قاعدة الفراغ والتجاوز

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
256 /
159

سائر روايات التجاوز.

و ان شئت قلت: انّ الميزان في صدق التجاوز و الدخول في الغير ان يصدق ذلك على تقدير افتراض تحقق المشكوك و وجوده بنحو القضية الشرطية بحيث لو كان المشكوك متحققا فالتجاوز و الدخول في الغير المترتب عليه صادق، و هذا محفوظ في المقام، فانّ القيام الذي هوى منه الى السجود يكون جزء من المركب مترتبا على الركوع باعتبار جزئية القيام بعد الركوع في الصلاة و هو محرز لدخوله فيه بعنوان انه قيام بعد الركوع بقرينة الهوي منه الى السجود فلو كان المشكوك و هو الركوع متحققا كان قيامه الذي هو منه قياما بعد الركوع لا محالة.

و ببيان اخر: ذات الجزء المترتب بقطع النظر عن تقيده بكونه بعد المشكوك يحرز الدخول فيه و هو القيام الذي جي‏ء به بعنوان انه بعد الركوع، و لا يشترط في الدخول في الجزء المترتب الدخول فيه بما هو مقيد بان يكون بعد المشكوك الّا على تقدير تحقق المشكوك لا مطلقا، و الّا لم تجر القاعدة في شي‏ء من الموارد، لانّ الشك في تحقق الجزء المتقدم يستلزم الشك في التقيد لا محالة، فلو كان اللازم الدخول في الغير المترتب بما هو مقيد بان يكون بعد المشكوك كالسجود بعد الركوع فالشك في الركوع شك في كون هذا السجود بعد الركوع لا محالة فلا تجري القاعدة في مورد اصلا و هذا يعني كفاية الدخول في ذات الجزء المترتب بقصد انه الجزء المترتب و ان كان مسانخا مع المشكوك او مع ما قبله و هو في المقام القيام الذي يؤتى به بعنوان انه قيام بعد الركوع- ليتميز عن القيام المتصل بالركوع من حيث الذات و بقطع النظر عن الترتيب- و ليس المقصود انّ الميزان في جريان القاعدة بالتجاوز البنائي- و ان كان هذا الكلام قريبا من النفس في المقام- و انما المقصود انّ الميزان تحقق الدخول في ذات الجزء الذي يلي الركوع و هو القيام الذي جي‏ء به بقصد انه بعد الركوع و الذي يكون مترتبا على الركوع على تقدير تحققه، كيف! و الا لزم عدم تصوير الشك في الركوع بعد الدخول في الجزء الذي يليه مباشرة- اعني القيام بعد الركوع- أصلا حتى في من رفع رأسه من الانحناء بقصد القيام بعد الركوع و شك في‏

160

انه ركع أم لا اذ على تقدير عدم ركوعه لا يكون قيامه بعد الركوع بل قبله و لو فرض عدم كفاية ذلك في تحقق التجاوز و صدقه على القاعدة، فلا اشكال في وجود مثل هذا الفرق بين مورد الصحيحة و بين مورد الشك في السجود حين النهوض للقيام فتكون الصحيحة بنفسها دليلا على كفاية الاتيان بالجزء المتأخر بقصد أنه الغير المترتب في جريان التجاوز فان عدم الجريان لو فرض فانما هو من باب القصور و عدم شمول الاطلاق في مطلقات التجاوز فاذا دل دليل على الجريان في مثل هذا المورد بالخصوص كما هو مفاد الصحيحة التزمنا بذلك لا محالة و تكون النتيجة التفصيل بين ان يكون الدخول في الغير المسانخ مع المشكوك أو مع الجزء المتصل به قبله بقصد انه الغير المترتب المتأخر- كالقيام بعد الركوع في المثال- فتجري القاعدة عن الركوع المشكوك و بين ما إذا شك في انه جاء به بعنوان الجزء المتأخر أو المتقدم فلا تجري لعدم صدق التجاوز، و سوف يأتي مزيد توضيح لهذه النكتة في بعض التطبيقات القادمة.

ثم انّ هنا بحثا صغرويا في انّ الركوع و السجود الواجبين في الصلاة هل حقيقتهما انهما من الهيئات أو من الافعال؟ و على التقدير الثاني، فقد يقال بدخول بعض مراتب الهوي الى السجود أو الركوع في حقيقتهما بحيث يتحقق التجاوز و الدخول في الغير بذلك، و تفصيل ذلك متروك الى محله من الفقه.

[الجهة الثانية- في كفاية الدخول في الجزء المستحب المترتب‏]

و اما البحث في الجهة الثانية- و هو كفاية الدخول في الجزء المستحب المترتب و عدم كفايته، فلعل المشهور بين المتأخرين كفاية الدخول فيه لصدق التجاوز عن محل المشكوك.

و يمكن ان يناقش في ذلك بأحد وجهين:

الاول- انّ الجزء المستحب ضمن المركب الواجب غير معقول في نفسه، اذ الجزئية و الاستحباب لا يجتمعان، و لا يعقل كون شي‏ء جزء للمركب المأمور به و مستحبا في نفس الوقت بحيث يمكن تركه لاستحالة الاهمال ثبوتا في متعلق الامر، فلو فرض اخذ ذلك المستحب جزء فيه اصبح لازما و الّا لم يكن جزء،

161

فاطلاق الجزء المستحب على الامور المستحبة في الصلاة مسامحة، و تكون حقيقتها انها مأمور بها بالامر الاستحبابي مستقلا في ظرف المركب الواجب فاذا لم يكن المستحب جزء من المركب فيكون الدخول فيه كالدخول في أي فعل اخر على المركب من حيث عدم صدق التجاوز و المضي بالدخول فيه الا اذا كان منافيا و هو خلف الاستحباب.

و يمكن الاجابة على هذا النقاش بانّ الميزان في التجاوز و ان كان هو تجاوز موقع المشكوك و محله في المركب الّا انّ المراد بالمركب مطلق ما أعتبره الشارع و ركبه و سماه، و هذا يشمل ما سماه في الواجب من الامور الاستحبابية أيضا و ان رجعت بحسب عالم تعلق الامر الى امر استقلالي في ظرف المأمور به الاخر، و هذا كاف في صدق التجاوز و الدخول في الغير بلحاظ ما هو المركب الشرعي عرفا.

هذا مضافا: الى امكان تصوير جزئية المستحب بافتراض امرين، امر وجوبي بجامع الصلاة المنطبق على الفاقد للجزء المستحب و واجده، و امر استحبابي اخر بخصوص الواجد له فيكون المستحب جزء في متعلق الامر الثاني فتجري فيه القاعدة، نعم قد يقال عندئذ انّ القاعدة تعبدنا بوقوع الجزء المشكوك بلحاظ الامر الاستحبابي المتعلق بالمركب المشتمل على المستحب و لا تعبدنا بوقوعه مطلقا و لو بلحاظ الامر الوجوبي اذ لم يتجاوز المشكوك بلحاظه الا انّ هذا لا يختص بالجزء المستحب بل يجري حتى اذا كان الجزء واجبا كما اذا كان الامر الثاني وجوبيا لا استحبابيا، مع انه لا يظن التزام احد به بل الظاهر عرفا من التعبد بوجود القراءة قبل القنوت ترتيب تمام آثار وقوعها و لو كان بلحاظ امر اخر اذا كان الأمران ناشئين عن مرتبتين لملاك واحد فتأمل جيدا.

الثاني- انّ الجزء المستحب كالقنوت لكونه مستحبا لا يكون الجزء المشكوك قبله من الواجب مقيدا بوقوعه قبله و لو فرض اعتبار المستحب بعد ذلك الجزء، لانّ هذا خلف كونه مستحبا يجوز تركه فلو كانت القراءة الواجبة مقيدة بان تكون قبل القنوت لأصبح القنوت واجبا لكونه قيدا فيها و هو واضح العدم، و هذا يعني‏

162

انه لا يتقيد محل الجزء المشكوك فيه قبل المستحب بأن يكون قبل المستحب، و حيث يشترط في التجاوز ان يكون من محل المشكوك فما لم يكن المشكوك قد اعتبر تقدمه على ما دخل فيه المكلف لا يصدق التجاوز عن محل المشكوك فلا تجري القاعدة بل يجب تداركه لكونه في المحل.

و هذا النقاش قابل للدفع أيضا بعد ان فرضنا الجزء المستحب قد اخذه الشارع في المركب فهو جزؤه عرفا بأي معنى فرضنا معقولية الجزء المستحب ثبوتا فانه في طول قبول الجزئية العرفية لما هو المسمى و المركب الشرعي يكون التجاوز و الدخول في الغير صادقا لا محالة بحيث يكون تداركه مستلزما لاعادة شي‏ء من هذا المركب و لو بلحاظ ذلك الجزء المستحب الماخوذ تأخره عن الجزء المشكوك، و مما يشهد على ملاحظة المركب بهذا المعنى الأوسع من الواجب و المستحب تطبيق صحيح زرارة للقاعدة على الشك في الاذان أو الاقامة بعد الدخول فيما يليهما من المستحبات في الصلاة، و لا نقصد بذلك انّ تطبيق القاعدة عليهما يكفي لتطبيقها على الشك في القراءة بعد الدخول في القنوت ليقال بانّ القياس مع الفارق و انّ مورد التطبيق في الصحيح عكس المقام حيث يكون المستحب المشكوك متقدما على الجزء الواجب الذي دخل فيه فيصدق التجاوز بلحاظه، بل المقصود انّ الصحيح يدل على انّ مركب الصلاة الذي لوحظت اجزاؤه و افترض الشك في شي‏ء منها بعد الدخول في غيره من الاجزاء يراد به المركب الاوسع من اجزاء الصلاة الواجبة و المستحبة الخارجية فضلا عن المستحب الداخلي كالقنوت فاذا كان الملحوظ هو المركب بهذا المعنى كان التجاوز عن القراءة المشكوك في وجودها بعد الدخول في القنوت صادقا أيضا بلحاظ هذا المركب، حيث يدل هذا التطبيق على انه ليس الميزان في جريان القاعدة انطباق التجاوز بلحاظ المركب المأمور به بالأمر الضمني الاستقلالي بالخصوص و الّا لم يجز اجراؤها في الاذان و الاقامة المشكوكين الّا بمعنى الشك في اصل وجود المأمور به بامر استقلالي و قد ذكرنا انّ القاعدة لا تعبد بوقوع المأمور به الاستقلالي اذا شك في تحققه أو عدم تحققه اصلا،

163

فتأمل جيدا.

و هكذا يتضح: انّ ما ذهب إليه صاحب العروة (قدّس سرّه) و وافق عليه مشهور المتأخرين في هذه المسألة من جريان القاعدة بالدخول في الجزء المستحب كالقنوت تام، نعم لا يصدق التجاوز و الدخول في الغير فيما اذا دخل في امر ليس مسمى في المركب لا كجزء لزومي و لا استحبابي، و لو فرض مستحبا في نفسه أو فرض جزء مستحبا أو واجبا غير مقيد بان يكون بعد الجزء المشكوك فضلا عما اذا كان زيادة سهوية، فما اختاره السيد (قدّس سرّه) في العروة من التعميم لكل ذلك لا يخلو من اشكال و الظاهر أنه مبني على استفادة الاطلاق من لفظ الغير في الروايات لمطلق الغير و قد عرفت الاشكال فيه.

