياق واحد، رواية على بن جعفر المتقدمة حيث ورد السؤال فيها عن حكم الشك في اصل التكبير الذي هو مفاد كان التامة و الشك في صحة الركوع و السجود بالذكر فيهما و التعبير بعد ذلك بالاعتداد بتلك الركعة الذي هو مفاد كان الناقصة، بل و لعل ظاهر موثق محمد بن مسلم: (كلما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا اعادة عليك فيه) أيضا بيان الجامع بين القاعدتين بناء على استظهار التبعيضية من الظرف فيشمل مضي أصل العمل بعد الفراغ عنه و الشك في صحته و مضي جزئه في اثناء العمل بمضي محله. و بذلك يندفع ما في تقريرات المحقق العراقي (قدّس سرّه) من انكار وحدة السياق تارة، و انكار فائدتها بعد ان كانت في روايات منفصلة لا في كلام واحد اخرى. فانّه مضافا الى ما عرفت من وقوع ذلك في سياق متصل انّ وحدة السياق المتصل انما يلزم لتشخيص المدلول الاستعمالي للفظ كاستعمال صيغة الامر في الندب، و اما كشف وحدة المدلول‏

79

الجدي و المراد التصديقي المجعول من وحدة سياق روايات متعددة متفرقة فلا يشترط فيه اتصال السياق، كيف! و تجميع الروايات المتفرقة في طائفة واحدة دالة على قاعدة واحدة انما يكون على اساس وحدة سياقها بهذا المعنى رغم الاختلاف الجزئي في تعبيرات كل رواية عن اختها باعتبار كون النقل بالمعنى أو من معصومين متعددين او في واقعتين، فكأنّه وقع خلط في هذا الاعتراض من قبل المحقق العراقي (قدّس سرّه) بين الاستفادة من وحدة السياق في مقام صرف المدلول الاستعمالي من المدلول الوضعي الى غيره و بين الاستفادة من وحدة سياق الروايات و الادلة المتعددة و لو كانت منفصلة في الكشف عن المراد الجدي و الجعل الواحد، فتامل جيدا!

و ثالثا- ما اشرنا إليه في البحث الثبوتي من انه لو فرض تعدد القاعدتين بتعدد المجعول في كل منهما كما هو ظاهر المحقق العراقي (قدّس سرّه) فكيف يمكن ترتيب الآثار المترتبة على مفاد كان الناقصة في موارد الشك اثناء العمل- بناء على ما تقدم من ترتب جملة من الآثار على ذلك- فانه لو اريد ترتيبها بقاعدة التجاوز فهو من الاصل المثبت، و ان اريد ترتيبها باجراء قاعدة الفراغ فالمفروض الشك في وجود الجزء المشكوك الذي مضى لا في صحته، و أما المركب أو سائر الاجزاء فانه و ان تولد منه شك في صحتهما الّا انه قبل الفراغ لا بعده فلا يمكن ترتيب آثار الصحة، و لا اظن التزامه بعدم ترتيبها في مثل ذلك فقهيا.

و رابعا- وحدة النكتة الارتكازية المعبر عنها في ذيل بعض الروايات من انه حين العمل اذكر منه حين الشك، فانّها أيضا تكشف عن وحدة القاعدة المجعولة، و الغريب انّ بعض الاعلام الذين ارجعوا هذه القاعدة الى اصالة عدم الغافلة العقلائية و جعلوها أمارة و التي من الواضح كونها قاعدة واحدة عند العقلاء لا قاعدتين حملوا الروايات على بيان قاعدتين مستقلتين احداهما عن الاخرى.

و هكذا يثبت- انه بحسب مرحلة الاثبات أيضا لا يستفاد من الروايات الّا جعل قاعدة ظاهرية واحدة لتصحيح العمل الذي يفرض تحقق اصله و يشك في‏

80

تماميته و نقصانه.

ثم انّ ثمرة البحث عن وحدة القاعدتين و تعددهما تظهر- بناء على انّ تعددهما بلحاظ المحمول و المجعول في كل منهما فهو في احدهما مفاد كان التامة و في الاخر مفاد كان الناقصة- فيما اذا كان الشك في وجود جزء أو قيد في الاثناء و كان الأثر متوقفا على إثبات مفاد كان الناقصة- كما أشرنا آنفا- فانه لا يمكن اثباته بناء على التعدد فتكون النسبة بينهما العموم من وجه كما تقدم في الأمر السادس، و بناء على وحدة المجعول فيهما و انّ التعدد بلحاظ تعدد العنوان المأخوذ في الموضوع من حيث لزوم الدخول في الغير في صدق التجاوز بخلاف الفراغ فالثمرة سوف تأتي في البحث عن النقطة الثانية من عدم جريان قاعدة التجاوز عند الشك في الجزء الاخير بخلاف قاعدة الفراغ فتجري و لو في بعض الصور و هناك ثمرات أخرى تترتب على القول بالوحدة أو التعدد تأتي الاشارة إليها خلال البحوث القادمة.

[النقطة الثانية- تحديد موضوع القاعدة.]

امّا النقطة الثانية- حول تحديد ما هو موضوع هذه القاعدة، و لا اشكال في اخذ الشك في العمل موضوعا لهذه القاعدة على كل تقدير لكونها تعبدا ظاهريا لتصحيح ما صدر من العمل خارجا كما هو صريح الروايات، و هذا يرجع بحسب الحقيقة الى مجموع قيدين، قيد الشك في العمل، و قيد وقوع اصل العمل و ذاته مهملا من حيث التمامية و النقصان خارجا. و قد ذكرنا في الأمر الخامس من الامور المتقدمة وجه ذلك.

كما انه لا اشكال في اخذ قيد ثالث فيها و هو قيد المضي، لصراحة الروايات في انها تصحيح للعمل الماضي الذي تجاوزه المكلف لا الذي لم يتجاوزه بعد، و انما البحث في معنى هذا القيد، و انه بما ذا يتحقق ذلك، و هل يشترط فيه الدخول في الغير أم لا؟

و قد ذهب بعض الاعلام الى انّ قاعدة التجاوز موضوعها تجاوز محل الجزء أو القيد المشكوك فيه، لانه الوارد في لسان روايات التجاوز، و ذلك لا يتحقق الّا

81

بالدخول في الجزء الذي يليه، و هذا يعني انه لا بدّ من أن يكون للجزء المشكوك محل شرعي ضمن المركب بان يكون قد اعتبر شرعا وقوعه قبل الجزء الذي دخل فيه، و بهذا يعتبر الدخول في الغير الشرعي. و ادعى انّ هذا القيد مستفاد من نفس مفهوم التجاوز عن المحل و لو لم يكن قد ورد ذكره في روايات التجاوز، كيف و قد ورد ذلك، فيكون قيدا توضيحيا، بل قد صرح في صدر روايات التجاوز بذلك، بل ورد في رواية لعبد الرحمن بن ابى عبد اللّه انه (اذا شك في السجود و هو في حالة النهوض الى القيام وجب الاعتناء بالشك).

