قاعدة الفراغ والتجاوز

- السيد محمود الهاشمي الشاهرودي المزيد...
256 /
209

يصلي العصر فقد مضت الّا ان يستيقن لانّ العصر حائل فيما بينه و بين الظهر فلا يدع الحائل لما كان من الشك الّا بيقين) (1).

الّا انّ هذه الرواية غير تامة السند للجهل بطريق صاحب الوسائل الى كتاب حريز مع امكان التشكيك في كون ذيلها رواية أو فتوى و فهما من حريز، فانّ سياق التعبير فيه و عدم ورودها في كتب الحديث يصلح ان يكون قرينة على ذلك، فالصحيح لزوم الاتيان بالظهر بعد العصر في هذا الفرع.

____________

(1)- وسائل الشيعة، باب 60 من أبواب المواقيت، ح 2.

210

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

211

الامر الثامن القاعدة رخصة أم عزيمة

212

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

213

القاعدة رخصة أم عزيمة الأمر الثامن- هل يكون المضي و عدم الاعتناء بالشك في موارد قاعدة التجاوز في الصلاة رخصة أم عزيمة؟ اختار جملة من الاعلام كونها عزيمة، و يمكن ان يستدل عليه بأحد وجهين:

الأول- ظهور الأمر بالمضي في الوجوب و اللزوم.

و فيه: أولا- انّ الأوامر المذكورة ارشادية و ليست تكليفية، أي ارشاد الى صحة العمل من ناحية المشكوك فلا موضوع لاستظهار الوجوب في المقام اصلا.

و ثانيا- و لو فرض كونها تكليفية فلا اشكال في عدم لزوميتها لكونها واردة في مورد الحظر المحتمل من باب قاعدة الاشتغال و لزوم الاتيان بتمام اجزاء العمل و مع ورودها في هذا السياق لا يكون لها ظهور في اللزوم.

الثاني- لزوم الزيادة العمدية في الجزء المشكوك حيث انّ الروايات تعبد بوقوع الركوع أو السجود المشكوك فيه بقوله (ع): (بلى قد ركعت)، فاذا ما اعتنى بالشك و لم يمض و جاء بالمشكوك يلزم تحقق ذلك الجزء مرتين فتكون من الزيادة العمدية الموجبة لبطلان العمل و لو في مثل الركوع و السجود.

و هذا البيان غير تام أيضا، فانه لو أريد صدق الزيادة بلحاظ ما هو الوظيفة

214

الظاهرية فهذا صحيح الّا انه لا يوجب البطلان و لهذا لو انكشف بعد ذلك انّ الاعتناء كان في محله لم يكن العمل باطلا مع صدق الزيادة الظاهرية، و ان اريد صدقها بلحاظ ما هو الوظيفة الواقعية، و انّ التعبد بوقوع المشكوك معناه كون اعادته زيادة فهذا يرد عليه:

أولا- انّ التعبد بوقوع المشكوك لا يثبت عنوان الزيادة الّا بالملازمة العقلية فيكون من الأصل المثبت.

و ثانيا- انّ ادلة القاعدة لا تدل على التعبد بالمشكوك بلحاظ هذا الحكم أعني مبطلية الزيادة لكونها ادلة تصحيحية و في سياق التعبد بوقوع المشكوك فيه لترتيب آثار الصحة لا البطلان فلا اطلاق له لمثل هذا الحكم، بل الجاري فيه استصحاب عدم تحقق الزيادة النافي للبطلان لو اعتنى بشكّه و تدارك المشكوك نظير ما اذا كان شكه في المحل و جاء به، فالصحيح انّ قاعدة التجاوز في باب الصلاة رخصة و ليست بعزيمة.

215

الامر التاسع عموم القاعدة للشك في الوظيفة الاضطرارية و الظاهرية

216

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

217

عموم القاعدة للشك في الوظيفة الاضطرارية و الظاهرية الأمر التاسع- لا تختص قاعدة التجاوز بما اذا كان المشكوك الذي تجاوز محله و دخل في غيره وظيفته الواقعية الاولية بل يعم ما اذا كان وظيفته الثانوية واقعية كانت أم ظاهرية، لانّ ظاهر ادلتها أنّ كل ما هو وظيفة المكلف في مقام تفريغ ذمته بحيث لو لاه كان عمله باطلا اذا تجاوز محله و شك فيه يكون مجرى للقاعدة، فلو شك بعد الدخول في الغير انّ شكه في الجزء السابق الذي كان في محله هل تداركه أم لا، جرت القاعدة في حقه و كذلك اذا تيقن بعد الدخول في الغير انه ترك جزء سابقا و لا يدري هل تداركه قبل ان يدخل في هذا الجزء أم لا، فانه يمضي في صلاته تمسكا بإطلاق روايات التجاوز.

هذا و لكن قد وقع الكلام في تطبيقين لهذه الكبرى احدهما يتعلق بالتجاوز عن محل الوظيفة الثانوية، و الآخر يتعلق بالتجاوز عن محل الوظيفة الاضطرارية.

الأول- ما ذكره السيد (قدّس سرّه) في العروة من انه اذا تيقن بعد القيام الى الركعة الثالثة انه ترك سجدة أو سجدتين أو تشهدا ثم شك في انه هل رجع و تدارك ثم قام أو انه لا يزال في القيام الأول، فالأقوى عدم جريان القاعدة و وجوب التدارك لاشتغال ذمته بتلك النقيصة و اصالة عدم الاتيان بها، و لا تجري قاعدة

218

التجاوز فيها للشك في التجاوز و الدخول في الغير بالنسبة إليها حيث يحتمل ان يكون قيامه هذا هو القيام الزائد (1) و يلحق بهذا الفرع ما اذا تيقن بعد القيام انه كان قد شك في السجود أو التشهد في المحل و لكنه غفل و قام بلا تدارك أي قام عن الوظيفة الثانوية الظاهرية، ثم شك في أنه جاء بوظيفته الظاهرية أم لا.

و قد وافقه على ذلك جملة من الاعلام مستدلين على ذلك باصالة عدم اتيانه بالقيام الذي هو جزء مترتب، نعم لو كان قد اشتغل بالقراءة و حصل له ذلك جرت القاعدة في حقه بلا كلام.

و يمكن ان يناقش في ذلك:

أو لا- انّ هذا خلاف مبنى السيد (قدّس سرّه) و الذي صرّح به في بعض الفروع المتقدمة من كفاية مطلق الدخول في الغير حتى المقدمات و الزيادات السهوية لجريان القاعدة و عدم اختصاص القاعدة بما اذا كان الغير الذي دخل فيه مترتبا شرعا على المشكوك، و بناء عليه يكون الدخول في الغير بهذا المعنى صادقا في المقام على كل حال فتجري القاعدة بلا كلام.

و ثانيا- جريان القاعدة حتى على القول باشتراط الدخول في الغير المترتب شرعا، لانّ الميزان فيه على ما أشرنا إليه في بعض البحوث السابقة صدق التجاوز و الدخول فيه على تقدير تحقق المشكوك بنحو القضية الشرطية، و هذا صادق في المقام، فانه اذا كان قد جاء بتلك النقيصة فقيامه الذي هو فيه هو الغير المترتب شرعا.

و بتعبير اخر: يكفي الدخول في أمر يصلح ان يكون متعلق الأمر بالغير المترتب شرعا مع قطع النظر عن حيثية الترتيب بينه و بين المشكوك و هذا حاصل في المقام، فانّ القيام الذي دخل فيه، دخل فيه بعنوان انه قيام للركعة الثالثة الذي هو ذات الجزء المترتب على المشكوك.

بل قد يقال انّ هذا الفرع مشمول بنفسه لاطلاق معتبرة اسماعيل بن جابر

____________

(1)- العروة الوثقى، ج 2، ص 71- 72.

219

المتقدمة (ان شك في السجود بعد ما قام فليمض) فانه وجدانا يشك الآن في انه سجد أم لم يسجد بعد ما قام، و مجرد انه يعلم بانه قام قياما زائدا لا يمنع عن صدق هذا العنوان كما اذا قام و جلس سهوا ثم قام ثانية فحصل له الشك في السجود.

الّا انّ الصحيح مع ذلك المنع عن جريان القاعدة في المقام، لانه لا بد في جريانها من احراز كون الغير الذي دخل فيه هو الجزء المترتب شرعا من سائر النواحي الّا ناحية تقيده بان يكون بعد الجزء المشكوك، و هذا هو المقصود من صدق التجاوز بنحو القضية الشرطية لا مطلق الملازمة بين وجود المشكوك و بين الدخول في الغير، و هذا في المقام غير محرز حيث لا يحرز انه قد تلبس و دخل في الغير المترتب على ما هو وظيفته الثانوية فلا يحرز صدق التجاوز، لانّ قصد القيام الى الركعة اللاحقة كان مشتركا ثابتا في القيام الزائد أيضا.

و بهذا يختلف المقام عمّا تقدم في مسألة الشك في الركوع بعد القيام من الانحناء بعنوان القيام بعد الركوع أو بعد الهوي الى السجود مع احراز انه حين القيام كان قاصدا عنوان القيام بعد الركوع، فانه هناك لا يعلم بتحقق شي‏ء زائد غير مترتب يحتمل ان يكون ما دخل فيه هو ذاك و انما يدور امر قيامه بقصد انه بعد الركوع بين ان يكون في محله أي بعد الركوع أو قبله مع كونه نفس الغير المترتب المأمور به ذاتا فيكون الدخول في الغير المترتب من غير ناحية الترتيب محرزا فيصدق التجاوز و لا يشترط في صدقه الدخول في ما يكون مغايرا و مباينا ماهية و جنسا مع المشكوك، و سوف يأتي مزيد توضيح لذلك في الفرع الآتي.

الثاني- ما ذكره في العروة الوثقى أيضا من انه اذا كانت وظيفته الصلاة من جلوس فشك في انه سجد أم لا و هو في حال الجلوس الذي هو بدل عن القيام لم يلتفت، و كذا اذا شك في التشهد، نعم لو لم يعلم انه الجلوس الذي هو بدل عن القيام أو جلوس للسجدة أو للتشهد وجب التدارك لعدم احراز الدخول في الغير.

و قد نوقش في ذلك من قبل جملة من الاعلام بانّ العبرة في جريان القاعدة بواقع الدخول في الغير و التجاوز لا بالبناء عليه و اعتقاده، و من المعلوم انّ الجلوس‏

220

انما يكون بدلا عن القيام و يتحقق معه التجاوز فيما لو كان مسبوقا بالتشهد و بالسجدتين واقعا سواء علم به المصلّي و بنى عليه أم لا، اذ لا يعتبر فيه قصد البدلية فمتى كان مسبوقا بهما اتصف بالبدلية و بالتجاوز، و متى لم يكن مسبوقا لم يكن بدلا و لا متجاوزا و لا أثر لما تخيله من الاعتقاد و البناء في شي‏ء من ذلك، فلا مجال للتمسك بالقاعدة، و لا يقاس ذلك بالقيام حال الاختيار فانه غير بالذات فيتحقق معه التجاوز حقيقة بخلاف الجلوس فانّ غيريته لا تكون الّا بالمسبوقية بما عرفت، و من هنا لو رأى نفسه في الجلوس بانيا على كونه بعنوان التعقيب و شك في السلام لم تجر القاعدة بلا كلام‏ (1).

