قاعدة الفراغ والتجاوز

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
256 /
109

و التجاوز بما اذا قام عن الوضوء فاذا اريد حمل الحكم العقلي بالاشتغال على الاستحباب فهو غير معقول، و ان تعقلنا حمل الاحكام الارشادية الشرعية على التنزه و الاستحباب في بعض الموارد، و اذا اريد إلغاء التحديد المذكور لجريان القاعدة في الصحيحة فهذا ليس من الحمل على الاستحباب و هو خلاف صريح الصحيحة في التفصيل بين الحالين.

و امّا الوجوه التي يمكن ان تنتج فتوى المشهور فعديدة أيضا:

منها- ما ذهب إليه الميرزا (قدّس سرّه) من المنع عن الاطلاق في روايات التجاوز لغير باب الصلاة بناء على ما تقدم منه في الفصل الثاني من انها تلحق الشك في اجزاء الصلاة بالشك في المركب فتوسع من موضوع قاعدة الفراغ في خصوص باب الصلاة، و بناء عليه حتى لو فرض التعارض و التساقط بين الروايتين تكون النتيجة بصالح فتوى المشهور بقاعدة الاشتغال عند الشك حين الوضوء.

و هذا الوجه مبني على قصور الاطلاق في روايات التجاوز لمثل باب الوضوء و تمامية ذلك التفسير المتقدم من المحقق النائيني (قدّس سرّه)، و كلاهما قد تقدم عدم امكان المساعدة عليه.

و منها- دعوى سقوطها عن الحجية باعتبار اعراض المشهور عنها بناء على كبرى وهن السند باعراض المشهور.

و فيه: مضافا الى كونه مبنيا على استحكام التعارض و عدم وجود جمع عرفي بينهما، قوة احتمال ان يكون اعراضهم مستندا الى الصحيحة و تقديمها على الموثقة بجمع عرفي و شبهه، و مثل هذا الاعراض لا يصلح لا سقاط السند المعتبر عن الحجية.

و منها- دعوى عدم التعارض بين الروايتين اصلا، و ذلك باعتبار ظهور الموثقة أيضا فيما تدل عليه الصحيحة من انّ عدم الاعتناء بالشك في الوضوء انما يكون في حال الفراغ عن الوضوء و الدخول في غيره، لانّ الظاهر من قوله (ع): (و قد دخلت في غيره) رجوع الضمير فيه الى الوضوء لا الى الشي‏ء، امّا لكونه اقرب ذكرا، أو بقرينة الصحيحة، فيكون مفادها قاعدة الفراغ في الوضوء مشروطا بالدخول في‏

110

غيره كما في الصحيحة لا التجاوز، و بذلك لا يبقى موضوع للتعارض.

نعم يبقى البحث النظري في انّ عدم جريان قاعدة التجاوز داخل الوضوء هل هو من باب التخصيص لاطلاق روايات التجاوز أو التخصص؟ و سوف يأتي الحديث عن ذلك.

و قد نوقش في هذا الجواب بانّ الوضوء و ان كان هو المرجع الاقرب للضمير الا انّ ظاهر الصدر انّ المشكوك هو شي‏ء من الوضوء لا نفسه، و يكون قيد (من الوضوء) للتبعيض و مرجع الضمير هو الشي‏ء المشكوك من الوضوء.

و من هنا اختلف المحققون بشأن فقه هذه الموثقة، فمنهم من استظهر رجوع الضمير فيها الى الوضوء و جعلها دالة على قاعدة الفراغ في الوضوء كما تقدم في الوجه السابق، و منهم من استظهر رجوعه الى الشي‏ء و اعتبرها من روايات قاعدة التجاوز غاية الامر حاول ان يقيد التجاوز في خصوص موردها و هو الشك في الوضوء بما اذا كان الشك بعد تجاوز كل الوضوء لا الجزء المشكوك فيه منه، و ادعى انّ هذا ليس من تخصيص المورد و إلغائه المستهجن عرفا ليكون من التعارض بل من تقييده بقيد زائد و هو كون التجاوز للمركب لا لمحل الجزء فقط و هو غير مستهجن، فيكون هذا وجها اخر لحل التعارض بين الصحيحة و الموثقة بتقييد مفادها الذي هو قاعدة التجاوز في خصوص الوضوء بالتجاوز عن المركب مضافا الى التجاوز عن محل الجزء المشكوك، و ذهب بعض الى اجمال الرواية من هذه الناحية و سقوطها.

و التحقيق- انّ البحث تارة عن استظهار احد الاحتمالين المطروحين في فقه هذه الموثقة في قبال الآخر، و اخرى في ما يترتب على كل منهما من النتائج.

اما البحث الاول- فيمكن ان يذكر لاستظهار رجوع الضمير الى الشي‏ء المشكوك فيه من الوضوء قرينتان:

1- انّ المنظور و المحور الاساسي الظاهر من الصدر هو الجزء المشكوك من الوضوء لا نفسه، لانه هو المضاف إليه الشك فيكون هو مرجع الضمير و ان كان‏

111

ابعد من كلمة الوضوء ذكرا.

2- انّ التعبير في الذيل عند اعطاء الضابطة الكلية ظاهر أيضا في اضافة الشك الى الشي‏ء لا الى الوضوء مما يؤكد رجوع الضمير في الصدر إليه أيضا لا الى الوضوء.

و كلتا القرينتين غير تامة.

اما الاولى- فلأنّ المهم و المنظور الاساسي و ان كان هو المشكوك الا انّ الشك في الجزء من حيث هو شك في الجزء ليس بمهم و انما المهم ما يستلزمه هذا الشك من الشك في صحة وضوئه و بطلانه لانه هو المكلف به بحسب النتيجة و ان فرض انحلال الامر به و انبساطه على كل جزء جزء منه، و هذا يعني اننا ان لم ندّع انّ الملحوظ الاساسي و المهم بحسب الارتكاز المتشرعي و الفهم العرفي هو الشك المسببي في الوضوء الحاصل من الشك في شي‏ء منه فلا اشكال في تساوي نسبة الاهمية الى كل منهما.

و امّا الثانية- فلأنّ الشي‏ء في الذيل لم يضف إليه الشك و انما فرض ظرفا للشاك بما هو شاك أي للشك، و هذا كما يناسب ان يراد به محل الجزء المشكوك من الوضوء كذلك يناسب ان يراد به مركب الوضوء نفسه، بل تحديد ما يراد بالشي‏ء في الذيل تابع لتحديد ما هو مرجع الضمير في الصدر لانّ ظهوره حاكم على ظهور الذيل من هذه الناحية.

و هناك عدة قرائن تقتضي استظهار رجوع الضمير الى الوضوء.

منها- ما تقدم من أقربية الوضوء، و الاقرب يمنع الأبعد كما قيل حيث انّ الظاهر رجوع الضمير الى اقرب ما يحتمل مرجعيته له لا الا بعد الّا بقرينة واضحة.

و منها- ظاهر عنوان الدخول في غيره بلحاظ ما يستبطنه و يستلزمه من فرض الخروج عن شي‏ء إرادة الفرد الحقيقي منه، و هذا يناسب مع كون المنظور إليه الوضوء لا الجزء المشكوك منه و الّا كان اسناده إليه بالعناية و بلحاظ محله لا نفسه.

112

و منها- انه لو كان النظر الى الخروج او التجاوز عن جزء من اجزاء الوضوء و الدخول في غيره من الاجزاء لكان يناسب ذكر اجزاء الوضوء و تحقق الشك في بعضها بعد الدخول في بعضها الاخر كما ورد ذلك في روايات التجاوز الواردة في اجزاء الصلاة و لم يكن يكتفى بعنوان الشك في شي‏ء من الوضوء لانّ هذا النظر بحاجة الى ملاحظة الاجزاء في مركب الوضوء كاجزاء مستقلة بعضها عن بعض، و هذا لا يكتفي في مقام افادته عادة بهذا التعبير المجمل المبهم خصوصا مع تردد (من) بين ان تكون للتبعيض أو بيانية و التي تقتضي إرادة مركب الوضوء من الشي‏ء الأمر الذي ليس ببعيد في باب المركبات الاعتبارية و ان كانت اشياء بحسب التكوين الخارجي.

و منها- انّ عنوان شي‏ء من الوضوء اعم من الاجزاء، بل يشمل حتى ما هو شرط للوضوء مع انّ عنوان الدخول في غيره لا يتصور بالنسبة إليه الّا بان يراد بالغير مطلق الغير و هو خلف كون المراد من التجاوز الدخول في الغير المترتب عليه شرعا في داخل المركب الاعتباري و الّا جرت القاعدة حتى اذا حصل الشك بعد الدخول في الغير الاجنبي عن المركب و الامر مطلقا، و عليه فلو كان الضمير راجعا الى الشي‏ء و كان المراد الخروج عن الجزء و الدخول في الجزء الاخر- أي قاعدة التجاوز و الشك في وجود الجزء- كان المناسب اضافة الشك الى جزء من اجزاء الوضوء لا مطلق شي‏ء من الوضوء و الموثقة ظاهرة في بيان الاطلاق و التعميم من هذه الناحية و انّ الشك في أي شي‏ء من الوضوء بعد الدخول في غيره ليس بشي‏ء و هذا يناسب النظر الى الفراغ لا التجاوز.

و ما يقال من دلالة (من) على التبعيض المساوق للجزئية، فتكون الجزئية للمشكوك مفادة بنحو المعنى الحرفي غير تام، فانّ (من) ليست للتبعيض بالدقة، بل لمطلق الاشتمال و الانتساب الاعم من الجزئية و الشرطية بحيث يصدق عنوان شي‏ء من الوضوء على مطلق ما هو منه شطرا أو شرطا حقيقة كما هو واضح.

و الانصاف انّ مجموع هذه الخصوصيات يوجب الوثوق بظهور الموثقة في رجوع‏

113

الضمير فيها الى الوضوء لا الشي‏ء المشكوك فيه.

لا يقال: اذن لما ذا لم يضف الشك ابتداء الى الوضوء حيث تكون اضافته الى شي‏ء من الوضوء لغوا.

فانه يقال: انما اضيف إليه لكي لا يشمل الشك في اصل الوضوء و عدمه، حيث قلنا انّ الشك في اصل وجود المركب و عدمه ليس موردا لا لقاعدة الفراغ و لا التجاوز، و لو كان قد أضيف الشك الى الوضوء ابتداء لفهم منه ذلك، لانّ ظاهر اضافة الشك الى شي‏ء الشك في وجوده لا صحته فاضيف الشك الى شي‏ء من الوضوء ليفترض تحقق اصل الوضوء و الشك في شي‏ء منه لا في اصله، مضافا الى ما في اضافة الشك الى شي‏ء من الوضوء من افادة التعميم من حيث منشأ الشك في الوضوء من أي شي‏ء وجهة كان و الذي لم يكن مستفادا لو كان قد اضيف الشك الى الوضوء ابتداء.

و امّا البحث الثاني- فتارة نتكلم بناء على فرض رجوع الضمير الى الشي‏ء، و اخرى على فرض رجوعه الى الوضوء.

اما على الاول- فسوف تكون الموثقة من جملة روايات قاعدة التجاوز العامة خصوصا باعتبار اطلاق التعليل في ذيلها الشامل لتمام المركبات المأمور بها و الداخلة في عهدة المكلف، الا انّ هذا سوف يجعلها مخالفة في موردها مع مفاد صحيحة زرارة المتقدمة، لانّ ظاهرها يدل على مطلبين حينئذ:

الاول- انّ الميزان للاعتناء و عدم الاعتناء بالشك كون الشك قبل تجاوز محل المشكوك أو بعده.

و الثاني- انّ الوضوء مصداق لهذه القاعدة.

و مفاد الصحيحة إلغاء هذا الميزان في الوضوء و جعل المناط فيه بالفراغ عن الوضوء و الدخول في حال اخرى و عدمه، و هي قاعدة اخرى، و هذان المفادان متباينان عرفا بحيث لا يمكن الجمع بينهما.

و ما قيل من انّ غايته تقييد التجاوز في مورد الوضوء بما اذا كان تجاوزا عن‏

114

المركب أيضا مضافا الى التجاوز عن محل الجزء المشكوك و ليس هذا الّا تقييدا للمورد مع بقاء موضوع القاعدة فيه و هو الشك في وجود الجزء المشكوك غير سديد، و ذلك:

أولا- لانّ الموثقة لو كانت واردة بعنوان (يعتني بالشك قبل تجاوز المحل في الوضوء و لا يعتني به بعد تجاوزه) امكن القول بتقييد اطلاقها بما اذا كان بعد تجاوز المحل و تجاوز الوضوء نفسه، و يكون من تقييد المورد، و لكنّ الموثقة ليست بهذا اللسان و انما صرحت أولا بحكم الشك في جزء من اجزاء الوضوء بعد الدخول في غير ذلك الجزء من اجزاء الوضوء- بناء على رجوع الضمير الى الشي‏ء- ثم بينت القاعدة الكلية بصيغة الحصر (انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) و هذا ظاهر في انّ الحكم المطبق في الصدر مورد متيقن لهذه الضابطة، فانطباقها على الوضوء بمثابة الحكم له بحسب الحقيقة، فيكون اخراج الوضوء منها في قوة تخصيص المورد عرفا.