و منه يظهر بطلان ما ذهب إليه المحقق العراقي (قدّس سرّه) الذي التزم باشتراط الدخول في الغير المترتب شرعا و عدم جريان القاعدة في مقدمات الغير و مع ذلك ذهب الى عدم اشتراط كون الغير جزء للمركب بل تجري في مطلق الدخول في الغير و استشهد له بالدخول في القيام بعد السجود مع انه ليس جزء للصلاة و انما هو شرط للقراءة التي هي الجزء المترتب و قد صرحت الروايات بعدم الاعتناء بمجرد القيام و لوم يقرأ (1). فانّ هذا الكلام يمكن ان يناقش فيه:

أولا- بانّ القيام جزء واجب مترتب شرعا لوجوب القيام المتصل بالركوع سواء قرأ أم لم يقرأ.

و ثانيا- انّ هذا التطبيق لا يكون شاهدا على جريان القاعدة في مورد الدخول في الغير المستحب أو غير المستحب- كما يريده- بل اما ان يكون القيام بنفسه جزء مترتبا فلا يدل ذلك على كفاية الدخول في غير الجزء المترتب، أو يكون قيدا و مقدمة للجزء المترتب و هو القراءة فيثبت بذلك كفاية مطلق الدخول في الغير حتى المقدمات للجزء المترتب اما مطلقا أو خصوص ما اخذ التقييد به في لسان‏

____________

(1)- نهاية الافكار، القسم الثاني من الجزء الرابع، ص 55.

164

الشارع اي القيود و المقدمات الشرعية على الأقل فالتفصيل الذي ذكره و اختاره بين الدخول في مقدمات الغير فلا تجري فيه القاعدة مطلقا و بين الدخول في القيام الذي هو مقدمة للقراءة الواجبة فضلا عن الافعال الاخرى التي لا تكون جزء من المركب و لو بنحو الاستحباب بالمعنى المعقول له تناقض و تهافت الا اذا رجع الى ما ذكرناه.

و قد يقال- أنه بناء على صحة التعميم للجزء المستحب يلزم جريان القاعدة عند الشك في الجزء الاخير من الصلاة بعد الدخول في التعقيب كما ذهب إليه جملة من الفقهاء، لانه أيضا من الاجزاء المستحبة لمركب الصلاة كالاذان و الاقامة المستحبين قبلها.

الا انّ هذا الكلام يمكن ان يناقش فيه بان التعقيب مستحب نفسي بعد الصلاة حتى عرفا كما يشعر به لفظ التعقيب فصدق التجاوز و المضي بمجرد الدخول فيه لا يخلو من اشكال.

[الجهة الثالثة- هل تجري القاعدة في اجزاء الاجزاء أم تختص بالاجزاء الاصلية؟]

و اما البحث عن الجهة الثالثة- فقد ذهب الميرزا (قدّس سرّه) و تابعه جملة من الاعلام الى اختصاص قاعدة التجاوز بالشك في الاجزاء الاصلية المبوبة للصلاة كالشك في التكبير أو القراءة أو الركوع أو السجود و نحو ذلك، و لا تجري عند الشك في ابعاض كل جزء منها بعد الدخول في جزئه الآخر، اي لا تجري في اجزاء الاجزاء كما اذا شك في آية من القراءة بعد الدخول في غيرها. (1)

و يستفاد من مجموع كلماته وجهان للمنع:

الاول- ما تقدم منه في تفسير روايات التجاوز من انها تنزيل و إلحاق تعبدي لاجزاء الصلاة بالمركب في جريان قاعدة الفراغ فيها اثناء العمل أيضا فكأن كل جزء من الصلاة اعتبر بنفسه مركبا تجري فيه قاعدة الفراغ بعد التجاوز عن محله، فانه بناء على هذا التفسير حيث انّ هذا التنزيل و التعبد امر على خلاف القاعدة

____________

(1)- فوائد الاصول، ج 4، ص 236.

165

فيقتصر فيه على المقدار الثابت فيه التعبد و التنزيل، و هو المقدار المذكور في روايات التجاوز من الشك في الاجزاء الاصلية من الصلاة بعد الدخول في غيرها دون اجزاء الاجزاء.

و هذا الوجه غير تام، اذ حتى لو سلمنا هذا التفسير لروايات التجاوز- و قد تقدمت مناقشته مفصلا- فلا ينبغي الاشكال في استفادة التعميم من روايات التجاوز بلحاظ كل اجزاء الصلاة باعتبار ما ورد في ذيلها من اعطاء الضابط الكلي: (يا زرارة اذا خرجت من شي‏ء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء، و كل شي‏ء شك فيه مما قد جاوزه و دخل في غيره فليمض عليه) و تكون المذكورات في الصدر من قبيل التطبيقات لهذه الكبرى الكلية المبينة في الذيل فلا بأس بالتمسك بإطلاقها لتمام موارد الشك في جزء من اجزاء الصلاة سواء كان اصليا أم جزء للجزء.

و قد يناقش في هذا الجواب، بأنّ ذيل صحيح زرارة مشتمل على حرف التراخي (ثم دخلت في غيره) بل و ذيل معتبرة اسماعيل أيضا ظاهر في سياق التراخي و التباين بين التجاوز و الدخول في الغير حيث جعلهما عنوانين متناوبين، و هذا لا ينسجم الّا بان يراد به الدخول في الجزء الذي يغاير الجزء المشكوك سنخا و يباينه عنوانا فكأنّ هناك تباينا و تراخيا ماهويا بينهما، و لا اقل من الاحتمال الموجب للاجمال فلا تشمل الكبرى الكلية موارد الشك في ابعاض جزء واحد من المركب كالقراءة فانه في مثله لا يكون للتراخي المذكور وجه اصلا.

و فيه: انّ مناسبة استعمال اداة التراخي هي الدلالة على شرطية الدخول في الغير و اهميته في عدم الاعتناء بحيث يكون الاعتناء و الرجوع مستلزما لاعادة ما دخل فيه من جديد بعد إلغائه فعبر بحرف التراخي و نحوه للاشعار بعلّة الحكم و مناطه من خلال التركيز على الغير و ابرازه كأمر اخر غير المشكوك و انّ الاعتناء يلزم منه إلغاؤه ثم اعادته، فالانصاف اطلاق الذيل من هذه الناحية.

الثاني- انّ المغايرة بين الشي‏ء المشكوك و الغير انما يكون بلحاظ كل منهما في‏

166

قبال الاخر- بشرط لا- و الا فلو لوحظ مجموعهما شيئا واحدا في قبال امر ثالث لم تكن بينهما مغايرة، و حينئذ، فاما ان يكون الملحوظ في نظر الجاعل كلّ واحد من الاجزاء المفردة بالتبويب في قبال غيره مما كان منها فتختص القاعدة بالشك في واحد منها عند الدخول في الاخر- كالشك في القراءة عند الدخول في الركوع- و لا تجري في الشك في جزء الجزء عند الدخول في الجزء الاخر من ذلك الجزء كالشك في الآية من الفاتحة عند الدخول في آية اخرى منها، أو يكون الملحوظ كل واحد من اجزاء الاجزاء في قبال غيره فتجري في الفرض الثاني و لا تجري في الفرض الاول إلّا بلحاظ اجزاء الاجزاء، و لا يمكن لحاظ الجامع بينهما بحيث يشمل الشك في الجزء بعد الدخول في غيره و الشك في جزء الجزء بعد الدخول في الجزء الاخر من ذلك الجزء اما للتهافت بين اللحاظين- كما هو ظاهر كلام بعض مقرري بحث الميرزا (قدّس سرّه) (1)- أو للزوم التدافع بين منطوق الدليل و مفهومه فيما اذا شك في آية من الفاتحة مثلا و قد دخل في آية اخرى- كما هو صريح بعض اخر-، اذ بلحاظ نفس الاجزاء كالقراءة يصدق انه شك قبل الدخول في الغير، و مقتضاه الالتفات الى الشك، و بلحاظ اجزاء الاجزاء يصدق الشك بعد الدخول في الغير، و مقتضاه المضي و عدم الالتفات فاذا امتنع لحاظ الجامع و تردد الامر بين الفردين كان اللازم الحكم بالاجمال، الّا انّ قرينة السؤال توجب حمل الكلام على كونه بلحاظ نفس الاجزاء لا اجزائها (2).

و قد اجاب عليه في المستمسك‏ (3) بانّ التدافع المذكور مبني على ان يكون المراد من الشك في الشي‏ء ما يعم الشك في الكل- للشك في جزئه- بان يقال: انّ كل القراءة مشكوكة الوجود أيضا عند الشك في وجود آية منها، لانّ عدم الجزء عين عدم الكل و حيث انه لا يزال في القراءة و لم يتجاوز عنها و ان تجاوز عن الآية

____________

(1)- كتاب الصلاة للشيخ الآملي، ج 3، ص 128.

(2)- مستمسك العروة الوثقى، ج 7، ص 437.

(3)- نفس المصدر، ص 438.

167

المشكوكة فيجب الاعتناء بهذا الشك، الّا انّ هذا غير ظاهر، اذ مجرد كون عدم الجزء عين عدم الكل فيكون الشك فيه عين الشك في الكل لا يصحح دعوى استظهاره من الكلام بل الظاهر من اطلاق الشك في الشي‏ء الشك في وجوده لا ما يعم الشك في تمامه، ففي الفرض المذكور يصدق انه شك بعد الدخول في الغير و لا يصدق عليه انه شك قبله، و لو سلم عدم ظهوره في ذلك فلا اقل من وجوب حمل الكلام عليه دفعا لمحذور التدافع المذكور، و اما قرينة السؤال فغير ظاهرة اذ الحكم في مورد السؤال يوافق كلا من القولين فكيف يصلح قرينة على تعيين احدهما (1).

و هذا الجواب غير تام، اذ يمكن ان يناقش فيه:

أولا- بانه لا يدفع محذور التهافت في اللحاظ اذا اضيف الشك الى الجامع بين الجزء و جزء الجزء و انما يدفع التقريب الثاني فقط، و ظاهر كلام التقريرات دعوى استحالة الجامع المذكور في نفسه بحيث لا بد من لحاظ احد الامرين، و لا اشكال في لحاظ صدر الصحيحة و المعتبرة للشك في اجزاء الصلاة فينتفي احتمال إرادة الشك في جزء الجزء لا محالة، لانّ ارادته بالخصوص خلف ما جاء في الصدر و إرادة الجامع محال.