و هذا الكلام مبنيّ على تحقيق ما أشرنا إليه في الفرع السابق من انّ صدق التجاوز هل يشترط فيه الدخول في الغير المتأخر عن المشكوك المباين معه ذاتا او يكفي فيه الدخول في الغير المتأخر عن المشكوك و لو كان من سنخه كما في السجدتين أو من سنخ ما هو متقدم على المشكوك كما في القيام بعد الركوع الذي هو من سنخ القيام المتصل بالركوع؟

ظاهر بعض الاعلام اشتراط التغاير الذاتي لصدق التجاوز و الّا ففي صورة المسانخة مع الشك في تحقق المشكوك الذي هو من سنخ ما دخل فيه كمن يشك بعد السجدة التي يتصورها ثانية في انه سجد السجدة الأولى أم لم يسجدها أو من سنخ ما هو متصل بالمشكوك قبله كمن يشك في القيام انه ركع و قيامه هذا بعد الركوع أ و لم يركع و قيامه قبل الركوع لا يصدق التجاوز لعدم احراز دخوله في الغير حتى اذا كان قد دخل فيه بعنوان الجزء المسانخ المتأخر لانّ قصد هذا العنوان لا يجعله مغايرا و لا يمنع عن انطباق المأمور به المتقدم عليه ان لم يكن قد جاء بالمتأخر فيكون شكه بحسب الحقيقة راجعا الى الشك في انه هل ركع أم لا و هل سجد سجدتين أو سجدة واحدة و هو من الشك في المحل.

____________

(1)- مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة، ج 6، ص 137.

221

و في قبال ذلك يمكن ان يقال بالتفصيل بين ما اذا دخل في الغير المسانخ بعنوان انه الجزء الثاني المتأخر و ما اذا لم يحرز ذلك، ففي التقدير الثاني لا يحرز صدق التجاوز، و اما في التقدير الاول فيصدق التجاوز و ذلك على أساس احدى دعويين أشرنا إليهما عند البحث و التعليق على صحيح عبد الرحمن الواردة في الشك في الركوع بعد الهوي الى السجود:

الاولى- انّ عنوان التجاوز عن المشكوك أو محله يكفي فيه الشروع في امتثال الأمر الضمني المتعلق بالجزء المترتب بحسب اعتقاد المكلف و بنائه، لانّ المراد بالتجاوز عن المشكوك تجاوزه في مقام امتثال أمره الضمني داخل المركب و هذا يكفي فيه الشروع بامتثال الأمر الضمني المتأخر بحسب اعتقاد الممتثل و بنائه بحيث لو أراد الاعتناء بالشك لزم الرجوع و اعادة ما جاء به بحسب اعتقاده و بنائه السابق مرتين، و بهذا يعرف اندفاع النقض المبين اخيرا بمن شك في السلام و هو في حال الجلوس للتعقيب، فانّ الجلوس للتعقيب ليس جزء من المركب و لا يلزم من الاعتناء بالشك في السلام اعادة شي‏ء من المركب زائدا عن المشكوك، نعم لو اكتفينا في صدق الفراغ بالفراغ البنائي كما استفاده جملة من الاعلام من روايات الفراغ جرت قاعدة الفراغ في الصلاة بلحاظ الشك في السلام أيضا.

الثانية- ان يكون المقصود التجاوز عن المشكوك بلحاظ الوجود الخارجي الى الغير بنحو القضية الشرطية بحيث لو كان المشكوك مأتيا به لكان التجاوز صادقا مع احراز قصد المكلف لامتثال الأمر الضمني المتعلق بالغير المترتب.

فاذا تمت احدى هاتين الدعويين تم التفصيل المذكور من قبل السيد (قدّس سرّه) في هذا الفرع، و بناء عليه ينبغي التفصيل في الشك في السجود مرتين أو مرة واحدة في المحل بين ما اذا احرز قصده للسجدة الثانية فتجري القاعدة لا حراز سجدته الأولى أيضا و بين ما اذا لم يحرز ذلك و انما شك في انه سجد مرة أو مرتين فلا تجري القاعدة لا بلحاظ سجدته الثانية و هو واضح، و لا الأولى بعنوانها لعدم احراز الدخول في الجزء الذي يليها و ان كان من سنخها، فتأمّل جيدا.

222

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

223

الامر العاشر تطبيق القاعدة في موارد من العلم الاجمالي‏

224

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

225

تطبيق القاعدة في موارد من العلم الاجمالي‏ الأمر العاشر: اذا علم اجمالا بترك احد جزءين مما سبق من أجزاء صلاته أو طهوره مع كون كل منهما في نفسه مشكوكا و مجرى للقاعدة، فهنا صور عديدة لانطباق القاعدة نشير فيما يلي الى بعضها ضمن مسائل تاركين الصور الأخرى و ما يمكن ان يكون فيها من نكات تطبيقية فنية الى مجالاتها في الفروع الفقهية.

المسألة الأولى- اذا علم انه امّا ترك جزء مستحبا أو واجبا

- سواء كان ركنا أو من الأجزاء التي لها قضاء كالسجدة أو مما يوجب سجود السهو- فقد أفتى السيد في العروة بصحة صلاته و لا شي‏ء عليه لجريان قاعدة التجاوز في الجزء الواجب و لا تعارضه القاعدة في الجزء غير الواجب لعدم تنجيز العلم الاجمالي بعد كون أحد طرفيه غير الزامي، و هذا الكلام متين بناء على ان المانع عن جريان الاصول في اطراف العلم الاجمالي هو قبح الترخيص في المعصية و أمّا اذا كان المانع هو المحذور العقلائي المانع عن اطلاق دليل الأصل المؤمن لكلا طرفي العلم الاجمالي و لو لم يلزم منه مخالفة عملية لتكليف إلزامي على كل تقدير- و عهدة اثباته على ذمة علم الأصول- أو نفس العلم الاجمالي بكذب احدهما و لو لم يلزم منهما مخالفة عملية- كما ذهب إليه الميرزا (قدّس سرّه)- فلا تجري القاعدة في الجزء الواجب أيضا الّا في صورتين:

226

احداهما- ما اذا كان لا يترتب على ترك المستحب أي أثر من قضاء أو تدارك أو سجود سهو فانه عندئذ تجري القاعدة في الواجب فقط دون المستحب لعدم ترتب أثر على جريانها فيه لكي يكون موردا للقاعدة فيعارض جريانها في الواجب، بل في مثل ذلك تجري القاعدة في الجزء الواجب الذي يترتب على تركه أثر حتى لو كان الآخر واجبا و لكن لا يترتب على تركه أثر، كالاخفات في القراءة و هو واضح.

و الثانية- ما اذا كان المستحب متوقفا على الجزء الواجب بحيث يكون المستحب على تقدير ترك الواجب غير مأمور به، كما اذا كان الواجب ركنا أو كان المستحب مقيدا بان يكون بعد الجزء الواجب فانه في مثل ذلك لا تجري القاعدة في الجزء المستحب حتى اذا كان له أثر للعلم بعدم امتثال امره على كل حال فلا تجري القاعدة فيه بل تجري عن الواجب بلا معارض، و منه يعرف عدم صحة ما أفيد من قبل بعض الاعلام في المقام من الحكم بالتعارض مطلقا فراجع كلامه و تأمل‏ (1).

المسألة الثانية- اذا علم بانه ترك احد جزءين كلاهما ركن بعد فوات محل تداركهما و لكن في مركبين مستقلين مترتبين‏

كما اذا علم اجمالا بانه اما ترك جزء من وضوئه أو ركنا في صلاته، و الصحيح في مثله ما حكم به السيد (قدّس سرّه) في العروة في ذيل المسألة من جريان القاعدة في الوضوء بلا معارضة معها في الصلاة للعلم ببطلان الصلاة على كل حال اما لعدم الطهور- الذي هو ركن أيضا- أو لنقص الركن فلا تجري القاعدة في الصلاة بل تجري فيه اصالة الاشتغال و بذلك ينحل العلم ببطلان احدهما و تجري القاعدة في الوضوء بلا معارض، و قد وقع البحث لدى بعض الاعلام في المقام في تشخيص ان هذا هل يكون من الانحلال الحقيقي للعلم الاجمالي أو الانحلال الحكمي، و التحقيق انه لا مجال لهذا البحث في هذا المثال أصلا اذ ليس المقام من موارد العلم الاجمالي‏

____________

(1)- الدرر الغوالي، ص 49.

227

بالتكليف بل بلحاظ ما هو متعلق التكليف يعلم ببقاء الأمر بالمركب- أعني الصلاة- تفصيلا و هذا واضح.

المسألة الثالثة- اذا علم بانه ترك احد جزءين كلاهما ركن و لكن كان العلم بترك احدهما في محل التدارك‏

كما اذا علم بترك احد الأمرين من الركوع أو السجدتين في حال الجلوس او القيام فانه بعد العلم بترك احدهما يعلم ان قيامه زائد و في غير محله فلا يصدق التجاوز و الدخول في الغير بالنسبة الى السجدتين- الركن الثاني- و امّا الركن الأول و هو الركوع الواقع طرفا للعلم الاجمالي بالترك فان كان هو الركوع من الركعة السابقة صدق التجاوز عن محله فتجري القاعدة فيه بلا معارض فيأتي بالسجدتين و يتم صلاته.

لا يقال- اذا كان الركوع المحتمل تركه من الركعة السابقة- أي محله الذكري أيضا غير باق- يتشكل علم اجمالي بوجوب الاعادة عليه اذا كان الفائت الركوع او يحرم عليه ابطال هذه الصلاة كما يجب الاتيان بسجدتي السهو لزيادة القيام، و مقتضى قاعدة التجاوز في الركوع نفي الاعادة كما ان مقتضى البراءة عدم حرمة الابطال و مقتضى عدم زيادة القيام عدم وجوب سجدتي السهو فتتعارض الأصول في الأطراف و يكون العلم الاجمالي منجزا في هذه الصورة فلا بدّ من الاتمام و سجدتي السهو و الاعادة.

فانه يقال- المفروض العلم بترك احد الركنين من احدى الركعتين و هذا يعني العلم تفصيلا بكون قيامه زيادة على كل حال لعدم الأمر به حتى اذا كان قد جاء بالسجدتين و هذا واضح جدا، كيف! و الّا جرت القاعدة عن الشك في السجدتين و هكذا يتضح انه لا مجال لأصالة عدم زيادة القيام كما لا مجال للبراءة عن حرمة القطع بل يقطع بحرمته لكون الشك في السجدتين في المحل فيمكن الجبر و التدارك و في الركوع محكوم بالتحقق بقاعدة التجاوز.

و اما ان كان الركنان من نفس الركعة فقد أفاد بعض الاعلام بان المقام يكون من الشك في المحل بالنسبة الى كلا الركنين فلا تجري القاعدة في شي‏ء

228

منهما، و حينئذ و ان كان مقتضى القاعدة جريان اصالة عدم الاتيان بكل منهما الا انه حيث يقطع بعدم الامر بالنسبة الى الركوع اما للاتيان به او لبطلان الصلاة بالدخول في السجدة الثانية فلا تجري اصالة عدم الاتيان بالنسبة إليه، و امّا بالنسبة الى السجدة فجريانها بلا معارض الا انه حيث يشك في الخروج عن عهدة الركوع في هذه الركعة فمقتضى الاشتغال هو اعادة الصلاة و لا ملزم لا تمامها بعد عدم امكان الاقتصار عليها بل يتركها و يستأنف الصلاة (1).

و هذا الكلام يمكن ان يناقش فيه بأحد وجوه:

الأول- ان المكلف يعلم في المقام امّا انه قد جاء بالركوع واقعا أو جاء به ظاهرا و بقاعدة التجاوز لانه اذا كان تاركا له واقعا فقد جاء بالسجدتين و تحقق التجاوز بالنسبة الى الركوع الذي هو موضوع التعبد الظاهري بالركوع فالمصلي يحرز انه قد ركع في هذه الصلاة اما واقعا أو بالتعبد فلا وجه للاعادة من ناحية الركوع و اما من ناحية سائر الأجزاء فالمفروض احرازها وجدانا.