و ثانيا- انّ التجاوز لا يتحقق بحسب الفرض الّا بالدخول في الغير المترتب شرعا أو فوات الموالاة و حصول المنافي، و عندئذ سوف يكون بين الموثقة و صحيحة زرارة تعارض في المفاد من ناحية انّ الموثقة تدل على انّ الاعتناء و عدم الاعتناء بالشك يدور مدار التجاوز عن محل المشكوك و عدمه سواء حصل فراغ عن العمل أم لا، و الصحيحة تدل على انّ الميزان هو الفراغ عن العمل سواء حصل التجاوز أم لم يحصل كما اذا كان الشك في الجزء الاخير من الوضوء و لم تفت الموالاة، و بين الميزانين افتراق من كل جانب و ان كانا يجتمعان في الشك في غير الجزء الاخير بعد الفراغ من الوضوء، و عندئذ لو فرض الاخذ بصحيحة زرارة كان معناه الغاء الحيثية المأخوذة في الموثقة و هي التجاوز رأسا و جعل المناط بالفراغ سواء كانت حيثية التجاوز في مورد الفراغ متحققة أم لم تكن، فلم تحفظ دخالة حيثية التجاوز في موضوع الحكم حتى كجزء الموضوع و هذا إلغاء للعنوان لا تقييد له و انما التقييد ان تحفظ دخالة العنوان المأخوذ في الدليل المراد تقييده، غاية الامر يضاف إليه‏

115

قيد زائد.

و ثالثا- انّ النسبة بين مفاد صدر الموثقة مع صدر الصحيحة و ذيل الموثقة و ذيل الصحيحة العموم من وجه حيث يتعارض الصدران في مورد تجاوز المحل قبل الفراغ عن الوضوء، و يفترق صدر الموثقة في مورد الشك فيمن تجاوز الجزء و فرغ عن الوضوء، و يفترق صدر الصحيحة فيمن لم يتجاوز المحل و الوضوء معا.

و يتعارض الدليلان في مورد الفراغ عن الوضوء و الشك في الجزء الاخير منه قبل فوات الموالاة حيث يكون المحل باقيا، و يفترق ذيل الموثقة فيمن لم يتجاوز المحل و الوضوء معا، و يفترق ذيل الصحيحة فيمن تجاوز المحل و الوضوء كما اذا كان الشك بعد الفراغ في غير الجزء الاخير من الاجزاء، و مقتضى الصناعة التعارض و التساقط و الرجوع بعد ذلك الى العمومات الفوقانية المتمثلة في اطلاقات التجاوز و الفراغ.

و اما على الثاني- فلا اشكال عندئذ في عدم دلالة الموثقة على جريان القاعدة عند الشك في تحقق جزء منه داخل الوضوء الذي هو المقصود بعدم جريان قاعدة التجاوز فيه، كما لا تكون معارضة مع الصحيحة بل مطابقة معها و مقيدة مثلها لمطلقات التجاوز في باب الوضوء خاصة، حيث تشترط الفراغ عن أصل الوضوء، و هذا واضح، انما الكلام في امرين:

الاول- انه هل يستفاد من صدرها اشتراط الدخول في الغير في جريان قاعدة الفراغ، كما هو مفاد الصحيحة في الوضوء أم لا؟

الثاني- انّ المستفاد من ذيلها على هذا التقدير هل هو كبرى قاعدة الفراغ، أو قاعدة التجاوز؟ هذا بناء على تعدد هما، و امّا بناء على الوحدة، فيقال: بانه هل يمكن ان يستفاد من هذا الذيل في غير موردها، أعني غير الوضوء من المركبات الشرعية الاخرى، جريان القاعدة عند التجاوز عن محل جزء منها داخل المركب، أو لا يستفاد منها الّا جريانها عند تجاوز المركب كله كما في الوضوء؟

امّا الامر الاول- فقد يقال بانّ مقتضى ظاهر اخذ قيد الدخول في الغير

116

الاحترازية، فيكون ذلك شرطا في جريان قاعدة الفراغ في الوضوء، و لا يكتفى بمجرد الفراغ عن العمل و لو احرز ذلك باحراز تحقق جزئه الاخير، و اذا ضم الى ذلك فرض ظهور ذيلها في بيان كبرى قاعدة الفراغ المنطبقة في مورد الوضوء أيضا كان نتيجة الجمع بين الظهورين اشتراط الدخول في الغير في جريان قاعدة الفراغ مطلقا، و بذلك تقيد مطلقات سائر روايات الفراغ، و هذا احد الوجوه التي استند إليها الميرزا (قدّس سرّه) في ما اختاره من اشتراط الدخول في الغير في قاعدة الفراغ، نعم هذا لا يقتضي اكثر من الدخول في مطلق الغير لا خصوص المترتب شرعا، هذا الّا انه لا بدّ من صدق الغير عرفا، و مجرد الانتهاء عن الوضوء و السكوت و التوقف لحظات ليس غيرا عرفا كما نقض به على الميرزا (قدّس سرّه).

الا انّ الانصاف: عدم تمامية هذا الظهور، لقوة احتمال ان يكون الميزان هو التجاوز عن المشكوك فيه حتى في باب الوضوء، و انما فرض الدخول في غيره لانه بذلك يحرز عادة الفراغ، و ليس المقصود اشتراط الفراغ البنائي، بل المناط الفراغ الواقعي غاية الامر فرض الامام (ع) في الصدر الشك بعد الدخول في غير الوضوء لانه هو المورد المتيقن الواضح للشك بعد الفراغ الواقعي، و الوجه فيما ذكرناه هو ظهور ذيل الرواية في اعطاء مناط الحكم في الصدر و ضابطته و قد جعل فيه التجاوز و عدمه مناطا و مدارا للاعتناء و عدمه و لا اقل من احتمال هذا المعنى بدرجة بحيث لا ينعقد ظهور للقيد المذكور في الاحترازية في خصوص المقام فتبقى المطلقات على حالها في غير باب الطهور خصوصا بناء على ما سوف يأتي من امكان استفادة قاعدة التجاوز من الذيل فيكون الدخول في الغير في الوضوء لتحقق التجاوز عن الوضوء.

و امّا الامر الثاني- فقد استظهر جملة من الاعلام من ذيل الموثقة كبرى قاعدة التجاوز أي الجارية حتى داخل العمل بعد تجاوز المحل باعتبار ورود التعبير بالتجاوز فيه.

و هذا الاستظهار ان كان متأثرا بورود التعبير بالتجاوز في ذيل الرواية فقد

117

عرفت انّ هذا مجرد تعبير يصح استعماله في موارد الفراغ و التجاوز معا أي التجاوز عن الجزء أو عن المركب كله.

و الصحيح: انّ استفادة قاعدة التجاوز عند الشك داخل المركب من هذا الذيل يواجه مشكلات اثباتية عديدة لا بدّ من علاجها:

منها- انّ ظاهر قوله: (اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) الكون الحقيقي في الشي‏ء المشكوك فيه و كذلك التجاوز عنه حقيقة، و هذا صدقه بلحاظ المركب حقيقي و بلا عناية، فانّ المكلف يكون في الصلاة و لم يجزها حقيقة، فلو اريد من الشي‏ء المركب المشكوك فيه كان الاستعمال حقيقيا و بلا عناية بخلاف ما اذا اريد منه الجزء المشكوك فانه سوف يكون اسناد الكون و التجاوز إليه عنائيا و بلحاظ محله لا نفسه، و هذه عناية لا يصار إليها من دون قرينة، اللهم الّا ان يقال بانّ شدة عرفية هذه العناية و وقوعها في روايات التجاوز الواردة في الصلاة تجعل عنوان (اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) اعم من موارد مضي المركب أو مضي محل الجزء المشكوك منه.

و منها- لزوم جريان قاعدة التجاوز عندئذ في موارد الشك في وجود اصل المركب، لانّ عنوان الشي‏ء صادق عليه أيضا بعد ان كان المراد من الجواز جواز محله و موضعه، اللهم الّا ان يقال بانّ صدق التجاوز عن المحل ظاهر فيما يكون له محل و موقع داخل مركب، و المحل ظاهر في المكان لا الزمان فانه ليس محلا و موقعا للمشكوك و ان كان ظرفا له، فلا يصدق التجاوز و الكون في المشكوك الّا بلحاظ الشك في جزء المركب لا اصله.

و منها- عدم تطابق الذيل مع الصدر المتعرض لحكم الوضوء، حيث انه اشترط فيه تجاوز المركب المشكوك في شي‏ء منه المساوق مع كون الشك في صحته، فانه لو كان المراد من الذيل بيان كبرى عدم الاعتناء بالشك في جزء بعد التجاوز لمحله فلما ذا طبق ذلك في مورد الرواية بالتجاوز عن الوضوء كله و لم يكتف بتجاوز محل الجزء المشكوك منه و هذا نحو تهافت ان لم يجعل الذيل ظاهرا أيضا في إرادة

118

التجاوز عن الشي‏ء المركب الذي يشك في صحته المساوق مع قاعدة الفراغ، فلا اقل من ادائه الى اجمال الرواية من هذه الناحية.

و قد يحاول دفع هذه المناقشة بافتراض انّ الطهور امر بسيط مسبب عن الافعال الخارجية من الغسلات و المسحات و تكون تلك الافعال بمثابة المحصل للطهارة المأمور بها، فلا يتحقق التجاوز الّا بمضي محل ذلك المسبب و هو اصل الوضوء و الدخول في غيره.

و فيه: ما افاده جملة من الاعلام من عدم تمامية المبنى أولا حيث انّ الطهور المأمور به عنوان اعتباري ينطبق على نفس الغسلات و المسحات و انّ الامر متعلق بها لا بالمسبب عنها، و من انه لو فرض كون الطهارة مسببة مع ذلك جرت القاعدة بلحاظ اجزاء ما هو محصلها، لكون الترتيب و التحصيل شرعيا لا عقليا كما في المركبات التكوينية فيشمله اطلاق التعبد بتحقق الجزء المشكوك في وجوده منه بعد تجاوز محله.

هذا مضافا: الى انه بناء على هذا المبنى ينتفي موضوع القاعدتين معا في باب الوضوء، حيث لا يعقل لا الشك في الصحة بعد الفراغ عن تحقق ذات الوضوء لكونه امرا بسيطا دائرا بين الوجود و العدم، و لا الشك في الوجود بعد تجاوز محله من المركب اذ ليس له محل كذلك، نعم له محل بالمعنى الاعم المتقدم أي المحل العادي و العقلي، و لكنه لا يستفاد كفايته في صدق التجاوز بحسب الفرض.

و منه يعرف الاشكال فيما جاء في تقريرات المحقق العراقي (قدّس سرّه) من استفادة كبرى التجاوز عن المحل من الموثقة مع افتراض رجوع الضمير الى الوضوء فيكون امرا واحدا لا يتجاوز محله الّا بتجاوزه، اما لكونه مسببا عن الفعل المركب في الخارج- كما يقوله الشيخ و ان كان مبناه غير تام عند العراقي- أو لدلالة النص و الاجماع على ذلك في باب الوضوء خاصة، فانّ هذا المقدار من البيان يؤدي الى احد امرين، امّا الالتزام بكفاية تجاوز المحل العادي أو العقلي في جريان قاعدة التجاوز- و هذا ما لم يقبله المحقق العراقي بنفسه- أو عدم جريان شي‏ء

119

من القاعدتين في باب الشك في الطهارات، لا الفراغ لكون الشك في وجود الامر الوحداني و هو الطهور و عدمه لا في صحته و بطلانه، و لا التجاوز لعدم المحل الشرعي للمشكوك.

و يمكن أن يقال: بانّ الطهور أو الوضوء و ان كان عنوانا منطبقا على نفس المركب و هو الغسلات و المسحات و لهذا لا يكون الشك فيما يعتبر فيه من الشك في المحصل الا انّ هذا المركب لوحظ و كأنه امر وحداني له حدوث و بقاء، و لهذا يقال انه على وضوء أو طهور، و الامر بالمركب امر به من خلال هذا العنوان، و هذا يؤدي الى انّ العرف في الوقت الذي يرى تحقق ذات الطهور بتحقق ذات الغسلات و المسحات في الخارج فيتعقل الشك في صحته و تحقق ذاته كذلك لا يأبى ان يرى عدم صدق التجاوز عن العنوان المأمور به و هو الطهور أو الوضوء الّا بالتجاوز عن اصل المركب و الفراغ عنه فان التجاوز عن الوضوء بما هو وضوء لا يكون الّا بالفراغ عن الغسلات و المسحات، فهذا هو الميزان لا التجاوز عن اجزاء ما ينطبق عليه الطهور أو الوضوء خارجا، لانّ الامر قد تعلق بها بما هي طهور لا بما هي هي، و التجاوز لا بدّ و ان يصدق بلحاظ ما سماه الشارع أي ما هو متعلق الامر- و لو الضمني- من المركب، و بهذا يكون خروج الشك في اجزاء العمل الخارجي في باب الطهور قبل الفراغ منه عن قاعدة التجاوز على القاعدة بالتخصص لا بالتخصيص، و لعل هذا هو روح مرام المحقق العراقي و الشيخ (قدهما).