و ثانيا- اذا فرضنا امكان الجامع في نفسه و انّ المحذور هو التدافع لا التهافت في اللحاظ فما ذكر في رده من انّ الظاهر من اطلاق الشك في الشي‏ء الشك في وجوده لا ما يعم الشك في تمامه لا يرجع الى محصل، فانّ الشك في الجزء يتولد منه شكان، شك في تمامية المركب و صحته أو قل صحة سائر الاجزاء، و شك في وجوده بما هو امر واحد و عدم شمول الشك في الوجود للشك الاول لا يمنع عن شموله للشك في المركب بالاعتبار الثاني، و هذا واضح.

و ثالثا- ما فرض في ذيل كلامه من لزوم حمل الكلام على إرادة الشك في‏

____________

(1)- مستمسك العروة الوثقى، ج 7، ص 438.

168

جزء الجزء دفعا لمحذور التدافع لا نعرف له وجها، فانّ التدافع كما يندفع بذلك يندفع أيضا بإرادة الشك في الجزء دون جزء الجزء، بل صريح الصدر ملاحظة الشك في جزء المركب عند الدخول في غيره فلو فرض الاجمال بين المعنيين و لو من ناحية التدافع تعين إرادة هذا المعنى و نفي غيره.

و رابعا- استند المستمسك الى هذا الاستظهار لا ثبات عموم القاعدة لموارد الدخول في جزء الجزء و موارد الدخول في مقدمات الغير أيضا، و هذا غير تام، فانّ فرض اضافة الشك الى وجود الشي‏ء لا يعني التعميم من ناحية ما هو خارج عن المركب ذاتا، لانّ المفروض إرادة الشك فيما هو مأمور به شرعا لا عقلا فملاك التعميم من ناحية الدخول في مقدمات الغير غير ملاك التعميم في هذه الجهة كما لا يخفى.

و الصحيح عدم تمامية اصل هذا الوجه بكلا تقريبيه.

اما التقريب الاول- فلأنّ الشك تارة يضاف الى وجود شي‏ء ممّا سمي في المركب من العناوين كالتكبير و القراءة و الركوع و السجود و غيرها، و اخرى يضاف الى وجود شي‏ء مما هو متعلق الامر في المركب و من اجزائه سواء كان له اسمان أو اسم واحد كما في ابعاض القراءة، و ثالثة يضاف الى كل حركة و فعل يقع من المكلف خارجا سواء كان مأمورا به شرعا أم لا، و سواء كان بنفس العنوان المسمى في المركب أم بعنوان اخر، و لا بدّ من اضافة الشك الى احد العناوين المذكورة، لانّ عنوان الشي‏ء المبهم المضاف إليه الشك في الحديث لا بدّ و ان يكون مضافا الى احد هذه العناوين على ما تقدمت الاشارة الى ذلك في بعض البحوث المتقدمة.

فلو اختير الثالث لزم الحكم بعموم القاعدة لتمام موارد الدخول في الغير حتى المقدمات بل و لتمام موارد الشك في الوجود حتى وجود ما هو معتبر عقلا، و هذا واضح العدم بالنكات و القرائن المتقدمة في الجهات السابقة.

و لو اختير الثاني لزم العموم لتمام موارد الشك فيما هو مأمور به في المركب‏

169

و قد دخل في غيره مما هو مأمور به فيشمل الشك في اجزاء الاجزاء و لا يلزم التهافت في اللحاظ، فانّ الشك يراد به الشك في الوجود على كل التقادير فاذا اضيف الى عنوان كل شي‏ء مما هو مأمور به شمل الشك في وجود الجزء او جزء الجزء على حد سواء عند الدخول في غيره مما هو مأمور به سواء كان بنفس العنوان كالقراءة عند الشك في آية منها بعد الدخول في آية اخرى منها أو بعنوان اخر كالشك في القراءة عند الدخول في الركوع، و يكون ملاك التغاير التغاير و التعدد في الوجود لا العنوان و هو محفوظ فيهما معا.

و لو اختير الاول اختص بالشك في الاجزاء دون اجزاء الاجزاء، و كان ملاك التغاير هو التغاير في الوجود و العنوان معا.

و لا اشكال انّ مقتضى الاطلاق بل مقتضى سياق التعميم و اعطاء الكبرى الكلية و المناسبة و نكتة الاذكرية المشتركة و العامة إرادة المعنى الثاني الاعم لا الاول، و قد ظهر مما تقدم انّ التغاير اللازم بين المشكوك و الغير يكفي فيه التغاير الوجودي حيث انّ المراد من الشك فيه الشك في وجود المأمور به الضمني و لا يتوقف على ملاحظة الخصوصية العنوانية للمشكوك لكي يلزم التهافت المدعى في كلام الميرزا (قدّس سرّه) فانّ هذا الذي ذكره انما يلزم اذا اضفنا الشك الى وجود العنوان التفصيلي للجزء لا العنوان الاجمالي كعنوان اجزاء المأمور به أو اجزاء المركب و لا قرينة على اضافته الى العناوين التفصيلية ان لم نقل بانّ نفس سياق التعميم و التعبير بالشي‏ء الكلي الواسع و كذلك وحدة النكتة الارتكازية توجب الظهور في إرادة العنوان الاجمالي، أعني عنوان الشك في وجود جزء من المأمور به.

و اما التقريب الثاني- فيردّه أولا- لا موضوع للتدافع بعد ان كان الملاك في التغاير بين الشي‏ء المشكوك و الغير التغاير في الوجود، فانّه يصدق عندئذ التجاوز للشي‏ء المشكوك في وجوده و الدخول في غيره من المأمور به أو من اجزائه و انما يلزم التدافع لو لوحظ في ملاك التغاير كلا الامرين مستقلا أي كفاية التغاير في الوجود و التغاير في العنوان، و هذا بنفسه محال لانه تهافت في حيثية التغاير الملحوظة.

170

و ثانيا- لو فرض كفاية كل من الملاكين للتغاير لم يكن هناك تدافع أيضا، اذ عدم جريان القاعدة بلحاظ الشك في وجود جزء المركب و الدخول في غيره و هو الركوع لا ينفي جريانها بلحاظ الشك في وجود جزء الجزء و هو الآية و الدخول في غيرها، لانّ المفروض كفاية احد التغايرين في صدق التجاوز فتجري القاعدة بلحاظ جزء الجزء، و بذلك تنفى اصالة الاشتغال العقلية بلحاظ الشك في وجود الجزء لانّ لزوم الاعتناء انما يثبت بملاك الاشتغال العقلي و عدم جعل المؤمن الشرعي اذا كان الشك في المحل فاذا فرض استفادة التعميم و كفاية مطلق التغاير سواء كان بالعنوان أو بالوجود فقط ارتفع بذلك موضوع الاشتغال العقلي و كان المراد من لزوم الاعتناء بالشك في المحل ما اذا لم يصدق التجاوز بلحاظ كلا التغايرين و هذا واضح.

و هكذا يتضح: عدم تمامية الوجه الثاني للمنع عن اطلاق روايات التجاوز للشك في اجزاء الاجزاء بكلا بيانيه و تقريبيه، و انّ الصحيح جريان القاعدة في الشك في جزء الجزء بعد تجاوزه و الدخول في جزء اخر من ذلك الجزء كالشك في آية من القراءة بعد الدخول في آية اخرى منها، بل و حتى مثل الشك في كلمة في آية بعد الدخول في كلمة اخرى لصدق التجاوز و المضي عن شي‏ء من المأمور به و الدخول في غيره حتى عرفا، نعم قد يناقش في صدق عنوان (الشك في شي‏ء) على الحروف من كلمة واحدة، فان ظاهر (شي‏ء) ان يكون المشكوك له نحو بروز و شخوص لا مطلق ما هو شي‏ء عقلا و دقة.

[الجهة الرابعة- هل تجري القاعدة في الركعتين الاوليتين من الفريضة أم لا؟]

و اما البحث في الجهة الرابعة- فالصحيح عدم الفرق في جريان قاعدة التجاوز بين الركعتين الاوليتين و الاخيرتين كما هو المشهور خلافا لما نسب الى الشيخ و ابن حمزة و العلّامة و ذلك:

أولا- لوضوح اطلاق روايات القاعدة و عدم وجود ما يقيدها سوى ما ورد من الروايات الدالة على عدم دخول الوهم في الركعتين الاوليتين اللتين فرضهما اللّه الا انّ ظاهرها إرادة الشك في عدد الركعات حين العمل لا مطلق الشك في‏

171

اجزائهما، و بعبارة اخرى مفادها لزوم حفظ الركعتين الاوليتين بكاملهما، و هذا لا ربط له بقاعدة التجاوز اصلا، فلا تخصيص لروايات التجاوز و لا الفراغ بحسب الدقة حتى بالنسبة الى الشك في الركعات هذا مضافا الى أن الشك في عدد الركعات اثناء الصلاة يكون من الشك في المحل بالنسبة الى الركعة اللاحقة لا محالة.

و ثانيا- انّ صحيحة زرارة واردة في الشك في اجزاء الركعة الاولى فتكون كالصريحة في جريان القاعدة في الشك في افعال الركعتين الاوليتين كالاخيرتين كما انها صريحة في جريانها في الشك في الاركان كالركوع و السجود.

[الجهة الخامسة- هل يشترط الدخول في الجزء المترتب المتصل أم يكفي الدخول في الجزء المترتب و لو كان منفصلا عن المشكوك‏]

و اما البحث عن الجهة الخامسة- فقد طرح هذا البحث المحقق العراقي (قدّس سرّه) مدعيا انه قد يعتبر في قاعدة التجاوز ان يكون الغير الذي اعتبر الدخول فيه متصلا بالمشكوك، و ذكر انه تظهر ثمرته فيما لو شك في الجزءين المترتبين كما لو شك المصلّي في الركوع و السجود و هو في التشهد فانه بناء على اعتبار الدخول في الغير المتصل لا يمكن تصحيح العمل من ناحية الركوع المشكوك فيه، اذ لا يحرز الدخول في الغير المتصل به و هو السجود لا وجدانا كما هو واضح و لا تعبدا باجراء القاعدة في السجود لانه لا يثبت عنوان الدخول في السجود:

أولا- لكونه من الاصل المثبت.

و ثانيا- لانّ جريان القاعدة في السجود فرع ترتب اثر شرعي عليه، لانه مما لا بد منه في جريان القاعدة و هو متوقف على جريانها في الركوع، اذ لو لا جريانها فيه لا يترتب اثر شرعي على وجود السجود، اذ لا يترتب اثر شرعي على وجود السجدة لبطلان الصلاة التي لم يحرز الركوع فيها فاذا توقف جريانها في الركوع على جريانها في السجود لزم الدور. (1)

و قد اجاب عليه بوجهين:

____________

(1)- نهاية الافكار، القسم الثاني من الجزء الرابع، ص 56.

172

الاول‏

- انّ الدخول في الغير انما يجب لتحقق التجاوز و المضي و من الواضح صدقه بالدخول في الغير المنفصل أيضا.