و امّا قاعدة الفراغ فموضوعها يتحقق بمجرد الفراغ عن العمل و انتهائه سواء دخل في غيره أم لا، لعدم تقوم الفراغ بذلك و عدم ورود التقيد بذلك في روايات الفراغ، فلا موجب لرفع اليد عن اطلاقها، نعم اذا كان الشك في الجزء الأخير من العمل فلا يحرز عنوان الفراغ عن العمل الّا بعد حصول ما ينافي العمل مطلقا أي و لو وقع سهوا، و اما في غير ذلك فلا يحرز صدق الفراغ عن العمل.

و قد استثنى من ذلك الشك في الوضوء خاصة، لما دلت عليه الروايات من انّ الفراغ عنه و لو بالقيام من محل الوضوء يكفي في عدم الاعتناء بالشك حتى اذا كان في الجزء الاخير، و هذا حكم خاص به لا يتعدى منه الى غيره‏ (1).

و يمكن ان يناقش في هذا البيان بامور:

الاول- انه يصح بناء على افتراض تعدد القاعدتين، و اما بناء على ارجاعهم الى أمر واحد و استظهار قاعدة واحدة فلا بدّ عندئذ من وجود موضوع واحد لتلك القاعدة يجمع موارد الشك بعد تجاوز المحل و الشك بعد الفراغ، و ذلك الموضوع اما ان يكون قيد الدخول في الغير مأخوذا فيه فيجب ذلك في الموردين- كما صنعه الميرزا (قدّس سرّه)- أو لا يكون مأخوذا فيه فلا بدّ من ابراز ذلك الموضوع الجامع على ما سوف يأتى.

____________

(1)- مصباح الاصول، ج 3، ص 292- 296.

82

الثاني- انّ عنوان التجاوز أو المضي لو كان مسندا الى محل المشكوك لكان يتجه مثل هذا الاستظهار بدعوى ظهوره في إرادة المحل الشرعي في المركب، و لكنه مسند الى المشكوك نفسه، و هذا الاسناد و ان كان عنائيا الّا انّ نكتة صدق هذا التجاوز العنائي لا يتوقف على الدخول في الغير بالخصوص، و انما يصدق بتحقق جامع فوات موقع العمل من المركب بنحو بحيث يلزم من التدارك اعادته و لو ببعض اجزائه غير الجزء المشكوك فيه، و هذا يتحقق باحد امور:

منها- ان يكون المشكوك مقيدا شرعا بلزوم ايقاعه قبل ذلك الغير الذي دخل فيه من المركب كالشك في الركوع بعد ما سجد، و في هذا القسم لا يتحقق فوات العمل المشكوك و تجاوزه الّا بالدخول في الغير المترتب.

و منها- ارتفاع موضوع القيد المشكوك فيه كالذكر في السجود أو الركوع، فانّ من يشك فيه بعدهما يصدق في حقه عنوان التجاوز عن المشكوك و لو لم يدخل في الغير المترتب على الركوع أو السجود.

و منها- ان يكون المشكوك شرطا للواجب لا جزءا كالطمأنينة في الركوع، فاذا شك فيها بعد تمامية الركوع يصدق التجاوز بالنسبة الى القيد المشكوك في وجوده و لو لم يدخل في الغير، و كالطهور في الصلاة فانه شرط لصحتها فيها و ليس محله قبلها.

و منها- فوات الموالاة المأخوذة في المركب، كما اذا شك في الجزء الاخير من الوضوء أو الصلاة بعد مضي فترة لا تصدق معه الموالاة.

و منها- ان يدخل فيما يكون المشكوك مقيدا بان لا يتأخر عنه كالمنافي أو القاطع للعمل على كل حال كالحدث أو الفعل الماحي لصورة الصلاة و ان لم يكن المنافي جزءا من المركب و لم يكن عنوان المحل الترتبي صادقا بلحاظ الجزء الاخير من المركب، لانّ التجاوز ليس مسندا الى محل المشكوك كما عرفت، بل الى نفس المشكوك عناية، و نكتة العناية اعم من المحل بالمعنى المذكور كما عرفت. ففي كل هذه الموارد يصدق مضي المشكوك و تجاوزه، نعم لو كان المنافي مانعا في حال‏

83

الذكر فقط لم يصدق التجاوز لعدم صدق الجامع المذكور حيث لا يلزم من تدارك المشكوك إعادة شي‏ء من العمل اصلا غير الجزء المشكوك فيه.

لا يقال- في باب الشك في الاجزاء أيضا اذا كان الترتيب ذكريا لا يلزم من الاعتناء بالمشكوك اعادة شي‏ء من العمل.

فانه يقال- المناط صدق الاعادة بلحاظ طبع العمل المركب في نفسه و الترتيب الاصلي بين أجزائه و من الواضح انّ فرض لزوم الاعتناء بالجزء المشكوك في داخل العمل هو فرض لزوم الاعادة و الرجوع على الاجزاء، لانها اجزاء ترتبية في داخل المركب بحسب الفرض، و هذا يكفي لصدق عنوان التجاوز و المضي بحسب ما هو طبع المركب الاولي بلحاظ الجزء المشكوك أو محله، و هذا بخلاف المنافي، فانّه باعتباره ليس من اجزاء المركب فما لم تكن مانعيته فعلية لا يصدق المضي و التجاوز لا بلحاظ نفس المشكوك و لا بلحاظ محله، فتأمل جيدا.

ان قلت- ظاهر روايات التجاوز اخذ قيد الدخول في الغير خصوصا مثل صحيح زرارة: (يا زرارة اذا خرجت من شي‏ء و دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء)، و صحيح اسماعيل بن جابر: (كلما شك فيه و قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه)، و ظاهر القيد الاحترازية.

قلت- هذا التقييد وارد في ذيل روايات الشك في تحقيق الجزء داخل الصلاة، كالشك في الركوع لمن سجد، و في القراءة لمن ركع، و في السجود لمن قام و هكذا، و هو من القسم الاول من موارد التجاوز، و الذي يتوقف صدقه فيه على تحقق الدخول في الغير حيث يكون محققا للتجاوز، فيكون احتمال اخذه من هذه الجهة واردا، و معه لا يبقى ظهور لها في التقييد لاصل الكبرى.