نعم هذا يتوقف على ان يكون المراد بالتجاوز عن المشكوك التجاوز عما سماه الشارع و امر به فلا بدّ من التغاير بين الشي‏ء المشكوك المتجاوز عنه مع الغير الذي دخل فيه عنوانا، و لا يكفي التغاير في الوجود كما في تجاوز ابعاض عنوان واحد كتجاوز آية و الدخول في غيرها من اجزاء القراءة التي هي جزء واحد عنوانا مأمور ه في الصلاة بالأمر الضمني و هذا ما اختاره الميرزا (قدّس سرّه) و بنى عليه عدم جريان القاعدة في جزء الجزء و سوف يأتي تفصيل الكلام في ذلك.

فاذا تم هذا البيان فسوف تكون الموثقة بحسب ذيلها صالحة لان تكون من‏

120

ادلة قاعدة التجاوز بناء على التعدد، و من ادلة القاعدة الواحدة العامة الجارية حتى في موارد الشك في الجزء أو في صحته قبل تمامية المركب بناء على وحدة القاعدة كما هو الصحيح، لانه على كل تقدير لا تنطبق تلك القاعدة في باب الوضوء الّا بعد الانتهاء عن كل المركب على اساس النكتة المذكورة، و لا يرد عدم جريان التجاوز لعدم المحل للوضوء، فانّ هذا مبني على تصورات القوم من اسناد التجاوز الى المحل، و قد عرفت انه مسند الى نفس المشكوك و هو يصدق في موارد الفراغ الحقيقي عن الجزء الاخير للمركب فيصدق التجاوز بلحاظ هذا الامر الوحداني الاعتباري المنطبق عليه حقيقة، فتأمل جيدا.

و اذا لم يتم هذا البيان فسوف لا تكون الرواية من أدلة التجاوز بل الفراغ، أي لا يستفاد منها اكثر من التعبد بتصحيح العمل المركب بعد الفراغ عنه سواء جعلنا ذلك قاعدة اخرى غير قاعدة التجاوز بان يكون موضوعها الشك في الصحة- كما هو مشهور المحققين المتأخرين- أم جعلنا هما قاعدة واحدة لا فرق بينهما لا من ناحية المحمول و لا الموضوع و لا الملاك و انما الفرق في اقسام التجاوز عن المشكوك و مصاديقه المختلفة لعنوان جامع هو الشك بعد التجاوز أو المضي لموقع المشكوك فيه من قيود المركب- كما هو الصحيح- امّا لظهور الذيل في إرادة التجاوز عن الشي‏ء المركب- كما فهمه الميرزا و جعل الموثقة من ادلة الفراغ- أو لا جماله من هذه الناحية على الاقل.

و قد يترتب على ما فهمه الميرزا انّ الموثقة سوف تدل بمقتضى اطلاق ذيلها على عدم جريان قاعدة اخرى عند الشك داخل المركب سواء كان الشك في وجود جزء بعد تجاوز محله- الذي هو موضوع قاعدة التجاوز- أو في صحته- الذي هو موضوع قاعدة الفراغ في الاجزاء- حتى لو فرض الاطلاق في ادلة الفراغ للشك في صحة الجزء قبل الفراغ عن المركب، و حيث انّ هذه الموثقة بصدد بيان المناط في جريان القاعدة فيقدم ظهورها على الاطلاق المذكور لو تم، و لعله لهذا ذهب الميرزا (قدّس سرّه) الى عدم جريان قاعدة الفراغ في اجزاء المركب، كما ذهب الى عدم‏

121

وجود قاعدة اخرى باسم التجاوز و انما ادلة التجاوز تلحق الشك في اجزاء الصلاة بالخصوص بالشك في المركب و تعتبرها كأنّها اشياء و مركبات مستقلة فتكون حاكمة على الموثقة لا مخصصة لها.

و لكن يردّه: مضافا الى ما تقدم من البيان الذي لا اقل انه يوجب اجمال ذيل الرواية من حيث النظر الى قاعدة الفراغ أو التجاوز، انّ هذا غايته ان تكون هناك خصوصية في باب الوضوء و الطهارات خاصة تجعلها امرا وحدانيا بلحاظ ما هو متعلق الحكم لا امورا عديدة و ان كان تحققه في الخارج كتحقق المركبات فكأن الوضوء بلحاظ مصداقه و كيفية تحققه خارجا مركب يشك في صحته بعد الفراغ عنه و بلحاظ العنوان الذي ينطبق عليه و يكون هو متعلق التكليف امر واحد لا يصدق الفراغ و لا التجاوز عنه الّا بالدخول في غيره أو الفراغ عن أصل العمل، و قد تدل على هذا المعنى الرواية الدالة على انّ الوضوء لا يتبعض فلا مانع من اطلاق الذيل لكل شي‏ء يكون مركبا شرعا سواء كان بامر ضمني أو استقلالي، و سواء كان ضمن مركب اخر أم لم يكن، و عليه فلا بأس بإطلاق الذيل لكل ما يشك فيه بعد تجاوزه و لو بتجاوز محله من المركب اذا كان ذلك العنوان هو متعلق الأمر.

و الانصاف: انّ صدر الرواية و ان كان ظاهرا في ملاحظة الوضوء كشي‏ء واحد لا بدّ من الفراغ عنه لجريان القاعدة فيه، الّا انّ ذيلها لا يخلو من ظهور في بيان كبرى القاعدة الاعم من الفراغ و التجاوز بالنحو الذي ذكرناه في البحوث السابقة، أي انّ الميزان تحقق المضي و التجاوز للعمل المشكوك فيه المأمور به بنحو يستلزم الاعتناء بالشك اعادة العمل و لو بجزئه، فيكون ذيلها دالا على القاعدة العامة حتى في موارد التجاوز عن محل الجزء المشكوك داخل المركب، نعم قد لا يكون فيها اطلاق لما اذا لم يكن ذلك المشكوك بعنوانه مأمورا به ضمن المركّب كما في جزء الجزء، و هذا لا يمنع عن جريان القاعدة في جزء الجزء في غير باب الوضوء اذا تمّ اطلاق في سائر روايات الباب، و سوف يأتي البحث عن ذلك‏

122

مفصلا ضمن التطبيقات القادمة.

الجهة الثانية- في إلحاق الغسل و التيمم بالوضوء في عدم جريان القاعدة فيه الّا بعد الدخول في الغير

، و قد نسب الى المشهور الالحاق، و خالف في ذلك بعض المتأخرين- كما تقدم- بدعوى اختصاص دليل الاستثناء المتمثل في صحيح زرارة بباب الوضوء خاصة فيبقى غيره تحت اطلاق روايات التجاوز.

و لكنك عرفت امكان دعوى انّ خروج باب الطهور عن قاعدة التجاوز عند الشك حين العمل بالتخصص لا بالتخصيص، نعم الصحيحة توسع من جريان القاعدة في الوضوء لمطلق الدخول في حال اخرى، بل قد عرفت ظهور ذيل الصحيحة على إلحاق الشك في الغسل بالشك في الوضوء من حيث انّ عدم الاعتناء به انما يكون بعد الدخول في حال اخرى، لانّ هذا القيد وارد في الذيل خصوصا مع وحدة سياق الذيل مع الصدر الوارد في الوضوء، نعم شمولها للتيمم موقوف على الغاء الخصوصية أو التمسك بإطلاق البدلية و كلاهما مشكل، فانّ الغاء الخصوصية في الامور التعبدية البحتة غير فني كما انّ البدلية لا تعني الالحاق في تمام الاحكام، فان تمّ ما ذكرناه من الاستظهار العرفي في الجهة السابقة امكن تخريج فتوى المشهور بإلحاق التيمم بباب الوضوء من حيث عدم جريان القاعدة عند الشك في جزء منها داخل العمل، و الّا كان مقتضى اطلاق روايات التجاوز عدم الاعتناء بالشك في جزء منه بعد تجاوز محله و ان كان الاحتياط يقتضي الالحاق على كل حال.

الجهة الثالثة- في جريان قاعدة الفراغ في الشك في صحة بعض اجزاء الوضوء أو الغسل أو التيمم‏

كما اذا شك في ايقاع غسل الوجه منكوسا مثلا.

و قد ذهب جملة من الاعلام الى جريانها فيه مدعين في وجه ذلك عموم المقتضي المتمثل في روايات الفراغ و عدم وجود المانع، لانّ صحيحة زرارة ظاهرة في عدم جريان قاعدة التجاوز داخل الوضوء أي ما اذا كان الشك في اصل وجود الجزء لا صحته بعد الفراغ عن اصل وجوده لأنّها تقول: (اذا شككت في‏

123

غسل ذراعيك فاعد عليهما و على جميع ما شككت فيه مما سمى اللّه عليك غسله أو مسحه).

و يمكن ان يناقش في ذلك:

أولا- بناء على ما تقدم في وجه عدم جريان القاعدة في الشك داخل الوضوء بل مطلق الطهور تخصصا لا تخصيصا لا وجه لهذا الكلام، اذ لو اريد اجراء قاعدة الفراغ في جزء المركب فليس مركب الطهور باجزائه التفصيلية مأمورا به بل بعنوان انه طهور و هو منطبق على المركب كله لا على كل جزء جزء منه الّا بنحو من التحليل و العناية، و لو اريد اجرائه في الطهور فهو لم يفرغ عنه بعد.

و ثانيا- انه مبني على تعدد القاعدتين، و امّا على القول بوحدتهما موضوعا و محمولا فقد يقال بانّ هذا التفصيل في غير محله، اذ لا يحتمل عرفا عدم جريان هذا التعبد في المركب اذا كان الشك في جزء منه و جريانه فيه اذا كان الشك في شرط جزئه، لأنّ العرف لا يرى فرقا بين الشرط و الجزء بحسب ما هو المهم و هو تصحيح العمل.

هذا و لكن هذا الامر لا بدّ و ان يرجع الى ما سوف يأتي في احدى المناقشتين القادمتين، و الا أمكن ان يقال بانّ دليل التخصيص اذا كان مخرجا لخصوص صورة الشك في الجزء، فلا وجه لرفع اليد عن اطلاق دليل القاعدة للشك في الشرط خصوصا في مثل هذه الاحكام التعبدية، فانّ هذا و ان لم يكن دالا على قاعدة اخرى بناء على وحدة القاعدتين و لكنه اطلاق اخر في دليل القاعدة، فلا موجب لرفع اليد عنه.

و ثالثا- دلالة صحيحة زرارة على إلغاء هذا الاحتمال، اذ لا اشكال في عدم جريان قاعدة الفراغ أيضا في الوضوء بعد الفراغ عنه و قبل الدخول في الغير كما اذا جاء بالجزء الاخير منه و شك في صحته من ناحية الاخلال باحد اجزائه السابقة قبل القيام من محل الوضوء و الدخول في حال اخرى- و هو مورد لقاعدة الفراغ‏

124

و التجاوز معا- لانّ هذا مشمول لمورد صحيح زرارة فاذا فرض جريان قاعدة الفراغ في هذه الفرضية و امكان التعبد بصحة الوضوء- و هو ما يسمى بقاعدة الفراغ- و انما غير الجاري التعبد بوجود الجزء المشكوك- و هو ما يسمى بقاعدة التجاوز- كان هذا خلاف مورد الصحيحة، و ان فرض عدم جريانهما معا كما هو مفاد الصحيحة كان احتمال جريان قاعدة الفراغ في تصحيح جزء هذا المركب ساقطا عرفا و فقهيا، اذ لا يحتمل ان يكون الجزء المركب افضل حالا من المركب نفسه من حيث جريان قاعدة الفراغ في الشك في شرطه دون الشك في شرط المركب الكل.

و رابعا- المنع عن عدم شمول الصحيحة لموارد الشك في صحة الجزء، فانّ قوله:

(و على جميع ما شككت فيه انك لم تغله أو تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء) يفهم منه العرف العموم لما اذا شك في صحة غسله و كونه بالنحو الذي سمى اللّه و أراده، فانّ التمييز بين الجزء و الشرط فكرة اصولية لا عرفية كما اشرنا إليه آنفا، خصوصا بناء على وحدة القاعدتين فالانصاف عدم عرفية مثل هذا التفكيك.

و خامسا- التمسك بإطلاق صدر موثقة ابن ابى يعفور (اذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره) بناء على ما تقدم من ظهور رجوع الضمير فيها الى الوضوء، و عنوان شي‏ء من الوضوء يشمل كل القيود في المركب سواء كانت جزء أو شرطا فيكون مفادها الغاء الشك في كل شي‏ء من قيود الوضوء أو اجزائه اذا كان بعد الفراغ منه و الدخول في غيره و عدم الغائه اذا كان قبل ذلك.

و قد نوقش في هذا الوجه تارة بالمنع عن كونها مطلقة من هذه الجهة و انما هي في مقام البيان من ناحية انّ الشك اذا كان حين العمل يعتنى به و اذا كان بعد الفراغ عنه لا يعتنى به، و اخرى بأنه على تقدير تمامية الاطلاق فهو معارض بنحو العموم من وجه بعمومات الفراغ الشاملة لاجزاء الوضوء لانّ الموثقة تشمل الشك في الوجود و الصحة داخل العمل و عمومات الفراغ تختص بالشك في الصحة و لكنها

125

اعم من الوضوء و غيره و الترجيح مع ادلة الفراغ لكون العموم في بعضها بالوضع و هو مقدم على الاطلاق و مقدمات الحكمة.