و هذه المناقشة غير تامة: لان جريان القاعدة متوقف على صدق التجاوز حتى على تقدير الاتيان بالمشكوك و لا يمكن ان يكون دليلها شاملا لمورد يكون صدق التجاوز فيه متوقفا على عدم الاتيان بالمشكوك لان هذا يعني التعبد باتيان المشكوك على تقدير عدمه و تقييد الحكم الظاهري بتقدير عدم الحكم الواقعي محال في نفسه كما حقق في محله من علم الأصول. هذا مضافا الى عدم صدق التجاوز في المقام على كل حال للعلم امّا بعدم الاتيان بالجزء المترتب أو بكونه زيادة مبطلة.

الثاني- ان اللازم في المقام اتمام الصلاة باتيان السجدتين ثم الاعادة للعلم اجمالا بحرمة قطع هذه الصلاة و وجوب اتمامها باتيان السجدتين فيها أو وجوب الاعادة بناء على كبرى حرمة قطع الصلاة التي يمكن جبرها.

____________

(1)- الدرر الغوالي، ص 84.

229

و هذه المناقشة أيضا غير تامة حتى اذا قبل مبناه الفقهي من حرمة القطع لان العلم الاجمالي المذكور احد طرفيه- و هو وجوب الاعادة- مورد لأصالة الاشتغال حيث لا نافي له فينحل العلم الاجمالي و تجري البراءة عن حرمة القطع بلا معارض، و امّا استصحاب عدم بطلان الصلاة لا ثبات حرمة القطع فهو غير تام على ما حقق في محله من عدم امكان اثبات حرمة القطع باستصحاب صحة الأجزاء السابقة.

الثالث- ان اللازم هو التفصيل في المقام بين ما اذا كان الركنان متصلين أو يفصل بينهما جزء اخر من العمل كما اذا احرز انه قام قبل الهوي الى السجود بعنوان القيام بعد الركوع فانه في مثل ذلك يكون الدخول في الغير المترتب شرعا محرزا بالنسبة للركوع على كل حال فتجري القاعدة فيه بلا معارض.

و هكذا يتضح ان الصحيح جعل الميزان في التفصيل ما اذا كان الركنان متصلين او منفصلين سواء كانا من ركعتين أو ركعة واحدة، كما انه لا بد في مورد الاتصال من التفصيل بين ما اذا كان يعلم بترك احدهما و اتيان الآخر فتجب الاعادة و بين ما اذا كان يعلم بترك احدهما و يحتمل تركهما معا كما اذا احتمل انه هوى من القيام الى الجلوس فانه يجب عليه عندئذ الاتيان بهما معا لكون الشك في المحل بالنسبة إليهما مع احتمال بقاء الأمر باتيانهما معا في هذه الصلاة فتدبّر جيدا.

المسألة الرابعة- اذا علم بترك احد جزءين احدهما ركن دون الآخر

فهنا صور عديدة:

الصورة الأولى- اذا كان الجزء الركني متقدما على غير الركني و كان الشك في محلهما الشكي‏

كما اذا علم اما بترك السجدتين أو التشهد و هو في حال الجلوس أو القيام- حيث يعلم بكونه زيادة فيكون شكه في المحل على كل حال- و لا إشكال في وجوب الاتيان بهما معا بقاعدة الاشتغال و اصالة عدم الاتيان، بل في الجزء غير الركني يعلم بعدم امتثال أمره على كل حال فيجب الاتيان بهما و لا شي‏ء عليه اذا كان يحتمل تركهما معا. و أمّا اذا كان يعلم باتيان احدهما اجمالا فقد افيد بأنّ‏

230

المكلف اذا جاء بهما في هذه الحالة سوف يعلم اجمالا اما بوجوب اعادة الصلاة لو كان قد جاء بالركن سابقا حيث يلزم زيادة الركن الموجبة للبطلان- أو وجوب سجدتي السهو عليه لو كان الأمر بالعكس بناء على وجوبه لكل زيادة، و هذا علم اجمالي منجز عليه على تقدير الاتيان بهما، و هذا يعني انه لا يمكنه الاكتفاء بهذه الصلاة مع العلم المزبور فلا ملزم لا تمامها كما في سائر الموارد (1).

و هذا الكلام قد يناقش فيه تارة: بان ما ذكر فرع ان يأتي بالتشهد بقصد الجزئية و اما اذا جاء به بقصد الرجاء فلا يكون زيادة.

و اخرى: بان المصلي يعلم بصحة صلاته قبل الاتيان بشي‏ء من الجزءين فلا يجوز له قطعها و رفع اليد عنها في هذه الحالة فلا بد و ان يأتي بالركن و هو السجدتان في المثال- لان تركه قطع لصلاة معلومة الصحة لحد الآن تفصيلا و بعد الاتيان بالركن يتشكل له العلم الاجمالي بوجوب الاعادة عليه لزيادة الركن أو وجوب التشهد و سجود السهو عليه- لزيادة التشهد السابق- و هذا يعني ان اللازم الاتمام و سجود السهو و الاعادة.

و كلتا المناقشتين غير تامتين، اما الاولى فلان المصلي يحصل له العلم الاجمالي المذكور بمجرد اتيانه بالركن- و هو السجدتان في المثال- و الذي يكون زيادته و لو سهوا و بدون قصد مبطلة بحسب الفرض فسواء جاء بالتشهد بعده أو لا يعلم اجمالا بوجوب الاعادة عليه او وجوب التشهد و الاتيان بسجدتي السهو و هو علم اجمالي منجز.

و اما الثانية فلان دليل حرمة القطع لا اطلاق له لصلاة لو استمر فيها و لم يقطعها لزم عليه اعادتها على ما هو مقرر في محله من الفقه.

و قد يقال: بان المصلي حيث انه لا يمكنه الاتيان بالركن- و هو السجدتان في المقام- باعتبار ما يترتب عليه من العلم الاجمالي المستلزم للحكم ببطلان العمل‏

____________

(1)- راجع الدرر الغوالي، ص 85.

231

و لزوم الاعادة و لو ظاهرا فيصدق التجاوز بلحاظ الجزء الركني اذ لا يمكن تداركه الّا باعادة العمل فتجري القاعدة فيه و يجب اتيان الجزء غير الركني لكون الشك فيه في المحل.

الّا ان هذا مبني على ان يكون ملاك التجاوز عدم امكان تدارك المشكوك من دون اعادة لا المضي للمشكوك أو محلّه و ظاهر أدلة القاعدة الثاني لا الاول.

الصورة الثانية- نفس الصورة السابقة مع فرض تجاوز المحل الشكي للجزء الركني المتقدم دون الجزء غير الركني‏

- سواء كانا لمحل الذكري للركن باقيا أم لا كما اذا علم بترك ركوع الركعة السابقة أو هذه الركعة مع احراز القيام بعنوان القيام بعد الركوع أو ترك التشهد و هو في حال الجلوس أو القيام و لا اشكال في جريان القاعدة في الجزء الركني لتمامية موضوعها فيه و يجب الاتيان بالجزء الآخر للعلم تفصيلا بعدم امتثال امره فلا يحتاج فيه حتى الى استصحاب عدم الاتيان أو اصالة الاشتغال العقلية و هذا واضح.

الصورة الثالثة- نفس الصورة السابقة مع فرض تجاوز المحل الذكري للجزء غير الركني‏

كما اذا علم بعد الدخول في الركوع بترك سجدتي الركعة السابقة أو قراءة هذه الركعة و هنا تجري القاعدة في الركن و لا يعارض بالقاعدة في القراءة حتى اذا فرض ترتب أثر على تركها كسجود السهو حيث يعلم اجمالا بوجوبه أو وجوب الاعادة للعلم تفصيلا بعدم امتثال أمر القراءة على كل حال امّا لبطلان الصلاة بترك الركن أو لعدم اتيانها فيجب عليه سجود السهو لتركه امتثال أمر القراءة على كل تقدير، و هذا مطلب عام يجري في تمام موارد التعارض بين القاعدة الجارية في جزء ركني و جزء غير ركني بعد الدخول في الركن و امّا قبل الدخول فيه فسوف يأتي الحديث عنه في بعض الصور القادمة، و قد عبر المحقق العراقي (قدّس سرّه) عن هذا المطلب بعدم معارضة الأصل المتمم للأصل المصحح و سوف يأتي تفصيل الكلام في مستند هذه القاعدة في بحث قادم ان شاء اللّه.

ثم انه لا معنى لافتراض صورة تجاوز المحل الشكي للجزء غير الركني دون محله‏

232

الذكري و قد يمثل له بما اذا علم اما بترك السجدتين أو التشهد و هو في حال القيام فان هذا غير معقول مع تقدم الجزء الركني اذ يعلم بكون القيام زيادة على كل حال، فما قد يتوهم من تصوير لهذه الفرضية كصورة مستقلة في قبال الصور السابقة المتقدمة واضح البطلان.

الصورة الرابعة- ما لو كان الجزء الركني متأخرا بحسب ترتب الأجزاء و الجزء غير الركني متقدما

كما اذا علم اجمالا اما بترك القيام بعد الركوع أو السجدتين و هو في حال الجلوس أي في المحل الشكي لهما معا و هنا قد يتوهم لزوم الاتيان بهما معا كما كنّا نقول به في فرض تقدم الجزء الركني على غير الركني- الصورة الأولى- و لكن الصحيح عدم لزوم الاتيان بغير الركن لانه يعلم تفصيلا بسقوط الأمر بالجزء غير الركني و هو القيام بعد الركوع في المثال امّا للاتيان به أو للدخول في الركن و لا تجري أيضا اصالة عدم الاتيان بالقيام لاثبات سجدتي السهو له خارج الصلاة حتى لو قيل بالسهو لكل نقيصة اذ يعلم بعدم وجوبه عليه امّا للاتيان بالقيام و عدم النقيصة من ناحيتها أو لبطلان الصلاة رأسا من جهة زيادة الركن فيه على تقدير عدم القيام حيث يكون على هذا التقدير قد سجد اربع سجدات.

الصورة الخامسة- نفس الصورة مع فرض تجاوز المحل الشكي للجزء غير الركني المتقدم‏

- سواء كان محله الذكري باقيا أم لا- كما اذا علم إمّا بترك القراءة أو السجدتين من هذه الركعة و هو في حال الجلوس و هنا تجري القاعدة في الجزء غير الركني لنفي وجوب السهو أو القضاء المترتب على تركه لا للعود عليه إذ لا اشكال في سقوط الأمر بالعود عليه كما تقدم، و لا يعارض بشي‏ء لان الطرف الآخر- أعني الجزء الركني- يكون الشك فيه في المحل فيجب الاتيان به.

الصورة السادسة- نفس الصورة مع فرض تجاوز محل الركن أيضا كما اذا حصل له العلم بترك القراءة أو السجدتين بعد الدخول في القيام و هنا لا يعلم بزيادة القيام اذ لعله جاء بالسجدتين و يكون المتروك القراءة فيكون شكه بلحاظ الجزء الركني بعد التجاوز عن المحل، و الصحيح في حكم هذه الصورة انه‏

233

ان لم يترتب على ترك الجزء غير الركني قضاء أو سجدة سهو جرت القاعدة في الجزء الركني بلا معارض لعدم وجود أثر لجريانها في الجزء غير الركني، اذ العود عليه يقطع بعدمه لانه اما قد جاء بالقراءة او قد دخل في الركن فلا يجب عليه العود كما انه لا يترتب على تركه القضاء أو السهو بحسب الفرض. و ان كان يترتب عليه اثر فعندئذ و ان تشكل علم اجمالي بوجوب الاتيان بالسجدتين او الاتيان بسجدتي السهو و يكون جريان قاعدة الفراغ فيهما معا مستلزما لمخالفة هذا العلم و لكن باعتبار ان القاعدة في الجزء الركني مصحح للصلاة و في الجزء غير الركني متمم جرت القاعدة في الأول دون الثاني، بل تجري فيه اصالة العدم المثبت للسهو أو القضاء فينحل العلم الاجمالي كما تقدم في الصورة الثالثة.

