عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - ج1

- محمد محمد أمين المزيد...
557 /
55

و فرس، و امتدحه عبد الحميد بقصيدة، لأنه كان‏ (1) شيعيا معتزليا.

و فيها: ......... (2)

و فيها: لم يحج أحد بالناس من العراق.

____________

(1) «و كأنه» فى الأصل، و التصحيح من البداية و النهاية جـ 13 ص 181.

(2) «...... » بياض فى الأصل.

56

ذكر من توفّى فيها من الأعيان‏

أقضى القضاة أبو الفضل عبد الرحمن‏ (1) بن عبد السلام بن إسماعيل بن عبد الرحمن ابن إبراهيم اللمغانى الحنفى. من بيت العلم و القضاء.

درس بمشهد أبى حنيفة رضى اللّه عنه، و ناب عن قاضى القضاة بن فضلان الشافعىّ، ثم عن قاضى القضاة أبى صالح نصر بن عبد الرزاق الحنبلى، ثم عن قاضى القضاة عبد الرحمن بن مقبل الواسطى، ثم بعد وفاته استقر القاضى عبد الرحمن اللمغانى بولاية الحكم ببغداد، و لقب أقضى القضاة، و لم يخاطب بقاضى القضاة، و درس للحنفية بالمستنصرية فى سنة خمس و ثلاثين و ستمائة، و كان مشكور السيرة فى أحكامه و نقضه و إبرامه.

و لما توفى تولى بعده قضاء القضاة ببغداد شيخ النظامية سراج الدين النهر قلى كما ذكرنا.

و قال صاحب طبقات الحنفيّة: إن أقضى القضاة عبد الرحمن المذكور توفى يوم الجمعة ضاحى نهار الحادى عشر من رجب سنة تسع و أربعين و ستمائة، و دفن بمقابر أبى حنيفة رحمة اللّه، و كان مولده فى المحرّم سنة أربع و ستين و خمسمائة.

و اللمغانى-بفتح اللام و سكون الميم‏ (2) و فتح العين المعجمة-نسبة إلى لمغان و هى مواضع بين جبال غزنه.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، الدليل الشافى جـ 1 ص 400، البداية و النهاية جـ 13 ص 181، السلوك جـ 1 ص 382.

(2) «بفتح الميم» فى معجم البلدان.

غ

57

بهاء الدين على‏ (1) بن هبة اللّه بن سلامة الجميزى خطيب القاهرة.

رحل من صغره إلى إلعراق، فسمع بها و بغيرها، و كان فاضلا، أتقن مذهب الشافعى، و كان دينا، حسن الأخلاق، واسع الصدر، كثير البر، قلّ إن قدم عليه أحد إلا أطعمه شيئا، و قد سمع الكثير على الحافظ السلفى و غيره، و أسمع الناس كثيرا من مروياته.

و كانت وفاته فى ذى‏[332]الحجة من هذه السنة و له تسعون سنة، و دفن بالقرافة.

ابن عمرون الحلبى، هو الشيخ الإمام أبو عبد اللّه محمد بن محمد بن أبى علىّ ابن سعد بن عمرون الحلبى النحوى.

مات فى شهر ربيع الأول و دفن من يومه بالمقام، و مولده فى سنة ست و خمسمائة تقديرا، سمع من أبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد (2) ، و حدّث، و قرأ الأدب و برع فيه، و أقرأ مدة، و انتفع به جماعة.

أبو الفتح الصوفى، الشيخ الفقيه الحنفى الصوفى، أحمد بن يوسف ابن عبد الواحد بن يوسف الأنصارى الدمشقى الأصل، الحلبى المولد.

توفى فى السادس عشر من شعبان بحلب، و دفن من الغد بالمقام ظاهر حلب.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، الدليل الشافى جـ 1 ص 487، البداية و النهاية جـ 13 ص 181، السلوك جـ 1 ص 382، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 24، العبر جـ 5 ص 203، شذرات الذهب جـ 5 ص 246.

(2) هو عمر بن محمد بن معمر، أبو حفص، موفق الدين، ابن طبرزد، المتوفى سنة 607 هـ /1210 م-العبر جـ 5 ص 24.

58

تفقه على مذهب الإمام أبى حنيفة رضى اللّه عنه، و قرأ علم النظر و الخلاف و برع فيهما، و استدعى إلى بغداد، و ولى بها تدريس الفرقة الحنفية بالمدرسة المستنصرية (1) مدة، ثم استأذن فى العود إلى وطنه، فأذن له فى ذلك، فعاد إلى حلب و درس بها بالمدرسة المقدمية (2) ، و بمدرسة الحدادين‏ (3) ، و كان قد ولى مشيخة رباط سنقرجاه بعد موت أبيه، رحمهما اللّه.

علم الدين قيصر (4) بن أبى القاسم بن عبد الغنى بن مسافر، الفقيه الحنفى المقرئ، المعروف بتعاسيف.

كان إماما فى العلوم الرياضية، اشتغل بالديار المصرية و الشام، ثم سافر إلى الموصل، و قرأ على الشيخ كمال الدين بن يونس علم الموسيقى، ثم عاد إلى الشام، و توفى بدمشق فى شهر رجب منها، و مولده سنة أربع و خمسين‏ (5) و خمسمائة بأصفون‏ (6) بليدة بالصعيد.

____________

(1) المدرسة المستنصرية ببغداد: أنشأها الخليفة المستنصر باللّه المتوفى سنة 640 هـ/1242 م، و وقفها على المذاهب الأربعة، و هى أول مدرسة فى الدولة الإسلامية تدرس المذاهب الأربعة- المدرسة المستنصرية ص 28-30

(2) المدرسة المقدمية بحلب: أنشأها عز الدين عبد الملك بن المقدم، من أمراء صلاح الدين سنة 564 هـ/1168 م-خطط الشام جـ 6 ص 110.

(3) هكذا بالأصل، و هى المدرسة الحدادية بحلب، أنشأها حسام الدين محمد بن عمر بن لاچين، ابن أخت صلاح الدين-خطط الشام جـ 6 ص 109-110.

(4) و له أيضا ترجمة فى: المختصر جـ 3 ص 186، نهاية الأرب جـ 27 ورقة 12، السلوك جـ 1 ص 382، الطالع السعيد ص 469 رقم 366، حسن المحاضرة جـ 1 ص 250، وفيات الأعيان جـ 5 ص 318 رقم 275. المختصر جـ 3 ص 186.

(5) «أربعة و سبعين» فى المختصر جـ 3 ص 186.

(6) «يأسفون» فى الطالع السعيد.

أصفون: فى معجم البلدان-و هى من القرى القديمة و هى حاليا تابعة لمركز إسنا بمحافظة قنا- القاموس الجغرافى ق 2 جـ 4 ص 152.

59

جمال الدين بن مطروح أبو الحسين يحيى‏ (1) بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين ابن على بن حمزة بن إبراهيم بن الحسين بن مطروح، الملقب جمال الدين.

من أهل صعيد مصر، و نشأ هناك، و أقام بقوص مدة، و تقلبت به الأحوال فى الخدم و الولايات، ثم انصل بخدمة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل بن السلطان الملك العادل بن أيوب‏[332]، و كان إذ ذاك نائبا عن أبيه الكامل بالديار المصرية، و لما اتسعت مملكة الكامل بالبلاد الشرقية، فصار له آمد و حصن كيفا و حرّان و الرّها و الرقة و رأس عين و سروج و ما انضم إليها، سيّر إليها ولده الصالح المذكور نائبا عنه و ذلك فى سنة تسع و عشرين و ستمائة، فكان ابن مطروح المذكور معه، و لم يزل ينتقل فى البلاد إلى أن وصل الملك الصالح إلى مصر مالكا لها فى سنة سبع و ثلاثين و ستمائة، كما ذكرنا، ثم وصل ابن مطروح بعد ذلك إلى الديار المصرية فى أوائل سنة تسع و ثلاثين و ستمائة، فرتبّة السلطان ناظرا فى الخزانة، و لم يزل يتقرب منه و يحظى عنده إلى أن ملك الصالح دمشق فى الدفعة الثانية من سنة ثلاث و أربعين و ستمائة، كما ذكرناه، ثم إن السلطان بعد ذلك رتب لدمشق نوابا، فكان ابن مطروح فى صورة وزير لها، و مضى إليها، و حسنت حاله، و ارتفعت منزلته، ثم عزله الصالح لأمور نقمها عليه، و هو مواظب للخدمة مع إعراض الملك الصالح عنه.

و لما توفى الملك الصالح بالمنصورة، كما ذكرناه، وصل ابن مطروح إلى مصر، و أقام بها فى داره إلى أن مات ليلة الأربعاء مستهل شعبان سنة تسع و أربعين و ستمائة بمصر، و دفن بسفح المقطم.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: نهاية الأرب جـ 27 ورقة 120، وفيات الأعيان جـ 6 ص 254 رقم 810، العبر جـ 5 ص 204 شذرات الذهب جـ 5 ص 247، السلوك جـ 1 ص 382، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 197-340، و ورد ذكر وفاته سنة 650 هـ فى البداية و النهاية جـ 13 ص 182.

60

و قال ابن خلكان: و حضرت الصلاة عليه و دفنه، و أوصى أن يكتب عند رأسه دو بيت نظمه فى مرضه و هو:

أصبحت بقعر حفرة مرتهنا # لا أملك من دنياى إلا الكفنا (1)

يا من وسعت عباده رحمته # من بعض عبادك المسيئين أنا

و كانت ولادته يوم الإثنين ثامن رجب سنة إثنتين و تسعين و خمسمائة بأسيوط، و هى بليدة بالصعيد الأعلى من ديار مصر.

و قال ابن خلكان: و كانت أدواته جميلة، و خلاله حميدة، جمع بين الفضل و المروءة و الأخلاق الرضية، و كانت بينى و بينه مودّة أكيدة، و مكاتبات فى الغيبة، و مجالس فى الحضرة، تجرى فيها مذاكرات لطيفة، و له ديوان شعر.

أنشدنى‏[أكثره‏]. (2)

و كان فى بعض‏[334]أسفاره قد نزل فى طريقه بمسجد و هو مريض فقال:

يا ربّ إن عجز الطبيب فداونى # بلطيف صنعك و اشفنى يا شافى

أنا من ضيوفك قد حسبت و إن من # شيم الكرام البرّ بالأضياف‏ (3)

و له أيضا:

يا من لبست عليه أثواب الضنى # صفراء (4) موشّعة بحمر الأدمع

أدرك بقيّة مهجة لو لم تذب # أسفا عليك نفيتها عن أضلعى‏

____________

(1) «كفنا» فى وفيات الأعيان جـ 6 ص 226.

(2) []إضافة من وفيات الأعيان جـ 6 ص 260.

(3) انظر وفيات الأعيان جـ 6 ص 261.

(4) «صفرا» فى وفيات الأعيان جـ 6 ص 262.

61

و كان فى مدّة انقطاعه فى داره، و ضيق صدره بسبب عطلته، و كثرة كلفته، قد حدث فى عينيه ألم انتهى به إلى مقاربة العمى.