الثاني‏

- لو فرضت الخصوصية للدخول في الغير مع ذلك لا وجه لتقييده بالمتصل بل يتمسك بإطلاقه للغير المترتب المنفصل أيضا فانه يصدق فيه انه خرج من شي‏ء و دخل في غيره.

و كلا الوجهين غير تام لأن المكلف لا بدّ و ان يحرز الدخول في الغير المترتب شرعا من ساير الجهات الا من ناحية وقوع الجزء المشكوك الذي تعبّدنا القاعدة بوقوعه و هذا في المقام غير محرز اذ لو لم يأت المكلف بالسجود كان تشهده زائدا و لم يكن الدخول فيه دخولا في جزء مترتب بلحاظ الركوع، فالحاصل المكلف يعلم في المقام بأنه بالتشهد لا يحصل التجاوز عن الركوع اما لتحققه بالسجود او لكونه زيادة فلا يمكن أن يصدق التجاوز عن الركوع بلحاظ دخول المكلف في التشهد كما اذا علم بعد الدخول في التشهد بأنه لم يأت بالسجود فانه يجب عليه الاتيان بالركوع أيضا و ان كان مشكوكا لكون التشهد زيادة بينما على ما ذكره هذا المحقق (قدّس سرّه) يجب الاكتفاء بالدخول في التشهد لصدق التجاوز عن الركوع المشكوك و هو واضح البطلان.

و الصحيح في الجواب ان يقال:

ان عنوان الشي‏ء يصدق على مجموع الجزءين المشكوكين كما يصدق على الجزء الواحد و بلحاظ صدقه على مجموع الجزءين المشكوكين يكون ما دخل فيه متصلا به و التجاوز صادقا فتجري القاعدة فيهما معا بإطلاق واحد لا بإطلاقين كاجرائها عن ركعة كاملة عند الشك فيها بعد العمل لان المجموع واجب أيضا بالوجوب الضمني.

ثم إنّ ما ذكره من إشكال الدور على تقدير اثبات التجاوز عن الركوع باجراء القاعدة في السجود غير تام أيضا اذ يردّه.

أوّلا- النقض بما اذا لم نشترط الدخول في الغير المتصل و شككنا في اكثر من‏

173

جزء فانه سوف يكون جريان القاعدة في كل منهما متوقفا على جريانه في الاخر و هو دور محال.

و ثانيا- الحل، و حاصله انّ جريان القاعدة في كل جزء يتوقف على ترتب الاثر عليه في ظرف الجريان لا بقطع النظر عن الجريان و الّا لم يكن بحاجة الى اجراء القاعدة. و انّ شئتم عبرتم: بانه يتوقف على صدق القضية الشرطية و هي انه لو جرت القاعدة لترتب الاثر، و القضية الشرطية صادقة على كل تقدير فانه في ظرف الجريان و على تقديره تجري قاعدة التجاوز في الجزء الاخر أيضا و يترتب الاثر، و هذا هو حل مشكلة الدور لا عدم تحقق الدائرين في الخارج فانّ استحالة الدور تكمن في نفس التوقفين فلا بدّ من ابطال احدهما، و هذا هو المنهج الصحيح في ابطال اشكال الدور لا ما دأب عليه المحققون من تصور كفاية عدم تحقق الموقوف أو الموقوف عليه خارجا في ابطال الدور كما نبهنا على ذلك مرارا في بحوثنا الاصولية.

174

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

175

الامر الرابع تطبيق القاعدة في باب الشروط

176

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

177

تطبيق القاعدة في باب الشروط الامر الرابع- في كيفية تطبيق قاعدة التجاوز في باب الشك في الشروط- و نقصد بها قيود المأمور به- و امّا ما يكون دخيلا في تحقق العنوان المأمور عقلا و الذي سماه المحقق العراقي (قدّس سرّه) بالشرط العقلي فالشك فيه راجع الى الشك في تحقق ذلك العنوان المأمور به بحسب الحقيقة و سوف يأتي الحديث عنه.

و لا ينبغي الاشكال في جريان قاعدة التجاوز كالفراغ عند الشك في شرط العمل بعد الفراغ عنه سواء قلنا بتعدد القاعدتين أو وحدتهما لما تقدم من صدق التجاوز و المضي للشرط المشكوك في وجوده بالفراغ عن المشروط من دون حاجة الى الدخول في الغير لانه غير لازم الا في تحقق التجاوز بلحاظ الاجزاء داخل المركب.

و قد افاد جملة من الاعلام تفصيلا في المقام كما يلي:

1- ان يكون الشرط مما اعتبر تحققه قبل العمل و كان محله بحسب الجعل الشرعي مقدما على العمل، و في مثل ذلك يكون حال الشك في هذا الشرط كالشك في الجزء بعد الدخول في غيره لصدق تجاوز المحل بلحاظه فتجري قاعدة التجاوز فيه.

178

2- أن يكون الشرط مما اعتبر تقارنه بالعمل كالاستقبال و الطهور في الصلاة، و هنا تارة يكون حين الشك في الاثناء محرزا للشرط بالنسبة لما بيده من الاجزاء أو الكون الصلاتي و اخرى لا يكون محرزا له، ففي الاول يحكم بصحة ما تقدم من الاجزاء بل الاكوان الصلاتية بقاعدة الفراغ لا التجاوز و المفروض انه بالنسبة لما في يده أو يكون فيه من الاكوان يحرز الشرط، و في الثاني اذا فرض الشك قبل الدخول في الجزء اللاحق و بعد الفراغ من الجزء السابق و كان الشرط المشكوك فيه شرطا لا جزاء العمل لا أكوانه كالنية- بمعنى قصد القربة- أو الاستقرار مثلا في الصلاة فأيضا تجري قاعدة الفراغ بالنسبة لما تقدم من الاجزاء التي فرغ عنها و يحكم بصحتها و يأتي بالاجزاء الباقية مع النية أو الاستقرار، و ان كان الشك حين الاشتغال بالجزء أو كان الشرط شرطا لمجموع العمل حتى أكوانه كما في الطهور و الاستقبال يبطل العمل لعدم امكان احراز الشرط بالنسبة للحال الذي هو فيه لا بقاعدة التجاوز و لا الفراغ، لانه لم يفرغ عنه بعد فيجب الاعتناء و الاعادة (1).

و لنا على هذا الكلام عدة تعليقات:

الاولى- ان ما ذكر في القسم الاول من الشروط من صدق التجاوز عن محل الشرط المشكوك بحاجة الى تمحيص، اذ لو اريد به ما هو محل للشرط فالمفروض انّ الشرط ليس مأمورا به شرعا بل عقلا، و اما المأمور به الشرعي فهو تقيد المشروط بالامر المتقدم، فانّ التقيد جزء و القيد خارج و القاعدة لا تحرز القيد بل التقيد و الّا ثبت الطهور للصلوات القادمة أيضا في موارد الشك بعد الفراغ عن الصلاة في ايقاعها مع طهور، فانه كان يجاب على هذه الشبهة عادة بالالتفات الى انّ الامر بالتقيد و أما القيد فهو خارج، فالقاعدة تثبت التقيد المأمور به لا القيد كما هو واضح.

____________

(1)- راجع مصباح الاصول، ج 3، ص 312- 314.

179

و ان اريد به محل التقيد المأمور به ضمنا فهو مقارن مع كل اجزاء العمل حيث انّ الواجب هو العمل المقيد بسبق الشرط و يكون حال هذا التقييد حال كل تقييد اخر يؤخذ في الواجب، و بعبارة اخرى متعلق الامر في باب الشروط انما هو الحصة الخاصة من الواجب فيكون متعلق الامر الضمني وصف الواجب و تقيّده سواء كان القيد متقدما أم لا، و لا امر بالقيد و عندئذ يكون الشك بلحاظ الاجزاء التي لم يأت بها بعد بل و بلحاظ المركب الذي لم يفرغ عنه بعد من حيث ثبوت وصف المسبوقية بذلك القيد و عدمه شكا في المحل فلا بدّ من الاعتناء به.

و دعوى: انّ محل تحصيل هذا التقيد و امتثاله عند ما يكون متقدما و قبل العمل فالعرف يري صدق التجاوز و المضي بلحاظه، و لهذا لو كان الشرط لاحقا للمشروط كما اذا امر بالصلاة الملحوقة بالتعقيب و شك بعد الفراغ عن الصلاة في انه هل عقب أم لا؟ وجب الاعتناء و الاتيان به لعدم صدق التجاوز للمشكوك و لا الفراغ عن العمل الا اذا فعل المنافي.

مدفوعة: أولا- بانّ عدم صدق التجاوز في مورد النقض باعتبار بقاء محل ايجاد التقيد المذكور في العمل المتقدم لا باعتبار تأخر نفس القيد المتاخر، و هذا واضح.

و ثانيا- انّ هذه الدعوى لو سلمت فهي تقتضي التعدي الى تمام الشروط التي يكون محل تحصيلها و امتثالها متقدما على العمل حتى مثل الطهور، فالتفصيل بينها لا وجه له.

لا يقال- هذا الاشكال انما يرد لو كان الميزان ملاحظة عالم الامر بان يكون المراد من الشك في شي‏ء و قد دخل في غيره متعلق الامر و ما هو مأمور به، و اما اذا كان الملحوظ المركب الشرعي فالقيد المأخوذ في المركب الشرعي شي‏ء من العمل الواجب أيضا فيصدق التجاوز بلحاظه و تكون القاعدة محرزة للقيد و لكن لا مطلقا بل بمقدار تصحيح العمل من ناحية الامر الذي فرغ عن أصله و مضى محل المشكوك منه لا بلحاظ الاوامر القادمة، و بهذا نجمع بين احراز القيد بالقاعدة و لزوم الاتيان به بلحاظ المركبات القادمة اذا كان الشك في اصل تحقق القيد

180

و عدمه.

فانه يقال: القيد كما يكون خارجا عن الامر يكون خارجا عن المركب الشرعي أيضا، كيف! و بعض قيود المركب قد تكون غير اختيارية اصلا كالوقت و القبلة فلا معنى لافتراض انه من المركب الشرعي، و لا اشكال في انّ المراد بالشي‏ء المشكوك الموضوع لقاعدة التجاوز ما يكون من المركب أي جزء منه لو لم تستظهر إرادة ما يكون جزء المأمور به باعتبار انه المهم في نظر المكلف.

و هكذا يتضح: انه لا يمكن اجراء قاعدة التجاوز عن القيد المشكوك فيه و لو كان محله قبل المركب، لانّ ما هو قبله واجب عقلي و ما هو مأمور به شرعا مقارن معه دائما، نعم اذا كان حين الشك محرزا للقيد بلحاظ الكون الصلاتي الذي هو فيه أو أحرز التقيد بلحاظ الاجزاء القادمة امكنه إجراء قاعدة الفراغ و التجاوز معا بلحاظ ما تقدم اذا كان الشرط راجعا الى الاجزاء كما سنشير، فليس هذا الذي ذكرناه يقتضي المنع عن جريان قاعدة التجاوز في الشروط مطلقا كما قد يتصور.