ثم انه لو فرض احتمال ترك الجزءين معا كان احتمال وجوب العود على الجزء غير الركني متجها الا انه لا يتشكل علم اجمالي بلحاظ وجوب العود حيث يحتمل ترك الجزء غير الركني مع الاتيان بالركني فلا يكون تكليف عليه لا بلحاظ السجدتين و لا بلحاظ القراءة كما هو واضح فتجري القاعدة في الجزء الركني و في الجزء غير الركني لنفي وجوب العود عليه و ان كان يعلم بترك احدهما حيث انه لا يلزم منه مخالفة عملية لتكليف معلوم بالاجمال، بل قاعدة الفراغ في الركن بتعبدها بوقوع الركن تنفي موضوع وجوب العود في الجزء غير الركني كما لا يخفى.

المسألة الخامسة- اذا علم بانه ترك احد جزءين كلا هما غير ركني‏

فاذا كانا متصلين و بعد لم يتجاوز محلهما كما إذا علم بانه ترك إمّا الحمد او السورة و هو قائم وجب الاتيان بهما معا بقاعدة الاشتغال و اصالة عدم الاتيان و لا تجري القاعدة في شي‏ء منهما، اما في السورة فلعلمه بعدم امتثال امرها اما لعدم اتيانها او لعدم اتيان القراءة قبلها و اما القراءة فلعدم احراز صدق التجاوز و الدخول في الغير بل يحرز انه في المحل على تقدير عدم الاتيان بالقراءة لكون السورة التي جاء بها زيادة و ليست هي المأمور بها ليكون قد دخل في الغير المترتب شرعا فيجب الاتيان بهما لكون الشك في المحل، و ما يلزم من الزيادة في صورة العلم باتيان‏

234

احدهما زيادة سهوية غايته ثبوت السهو فيها، هذا اذا لم يأت بهما بقصد الرجاء و الا لم تكن زيادة اصلا كما هو واضح.

و اذا كانا منفصلين بان دخل في الغير بلحاظ الجزء الأول فتارة يكون قد تجاوز المحل الشكي للجزء الأول مع بقاء محله الذكري أي لم يفصل بينهما ركن، و اخرى يكون قد تجاوز محله الذكري أيضا للفصل بينهما بالركن، ففي الأول تجري القاعدة في حق الجزء الأول و لا تجري في حق الجزء الثاني سواء كان قد تجاوزه أم لا ما لم يدخل في الركن اذ يعلم على كل حال بعدم امتثال أمر الجزء الثاني امّا لعدم الاتيان به أو لعدم الاتيان بالأول مع بقاء محل تداركه الذكري فيكون اتيانه بالجزء الثاني زيادة فلا احتمال لامتثال الجزء الثاني كي تجري فيه القاعدة، نعم لو كان قد تجاوز الجزء الثاني أيضا بالدخول في ركن بعده جرت القاعدة فيهما معا اذا كان يترتب على ترك كل منهما اثر من قضاء أو سجود سهو و تعارضا و لزم ترتيب أثر تركهما معا و الّا جرت فيما يترتب على تركه أثر زائد لنفيه دون الآخر الذي لا يترتب على تركه أثر أصلا أو لا يترتب أثر زائد غير الأثر المشترك المعلوم على كل حال.

و على الثاني- أي اذا كان قد فصل بينهما ركن- فان كان في المحل الشكي للجزء الثاني أيضا جرت القاعدة في الأول لنفي وجوب قضائه أو سجود السهو له اذا كان يترتب عليه ذلك و لزم الاتيان بالجزء الثاني لكون الشك فيه في المحل و ان كان بعد تجاوز المحل الشكي فضلا عن الذكري للجزء الثاني جرت القاعدة فيهما اذا كان يترتب على ترك كل منهما أثر و تعارضا و تساقطا و لزم ترتيبهما و الا جرت القاعدة لنفي الأثر الزائد في الطرف المختص به كما هو واضح.

المسألة السادسة- اذا علم اجمالا انه ترك تكبيرة الاحرام أو ركنا اخر في احدى صلاتين‏

، فتارة لا تكونان مترتبتين كصلاة الفجر و الظهر و اخرى تكونان مترتبتين كالظهر و العصر.

ففي الفرض الأول: اذا فرض كلاهما خارج الوقت كما اذا علم بترك ركن اما

235

من صلاة الفجر أو الظهر من اليوم السابق تعارضت القاعدة و الاصول المؤمنة فيهما معا و تساقطت و وجب الاحتياط بالاتيان بهما معا أو بصلاة واحدة بقصد احداهما اذا كانتا متفقتي العدد كالظهر و العصر و العشاء فيأتي بصلاة رباعية قاصدا امتثال ما هو معلوم البطلان منهما اجمالا.

و اذا فرض احدهما خارج الوقت و الآخر داخله، كما اذا علم بعد الزوال ببطلان صلاة الفجر أو صلاة الظهر التي صلاها الآن، تعارضت قاعدة التجاوز فيهما و جرت قاعدة الحيلولة في صلاة الفجر من دون ان تسقط بقاعدة الفراغ في الظهر الذي يجب اعادته بقاعدة الاشتغال بناء على كبرى سقوط الاصلين المسانخين في الطرفين و نجاة الاصل المؤمن غير المسانخ في احد الطرفين و قد نقحناها مفصلا في بحوث علم الأصول، و ملخص نكتته ان التعارض بين الاصلين المسانخين في الطرفين يكون داخليا و في دليل واحد بخلاف التعارض مع الأصل غير المسانخ فانه من التعارض الخارجي بين دليلين منفصلين و التعارض الداخلي يوجب دائما الاجمال و عدم انعقاد الظهور ذاتا بخلاف التعارض الخارجي فانه يقتضي السقوط عن الحجية مع ثبوت الظهور و انعقاده ذاتا و هذا لازمه في موارد التعارض نجاة الاصل غير المسانخ في احد الطرفين عن المعارضة كلما كان فيهما اصلان مسانخان مؤمنان لان وجود المسانخين في الطرفين يمنع عن اصل انعقاد الظهور في دليله في شي‏ء من الطرفين فيكون اطلاق دليل الاصل غير المسانخ حجة بلا معارض، من دون فرق في المقام بين ان يكون حصول العلم الاجمالي المذكور في أثناء الصلاة أم بعد الفراغ عنها.

و في الفرض الثاني- كما اذا علم بترك تكبيرة الاحرام او ركن اخر من صلاة الظهر أو العصر- فان كان ذلك في اثناء العصر جرت القاعدة في الظهر و وجب عليه استيناف العصر للعلم تفصيلا ببطلانه عصرا امّا لترك الركن فيه أو لتقدمه على الظهر و العلم الاجمالي بوجوب اتمامه ظهرا- لو كان الظهر باطلا- أو اعادته عصرا- لو كان الظهر صحيحا- ليس منجزا لانه من العلم الاجمالي بين الأقل‏

236

و الأكثر الانحلاليين، فانه يعلم بوجوب العصر عليه و عدم امتثال أمره على كل حال و انما يشك في وجوب الظهر اضافة الى ذلك فتجري القاعدة في الظهر لنفي وجوبه، كما تجري اصالة البراءة عن حرمة قطع هذه الصلاة و عدم اتمامها ظهرا حتى لو قيل بحرمة قطع كل صلاة يمكن تصحيحها واقعا لان الاشتغال بالعصر ثابت على كل حال، و ان كان ذلك بعد الفراغ من العصر تعارضت قاعدة الفراغ في كل منهما معها في الآخر- حيث ان الترتيب بينهما ذكري فيحتمل صحة كل منهما في نفسه- و وجب اداء صلاة واحدة بعنوان ما في الذمة اذا كانا متفقتي العدد كالظهرين و لزم اعادتهما معا مترتبين اذا كانا غير متفقتي العدد كالعشاءين.

المسألة السابعة- لو شك في صلاة العصر مثلا ان الصلاة السابقة هل أتى بها بعنوان الظهر أو العصر

فان قلنا بما افتى به السيد (قدّس سرّه) في العروة من احتساب ما أوقعه ظهرا و ان كان قد جاء به بعنوان العصر لما جاء في صحيح زرارة من قوله (ع) (انما هي أربع مكان أربع) أتم ما بيده عصرا و ليس عليه شي‏ء و ان قلنا باختلاف حقيقة الصلاتين كما هو الصحيح غاية الأمر انه لو قدم العصر سهوا أو نسيانا تقع عصرا و يسقط الترتيب و يجب عليه الاتيان بالظهر، فقد ذكروا انه لا مجال هنا لاجراء قاعدة الفراغ أو التجاوز في الظهر بناء على جريانها فيما لو دخل في الصلاة المتأخرة أو قبل الدخول فيها و شك في عنوان الصلاة التي أتى بها قبلها لعدم أثر شرعي لجريانها بعد ان كانت الصلاة السابقة صحيحة على كل حال غايته سقوط الترتيب على فرض كونها عصرا فلا معنى لالغاء الشك و المؤمنية في مثله و حينئذ مقتضى العلم الاجمالي امّا بوجوب صلاة الظهر أو بوجوب العصر هو لزوم الاتيان بهما، نعم في الظهرين حيث انهما متفقتي العدد لو أتى بأربع ركعات بقصد ما في الذمة يقطع بالفراغ و امّا في مختلفتي العدد فلا بدّ من اعادتهما بمقتضى العلم المزبور و تبطل ما بيده لعدم امكان احراز صحتها بعد احتمال كون الواجب عليه هو الظهر و امّا احتمال العدول بما بيده الى الظهر أو بعنوان ما هو الواجب الواقعي عليه ففي غاية السقوط اذ العدول انما يمكن مع احراز ان ما يأتي به مع قطع‏

237

النظر عمّا وقع سابقا صحيح في نفسه و امّا مع عدم صحته في نفسه فلا معنى للعدول بها الى غيره‏ (1).

و لنا في المقام تعليقان:

التعليق الأول‏

- ان الصحيح جريان القاعدة في الظهر لاحراز اتيانه بعنوان الظهر و سقوط امره بناء على ما هو الصحيح من جريان القاعدة لاحراز العنوان الواجب قصده فيما تقدم و فرغ منه المصلي من الاعمال- و قد تقدم اعترافهم بذلك- لان مجرد كون الصلاة المأتي بها صحيحة على كل تقدير لذكرية شرطية الترتيب لا يمنع عن جريان القاعدة في المقام بلحاظ صلاة الظهر التي يشك في امتثالها و عدمه بعد ان كان الأمر الأولي لزوم الاتيان بالصلاة الأولى بنية الظهر و قد جاء بذاتها مع الشك في قصد الظهرية فيها فيحرز ذلك بالقاعدة لان الميزان في جريان القاعدة ان يكون القيد المشكوك المتجاوز عنه مأمورا به بالأمر الأولي سواء كان أمره و شرطيته ذكريا أم لا كيف و جملة من تطبيقات القاعدة في رواياتها يكون لزومها و شرطيتها ذكريا لا مطلقا، نعم لا معنى لاجراء القاعدة بلحاظ شرطية تأخّر العصر عن الظهر للعلم بسقوطها في المقام على كل تقدير الّا انه لا يمنع عن جريانها بلحاظ احراز امتثال الأمر بالظهر و سقوطه و بذلك يؤمن عنه و لا يبقى الّا الأمر بالعصر فيتم ما بيده عصرا فتأمل جيدا.