و بتعبير اخر- هذه الروايات تنظر الى الشك في اجزاء المركب الظاهر في كون الشك في وجود كل جزء في موضعه، و في مثل ذلك لا يصدق التجاوز من دون الدخول في الغير، فيكون ذكره باعتباره محققا للتجاوز لا كقيد تعبدي، فيكون ما هو ظاهر اكثر روايات الباب حجة من انّ الميزان في موضوع القاعدة هو الأعم اي‏

84

التجاوز و المضي لموضع الشك بنحو بحيث يستلزم من اعتناء المكلف بالمشكوك الاعادة و الرجوع في العمل امّا بلحاظ المركب كله، أو بلحاظ ما اوقعه من الجزء، و هذا يتوقف صدقه في خصوص موارد الشك في اصل وقوع جزء المركب داخل العمل على الدخول في غيره، اذ لا يلزم من الاتيان بالمشكوك قبله اعادة شي‏ء من المركب، و هذا موضوع جامع بين روايات التجاوز و الفراغ معا. و مما يشهد على اقتناص هذا المعنى نفس التعبير بالمضي الظاهر في عدم الرجوع عرفا، الوارد في اكثر الروايات، و كذلك التعبير بالاعادة الوارد في جملة منها، و كذلك ذيل موثقة ابن ابي يعفور الصريحة في التصدي لبيان ضابط الاعتناء بالشك و عدمه فجعلت الميزان بالتجاوز (انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه)، و ورود التعبير بالدخول في غيره في صدرها لا يضر باعتبار ما سيأتي في الفصل الرابع من لزومه في مورد الفراغ عن الوضوء أيضا في صدق التجاوز. و كذلك يؤكد هذا المعنى أيضا التعليل و النكتة المذكورة في موثقة بكير بن اعين من (انه حين العمل اذكر منه حين يشك) و هذا أيضا لا يقتضي اكثر من مضي محل العمل و تاخر محل الشك بنحو يكون الاعتناء به مستلزما للرجوع و الاعادة.

فالانصاف- انّ المتفاهم من مجموع هذه التعبيرات انّ ما هو موضوع القاعدة صدق التجاوز بالمعنى الاعم المتقدم، و الذي يكون في تمام الموارد المتقدمة، و التي يكون الاعتناء بالمشكوك فيها مستلزما للاعادة و الرجوع و لو لجزء من العمل و ليس للدخول في الغير دخالة لا في صدق التجاوز في تمام الموارد- كما ذكره بعض الاعلام- و لا في جريان القاعدة كقيد تعبدي زائد، نعم لا بد في صدق التجاوز من استلزام الرجوع و الاعادة و لو لجزء المركب و هذا في خصوص الشك في ايجاد الجزء السابق داخل المركب موقوف على الدخول في الجزء الذي يليه و الّا لم يلزم اعادة شي‏ء من المركب.

و منه يعرف الوجه في عدم صدق موضوع القاعدة لما اذا دخل في مقدمات الغير، أو كان الشك في الجزء الاخير و لكن لم يفعل المنافي أو فعل المنافي العمدي‏

85

لا السهوى، أو دخل في الغير غير المرتب شرعا، فانه في كل ذلك لا يصدق التجاوز، و لا يمكن التمسك بإطلاق الغير في ذيل روايات التجاوز لذلك، اذ بعد ان كان الدخول في الغير محققا للتجاوز المأخوذ مع الدخول في الغير يكون ظاهر الغير ما هو جزء من المركب ليتحقق به التجاوز عن المشكوك أو محله، على أنّ مقتضي المقابلة بين الشي‏ء المشكوك و الغير ان يكون من سنخ المشكوك اي جزءا من المركب، و سوف يأتي مزيد شرح لهذه النقطة في الفصول القادمة.

و دعوى- انّ مقتضى عموم التعليل بالاذكرية شمول هذه الموارد أيضا أو بعضها على الاقل.

يدفعها- انّ الاذكرية ليست علّة تامة، بل فرض معها عنوان المضي و الفراغ و التجاوز، بل نفس التعليل أيضا كان صريحا في انّ ظرف الشك متأخر عن محل العمل و بعده حقيقة، و هذا لا يصدق الّا بما ذكرناه، بحيث يلزم من الاعتناء به اعادة العمل و لو ببعضه.

و المتحصل من مجموع ما تقدم: انّ المستفاد من مجموع الروايات وجود قاعدة واحدة موضوعها مضي موضع الشك من المركب، و هذا في داخل المركب لا يتحقق الّا بالدخول في الجزء المترتب، و اما في الجزء الاخير فيتحقق بفعل المنافي أو فوات الموالاة، هذا في الشك في الجزء، و اما الشك في شرط الصحة و نحوه فيتحقق بمجرد الفراغ عن المشروط سواء كان المشكوك صحته الجزء أو الكل لفوات الموضع بذلك، و التقييد بالدخول في الغير في موثقتي اسماعيل و زرارة انما جاء باعتبار ورودهما في الشك في الاجزاء، و انما لم يرد في اكثر روايات الفراغ باعتبار الاطلاق فيها أو ورودها في مورد الشك في صحة شي‏ء قد مضى اصله.

و امّا وجه وروده في صدر موثقة ابن ابى يعفور فسوف يأتي تحقيقه مفصلا في بحث قادم، و لعمري انّ تصور التعدد عند المحققين نشأ من الاختلاف في مورد ورود الروايات و ما جاء في بعضها من التعبير بالتجاوز عند الدخول في الغير الوارد في الشك في اثناء العمل، و التعبير بالفراغ من دون تقييد بذلك الوارد في‏

86

الشك بعد العمل، و قد عرفت انّ مجرد ذلك لا ينبغي ان يجعل دليلا على تعدد القاعدة الواحدة، و اما التشكيك في صدق الفراغ أو المضي قبل الدخول في الغير، أو المنع عن الاطلاق في الامور التشكيكية فلا يرجع الى معنى محصل بعد صدق العنوان خصوصا بناء على وحدة القاعدتين بالموضوع الجامع المتقدم و الملاك الواحد الذي اشرنا إليه.

الثالث- انّ ما ذكر من استثناء الوضوء خاصة عن المعيار الذي ذكره من حيث جريان قاعدة الفراغ فيه بمجرد الدخول في حال اخرى و لو كان الشك في الجزء الاخير لنا عليه تعليقان.

التعليق الاول- انّ مدرك هذا الاستثناء ان كان عمومات روايات الفراغ، فالمفروض انه لا يصدق الفراغ الحقيقي عنده الّا بتحقق الجزء الاخير أو مجي‏ء المانع و نحوه من غير فرق بين باب الوضوء و الصلاة، و ان كان خصوص الروايات الواردة في الشك في صحة الوضوء بعد الفراغ منه فهي تتمثل في روايتين:

الاولى- موثق ابن بكير المتقدمة (قال: قلت له الرجل يشك بعد ما يتوضأ؟

قال: هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك).