و قال ابن خلكان أيضا: و كنت أجتمع به فى كل وقت، فتأخرت عنه مديدة لعذر أوجب ذلك، و كنت فى ذلك الوقت أنوب فى الحكم بالقاهرة عن قاضى القضاة بدر الدين أبى المحاسن يوسف‏ (1) بن الحسن بن على الحاكم بالديار المصرية المعروف بقاضى سنجار، فكتب إلىّ ابن مطروح‏[يقول‏] (2) :

يا من إذا استوحش طرفى له # لم يخل قلبى منه من أنس

و الطرف و القلب على ما هما # عليه مأوى البدر و الشمس‏

و كان بينه و بين بهاء الدين زهير (3) صحبة قديمة من زمن الصبا، و إقامتهما ببلاد (4) الصعيد، حتى كانا كالأخوين و ليس بينهما فرق فى أمور الدنيا، ثم اتصلا بخدمة الملك الصالح و هما على تلك المودّة، و بينهما مكاتبات بالأشعار فيما يجرى لهما (5) ، فأخبرنى بهاء الدين زهير أن جمال الدين بن مطروح كتب إليه فى بعض الأيام يطلب منه درج ورق، و[كان قد (6) ]ضاق به الوقت، و أظنهما كانا ببلاد الشرق‏[معا] (7) :

____________

(1) توفى سنة 663 هـ/1264 م، المنهل، و انظر ما يلى.

(2) []إضافة من وفيات الأعيان جـ 6 ص 262.

(3) هو زهير بن محمد بن على بن يحيى، الشاعر، المتوفى سنة 656 هـ/1258 م-المنهل، و انظر ما يلى.

(4) «بلد» فى الأصل، و التصحيح من وفيات الأعيان جـ 6 ص 263.

(5) «فيما جرى بينهما» فى الأصل، و التصحيح من وفيات الأعيان جـ 6 ص 263.

(6) []إضافة من وفيات الأعيان.

(7) []إضافة من وفيات الأعيان.

62

أفلست يا سيدى من الورق # فجد بدرج كعرضك اليقق

و إن أتى بالمداد مقترنا # فمرحبا بالخدود و الحدق‏ (1)

و فى تاريخ المؤيد: و فى سنة تسع و أربعين و ستمائة توفى الصاحب محيى الدين ابن مطروح، و كان متقدما عند الملك الصالح أيوب، كان‏ (2) يتولى له-لما كان الصالح‏ (3) بالشرق-نظر الجيش، ثم استعمله على دمشق، ثم عزله، و ولى ابن يغمور، و كان‏[ابن مطروح المذكور (4) ]فاضلا فى النثر و النظم و من شعره‏ (5) :

[335]

عانقته فسكرت من طيب الشذا # غصنا رطيبا (6) بالنسيم قد اغتذا

نشوان ما شرب المدام و إنما # أمسى بخمر رضابه متنبّذا

جاء العذول يلومنى من بعد ما # أخذ الغرام علىّ فيه ماخذا

لا أرعوى لا أنثنى لا أنتهى # عن حبّه فليهذ فيه من هذا

إن عشت عشت على الغرام و إن أمت # وجدا به و صبابة يا حبذا (7)

____________

(1) انظر وفيات الأعيان جـ 2 ص 336، ج 6 ص 263.

(2) «و كان» فى الأصل، و التصحيح من المختصر جـ 3 ص 186.

(3) «الصاحب» فى الأصل، و هو تحريف، و التصحيح من المختصر.

(4) []إضافة من المختصر.

(5) «فمن» فى المختصر.

(6) «غصن رطيب» فى المختصر.

(7) انظر المختصر جـ 3 ص 186.

63

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الخمسين بعد الستمائة

____________

*

إستهك هذه السنة، و الخليفة: المستعصم باللّه.

و سلطان الديار المصرية: الملك المعز عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحى التركمانى.

و صاحب دمشق و حلب: السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن السلطان الملك العزيز محمد بن السلطان الملك الظاهر غازى بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الأمير نجم الدين أبوب.

و صاحب حمص: الملك الأشرف موسى بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد شيركوه بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شادى.

و صاحب حماة: الملك المنصور محمد بن الملك المظفر محمود بن الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب.

و صاحب عينتاب: الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غارى ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب.

و صاحب بلاد الروم: السلطان غياث الدين كيخسرو بن السلطان علاء الدين كيقباد السلجوقى.

____________

(*) يوافق أولها الحميس 14 مارس 1252 م.

64

و صاحب ماردين: «...... » (1) .

و صاحب الموصل: بدر الدين لؤلؤ.

و أما بلاد عراق العجم و بلاد خراسان و غيرها إلى بلاد ماوراء النهر و بلاد الدشت و غيرها: ففى أيادى أولاد جنكز خان.

و صاحب اليمن: صلاح الدين يوسف بن عمر بن على بن رسول.

ثم اعلم أن الديار المصرية و الشامية انتهت بعد إنقضاء الدولة العبيدية الفاطمية إلى الدولة الأيوبية كما ذكرناه مفصلا، ثم لما شاء اللّه تعالى انقراض الدولة الأيوبية و ذريتها سبق فى علمه الأزلى أن‏[336]صلاح هذه المملكة بتولية أولى النجدة و البأس، و أن الترك من بينهم هم أصلح الأجناس، و أن فى هدايتهم إلى الإيمان صلاحا خاصا و عاما، فأخرج طائفة منهم من الظلمات إلى النور، و حباهم بأنواع العطايا بالبهجة و السرور، و قيض اللّه تجارا أخرجوهم إلى الآفاق خصوصا فى أيام استيلاء التتار على البلاد المشرقية و الشمالية و على الأتراك القفجاقية (2) ، فجاءت منهم طائفة إلى البلاد الشامية و الديار المصرية فى أواخر الدولة الأيوبية، فاشتراهم ملوك بنى أيوب بأبخس الأثمان ليزينوا بهم مواكبهم فى البلدان، و ليتخذوهم عدة (3) عند النوائب، لما فيهم من الشجاعة و الإقدام

____________

(1) «...... » بياض فى الاصل.

و صاحب ماردين فى هذه السنة هو الملك السعيد نجم الدين غازى (إيلغازى) بن أرتق بن أرسلان، المتوفى سنة 658 هـ/1260 م-أنظر ما يلى فى وفيات سنة 658 هـ، و تاريخ الدول الإسلامية ص 353.

(2) هزم التتار قبائل القفجاق سنة 617 هـ/1220 م-، و عن القفجاق و استيلاء التتار على بلادهم-انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 321-322، الكامل جـ 12 ص 385-386

(3) «عدة» مكررة فى الأصل‏

65

فى المصائب، ثم صارت منهم جماعة أمراء كبارا مقدّمين، و جماعة منهم ملوكا سلاطين، فملك منهم من الذين جلبوا و بيعوا إلى يومنا هذا و هو سنة اثنتين و ثلاثين و ثمانمائة (1) أحد عشر نفسا و هم:

الملك المعزّ أيبك التركمانى: و هو أول الملوك الأتراك الذين ملكوا الديار المصريّة، و الملك المظفر قطز، و الملك الظاهر بيبرس، و الملك المنصور قلاون‏ (2) ، و الملك العادل كتبغا، و الملك المنصور لاجين، و الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، و الملك الظاهر برقوق، و الملك المؤيد شيخ، و الملك الظاهر ططر، و الملك الأشرف برسباى.

قال بيبرس فى تاريخه: و أوّل من اهتم بتحصيلهم و احتفل بتجميلهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، و أخوه الملك العادل أبو بكر، ثم ولده الملك الكامل، و لما آلت المملكة إلى ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب استكثر منهم استكثارا بذل فيهم المجهود، و بلغ منهم المقصود، و بذل فيهم الأموال الكثيرة، و أصرف لأجلهم الأشياء الغزيرة، ثم لما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب، و قتل ابنه الملك المعظم، ولّوا زوجة أستاذهم الملك الصالح المسماة بشجر الدرّ لقصدهم استمرار الملك فى البيت الأيّوبى و لا يخرج عنه، و تصدر الأمور كلها منه فكانوا لها أطوع من البنان برهة من الزمان، ثم لما رأوا أنّ ذلك قصر بحقوق الملك و أزرى عليه، و اشتدّت‏[337]أطماع من كان بالشام إليه، فاحتاجوا إلى إقامة رجل يزاحم بمنكبه المناكب، و يباهى بموكبه

____________

(1) هذا هو تاريخ تأليف هذا الجزء من الكتاب.

(2) هكذا فى الأصل، و فى وثائق الوقف «قلاون» ، و ترد فى بعض المصادر قلاوون-انظر تذكرة النبيه جـ 1 ص 295 و ما بعدها.

66

المواكب، و يقوم بتدبير البلاد و العباد، و يحسم مادّة الفساد و العناد، و يبنى الملك على الأساس و العماد.

قال الشاعر:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم # و لا سراة إذا جهّالهم سادوا

و البيت لا يبنى إلاّ بأعمدة # و لا عمادا إذا لم ترسّ أوتاد

فإن تجّمع أوتاد و أعمدة # فقد بلغوا الأمر الذى كادوا

فأقاموا الأمير عز الدين أيبك الجاشنكير الصالحىّ مدبّر الممالك مضافا اسمه إلى اسم الملك الأشرف موسى بن الملك المسعود المعروف بأطسز بن الملك الكامل ابن الملك العادل بن أيوب فى التواقيع و المناشير و سكة الدراهم و الدنانير، فاستقر الأمر على ذلك.

ثم لما ظهرت‏ (1) أطماع الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب البلاد الحلبيّة و الشاميّة، و تبع على ذلك الإرجاف بما تواتر من الأخبار بحركة التتار، و لا سيما دخول هلاون بلاد العراق، و استيلائهم على تلك الآفاق، و رأوا صغر سنّ الملك الأشرف، و عدم قيامه بواجب أمور المملكة، اجتمعت الآراء، و اتفقت الأمراء على استقلال عز الدين أيبك التركمانى الجاشنكير بالسلطنة، و استقلاله بها على انفراده، فأقاموه على ذلك، و أزالوا عن الأشرف اسم السلطنة، و أسقطوا اسمه من السكة و الخطبة.

قال بيبرس فى تاريخه: و ذلك فى شهور هذه السنة، أعنى سنة خمسين و ستمائة.

____________

(1) «ثم لما ظهر أطماع» فى الأصل.

67

قلت: ذكر بيبرس هذا فى السنة الماضية، أعنى فى سنة تسعة و أربعين و ستمائة، و قال هناك: عزم الملك المعزّ أيبك على تزويج شجر الدر و الاستقلال بالسلطنة و إبطال أمر الملك الأشرف من الملك، فأبطله و خلعه و أزاله و نزعه، ثم قال هاهنا: إن الاتفاق على سلطنته كان فى هذه السنة، أعنى سنة خمسين و ستمائة (1) .

و مع هذا ذكر هو و غيره أن‏[338]الملك المعز أيبك إنما كانت سلطنته فى سنة ثمانية و أربعين و ستمائة.