التعليق الثاني‏

- ان ما ذكره اخيرا من بطلان ما بيده و لزوم الاعادة و عدم الاكتفاء باتمامه بعنوان ما في الذمة كأنه مبني على ان العدول يشترط فيه ان يكون المعدول عنه مأمورا به حين الشروع فيه و في المقام لو كان المأتي به سابقا هو العصر سقط الأمر به فيكون ما بيده الذي دخل فيه بعنوان العصر لا أمر له حين الشروع فيه فلا تشمله ادلة العدول لأنّها واردة فيمن لم يصلّ العصر فدخل في‏

____________

(1)- الدرر الغوالي، ص 96.

238

الصلاة بنيته ثم تذكر انه لم يأت بالظهر و كذا في العشاءين ممّا يكون المعدول عنه أمره فعليا على كل تقدير.

الّا ان هذا الكلام قابل للمناقشة تارة بإلغاء هذه الخصوصية عرفا، و بعبارة اخرى: المستفاد عرفا من هذه الروايات عدم شرطية نية السابقة في تمام أجزاء الصلاة من أوّلها الى اخرها بل يكفي اتمامها بعنوانها في المترتبتين و لا ربط لفعلية الأمر بالمعدول عنه واقعا حين الشروع فيه بذلك اصلا بحسب الفهم العرفي من هذه الروايات.

نعم لا بدّ أن يكون الأمر بالمعدول إليه فعليا و الدخول فيما بيده قربيا و بتوهم فعلية أمره و ما ورد في موردها من الأمر باعادة العصر بعد العدول من جهة بقاء أمره الذي لا بدّ و ان يمتثل أيضا لا من جهة دخالته في صحة امتثال الأمر بالظهر الذي عدل إليه فلاحظ.

و اخرى بانه لو سلّمنا قصور اطلاق روايات العدول امكننا التمسك بإطلاق حديث لا تعاد بلحاظ الأجزاء السابقة بناء على ما هو الصحيح من عمومها للخلل الملتفت إليه في الأثناء فتجري قاعدة (لا تعاد) لتصحيح الصلاة المذكورة بعد العدول و نية الظهر بالنسبة لما يأتي من الأجزاء، هذا فيمن علم بانه جاء بالسابقة بعنوان العصر و اما الشاك فيأتي بالباقي بعنوان ما في الذمة و الواجب الواقعي و تفصيل الكلام في ذلك متروك الى محله من الفقه.

المسألة الثامنة- اذا علم في المترتبتين اجمالا بانه اما ترك التكبيرة أو ركنا اخر في احداهما أو احدث في الأخرى‏

فهنا صور عديدة:

الصورة الأولى- ان يحصل له العلم اجمالا بترك التكبيرة أو الركن في الظهر أو انّه احدث في العصر بعد الفراغ منهما

، و هنا تجري القاعدة في كل منهما و تتساقطان و تصل النوبة الى اصالة الاشتغال أو عدم الاتيان بالتكبيرة أو الركن في الظهر و استصحاب بقاء الطهارة في العصر فيحكم بصحة العصر و بطلان الظهر و لزوم اعادته بعد ان كان الترتيب بينهما ذكريا، الّا ان هذا مبني على قبول الكبرى التي ذكرناها في المسألة السادسة من عدم سقوط الأصل المؤمن غير المسانخ في أحد

239

الطرفين بعد تعارض المسانخين في الطرفين و الّا فلو لم نقبل تلك الكبرى سقط القاعدة و الاستصحاب المذكور في العصر معا بالتعارض مع القاعدة في الظهر فيجب اعادتهما، غاية الأمر في المتفقتين عددا كالظهرين تكفي صلاة واحدة عمّا في الذمة بخلاف العشاءين.

الصورة الثانية- ان يحصل العلم الاجمالي المذكور في أثناء العصر قبل الفراغ عنه‏

و في هذه الصورة لا تنطبق الكبرى المتقدمة حتى اذا قلنا بجريان قاعدة التجاوز و الفراغ بلحاظ الشك في الحدث في الأثناء و ذلك للعلم تفصيلا بعدم امتثال الأمر بالعصر و لزوم اعادته امّا لبطلان ما بيده أو للزوم العدول به الى الظهر و اتمامه ظهرا و اعادة العصر بعده، و هذا يعني انه لا معنى لاجراء القاعدة فيه للتأمين عن أمر العصر.

و امّا اجراء القاعدة بل و استصحاب الطهارة في العصر لا ثبات حرمة قطعه و لزوم العدول به الى الظهر فهذا موقوف على عدم الاتيان بالظهر صحيحا قبل ذلك و قاعدة الفراغ في الظهر تحرز الاتيان به صحيحا. و هكذا يظهر ان ما جاء في كلمات بعض الاعلام من ايقاع المعارضة في المقام بين قاعدة الفراغ في الظهر و استصحاب الطهارة في العصر (1) غير فني فان ما ذكر في جريان القاعدة فيه بعينه يجري بلحاظ استصحاب الطهارة اذ لو قصد بذلك تصحيحه عصرا، فالمفروض العلم التفصيلي بلزوم اعادته و لو قصد به اثبات وجوب العدول الى الظهر و حرمة قطعه بناء على عموم حرمته فهو فرع عدم جريان قاعدة الفراغ في الظهر، فيستحيل ان يكون الاستصحاب المذكور معارضا مع القاعدة في الظهر، و انما البيان الفني ان يقال بتشكل علم اجمالي بوجوب الظهر عليه- و لو باتمام ما بيده ظهرا- أو وجوب الطهور لاعادة العصر و هذا العلم الاجمالي يجري في احد طرفيه قاعدة الفراغ و في الآخر استصحاب الطهارة فيتعارضان و يتساقطان و النتيجة وجوب‏

____________

(1)- الدرر الغوالي، ص 106.

240

اتمام ما بيده ظهرا و الوضوء للعصر، نعم بناء على عدم العموم في دليل حرمة القطع لموارد العدول يمكنه قطع ما بيده و اعادتهما.

الصورة الثالثة- ان يعلم بانه احدث في الظهر أو ترك التكبيرة أو الركن في العصر

- عكس الصورة الأولى- و هنا تارة يفترض عدم وضوء اخر قبل صلاة العصر و اخرى يفرض الوضوء قبله، ففي الحالة الأولى يقطع ببطلان صلاة عصره و وجوب اعادته على كل حال، امّا للحدث أو لترك الركن فيه سواء كان العلم حاصلا بعد الفراغ منه أو قبله و تجري قاعدة الفراغ و استصحاب الطهارة في الظهر بلا معارض و يجب عليه قطع العصر و اعادته و لا يجب عليه الوضوء للاعادة لجريان استصحاب الطهور في حقّه من دون لزوم مخالفة قطعية.

و في الحالة الثانية أي ما اذا كان قد توضأ قبل العصر اذا كان العلم الاجمالي المذكور بعد الفراغ من العصر حصل التعارض بين قاعدتي الفراغ في كل منهما و كان المرجع بعد التساقط استصحاب الطهور في الظهر و اصالة الاشتغال أو اصالة عدم الاتيان بالركن في العصر بناء على الكبرى المتقدمة.

و اذا كان العلم الاجمالي حاصلا في اثناء العصر علم تفصيلا بلزوم اعادته اما لترك الركن فيه أو لوجوب العدول الى الظهر و اعادة العصر بعده و هنا يكون اعادة العصر معلوما على كل حال و تجري القاعدة و استصحاب الطهور في الظهر و به ينفي احتمال لزوم العدول و حرمة قطع ما بيده فله ان يقطع ما بيده و يعيد العصر و ان كان لو عدل بما في يده الى الظهر و اتمه ثم اعاد العصر كان احوط و منه ظهر الفرق بين المقام و بين الصورة الثانية حيث كان فيه وجوب العدول و الاتمام ظهرا طرفا لعلم اجمالي منجز بخلاف المقام فلا ينبغي قياس احدهما على الآخر كما وقع لبعض الإعلام‏ (1) فتأمل جيدا.

المسألة التاسعة-

اذا كان المصلّي قائما و هو في الركعة الثانية من الصلاة و يعلم‏

____________

(1)- الدرر الغوالي، ص 107.

241

باتيان ركوعين و لكن لا يدري انه أتى بهما في الركعة الأولى حتى تبطل صلاته بزيادة الركوع أو انه أتى باحدهما في الركعة التي بيده و هو في القيام الذي بعده حتى تصح صلاته فقد أفتى السيد (قدّس سرّه) في العروة ببطلان الصلاة لكون شكه في الركوع في المحل فلا بد له من الاتيان به، و معه يعلم بزيادة الركن و بطلان الصلاة، بل لا يعقل الاعتناء بهذا الشك و الاتيان بالركوع للعلم بعدم الأمر به في المقام اما لامتثاله أو لبطلان الصلاة بزيادة الركوع فيها.

و بتعبير اخر ان المصلي في المقام و ان كان يعلم بعدم الأمر بالركوع في هذه الركعة امّا للاتيان به و امتثال أمره أو لبطلان الصلاة بزيادة الركوع في الركعة الأولى الّا انه تبقى ذمته مشغولة بلحاظ الاتيان باصل الصلاة مع الركوع في الركعة الثانية لعدم وجود ما يحرز به ذلك لا وجدانا- و هو واضح- و لا تعبدا لعدم جريان قاعدة التجاوز في الشك في المحل و عدم جدوى استصحاب عدم زيادة الركوع لانه لا يثبت ايقاع ركوع الركعة الثانية فيجب عليه اعادة الصلاة و معه لا موجب لا تمام ما بيده أيضا فله قطعه و الاعادة.

و قد نوقش في هذا الكلام من قبل بعض الاعلام بانه يمكن تصحيح الصلاة بقاعدة الفراغ بناء على ما هو الصحيح من جريانها في الأجزاء أيضا لان المكلف يجب عليه الاتيان بركوعين و سجدات اربع في الصلاة الثنائية مثلا مع سائر الأجزاء بالترتيب المخصوص فحيث ان المصلّي في مفروض الكلام بالنسبة الى اصل الاتيان بالركوعين غير شاك و انما شكّه في وقوع الركوع الثاني بالترتيب المقرر له شرعا و هو كونه بعد سجدتي الركعة الأولى- و المفروض احرازهما و احراز اصل الركوع- فشكه هذا شك في صحّة الركوع الواقع بعد الفراغ عن وقوعه فمقتضى قاعدة الفراغ بالنسبة الى الركوع هو وقوعه صحيحا و هذا بعينه معنى كونه واقعا في الركعة الثانية (1) و ليس ملازما له ليقال بانه من الأصل المثبت.

____________

(1)- الدرر الغوالي، ص 34.

242

و دعوى: معارضة القاعدة النافية لوجوب الاعادة مع البراءة عن حرمة قطع هذه الصلاة للعلم اجمالا امّا بحرمة قطعها أو وجوب الاعادة عليه.

مدفوعة: بان جريان القاعدة يثبت صحة ما بيده و حرمة قطعه فلا موضوع للبراءة بل تجري القاعدة المنجزة لا حد طرفي العلم الاجمالي- و هو حرمة القطع- و الموجبة لانحلاله لا محالة.

لا يقال- الواجب في الركعة الثانية الركوع بعنوان انه ركوع الركعة الثانية و هذا لا يحرز تحققه و انما المحرز تحقق اصل الركوع و اثبات العنوان المذكور بقاعدة الفراغ من الأصل المثبت.