و من الواضح انّ عنوان بعد ما يتوضأ كعنوان فرغ عن الوضوء أو الصلاة لا يصدق الّا بتحقق البعدية الحقيقية كالفراغ الحقيقي لا الزعمي و البنائي، فمع الشك في الجزء الاخير و بقاء المحل لا يصدق ذلك كما لا يصدق الفراغ.

الثانية- صحيحة زرارة المتقدمة (اذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر اغسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّه مما اوجب اللّه عليك فيه وضوئه لا شي‏ء عليك فيه) فقد يقال انّ هذه الصحيحة تدل على عدم الاعتناء بالشك بعد القيام عن حال الوضوء من غير فرق بين الجزع الاخير منه أو غيره من الاجزاء.

الا انّ هذا المقدار من البيان يمكن ان يناقش فيه بما يلي:

أولا- المفروض اخذ قيد الفراغ من الوضوء في هذه الرواية أيضا، فاذا فرض انّ‏

87

الفراغ ظاهر في الفرد الحقيقي منه- كما هو الصحيح- لا المسامحي و لا الاعتقادي فسوف لا ينعقد فيه اطلاق لما اذا كان الشك في الجزء الاخير، اذ لا يصدق في مثله الفراغ منه المأخوذ في موضوع الرواية بحسب الفرض أيضا، فلا يتم هذا الاستثناء بلحاظ الوضوء، اذ لو كان الشك في غير الجزء الاخير منه فهو مورد في نفسه- بقطع النظر عما سوف يأتي من دعوى عدم جريان قاعدة التجاوز في داخل الوضوء- لقاعدتي الفراغ و التجاوز معا، لتحقق الدخول في الغير و صدق التجاوز و الفراغ معا و ان كان الشك في الجزء الاخير فلا يصدق كلا العنوانين.

و ثانيا- انّ ظاهر الرواية إرادة الشك في الغسلات لا المسحات أي الشك في غير الجزء الاخير من الوضوء، لانّ هذا هو ظاهر قوله (ع): (مما اوجب اللّه عليك فيه وضوئه) اذ الوضوء يطلق على الغسل لا على المسح، و اطلاقه في بعض الاستعمالات النادرة لا توجب الاطلاق كما لا يخفى.

و ثالثا- انّ الرواية صرحت بعد هذه الجملة بحكم الشك في المسحات التي هي الاجزاء الاخيرة للوضوء فانه قد ورد فيه: (فانّ شككت في مسح رأسك فاصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه و على ظهر قدميك فان لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك و امض في صلاتك) و هذا صريح في إرادة الغسلات مما اوجب اللّه عليك فيه وضوئه، كما انه ظاهر في انّ الشك في الجزء الاخير انما لا يعتنى به في الوضوء اذا كان بعد فوات الموالاة لا مطلقا، حيث انّ فوات الموالاة في الوضوء تكون بجفاف اعضاء الوضوء، و قد ذكرنا انّ هذا احد موارد صدق التجاوز، بل ظاهرها انه لو شك في الاجزاء الاخيرة من وضوئه و هي المسحات و كان المحل باقيا لوجود البلل مسح على رأسه و قدميه و مضى في صلاته، و هذا يدل على تحقق التجاوز بالنسبة لشرطية الطهور للاجزاء المتقدمة من صلاته و لهذا لم يأمر باستقبالها من جديد بل حكم بالامضاء فيها الظاهر في الاستمرار.

و يشهد على نفس المضمون رواية ابي بصير عن أبي عبد اللّه (ع): (في رجل نسى ان يمسح على راسه فذكر و هو في الصلاة، فقال: ان كان استيقن ذلك انصرف‏

88

فمسح على راسه و على رجليه و استقبل الصلاة و ان شك فلم يدر مسح او لم يمسح فليتناول من لحيته ان كانت مبتلة و ليمسح على راسه و ان كان امام ماء فليتناوله منه فليمسح به راسه) (1)

و ظاهرها- بقرينة المقابلة مع استقبال الصلاة في صورة الاستيقان انه مع الشك يمضي في صلاته فتكون من ادلة الفراغ بلحاظ ما مضى من اجزاء الصلاة، نعم في سندها محمد بن سنان، كما انّ ذيلها و هو المسح بالماء الخارجي ربما لم يفت به الاصحاب.

و هكذا يظهر انّ هذا المقدار من الاستدلال غير كاف لا ثبات الاستثناء.

التعليق الثاني- انّ الوارد في ذيل نفس الصحيحة (قال: قلت له: رجل ترك بعض ذراعه أو بعض جسده من غسل الجنابة، فقال اذا شك و كانت به بلة و هو في صلاته مسح بها عليه و ان كان استيقن رجع فاعاد عليهما ما لم يصب بلة فان دخله الشك و قد دخل في صلاته (في حال أخرى- في نسخة الكافي) فليمض في صلاته و لا شي‏ء عليه و ان استيقن رجع فاعاد عليه الماء و ان راه و به بلة مسح عليه و اعاد الصلاة باستيقان و ان كان شاكا فليس عليه في شكه شي‏ء فليمض في صلاته) (2).

و هذا الذيل ظاهر في عدم الفرق بين الوضوء و الغسل في الاستثناء و جريان القاعدة فيهما و كفاية القيام عن محل الوضوء أو الغسل و جفاف البلة في عدم لزوم الاعتناء بالشك حتى اذا كان محل التدارك باقيا حيث لا يشترط في الغسل الموالاة، و حينئذ قد يقال بانّ هذه الرواية تدل على كفاية تجاوز المحل العادي في جريان القاعدة و لا يحتاج الى المحل الشرعي، و لا فعل المنافي أو الماحي للموالاة، و لم يثبت اجماع تعبدي في قبالها لكي يتوهم طرح ذيلها، الّا انّ هذه الرواية حيث‏

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 1، ص 332.

(2)- وسائل الشيعة، ج 1، ص 524.

89

انها واردة في خصوص الطهور بل خصوص الوضوء و الغسل، فالتعدي منهما الى غير هما لا يخلو من اشكال ما لم يتم الاستظهار المتقدم في ذيل موثقة ابن بكير، و قد عرفت عدم تماميته. يناقش في دلالة هذه الرواية على الاستثناء في باب الوضوء و الغسل، و ذلك باحد تقريبات:

التقريب الاول- سقوطها عن الحجية باعتبار ظهورها في كفاية المسح بالبلة في الغسل، فتكون من اخبار كفاية التدهين في الغسل، و هو مطروح بما دل على لزوم الغسل و اجراء الماء عليه، و مع طرحها من هذه الناحية لا يمكن العمل بها من سائر النواحي أيضا.