قلت: التوفيق فى هذا الكلام أنه تسلطن فى سنة ثمانية و أربعين و ستمائة، و لكنه ما أقام إلا شيئا يسيرا جدّا، كما ذكرناه هناك، و لم يعتبروا هذه السلطنة حيث لم تمتد أيامها و لا ظهرت أحكامها، فكانت كسلطنة الأمير بيدرا عند قتله الملك الأشرف خليل بن الملك المنصور قلاون‏ (2) عند الطرّانة (3) ، فإنه تسلطن و تلقب بالملك القاهر و أقام نصف نهار، ثم ضربت رقبته كما سيأتى بيانه إن شاء اللّه تعالى، ثم كان عزمه للسلطنة و استقلاله بها فى أواخر سنة تسعة و أربعين و ستمائة، فلذلك ذكروا أن سلطنته كانت فى هذه السنة، أعنى سنة تسعة و أربعين و ستمائة، و لكن لما وقع استقلاله التامّ بها، و ظهوره بها، و نفاذ

____________

(1) انظر أيضا الجوهر الثمين ص 257.

(2) و ذلك فى المحرم سنة 693 هـ/1293 م-تذكرة النبيه جـ 1 ص 168، و انظر ترجمة بيدرا بن عبد اللّه المنصورى-المنهل الصافى جـ 3 ص 493 رقم 734.

(3) الطرانة: من القرى المصرية القديمة بمركز كوم حمادة من أعمال البحيرة-التحفة السنبة ص 120، القاموس الجغرافى ق 2 جـ 2 ص 331-332.

68

كلمته، و انتشار مراسيمه فى هذه السنة، أعنى سنة خمسين و ستمائة، أسندت سلطنته و ظهورها التامّ إلى هذه السنة، أعنى سنة خمسين.

ثم لما استقلّ بذلك فى هذه السنة شرع فى تحصيل الأموال، و استخدام الرجال، و استوزر شخصا من نظار الدواوين يسمّى شرف الدين هبة (1) اللّه بن صاعد الفائزى، كان من القبط الكتّاب، ثم عدل عن أهل الكتاب، و أسلم فى الدولة الكاملية، و تقدّم فى المناصب الديوانيّة، فقرر أموالا على التجار و ذوى اليسار و أرباب العقار، و رتّب مكوسا و ضمانات و سماها حقوقا (2) و معاملات، و استقرّت و تزيّدت إلى يومنا هذا.

ثم فى هذه السنة أمرّ الملك المعزّ كبار مماليكه، و رتّب سيف الدين‏ (3) قطز نائب السلطنة، و كان أكبرهم و أقدمهم هجرة، و أعظمهم لديه أثرة، و قطع خبز حسام الدين بن أبى علىّ الهذبانى الذى كان نائبا بالديار المصريّة، ثم لما قطع الملك المعزّ خبزه طلب دستورا أن يروح إلى الشام، فأعطاه دستورا، فسافر إلى الملك الناصر يوسف و أعطاه إمرة خمسمائة فارس.

و فى هذه السنة تسلم‏ (4) المصريون الشوبك من نائب الملك المغيث فتح الدين عمر، و لم يبق بيده غير الكرك و البلقاء[339]و بعض الغور.

____________

(1) توفى سنة 655 هـ/1257 م-انظر ترجمته فيما يلى فى وفيات 655 هـ.

(2) «سماها الحقوق السلطانية و المعاملات الديوانية» فى السلوك جـ 1 ص 384.

(3) توفى سنة 658 هـ/1259 م، انظر ما يلى.

(4) «تسلمت» فى الأصل.

غ

69

ذكر بقيّة الحوادث فى هذه السنة:

منها: أن التتار وصلت إلى الجزيرة و سروج و رأس العين و ما والى هذه البلاد، فقتلوا و سبوا، و نهبوا و خرّجوا، و وقعوا بتجار يسيرون بين حران و رأس العين، فأخذوا منهم ستمائة حمل سكر و معمول مصر (1) ، و ستمائة ألف دينار، و قتلوا فى هذه البلاد زيادة على عشرة آلاف نفس، و قتلوا الشيوخ و العجائز، و ساقوا من النسوان و الصبيان ما أرادوا، و رجعوا إلى خلاط (2) ، و قطع أهل الشرق الفرات، و خاض‏ (3) الناس فى القتلى من دنيسر (4) إلى الفرات.

قال السبط: و حكى لى شخص من التجار قال: عددت على جسر بين حران و رأس العين فى مكان واحد ثلاثمائة و ثمانين قتيلا (5) .

و منها: أنه وقع حريق بحلب، احتراق بسببه ستمائة دار، يقال: إن الفرنج لعنهم اللّه ألقوه فيما قصدا.

و منها: أنه استقرّ الصلح بين الملك الناصر يوسف صاحب الشام و بين البحرية بمصر، على أن يكون للمصريين إلى نهر الأردن و للملك الناصر ما وراء ذلك، و ذلك بواسطة نجم الدين البادرائى‏ (6) رسول الخليفة بسبب ذلك.

____________

(1) «ستمائة حمل سكر من عمل مصر» . السلوك جـ 1 ص 384. ، و «ستمائة حمل سكر مصرى» -النجوم الزاهرة جـ 7 ص 25.

(2) «أخلاط» فى الأصل، و التصحيح من السلوك و النجوم الزاهرة.

و خلاط: بكسر أوله، قصبة أرمينية الوسطى-معجم البلدان.

(3) «و خاض» مكررة فى الأصل.

(4) دنيسر: بلدة مشهورة من نواحى الجزيرة، قرب ماردين-معجم البلدان.

(5) مرآة الزمان جـ 8 ص 787.

(6) هو عبد اللّه بن محمد بن الحسن بن عبد اللّه البغدادى، نجم الدين البادرائى، نسبة إلى بادريا: قرية من عمل واسط، توفى سنة 655 هـ/1257 م-انظر ترجمته فيما يلى.

70

قال بيبرس: و فى هذه السنة وصل من بغداد إلى القاهرة الشيخ نجم الدين ابن البادرائى رسولا من عند الخليفة المستعصم ليصلح ما بين الملك الناصر صاحب الشام و بين الملك المعزّ صاحب مصر، فتقرّر الصلح و ترتّب، و رجع الناصر و عسكره إلى دمشق، و عاد المعزّ من البادرة إلى قلعة الجبل‏ (1) .

و منها: أن الملك الناصر يوسف صاحب دمشق و حلب أفرج عن الناصر داود بن المعظم، صاحب الكرك كان، و كان قد اعتقله بقلعة حمص على ما ذكرناه، و ذلك بشفاعة الخليفة المستعصم فيه، فأفرج عنه و أمره أن لا يسكن فى بلاده، فرحل الناصر داود المذكور إلى جهة بغداد، فلم يمكنوه من الوصول إليها و طلب وديعته الجوهر، فمنعوه إياها، و كتب الناصر يوسف إلى ملوك الأطراف:

لا يأووه‏ (2) و لا يميروه، فبقى الناصر داود فى جهات عانة و الحدث، و ضاق به الحال و بمن معه، و انضمّت إليه جماعة من غزيّة، فبقوا يرحلون و ينزلون جميعا، ثمّ لما قوى‏[340]عليهم الحرّ و لم يبق بالبرّية عشب و لا كلأ، قصدوا أزوار الفرات يقاسون بقّ الليل و هواجر النهار، و كان معه أولاده، و كان لولده الظاهر شادى فهد، فكان يصيد فى النهار ما يزيد على عشرة غزلان، و كان يمضى للناصر و لأصحابه أيام لا يطمعون غير لحوم الغزلان.

و اتفق أن الأشرف صاحب تل باشر و تدمر و الرحبة يومئذ أرسل إلى الناصر داود مركبين موسقين دقيقا و شعيرا، و أرسل الناصر يوسف صاحب دمشق يتهدّده على ذلك.

____________

(1) «و عاد الملك المعز و عسكره إلى قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء سابع صفر» (سنة 651 هـ) - السلوك جـ 1 ص 386، و انظر ما يلى فى أحداث سنة 651 هـ.

(2) «لا يؤوه» فى الأصل.

71

ثم أن الناصر داود قصد مكانا للشرابىّ و استجار به، فرتّب له الشرابىّ شيئا دون كفايته، و أذن له فى النزول بالأنبار، و بينها و بين بغداد ثلاثة أيام، و الناصر داود مع ذلك يتضرع إلى الخليفة المستعصم فلا يجيب ضراعته، و يطلب منه وديعته فلا يردّها إليه، و لا يجييه إلا بالمماطلة و المطاولة.

و كانت مدة مقامه منتقلا فى الصحارى مع غزية ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك أرسل الخليفة و شفع فيه عند الناصر يوسف، فأذن له فى العود إلى دمشق، و رتّب له مائة ألف درهم على بحيرة فامية و غيرها، فلم يتحصّل من ذلك إلاّ دون ثلاثين ألف درهم.

و منها: أنه وصلت الأخبار من مكة بأنّ نارا ظهرت فى أرض عدن و بعض جبالها، بحيث كانت‏ (1) تظهر بالليل، و يرتفع بالنهار دخان عظيم.

و فيها: «........ » (2) .

و فيها: حج بالناس من بغداد، فكان لهم عشر سنين لم يحجوا منذ مات المستنصر (3) باللّه إلى هذه السنة.

____________

(1) «كان» فى الأصل.

(2) «...... » بياض فى الأصل.

(3) هو المستنصر باللّه أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر اللّه محمد بن الناصر أحمد، المتوفى سنة 640 هـ/1242 م-العبر جـ 5 ص 166، شذرات الذهب جـ 5 ص 209، و ورد أنه توفى سنة 639 هـ-الجوهر الثمين ص 174.

72

ذكر من توفّى فيها من الأعيان‏

صاحب المشارق فى الحديث، و العباب فى اللغة، الصاغانى أبو الفضائل الحسن‏ (1) بن محمد بن الحسن بن حيدر بن على بن إسماعيل القرشى العدوىّ العمرى، من ولد عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، الصاغانى المحتد، اللوهورى، البغدادى الوفاة، الفقيه الحنفى المحدّث اللغوى المنعوت بالرضى.

ولد بلوهور-بفتح اللام و سكون الواوين بينهما هاء مفتوحة و فى آخرها راء-و هى مدينة كبيرة من بلاد[341]الهند، كثيرة الخير، و يقال لها:

لهاوور أيضا، سنة سبع و سبعين و خمسمائة، يوم الخميس عاشر صفر، و نشأ بغزنة، و دخل بغداد فى صفر سنة خمس عشرة و ستمائة، و توفى بها ليلة الجمعة تاسع عشر شعبان سنة خمسين و ستمائة، و دفن بداره فى الحريم الظاهرى، ثم نقل إلى مكة و دفن بها، و كان أوصى بذلك، و جعل لمن يحمله و يدفنه بمكة خمسين دينارا.

و سمع‏ (2) بمكة و عدن و الهند.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، فوات الوفيات جـ 1 ص 358 رقم 129، السلوك جـ 1 ص 385، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 26، العبر جـ 5 ص 205، شذرات الذهب جـ 5 ص 250.

(2) «و سمع» مكررة فى الأصل.

73

و صنف مجمع البحرين‏ (1) فى اثنى عشر سفرا، و صنّف العباب‏ (2) ، و مات قبل أن يكمله بثلاثة أحرف أو أكثر، و صنف الشوارد فى اللغات‏ (3) ، و شرح القلادة السمطيّة فى توشيح الدريدية (4) ، و كتاب فعال على وزن جذام و قطام و فعلان على وزن شيبان، و كتاب الإنفعال، و كتاب مفعول، و كتاب الأضداد، و كتاب العروض، و كتاب فى أسماء الأسد، و كتاب فى أسماء الذئب، و كتاب مشارق الأنوار النبويّة فى الحديث‏ (5) ، و شرح البخارى فى مجلد (6) ، و مصباح الدجى و الشمس المنيرة فى الحديث‏ (7) ، و درر السحابة فى وفيات الصحابة، و مختصر الوفيات، و كتاب الضعفاء، و كتاب الفرائض‏ (8) .