فانه- مضافا الى ما تقدم سابقا من كفاية احراز ذات المأمور به في اثبات عنوانه بالقاعدة اذا كان الشك بعد الفراغ عن ذاته و لم يكن العنوان الواقع مباينا مع الصلاة، يمنع عن كون الواجب هو الركوع بالعنوان المذكور بل الواجب ذات الركوع في كل ركعة و لهذا لو جاء به بعنوان الركعة الأولى ثم التفت الى انه من الثانية كان مجزيا أيضا.

و التحقيق: هو التفصيل بين ما اذا كان يعلم انه قد جاء بالركوع بعنوان الركعة الثانية و يشك في انه جاء به قبل السجدتين من الأولى أو جاء به بعد هما في محله فتجري قاعدة الفراغ بل و التجاوز لاحراز شرط الترتيب فيه بناء على ما تقدم من صدق التجاوز أيضا في موارد الشك في شرط الواجب بعد تحققه، و بين ما اذا كان يحتمل انه قد جاء بركوع زائد في الركعة السابقة بعنوان الركوع الأول أو جاء بركوع الركعة الثانية فلا تجري قاعدة الفراغ فضلا عن التجاوز لتصحيح صلاته لانه لا يحرز اصل تصديه لامتثال الأمر الضمني بالركوع الثاني و قاعدة الفراغ المثبتة لصحة العمل المفروغ عن وقوعه انما تجري في عمل يحرز تصدّي المكلف لاصل امتثاله و في المقام يكون الشك في اصل تصديه لامتثال الأمر الضمني بركوع الركعة الثانية فتأمل جيدا.

المسألة العاشرة- اذا علم بفوت سجدتين منه‏

فتارة يعلم بفوت سجدتين‏

243

مجموعا- و هو ركن يبطل الصلاة بنقصانه مطلقا- و اخرى يعلم بفوت سجدتين من حيث العدد فقط فيحتمل كونهما من ركعة أو من ركعتين.

امّا التقدير الأول فحكمه واضح حيث انه اذا كان العلم اجمالا بفوت السجدتين في أثناء الصلاة كما اذا علم بفوتهما امّا من الركعة التي هو فيها أو الركعة السابقة فان كان ذلك في المحل أو بعد تجاوز المحل الشكي جرت قاعدة التجاوز بلحاظ الركعة السابقة لاحراز السجدة الأولى منها- أعني الركن- لتصحيح الصلاة و احراز السجدة الثانية منها أيضا لنفي اشتغال الذمة بأمرها الموجب للبطلان و القضاء و لا تعارض بالقاعدة في سجدتي الركعة الثانية للعلم بعدم امتثال امرها اما لبطلان الصلاة أو لعدم الاتيان بهما فلا موضوع لجريانها كي تتوهم المعارضة فيجب العود و التدارك و يحكم بصحة الصلاة. و اذا كان ذلك بعد الدخول في الركن أو فعل المنافي المطلق- اذا كانت الركعة الأخيرة طرفا للعلم المذكور- يحكم ببطلان الصلاة و لزوم الاعادة لا محالة للعلم بذلك تفصيلا امّا لنقص ركن او لفعل المنافي.

و امّا التقدير الثاني و هو العلم اجمالا بفوت سجدتين امّا من ركعة أو ركعتين فتارة يكون هذا العلم الاجمالي ثنائي الأطراف بان يحتمل فوت السجدتين من احدى الركعتين بالخصوص أو فوت سجدة واحدة من كل واحد منهما، و اخرى يكون العلم الاجمالي المذكور ثلاثي الأطراف بان يحتمل فوتهما من كل من الركعتين أو فوت سجدة واحدة من كل منهما، و الفرض الأول يرجع الى فرضين لا محالة اذا الركعة التي يحتمل فوات السجدتين منها بالخصوص تارة تكون هي السابقة و أخرى تكون اللاحقة فتكون الفروض للعلم الاجمالي بلحاظ كيفية أطرافه ثلاثة، و كل واحدة منها من ناحية موضع الشك المقرون بالعلم الاجمالي ينقسم الى ثلاثة شقوق أيضا لان الشك المذكور امّا أن يحصل في محل السجدة من الركعة اللاحقة أو بعد تجاوز محله الشكي أو بعد تجاوز محله الذكري بالدخول في الركن أو فعل المنافي المطلق فتكون الصور تسعة:

244

الصورة الأولى- ان يعلم و هو في حال الجلوس قبل التشهد بفوت سجدتين من الركعة التي بيده أو سجدة منها و سجدة من الركعة السابقة

و هنا تجري قاعدة التجاوز لا ثبات السجدة الثانية من الركعة السابقة و لا تعارض بشي‏ء لكون الشك في سجدتي الركعة التي بيده في المحل بل يقطع بعدم اتيان السجدة الثانية منهما أيضا فلا موضوع للقاعدة في شي‏ء منهما فيجب الاتيان بهما احداهما للعلم التفصيلي بوجوبها و الأخرى لاصالة الاشتغال أو استصحاب عدم الاتيان بها لكون الشك فيها في المحل و بهذا ينحل العلم الاجمالي امّا بوجوب قضاء سجدة عن الركعة السابقة أو وجوب الاتيان بسجدة ثانية لهذه الركعة فتجري القاعدة لنفي وجوب قضاء السجدة السابقة أو سجود السهو لها بلا محذور.

الصورة الثانية- نفس الصورة مع فرض حصول الشك بعد الدخول في التشهد

، و حكمه نفس الحكم المتقدم للعلم بزيادة التشهد فلا تجاوز حقيقة فيجري البيان المتقدم فيه، فهذه الصورة ملحقة بالاولى موضوعا أيضا بالدقة.

الصورة الثالثة- نفس الصورة مع فرض حصول الشك بعد الدخول في الركن أو فعل المنافي بعد السلام‏

- بناء على ما هو الصحيح من عدم البطلان بترك الركن بمجرد السلام ما لم يفعل المنافي- و هنا أيضا لا اشكال في فوت السجدة الثانية من الركعة اللاحقة على كل حال و انما يدور امر السجدة الأخرى الفائتة بين أن تكون اولى اللاحقة أو ثانية الاولى و حينئذ قد يقال بجريان القاعدة في كل منهما لصدق التجاوز بالنسبة إليهما معا و تعارضهما ثم التساقط و لزوم الاعادة، و لكنه قد عرفت فيما سبق ان الأصل المصحح لا يعارضه الأصل المتمم و في المقام القاعدة الجارية عن السجدة الأولى للركعة اللاحقة مصحح للصلاة بحسب الحقيقة اذ لو كانت هي الفائتة فقد بطلت بترك الركن بخلاف القاعدة الجارية عن ثانية الركعة السابقة و قد تقدم ان المتمم لا يمكنه ان يعارض المصحح و لا بأس بالتعرض لمبنى هذه القاعدة تفصيلا فنقول يمكن ان يذكر لها احد وجوه:

الوجه الأول- توقف الأصل المتمم على جريان الأصل المصحح اذ لو لا احراز

245

صحة الصلاة من ناحية الركن المشكوك لم تجر القاعدة في غير الركن اذ لو اريد به نفي وجوب الاعادة فالمفروض ان ترك غير الركن لا يترتب عليه الاعادة على كل حال فلا اشتغال بالاعادة من ناحية تركه و ان اريد به نفي وجوب القضاء أو سجود السهو فهما فرع ان يكون ترك غير الركن أو عدم امتثال أمره في صلاة صحيحة فتكون صحة الصلاة مأخوذة في موضوع الحكم بالقضاء أو السهو و عندئذ يقال بانه يستحيل ان يكون الأصل المتمم معارضا مع الأصل المصحح لان ما يتوقف على شي‏ء يستحيل ان يكون معارضا معه كما حقق في محله من علم الأصول.

و هذا البيان غير تام لوضوح ان ما يتوقف على صحة الصلاة ترتب وجوب القضاء أو سجود السهو على فوت غير الركن لا جريان القاعدة و الأصل المتمم فيه بل مفاد الأصل المتمم نفي وجوب القضاء بنفي احد جزئي موضوعه و هو جار في نفسه سواء كان الجزء الآخر للوجوب و هو صحة العمل من سائر النواحي منتفيا أم ثابتا كما هو الحال في جريان الأصول النافية في اجزاء الموضوعات المركبة، نعم في فرض العلم بانتفاء الجزء الأول لا يجري الأصل النافي في الجزء الثاني لعدم الشك في انتفاء الحكم إلا أن المفروض عدم العلم بانتفاء الجزء الأول بحسب الفرض فلا توقف بين الأصلين نفسهما.

الوجه الثاني- ما ذكره المحقق العراقي (قدّس سرّه) من عدم معارضة الأصل المتمم للأصل المصحح من جهة العلم تفصيلا بعدم الاتيان بمجرى الأصل المتمم- غير الركن- على طبق امره امّا لعدم الاتيان به رأسا أو للاتيان به في صلاة فاسدة و مع هذا العلم لا تجري فيه قاعدة التجاوز حتى تعارض مع جريانها في مورد الأصل المصحح الركن- لان موضوعها احتمال الاتيان بالمشكوك في صلاة صحيحة و هو منتف في المقام فتجري القاعدة في الركن بلا معارض و بجريانها فيه يترتب صحة الصلاة فيجب الاتيان بغير الركن مع بقاء محله و قضائه بعد الصلاة مع عدم بقاء محله ان كان مما له القضاء فان احتمال عدم وجوبه حينئذ انما هو من جهة احتمال فساد

246

الصلاة و هذا الاحتمال مرتفع بقاعدة التجاوز الجارية في الركن الحاكمة بصحة الصلاة ظاهرا (1).

و يلاحظ على هذا الكلام:

أولا- ان احتمال تحقق المشكوك في صلاة صحيحة محفوظ فيما اذا كان الجزء الركني المشكوك متأخرا عن الجزء غير الركني المشكوك و لم يدخل بعد في ركن اخر و لم يصدر منه المنافي كمن علم اجمالا قبل اكمال السجدتين بترك الركوع أو القراءة فان احتمال تحقق القراءة في صلاة صحيحة متجه في حقه لصحة صلاته قبل اكمال السجدتين.

و ثانيا- ان اشتراط احتمال تحقق المشكوك في صلاة صحيحة في جريان القاعدة ان كان وجهه اخذ صحة الصلاة من سائر النواحي في موضوع القاعدة فهذا دور محال اذ لازمه توقف جريان القاعدة في كل جزء مشكوك على جريانها في الجزء الآخر المشكوك و هو توقف من الطرفين المحال، و انما المأخوذ في جريان القاعدة عن كل جزء مشكوك ان يترتب عليه الأثر في نفسه من ناحيته بحيث لو فرض احراز سائر الأجزاء بالوجدان او بالتعبد لترتب الأثر عليه بنحو القضية الشرطية و هذا حاصل في المقام حيث يترتب عليه التأمين عن وجوب القضاء و السهو من ناحية نفي احد جزئي موضوعه و هو ترك الجزء غير الركني. و بهذا ظهر وجه المناقشة فيما جاء في كلمات بعض الاعلام من أن جريان القاعدة و ترتب الأثر بالنسبة الى نفي وجوب القضاء أو سجدتي السهو متوقف على احراز صحة الصلاة من غير جهة المشكوك فيه لتكون مؤمنة من ناحيته و في المقام حيث ان صحة العمل من غير جهة المشكوك فيه غير محرزة فلا تجري القاعدة فيه- أي في‏

____________

(1)- نهاية الافكار، ج 4، القسم الثاني، ص 61.

247

الجزء غير الركني- و تجري في الطرف الآخر- أي الركن- بلا معارض‏ (1).