و يمكن ان يناقش في الاول منهما:

أولا- انه لا وجه لعدم الاطلاق من هذه الناحية خصوصا مع ما تقدم من انّ التعبير بشي‏ء من الوضوء بنفسه متصد لبيان الاطلاق و التعميم فكأنّه في قوة قوله:

(اذا شككت في أي شي‏ء من الوضوء بعد ما دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء) و مثل هذا الاطلاق لا يحتاج الى مقام البيان لكونه في قوة العموم الوضعي نظير قوله: (ع): (اذا بلغ الماء قدر كرّ فلا ينجسه شي‏ء)، أي لا ينجسه أي شي‏ء.

و ثانيا- ما تقدم من تمامية الاطلاق العرفي و إلغاء خصوصية كون الشي‏ء المشكوك شرطا أو جزء.

و يناقش في الثاني منهما:

أولا- انه بناء على وحدة القاعدتين تكون الموثقة الواردة في خصوص الوضوء اخص مطلقا من ادلة القاعدة، لانها تدل على انه في باب الوضوء بالخصوص قبل الدخول في الغير أو قبل الفراغ عن الجزء الاخير من الوضوء لا بدّ من الاعتناء بالشك في شي‏ء من الوضوء سواء كان المشكوك وجود جزء أو صحته، و لا نريد بذلك انها تدل على الاحتياط الشرعي بل نريد به انها تدل على عدم جعل الترخيص و تلك القاعدة المصححة في الوضوء قبل الفراغ منه و الدخول في غيره فيكون اخص مطلقا من دليل القاعدة الواحدة الجامعة بين القاعدتين.

و ثانيا- لو سلمنا تعدد القاعدة و انّ روايات الفراغ تدل على قاعدة اخرى غير ما تدل عليه روايات التجاوز مع ذلك قلنا: انّ النسبة لوحظت بين الموثقة و بين كل من روايات التجاوز و روايات الفراغ فهو و ان كان بالعموم من وجه الّا انّ النسبة بين مفادها و مفاد مجموع الطائفتين العموم و الخصوص المطلق بعد فرض‏

126

دلالتها على عدم جريان قاعدة الفراغ و لا التجاوز في اجزاء الوضوء قبل الفراغ من اصله أو الدخول في غيره، فتكون اخص منهما فيقع التعارض بين اطلاقيهما و يتساقطان، و تكون النتيجة وجوب الاعتناء بالشك.

و ثالثا- ما ذكر من ترجيح عمومات قاعدة الفراغ لكونها بالوضع على عموم هذه الموثقة لكونها بالإطلاق أيضا غير سديد، اذ لو اريد من عمومات القاعدة مثل قوله (ع) في موثقة محمد بن مسلم: (كل ما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو) فقد عرفت الاشكال في استفادة العموم منه بلحاظ كل المركبات الّا بإلغاء الخصوصية و نحوه و التي لا تتم في باب الوضوء بلحاظ الاجزاء قبل الفراغ منها، و ان اريد به عموم صحيحة محمد بن مسلم: (كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فأمضه و لا اعادة عليك فيه) الوارد في الوضوء و الصلاة فمن الواضح اختصاصها بالشك في صحة الوضوء بعد الفراغ من اصله بقرينة اسناد المضي الى الطهور و الصلاة الظاهرين في تمامهما، بل و بقرينة ذكر الاعادة في الذيل فهي غير شاملة للشك في صحة اجزاء الوضوء أو الصلاة بعد الفراغ عنها داخل المركب.

هذا مضافا الى ما عرفت من انّ الاطلاق المذكور من هذه الناحية في قوة العموم الوضعي، لكون الخطاب متصديا بنفسه لبيانه فلا يتم في حقه ملاك تقديم العام الوضعي على الاطلاق الحكمي، لأنّ نكتته كون الاطلاق دلالة سكوتية متوقفة على مقدمات الحكمة، و الدلالة الوضعية على العموم اقوى و اظهر من الدلالة السكوتية، و هذا لا ينطبق في المقام بناء على الاستظهار المتقدم.

و هكذا يتضح: انّ جريان القاعدة التصحيحية في الوضوء و الغسل و التيمم اذا كان الشك قبل القيام عنها و الدخول في حالة اخرى مشكل من غير فرق بين الشك في وجود الجزء أو الشرط الراجع للمركب أو لجزئه، و من غير فرق بين القول بوحدة القاعدتين أو تعددهما، فيكون الاحوط الاعتناء بالشك فيها قبل الفراغ عن الطهور و الدخول في حال اخرى مطلقا، و اللّه العالم بحقيقة الحال.

127

الامر الثاني اختصاص القاعدة بموارد الاذكرية

128

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

129

اختصاص القاعدة بموارد الأذكرية الامر الثاني- هل يشترط في جريان القاعدة احتمال الاذكرية حين العمل أم تعم تمام انحاء الشك في الصحة و البطلان و لو لم يكن للاذكرية دخل فيه؟

ذهب جماعة من الفقهاء الى الثاني تمسكا بإطلاق الروايات المتقدمة من هذه الناحية، و الصحيح هو الاول، و ذلك للمنع عن الاطلاق المذكور، بل المستظهر من مجموع الروايات انه قد لوحظ فيها جهة كشف نوعية هي احتمال الاذكرية حين العمل و لو كجزء المناط و الموضوع لها، حيث انه في الاعم الاغلب ان يكون الانسان حين العمل متذكرا لتمام الاجزاء و الشرائط و يأتي بها بإرادته الاجمالية المتعلقة بها ضمن تعلقها باصل الامتثال و تفريغ الذمة، و هذا الاستظهار يستند فيه تارة الى قصور المقتضي، و اخرى الى وجود المانع.

اما قصور المقتضي فيمكن تقريبه بأحد بيانين:

الاول- ما ذكره بعض الاعلام من انّ هذه الروايات امضاء لما عند العقلاء من اصالة عدم الغافلة، فلا يكون المستفاد منها اكثر من التعبد بنفي الغافلة في العمل.

و فيه: ما تقدم من عدم وجود اصالة عدم الغافلة بهذا العرض العريض لدى‏

130

العقلاء و انّ هذه القاعدة تأسيسية و ليست امضائية، نعم لا نضايق من ان تكون هذه النكتة مفهومة كنكتة لهذا التعبد بان يكون هذا التعبد لنفي كل خلل احتمالي في العمل الماضي يحتمل ان يكون المكلف متداركا له حين العمل سواء كان من ناحية الغافلة و النسيان أو الجهل، و هذا يختلف عن اصالة عدم الغافلة فانه يكون أوسع منها على ما سوف نشير إليه ضمن التطبيقات القادمة، بل رواية محمد بن مسلم واردة في مورد الشك بعد الفراغ في صحة يقينه حين انصرف انه اتم صلاته أم لا، و اصالة عدم الغافلة غير اصالة عدم الخطأ في علمه السابق، نعم تختص هذه التوسعة بموارد احتمال الخطا في علمه بالموضوع لا بالحكم بنحو الشبهة الحكمية على ما سوف يأتي مزيد توضيح لذلك.

الثاني- انّ مساق الروايات خصوصا روايات التجاوز انّ من يشك في انه فعل الجزء و القيد المشكوك أم لم يفعل أو فعله صحيحا أم لا في مقام تفريغ ذمته هو موضوع هذه القاعدة، و هذا مفهومه العرفي انّ المكلف كان في مقام تفريغ الذمة و انما الشك من ناحية احتمال الخلل عن الاداء أو الاداء الصحيح من ناحية غفلته أو نسيانه أو عدم مطابقة تشخيصه للواقع لا من سائر النواحي التي لا ترتبط بكونه في مقام الاداء الصحيح.

و أما الاستناد الى وجود المانع فيتمثّل في ذيل موثقة بكير: (هو حين يتوضأ اذكر منه حين يشك) و كذلك ذيل رواية محمد بن مسلم (و كان حين انصرف اقرب الى الحق منه بعد ذلك)- بناء على استفادة القاعدة منها- فانهما واضحا الدلالة على اناطة هذا الحكم باحتمال الاذكرية بمعنى انه كلما كان يحتمل المكلف صحة عمله حين اتيانه به من جهة اذكريته و كون شكه ناشئا عن بعده عن العمل حكم بصحة العمل، فيكون مقيدا لاطلاق الحكم في الروايات الاخرى لو فرض اطلاق فيها، و لا ثمرة في البحث بعد ذلك في تسمية ذلك علّة أو حكمة للحكم كما وقع بين الاعلام، فانّ هذا التعبير ورد في ذيل الموثقة بعنوان الجواب لا التعليل للجواب، فكانّ الكبرى المجعولة هو الاذكرية حين العمل‏

131

فيكون ظاهرا في انّ ما يطبقه المكلف هو هذه الكبرى ابتداء، و هذا لا يناسب مع كونها حكمة فانّ الحكمة لا تعطى بيد المكلف ابتداء، كما أنّ رواية محمد بن مسلم ورد فيها التقييد باليقين بالصحة حين انصرف في كلام الامام (ع) و في سياق الشرط مما يجعله واضحا في التقييد للقاعدة باحتمال الأذكرية و جعل الاعتبار و الحجية لها، اذ لا يحتمل تعدد الجعل و القاعدة.

و بهذا يندفع ما قد يقال: بانه لا وجه لتقييد اطلاق الروايات غير المذيلة بالتعليل المذكور بناء على تمامية الاطلاق فيها، فانّ هذا الاطلاق لا بدّ من رفع اليد عنه بعد احراز وحدة الجعل، بل ظهور سياق التعليل في التقييد و التحديد أيضا.

و امّا ما جاء في رواية الحسين بن ابي العلاء: (سألت أبا جعفر (ع) عن الخاتم اذا اغتسلت؟ قال: حوله من مكانه، و قال (ع): في الوضوء تديره فان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا امرك ان تعيد الصلاة) (1) فقد استند إليها جملة من الاعلام لإلغاء هذه الشرطية مطلقا أو في خصوص الخاتم، حيث انّ ذيلها ظاهر في نفي لزوم الاعادة مع انّ احتمال صحة الوضوء ليس مربوطا بالغافلة في مورد الخاتم.

الا انّ الانصاف انّ الرواية لا يعلم نظرها الى حيثية وصول الماء تحت الخاتم كما اشار الى ذلك بعض الاعلام، بل لعلها تنظر الى ادب من آداب الوضوء و هو تحريك الخاتم من مكانه و ان فرض انّ حكمة هذا الادب أو الاستحباب اسباغ الوضوء و وصول الماء إليه بصورة جيدة، و مما يشهد على ذلك انه امر بتحويل الخاتم في الغسل و ادارته في الوضوء مع انّ حيثية لزوم وصول الماء تحت الخاتم فيهما على حد سواء، فلا بدّ و ان يكون ذلك ادبا نفسيا في باب الغسل و الوضوء، هذا مضافا الى احتمال ان تكون هذه الرواية من جملة ما دل بظاهره على عدم لزوم احراز ايصال الماء تحت الخاتم في باب الوضوء خاصة و كفاية عدم العلم بعدم‏

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 1، ص 329.

132

الوصول، كما قد يشهد عليه ذيل رواية علي بن جعفر: (و عن الخاتم الضيق لا يدري هل يجري الماء تحته اذا توضأ أم لا كيف يصنع؟ قال: ان علم انّ الماء لا يدخله فليخرجه اذا توضأ) (1) و تفصيل الكلام في ذلك متروك الى محله من الفقه.

ثم انّ استفادة هذا القيد في جريان هذه القاعدة التصحيحية يؤدي الى عدم جريان القاعدة في موارد تطبيقات عديدة نذكر جملة منها فيما يلي:

1- موارد العلم بالغافلة حين العمل، كما اذا علم المكلف بانه كان حين الوضوء غافلا عن خاتمه و ايصال الماء تحته يقينا و انما يحتمل ان يكون الماء قد وصل إليه صدفة و هكذا أي حاجب اخر، فانّ احتمال الصحة في هذه الموارد ليس منوطا باذكريته حين العمل لكي تثبت بالقاعدة خلافا لمن يفهم الاطلاق من ادلتها لكل مناشئ الصحة، و قد جاء في تقريرات الميرزا (قدّس سرّه) (2) الحكم بالبطلان و عدم جريان القاعدة رغم الاطلاق فيها من ناحية اشتراط احتمال الاذكرية مبينا في وجه ذلك انّ صورة العمل تكون محفوظة فلا يكون الشك في انطباق المأتي به المشكوك على المأمور به المعلوم، بل بالعكس يعلم بما تحقق في الخارج و لكن يشك في انطباق المأمور به على المأتي به، و هذا لا يكون مشمولا للقاعدة.

و فيه: أولا- انّ انحفاظ صورة العمل ليس شرطا في جريان القاعدة، نعم هناك شرط اخر سوف نذكره لكنه لا يرتبط بعدم انحفاظ صورة العمل بل يعقل تحققه حتى مع انحفاظ صورة العمل.

و ثانيا- لو سلمنا ذلك فالمقام ليس صغرى له، اذ صورة العمل مشكوكة فيه حيث لا يعلم وصول الماء الى تحت الخاتم و تحقق غسل تمام بشرة اليد و عدمه.

____________

(1)- وسائل الشيعة، ج 1، ص 329.

(2)- اجود التقريرات، ج 2، ص 482.