و كان عالما صالحا.

و الصاغانى نسبة إلى قرية بمرو يقال لها: جاغان، فعرّبت و قيل: صاغان.

____________

(1) «مجمع البحرين فى اللغة، اثنى عشر مجلدا» -هدية العارفين جـ 1 ص 281.

(2) «العباب الزاخر فى اللغة، عشرين مجلدا» -هدية العارفين.

(3) «فى اللغة» -هدية العارفين.

(4) «شرح مقصورة ابن دريد» -هدية العارفين.

و ابن دريد هو محمد بن الحسن بن دريد، أبو بكر، المتوفى سنة 321 هـ/933 م-هدية العارفين جـ 2 ص 32.

(5) «مشارق الأنوار النبوية من صحاح الأخبار المصطفوية» -هدية العارفين.

(6) «شرح الجامع الصحيح للبخارى» -هدية العارفين.

(7) «و شرح البخارى فى مجلد» فى الأصل و هى مكررة من السطر السابق.

و هما: «الشمس المنيرة فى الحديث، و مصباح الدجى فى حديث المصطفى صلى اللّه عليه و سلم» - هدية العارفين.

(8) عن مصنفات صاحب الترجمة انظر هدية العارفين جـ 1 ص 281.

74

الركن البخارىّ الحنفى محمود بن الحسين بن محمود بن فلان أبو القاسم، المنعوت بالركن البخارىّ.

فقيه، عالم بالخلاف، و الأصلين، و علم البديع، و الشعر.

مولده ببخارى سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة، و توفى بدمشق ليلة الأحد سادس رمضان من سنة خمسين و ستمائة.

و من تصانيفه شرحان للجامع الكبير أحدهما مختصر و الآخر مطول سماه البحرين، و صنف كتابا سماه خير مطلوب، صنفه للملك الناصر داود بن الملك المعظم.

و كان عالما فاضلا، رحمه اللّه.

شمس الدين محمد (1) بن سعد المقدسى، الكاتب الحسن الخط كثير الأدب.

سمع الكثير، و خدم السلطان الصالح إسماعيل و الناصر داود، و كان دينا فاضلا شاعرا، له قصيدة يمدح فيها[342]الصالح إسماعيل و ما يلقاه الناس من وزيره و قاضيه و غيرهما من حواشيه، مات فى هذه السنة.

عبد العزيز بن علىّ بن عبد الجبار، المغربى أبوه.

ولد ببغداد، و سمع بها الحديث، و عنى بطلب الحديث و العلم، و صنّف كتابا فى مجلدات على حروف المعجم فى الحديث، و حرّر فيه حكاية مذهب الإمام مالك رضى اللّه عنه.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: مرآة الزمان جـ 8 ص 787، السلوك جـ 1 ص 385، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 26، شذرات الذهب جـ 5 ص 251، العبر جـ 5 ص 206.

75

الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن غانم بن كريم الأصبهانى.

قدم بغداد، و كان إماما فاضلا، فتتلمذ (1) للشيخ شهاب الدين السهروردى‏ (2) ، فانتفع به، و تكلم بعده على الناس فى الوعظ، وفاق أهل زمانه، و كان حسن الطريقة، له يد فى التفسير، و له تفسير على طريقة التصوف، و فيه لطافة، و من أشعاره:

وقوفى بأكناف العقيق عقوق # إذا لم أرد و الدمع فيه عقيق

و إن لم أمت شوقا إلى سكن الحمى # فما أنا فيما أدعيه صدوق

أيا ربع ليلى ما لمجنون فى الهوى # سواه و لا كلّ الشراب رحيق

و لا كلّ من يلقاك قلبه واعى # و لا كلّ من يحنو إليك مشوق

تكاثرت الدعوى على الحبّ فاستوى # أسير صبابات الهوى و طليق‏

توفى الشيخ بن غانم فى هذه السنة، رحمه اللّه.

أبو الفتح نصر اللّه‏ (3) بن هبة اللّه بن عبد الباقى بن هبة اللّه بن الحسين بن يحيى الغفارى الكنانى المصرى، ثم الدمشقى.

كان من أخصّاء الملك المعظم و ولده الملك الناصر داود، و قد سافر معه إلى بغداد فى سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة، و كان أديبا مليح المحاضرة، و من أشعاره:

____________

(1) «فتلمذ» فى الأصل.

(2) هو عمر بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن التيمى البكرى الصوفى، شهاب الدين السهروردى، المتوفى سنة 632 هـ/1234 م-العبر جـ 5 ص 129.

(3) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، فوات الوفيات جـ 4 ص 187 رقم 545، الطالع السعيد ص 676 رقم 538، شذرات الذهب جـ 5 ص 252، السلوك جـ 1 ص 385.

76

و لما أبيتم سادتى عن زيارتى # و عوضتمونى بالبعاد عن القرب

و لم تسمحوا بالوصل فى حال يقظتى # و لم يصطبر عنكم لرقية قلبى

نصبت لصيد الطيف نومى # حبالة فأدركت بالنوم بالنصب‏

الشريف أبو عبد اللّه محمد (1) بن الحسين الأرموى، الفقيه الشافعى، المعروف بقاضى العسكر.

تولى نقابة الأشراف، و قضاء العسكر، و ترسّل إلى بغداد و غيرها، و صحب شيخ الشيوخ أبا الحسن بن حمويه‏ (2) و تفقه عليه، و كان‏[343]من الرؤساء المذكورين و الفضلاء المشهورين، توفى فى هذه السنة بمصر.

باطو (3) خان بن دوشى خان بن جنكز خان.

مات فى هذه السنة ببلاد الشمال، و كان لقبه صاين خان، و معناه الملك الجيدّ، و كانت مدّة مملكته ببلاد الشمال و نواحى الترك و القفجاق مدّة عشر سنين، و هو ثانى ملك تملكها من ذرّية جنكز خان، و كرسىّ هذه المملكة تسمى صراى‏ (4) ، و خلّف

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: الدليل الشافى جـ 2 ص 616، الوافى جـ 3 ص 17 رقم 877، السلوك جـ 1 ص 385.

(2) «تفقه على الصدر ابن حمويه» -السلوك جـ 1 ص 385، و صدر الدين بن حمويه هو محمد بن عمر بن على بن محمد بن حمويه الجوينى، صدر الدين، أبو الحسن، المتوفى سنة 617 هـ/ 1220 م-العبر جـ 5 ص 70.

(3) و له أيضا ترجمة فى: نهاية الأرب جـ 27 ص 357.

(4) صراى أو سراى: مدينة شمال غرب بحر الخزر (قزوين) -معجم البلدان.

77

من الأولاد ثلاثة و هم: صغان‏ (1) و بركة و بركجار، فنازعهم أخوه المملكة، و استبدّ بها دونهم، و كان اسمه صرطق‏ (2) بن دوشى خان بن جنكز خان، فاستقرّ فى هذه السنة فى الملك بالمملكة المذكورة.

____________

(1) «طغان» -نهاية الأرب جـ 27 ص 357.

(2) توفى سنة 652 هـ/1254 م-انظر ما يلى.

78

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الحادية و الخمسين بعد السّتمائة

____________

*

استهلت هذه السنة، و الخليفة: هو المستعصم باللّه.

و صاحب الديار المصريّة: الملك المعز أيبك الجاشنكير التركمانى الصالحىّ.

و صاحب الديار الدمشقيّة و الحلبيّة و الحمصيّة: الملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر غازى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب.

و صاحب تدمر و الرحبة: الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن المنصور.

و صاحب حماة: الملك المنصور ناصر الدين محمد بن المظفر تقى الدين محمود ابن المنصور بن المظفر تقى الدين محمود بن المنصور بن المظفر عمر بن شاهين شاه ابن أيوب.

و صاحب الكرك: الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن الملك الكامل.

و صاحب بعلبك و بصرى: الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن العادل.

و صاحب عينتاب: الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر غازى ابن صلاح الدين، و لكنه توفى فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

____________

(*) يوافق أولها الإثنين 3 مارس 1253 م.

79

و صاحب ميافارقين: الملك الكامل ناصر الدين محمد بن المظفر غازى بن العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب.

و صاحب الموصل: الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ.

و صاحب الروم ثلاثة و هم: عز الدين كيكاوس، و ركن الدين قليج أرسلان، و علاء الدين كيقباذ، أولاد غياث الدين كيخسرو، و السلطان الأكبر بالروم علاء الدين كيقباذ، و كرسيّه قونية.

و صاحب بلاد الشمال صرطق.

[344]و صاحب قراقروم: منكوقان.

و صاحب العراق: هلاون.

و كان نائب السلطنة بالديار المصريّة: سيف الدين قطز، و الوزير بها:

الصاحب شرف الدين الفائزى، و قاضى القضاة بدر الدين السنجارىّ استقلالا بالقاهرة و مصر المحروستين و الوجهين القبلى و البحرىّ.

و كان الأمير الكبير فى الديار المصريّة فارس الدين أقطاى الجمدار الصالحى النجمىّ، و استفحل أمره فى هذه السنة، و انحازت إليه البحريّة، و أرسل إلى ابن الملك المظفر صاحب حماة (1) يلتمس وصلته، و يخطب إليه ابنته، و كان الرسول إليه الصاحب فخر الدين محمد (2) بن الصاحب بهاء الدين المعروف بابن حنّا، و لم

____________

(1) هو الملك المنصور محمد-انظر ما سبق.

(2) هو محمد بن على بن محمد بن سليم، الوزير الصاحب فخر الدين أبو عبد اللّه، ابن الوزير الصاحب بهاء الدين، المتوفى سنة 668 هـ/1269 م-المنهل الصافى، الوافى بالوفيات جـ 4 ص 185 رقم 1725.

80

يكن والده وزّر بعد، و إنما كان مرشّحا لذلك، فلما وصل إلى صاحب حماة تلقّاه بالإجلال و إجابة السّؤال، و جهّز ابنته بما يليق بمثلها.

فسمت نفس الأمير فارس الدين، و علت رتبته، و كثرت أتباعه و شيعته على البحريّة و غيرهم من الخوشداشيّة بالإقطاعات و الصلات و الإطلاقات، و كانوا لا يعبأون بالملك المعزّ، و لا يلبّسونه ثوب عزّ؛ بل يهضمون جانبه، و يعطّلون مراسمه و مآربه، و ينتقصون حرمته، و يغضون منه، و هو يسرّ ذلك كلّه و يخفيه، و يضمره فى نفسه و لا يبديه، و أعمل الحيلة على قتل الأمير فارس الدين أقطاى لأنه الرأس، و إذا قتله لا يثبت بنيان البحرية بغير أساس، فانقضت هذه السنة و هم على هذه الحال، و البحريّة منهمكون على اللّذات و الصيد، و المعزّ ينصب لهم حبائل الكيد.