و قد يقال: اذا كان القيد خارجا عن الامر و عن المركب فلا معنى لا جراء قاعدة التجاوز عنه لما تقدم و لا عن التقيد به لان التقيد جزء تحليلي ذهني و ليس جزء خارجيا ليشمله اطلاق الشك في شي‏ء بعد التجاوز و الدخول في غيره، و بذلك يصح ما ذهب إليه بعض من عدم جريان قاعدة التجاوز في باب الشروط و اختصاصها بالاجزاء.

الا انّ هذا الكلام غير تام، فانه مضافا الى صدق عنوان الشي‏ء على التقيد و الوصف المشكوك فيه انّ سياق التعميم و نكتة الاذكرية و المناسبة المركوزة عرفا لهذه القاعدة خصوصا بناء على وحدة المجعول في روايات التجاوز و الفراغ كل ذلك يوجب استفادة التعميم منها لما اذا كان الشك في التقيد بعد الفراغ عن ذات المقيد.

الثانية- انّ ما ذكر من عدم جريان قاعدة التجاوز في حق شرط الاجزاء

181

السابقة بعد الفراغ عنها غير تام و كأنه مبني على ما قيل من تقوّم عنوان التجاوز بالدخول في الغير و تجاوز محل المشكوك، و قد عرفت انّ التجاوز مسند الى نفس المشكوك فيكفي في صدقه مضي المشروط في موارد الشك في شرطه.

الثالثة- انّ ما ذكر من انه اذا كان الشرط شرطا في اجزاء العمل فقط و قد حصل الشك اثناء الاشتغال بجزء من الاجزاء و لم يكن الشرط محرزا فيه وجب الاعتناء به على اطلاقه غير تام أيضا، لانه اذا امكن احراز الشرط فيه كاحرازه للاجزاء القادمة من دون لزوم محذور الزيادة جرت القاعدة بلحاظ ما تقدم من الاجزاء أيضا، و لعل هذا هو المقصود أيضا و ان كانت العبارة قاصرة.

و التحقيق ان يقال: انّ الشرط تارة يكون راجعا للمركب بما هو امر واحد فتكون هنا لك شرطية واحدة طرفها المركب بما هو امر واحد، و اخرى يكون راجعا الى اجزاء المركب فتكون هناك شرطيات عديدة بعدد الاجزاء لذلك المركب، ففي الاول لا يمكن اجراء القاعدة اذا شك في الشرط اثناء العمل لعدم صدق التجاوز عن القيد أو التقيد قبل الفراغ عن ذات المقيد سواء كان الشرط محرزا بلحاظ ما بيده من الافعال أو الاكوان أم لم يكن محرزا، لان المفروض انّ طرف الشرطية و التقييد شي‏ء واحد هو المركب بما هو هو و لم يفرغ منه بعد، اللهم الا اذا قبلنا العناية العرفية المشار إليها في المقام بان يكون مجرد الشروع في المركب تجاوزا عرفا لمحل الشرط و التقيد المأمور به، و بهذا نقترب من كلام صاحب المدارك (قدّس سرّه) من انّ الشك في الشروط بعد الدخول في المشروط حكمه حكم الشك في الاجزاء، و في الثاني لا بد من ملاحظة القاعدة بلحاظ كل جزء أو كون صلاتي بخصوصه، لانّ المفروض تعدد الشرطيات بتعددها فكل فعل أو كون مضى يكون التجاوز بلحاظ قيده المشكوك فيه صادقا و كل ما لم يمض بعد لا بد من احراز الشرط فيه.

ثم انه ورد في كلمات الشيخ و الميرزا (قدهما) انه مع الشك في تحقق الشرط اذا كان شرطا لجزء الصلاة لا للصلاة تجري قاعدة التجاوز في الجزء بعد تجاوز محله و الدخول في غيره اذ يشك في تحقق الجزء الصحيح الذي هو المأمور به فتعبدنا

182

قاعدة التجاوز بوجوده.

و هذا الكلام غير تام، لانّ موضوع قاعدة التجاوز بحسب الفرض هو الشك في وجود القيد المشكوك في وجوده بعد تجاوز محله، و هذا يعني اضافة الشك الى كل قيد من قيود المركب الذي يشك في وجوده و عدمه، و المفروض انّ ذات الجزء المذكور لا شك في وجوده ليكون موضوعا للقاعدة و انما موضوع القاعدة نفس الشرط المشكوك فيه أعني التقيد فلا بد من اجرائه فيه نعم قد يصح هذا الكلام في الشرط العقلي لتحقق الجزء لانه من الشك في وجود الجزء بحسب الحقيقة كما اشرنا.

و قد يقال: بناء على استظهار اختصاص القاعدة بالشك في الاجزاء لا الشروط يتم ما ذكراه حيث يكون الجزء عندئذ هو المشروط لا ذات الجزء و هو مشكوك في وجوده فكأنهما يريدان جوابا تنزليا حتى على تقدير القول باختصاص جريان القاعدة بالشك في الاجزاء لا الشروط.

الا انه أيضا غير تام، و ذلك:

أولا- انّ المستظهر من روايات التجاوز التعبد بوجود ما يشك في وجود ذاته من الاجزاء بعد تجاوز محله لا ما يحرز ذاته و وقوعه و يشك في شرط صحته و الذي يلزم على تقدير كون الشك في المحل و عدم الدخول في الجزء الذي يليه من الاعتناء به الزيادة المخلّة فانّ مثل هذا غير مشمول لاطلاق ادلة التجاوز و ان فرض كون الجزء المشروط بما هو مشروط مشكوك الوجود.

و ثانيا- لزوم التهافت عندئذ بين ادلة التجاوز و الفراغ، اذ مقتضى مفهوم الحصر في ادلة التجاوز لزوم الاعتناء بالشك في تحقق الجزء المشروط قبل الدخول في غيره حتى لو كان اصله محرزا بينما مقتضى اطلاق ادلة الفراغ بناء على ما هو الصحيح من شمولها للجزء المركب بعد الفراغ عنه عدم الاعتناء بهذا الشك، لانه كما يشك في وجود الجزء المشروط بما هو مشروط كذلك يشك في صحة ذات الجزء المتحقق خارجا بعد الفراغ عنه و قد تقدم انّ عنوان الفراغ غير متوقف‏

183

على الدخول في الغير، نعم بناء على ما تقدم من عدم المفهوم لروايات التجاوز و عدم اثباتها للاحتياط الشرعي في الشك في المحل و انما يثبت ذلك بمقتضى حكم العقل و عدم دلالتها على عدم جعل التأمين في موارد الشك في المحل و تعدد القاعدتين، اقول لو قبلنا كل هذه الامور لم يقع تهافت في البين الا انّ بعضها غير تام- على الأقل- على ضوء ما تقدم من البحوث فتأمل جيدا.

ثم انه لا فرق في جريان قاعدة التجاوز في باب الشروط بين الشروط الوجودية و العدمية، فلو كان عدم الحركة مثلا شرطا لا الاستقرار أيضا جرت القاعدة عند الشك فيه بالنسبة للاجزاء السابقة لاطلاق عنوان الشي‏ء و شموله له أيضا، اذ ليس المقصود بالشي‏ء الوجود الخارجي بل ما يكون مأخوذا في المركب شرعا و هو يشمل الامور العدمية أيضا خصوصا مع عموم التعليل و النكتة و عدم احتمال الفرق لا عرفا و لا فقهيا بين قيد و قيد و هذا واضح.

184

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

185

الامر الخامس تطبيق القاعدة في الموالاة

186

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

187

تطبيق القاعدة في الموالاة الامر الخامس- اختلف في جريان قاعدة التجاوز في باب الموالاة بالخصوص، و هذا و ان كان من تطبيقات بحث جريان القاعدة في الشك في الشروط الا انه لأهميته كان المناسب عقد امر مستقل له، و البحث فيه نورده ضمن جهتين:

الجهة الاولى- في الموالاة المعتبرة شرعا

كالموالاة بين افعال الصلاة.

و الاشكال في جريان القاعدة فيها تارة يكون من ناحية عدم اطلاق الشي‏ء عليها، و هذا جوابه اتضح مما تقدم فانّ الشي‏ء كما ذكرنا لا يراد به الشي‏ء بحسب الوجود الفلسفي الخارجي لكي يستظهر اختصاصه بالموجود المستقل في الخارج مثلا و انما يراد به ما يكون معتبرا في المركب الشرعي و هو يشمل حتى الاعدام المعتبرة في المركب فضلا عن الموالاة المعتبرة فيه، و اخرى من ناحية عدم صدق التجاوز عن المحل في حقه، أمّا قبل الدخول في الجزء اللاحق فواضح، و أمّا بعد الدخول فيه فلما تقدم من أن الشرط لا يكون مأمورا به و إنما المأمور به تقيّد المشروط به أي الحصة الخاصة من المشروط، و المفروض انه لم يتجاوزه بعد بالنسبة للجزء الذي هو فيه و ان كان قد تجاوزه بالنسبة الى الجزء الذي فرغ منه، و منه يعرف الاشكال فيما يذكر من تحقق التجاوز عن المحل بمجرد الدخول في الجزء اللاحق.

188

و قد يقال- بانّ الموالاة تكون وصفا قائما بأول وجود الجزء اللاحق لا بكل وجوده اي بحدوثه ففي ان الشك اما يكون قد حدث الجزء اللاحق و شرع فيه أولا، فاذا كان قد شرع فقد مضى محل الموالاة بين الجزءين و تجاوزه المكلف و الّا فهو بعد في المحل، و من هنا يصح ما فصّله بعض الاعلام من الحكم بجريان القاعدة في صورة الدخول في الجزء اللاحق بخلاف ما اذا شك قبل الدخول في الجزء اللاحق لا على اساس ما ذكره من انّ محل الموالاة المعتبرة شرعا قبل الجزء اللاحق فانّ هذا غير معقول في باب الشروط بالدقة- كما تقدم- بل على اساس صدق التجاوز بتحقق المشروط أيضا و المشروط في المقام حدوث الجزء اللاحق لا تمام وجوده، و قد حكم في الصورة الثانية أيضا بالصحة على اساس استصحاب عدم الفصل الطويل الذي هو من استصحاب عدم المانع لا على اساس قاعدة التجاوز.

و التحقيق: ان الشك تارة يكون في وقوع الفصل الطويل منه بين الاجزاء السابقة و ما بيده من الاجزاء اللاحقة فتجري فيه قاعدة التجاوز لصدق التجاوز بلحاظ قيد الموالاة في الاجزاء السابقة و الجزء الذي شرع فيه، بل و تجري قاعدة الفراغ أيضا بناء على التعدد لصدق موضوعهما معا، كما انّ النكتة الارتكازية للقاعدة و هي احتمال الاذكرية المانعة عن ايجاد المانع المعتبر عدمه في المركب في موقعه محفوظة في المقام.