133

2- ما إذا احتمل البطلان العمدي للعمل، كما اذا علم بدخوله في الوضوء و لكن يحتمل ابطاله له عمدا اختيارا أو اضطرارا و اشتغاله بامر اخر، فانه لا يكون مشمولا للقاعدة، لانّ هذا الاحتمال للبطلان لا ينتفي باذكرية المكلف حين العمل كما هو واضح، بل لعل الروايات بقطع النظر عن التعليل المتقدم أيضا منصرفة عن مورد لا يحرز فيه اصل كون المكلف في مقام الامتثال لكل العمل، و من هنا لا ينبغي ان يقبل جريان القاعدة هنا حتى من قبل المنكرين للشرطية المذكورة، فما جاء في كلمات المحقق العراقي (قدّس سرّه) من أولوية جريان القاعدة في موارد احتمال الابطال العمدي و حمل التعليل بالاذكرية على اعتبار ظهور حال المسلم المريد للامتثال في انه لا يتركه سهوا و لا عمدا فينفع لمن احتمل الترك سهوا كما ينفع لمن احتمل الترك عمدا غير تام، اذ لا يوجد ظهور حالى كذلك كما انّ الروايات و التعليل كلاهما واضحان في إرادة الترك غير العمدي كما لا يخفى على المتأمل في سياقها.

3- ما اذا كان منشأ الشك في البطلان الحاصل له بعد العمل نسبته إليه حين العمل كنسبته إليه بعده بحيث لو كان حاصلا له حينه أيضا كان يوجب شكه في صحة العمل.

و من امثلة ذلك ما اذا شك بعد الفراغ من الصلاة انّ الجهة التي صلّى إليها كانت هي القبلة أم لا؟ من ناحية انه اخبره شخص مثلا بانها ليست هي القبلة، فانّ نسبة هذا الشك إليه الآن و وقت العمل لو كان قد اخبره بذلك على حد واحد.

نعم لو كان منشأ هذا الشك نفس مضي الزمان بحيث يحتمل انه حين العمل كان قد التفت الى هذه الجهة و احرزها في عمله جرت القاعدة فيما مضى من صلواته كمن كان يقطع بانّ هذه الجهة قبلة و صلّى إليها ثم حصل له الشك الساري لاحتمال خطئه في تشخيص انّ تلك الجهة قبلة، لانّ منشأ الشك يقطع أو يحتمل التفاته إليه حين العمل و تصحيح العمل من ناحيته، و قد ذكرنا انّ‏

134

احتمال الاذكرية يراد به ما يعم احتمال الخطأ و الجهل في تشخيص الموضوع الخارجي المتعلق به التكليف.

و هذا هو الميزان لا ما جاء في كلمات بعض الاعلام من لزوم اختيارية الامر المشكوك فيه و عدمها، و على اساسه فصل بين الشك في كون الجهة التي صلّى إليها قبلة أو في كونه قد صلّى الى هذه الجهة التي هي قبلة أو تلك التي ليست بقبلة، و سوف يأتي تفصيل الكلام في ذلك.

و من مصاديق هذا العنوان ما اذا صلّى الى جهات اربع ثم علم اجمالا ببطلان احدى صلواته لكونه بلا طهور مثلا، فانه لا تجري القاعدة في صلاته الواقعية باتجاه القبلة اجمالا، لانّ منشأ البطلان و هو العلم الاجمالي الحاصل بعد العمل نسبته إليه بعد العمل و حينه على حد واحد، فلا يكون احتمال الصحة مربوطا باذكرية المكلف حين العمل.

و قد حاول المحقق العراقي (قدّس سرّه) تخريج هذا الفرع على اساس اخر بعد ان لم يقبل الشرطية المذكورة و استفاد من روايات القاعدة تصحيح العمل الذي يحصل الشك بعده مطلقا و من جميع الجهات، و حاصل ما ذكره يرجع الى حل و نقض:

امّا الحل: فهو انّ القاعدة لا بد و ان تجري في العنوان التفصيلي المتعلق للامر الشرعي لا العنوان المردد الاجمالي الذي ينتزعه العقل و ليس هو متعلق الامر، و في المقام لو اريد اجراء القاعدة في كل واحدة من الصلوات الاربع بعنوانه التفصيلى و لو مشروطا بان تكون الى القبلة الواقعية فالمفروض العلم الاجمالي ببطلان احداها، فيقع التعارض فيما بينها و التساقط بملاك العلم الاجمالي بكذب احداها، و ان اريد اجرائها في العنوان الاجمالي المردد فليس هو متعلق الامر الشرعي ليكون احرازه مجديا في مقام الامتثال و براءة الذمة.

و اما النقض: فيما اذا علم المكلف تفصيلا انّ احدى تلك الصلوات الاربع بلا طهور، فانه لا اشكال في لزوم اعادتها عن طهور مع انه أيضا يمكن ان يجري القاعدة في العنوان المردد الاجمالي و هو الصّلاة التي صلاها الى القبلة واقعا، فانه‏

135

بهذا العنوان لا يعلم بكونها بلا طهور، و لا يلتزم بذلك احد. (1)

و الصحيح: انه لو لم نقبل الشرطية المذكورة و استفدنا الاطلاق من روايات القاعدة فكلا البيانين غير تام.

اما النقض: فلأنّ عدم جريان القاعدة فيه بالعنوان الاجمالي المردد من جهة احتمال انطباقه على ما يعلم تفصيلا بطلانه، و القاعدة انما تعبدنا بصحة ما لا يعلم تفصيلا بطلانه و انما يشك فيه، و هذه نفس نكتة المنع عن جريان الاستصحاب في موارد الفرد المردد.

و اما الحل: فلأنّه يرد عليه:

أولا- انّ العلم الاجمالي بكذب القاعدة في احدى الصلوات الاربع لا يلزم منه المخالفة العملية، اذ ليست الصلوات الاربع كلها واجبة واقعا بل الواجب واحدة منها.

و ان شئتم قلتم: انّ جريان القاعدة في كل واحدة منها جريان مشروط لا مطلق، و الشرط كون الجهة التي وقعت تلك الصلاة إليها هي القبلة و يعلم بانّ هذا الشرط لا يتحقق الّا بالنسبة لواحدة منها لا جميعها، فلا يلزم من جريانها فيه المخالفة القطعية بل الاحتمالية و لا محذور فيه.

و ثانيا- انّ العنوان الاجمالي المردد و ان كان هو مجرى القاعدة و موضوعها الّا انها تعبدنا بلحاظ ما هو متعلق الحكم الواقعي و هو تصحيح الصلاة الواقعية التي هي متعلق الامر الشرعي، و لا محذور فيه بعد ان كان اطلاق دليل الاصل شاملا للشك بالعنوان الاجمالي، فيكون هذا العنوان مشيرا الى واقع الصلاة الواقعة باتجاه القبلة و التي لو علم بها المكلف تفصيلا أيضا كان يشك بكونها مع طهور أم لا، فيكون التعبد بالقاعدة المصححة من خلال هذا العنوان المشير لواقع تلك الصلاة المأمور بها، و لا محذور فيه ما لم يكن ذلك الواقع مرددا بين مقطوع البطلان و غيره‏

____________

(1)- نهاية الافكار، القسم الثاني من الجزء الرابع، ص 63.

136

كما في صورة العلم التفصيلي ببطلان احدى الصلوات الاربع.

و ثالثا- النقض بما اذا علم اجمالا ببطلان احدى سجدتيه بان كانت على المغصوب مثلا و شك في بطلان الاخرى من تلك الناحية أو من غيرها، فانه لا اشكال في جريان القاعدة لتصحيح سجدته الاخرى المرددة على اجمالها، و بذلك يحرز الركن في صلاته و هو وقوع سجدة واحدة صحيحة فيجب عليه تدارك الاخرى ان كان في المحل أو قضاؤها ان كان بعده مع انه يرد فيه نفس الاشكال المذكور و لا يظن عدم التزامه بجريان القاعدة في مثل ذلك.

ثم انّ هناك شرطين آخرين في جريان القاعدة يمكن ان يدعى استفادتهما من الروايات.

الشرط الاول- ان يكون الشك في مطابقة المأتي به للمأمور به لا العكس، و قد جاءت هذه الشرطية في كلمات الميرزا (قدّس سرّه) و لا يدرى بالدقة ما ذا يريد بها على وجه التحديد (1)، و من هنا يمكن ان نضع لها عدة تفسيرات محتملة:

1- ان يكون المقصود اشتراط كون الشك في صحة العمل بنحو الشبهة الموضوعية لا الحكمية بان يكون ما هو المأمور به كبرويا لا شبهة فيه و انما الشك في تحققه بتمام اجزائه و قيوده في الخارج، و على هذه الاساس لا تجري القاعدة فيمن يأتي بالصلاة بلا سورة ثم يشك في انّ السورة هل هي واجبة في الفريضة أم لا؟

و هذا المعنى لو كان هو المقصود فلا اشكال فيه، فانّ الروايات و ان كان الوارد فيها عنوان الشك فيما مضى و لم يقيد بعنوان كون الشبهة موضوعية لا حكمية، الا انّ ظاهر اضافة الشك فيها الى العمل الماتي به من قبل المكلف نفي احتمال البطلان و لزوم الاعادة من ناحية احتمال نقصان فعل المكلف، و في مورد الشبهة الحكمية يكون الشك في جعل الشارع و حدوده الذي هو ليس من ناحية المكلف و لا فعله.

2- ان يكون المقصود عدم جريان القاعدة كلما كان الشك في الصحة من‏

____________

(1)- راجع فوائد الاصول، ج 4، ص 241.

137

ناحية الشك في الامر و الوجوب سواء كان بنحو الشبهة الحكمية أو الموضوعية و على هذا الاساس لا تجري القاعدة في موارد الشك بعد الغسل في انه كان جنبا و مكلفا بالغسل أم لا؟ و كذلك اذا شك بعد الصلاة انه هل كان الوقت داخلا و الامر فعليا أم لا؟ أو صلّى صلاة المضطر ثم شك هل انّ عذره كان باقيا حين العمل أو مرتفعا فكانت وظيفته صلاة المختار؟ أو كان يترك السورة في الصلاة ثم شك في انه هل كان يستند في ذلك الى تقليد من يجوز له ذلك أم لا؟ لانّ الشك في جميع ذلك من الشك في فعلية الامر الواقعي أو الاضطراري أو الظاهري حين العمل بحيث لو كان الامر فعليا فالعمل صحيح مجز و الّا فلا.

و منه يعرف انّ من يرى اشتراط ان لا يكون الشك في الصحة من ناحية الشك في الامر لا ينبغي له ان يستثني الشك في التقليد لمن كان يترك السورة في صلاته، لان التقليد ليس من اجزاء الصلاة و قيوده و انما هو كالجنابة و الوقت و العذر من قيود الامر غاية الامر من قيود الامر الظاهري المجزي على تقدير فعليته لا الامر الواقعي، فاذا فرض انّ موارد الشك في الامر ليست مشمولة للقاعدة لكون الشك فيها يرجع الى فعل المولى لا العبد فلا ينبغي التفصيل بين هذه الامثلة.

و هذا التفسير غير تام، اذ لا وجه لتقييد المطلقات بمثل هذه الشرطية، فانه لو كان وجهه ما تقدم من انّ الامر فعل المولى و ظاهر الروايات اختصاصها بالشك في عمل راجع الى المكلف فهذا انما يصح في اخراج موارد الشك في الامر بنحو الشبهة الحكمية فقط، أي الشك في الجعل و حدوده الذي هو فعل المولى لا الشك في فعليته بفعلية قيوده، فانّ قيود الامر و شرائطه ترجع بالتبع الى المأمور به و من هنا يحصل الشك في صحة العمل و بطلانه فيكون تقيد المأمور به بتلك القيود ليقع صحيحا فعل العبد على حد سائر قيود الواجب، و هذا يعنى انّ الشك بحسب الحقيقة في مطابقة المأتي به من قبل المكلف للمأمور به و ان كان وجهه دعوى ظهور الروايات في النظر الى الشك في الوجود لا الشك في الوجوب، فقد عرفت‏

138

رجوع الشك في الوجوب بنحو الشبهة الموضوعية الى الشك في وجود المأمور به بتمام قيوده، و ان كان وجهه انّ مطابقة المأتي به للمأمور به لا بدّ فيه من احراز فعلية الامر و الوجوب لكي يعقل التعبد بمطابقة المأتي به له و القاعدة لا تحرز ذلك لانه بمثابة الموضوع المفروغ عنه في لسان الروايات لكي يتعبد بمطابقة المأمور به معه، فهذا الاستظهار و ان كان اصله صحيحا الّا انه لا موجب لتقييد الروايات باكثر من الفراغ عن وجود الامر في ظرف الشك الذي هو ظرف جريان القاعدة و ظرف حاجة المكلف الى هذا التعبد، امّا لزوم احراز فعلية الامر في ظرف العمل أيضا بمحرز اخر فلا وجه لاستفادته كقيد لجريان القاعدة، فانّ منشأ الاستظهار المذكور بحسب الحقيقة لزوم اللغوية أو عدم معقولية التعبد بالمطابقة مع عدم احراز اصل الامر، و كلا الوجهين يندفعان باشتراط احراز الامر حين الشك، و من هنا حكم السيد (قدّس سرّه) في العروة بجريان القاعدة في الشك بعد الصلاة في دخول الوقت اذا كان حين الشك محرزا لدخول الوقت، و على هذا الاساس تجري القاعدة في تمام الامثلة المذكورة، اما الشك في الوقت فباعتبار انّ المكلف يحرز اتيانه بتمام اجزاء و قيود العمل الذي يحرز وجوبه عليه و اشتغال ذمته به الّا من ناحية قيد الوقت الذي لا بد من احراز اتيانه به فيحرزه بالقاعدة، و امّا الشك في بقاء العذر فباعتبار انّ الامر بحسب الحقيقة متعلق بالجامع بين الصلاة الاختيارية في ظرف القدرة أو الاضطرارية في ظرف العجز و المكلف يشك في انه هل حقق هذا الجامع حين اتيانه بالعمل الاضطراري أم لا و لو من جهة شكه في بقاء عذره و عدمه حين العمل، و كذلك الشك في التقليد فانه يعلم بفعلية الفريضة عليه من أول الامر و لكنه لا يدري هل جاء به ضمن حكم ظاهري مجز أم لا؟ و هذا يعني انّ وظيفته- و لو الظاهرية- بحسب الحقيقة هي الجامع بين الصلاة الواقعية أو ما يقوم عليه فتوى المجتهد حين العمل و هو يشك في تحقيق هذا الجامع من خلال تقليده، نعم في خصوص مثال الغسل و الشك في الجنابة انما تجري القاعدة فيما اذا كان الشك بعد الصلاة بذلك الغسل لتصحيحها لا ثبات‏

139

الطهور بغسله للصلوات القادمة أو لاصل الصلاة لو كان لم يصل بعد، لانه قبل الصلاة شاك في ما هو تكليفه و انه بالصلاة مع طهور غسلي أو طهور وضوئي، و القاعدة لا تحرز له ذلك كما ذكرنا.