و فيها قدّم‏ (1) فى الجيش المصرىّ بالفرنج، و وعدوهم أن يسلّموا إليهم بيت المقدس إن نصروهم على الشاميّين، و كان قد اشتدّت الحرب بينهم و نشبت، و دخل الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة بينهم و أصلحهم.

و قال السبط: و قدم الشيخ البادرائى و النظام بن المولى‏ (2) القاهرة، و حلّفا الملك المعزّ و الأمراء، و خلّصا الأمراء المعظم و أخاه النصرة (3) ، و ابن صاحب

____________

(1) «قدما» فى الأصل.

(2) هو نظام الدين أبو عبد اللّه محمد بن المولى الحلبى، كاتب الإنشاء بحلب-السلوك جـ 1 ص 385.

(3) «المعظم تورانشاه بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، و أخاه نصرة الدين» - السلوك جـ 1 ص 386.

81

حمص، و غيرهم، [و بنت الأشرف‏ (1) ]و أولاد الصالح إسماعيل‏ (2) ، و غيرهم من المحبوسين.

و فيها: «............... (3) » .

و فيها: حج القاضى بدر الدين‏ (4) قاضى مصر على البحر و عاد على البرّ، و الأصح أن حجه‏[345]كان فى السنة الثانية و الخمسين، و حج بالناس «...... (5) »

____________

(1) []إضافة من مرآة الزمان جـ 8 ص 789.

(2) مرآة الزمان جـ 8 ص 789.

(3) «......... » يباض فى الأصل.

(4) هو بدر الدين السنجارى، يوسف بن الحسن بن على، المتوفى سنة 663 هـ/1264 م- انظر ما يلى.

(5) «...... » بياض فى الأصل.

عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان-م 6

82

ذكر من توفّى فيها من الأعيان‏

الشيخ المسند أبو القاسم عبد الرحمن‏ (1) بن أبى الحرم، المعروف بابن الحاسب، سبط الحافظ أبى طاهر السّلفى، توفى فى هذه السنة بمصر.

الشيخ الفاضل أبو الفضائل أحمد بن يوسف المغربى القفصى، توفى فى هذه السنة بمصر، و له شعر حسن، و نثر جيّد، و مصنّفات فى عدّة فنون.

الشيخ الأديب أبو إسحاق إبراهيم‏ (2) بن سليمان بن حمزة الدمشقّى، الكاتب المعروف بابن النجار.

توفى فى هذه السنة بدمشق.

و له شعر حسن، و كان أحد الكتاب المشهورين بجودة الحطّ، و قوّة الكتابة، و سافر إلى حلب، و إلى ديار مصر، و غيرها.

سعد الدين محمد (3) بن المؤيّد بن حمويه، ابن عمّ صدر الدين شيخ الشيوخ، توفى فى هذه السنة بخراسان.

____________

(1) هو عبد الرحمن بن مكى بن عبد الرحمن الإسكندرى، و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 208، السلوك جـ 1 ص 389.

(2) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى جـ 1 ص 65 رقم 29، العبر جـ 5 ص 207، الوافى جـ 5 ص 356 رقم 2436، شذرات الذهب جـ 5 ص 253، العبر جـ 5 ص 207.

(3) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 31. مرآة الزمان جـ 8 ص 790، و ورد فى العبر و شذرات الذهب أنه توفى سنة 650 هـ-العبر جـ 5 ص 206، شذرات الذهب جـ 5 ص 251.

غ

83

و كان زاهدا عابدا ورعا لطيفا، يتكلّم فى الحقيقة، و له مجاهدات و رياضات، و قدم مصر، و حج، و سكن الشام، فأقام بقاسيون مدة فى زاوية يتعبّد، و معه جماعة من أصحابه، و كان فقيرا جدّا، و مع ذلك لم يكن يتردد إلى أحد من أبناء الدنيا، و لا إلى بنى عمه، و لما ضاق به الحد توجه إلى خراسان و اجتمع بملوك التتار، فأحسنوا فيه الظن، و أعطوه مالا كثيرا، و أسلم على يده خلق كثير منهم، و بنى بآمد خانكاة و تربة إلى جانبها، و أقام يتعبّد، و له قبول عظيم هناك، فقال فى بعض الأيام: أريد أزور جّدى محمد بن حمّويه بجراباذ، و مضى إليه و زاره، و أقام عنده أسبوعا، فمات و دفن هناك إلى جانب جدّه، و قيل: إنه مات فى سنة خمسين و ستمائة (1) .

الإمام جواهر زاده، العالم العلاّمة بدر الدين محمد (2) بن محمود بن عبد الكريم الكردرىّ المعروف بجواهر زاده، ابن أخت الشيخ شمس الدين الكردرىّ شمس الأئمة.

تفقه على خاله شمس الأئمة الكردرىّ، و توفى سلخ ذى القعدة من سنة إحدى و خمسين و ستمائة، و دفن عند خاله.

كمال الدّين أبو المكارم عبد الواحد (3) بن خطيب زملكا (4) .

____________

(1) هذه الترجمة تكاد أن تكون منقولة بنصها من مرآة الزمان جـ 8 ص 790.

(2) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، و الدليل الشافى جـ 2 ص 703 رقم 2403 و فيه «الكردى» ، شذرات الذهب جـ 5 ص 256.

(3) هو عبد الواحد بن عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصارى الزملكانى، كمال الدين أبو محمد.

و له أيضا ترجمة فى الذيل على الروضتين ص 187، العبر جـ 5 ص 208، السلوك جـ 1 ص 389، و ورد فى شذرات الذهب أنه توفى سنة 65 هـ، ج 5 ص 250.

(4) زملكا-زملكان: قرية بغوطة دمشق-معجم البلدان.

84

كان فاضلا، عالما خيّرا، متميّزا فى علوم متعددّة، و تولى قضاء صرخد، و درّس‏[346]ببعلبك، ثم توفى فى دمشق فى ثامن المحرم‏ (1) من هذه السنة، و دفن بمقابر الصوفيّة.

و كان أبوه عبد الكريم الخطيب، توفى فى سنة خمس و ثلاثين و ستمائة.

الملك الصّالح صلاح الدين أحمد (2) بن الملك الظاهر غازى بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب عينتاب‏ (3) .

توفى فى شعبان سنة إحدى و خمسين و ستمائة (4) بعينتاب و دفن فيها.

و كانت ولادته فى صفر سنة ستمائة بحلب، و كان ملكه عينتاب من سنة أربع و عشرين و ستمائة، و كان أولا بيده الشغر و بكاس، فانتزعهما الأتابك طغرل و عوّضه عنهما بعينتاب و الراوندان، و استمّر فى عينتاب إلى أن توفى بها فى هذه السنة، رحمه اللّه.

____________

(1) «فى سادس المحرم» -الذيل على الروضتين ص 187.

(2) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى جـ 2 ص 55 رقم 237، الوافى جـ 7 ص 276 رقم 3255، شذرات الذهب جـ 5 ص 253، السلوك جـ 1 ص 389، العبر جـ 5 ص 207.

(3) عينتاب: قلعة بين حلب و أنطاكية-معجم البلدان.

(4) «و سبعمائة» فى الأصل، و هو تحريف‏

85

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثانية و الخمسين بعد الستمائة

____________

*

استهلت هذه السنة، و الخليفة: هو المستعصم باللّه.

و أصحاب البلاد و ملوك الأطراف على حالهم، غير صاحب الشمال صرطق ابن دوشى خان بن جنكز خان، فإنه هلك فى هذه السنة على ما نذكره عن قريب، و كذلك هلك الأمير فارس الدين أقطاى قتيلا.

ذكر مقتل فارس الدين أقطاى:

قال بيبرس: و فى هذه السنة عزم الملك المعزّ على قتله، و اتفق مع مماليكه على حيلة، فلما كان فى شهر شعبان أرسل إليه يستدعيه موهما له أنه يستشيره فى مهمات من الأمور، و يعرض عليه آراء من التدبير، و قد كمن له كمينا من مماليكه وراء قاعة الأعمدة (1) بالقلعة، و قرّر معهم أنه إذا مرّ مجتازا بالدهليز يبتدرونه بسرعة و يعاجلونه بالصرعة، فلما وردت إليه رسالة المعزّ بادر بالركوب فى نفر يسير من مماليكه من غير أن يعلم أحدا من خوشداشيّته، لثقته بتمكن حرمته، و طلع القلعة آمنا، و لم يدر بما كان له كامنا، فلما وصل إلى باب القلعة منع مماليكه من الدخول معه، و وثب عليه المماليك المعزيّة فعلوه بالمشرفيّة، و أذاقوه كأس المنيّة، و قتلوه على مكانته، و لم ينجده أحد من بطانته.

____________

(*) يوافق أولها السبت 21 فبراير 1254 م.

(1) قاعة كبرى بالقلعة برسم خوند الكبرى-زبدة كشف الممالك ص 26.. ؟؟؟

86

و فى تاريخ النويرىّ: و فى هذه السنة[347]اغتال الملك المعزّ أيبك التركمانى المستولى على مصر خشداشه الفارس أقطاى الجمدار، و أوقف له فى بعض دهاليز الدور التى بقلعة الجبل ثلاث مماليك و هم: قطز و بهادر و سنجر الغتمى، فلما مرّ بهم أقطاى ضربوه بسيوفهم فقتلوه‏ (1) .

ذكر ترجمة أقطاى:

و يقال له: أقطايا (2) ، كان من مماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيّوب، و كان أحد الجمداريّة عنده، ثم ترقت به الحال إلى أن استولى على الديار المصرية، و تقدم على البحرية الذين أهلكوا الناس.

و قال ابن واصل: و كان أقطاى إذا ركب يقتل‏ (3) بين يديه جماعة بأمره، و كانت خزائن مصر بيده، و كان أصحابه يأخذون أموال الناس و حريمهم و أولادهم أخذا باليد، و لا يقدر أحد على منعهم، و يدخلون حمامات النساء فيأخذون منهنّ من يختارون.

و كان أقطاى يمنع الملك المعزّ أيبك من الاستقلال بالسلطنة، و كان الاسم للملك الأشرف موسى بن يوسف بن الملك الكامل بن العادل بن أيّوب، فلما قتل

____________

(1) ملخصا عن مخطوط نهاية الأرب جـ 27 ورقة 122.

(2) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى جـ 2 ص 502 رقم 505، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 10-12، العبر جـ 5 ص 21، الوافى جـ 9 ص 317 ترجمة 4250، شذرات الذهب جـ 5 ص 255، مرآة الزمان جـ 8 ق 2 ص 792-793.

(3) «شعل» فى السلوك، و هو تحريف جـ 1 ص 379.

87

أقطاى استقلّ أيبك بالسلطنة، و أبطل الأشرف المذكور بالكليّة، و بعث به إلى عمّاته القطبيّات‏ (1) ، و الأشرف المذكور آخر من خطب له من بيت بنى أيّوب بالسلطنة فى مصر، و كان انقضاء دولتهم من الديار المصرية فى هذه السنة.