الا انّ هذه المناقشة غير تامة، فانها أيضا ظاهرة في لزوم اعادة الماء على العضو في الغسل، حيث ذكرت انه ان استيقن رجع فاعاد عليه الماء فيحمل قوله (و ان راه و به بلة مسح عليه) على المسح بالبلة بمقدار بحيث يصدق عليه الغسل بالماء، أو على الاستحباب، و على كل حال هذا لا يوجب سقوط ظهورها خصوصا ظهور صدرها عن الحجية.

التقريب الثاني- انّ الرواية ظاهرة صدرا و ذيلا في عدم الاعتناء بالشك بعد جفاف الاعضاء لا قبلها، حيث انها تامر بالمسح على الموضع المشكوك في مسحه في الوضوء و في غسله في الغسل اذا كان به بلة، و هذا بنفسه دليل على انه لا يكفي في جريان قاعدة الفراغ في الوضوء فضلا عن الغسل مجرد القيام عن محل الوضوء اذا كان التدارك ممكنا بالمسح بالبلة، فلا تدل الرواية على كفاية المحل العادي حتى في باب الطهور، بل تدل على لزوم التدارك مع بقاء المحل الشرعي كما في الوضوء قبل فوات الموالاة الذي يكون بجفاف الاعضاء، بل و في الغسل أيضا و لو بدعوى دلالتها على لزوم الموالاة فيها أيضا.

الّا انّ الانصاف انّ الامر بالمسح بالبلة فيها محمول على الاستحباب لعدة قرائن خارجية و داخلية اهمها ذيل الصحيحة فانّ قوله (ع) (و ان كان شاكا فليس عليه في شكه شي‏ء فليمض في صلاته) ظاهر في عدم لزوم الاعتناء حتى مع البلة، فيكون الامر بالمسح على الموضع مع وجود البلة من باب الاحتياط

90

الاستحبابي، خصوصا مع ما تقدم فيها من لزوم اعادة الماء و اجرائه عليه اذا استيقن عدم الغسل لذلك الموضع.

فتتم دلالة الرواية صدرا و ذيلا على عدم الاعتناء بالشك بعد القيام عن حال الوضوء أو الغسل و لو كان محل التدارك شرعا باقيا فتكون دليلا على كفاية التجاوز عن المحل العادي للجزء المشكوك و لو كان هو الجزء الاخير في باب الطهور مطلقا أو خصوص الوضوء و الغسل.

التقريب الثالث- انّ هذا الاستدلال مبني على ان نحمل قوله في صدر الرواية (و دخل في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها) على مطلق حال الحال الاخرى، و هو ممنوع، بل ظاهر قوله (في الصلاة أو في غيرها) التقييد بالحالات التي تكون كالصلاة مما هو مترتب على الطهور، بل من دون ذلك لا يصدق الكون في حال اخرى حقيقة لكونه في حال الوضوء أو الغسل مع امكان التدارك، و عليه فغاية ما يثبت بالرواية جريان القاعدة في الشك في الجزء الاخير للوضوء أو الغسل فيما اذا كان قد دخل في امر مترتب عليهما بحيث يكون الرجوع مستلزما لاعادة الاجزاء الواقعة من ذلك العمل المترتب فيكون في حال اخرى حقيقة، و قد تقدم انّ هذا من موارد صدق التجاوز و المضي حقيقة.

و فيه: انّ التجاوز انما يصدق اذا دخل المكلف في ما يترتب على الجزء المشكوك في داخل المركب الواحد الذي شك في تحقيق جزئه، و في المقام بلحاظ مركب الوضوء لا ترتب في البين، و بلحاظ مركب الصلاة و ان كان الطهور قيدا و شرطا الا انه لا شك في الطهور و انما الشك في جزئه من الغسل أو المسح و لهذا لو كان الشك في اصل الطهور داخل الصلاة وجب الاعتناء به لعدم تجاوز المحل بالنسبة لما يأتي من الاجزاء كما تقدم و يأتي في البحوث القادمة.

و الانصاف: تمامية دلالة الرواية في خصوص باب الطهور أو الوضوء و الغسل بالخصوص- ان احتملنا فقهيا الفرق بينهما و بين التيمم- على كفاية الدخول في مطلق الحال الاخرى حتى غير المترتب في الغاء الشك في الصحة و لو كان من‏

91

ناحية الشك في الجزء الاخير و كان محل التدارك باقيا، و الوجه في ذلك: انّ التقييد بالدخول في حال اخرى في الصلاة أو غيرها ورد في ذيل الرواية في قبال ما ذكره في الصدر، و هو قوله (ع) (اذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر اغسلت ذراعيك أم لا فاعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انك لم تغسله او تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء) ثم قال (فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال اخرى في الصلاة او في غيرها فشككت في بعض ما سمى اللّه مما اوجب اللّه عليك فيه وضوئه لا شي‏ء عليك فيه).

و ظاهر مثل السياق كون الصدر ميزانا لتحديد ما هو المناط لا الذيل فانه يكفي فيه عرفا ان يكون بيانا لبعض صور مفهوم الصدر و حالاته لا لتمامه أو يكون هو المورد الذي يتحقق فيه الشك عادة كما سوف يأتي في بيانه، هذا مضافا الى انّ المهم للمكلف حيث كان بيان مورد الاعادة الذي تصدت له الرواية، فلو كان الميزان فيها عدم الدخول في الغير المترتب شرعا لم يكن يناسب ان يقيد الاعادة في الصدر بخصوص ما اذا كان قاعدا على وضوئه خصوصا مع ما جاء في الصدر من قوله (ما دمت في حال الوضوء) الصريح في بيان الميزان و المناط للاعتناء بالشك، و كون الاعادة ثابتة باصالة الاشتغال لا بجعل احتياط شرعي لا يقدح في الظهور المذكور كما لا يخفي.

و منه يظهر انّ ما تقدم من عدم صدق الفراغ الحقيقي أو عدم صدق كونه في حال اخرى حقيقية قبل ان يدخل المكلف فيما يترتب شرعا كالصلاة أو استفادة التقييد من قوله في الصلاة أو غيرها كله محكوم لهذا الظهور المستفاد من المقابلة بين فرض الاعادة في الصدر و فرض عدم الاعادة في الذيل، و انّ الميزان في الاعتناء و الاعادة بالشك انما هو ما دام جالسا على وضوئه لا ما دام لم يدخل في غير المترتب عليه شرعا، و انما ذكر ذلك في الذيل لانه لا بدّ من فرض حالة يقع فيها الشك في صحة الوضوء امّا حالة الوضوء و قد بينها في الصدر أو حالة الدخول فيما يكون منوطا به فالدخول في حال مترتب اخذ باعتباره الحالة المتعارفة لحصول‏

92

الشك في صحة الوضوء لا باعتباره هو مناط الاعادة و عدمها فيكون ما فهمه المشهور من الصحيحة من كفاية القيام عن محل الوضوء في عدم الاعتناء بالشك الحاصل فيه، و لو كان المشكوك هو الجزء الاخير الذي يمكن تداركه هو الصحيح.