و لا يقاس ذلك على موارد الشك في صحة الغسل من غير ناحية الامر حيث يحرز فيه الطهور حتى للصلوات القادمة، لانّ الامر و لو الضمني بالطهور الغسلي محرز فيه و الشك في تحقيق كل اجزاء متعلقه المركب، و القاعدة تحرز تحقق المركب و بضمه الى احراز سائر اجزاء العمل حتى القادم يحرز الامتثال.

و ان شئتم قلتم: انّ القاعدة تحرز التمامية و الصحة على تقدير وجود الامر و فعليته بنحو مشروط، و الشرط لا بد من احرازه بمحرز اخر فمع عدم احرازه كما في الشك في الغسل من ناحية الشك في الجنابة قبل الصلاة لا يجدي شيئا، و مع احراز انه فعلي لاحراز الجنابة لا يبقى شك في الصحة.

و هكذا يظهر وجه الفرق بين الشك في صحة الغسل من ناحية الشك في الجنابة و بين الشك في صحته من ناحية سائر القيود، كما يظهر الخلط الواقع في كلمات الاصحاب في المقام حيث سوّوا بين صورتي الشك في صحة الغسل من جهة الشك في الجنابة قبل الصلاة و بعدها، فتأمل جيدا.

3- ان يكون المقصود عدم انحفاظ صورة العمل، بمعنى انه تارة لا يحرز ما عمله المكلف و انه جاء بهذا الجزء أو القيد المشكوك أم لم يأت به اصلا فتجري القاعدة، و اخرى يحرز انّ المكلف جاء بذات الجزء أو القيد خارجا بان صلّى الى جهة أو توضأ بمائع و لكنه يشك في انطباق العنوان المأمور به على ما جاء به فلا يدري هل تكون تلك الجهة قبلة أم لا؟ و ذلك المائع ماء أم لا؟ لم تجر القاعدة لعدم الشك في ما هو فعل المكلف بل في مطابقة المأمور به مع فعل المكلف، و الاقرب انّ هذا التفسير هو مقصود الميرزا (قدّس سرّه).

140

و يلاحظ عليه:

أولا- لو اريد من عدم الشك فيما هو فعل المكلف عدم الشك فيه بعنوانه المأمور به فهو واضح البطلان، لوضوح عدم العلم بانه هل صلّى الى القبلة أو تطهر بماء مطلق أم لا؟ فالعنوان المأمور به في المركب مشكوك التحقق في الخارج و لا تكون صورته محفوظة في تمام الموارد، و ان اريد عدم الشك فيه بعنوان اخر كعنوان الصلاة الى هذه الجهة تفصيلا أو الوضوء بهذا الماء كذلك فالعمل بهذا العنوان الاخر و ان كان معلوما تفصيلا و لا تردد في تحققه الّا انّ الميزان في جريان القاعدة و موضوعها الشك في تحقق ما هو الجزء أو الشرط للمركب الشرعي، و لهذا لا تجري القاعدة في موارد الشك في تحقق ما هو شرط أو قيد عقلي كالمقدمات على ما سوف يأتي بحثه مفصلا، و هذا يعني اطلاق روايات القاعدة لتمام موارد الشك في تحقق جزء أو قيد من المركب سواء كان من جهة الشك في أن المكلف فعل أم لا أو كان من جهة الشك فيما فعل، و مما يشهد أيضا على الاطلاق و كون الميزان الشك في تحقق العنوان المأخوذ في المركب جزء أو شرطا عموم التعليل في ذيل بعض الروايات فانّ نسبته الى كلا نحوي الشك على حد واحد، فانه لو فرض انّ المكلف قد احرز جهة القبلة و صلّى إليها ثم شك بعد العمل هل كان احرازه صحيحا أم لا فانّ اذكريته على حد ما اذا احرز انه متوضئ فصلّى ثم شك في انه هل كان احرازه لذلك صحيحا أم لا، فما قد يظهر من عبائر بعض الاعلام‏ (1) من عدم انحفاظ احتمال الاذكريّة في موارد الشك في قيد العمل لا اصله في غير محله.

و ثانيا- على هذا الاساس كان ينبغي التفصيل في مسألة الشك في الوقت بين ما اذا كان يعلم انه صلّى في الساعة الاولى و لكن يشك في انّ الوقت هل كان قد دخل فيها أو في الثانية فلا تجري القاعدة، و بين ما اذا كان يعلم انّ الوقت قد دخل في الساعة الثانية و لكنه لا يدري هل صلّى فيها أو في الاولى- كما هو المتعارف و المعقول عادة من فروض الشك في الوقت- فتجري القاعدة لانّ صورة

____________

(1)- راجع مصباح الاصول، ج 3، ص 310.

141

العمل بالمعنى المتقدم غير محفوظة فيه، اذ لا يعلم انّ عمله كان في الساعة التي يعلم انها من الوقت أو التي يعلم انها ليست منه، كالشك في انه هل صلّى الى هذه الجهة التي يعلم بكونها القبلة، أو تلك التي يعلم انها ليست القبلة، أو توضأ بهذا المائع الذي يعلم انه مطلق أو بذلك الذي يعلم انه مضاف. فالحاصل لا فرق بين قيد المكان و القبلة أو الزمان و الوقت في جريان التفصيل فيه و لا نعرف وجها لعدم اجراء التفصيل المذكور فيه.

و ثالثا- انّ انحفاظ صورة العمل و عدمه نتصور فيه احد معنيين.

الاول- ما تقدم شرحه من اشتراط عدم معلومية العمل الخارجي و لو بعنوان اخر عقلي غير مأخوذ في المركب، أي عدم امكان الاشارة التفصيلية الى العمل الذي جاء به المكلف كما في الصلاة الى هذه الجهة المشخصة أو الوضوء بهذا الماء المعين، و بناء على هذا ينبغي ان لا تجري القاعدة حتى في موارد الشك في التقليد لمن كان يترك السورة في عمله، اذ العمل بتمام خصوصياته محفوظ و معلوم تفصيلا في الخارج و انما الشك في انطباق المأمور به المقيد بكونه عن تقليد لامر ظاهري كالشك في انطباقه في مورد الشك في القبلة، فما عن بعض الاعلام‏ (1) من استثناء هذه الصورة فتجري فيها القاعدة غير صحيح بناء على هذا التفسير، اذ التقليد و ان كان فعلا اختياريا للمكلف الّا انه ليس بنفسه جزء للمأمور به و انما لا بد منه لكي يتحقق الامر الظاهري فيتقيد العمل المأتي به بكونه عن أمر ظاهري، و هذا التقيد كالتقيد بالقبلة أو الوقت تماما يشك في انطباقه على الصلاة الخارجية المعلوم ترك السورة فيها تفصيلا و عدمه.

الثاني- انّ المراد بعدم انحفاظ صورة العمل و انحفاظها ان يكون الشك في فعل المكلف المباشري أو في وصف متعلقه بان يعلم انه صلّى الى جهة و لكن يشك انها القبلة أم لا، أو توضأ بماء و لكن يشك انه مطلق أم لا، و بناء على هذا التفسير

____________

(1)- راجع مصباح الاصول، ج 3، ص 310.

142

يكون الشك في التقليد و عدمه مجرى للقاعدة، لانه فعل اختياري مباشري له بحسب الفرض فيكون الشك فيها كالشك في انه توضأ أم لم يتوضأ.

إلا انه أيضا غير تام، اذ يناقش فيه:

أولا- بما عرفت من اطلاق عنوان الشك المضاف الى العنوان المأخوذ في المركب جزء أو شرطا سواء كان فعلا مباشريا أو تسببيا، فالغسلات و المسحات في الوضوء فعل مباشري، و كونها بالماء المطلق فعل تسببي يتحقق خارجا بعمل المكلف على تقدير كون ذلك الماء الذي غسل به و مسح مطلقا، و ان فرض اطلاق الماء خارجا عن اختياره، فلا وجه لدعوى الاختصاص.

و ثانيا- بناء على هذا لا بدّ ان لا يفصل في عدم جريان القاعدة عند الشك في القبلة أو اطلاق الماء بين ما اذا شك في كون الجهة التي صلّى إليها قبلة أو لا، أو شك في انه صلّى الى الجهة المعلوم كونها قبلة أو غيرها، و لا بين ما اذا شك في اطلاق الماء المتوضى به و ما اذا شك في كونه قد توضأ بهذا الماء المطلق أو ذاك المضاف، فانه في كل ذلك يكون اصل صدور الفعل المباشري من المكلف معلوما على كل حال و انما الشك في وصف متعلقه و قيده و هو انّ تلك الجهة التي صلّى إليها و لو اجمالا قبلة أم لا؟ و أنّ الماء الذي توضأ به مطلق أم لا؟ فتكون صورة العمل محفوظة بهذا المعنى في جميع ذلك، فلا ينبغي اجراء القاعدة فيها جميعا.

4- ما يظهر من بعض الاعلام‏ (1) انّ المشكوك فيه اذا كان اختياريا كالتقليد جرت القاعدة، و اذا كان غير اختياري لم تجر القاعدة و لو كان من قيود المأمور به كالوقت و القبلة و اطلاق الماء الذي توضأ به، فان كون تلك الساعة وقتا أو تلك الجهة التي صلّى إليها قبلة أو ذاك الماء مطلقا خارج عن اختيار المكلف و فعله فتنصرف عنه الروايات.

و فيه: انّ القاعدة تجري دائما بلحاظ ما هو المأمور به أي تحرز متعلق الامر و هو

____________

(1)- راجع مصباح الاصول، ج 3، ص 309.

143

التقيد بذلك الامر غير الاختياري و هو اختياري، و الّا لم يعقل اخذه في المأمور به الواقعي، اللهم الا ان يقصد بالاختيارية و عدمها المباشرية و عدمها فيرجع الى التفسير السابق و قد عرفت ما فيه.

و هكذا يظهر: انّ المقدار الثابت بهذا الشرط ليس بأكثر من لزوم كون الشبهة موضوعية- و لو بلحاظ الحكم الظاهري- لا حكمية، و ان يكون اصل فعلية الامر و التكليف محرزا في ظرف الشك و محتملا في ظرف العمل، فتأمل جيدا.

الشرط الثاني- ان يكون الشك حادثا بعد العمل، و اما اذا كان شاكا أو عالما بالبطلان حين العمل فلا موضوع للقاعدة فيه لظهور كافة رواياتها في إرادة الشك الحاصل بعد الفراغ عن العمل أو التجاوز عن المشكوك فلا يشمل شي‏ء منها صورة الدخول في العمل شاكا، بل التعليل بالأذكرية في ذيل بعضها بنفسه دليل صريح على انّ النظر الى الشك بعد الفراغ سواء اريد منها التعليل أو بيان الحكمة.

الا انه وقع النزاع في حدود هذه الشرطية فهل مفادها عدم جريان القاعدة كلما كان المكلف شاكا حين العمل و لو غفل عن شكه و احتمل اتيان العمل صحيحا حين الغافلة- بناء على فرض الاطلاق من ناحية اشتراط احتمال الأذكرية- أو اختصاص ذلك بما اذا لم يحتمل اتيانه للعمل صحيحا و لو غفلة.

اختار المحقق العراقي (قدّس سرّه) الاول مدعيا في وجه ذلك انّ المستظهر من الروايات حدوث الشك و احتمال البطلان بعد التجاوز أو الفراغ، فاذا كان هذا الاحتمال موجودا من اوّل الامر فلا تشمله الروايات و لو غفل عن شكه و احتمل اتيان العمل على الوجه الصحيح غفلة، فمن كان يشك في طهارته و كانت حالته السابقة الحدث و دخل في العمل و لو للغافلة عن شكه ثم شك بعده و احتمل صحة عمله صدفة سواء كان يعلم بعدم وضوئه حين الغافلة أو احتمل الوضوء حينها لا تجري في حقه القاعدة لأن الشك في البطلان ليس حادثا بعد العمل بل ثابت من اوّل الأمر. (1)

____________

(1)- نهاية الافكار، القسم الثاني من الجزء الرابع، ص 75.