و اخرى يكون الشك في مانعية المقدار المعلوم من الفصل الواقع بين الاجزاء السابقة و الجزء الذي دخل فيه و هنا لا تجري القاعدة حتى اذا كان الشك بعد الدخول في الجزء اللاحق لا لعدم صدق التجاوز و المضي بل لما تقدم من انه كلما كان منشأ الشك نسبته الى المكلف في محل العمل و ما بعده على حد واحد فلا تجري القاعدة لعدم احتمال الاذكرية النافية للخلل المحتمل و المقام من هذا الباب.

كما انّ استصحاب عدم تحقق الفصل الطويل لا يجدي في المقام لاثبات عدم‏

189

مانعية الفصل المعلوم تحققه بل لا بد من اجراء استصحاب عدم كونه طويلا و لو بنحو العدم الازلي فيكون من استصحاب عدم مانعية الموجود لا عدم وجود المانع.

هذا بناء على انّ الفصل الطويل مانع و اما اذا كانت الموالاة التي هي وصف للافعال شرطا في اجزاء المركب فلا يمكن اثباته باستصحاب عدم المانع على كل تقدير كما لا يخفى.

الجهة الثانية- في الموالاة المعتبرة عقلا

كالموالاة بين اجزاء الكلمة الواحدة أو الكلام الواحد، و هذا المعنى للموالاة يكون دخيلا في وجود الجزء كالقراءة مثلا فيكون الشك فيه شكا في تحقق الجزء بحسب الحقيقية فلا معنى لا جراء القاعدة في الموالاة بهذا المعنى و انما ينبغي اجراؤها في الجزء المشكوك في تحققه اذا كان بعد تجاوز محله فلو شك في اثناء القراءة بانه هل فصل بين حروف الكلمة الواحدة أو مفردات الآية الواحدة بمقدار يخل بصدق القراءة و عدمه وجب الاعتناء بالشك سواء دخل في الكلمة الاخرى أم لم يدخل و لا موضوع هنا لا لقاعدة التجاوز و لا الفراغ، اما الاولى فلأنّه اذا اريد اجراؤها في الموالاة فالمفروض انه شرط عقلي لا شرعي أي محصل للمأمور به لا نفس المامور به، و لو اريد اجراؤها في القراءة فالشك في محلها لا بعد مضيها، و أما الثانية فلانّ الشك في اصل وجود القراءة و الآية لا في صحتها بعد احراز وقوعها، نعم لو كانت الموالاة المعتبرة محققة لصفة في القراءة المأمور بها شرعا لا لصدق اصل القراءة عليها بان كانت صادقة على كل حال و لكن يشك في كونها مثلا فصيحة أو غير ذلك من القيود جرت القاعدة فيه و ان كان شرطا عقليا على ما سوف يأتي توضيحه و بيان وجهه.

190

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

191

الامر السادس تطبيق القاعدة عند الشك في عنوان العمل‏

192

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

193

تطبيق القاعدة عند الشك في عنوان العمل‏ الامر السادس- اختلف أيضا في جريان القاعدة في موارد الشك في النية لا بمعنى قصد القربة المعتبر شرعا فانه يرجع الى البحث عن الشروط، بل بمعنى قصد العمل الذي يتوقف عليه تحقق عنوانه و صدقه خارجا كقصد الظهرية و العصرية و قصد الصوم و الغسل و الوضوء و نحوها من الافعال التي يتوقف صدقها و تحققها في الخارج على القصد و النية للعنوان و لا يكفي مجرد الفعل الخارجي من دون قصد العنوان لتحققها، فاذا شك في اثناء العمل انه جاء بالاجزاء السابقة مع قصد عنوان المأمور به أو لا، فالمشهور عدم جريان القاعدة فيها لعدم احراز عنوان العمل، و هذا له امثلة عديدة، منها ما اذا شك أ في اثناء وضوئه و غسل يديه مثلا في انه جاء بغسل الوجه بقصد الوضوء أو التبريد مثلا، و منها ما اذا شك في اثناء الصلاة انه جاء بالاجزاء السابقة بعنوان تلك الصلاة المأمور بها أم لا، و من هنا ذكر السيد (قدّس سرّه) في العروة في المسألة الاولى من فروع العلم الاجمالي (اذا شك في انّ ما بيده ظهر أو عصر، فان كان قد صلّى الظهر بطل ما بيده، و ان كان لم يصلها أو شك في انه صلاها أو لا عدل به إليها) (1).

____________

(1)- العروة الوثقى ج 2، ص 58.

194

و قد ذكر في وجه البطلان في الصورة الاولى (انّ ما بيده لا يصح ظهرا لانه قد صلاها بحسب الفرض، و لا عصرا لعدم احراز نيتها و لا مجال لاحرازها بقاعدة التجاوز لانّ صدق التجاوز يتوقف على احراز العنوان و هو موقوف على النية فلا يمكن اثباتها به كما لا مجال للعدول بها الى العصر رجاء لعدم الدليل عليه، اذ الثابت العدول من العصر الى الظهر لا العكس، و الاصل عدم مشروعيته) (1).

و هذا التعليل لعدم جريان القاعدة بهذه الصياغة يمكن المناقشة فيه بانه لا وجه لدعوى تقيد روايات التجاوز بما اذا احرز اصل العنوان، بل يمكن التمسك بها لاثباته اذا كان الشك فيه و كان موقعه متقدما، بل قد يدعى ورود صحيحة زرارة في ذلك حيث ورد فيها الشك في التكبير الذي به افتتاح الصلاة و تحقق عنوانها.

و من هنا يوجد بيان اخر لعلّه هو المقصود من البيان المتقدم و حاصله: انّ القاعدة لو اريد اجراؤها في قصد العنوان فهو ليس مأمورا به شرعا بل هو واجب عقلا مقدمة لتحقيق العنوان المأمور به، و ان اريد اجراؤها في الاجزاء السابقة كعنوان الركعة الاولى من صلاة العصر حيث يكون الشك في شرطها العقلي مستلزما للشك في وجودها و عدمها، فاجراء القاعدة فيها مشروط بتحقق جزء اخر من المركب و الدخول فيه، و المفروض الشك في تحقق شي‏ء من صلاة العصر، نعم لو احرز اتيانه بما في يده كالسجود الذي هو فيه بعنوان صلاة العصر و انما يشك في قصده للعنوان المذكور في الافعال السابقة عليه جرت قاعدة التجاوز لا حراز العنوان في الاجزاء السابقة على الجزء الذي دخل فيه من المأمور به.

و لازم هذا البيان بطلان الصلاة لو شك بعد الفراغ منها في ايقاعها بقصد الظهر أو العصر أيضا- مع فرض العلم بالاتيان بالظهر- و عدم امكان تصحيحها لا بقاعدة التجاوز و لا الفراغ للشك في وجود اصل المأمور به من دون تحقق شي‏ء

____________

(1)- مستمسك العروة الوثقى، ج 7، ص 596.

195

من اجزائه في الخارج حتى ذواتها و بقطع النظر عن شروطها، لانّ المفروض كون القصد شرطا عقليا محققا لعنوان العصر فلا يصدق التجاوز و لا الفراغ عما هو متعلق الامر، فلا وجه لتقييد هذا الفرع بما اذا كان الشك في الاثناء.

و هذا البيان غير تام أيضا، لانّ الامر بصلاة العصر و نحوه يرجع الى الامر بذات الصلاة من الركعات و السجدات و تقيدها بكونها عصرا، و ذات الركعة محرزة التحقق خارجا و انما الشك في تحقق التقيد الذي هو الواجب الضمني الآخر، و المفروض صدق التجاوز و الفراغ بالنسبة إليه بمضي ذات المقيد.

لا يقال- على هذا تجري القاعدة في تمام موارد الشك في الشروط المعتبرة عقلا المحققة للعنوان المأمور به، اذ يرجع الامر به بالتحليل الى الامر بذات عمل و حركة و كونها كلاما أو قراءة مثلا.

فانه يقال- ظاهر روايات التجاوز و الفراغ لزوم احراز اصل الصلاة و الطهور- أو أي عنوان من العناوين المتعلق بها الامر- و هذا بحسب الحقيقة يرجع الى دعوى عرفية حاصلها: انّ القيد و الشرط المشكوك فيه اذا كان وجوده أو عدمه بحسب الفهم العرفي لا يغير العنوان الاصلي المأمور به و هو أصل الصلاة و الطهور في باب الصلاة و انما يغير الوصف الخاص المأمور به كوصف العصرية و الظهرية و ان كان بحسب الوجود الخارجي ليس من الاقل و الاكثر في الوجود بل في العنوان كما في موارد الدوران بين التعيين و التخيير جرت القاعدة فيه، و اما اذا كان وجود الشرط العقلي المشكوك فيه و عدمه يغير العنوان الاصلي المأمور به فلا يكون على تقدير انتفاء الشرط صلاة أو قراءة أو وضوء أو غسلا بل يكون عملا اخر مباينا ذاتا و ماهية مع الصلاة و الطهور لم تجر القاعدة فيه لظهور ادلتها في لزوم احراز تحقيق شي‏ء من المركب و لو ذاتها و عنوانها الاصلي و لا يلزم احراز خصوصياتها الاخرى كالعصرية و الظهرية فانها كالقيود الاخرى المعتبرة في المركب لاطلاق الادلة و عدم تقيدها باكثر من احراز اصل الصلاتية أو الطهورية و الشك في ايقاعها من ناحية الغافلة على غير الوجه المأمور به، نعم لا بد من احراز انه كان بصدد اداء

196

أصل الوظيفة التي يشك في الاتيان بها و لو قبل العمل، و هذا لا يلازم احراز قصد عنوان العصرية حين الدخول في العمل كما لا يخفى.

و منه يظهر: اندفاع وجه اخر لعدم جريان قاعدة التجاوز في المقام، و هو دعوى عدم احراز الدخول في الغير المترتب شرعا المعتبر لصدق التجاوز، لانّ أي جزء جاء به يشك في انه جاء به بعنوان العصر أو الظهر و انما يحرز ذلك اذا علم بان الجزء الذي بيده قد جاء به بعنوان العصر، فانه يلاحظ عليه:

أولا- ما تقدم من صدق التجاوز و المضي في موارد الشك في وصف الجزء السابق حتى اذا لم يدخل في الجزء المترتب و مقامنا منه بناء على الميزان المتقدم.

و ثانيا- امكان اجراء قاعدة الفراغ في الاجزاء السابقة و الاتيان بالاجزاء اللاحقة مع قصد العصرية بناء على ما هو الصحيح من عموم الفراغ للاجزاء و عدم توقفه على الدخول في الغير بل على وقوع ذات العمل المأمور به الذي يشك في قيد صحته.

و هكذا يتضح: جريان قاعدة التجاوز و الفراغ معا في الفرع المتقدم عن السيد (قدّس سرّه) في العروة سواء كان الشك في اثناء العمل أو بعد الفراغ منه، غاية الامر فيما اذا كان الشك في الاثناء يجب قصد عنوان العصر في الاجزاء اللاحقة من العمل و اما السابقة فيحرز عصريتها المأمور بها بقاعدة التجاوز و الفراغ لتحقق كلا العنوانين بلحاظ ما يعتبر فيها بالميزان المتقدم.