غاية الأمر التعدّي من الوضوء الى سائر المركبات و حمل الغير في سائر روايات القاعدة على مطلق الغير كما صنع جملة من الفقهاء مشكل.

و بهذا ينتهي البحث عن الفصل الثاني، و قد ظهر من خلال مجموع ما تقدم وجود قاعدة ظاهرية واحدة لتصحيح ما يقع خارجا من المكلف عند ما يشك في تماميته و عدمه من ناحية الشك في قيد من قيوده بعد مضيه بمضي محله و موقعه و الفراغ عنه بنحو لا يمكنه تداركه الّا باعادة المركب و لو بجزء منه و لعل موثق محمد بن مسلم (كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا اعادة عليك فيه) ظاهر في الجمع بين موارد الشك في الوجود للجزء بعد الدخول في غيره في الاثناء و الشك في الصحة في الجزء أو الكل معا بناء على حمل (من) فيه على التبعيض لا البيانية. فان عنوان المضي صادق أيضا على الجزء المشكوك في وجوده في الاثناء بعد الدخول في غيره لا قبله كما انه صادق على الوصف أو القيد المشكوك فيه للجزء أو الكل بعد تحقق ذات الموصوف و لعمري ان مثل هذه الرواية المعتبرة خير شاهد على وحدة القاعدتين.

و هذا قد نسميه جامعا بين القاعدتين كما حاوله الشيخ باعتباره جامعا من حيث الموضوع و المحمول لموارد القاعدتين و بملاك واحد، و قد نسميه بقاعدة التجاوز، لانّ موضوعها التجاوز لمحل منشأ الشك في الصحة، و قد نسميه بقاعدة الفراغ، لانّ المقصود منه تصحيح عمل يفترض وقوع اصله في الخارج بعد الفراغ عن موضع الشك منه و مضيّه بنحو يرتب آثار مفاد كان الناقصة عليه أيضا، و كأنّ المحاولات الثلاث السابقة من المحققين كل واحدة منها اخذت بجانب و طرف من هذه الحقيقة فعبرت عنه باحدى تلك المحاولات، فاصل هذه الجوانب و روحها صحيح و ان كانت التخريجات المتقدمة في المحاولات غير تامة.

93

عموم القاعدة لغير باب الصلاة و الطهور

94

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

95

الفصل الثالث عموم القاعدة لغير باب الصلاة و الطهور

المشهور بين المتأخرين عموم روايات الفراغ لتمام المركبات من عبادات أو معاملات، و امّا روايات التجاوز فقد اختلفوا في اختصاصها بباب الصلاة و عمومها لسائر المركبات، و هذا بحث اثباتي يرجع الى حدود ما يستفاد من روايات الباب، و لا يفرق فيه القول بوحدة القاعدتين و تعددهما الّا من حيث انه على القول بالوحدة الحقيقية لا التنزيلية التي ذهب إليها الميرزا (قدّس سرّه) في خصوص باب الصلاة يكفي ان تكون بعض الروايات عامة سواء كانت من روايات الفراغ أم التجاوز، و على كل فيما يلي نتعرض لما ادعى عمومها من مجموع الروايات، و نورد البحث في جهتين.

الجهة الاولى- في روايات الفراغ‏

، و لا اشكال في انّ جملة منها واردة في خصوص باب الصلاة كصحيحتي محمد بن مسلم الاولى و الثانية، الّا انه ادعي وجود العموم في ثلاث روايات منها:

احداها- موثقة ابن بكير عن محمد بن مسلم- تقدمت برقم 3- (كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو).

و قد ادعي انها تتضمن العموم اللفظي الدال على عدم الاعتناء بالشك في‏

96

أي عمل مضى، سواء كان عباديا أم غير عبادي في باب الصلاة أو غيرها.

و في النفس من هذا العموم بهذا العرض العريض شي‏ء، و ذلك:

أولا- لانّ المستفاد من قوله (فامضه كما هو) النظر الى المركبات الشرعية المأمور بها، أي التي فيها اعادة و تبعة و اشتغال الذمة لنفي تلك التبعة، و لهذا جاء هذا التعبير في روايات أخرى (امض و لا تعد)، و هذا يجعل الصدر مقيدا بالمركبات الشرعية المامور بها، أي التي يترتب على فسادها التبعة و اشتغال الذمة بنفس المركب و كونها في عهدة المكلف كالعبادات و ملحقاتها لا مطلق المركبات الشامل للمعاملات من عقود و ايقاعات و التي ليس فيها من حيث نفس المركب تبعة و تحميل و اشتغال ذمة، و امّا ما يترتب على صحتها و فسادها من الآثار التكليفية فليست هي بلحاظ نفس المركب و تبعته بل بلحاظ حيثية اخرى و التي تكون التبعة كثيرا ما مبنية على الصحة بحيث لو كانت فاسدة كان بصالح المكلف، و الحاصل الظاهر اختصاصها بالمركبات التي بنفسها تدخل في عهدة المكلف و تشتغل بها ذمته فلا يشمل المعاملات.

و ثانيا- صدر الرواية اضيف فيه الشك الى اسم الموصول المبهم الصادق على كل شي‏ء، و هذا من الواضح عدم إرادة اطلاقه، اذ لا اقل من لزوم تقييده بالمركبات، و هذا يعني لزوم فرض تقدير في الكلام يرفع به ابهام الموصول، و مجرد التعبير بقوله مضى أو فامضه الظاهر في وجود شي‏ء قد مضى و لا يكون الّا في المركب و لو من ذات المقيد و تقيده لا يكفي عرفا لان يكون هو صلة الموصول، فالصلة مقدرة لا محالة، و قد ذكرنا في محله من علم الاصول انه في موارد وجود تقدير مع تردد المقدر بين امرين و مفهومين و لو كان بينهما اقل و اكثر من حيث الصدق لا يمكن التمسك بالإطلاق لا ثبات المفهوم الاعم اذ الاطلاق لا يمكنه ان يعين المفهوم المأخوذ في الحكم و انما ينفي اخذ القيد مع المفهوم المدلول على اخذه بدال اخر.

الثانية- عموم التعليل الوارد في ذيل موثقة بكير بن اعين (هو حين يتوضأ اذكر

97

منه حين يشك) بتقريب: انّ هذه النكتة لا تختص بمركب دون مركب، فاذا كان هو مناط القاعدة و علتها فيثبت التعميم لكل مورد، فانّ التعليل يقتضي تعميم الحكم الى تمام موارد ثبوت العلة.