144

و ذهب المحقق النائيني (قدّس سرّه) الى الثاني فحكم بالصحة في الصورة الاولى دون الثانية و هو الصحيح لو فرضنا اطلاق الروايات من ناحية اشتراط احتمال الاذكرية، و ذلك لوجهين يمكن استفادتهما معا من مجموع كلماته‏ (1):

1- انّ المفروض بناء على اطلاق الروايات و عدم تقيدها باحتمال الاذكرية جريان القاعدة في مورد العلم بالحدث مثلا قبل الصلاة ثم الصلاة غفلة أي مع العلم بالغافلة عن علمه بالحدث و لكنه يحتمل صحة عمله اتفاقا لكونه توضأ و صلّى فكيف لا تجري القاعدة في مورد احتمال الحدث المسبوق باليقين به و الصلاة غفلة؟ و هل يكون ازدياد درجة هذا الاحتمال قبل الصلاة موجبة لصحة العمل؟ و هذا يعني بحسب الحقيقة ان اطلاق دليل القاعدة لهذه الحالة يستلزم بالفحوى و الاولوية اطلاقه لحالة الشك ثم الغافلة و الصلاة، فلا يقال اننا لو استظهرنا لزوم عدم سبق الشك لم يشمل الدليل هذه الحالة.

2- ان الروايات و ان كانت جميعا ظاهرة في الشك الحادث بعد العمل لا قبله، الا انّ المقدار المستفاد منها اشتراط ان يكون الشك بإتيان ما هو الوظيفة حادثا بعد العمل، اي كلما احتمل بعد العمل اتيانه حين العمل بما هو الوظيفة جرت القاعدة رغم شكه الذي قد يفرض وجوده حال العمل، و مثل هذا الاحتمال اذا وجد فهو دائما حادث بعد العمل، فيكون مشمولا لاطلاق الروايات سواء كان يوجد احتمال للبطلان حين العمل و لكن يحتمل تصحيح العمل من ناحيته و لو غفلة، أ و لم يكن مثل هذا الاحتمال.

و بعبارة اخرى القاعدة تعبدنا بصحة العمل كلما احتمل صحة العمل صحة لم تكن محتملة العدم حين العمل فضلا من أن تكون مقطوعة العدم حين العمل بل اما كانت مقطوعة الوجود أو كانت مغفولا عنها- بناء على استفادة الاطلاق من الروايات- و في المقام احتمال الصحة من جهة الاتيان بالطهور حين العمل‏

____________

(1)- راجع فوائد الاصول، ج 4، ص 242.

145

غفلة يكون حادثا و لم تكن هذه الصحة محتملة العدم حين العمل فتشمله اطلاقات الادلة. و كأنّ المحقق العراقي استفاد من ظهور الروايات في حدوث الشك بعد العمل اشتراط عدم سبق مطلق الشك في البطلان حين العمل، و لا وجه له و انما المقدار المستفاد منها ما ذكرناه، حيث انّ ظاهرها انه كلما جاء احتمال الصحة في العمل المفروغ عنه أو المتجاوز عن موضعه اكتفي به في مقام الامتثال و بني عليه.

و يرد على ما استفاده المحقق العراقي (قدّس سرّه) عدة نقوض:

احدها- النقض بموارد الشك في صحة صلاته مع احتمال سبق الشك حين العمل أيضا- و هذا كثيرا ما يحصل للشاك حتى مع احتمال الاذكرية- فانه ينبغي المنع عن جريان القاعدة فيها لكونه شبهة مصداقية لدليل القاعدة، و لا يمكن اثبات حدوث الشك و تأخره باستصحاب عدم سبقه الّا بنحو الاصل المثبت الواضح، و الظاهر انه (قدّس سرّه) التزم- على ما في تقريرات بحثه- في الاصول بهذا النقض و أفاد فيه بأنّ المسألة بحاجة الى مزيد تأمّل، و لكنه افاد في حاشيته المخطوطة على العروة في احكام الوقت: (انّ المستفاد من قوله (ع): (انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) انّ كل شك لا يعتنى به الّا الشك الذي يكون في المحل و لم يتجاوز عنه و بعد الجزم بوحدة موضوع قاعدة الفراغ و التجاوز من هذه الجهة تجري قاعدة الفراغ أيضا بعد العمل) ثم استدرك قائلا: (بانّ استصحاب عدم اتصاف الشك بالتجاوز حاكم على اصالة عدم اتصاف الشك بكونه مما لم يتجاوز عنه) انتهى كلامه (قدّس سرّه).

و يردّه:

أولا- انّ الاعتناء بالشك ليس حكما شرعيا بل ثابت بمقتضى قاعدة الاشتغال العقلية، و الرواية المذكورة انما تدل على عدم جعل التأمين في مورد الشك قبل التجاوز و في المحل و انما المجعول التأمين في الشك بعد التجاوز فيكون موضوع الجعل‏

146

الشرعي الظاهري الشك الذي تجاوز عن المحل، فيكون مقتضى الاصل نفي كون شكه بعد التجاوز و لو بنحو العدم الازلي.

و ثانيا- ما ادعى من الجزم بوحدة القاعدتين من هذه الجهة بناء على مبانيهم من تعدد القاعدة لا وجه له، فانه خلاف ظاهر دليل قاعدة الفراغ من اخذ الشك بعد ما يفرغ عن العمل موضوعا لها، الا انه لم يكن يحتاج الى اثبات وحدة القاعدتين من هذه الجهة اذ يكفي احراز موضوع قاعدة التجاوز لو امكن و تم لانها اعم موردا من هذه الناحية و تجري حتى بعد الفراغ عن العمل بلحاظ ما يشك في وجوده من اجزاء العمل لصدق التجاوز عنه كما هو واضح.

و ثالثا- ما ذكره اخيرا من الحكومة لا نفهم وجهه، فانه اذا فرض وجوب الاعتناء بالشك في المحل شرعا فتارة نجعل الموضوع هو اتصاف الشك بكونه مما لم يتجاوز عنه أي العدم النعتي كما هو ظاهر التقييد، فالجاري عندئذ هو استصحاب عدم الاتصاف المذكور اي عدم العدم النعتي لانه أمر وجودي و لا تجري اصالة عدم اتصاف الشك بالتجاوز لكي يكون حاكما عليه لانه عدم محمولي لا نعتي، و ان جعلنا الموضوع للاعتناء عدم التجاوز المحمولي فالجاري استصحاب عدم اتصاف الشك بالتجاوز و ينقح موضوع وجوب الاعتناء و لا يجري الاصل الاخر لنفي العدم النعتي لعدم ترتب الاثر عليه، ففرض جريان كلا الاصلين و حكومة احدهما على الاخر لم نفهم له وجها فنيا، و حيث قد عرفت انّ التجاوز أو الفراغ كلاهما وجوديان قد اخذا في موضوع التأمين فالجاري استصحاب عدم كون الشك المذكور شكا بعد التجاوز أو الفراغ فينفى موضوع التأمين و يثبت الاشتغال بل يكفي عدم امكان احراز موضوع التامين في الاشتغال لكون الشك في الامتثال على كل حال.

الثاني- نقض اخر اشنع و هو فيما لو فرض تيقن المكلف بالطهور ثم شك فاستصحب الطهور و صلّى ثم بعد الصلاة حصل له الشك الساري في صحة يقينه بالطهور فانه لا اشكال في مثل ذلك في جريان القاعدة بلحاظ صلاته و عدم لزوم‏

147

اعادته و انما تجب عليه الطهارة بلحاظ ما يأتي مع انه لا مصحح لصلاته بناء على الاستظهار المذكور، اذ لو اريد تصحيحها باستصحاب الطهارة فهو غير جار الآن بعد سراية الشك الى اليقين السابق و ان اريد تصحيحها بالاستصحاب الجاري حين الصلاة فهو يؤمن بمقدار ظرف جريانه و هو الدخول في الصلاة، و اما تصحيح الصلاة و نفي الاعادة عن المكلف في هذا الآن فلا يثبت بذلك الاستصحاب، فانّ المؤمن في كل ان انما هو الاصل الجاري لدى المكلف في ذلك الآن لا في الآن السابق، و ان اريد تصحيحها بالقاعدة فالمفروض انّ الشك و احتمال البطلان ليس حادثا بل كان موجودا بشخصه من حين العمل، نعم احتمال الصحة من ناحية صحة يقينه السابق و مطابقته للواقع حادث بعد العمل، بمعنى انه لم يكن مقطوع العدم أو مشكوكه حين العمل بل كان مقطوع الثبوت له حين العمل و الاذكرية بالمعنى اللازم أيضا محفوظة فتجري القاعدة بناء على ما استظهرناه بلا اشكال.

الثالث- انّ ما استظهره المحقق العراقي (قدّس سرّه) من لزوم حدوث الشك و عدم سبقه حين العمل و لو بسنخه، تارة يريد به استظهار اشتراط حدوث ذات الدرجة الاحتمالية لانكشاف بطلان العمل فلا بد ان لا تكون تلك الدرجة حاصلة له حين العمل سواء بحدّه أو ضمن القطع بالبطلان، و اخرى يريد استظهار لزوم حدوث الشك و الاحتمال بحدّه بعد العمل فلا يضر سبق ذات الدرجة من انكشاف البطلان اذا لم يكن بحدّه أي شكا لا علما، فعلى الاول يلزم عدم جريان القاعدة في مورد اليقين بالبطلان ثم الغافلة و الصلاة ثم الشك في الصحة من ناحية احتمال انه توضأ في حال الغافلة لانّ ذات الشك في البطلان ثابت حين العمل و لو ضمن اليقين بالبطلان، و على الثاني يلزم جريان القاعدة فيمن قطع بعدم الوضوء ثم غفل و صلّى ثم حصل له الشك الساري في يقينه السابق مع علمه بانه حين الغافلة لم يتوضأ و كلا الامرين مما لا يمكن ان يلتزم به المحقق العراقي (قدّس سرّه) لأنّ الأول خلاف مبناه من اطلاق الروايات و عدم اختصاص مفادها باحتمال‏

148

الاذكرية، و الثاني مما لا يحتمل التزام أحد به فقهيا.

ثمّ انّ المحقق العراقي (قدّس سرّه) نسب الى الميرزا (قدّس سرّه) انه حكم بالبطلان في صورة عدم احتمال الوضوء لمستصحب الحدث من باب جريان هذا الاستصحاب و عدم حكومة القاعدة عليه لأنّه استصحاب جار حين العمل، فأشكل عليه بانّ هذا الاستصحاب الجاري حين العمل ليس هو المثبت للاعادة أو القضاء بعد العمل بل الاستصحاب الجاري في كل ان هو الميزان في ترتيب الآثار و تنجيزها على المكلف، و المفروض انّ القاعدة حاكمة على الاستصحاب الجاري للمكلف بعد العمل لا ثبات بطلان صلاته، و لكن ظاهر كلام الميرزا (قدّس سرّه) في احد التقريرين لا يستفاد منه ما نسبه إليه المحقق العراقي (قدّس سرّه) بل ظاهره انه يريد بيان انّ المستصحب لا الاستصحاب إن كان بطلانه ثابتا حين العمل فالقاعدة لا تنفيه حتى اذا كان الاستصحاب بعد العمل، و هذا انما يكون فيما اذا كان الشك فعليا حين العمل و لم يكن يحتمل صحة العمل حتى على تقدير مطابقة ذلك الشك للواقع لعدم احتمال الوضوء في حال الغافلة عن شكه، فتأمل جيدا.

و من مجموع ما ذكرناه ظهر انّ المراد بالاذكرية التي يكون احتمالها شرطا في جريان القاعدة معنى اوسع من اصالة عدم الغافلة و عدم الجهل و الخطأ بالموضوع، فانه في موارد حصول الشك الساري بعد العمل- سواء كان حين العمل متيقنا بالصحة أو شاكا شكا مسبوقا باليقين المقتضي للصحة ظاهرا- لا يكون احتمال البطلان من ناحية الغافلة موجودا، اذ يقطع بعدم الغافلة حين العمل و لكن يحتمل بطلان العمل من جهة الشك الحاصل بعد العمل في صحة اليقين بالصحة- بنحو الشك الساري- الا انّ الاذكرية هنا محفوظة، فانّ يقين المكلف حين العمل اقرب الى الواقع من شكه الحاصل بعد ذلك و الذي قد يكون لطول المدة و مضي الزمان دخل في حصوله، و بهذا تصرح رواية محمد بن مسلم المتقدمة فيمن شك في الركعات و هو على يقين حين انصرف بانه اتم صلاته، فالمقصود بالاذكرية هو

149

الاعم من عدم الغافلة و مطابقة احرازه أو يقينه بالصحة حين العمل للواقع باتيانه لما هو وظيفته و ان احتمل الآن كون يقينه بالاتيان خطأ و جهلا مركبا فانه لا يعتنى بمثل هذا الشك أيضا.