ذكر ما تجدّد للبحريّة الصالحيّة بعد موت أقطاى المذكور:

و لما شاع الخبر بموته قتيلا، و بلغ خوشداشيّته الأمر ضاق بهم الفضاء، و حاق بهم القضاء، و تحققوا أنهم متى تلبّثوا أخذوا بالنواصى و الأقدام، و ألحقوا به فى الإعدام، فأجمعوا أمرهم على التوجه إلى الشام، و كان منهم من الأمراء الأعيان: الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارىّ، و الأمير سيف الدين قلاوون الألفى، و الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، و الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، و الأمير سيف الدين سكز، و الأمير سيف الدين برامق، و غيرهم، فرأوا الرواح خيرا من الإقامة، و اتفقوا و خرجوا ليلا فوجدوا باب المدينة[348]الذى قصدوا الخروج منه مغلقا، فأضرموا فيه نارا، و هو الباب المعروف بباب القرّاطين‏ (2) ، و توجّهوا على حميّة نحو البلاد الشاميّة، و قصدوا الملك الناصر يوسف صاحب دمشق و حلب و غيرهما ليكونوا عنده من جملة العساكر، و لما أصبح المعزّ بلغه تسحّبهم من المدينة، فأمر بالحوطة على أملاكهم و أموالهم و دورهم و غلالهم

____________

(1) هن بنات الملك العادل أبى بكر بن أيوب، و أخوات إبنه الملك الكامل محمد، و يعرفن بالقطبيات نسبة إلى شقيقهن الملك المفضل قطب الدين أحمد، و كانت مساكنهن بقلعة الجبل بالقاهرة -مفرج الكروب-حوادث سنة 648 هـ.

(2) هو باب القاهرة الشرقى، و عرف بعد الحريق باسم «الباب المحروق» -المواعظ و الاعتبار جـ 1 ص 383.

88

و نسوانهم و غلمانهم و أتباعهم و أشياعهم، و استصفيت أموالهم و ذخائرهم و شونهم، و استتر من تأخرّ منهم، و اختفى من انقطع من الأتباع عنهم، و نودى عليهم فى الأسواق و الشوارع و الطرقات و القوارع بتهديد من يأوى منهم أحد عنده، و تمكن الملك المعزّ من المملكة، و ارتجع ثغر الإسكندرية (1) إلى الخاصّة السلطانية، و أبطل ما قررّه من الجبايات و وزّعه من الجنايات، و أعفى الرعية من المطالبات و المصادرات.

ذكر وصول البحرية إلى الشّام:

و لما وصلت البحريّة المذكورون الهاربون من مصر إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام أطمعوه فى ملك مصر، فرحل من دمشق بعسكره و نزل غمتا من الغور، فأرسل إلى غزّة عسكرا فنزلوا بها، و كذلك برز المعزّ أيبك صاحب مصر إلى العبّاسة، و خرجت السنة و هم على ذلك.

و فى تاريخ النويرىّ: و لما قتل أقطاى تفرقت أصحابه و انعزل منهم جماعة، تقدير اثنى عشر نفرا، و خرجوا هاربين خوفا من المعزّ، فوقعوا فى التّيه، فذكروا أنهم أقاموا فيه خمسة أيام حائرين؛ ثم نفذ زادهم و ماؤهم فى اليوم السادس، و لاح لهم سواد على بعد، فقصدوه، فإذا هو مدينة عظيمة ذات أسوار و أبواب حصينة كلها من الرخام الأخضر، فدخلوها، فوجدوا الرمل ينبع من أرضها كنبع الماء، فطافوا بأسواقها و دورها، فلم يجدوا بها ما يأخذون، لأن جميع

____________

(1) كان الملك المعز أيبك قد أقطع الفارس أقطاى ثغر الإسكندرية سنة 650 هـ/1252 م -انظر السلوك جـ 1 ص 384.

89

أوانيهم و ملابسهم‏ (1) تتفتّت كالهباء إلا أنهم وجدوا فى بعض المواضع تسعة دنانير منقوش عليها صورة غزال و حوله أسطر بالعبرانيّة، ثم وجدوا مكانا ابريدون [349]فحفروه، فطلعت لهم بلاطة، فرفعوها فإذا صهريج ماء أبرد من الثلج، فشربوا و استقوا و سافروا تلك الليلة، فوقعوا على قبيلة من العرب، فحملوهم إلى الملك المغيث صاحب الكرك‏ (2) ، فأمر بهم فنزلوا فى الربض، ثم عرضوا تلك الدنانير على الصيارف، فقال بعضهم: هذه ضربت فى أيام موسى عليه السّلام، فسألنا عن قصتها، فأخبرنا، فقال: هذه المدينة الخضراء بنيت لما كان بنو إسرائيل فى التّيه، و لها طوفان من رمل، فتارة يزيد و تارة ينقص، و هى مخفية لا يقع عليها إلا تائه، ثم بعنا كل دينار بمائة درهم‏ (3) .

ذكر هلاك صرطق‏ (4) بن دوشى خان بن جنكز خان صاحب البلاد الشمالية:

مات فى هذه السّنة حتف أنفه، و كانت مدّة مملكته سنة و شهرا، و لم يكن له ولد يلى المملكة بعده، و كانت براق شين زوجة طغاى‏ (5) بن أخيه‏[باطو خان‏ (6) ] قد أرادت أن تولى ولدها تدان منكو السلطنة، و كانت لها بسطة و تحكم، فلم يوافقها الخانات أولاد باطو و بقيّة الأمراء فلما رأت أنهم لم يوافقوها راسلت

____________

(1) «ملابيسهم» فى الأصل.

(2) «فحملوهم إلى الكرج» فى السلوك جـ 1 ص 391.

(3) لم يرد هذا الخبر فى مخطوط نهاية الأرب التى بين أيدينا، و انظر السلوك جـ 1 ص 391.

(4) «طرطق» فى السلوك جـ 1 ص 394.

(5) «صغان» فيما سبق، و «طغاى» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 357.

(6) []إضافة من نهاية الأرب جـ 27 للتوضيح.

90

هلاون، و أرسلت إليه نشابا بلا ريش، و قباء بلا بنود، و بعثت تقول له:

قد فرغ الكاشن من النشاب، و خلا القرنان من القوس، فتحضر لتتسلم الملك،

و معنى‏ (1) هذه الرسالة: إنه لم يبق ممانع و لا مدافع، ثم سارت فى إثر الرسول تقصد اللحاق بهلاون و إحضاره إلى بلاد الشمال.

و كان‏ (2) أول من دخل البلاد الشماليّة و مملكتها من أولاد جنكز خان دوشى خان، و استقر بها إلى حين هلاكه، فملكها بعده ولده باطو خان، ثم ملكها بعده ولده‏ (3) الثانى صرطق، فلما عزمت براق شين على ذلك، بلغ القوم ما أرادته، فأرسلوا فى إثرها، و أعادوها كارهة، و غرقوها جزاء بما فعلت.

ذكر جلوس بركة فى المملكة:

و لما جرى ما ذكرنا، جلس بركة خان فى كرسى المملكة، و بركة خان هذا هو ابن باطو خان بن دوشى خان بن جنكز خان، و لما ملك البلاد أسلم و حسن إسلامه، و أقام منار الدين، و أظهر شعائر المسلمين، و أكرم الفقهاء[350] و العلماء، و أدناهم، و أبرّهم، و وصلهم، و اتخذ المساجد و المدارس بنواحى مملكته، و أخذ بالإسلام جلّ عشيرته، و نفذ أمره، و امتدّت أيامه، و أسلمت زوجته حجك خاتون، و اتخذت لها مسجدا من الخيم‏ (4) يحمل معها حيث اتجهت، و يضرب حيث نزلت، و كان من شأنها و شأن زوجها ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) «و هى» فى الأصل، و التصحيح يتفق و سياق الكلام.

(2) «فكان» فى الأصل.

(3) المقصود ولد دوشى خان-انظر ما سبق.

(4) «من الخيام» نهاية الأرب جـ 27 ص 359.

91

و فى تاريخ بيبرس: و كان السبب فى إسلام بركة خان أن الشيخ نجم الدين الكبراء (1) كان قد ظهر صيته و ارتفع ذكره، ففوّق مريديه إلى المدن العظام، ليظهروا بها شعائر الإسلام، و أرسل سعد الدين الحموىّ إلى خراسان، و كمال الدين السرياقى إلى تركستان، و نظام الدين الجندى إلى قفجاق، و سيف الدين الباخرزى إلى بخارى، فلما استقر الباخرزى ببخارى أرسل تلميذا له كبير المحلّ عنده إلى بركة خان، فاجتمع به و وعظه، و حبّب إليه الإسلام، و أوضح له منهاجه، فأسلم على يده، و استمال بركة عامّة أصحابه إلى الإسلام، و قصد أن يبرّ الشيخ بشى‏ء قبالة ما أسداه إليه، فأمر له ببايزة (2) بالبلاد التى هو فيها ليكون وقفا على الفقراء و الصلحاء و تجبى أموالها إليه، و أرسل البايزة إلى الباخرزى، فلما وصلته قال لرسوله: ما هذه؟قال: هذه تكون فى يد الشيخ تحمى كل من يكون من جهته.

فقال: اربطها على حمار، ثم أرسله إلى البريّة، فإن حمته من الذهاب‏ (3) فأنا أقبلها، و إن كانت لا تحمى الحمار فما عساه لى فيها، و أبى أن يقبلها، فعاد الرسول و أخبر بركة بما قال الشيخ، فقال بركة: أنا أتوجّه إليه بنفسى، فسار نحوه، و وصل إلى بخارى، و أقام بباب الشيخ ثلاثة أيام، و هو لا يأذن له فى الدخول إليه،

____________

(1) «نجم الدين كبرا» فى السلوك جـ 1 ص 395.

(2) البايزة: لوحة من الذهب أو الفضة، و فى بعض الأحيان من الخشب، و ذلك على حسب رتب الأشخاص، و ينقش على وجهها اسم اللّه و اسم السلطان و علامة خاصة، و تهدى إلى الأشخاص الذين يتمتعون بثقة المغول، كما أنها تتضمن أمر الملك لسفرائه، و يتمتع حاملها بامتيازات خاصة فله الطاعة على كل من فى الدولة المغولية-انظر جامع التواريخ-المجلد الثانى-الجزء الأول ص 247 هامش (1) .

(3) هكذا الأصل، و لعلها «الذئاب» .

92

حتى تحدّث معه بعض مريديه، فقال: إن هذا ملك كبير، و قد أتى من بلد بعيد يلتمس التبرّك بالشيخ و الحديث معه، فلا بأس بالإذن له، فأذن له عند ذلك، فدخل إليه و سلم عليه، و كان الشيخ متبرقعا فلم يكشف له عن وجهه، و وضع بين يديه‏[351]مأكولا، فأكل منه، و جدّد إسلامه على يده، و عاد عنه إلى بلده.

ذكر بقيّة الحوادث:

منها: أنه وردت الأخبار من مكة، شرفها اللّه، بأن نارا ظهرت فى أرض عدن فى بعض جبالها بحيث أنه يظهر شررها إلى البحر فى الليل، و يصعد منها دخان عظيم فى أثناء النهار، فما شكّوا أنها النار التى ذكر النبىّ صلى اللّه عليه و سلم أنها تظهر فى آخر الزمان، فتاب الناس، و أقلعوا عما كانوا عليه من المظالم و الفساد، و شرعوا فى أفعال الخير و الصدقات.