و ان كان وجهه انه مع عدم احتمال تحقق الجزء المشكوك في صلاة صحيحة يقطع بعدم الأثر و عدم صحة الصلاة من ناحيته فالمفروض ان الجزء المشكوك غير ركني فلا يكون الاخلال به مبطلا للصلاة و هذا يعني ان الأثر المراد ترتيبه بجريان القاعدة في الجزء غير الركني ليس هو تصحيح الصلاة بل نفي وجوب القضاء و السهو و كذلك نفي وجوب العود و بقاء اشتغال الذمة بامره اذا كان محل التدارك باقيا و مثل هذا الأثر لا يقطع بعدمه بل هو محتمل لاحتمال صحة الصلاة، تماما كما اذا لم يكن يعلم اجمالا بترك احد الجزءين فيكون موضوع القاعدة في الجزء غير الركني بلحاظ نفي هذا الأثر تاما في نفسه غاية الأمر حيث يعلم اجمالا امّا ببطلان الصلاة و وجوب الاعادة أو وجوب القضاء و السهو يكون جريان القاعدة في الجزء غير الركني معارضا مع جريانها في الجزء الركني بملاك العلم الاجمالي فيتساقطان معا.

الوجه الثالث- عدم جريان القاعدة في الجزء غير الركني ليعارض القاعدة في الجزء الركني لعدم تمامية موضوع الأثر الذي يراد اجرائه بلحاظه فيه، توضيح ذلك: ان الأثر المطلوب من ذلك ان كان نفي العود على الجزء غير الركني و تداركه، فالمفروض القطع بعدم وجوبه اذا كان متقدما على الركن المشكوك امّا للإتيان به أو للدخول في الركن و القطع بوجوبه اذا كان متأخرا عنه اما لعدم الاتيان به أو لترك الركن قبله فيكون على تقدير الاتيان به زيادة في غير محله.

و ان كان الأثر المطلوب نفي وجوب القضاء و السهو فلان وجوبهما اما ان يكون مترتبا على عدم امتثال امر ذلك الجزء أو عدم الاتيان به في الصلاة، فعلى التقدير الأول يقطع بعدم امتثال أمره على كل حال لكونه ارتباطيا لا استقلاليا فهو يعلم بعدم امتثاله تفصيلا اما لبطلان الصلاة رأسا بترك الركن أو لعدم‏

____________

(1)- الدرر الغوالي، ص 37.

248

الاتيان به فلا موضوع للقاعدة بلحاظ هذا الأثر أيضا. و على التقدير الثاني لا بدّ و ان يكون الموضوع لوجوب القضاء و السهو عدم الاتيان بالجزء غير الركني في صلاة صحيحة لا مطلقا و لو كانت فاسدة لوضوح عدم وجوبهما اذا كانت فاسدة و لو ترك فيها غير الركن و المفروض القطع بعدم الاتيان به في صلاة صحيحة و انما يحتمل فساد صلاته زائدا على ذلك من ناحية الركن و هو منفي بجريان القاعدة في الركن.

ان قلت: الموضوع لوجوب القضاء عدم الاتيان به في صلاة صحيحة بنحو القضية المعدولة أي الاتيان بصلاة صحيحة و عدم الاتيان بالجزء غير الركني فيها و هذا لا يقطع به و انما المقطوع به عدم الاتيان به في صلاة صحيحة بنحو الأعم من السالبة بانتفاء الموضوع و المحمول الذي يجتمع مع عدم الاتيان بصلاة صحيحة اصلا و هذا ليس موضوعا لوجوب القضاء أو السهو، و انما الموضوع مركب من جزءين عدم الاتيان بالجزء غير الركني في صلاة و كونها صحيحة- على نحو التركيب- و كل واحد من الجزءين محتمل الثبوت في نفسه و ليس شيئا منهما مقطوع الثبوت، و عليه فكما ان القاعدة في الركن المشكوك فيه تثبت صحة الصلاة و عدم وجوب الاعادة فيتنقح الجزء الأول لوجوب القضاء أو السهو- اذا امكن احراز جزؤه الثاني بالوجدان أو بالتعبد- كذلك القاعدة في الجزء غير الركني المشكوك فيه تنفي الجزء الثاني لوجوب القضاء أو السهو و حيث يعلم اجمالا امّا بوجوب الاعادة أو وجوب القضاء و السهو يقع التعارض و التساقط بين مجرى القاعدتين و لا وجه لتقديم احدهما على الآخر.

قلت: لا موضوع لجريان القاعدة بلحاظ الجزء غير الركني في المقام لان المطلوب من ذلك نفي تنجيز وجوب القضاء و السهو و التأمين عنه من ناحية الشك في الجزء الثاني من موضوعه المركب- و هو عدم الاتيان به و تركه في هذه الصلاة- مع ان المصلي يعلم بانه لا ينتفي هذا الوجوب من ناحية هذا الجزء من موضوعه المركب و يشترط في التأمين أو التنجيز لحكم من ناحية موضوعه ان يكون ثبوته- في‏

249

تنجيزه- أو انتفائه- في التأمين عنه- محتملا من ناحية ذلك الموضوع لان التعبد بالموضوع يرجع روحا الى التنجيز أو التأمين للحكم من ناحية ذلك الموضوع و بمقدار استتباعه له فاذا كان يعلم بعدم استتباعه للتأمين من ناحيته فلا معنى لاطلاق دليل التعبد لذلك الموضوع و ان كان مشكوكا في نفسه و كان انتفاء الحكم المترتب عليه محتملا أيضا من ناحية أخرى لان دليل التعبد ليس في مقام التعبد الاعتباري بالموضوع نفيا أو اثباتا من حيث هو لقلقة اعتبار بل بلحاظ استتباعه للجري العملي بلحاظ الحكم المترتب عليه فاذا كان يعلم بعدم الاستتباع المذكور لم يكن مشمولا لاطلاق دليل التعبد لا محالة، و في المقام حيث يعلم بعدم انتفاء الحكم بوجوب القضاء و السهو من ناحية الجزء الثاني للموضوع أعني ترك الجزء غير الركني في صلاة صحيحة بل امّا ينتفي هذا الوجوب من ناحية انتفاء الجزء الأول لهذا الموضوع و هو صحة الصلاة أو لا يكون منتفيا فلا معنى لشمول اطلاق دليل القاعدة التعبدية- و هي قاعدة التجاوز في المقام- للجزء غير الركني الذي يعني التعبد بانتفاء الجزء الثاني لوجوب القضاء و السهو و التأمين عن حكمه من ناحيته.

و هذا هو الوجه الفني في عدم جريان الأصل المتمم حينما يكون معارضا مع الأصل المصحح و لعله هو روح مقصود المحقق العراقي (قدّس سرّه) و ان كانت عبائر التقريرات قاصرة عن أدائه.

و عليه فلا تجري القاعدة الّا في الجزء الركني و امّا الجزء غير الركني فالجاري فيه استصحاب عدم الاتيان به المثبت لموضوع وجوب القضاء و السهو بل وجوب العود عليه أيضا اذا كان العود ممكنا.

و منه يظهر ان عدم المعارضة بين الأصل المتمم و الأصل المصحح انّما هو من جهة عدم تمامية موضوع جريان الأصل المتمم في مورد جريان الأصل المصحح فلا معارضة لعدم وجود أكثر من أصل واحد هو الأصل المصحح لا انه يجري الأصل المتمم في نفسه و لكنه لا يمكنه أن يعارض الأصل المصحح لتوقفه عليه كما

250

تصوره جملة من الأعلام، ثم أثار جملة من الاعتراضات بناء على مسالك العلية في منجزية العلم الاجمالي و التي لا تخلو من مناقشات و ايرادات تتضح بمراجعة بحوثنا الاصولية فراجع و تأمل‏ (1).

الصورة الرابعة- ان يعلم و هو في حال الجلوس قبل التشهد بفوت سجدتين منه امّا كلتاهما من الركعة الأولى أو احداهما من الأولى و الأخرى من الثانية

، و هذا يعني انه يعلم بفوات سجدة واحدة من الركعة الأولى يقينا و انّما يشك في فوت ثانية الأولى أو أولى الثانية- أعني فوات سجدتين من الأولى أو سجدة واحدة من الثانية- فتجري القاعدة في ثانية الأولى بلا معارض لان الشك في أولى الثانية شك في المحل فيأتي بسجدة ثانية لاصالة الاشتغال أو استصحاب عدم الاتيان بل و للعلم بانه لم يمتثل أمر السجدة الثانية من الركعة الثانية امّا وحدها أو مع الاجزاء الأخرى السابقة لبطلان الصلاة كما لا يخفى وجهه، و يقضي أيضا سجدة بعد اكمال الصلاة مع سجود السهو لان موضوعه يتنقح بعد جريان القاعدة في ثانية الركعة الأولى و بذلك ينحل العلم الاجمالي بوجوب الاعادة أو وجوب القضاء و السهو فتأمل جيدا.

الصورة الخامسة- نفس الصورة مع فرض تجاوز المحل الشكي‏

كما اذا علم بذلك و قد دخل في التشهد، و الحكم في هذه الصورة نفس الحكم في الصورة السابقة و هو جريان القاعدة عن ثانية الأولى و وجوب العود و الاتيان بسجدة للركعة الثانية و قضاء أولى الأولى مع السهو بعد اكمال الصلاة. و لا يتوهم معارضتها مع القاعدة في ثانية الثانية اذ لا موضوع لجريانها حيث يعلم بكون التشهد الذي دخل فيه ليس مأمورا به فيكون زيادة، امّا لبطلان الصلاة أو لعدم اتيانه بثانية الثانية، و كذلك يعلم المصلي بعدم امتثاله لأمر ثانية الثانية، امّا ضمن عدم امتثال الكل- لو كان السجدتان المتروكتان من الأولى معا- أو ضمن عدم امتثاله بالخصوص‏

____________

(1)- راجع مستمسك العروة الوثقى، ص 622، ج 7.

251

فيجب عليه العود و لا موضوع لجريان القاعدة، و هذا يعني انه لا تجاوز بحسب الحقيقة للمحل الشكي فهذه الصورة ملحقة بالسابقة موضوعا أيضا بحسب الدقة.

الصورة السادسة- نفس الصورة مع فرض الدخول في الركن أو فعل المنافي‏

كما اذا حصل له العلم المذكور بعد ان دخل في ركوع الثالثة أو احدث بعد السلام، و حكم هذه الصورة حكم الصورة الثالثة المتقدمة من حيث جريان القاعدة في ثانية الأولى أعني الركن و عدم معارضته بالقاعدة في أولى الثانية لكونها اصلا متمما فلا يصلح لمعارضة الأصل المصحح فيحكم بصحة الصلاة و بالتالي لزوم قضاء سجدتين بعد اكمالها للعلم بتركهما و السهو لذلك أيضا.

هذا اذا كان الموضوع للقضاء و السهو عدم الاتيان و أمّا اذا كان عدم الامتثال لامر الجزء فهو مقطوع به تفصيلا امّا للبطلان أو لعدم الاتيان كما تقدم.

الصورة السابعة- ان يعلم و هو في حال الجلوس قبل التشهد بفوات سجدتين منه اما من الركعة السابقة أو اللاحقة أو احداهما من السابقة و الأخرى من اللاحقة

- و هذا علم اجمالي ثلاثي الأطراف كما انه من حيث الحكم علم اجمالي بوجوب الاعادة أو وجوب الاتيان بسجدتين أو وجوب الاتيان بسجدة و قضاء سجدة و السهو بعد اكمال الصلاة- و هنا تجري القاعدة في سجدتي الركعة الأولى تارة بلحاظ مجموعهما أعني الركن- و هو أصل مصحح- و أخرى بلحاظ واحد منهما- و هو أصل متمم- و لا يعارض بشي‏ء لعدم جريان القاعدة في شي‏ء من سجدتي الركعة الثانية لكون الشك فيهما في المحل بل و للعلم بعدم امتثال الأمر باحداهما على الأقل امّا لبطلان الصلاة أو لعدم الاتيان بها، و امّا الأخرى فهو و ان كان يحتمل امتثال أمرها الّا ان الشك بالنسبة إليها في المحل فيجب الاتيان بهما على كل حال و بهذا ينحل العلم الاجمالي المذكور فلا تجب الاعادة و لا قضاء سجدة من الأولى لجريان القاعدة لا حراز كلتا سجدتيها بحسب الفرض بلا معارض.