ثم انّ المحقق العراقي (قدّس سرّه) حكم في هذا الفرع في رسالته في فروع العلم الاجمالي بوجوب استيناف العصر و عدم امكان تصحيح ما بيده كصلاة عصر، لانّ قاعدة التجاوز غاية ما تحرزه انما هو تحقق قصد العصر اللازم في الاجزاء السابقة، الا انّ هذا لا يقتضي احراز نشوء تلك الافعال عن القصد المذكور الّا بنحو الاصل المثبت. (1)

____________

(1)- روائع الأمالي في فروع العلم الاجمالي، ص 7.

197

و فيه: أولا- انّ عنوان النشوء ليس معتبرا لكي يجب احرازه بالقاعدة، و كأنّ الذي حمله على اعتباره ما ذكره في صدر كلامه من انّ اشتراط قصد العنوان ليس بمعنى كون القصد المزبور بضميمة العمل الخارجي من محققات العنوان نظير التعظيم و التوهين كي يلزمه كون المأمور به من العناوين البسيطة فيشكل حينئذ جريان البراءة في دخل شي‏ء في محققاتها، بل بمعنى كون القصد المزبور من شرائطها و اجزائها فمع الشك في نشوء الفعل عن مثل هذا القصد لا يبقى مجال للحكم بصحته‏ (1).

و هذا بحسب الحقيقة خلط بين كون عنوان العمل متقوما بالقصد و كونه مسببا و متحصّلا بالقصد بحيث يكون الشك في دخل شي‏ء فيه من الشك في المحصل الذي لا تجري فيه البراءة، فانه لا ملازمة بينهما بوجه اصلا، بل ذلك العنوان المتقوم بالقصد ينطبق على نفس العمل الخارجي لا انه مسبب عنه و من هنا تكون موارد الشك مجرى للبراءة، و لو فرض عدم كفاية ذلك فاخذ عنوان النشوء أيضا يكون عنوانا بسيطا مستحصلا من مجموع الامرين فلا محيص عندئذ الّا عن الالتزام بكون القصد المذكور معتبرا شرعا بلا حاجة الى احراز أمر اخر غيره و غير ذات الاجزاء السابقة.

و ثانيا- ما تقدم من جريان القاعدة في نفس عنوان النشوء أو أي عنوان اخر يؤخذ تقيد الاجزاء السابقة بها اذا كانت غير مقومة لعنوان الصلاة، نعم لا معنى لاجراء القاعدة في نفس القصد لاحراز عنوان النشوء أو نحوه كما ورد في كلمات بعض الاعلام‏ (2) منظّرا ذلك بموارد الشك في قصد القربة، لانّ المفروض انّ القصد المذكور لازم عقلا لتحقيق ذلك العنوان المأمور به و ليس معتبرا شرعا كقصد القربة، فتأمل جيدا.

____________

(1)- نفس المصدر السابق.

(2)- الدرر الغوالي، ص 4.

198

ثمّ علّق على كلامه المتقدم بأنّ عدم جريان القاعدة لتصحيح ما بيده لا يكفي لبطلان ما بيده و استئناف الصلاة، بل يجب عليه اتمام ما بيده رجاء ثم استيناف الصلاة أو الاتيان بالاجزاء السابقة بنية العصر و اتمامها عصرا بناء على جواز اقحام الصلاة في الصلاة، و ذلك للعلم اجمالا بحرمة قطع الصلاة التي بيده أو وجوب اعادتها عصرا، و هو علم اجمالي منجّز لكلا طرفيه بناء على مسلكه من علّية العلم الاجمالي للتنجيز فلا يجري الاصل المؤمن حتى في احد طرفيه كما في المقام فلا يصح الرجوع الى اصالة البراءة عن حرمة القطع أو استصحاب عدم كونها عصرا و لو بنحو العدم الازلي.

و لا يقال- بانحلال هذا العلم الاجمالي بجريان اصالة الاشتغال في طرفه الاخر لكونه من الشك في امتثال التكليف الذي هو مجرى اصالة الاشتغال في نفسه و بجريانه يخرج العلم الاجمالي عن امكان تنجيز طرفه الاخر أيضا، بناء على مسالكه في منجزية العلم الاجمالي لأن العلم الاجمالي لا بد و ان ينجز كلا طرفيه معا، فاذا جرى في احدهما اصل منجز سقط عن تنجيز الاخر أيضا لانّ المنجز لا يتنجز.

فانه يقال- انّ اصالة الاشتغال تجري في ظرف الشك في الاشتغال و عدمه و هو ظرف عدم قطع ما بيده من الصلاة و الّا يكون بقاء الامر بالعصر معلوما لا مشكوكا، كما انّ اصالة البراءة عن حرمة القطع لا تجري بعد عدم القطع و اتمام ما بيده الذي هو ظرف الاشتغال لعدم معقولية القطع عندئذ و ارتفاع موضوع الحرمة، و هذا يعني انه في ظرف حل منجزية العلم الاجمالي باجراء الاصل المنجز في احد طرفيه لا معنى للبراءة، و في ظرف لها معنى لم تجر قاعدة الاشتغال في الطرف الآخر كي ينحل العلم الاجمالي، فلا محيص من الاحتياط. (1)

و هذا الكلام غير تام حتى اذا قبلنا مبناه الفقهي من حرمة القطع لكل صلاة

____________

(1)- روائع الأمالي في فروع العلم الاجمالي، ص 8.

199

صحيحة واقعا و مبناه الاصولي من مسلك العلّية في منجزية العلم الاجمالي، و الوجه في عدم تماميته انّ المكلف حين العمل يعلم اما بوجوب اتمام ما بيده و حرمة قطعه او يجب عليه اعادة ما سبق من اجزاء العمل بعنوان العصر و هذا العلم الاجمالي يجري في طرفه الثاني اصالة الاشتغال الآن فيكون منجزا عليه فعلا سواء قطع ما بيده أم استمر فيه فجريان اصالة الاشتغال الذي يعني تنجز وجوب استيناف العصر عليه فعلي من الآن و ان كان لو قطع ما بيده حصل له العلم التفصيلي بوجوب الاعادة فتنجز الطرف الثاني للعلم الاجمالي ليس مشروطا باتمام العصر فتجري البراءة عن الطرف الاول و هو حرمة القطع بلا محذور بناء على مسلك العلية أيضا، و ان شئت قلت: ان وجوب اعادة العصر منجز عليه بالاحتمال في مجال الامتثال من الآن الذي هو ظرف جريان البراءة عن حرمة القطع فلا محذور في جريانها و ان فرض على تقدير القطع يتنجز وجوب العصر عليه بالعلم، فان ملاك جريان البراءة عن احد اطراف العلم الاجمالي بناء على مسلك العلية ان يكون الطرف الآخر متنجزا في نفسه و بقطع النظر عن العلم و هذا حاصل في المقام في ظرف جريان البراءة كما هو واضح.

ثم انه بناء على جريان القاعدة لتصحيح ما بيده من الصلاة عصرا لا ينبغي ان يتوهم معارضته مع البراءة عن حرمة القطع للعلم الاجمالي المذكور، لانّ القاعدة كما تصحح الصلاة تثبت حرمة قطعها أيضا فتكون بنفسها منجزة لاحد طرفي العلم الاجمالي، فلا يمكن ان يكون العلم الاجمالي منجزا لطرفه الاخر بناء على مسلك العلّية كما انه لا يعقل المعارضة بين القاعدة و البراءة بناء على مسلك الاقتضاء لأن البراءة عن حرمة القطع متوقفة على عدم جريان القاعدة المصححة الرافعة لموضوعها فلا تجري معها لكي يلزم الترخيص في المخالفة.

200

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

201

الامر السابع تطبيق القاعدة على الواجبين المترتبين‏

202

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

203

تطبيق القاعدة على الواجبين المترتبين‏ الأمر السابع- في الواجبين المترتبين كالظهر و العصر لو شك حين الاتيان بالثاني في تحقق الأول و عدمه فهل تجري قاعدة التجاوز أم لا؟

و البحث هنا تارة في جريان قاعدة التجاوز لتصحيح صلاة العصر المترتبة على الظهر، و اخرى في جريانها للتعبد بالفراغ عن صلاة الظهر.

[البحث الاول- في جريان قاعدة التجاوز لتصحيح صلاة العصر المترتبة على الظهر]

اما البحث الاول فهو يختص بما اذا كان المكلف بعد لم يفرغ من صلاة عصره و الّا كانت صلاته صحيحة على كل حال لكون الترتيب المذكور ذكريا و معه يقطع بصحة صلاة عصره على كل تقدير فلا موضوع للقاعدة، نعم لو كان الترتيب شرطا على كل تقدير احتيج الى القاعدة في ذلك أيضا.

و لعل المشهور في المقام هو الحكم بالعدول الى الظهر و اتمام الصلاة ظهرا، و هذا لا يصح بناء على ما تقدم فيما سبق من عدم جريان قاعدة التجاوز في الشروط حتى المترتبة المأخوذ تأخر العمل عنها لكون التقيد بالشرط مقارنا دائما فلا بد من احرازه بلحاظ الاجزاء الباقية و الذي لا يصدق في حقّها لا التجاوز و لا الفراغ، و امّا بناء على ما ذهب إليه المشهور من صدق التجاوز في ذلك فينبغي القول بجريان‏

204

القاعدة لتصحيح العصر لصدق التجاوز بعد ان كان العصر مقيدا بان يكون قبلها و ان لم يكن الظهر مقيدا بان يكون قبل العصر حيث انّ محل هذا الشرط بلحاظ مركب العصر سوف يكون متقدما، و ان كان بلحاظ أمر نفسه غير متقدم، فبالدخول في العصر يصدق التجاوز عن القيد فلا يجب العدول بما في يده الى الظهر، بل يكملها عصرا، الّا انّ تصحيح العصر من ناحية هذا الشرط لا يعني تحقق الظهر و فراغ الذمة عن أمره لما تقدم من انّ جريان القاعدة في مركب انما يثبت تحقق ما هو معتبر في ذلك المركب بمقدار تصحيحه لا أكثر فبالقاعدة يثبت في المقام انّ صلاة عصره كانت واجدة لهذا الشرط، و هذا لازمه العقلي تحقق الشرط و فراغ الذمة عن الأمر الآخر المتعلق به فلا يمكن اثباته بها.

و قد منع بعض الاعلام عن جريان القاعدة بلحاظ تصحيح العصر أيضا مدعيا في وجه ذلك: انّ الظهر من حيث وجوبه النفسي حيث انه محكوم بعدم الاتيان بحكم الاشتغال أو الاستصحاب فلا تجري القاعدة من حيث وجوبها الشرطي للعصر اذ لا يمكن الجمع بينهما معا.