و منها: أن الشريف المرتضى وصل من الروم و معه بنت علاء الدين كيقباذ صاحب الروم ملكة خاتون التى خطبها الملك الناصر يوسف صاحب دمشق، فزفت إليه بدمشق، و دخل بها، و احتفل لها احتفالا عظيما.

قال السبط: و تلقاها قضاة البلاد، و الولاة، و النواب، بالهدايا و الإقامات، من الروم إلى دمشق‏ (1) .

و منها: أن الملك المنصور صاحب حماة ولّى قضاء حماة للقاضى شمس الدين إبراهيم بن هبة اللّه بن البارزى بعد عزل القاضى المحيى حمزة بن محمد.

____________

(1) مرآة الزمان جـ 8 ص 791.

93

و منها: أن هلاون شن الغارات على بلاد الإسماعيليّة و قلاعهم و معاقلهم، و هم المسمّون بالملاحدة، فنهب و سبى، و فتح فى هذه السنة قلعتين من قلاعهم إحداهما (1) تسمى قلعة صرطق و الأخرى قلعة تون، و استمرّ على النهب و الغارة و مضايقة القلاع.

و فيها: «......... » (2) .

و فيها: حج بالناس «......... » (3) .

____________

(1) «إحديهما» فى الأصل.

(2) «...... » بياض فى الأصل.

(3) «...... » بياض فى الأصل.

94

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

الخسرو شاهى المتكلم عبد الحميد (1) بن عيسى شمس الدين.

أحد مشاهير المتكلمين، و ممن اشتغل على الفخر الرازى فى الأصول و غيرها، ثم قدم الشام فلزم الملك الناصر داود بن الملك المعظم و حظى عنده.

و قال أبو شامة: و كان شيخا نبيها (2) فاضلا متواضعا حسن الظاهر.

و قال السبط: كان كيّسا، محضر خير، لم ينقل عنه أنه أذى أحدا، فإن قدر على نفع و إلا سكت‏ (3) .

توفى رحمه اللّه بدمشق، [352]و دفن بقاسيون على باب تربة المعظم.

الشيخ كمال الدّين‏[محمد بن أحمد بن هبة اللّه‏ (4) ]ابن طلحة الذى ولى الخطابة بدمشق بعد الدولعى، ثم عزل و صار إلى الجزيرة، فولى قضاء نصيبين، ثم صار إلى حلب، فتوفى فيها فى هذه السنة.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، فوات الوفيات جـ 2 ص 257 رقم 245، مرآة الزمان جـ 8 ص 793، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 32، العبر جـ 5 ص 211، شذرات الذهب جـ 5 ص 255، البداية و النهاية جـ 13 ص 185، الذيل على الروضتين ص 188.

و ينسب إلى خسرو شاه: قرية من قرى تبريز-معجم البلدان.

(2) «مهيبا» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين ص 188.

(3) مرآة الزمان جـ 8 ص 793.

(4) []إضافة من السلوك جـ 1 ص 396 التوضيح.

و انظر ترجمته أيضا فى: السلوك جـ 1 ص 396، البداية و النهاية جـ 13 ص 186، الذيل على الروضتين ص 188، العبر جـ 5 ص 213، شذرات الذهب جـ 5 ص 259.

95

و قال أبو شامة: و كان فاضلا، عالما، طلب أن يلى الوزارة فامتنع من ذلك، و كانت وفاته فى السابع و العشرين من رجب منها (1) .

السّديد (2) بن علان، آخر من روى عن الحافظ ابن عساكر سماعا، مات فى هذه السنة بدمشق.

الناصح فرج‏ (3) بن عبد اللّه الحبشى.

كان كثير السماع مسندا خيّرا صالحا، مواظبا على سماع الحديث و إسماعه إلى أن مات بدار الحديث النوريّة بدمشق فى هذه السنّة (4) .

القاضى الفقيه أبو القاسم محمد بن أبى إسحاق إبراهيم الحموى الشافعى المعروف بابن المنقشع المنعوت بالعباد.

ولى القضاء بحماة، و ترسّل عن صاحب حمص إلى بغداد مرارا، و دخل مصر، و تولى القضاء بها، ثم خرج إلى الشام فتوفى فيها.

____________

(1) انظر الذيل على الروضتين ص 188.

(2) هو مكى بن المسلم بن مكى بن خلف بن علان القيسى، السديد.

و له أيضا ترجمة فى: البداية و النهاية جـ 13 ص 186 و فيه «السيد بن علان» ، الذيل على الروضتين ص 188، العبر جـ 5 ص 213، و ورد اسمه: السديد بن مكى فى شذرات الذهب جـ 5 ص 260.

(3) و له أيضا ترجمة فى: البداية و النهاية جـ 13 ص 186، الذيل على الروضتين ص 188، العبر جـ 5 ص 213، شذرات الذهب جـ 5 ص 259.

(4) دار الحديث النورية بدمشق: تنسب إلى الملك العادل نور الدين محمود، المتوفى سنة 569 هـ/1173 م-الدارس جـ 1 ص 99 و ما بعدها.

غ

96

الشيخ أبو شجاع بكبرس‏ (1) بن عبد اللّه التركى الفقيه الحنفى المعروف بنجم الدين الزاهد مولى الخليفة الناصر لدين اللّه‏ (2) .

توفى فى هذه السنة، و دفن بتربة الإمام أبى حنيفة، رضى اللّه عنه، ببغداد و قال صاحب طبقات الحنفيّة: بكبرس بن يلنقح أبو الفضائل و أبو شجاع الفقيه الأصولىّ الملقّب نجم الدين التركىّ الناصرى مولى الإمام الناصر لدين اللّه، و له مختصر فى الفقه على مذهب أبى حنيفة رضى اللّه عنه نحو من القدورى‏ (3) اسمه الحاوى، و له شرح العقيدة للطحاوى، فى مجلد كبير ضخم فيه فوائد، سماه بالنور اللامع و البرهان الساطع‏ (4) .

____________

(1) «بكبرش-و قيل بكتاش-أبو الفضل، و أبو شجاع، نجم الدين التركى الناصرى» - فى المنهل الصافى جـ 3 ص 384 رقم 674، و ورد «بكبرس بن يلتقلج، و أن اسمه كان أولا منكوبرس، فسمى بكبرس» -انظر الوافى جـ 10 ص 187، تاج التراجم ص 19، و انظر أيضا طبقات الحنفية.

(2) هو الخليفة العباسى أبو العباس أحمد الناصر لدين اللّه، الذى ولى الخلافة العباسية ببغداد فى الفترة 575-622 هـ/1180-1225 م-تاريخ الدول الإسلامية ص 13.

(3) هو الإمام أحمد بن محمد القدورى البغدادى الحنفى، المتوفى سنة 428 هـ/1036 م، و له كتاب «مختصر القدورى فى الفروع» فى فقه الحنفية-هدية العارفين جـ 1 ص 13، 74.

(4) «النور اللامع و البرهان الساطع فى شرح عقائد الطحاوى» -هدية العارفين جـ 1 ص 233.

و الطحاوى هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدى، أبو جعفر، المتوفى سنة 321 هـ/933 م، و له «بيان السنة و الجماعة فى العقائد» -هدية العارفين جـ 1 ص 58.

97

و ذكره الصاحب ابن العديم فى تاريخ حلب، و قال: فقيه حسن، عارف بالفقه و الأصول، و كان يلبس لبس الأجناد: القباء (1) و الشربوش‏ (2) ، عرض عليه المستنصر قضاء القضاة ببغداد و أن يلبس العمامة، فامتنع من ذلك‏ (3) .

قال ابن العديم: و بلغنى أنه كان اسمه أولا منكو برس فسمىّ بكبرس، و كان خيّرا، ورعا تقيّا، فاضلا، حسن الطريقة، و توفى فى أوائل ربيع الأول من هذه السنة، و دفن إلى جانب قبر أبى حنيفة-رحمه اللّه-[353]فى القبّة فى الرّصافة.

و بكبرس بفتح الباء الموحّدة، و سكون الكاف، و فتح الباء الثانية، و سكون الراء، و فى آخره سين مهملة.

و يلنقلح: بفتح الياء آخر الحروف، و اللام، و سكون النون، و كسر القاف، و كسر اللام الثانية، و فى آخره حاء مهملة.

الشيخ أبو الخير بن عثمان بن محمد بن حاجى المقرئ توفى بمصر فى هذه السنة.

الشيخ الفقيه العالم أبو البركات عبد السّلام‏ (4) بن عبد اللّه الحرانى الحنبلى، مات فى هذه السنة بحرّان.

____________

(1) القباء: من الملابس فى عصر المماليك و تشبه القفطان، و هى ضيقة الأكمام-دوزى، الملابس المملوكية ص 41 و ما بعدها.

(2) الشربوش: لباس للرأس، يلبس بدل العمامة، و يلبسه الأمراء و الأجناد-دوزى، الملابس المملوكية ص 51.

(3) انظر أيضا المنهل الصافى جـ 3 ص 384.

(4) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، فوات الوفيات جـ 2 ص 323 رقم 278، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 23، طبقات القراء جـ 1 ص 385 رقم 1647، السلوك جـ 1 ص 395- 396، البداية و النهاية جـ 13 ص 185.

98

الأديب أبو الفتوح ناصر (1) بن ناهض اللحمى المعروف بالحصرى.

كان شاعرا محسنا، و من شعره المعشّرات المشهورة التى مطلعها:

أما لك باداء المحبّ دواء # بلى عند بعض الناس منك شفاء

و غيرها من القصائد.

مات فى هذه السنة بمصر، رحمه اللّه.

شهاب الدين بن كجبابات، شرب الخمر (2) ، فأصبح سكرانا، ميّتا.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، الدليل الشافى جـ 2 ص 757 رقم 2578.

(2) «بشرب الخمر» فى الأصل، و التصحيح يتفق و السياق.

99

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثالثة و الخمسين بعد الستمائة

____________

*

استهلت هذه السنة، و الخليفة: هو المستعصم باللّه.

و صاحب الديار المصرية: السلطان الملك المعز أيبك.

و صاحب الديار الشامية: السلطان الملك يوسف بن العزيز.

و صاحب الروم: أولاد الملك غياث الدين كيخسرو و هم ثلاثة: كيكاوس و قليج أرسلان و كيقباذ، و أبوهم مات فى سنة أربعة و خمسين و ستمائة على ما نذكره، و عند بعض المؤرخين مات فى سنة إحدى و خمسين و ستمائة، فاستقر أولاده الثلاثة فى السلطنة متشاركين فيها، و إن كان تأخر موته إلى سنة أربعة و خمسين كما ذكرناه الآن، فى حياة أبيهم، و اللّه أعلم.

و صاحب البلاد الشمالية: بركة خان.

و صاحب العراق: هلاون اللعين.

و صاحب إفريقية فى الغرب: محمد بن أبى زكريا يحيى، و لكنه مات فى ستة خمس و سبعين و ستمائة.

قال السبط: و فى سنة الثانية و الخمسين و ستمائة وصلت الأخبار من المغرب باستيلاء إنسان على إفريقية، و ادعى الخلافة (1) ، و تلقب بالمستنصر، و خطب له

____________

(*) يوافق أولها الأربعاء 10 فبراير 1255 م.