الصورة الثامنة- نفس الصورة مع فرض الدخول في التشهد

و حكمه نفس الحكم السابق للعلم بزيادة التشهد على كل حال و عدم وقوعه امتثالا لامره بل‏

252

و لزوم العود على سجدة لعدم امتثال أمر السجدة الثانية من الركعة الثانية على كل حال امّا لبطلان الصلاة أو لعدم الاتيان بها و مع لزوم العود تكون هذه الصورة بالدقة ملحقة بالصورة السابقة حكما و موضوعا.

الصورة التاسعة- نفس الصورة مع فرض الدخول في الركن أو فعل المنافي بعد السلام‏

و هنا تجري القاعدة في ثانيتي الأولى و الثانية أعني عدم ترك مجموع السجدتين- الركن- لا في الأولى و لا في الثانية- و هو الأصل المصحح بحسب الحقيقة و أمّا أولى الأولى و أولى الثانية فيجب قضاؤهما و سجود السهو لهما، أمّا اذا كان الموضوع لذلك عدم امتثال أمرهما فللعلم بعدم امتثال ذلك امّا للبطلان أو لعدم الاتيان بهما، و أمّا اذا كان الموضوع لذلك عدم الاتيان بهما في صلاة صحيحة فلانه اصل متمم فلا يمكن ان يعارض الأصل المصحح حيث يعلم اجمالا بكذب احد الاصلين المتممين في كل من الركعتين مع الأصل المصحح في الركعة الأخرى، بل في المقام يوجد علم اجمالي بكذب احد الأصلين المتممين أيضا الّا ان هذا لا يعني حصول علم اجمالي صغير في ضمن دائرة العلم الاجمالي الكبير- كما قيل- لان كل واحد من الاصلين المتممين في كل واحدة من الركعتين يعارض الأصل المصحح في الركعة الأخرى و الأصل المتمم فيها بمعارضتين مستقلتين فليس المقام من موارد انحلال العلم الكبير بالصغير، نعم المقام مورد لقاعدة أخرى نقحناها في علم الأصول في بحث انحلال العلم الاجمالي بالتكاليف بما في أيدينا من الاخبار و الامارات، حاصله انه كلما كانت لدينا فئتان من الحجج و الأصول كل واحد من افراد احدى الفئتين يعارض فردا من الفئة الأخرى و لكن كانت افراد احدى الفئتين متعارضة في نفسها للعلم الاجمالي بكذب بعضها كانت الفئة التي لا يعلم بكذب بعضها حجة بتمام افرادها فيؤخذ بها و لا يسقط شي‏ء منها بما يقابلها من افراد الفئة الثانية المتعارضة فيما بينها و هذه النكتة تنطبق في المقام حيث يعلم بالتعارض بين الاصلين المتممين في كل من الركعتين سواء كان الاصلان المصححان جاريين فيهما أم لا أي بقطع النظر عن الاصلين المصححين،

253

فالمتممان هما الفئة التي يعلم بكذب بعضها بخلاف المصححين فيجريان بلا محذور و تفصيل ذلك متروك الى محله من علم الأصول و هذه نكتة أخرى لعدم جريان الأصل المصحح في خصوص هذه الصورة.

ثم ان كل هذا لا فرق فيه بين حصول العلم في الأثناء بعد الدخول في الركن أو حصوله بعد الفراغ و فعل المنافي.

و قد اتضح من استعراض هذه الصور التسع ان حكمها و ضابطة جريان القاعدة و عدم جريانها فيها واحد حيث توضح انه كلما كان الشك قبل تجاوز المحل الذكري أي قبل الدخول في الركن أو فعل المنافي بعد السلام فلا بد من الاعتناء بما يحتمل فواته من سجدتي الركعة التي بيده لكونه من الشك في المحل و تجري القاعدة فيما يحتمل فواته من الركعة السابقة سواء كان ركنا فتصح الصلاة به أم لا فينفي وجوب قضاؤه أو السهو عنه لعدم المعارض له، من دون فرق بين كون العلم الاجمالي ثنائي الأطراف أو ثلاثيه، و كلما كان الشك بعد تجاوز المحل الذكري أيضا أي بعد الدخول في الركن أو فعل المنافي بعد السلام تعين قضاء سجدتين و السهو لهما مع الحكم بصحة الصلاة بقاعدة التجاوز، امّا لان موضوع القضاء عدم امتثال الجزء غير الركني و هنا يعلم بعدم امتثال أمر السجدة الواحدة من كل من الركعتين فيعلم بتحقق الجزء الثاني لموضوعه بعد احراز جزئه الأول و هو صحة الصلاة بالقاعدة، أو لا حراز ذلك باستصحاب عدم الاتيان لو كان موضوعه عدم الاتيان به في صلاة صحيحة بعد أن لم تكن القاعدة المتممة جارية فيه، و منه يظهر ان كبرى عدم معارضة الأصل المتمم للأصل المصحح انّما نحتاج إليها في خصوص هذه الفرضية الفقهية لموضوع وجوب القضاء دون الفرضية الأخرى، و في شي‏ء من الصور التسعة لا وجه للحكم بالبطلان كما صدر من السيد (قدّس سرّه) في العروة و غيره من المحققين.

الصورة العاشرة: و هي ما اذا علم اجمالا بفوت سجدتين من احدى الركعات الثلاث المتقدمة

، و فرقها عمّا تقدم انه هنا اذا لم يكن يعلم بفوات سجدة

254

من الركعة التي هو فيها و لم يتجاوز محلها الذكرى على كل تقدير جرت قاعدة التجاوز في نفسها و مع قطع النظر عن المعارضة في كلتا سجدتي الركعة التي هو فيها اذا كان قد تجاوز المحل الشكي لهما كما اذا كان في التشهد حيث لا يعلم فيه بزيادة التشهد اذ لعله قد ترك سجدة من كل واحدة من الركعتين السابقتين فتكون صلاته صحيحة و تشهده في محله أيضا فيقع التعارض في خصوص هذه الفرضية بين قاعدة التجاوز في سجدتي الركعة التي هو فيها و قاعدة التجاوز في سجدات الركعتين السابقتين، و الأولى تنفي وجوب العود عليهما و الثانية تنفي وجوب القضاء و حيث يعلم اجمالا امّا بوجوب العود على سجدة هذه الركعة- كلتاهما أو احداهما على الأقل- أو بوجوب القضاء بعد فرض جريان الأصل المصحح في عدم ترك سجدتين معا من ركعة واحدة- أعني الركن في الركعتين السابقتين لكونه اصلا مصححا- فيقع التعارض بين جريان القاعدة بلحاظ الركعتين السابقتين لنفي وجوب تتميمها بقضاء السجدة و السهو و بين جريانها بلحاظ الركعة التي بيده لنفي وجوب العود على سجودها و بعد التساقط حكم بعض الأعلام بوجوب العود و الاتيان بالسجدتين و قضاء سجدتين أيضا بعد اكمال الصلاة لمنجزية العلم الاجمالي المذكور و اصالة عدم الاتيان بهما و لا منافاة له مع العلم بعدم فوت أكثر من سجدتين بعد عدم استلزام جريان الأصول للمخالفة العملية (1).

الّا ان الصحيح: عدم وجوب قضاء السجدتين لان المصلي يعلم باتيانه بسائر السجدات الواجبة عليه ما عدا السجدتين و انما يشك في ايقاعها في محالها بالترتيب المعتبر شرعا فتجري قاعدة الفراغ فيها بعد فرض اتيانه بالسجدتين المتبقيتين بالوجدان، و هذا التطبيق لقاعدة الفراغ لا يكون ساقطا بالمعارضة مع قاعدة التجاوز في سجدتي الركعة التي بيده لانه يجري بعد اكمال العمل و احراز الاتيان‏

____________

(1)- الدرر الغوالي، ص 39.

255

بذوات السجدات الواجبة في الصلاة، هذا مضافا الى أنه بناء على تعدد القاعدتين- الفراغ و التجاوز- لا بأس بالرجوع الى اطلاق دليل قاعدة الفراغ في احد طرفي العلم الاجمالي بعد سقوط اطلاق دليل قاعدة التجاوز بالتعارض و الاجمال الداخلي في الطرفين على ما حققناه في محله من علم الأصول، على انه لو كان المصلي يحتمل فوات السجدتين معا من الركعة التي بيده و جاء بها فسوف يعلم تفصيلا بعدم وجوب أكثر من قضاء سجدة واحدة عليه امّا لبطلان الصلاة بالسجدتين أو لتحقق احدى المتروكتين و تداركها في الأثناء فلا يحتمل قضاء سجدتين عليه أصلا، و هكذا يتضح عدم الفرق بين حكم هذه الصورة التي تكون اطراف التردد ثلاث ركعات و الصور السابقة التي كانت اطراف التردد فيها ركعتين من حيث انه اذا كان الشك المقرون بالعلم الاجمالي حاصلا بعد الدخول في الركن و فوات المحل الذكري جرت القاعدة المصححة في الصلاة و وجب قضاء ما علم اجمالا فوته من السجدات و اذا كان قبل ذلك وجب العود و الاتيان بكل ما يحتمل تركه من سجود الركعة التي بيده و لا قضاء عليه الّا بالنسبة لما يقطع بفواته من الركعتين السابقتين، نعم وجوب العود هناك كان من باب عدم جريان قاعدة الفراغ لكون الشك في المحل و العلم بزيادة التشهد أو أي جزء غير ركني مترتب دخل فيه بينما يكون هنا من باب التعارض و التساقط الّا ان هذا لا يوجب فرقا بعد ما عرفت من جريان قاعدة الفراغ بالنحو المتقدم فلا تصل النوبة الى اصالة عدم الاتيان بالسجدة الثانية من الركعتين السابقتين لكي يثبت وجوب القضاء، و امّا سجود السهو فيجب الاتيان به لا لنقصان السجدة حيث قد عرفت احراز السجدات الواجبة بذاتها بالوجدان و بترتيبها بقاعدة الفراغ، بل باعتبار زيادة التشهد أو القيام اذا كان حصول العلم الاجمالي بعد الدخول فيه حيث يعلم بعدم وقوعهما امتثالا للأمر امّا لبطلان الصلاة أو لكونهما زيادة فاذا كان موضوع السهو مركبا من جزءين، الاتيان بصلاة صحيحة و ان يكون قد جاء ضمنها بفعل مسانخ لاجزاء الصلاة بقصد الجزئية مع عدم كونها جزء و متعلقا للأمر أمكن احراز ذلك‏

256

بضم التعبد الى الوجدان حيث يحرز صحة الصلاة المأتي بها بالقاعدة و وقوع تشهد أو قيام غير مأمور به ضمنها بالوجدان، نعم اذا كان السهو مرتبا على عنوان الزيادة المنتزع تكوينا من صحة صلاة قد وقع فيها فعل مسانخ لاجزاء الصلاة بلا أمر به لم يمكن اثبات ذلك بضم التعبد المذكور الى الوجدان الّا بنحو الأصل المثبت و الملازمة العقلية فلا يجب السهو من ناحية الزيادة كما لا يجب من جهة النقيصة.

و نكتفي بهذا المقدار من تطبيقات القاعدة على موارد العلم الاجمالي.

و الحمد للّه أوّلا و آخرا ..