و يلاحظ عليه:

أولا- ان اريد التمسك بعموم التعليل لفظا فالمفروض اخذ قيد الوضوء في موضوع التعليل فلا اطلاق لفظي فيه، و ان اريد التمسك بعموم التعليل ارتكازا و بإلغاء خصوصية الوضوء المأخوذة في التعليل لكونه موردا عرفا فمن الواضح انّ المقدار الذي يساعد العرف على الغاء خصوصيته هو باب المركبات المامور بها التي تشتغل بها الذمة و يكون فيها تبعة الاعادة كما قلنا آنفا و لا يمكن التعدي الى باب المعاملات التي ليس المهم فيها ذلك اصلا.

و ثانيا- انّ النكتة المذكورة في ذيل الموثقة ليست هي تمام العلّة و المناط لجعل هذه القاعدة، و الّا كانت أمارة و كاشفة عن ثبوت تمام آثار اللوازم كما تقدم، و انما هي جزء العلّة و المناط، و جزؤه الاخر كون العمل قد فرغ عنه بحيث يلزم من الاعتناء بالشك فيه الاعادة التي فيها مزيد جهد و مشقة، فانّ هذه الخصوصية الموضوعية- غير الطريقية- مأخوذة في موضوع القاعدة و مناطها كما شرحنا ذلك في بحوث المقدمة، و عليه فلا يكفي مجرد عموم النكتة الطريقية مع كون النكتة الموضوعية خاصة بباب العبادات و نحوها.

الثالثة- عموم التعليل في ذيل رواية محمد بن مسلم المتقدّمة- برقم 10- (و كان حين انصرف أقرب الى الحق منه بعد ذلك) بنفس التقريب المتقدم في ذيل موثقة بكير.

الا انّ هذا الاستدلال غير تام أيضا، لانه يرد عليه ما تقدم في التعليق على الرواية السابقة من عدم كون هذه النكتة الطريقية تمام المناط بل جزؤه، بل دخالة الحيثية الموضوعية و هي مشقة الاعادة و التبعة بلحاظ نفس المركب تستفاد من‏

98

هذه الرواية بصورة اوضح للتصريح فيها بقوله (لم يعد صلاته).

و هكذا يتضح، انه لا توجد في روايات الفراغ ما يستفاد منه عموم القاعدة لاكثر من المركبات الشرعية التي في بطلانها تبعة الاعادة لنفس المركب لا مطلق المركبات حتى المعاملات من العقود و الايقاعات، نعم في حدود هذه الدائرة يمكن دعوى الاطلاق لكل المركبات المأمور بها كذلك بنكتة سوف تأتي الاشارة إليها.

الجهة الثانية- في روايات التجاوز.

و قد أدعي وجود الاطلاق في روايتين منها أيضا.

الاولى- ذيل صحيح زرارة (يا زرارة اذا خرجت من شي‏ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء) و هي مطلقة تشمل تمام المركبات، و مورد صدرها و ان كان خصوص الصلاة فتكون هي القدر المتيقن من الاطلاق الّا انّ وجود قدر متيقن لا يضر بالإطلاق على ما حقق في محله.

و يلاحظ عليه:

أولا- ما تقدم من انه لا بدّ في المقام من مقدر، اذ ليس المراد الخروج عن أيّ شي‏ء و الدخول في أيّ شي‏ء اخر، فانّ هذا ما لم يلتزم به حتى القائل بالعموم، بل لا بدّ من كون الملحوظ الخروج عن شي‏ء من اجزاء الصلاة أو المركب و الدخول في غيره، و قد تقدم انّ الاطلاق لا يمكنه ان يعيّن المفهوم المقدر و انه مطلق المركبات أو خصوص الصلاة، بل ما تقدم من فروض الشك في اجزاء الصلاة بنفسه يصلح ان يكون قرينة واضحة لارادة الخروج من شي‏ء من اجزاء الصلاة، فلا اطلاق في مثل هذه الرواية لاكثر من باب الصلاة.

و ثانيا- انّ ما ورد في ختام هذا الذيل من انّ شكك ليس بشي‏ء بنفسه قرينة اخرى أيضا على انّ النظر الى باب التكاليف التي يكون الشك فيها موجبا لتبعة الإعادة و اشتغال الذمة، بل قوله (شكك ليس بشي‏ء) في قوة قوله (ليس عليك اعادة).

99

و يمكن ان نقرب هذه النكتة ببيان اخر حاصله: انّ سياق شكك ليس بشي‏ء كسياق لا شك لكثير الشك ظاهر في نفي التبعة المترتبة على نفس الشك في فعل المشكوك من حيث لزوم الاتيان به، فكأنه فرغ عن انّ المشكوك في ذمة المكلف و عهدته، و هو معنى كون النظر الى المركبات المأمور بها شرعا لا مطلق المركبات.

الثانية- ذيل موثقة اسماعيل بن جابر (كل شي‏ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه) بدعوى اشتمالها على اداة العموم الوضعي المقتضية للتعميم بلا حاجة الى اجراء الاطلاق و مقدمات الحكمة.

و فيه: مضافا الى ورود نفس الايرادين السابقين، انّ ما فرض من امتياز الموثقة على الصحيحة من حيث افادة العموم فيها بالاداة الدالة عليه وضعا غير تام أيضا، فانّ العموم الوضعي فيها بلحاظ الاجزاء للمركب الواحد لا بلحاظ انواع المركبات حيث أضيفت اداة العموم فيها الى الشي‏ء المشكوك في وجوده من المركب لا الى كل عمل مركب، فلا فرق بين هذا الذيل و ذيل الصحيحة من حيث كون الاطلاق فيه على تقدير تماميته اطلاقا حكميا لا وضعيا، و مما ذكر في المنع عن هذا الاطلاق ذي العرض العريض في هاتين المعتبرتين يظهر أيضا الاشكال في استفادة ذلك من ذيل معتبرة ابن ابي يعفور الواردة في الوضوء (انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) بناء عل استفاده ذلك قاعدة التجاوز منه- و هذا ما سوف يأتي الحديث عنه- فانّ عنوان الشي‏ء بل نفس سياق الكلام و ان كان مطلقا الّا انّ كلتا المناقشتين المتقدمتين خصوصا الثانية واردة عليه، فلا يستفاد منه اكثر من الاطلاق لما يكون مأمورا به و داخلا في العهدة من المركبات الشرعية.