(1) هو أحمد بن مرزوق بن أبى عمارة البجائى المغربى، السلطان الدعى، قتل سنة 683 هـ/ 1284 م-المنهل الصافى جـ 2 ص 215 رقم 313، تاريخ الدولتين الموحدية و الحفصية ص 46، الحلل السندسية جـ 1 ق 4 ص 1036.

100

فى تلك البلاد و النواحى، و أظهر العدل و الإحسان‏ (1) و الإنصاف، و بنى له برجا، و أجلس الوزير و القاضى و المحتسب‏[354]و الوالى بين يديه يحكمون بين الناس‏ (2) .

و قال الشيخ الفاضل ركن الدين‏ (3) : الحفصيون الذين ملكوا تونس أولهم أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتى، بتاءين مثناتين من فوق، و هى قبيلة من المصامدة، و يزعمون أنهم قرشيّون من بنى عدى بن كعب رهط عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه، و كان أبو حفص المذكور من أكبر أصحاب ابن تومرت‏ (4) بعد عبد المؤمن‏ (5) ، و تولى عبد الواحد بن أبى حفص المذكور[إفريقية (6) ]نيابة عن بنى عبد المؤمن فى سنة ثلاث و ستمائة، و مات فى ذى الحجة (7) سنة ثمانية عشر و ستمائة، و تولى بعده أبو العلاء (8) من بنى عبد المؤمن، ثم توفى، فعادت إفريقية إلى ولاية الحفصيين، و تولى منهم عبد اللّه بن عبد الواحد بن أبى حفص فى سنة

____________

(1) «و الإحسان» ساقط من مرآة الزمان.

(2) ورد هذا الخبر فى مرآة الزمان فى حوادث سنة 652 هـ، جـ 8 ص 791.

(3) «ركن الدين بن قوبع التونسى» -المختصر جـ 3 ص 187.

(4) هو محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن، الإمام المهدى ابن تومرت، توفى حوالى سنة 524 هـ/1130 م-تاريخ الدولتين ص 7، وفيات الأعيان جـ 5 ص 45 رقم 688، الاستقصا جـ 2 ص 97.

(5) هو عبد المؤمن بن على القيسى الكومى، المتوفى سنة 558 هـ/1163 م-وفيات الأعيان جـ 3 ص 237 رقم 408، تاريخ الدولتين ص 13، الاستقصا جـ 2 ص 144.

(6) []إضافة من المختصر للتوضيح.

(7) » توفى يوم الخميس أول المحرم فاتح عام ثمانية عشر و ستمائة» -انظر تاريخ الدولتين ص 19، المؤنس ص 131.

(8) «أبو المعلى» فى الأصل، و التصحيح من المختصر الذى ينقل عنه المؤلف، و هو إدريس ابن يوسف بن عبد المؤمن-تاريخ الدولتين ص 20.

101

ثلاث و عشرين و ستمائة (1) ، و لما تولى ولى أخاه أبا زكريا يحيى قابس‏ (2) ، و أخاه أبا إبراهيم إسحاق بلاد الجريد (3) ، ثم خرج على عبد اللّه-و هو على قابس-أصحابه و رجموه و طردوه، و ولوا موضعه أخاه أبا زكريا بن عبد الواحد سنة خمس و عشرين‏ (4) و ستمائة.

فنقم بنو عبد المؤمن على أبى زكريا ذلك، و أسقط أبو زكريا اسم عبد المؤمن من الخطبة، و بقى متملكا لإفريقية و خطب لنفسه بالأمير المرتضى، و اتسعت مملكته، و فتح تلمسان، و المغرب الأوسط، و بلاد الجريد و الزاب، و بقى كذلك إلى أن توفى على بونة فى سنة سبع و أربعين‏ (5) و ستمائة.

و أنشأ فى تونس بنايات عظيمة شامخة، و كان عالما بالأدب، و خلف أربع بنين و هم: أبو عبد اللّه محمد، و أبو إسحاق إبراهيم، و أبو حفص عمر، و أبو بكر و كنيته أبو يحيى، و خلف أخوين و هما أبو إبراهيم إسحاق، و محمد اللحيانى ابنى عبد الواحد بن أبى حفص.

و كان محمد اللحيانى صالحا منقطعا يتبرك به الناس.

____________

(1) «فى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة من عام ثلاثة و عشرين و ستمائة» -تاريخ الدولتين ص 21.

(2) قابس: مدينة و ميتاء هام-المغرب ص 17.

(3) «و عقد لأخيه أبى إبراهيم على توزر و نفطة و سائر بلاد قسطيلية» -تاريخ الدولتين ص 21.

(4) «سنة اثنتين و ستين» -المختصر جـ 3 ص 188، و هو تحريف-أنظر ما يلى، و انظر تاريخ الدولتين ص 23.

(5) «سنة أربع و أربعين» -فى الأصل، و التصحيح من المختصر جـ 3 ص 188، و المؤنس ص 134، و ورد فى تاريخ الدولتين أنه توفى سنة 646 هـ ص 30.

102

ثم تولى بعده ابنه أبو عبد اللّه محمد بن أبى زكريا، ثم سعى عمه أبو إبراهيم فى خلعه، و بايع لأخيه محمد اللحيانى الزاهد على كره منه لذلك، فجمع أبو عبد اللّه [محمد (1) ]المخلوع أصحابه فى يوم خلعه، و شد على عميه فقهرهما و قتلهما، و استقر فى ملكه، و تلقب بالمستنصر باللّه أمير المؤمنين أبى عبد اللّه محمد ابن الأمراء الراشدين‏ (2) .

و فى أيامه‏[فى سنة ثمان و ستين و ستمائة (3) ]وصل الفرنسيس‏ (4) إلى إفريقية بجموع الفرنج، و أشرفت‏[355]إفريقية على الذهاب، فقصمه اللّه تعالى، و مات الفرنسيس لعنه اللّه، و تفرقت تلك الجموع.

و فى أيامه خاف أخوه أبو إسحاق إبراهيم بن أبى زكريا، فهرب، ثم أقام بتلمسان، و بقى المستنصر المذكور كذلك حتى توفى حادى عشر ذى الحجة سنة خمس و سبعين و ستمائة (5) .

و ملك بعده ابنه يحيى بن محمد بن أبى زكريا و تلقب بالواثق باللّه أمير المؤمنين، و كان ضعيف الرأى، فتحرك عليه عمه أبو إسحاق إبراهيم الذى هرب و أقام بتلمسان، و غلب على الواثق فخلع نفسه، و استقر أبو إسحاق إبراهيم فى المملكة فى ربيع الأول سنة ثمان و سبعين‏ (6) و ستمائة، و خطب لنفسه بالأمير المجاهد، و ترك

____________

(1) []إضافة من المختصر جـ 3 ص 188 التوضيح.

(2) «و ذلك سنة 657 هـ» -أنظر المؤنس ص 135.

(3) []إضافة من المختصر للتوضيح، و انظر أيضا المؤنس ص 136.

(4) المقصود لويس التاسع-انظر شمال أفريقيا و الحركة الصليبية.

(5) المؤنس ص 137، الفارسية ص 134.

(6) انظر الفارسية ص 137، المؤنس ص 138.

103

زى الحفصييّن، و أقام على زىّ زناته، و أقام على الشرب، و فرق المملكة على أولاده، فوثب أولاده على الواثق المخلوع، فذبحوه و ذبحوا معه ولديه الفضل و الطيّب ابنى يحيى الواثق، و سلم للواثق ابن صغير يلقّب أبا عصيدة، لأنهم يصنعون للنفساء (1) عصيدة فيها أدوية يهدى منها للجيران، فعملت أم الصبى ذلك، فتلقب ولدها بأبى عصيدة، ثم ظهر إنسان‏[ادعى‏ (2) ]أنه الفضل بن الواثق الذى ذبح مع أبيه‏ (3) ، و اجتمعت عليه الناس، و قصد ابا إسحاق إبراهيم و قهره، فهرب أبو إسحاق إلى بجاية، و بها ابنه أبو فارس عبد العزيز بن إبراهيم، فترك أبو فارس أباه ببجاية، و سار بإخوته‏ (4) و جمعه إلى الدعى بتونس، و التقى الجمعان، فانهزم عسكر بجاية، و قتل أبو فارس و ثلاثة من إخوته، و نجا له أخ اسمه يحيى بن إبراهيم و عمه أبو حفص عمر بن أبى زكريا.

و لما هزم الدعى عسكر بجاية و قتل المذكورين أرسل إلى بجاية من قتل أبا إسحاق إبراهيم و جاءه برأسه، ثم تحدث الناس بدعوة الدعى، و اجتمعت العرب على عمر بن أبى زكريا بعد هروبه من المعركة و قوى أمره، و قصد الدعى ثانيا بتونس و قهره، و استتر الدعى‏ (5) فى بعض المواضع‏ (6) بتونس، ثم أحضر و اعترف بنسبه و ضربت عنقه.

____________

(1) «للنساء» فى الأصل، و التصحيح من المختصر.

(2) []إضافة من المختصر جـ 3 ص 188 للتوضيح.

(3) «مع ابنه» فى المختصر، و هو تحريف.

(4) «بأخويه» -فى المختصر، و هو تحريف-انظر ما يلى.

(5) «الداعى» فى المختصر جـ 3 ص 189، و هو تحريف.

(6) «فى دور بعض التجار» -المختصر.

104

و كان الدعى‏ (1) المذكور من أهل بجاية و اسمه أحمد (2) بن مرزوق بن أبى عمارة (3) ، و كان أبوه يتجر إلى بلاد السودان، و كان الدعىّ المذكور مجازفا قصّيفا (4) ، و سار إلى ديار مصر و نزل بدار الحديث الكاملية، [356]ثم عاد إلى المغرب، فلما مر (5) على طرابلس، كان هناك شخص أسود يسمى نصيرا كان خصيصا بالواثق المخلوع قد هرب لما جرى للواثق ما جرى، و كان فى أحمد الدعىّ بعض الشبه من الفضل بن الواثق، فدبر مع نصير المذكور الأمر، فشهد له أنه الفضل بن الواثق، و اجتمعت عليه العرب، و كان منه ما ذكرناه حتى قتل.

و كان الدعى يخطب له بالخليفة الإمام المنصور باللّه القائم بحق اللّه أمير المؤمنين [ابن أمير المؤمنين‏ (6) ]أبى العباس الفضل.

و لما استقر أبو حفص عمر فى المملكة، و قتل الدعى تلقب بالمستنصر باللّه [أمير المؤمنين‏ (7) ]، و هو المستنصر الثانى.

و لما استقر فى المملكة سار ابن أخيه يحيى بن إبراهيم بن أبى زكريا الذى سلم من المعركة إلى بجاية و ملكها، و تلقب بالمنتخب لإحياء (8) دين اللّه أمير المؤمنين،

____________

(1) «الداعى» فى الأصل و المختصر، و هو تحريف.

(2) انظر ما سبق.

(3) «بن أبى عمار» -المختصر جـ 3 ص 189.

(4) قصف: أقام فى أكل و شرب و لهو، و أكثر من ذلك-المنجد.

(5) «مر» مكررة فى الأصل.

(6) []إضافة من المختصر جـ 3 ص 189.

(7) []إضافة من المختصر.

(8) «بإحياء» فى الأصل، و التصحيح من المختصر.