و هذا الكلام غير تام، اذ لو اريد المعارضة بين استصحاب عدم الاتيان بالظهر و القاعدة فالمفروض حكومة القاعدة على الاستصحاب المذكور بلحاظ حكم صلاة العصر، و ان اريد عدم امكان الجمع بين نفي الظهر بلحاظ امره و اثباته بلحاظ امر العصر فلا محذور في جريان القاعدة و التعبد بتحقق الظهر من الحيثية الثانية و لزوم الاتيان به من الحيثية الأولى.

و بعبارة أخرى: موضوع القاعدة بلحاظ مركب صلاة العصر و تقيدها بكونها بعد الظهر تام بخلاف مركب صلاة الظهر الذي هو مركب اخر و له أمر مستقل فيحكم بصحة العصر بقاعدة التجاوز و عدم لزوم اعادته مع لزوم اعادة الظهر بعد ذلك، نعم لو قلنا بحجية اللوازم أو قلنا باستحالة جعل تعبدين ظاهريين يعلم بكذب احدهما و مخالفته للواقع و ان لم يلزم منهما المخالفة العملية كان لهذا الكلام وجه، الّا انّ كلا الأمرين غير تام كما لا يخفى.

205

و المحقق العراقي (قدّس سرّه) (1) حاول في المقام ابطال جريان القاعدة عند الشك في الأثناء بدعوى انّ ظاهر ادلة تشريع العدول في الأثناء الى الظهر كون الشرطية ملحوظة بالنسبة الى جميع أجزاء المشروط على وجه يكون كل جزء جزء من أجزاء العصر مشروطا مستقلا بحيث ينتزع من الشرطية اشتراطات متعددة حسب تعدد الاجزاء لا انه اعتبر العصر باجزائه أمرا وحدانيّا مشروطا باشتراط واحد، و حينئذ فبعد الشك الوجداني فيه بالنسبة الى الاجزاء المستقبلية لا محيص من العدول الى الظهر و اتمام ما بيده ظهرا ثم الاتيان بالعصر.

و فيه: أولا- انّ ادلة تشريع العدول الى الظهر على تقدير عدم الاتيان بالظهر لا يستفاد منها بوجه الشرطية بالمعنى المذكور، بل مفادها التوسعة و التسهيل و الاكتفاء في أداء الظهر بالاتيان بصلاة رباعية يقصد بها الظهر و لو في الأثناء و ان دخل فيها بنية العصر سهوا، و هذا واضح.

و ثانيا- تارة نبني على عدم جريان القاعدة في باب الشروط مطلقا لكون ما هو المأمور به فيها و هو التقيد لا القيد مقارنا دائما فلا يصدق التجاوز بلحاظه الّا بعد الفراغ عن أصل العمل فلا تجري القاعدة في المقام حتى اذا كانت الشرطية ملحوظة بالنسبة الى العصر كأمر واحد و بشرطية واحدة، و اخرى نبني على كفاية تقدم محل الشرط في جريان القاعدة و لو في طول مسامحة عرفية و عندئذ يكون عنوان التجاوز و المضي لموقع الشرط و هو تقدم الظهر على العصر صادقا في المقام أيضا لان ما هو الشرط ليس هو ايقاع الظهر قبل كل جزء من أجزاء صلاة العصر بل ايقاعه قبل الجزء الأول من اجزاء العصر و المفروض انه قد دخل في الجزء الأول من العصر فيصدق التجاوز.

و ثالثا- بناء على صحة إقحام صلاة في صلاة- الذي احتمله في المقام في رسالته في فروع العلم الاجمالي و ان كان التحقيق خلافه- كان ينبغي له أن‏

____________

(1)- نهاية الأفكار، ص 68.

206

لا يحكم بوجوب العدول الى الظهر بل يجري القاعدة بلحاظ الاجزاء السابقة ثم يأتي بالاجزاء السابقة بعنوان الظهر و اتمامها عصرا بنحو اقحام صلاة في صلاة.

ثم انه عقّب كلامه السابق بقوله (و على فرض المعارضة بين القاعدة و بين دليل تشريع العدول في مقام التطبيق على المورد لاناطة جواز العدول على جريان القاعدة و بالعكس نقول: انه بعد عدم مرجح لاحد الأمرين يوجب تقدمه على الآخر يصير موردية المورد للقاعدة مشكوكة للشك في تحقق شرطها الذي هو التجاوز عن المحل، و مع هذا الشك لا تجري القاعدة فينتهي الأمر الى اصالة عدم الاتيان بالظهر فلا بدّ في مقام اسقاط التكليف و تفريغ الذمة من العدول الى الظهر و لو برجاء الواقع و اتمام ما بيده من الصلاة ظهرا ثم الاتيان بصلاة العصر) (1).

و هذا الكلام غريب في بابه فانه:

أولا- لا معنى لإيقاع المعارضة بين القاعدة الظاهرية و بين دليل تشريع العدول الذي يتضمن حكما واقعيا، و لعل هذا الكلام جرى على قلم المقرر لعدم احتمال صدور مثله عنه (قدّس سرّه).

و ثانيا- لا معنى لافتراض التوقف و الاناطة من الطرفين بالنحو المذكور، لانه بنفسه دور محال، و لا يكفي في دفع غائلة الدور عدم وقوعه، بل لا بدّ من ابطال احد التوقفين كما ذكرنا ذلك سابقا.

و ثالثا- انّ ما ذكر من انه بعد التعارض و الشك لا بدّ في مقام اسقاط التكليف و تفريغ الذمة من العدول الى الظهر و لو برجاء الواقع و اتمام ما بيده من الصلاة ظهرا ثم الاتيان بصلاة العصر غير تام بناء على ان يكون التعارض بين دليل تشريع العدول و القاعدة لسقوطه بالمعارضة في المقام فلو كانت القاعدة جارية واقعا فلا تشريع للعدول حتى اذا كان لم يأت بالظهر فلا بدّ من الاستيناف و الاتيان‏

____________

(1)- نهاية الافكار، ص 69.

207

بالظهر و العصر معا، اللهم الّا ان يكون مقصوده من معارضة القاعدة مع دليل تشريع العدول في مقام التطبيق على المورد المعارضة بينها و بين استصحاب عدم الاتيان بالظهر بلحاظ شرطيته للعصر و ان كانت محكومية الاستصحاب النافي لمفاد القاعدة واضحة عند كل احد.

[البحث الثاني- في جريانها للتعبد بالفراغ عن صلاة الظهر]

و امّا البحث الثاني- فالصحيح فيه عدم جريان القاعدة و ذلك:

أولا- لعدم صدق التجاوز و المضي بلحاظ الوجوب النفسي للظهر لا من جهة كون الترتيب بينه و بين العصر ذكريا ليقال بانّ الميزان في جريان القاعدة الترتب بحسب الامر الأولي كما هو الحال في بعض تطبيقات القاعدة في رواياتها، بل لانّ الظهر غير مقيد بان يكون قبل العصر و انّما العصر مقيد بان يكون بعد الظهر و هو المستفاد من الرواية الدالة على انّ الظهر قبل العصر (الّا انّ هذه قبل هذه)، و لهذا لو جي‏ء بالظهر عمدا بعد العصر أيضا كان صحيحا، و هذا يعني انّ محل المشكوك يكون باقيا.

و ثانيا- حتى اذا سلمنا تقيد الظهر بان يكون قبل العصر مع ذلك لم تجر القاعدة في الظهر، لانّ الشك ليس في صحته و انما في اصل وجوده، و قد ذكرنا في البحوث السابقة انّ روايات هذه القاعدة مختصة بمورد وقوع اصل العمل كالصلاة خارجا و الشك في تماميته و نقصانه من حيث الاجزاء و الشرائط بعد تجاوز محلها أو الفراغ عنه، اما روايات الفراغ فواضح، و اما التجاوز فلأنّ المستظهر منها أيضا تحقق اصل الصلاة و احراز عنوانها و لو بلحاظ الجزء الذي دخل فيه من الغير، بل عنوان التجاوز عن موقع المشكوك في العمل بنفسه يفترض وجود شي‏ء من اصل العمل في الخارج كما اشرنا الى ذلك لدى البحث عن مفاد روايات القاعدة، و لهذا لم يكن تجري القاعدة في موارد الشك في اصل ايقاع العمل بعد خروج وقته و انّما تجري فيها قاعدة اخرى هي قاعدة الحيلولة.

و لعلّ هذا هو مقصود من قال بانّ قاعدة التجاوز انما تثبت وجود المشكوك بلحاظ صحة الفعل المتجاوز إليه و لا تعرض فيها لإثبات آثار وجوده من غير هذه الجهة.

208

و ما قيل في ردّه: بانّ ظاهر دليل القاعدة البناء على وجود المشكوك بلحاظ سائر آثاره لا خصوص البناء على صحة الجزء الذي دخل فيه و الّا لم يكن وجه لتطبيق القاعدة في صدر صحيح زرارة على الشك في وجود القراءة و قد ركع، اذ لا شك في صحة الركوع في الفرض و انما الشك في وجود القراءة بلحاظ الآثار العملية كسجود السهو، فتطبيق القاعدة انما هو بهذا اللحاظ و مثله تطبيقها على الشك في الأذان و هو في الاقامة فانه لا شك في صحة الاقامة (1).

مدفوع: بانّ القاعدة و ان كان ظاهر دليلها جواز البناء على وجود المشكوك من حيث سائر آثاره الّا انه بلحاظ خصوص الأمر بالمركب الذي تحققت سائر اجزائه، و لهذا قلنا بجريان القاعدة في الظهر بلحاظ شرطيته للعصر و اما الأمر الآخر المتعلق بالظهر نفسه فهو أمر اخر و مركب اخر و الشك في اصل امتثاله و عدمه لا في ايقاعه تاما أو ناقصا، فلو أريد اثباته بنفس جريان القاعدة في صلاة العصر فالمفروض أنه مركب اخر له أمر اخر، و ان اريد اثباته باجرائها في الشك في صلاة الظهر فهو من الشك في أصل وجوده لا في صحته او تحقق جزء منه بعد الدخول في سائر اجزائه. و منه يعرف عدم صحة شي‏ء من النقوض التي ذكرها فانها جميعا من آثار نفس المركب الذي لا اشكال في تحقق اصل امتثاله و انما الشك في تحقيق بعض اجزائه الواجبة أو المستحبة بعد الدخول في غيره من الأجزاء فتجري القاعدة بلحاظ الاجزاء المشكوكة لاحرازها و ضمّها الى الاجزاء المفروغ عن تحقيقها لاحراز الامتثال.

و قد يتمسك لا ثبات الفراغ عن الظهر في المقام بقاعدة الحيلولة المطبقة في المقام في رواية زرارة التي ينقلها صاحب السرائر في مستطرفاته عن كتاب حريز:

(اذا جاء يقين بعد حائل قضاه و مضى على يقين و يقضي الحائل و الشك جميعا فان شك في الظهر فيما بينه و بين ان يصلي العصر قضاها و ان دخله الشك بعد ان‏

____________

(1)- مستمسك العروة الوثقى، ج 7، ص 425.