و الغريب ما وقع من قياس هذه الروايات بعموم التعليل الوارد في صحيحة زرارة- (لانك كنت على يقين من وضوءك، و لا ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا)- فانّ استفادة التعميم منها باعتبار ظهورها في بيان قياس مؤلف من صغرى هي اليقين بالوضوء، و كبرى هي النهي عن نقض اليقين بالشك ابدا، فتكون القضية الكبرى حجة لا محالة، و هي ظاهرة في انّ اليقين لا ينقض بالشك من‏

100

حيث هما يقين و شك، فانّه مضافا الى انه المتفاهم منها عرفا باعتبار قوة اليقين و استحكامه و ضعف الشك و وهنه من دون دخالة لخصوصية المتعلق فيه، انّ الكبرى المذكورة موضوعها جنس اليقين و الشك على ما استظهرناه في بحوث الاستصحاب، و لهذا كان احتمال العهدية في اللام اشكالا على استفادة التعميم من الصحيحة و كان لا بدّ من دفعه هناك لتكون الكبرى عامة بذاتها، و هذا بخلاف المقام حيث لم يوجد في شي‏ء من الروايات اطلاق لفظي كذلك، كما لا مقتضي لإلغاء خصوصية المركبات التي تشتغل بها العهدة و يكون في الشك فيها تبعة بلحاظ نفسها امام المولى، بل قد عرفت ظهور سياق التعبيرات فيها في ذلك.

و هكذا يتضح، انّ استفادة الاطلاق من هذه الروايات لغير باب الصلاة و ملحقاتها كالطهور من العبادات فضلا عن باب المعاملات من العقود و الايقاعات مشكل، نعم قد يستظهر التعميم الى غير الصلاة و الطهور من العبادات الاخرى المركبة من اجزاء و قيود تشتغل بها عهدة المكلف و لا بدّ من ايقاعها صحيحا بحيث تجب اعادتها اذا وقعت على غير وجهها كالصلاة، من باب الغاء الخصوصية و عدم احتمال الفرق فقهيا بينها و بين الصلاة و الطهور، خصوصا ما يكون الطهور قيدا فيها، فانه لا يحتمل عرفا و لا فقهيا جريان القاعدة في قيدها دونها، و مما يؤيد استفادة التعميم بهذا المقدار ما جاء في بعض الكلمات من دعوى الاجماع و التسالم على عدم الاعتناء بالشك في باب العبادات اذا كان ذلك بعد الفراغ عنها.

101

تطبيقات مختلف بشأنها

102

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

103

الفصل الرابع التطبيقات المختلف بشأنها لقاعدة الفراغ‏

قد وقع البحث بين الاعلام في موارد من تطبيقات هذه القاعدة في الفروع الفقهية المختلفة و نظرا لأهميتها و اشتمال البحث عنها على نكات فنّية و علمية جليلة أفردنا الحديث عنها في فصل مستقل نبحث فيه عن أهم تلك التطبيقات ضمن أمور عشرة.

104

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

105

الامر الاول تطبيق القاعدة في باب الطهارات الثلاث‏

106

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

107

تطبيق القاعدة على الطهور الامر الاول- في كيفية تطبيقها في باب الطهور، و الحديث عنه نورده ضمن جهات:

الجهة الاولى- حول كيفية تطبيقها في باب الوضوء

، و المشهور فقهيا- بل المدعى عليه الاجماع- عدم جريان القاعدة في الوضوء اذا كان الشك في تحقق جزء من اجزائه قبل الفراغ عن الوضوء، أي عدم جريان قاعدة التجاوز في اجزائه، كما لا تجري قاعدة الفراغ فيه قبل القيام عن الوضوء و الدخول في غيره، و المظنون انّ مستند المجمعين صحيح زرارة المتقدم الدال على لزوم الاعتناء بالشك في شي‏ء مما سمى اللّه في الوضوء قبل الفراغ عنه الى حال اخرى، و به يدعى رفع اليد عن اطلاق روايات التجاوز بناء على استفادة التعميم منها للعبادات أو لملحقات الصلاة على الاقل و منها الطهور لكونها بحكم الأخص منها.

الّا انّ هذا المقدار من البيان غير تام، اذ توجد في قبال هذه الرواية موثقة ابن ابي يعفور عن ابي عبد اللّه (ع) قال (اذا شككت في شي‏ء من الوضوء و دخلت في غيره فليس شكك بشي‏ء، انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) فانه بناء على استظهار رجوع الضمير في قوله (و دخلت في غيره) الى الشي‏ء المشكوك فيه من‏

108

الوضوء كما استظهره جملة من المحققين، سوف يقع التعارض بين الروايتين، و حينئذ لا بدّ من اثبات ترجيح سندي أو دلالي لصحيحة زرارة عليها، و الّا كانت النتيجة التعارض و التساقط و الرجوع الى مطلقات روايات التجاوز باعتبارها عاما فوقانيا، و تكون النتيجة جريان قاعدة التجاوز في باب الوضوء أيضا. من هنا لا بدّ من علاج هذا التعارض، و هو قد يعالج بما ينتج خلاف فتوى المشهور، و قد يعالج بما ينتج فتوى المشهور.

اما الوجوه التي يمكن ان تذكر لعلاج هذا التعارض بنحو ينتج خلاف المشهور فعديدة:

منها- ما أشير إليه من ايقاع التعارض و التساقط و الرجوع الى اطلاق روايات التجاوز، و هذا الوجه مبني على تمامية الاطلاق في ادلة التجاوز و استحكام التعارض و عدم وجود مرجح لصحيح زرارة، و سوف يأتي في الوجوه القادمة عدم تمامية بعض هذه الامور.

و منها- ايقاع التعارض و ترجيح موثقة ابن ابي يعفور باعتبار مخالفتها للعامة، حيث ينقل صاحب كتاب الفقه على المذاهب الاربعة في خاتمة مبحث نواقض الوضوء لزوم الاعتناء بالشك قبل الفراغ من الوضوء.

و فيه: مضافا الى بعض ما تقدم، انه مبني على ثبوت وجود قول عامى واضح و نقاش فقهي معتد به عند متقدمي علمائهم بحيث يحتمل صدور صحيحة زرارة تقية بلحاظه، و هو بعيد جدا.

و منها- ان يحمل الامر بالاعتناء و الاعادة في صحيحة زرارة على الاستحباب بقرينة موثقة ابن ابي يعفور.

و فيه: مضافا الى عدم صحة هذا الجمع العرفي في الاوامر الارشادية و انما يصح في الاوامر التكليفية، انّ الامر بالاعادة و الاعتناء في المقام ارشاد الى حكم العقل بالاحتياط لكون الشك في الامتثال لا جعل ايجاب الاحتياط شرعا، أي بحسب الحقيقة تحديد لموضوع القاعدة الشرعية القاضية بعدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ‏