150

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

151

الامر الثالث تطبيق القاعدة في باب الاجزاء

152

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

153

تطبيق القاعدة في باب الأجزاء الامر الثالث- قد عرفت انّ الميزان في جريان القاعدة مضي موقع المشكوك و تجاوزه و هو لا يتحقق في باب الشك في الاجزاء داخل المركب الا بالدخول في الجزء الذي يليه من نفس المركب، نعم قد تقدم انه في الشك في القيود الاخرى كوصف الجزء أو شرطه أو ما يكون الجزء ظرفا لإيقاعه بحيث يلزم من تكراره الزيادة المانعة أو الشك في الجزء الاخير مع فعل المنافي أو فوات الموالاة يصدق التجاوز بلا حاجة الى الدخول في الغير، و البحث في هذا الامر في المورد الاول الذي يشترط فيه الدخول في الغير المترتب عليه شرعا داخل ذلك المركب، و ذلك من جهات عديدة:

الاولى- هل يكفي الدخول في مقدمات الغير؟

الثانية- هل يكفي الدخول في الجزء المستحب المترتب؟

الثالثة- هل تجري القاعدة في اجزاء الاجزاء أم تختص بالاجزاء الاصلية؟

الرابعة- هل تجري القاعدة في الركعتين الاوليين من الفريضة أم لا؟

الخامسة- هل يشترط الدخول في الجزء المترتب المتصل أو يكفي الدخول في الجزء المترتب و لو كان منفصلا عن المشكوك؟.

154

[الجهة الاولى- في كفاية الدخول في مقدمات الغير]

اما البحث عن الجهة الاولى- فقد تقدم ان اللازم هو الدخول في الجزء الذي يترتب على المشكوك شرعا و لا يكفي الدخول في مقدمات الغير كالهوي الى السجود أو النهوض الى القيام، لانّ ملاك لزوم ذلك احد امرين كلا هما لا يقتضي صدق التجاوز في المقام:

1- اسناد التجاوز الى محل الجزء المشكوك، و هذا لا يتحقق بالدخول في مقدمات الغير، اذ لا يزال هو في محل الجزء الاول ما لم يدخل في الجزء الثاني، لانّ المحل انما يكون لما اخذه الشارع في المركب و سمّاه لا لمقدماته اللازمة عقلا و ان كانت متأخرة عنه خارجا.

2- اسناد التجاوز و المضي الى نفس المشكوك بعناية فوات موضعه الاصلي الذي يمكن تداركه فيه بلا اعادة شي‏ء من المركب، و هذا أيضا غير صادق طالما يمكن تدارك المشكوك من دون اعادة لشي‏ء من العمل.

و دعوى: اطلاق عنوان الغير الوارد في ذيل صحيح زرارة و معتبرة اسماعيل بحيث يشمل حتى مقدمات الغير.

مدفوعة: بانّ المراد بالغير بقرينة المقابلة مع الشي‏ء المضاف إليه الشك فيما هو من اجزاء المركب و ضمن ما سمي فيه لا مطلق حركة أو فعل يقع من المكلف خارجا، كيف! و الّا كان المكلف في كلّ ان خارجا عن شي‏ء بمعنى حركة و عمل و داخلا في غيره.

و مما يؤكد هذا المعنى ظهور الادلة في الفروض التي فرضها السائل في روايات التجاوز بل و كذلك ظاهر قول الامام في معتبرة اسماعيل: (اذا شك في الركوع بعد ما سجد، و اذا شك في السجود بعد ما قام) في الدخول في غير المشكوك مما هو من المركب و ما سمي فيه أي الجزء المترتب و الّا كان الاولى ذكر الشك في الركوع أو السجود حين الشروع في مقدمات الغير كالهوي أو النهوض الذي هو الاقرب فيكون اولى بالذكر في مقام التحديد، بل و يدل عليه صريح معتبرة عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه عن ابي عبد اللّه (ع): (رجل رفع راسه من السجود فشك‏

155

قبل ان يستوي جالسا فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ قال (ع): يسجد، قلت:

فرجل نهض من سجوده فشك قبل ان يستوي قائما فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟

قال يسجد).

الا انه في قبال هذه الرواية توجد معتبرته الاخرى: (قال: قلت لابي عبد اللّه (ع): رجل أهوى الى السجود فلم يدر أركع أم لم يركع، قال: قد ركع.) و من هنا ذهب صاحب المدارك الى التفصيل بين الموردين تبعا للدليل خصوصا في مثل هذه الامور التعبدية.

و قد نوقش فيه من قبل صاحب الحدائق بانه لا بد امّا من الالتزام بكفاية الدخول في الغير في جريان القاعدة فتجري في الموردين، و الّا فلا تجري فيهما معا.

و اعترض في كلمات بعض الاعلام‏ (1) على صاحب الحدائق بانّ هذا الكلام لا معنى له، اذ ليست القاعدة عقلية حتى لا تكون قابلة للتخصيص. و هذا الاعتراض غير متجه، فانّ صاحب الحدائق يريد بيان انّ المستفاد من مجموع هذه الروايات بل نفس هذه الرواية التي يظن انها قطعة من نفس الرواية الاولى جعل قاعدة ظاهرية واحدة هي قاعدة التجاوز، و هي اما ان يكون موضوعها مقيدا بالدخول في مطلق الغير الاعم من مقدمات الجزء الاخر من المركب أو خصوص الغير المأخوذ شرعا في المركب، و احتمال جعل قاعدة ظاهرية خاصة في مورد هذه الرواية غير قاعدة التجاوز غير عرفي، و هذا يعني انه اذا تم الاستظهار المدعى في هذه الرواية كان لازمه استكشاف كفاية مطلق الدخول في مقدمات الغير في جريان القاعدة و هو معارض مع الرواية المتقدمة من عبد الرحمن و سائر روايات الباب.

و الصحيح عدم التفصيل، و قد ذكر في وجهه بيانان:

الاول- انّ ظاهر قوله: (اهوى الى السجود) تحقق السجود حين الشك، لانه عبر عن الهوي بصيغة الماضي و عن الشك بصيغة المضارع فقال (رجل اهوى الى‏

____________

(1)- راجع مصباح الاصول، ج 3، ص 304.

156

السجود فلم يدر اركع أم لم يركع) و هذا ظاهر في تحقق الشك و ترتبه على الهوي الى السجود البالغ الى حد السجود، و كم فرق بين هذا التعبير و بين تعبيره في الفقرات الاخرى لروايته- حيث انّ المظنون وحدة الرواية، غاية الامر قطّعها الاصحاب- حيث عبّر فيها: (شك قبل ان يستوي جالسا أو قبل ان يستوي قائما) فتكون الرواية من ادلة قاعدة التجاوز و جريانها عند الشك في الركوع بعد الدخول في السجود.

و هذا البيان يمكن مناقشته بانّ التعبير بصيغة الماضي غاية ما يقتضيه انّ الشك و عدم الدراية كان بعد تحقق الهوي الى السجود لا قبله، فالمضي ملحوظ بالنسبة الى الشك فكان لا بد و ان يأتي بصيغة الماضي، و ليس مفاد الجملة تحقق الشك بعد تمامية الهوي الى السجود و الدخول في السجود و الّا كان ذكر الهوي لغوا و كان يقول (سجد فلم يدر)، و امّا ذكر قيد (الى السجود) فلا يراد به تحققه بل بيان انّ الهوي كان باتجاه السجود و من اجله، و مما يشهد بأنّ المراد وقوع الشك بعد تحقق الهوي الى السجود لا الفراغ عنه و الدخول في السجود ورود التعبير بصيغة الماضي في سائر روايات التجاوز مثل (رجل شك في الركوع بعد ما سجد) فانّ ظاهره وقوع الشك في حال السجود لا بعد الانتهاء منه.

الثاني- ما ذكره الميرزا (قدّس سرّه) من انّ للهوي الى السجود عدة مراتب و منها الهوي المتصل بالسجود و مقتضى الاطلاق في الرواية شمول تمام تلك المراتب و التي منها المرتبة المتصلة بالسجود فيمكن تقييد هذا الاطلاق بخصوص هذه المرتبة لما في روايات التجاوز من اشتراط التجاوز المتوقف في باب الجزء المشكوك على الدخول في الجزء الذي يليه و عدم كفاية مجرد الدخول في مقدماته في صدق التجاوز.

لا يقال- تلك الادلة تدل على عدم الاعتناء بالشك بعد الدخول في الجزء الاخر كما في موثقة اسماعيل بن جابر: (ان شك في الركوع بعد ما سجد فليمض) فان أريد تقييد معتبرة عبد الرحمن بمنطوق أدلة التجاوز فلا تعارض بينهما لكي يقيد احد هما بالآخر، و ان اريد تقييد المعتبرة بمفهوم ادلة التجاوز فليس لها مفهوم‏

157

لانّ الشرط (ان شك في الركوع بعد ما سجد) لا (ان كان شكه في الركوع بعد ما سجد) فيكون مفهومه من السالبة بانتفاء الموضوع أي انّ مثل هذه الشرطيات مسوقة لتحقق الموضوع لا اكثر، نظير ما نذكره في الاصول في أية النبأ.

فانه يقال: أولا- يمكن التمسك بإطلاق ذيل موثقة ابن ابي يعفور (انما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه) بناء على استفادة قاعدة التجاوز منها، فانه يدل على انّ كل شك في شي‏ء لم يجزه المكلف لا بد من الاعتناء به أي لم يجعل فيه الترخيص، و النسبة بينهما و ان كان عموم من وجه الا انّ ظهور الذيل في الموثقة في اعطاء النكتة و الضابطة اقوى من الاطلاق في رواية عبد الرحمن، على انه لو فرض التعارض و التساقط كان المرجع أيضا قاعدة الاشتغال المقتضية للاعتناء بالشك لكون الشك في الامتثال.

و ثانيا- ظهور سياق الشرطية المذكورة في التحديد لموضع الشك بعد الفراغ عن اصله فيكون له مفهوم، بل ذيل صحيح زرارة ظاهر في انّ الشرط كون شكه بعد الخروج عن المشكوك و الدخول في غيره مع أخذ أصل الشك مفروض الوجود.

و ثالثا- انّ التقييد في المقام لا يتوقف على المفهوم ليقال بأنّ الشرطية مسوقة لبيان الموضوع فلا مفهوم فيها و انما هو من باب حمل المطلق على المقيد بعد العلم بوحدة المجعول فيهما، حيث انّ الروايات المذكورة جميعا ترشد الى قاعدة واحدة تصحيحية، و الروايات المتقدمة صريحة في اخذ قيد التجاوز في موضوع هذه القاعدة، فتحمل المطلقة عليها لا محالة.

الا انّ هذا البيان أيضا غير تام، اذ لو فرضنا صدق الهوي على المرتبة المتصلة بالسجود فلا اشكال في عدم امكان تقييده بهذه المرتبة بالخصوص، و الا كان ينبغي ان يعبر بوقوع الشك بعد ما سجد، و الحاصل: هذا إلغاء لخصوصية الهوي المأخوذة في موضوع السؤال و المنظور إليها من قبل السائل جزما فلا يكون مثله تقييدا و لا جمعا عرفيا.

158

و الصحيح في حل اشكال المعارضة ان يقال:

بانّ ظاهر الرواية انّ المكلف شك في الركوع بعد ما هوى الى السجود و هذا يعني انّ قيامه الذي هوى منه كان قد جاء به بعنوان القيام بعد الركوع الذي هو جزء يؤتى به بعد الركوع فيكون التجاوز عن الركوع حاصلا باعتبار دخوله فيما يترتب عليه شرعا، و ليس الميزان في جريان القاعدة امكان التدارك الذكري ليقال بامكانه حتى لو كان قد جاء بالقيام بعنوان انه القيام بعد الركوع بل الميزان عدم لزوم اعادة شي‏ء من العمل بحسب ترتيبه الأصلي الاولي، فحال هذا الفرع حال من قام من الانحناء و شك في انه هل ركع أم لم يركع حيث لا اشكال في جريان القاعدة في ركوعه لصدق التجاوز و الدخول في الغير بمجرد قيامه بعنوان القيام بعد الركوع.

و هكذا يصح التفصيل الذي ذهب إليه صاحب المدارك (قدّس سرّه) على القاعدة، فانّ الشك في السجود حين النهوض و قبل الاستراحة أو قبل القيام من السجدة الثانية لا بد من الاعتناء به لانه لم يتحقق فيه الدخول في الغير و التجاوز بخلاف الشك في الركوع بعد الهوي الى السجود لصدق التجاوز بلحاظ تحقق القيام بعد الركوع الذي جاء به المكلف، نعم لو كان الشك في الركوع حال القيام لزم الاعتناء كما دلت عليه معتبرة الحلبي أيضا، لانّ الشك في الركوع حال القيام مستلزم عادة للشك في أصل القيام الذي بيده و انه هل جاء به بنية انه قيام متصل بالركوع أو قيام بعد الركوع؟ فلا يحرز الدخول في الغير المترتب على الركوع، و هذا بخلاف الشك في الركوع حال الهوي الى السجود، فانّ نفس الهوي قرينة عادة على انّ القيام الذي هوى منه الى السجود قد جاء به بعنوان القيام بعد الركوع فيكون بذلك قد احرز تحقق الغير المترتب شرعا على الركوع كالشك في الركوع بعد ان قام من الانحناء بقصد القيام بعد الركوع فتجري القاعدة في الركوع في المقام على القاعدة و لا يكون تعارض اصلا بين هذه الرواية و الرواية السابقة أو