عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - ج1

- محمد محمد أمين المزيد...
557 /
105

و استمر المستنصر باللّه فى مملكته حتى توفى فى أوائل المحرم سنة خمس و تسعين و ستمائة (1) ، و لما اشتد مرضه بايع لإبن صغير له، و اجتمعت الفقهاء و قالوا له:

أنت صائر إلى اللّه، و تولية (2) مثل هذا لا يحل، فأبطل بيعته، و أخرج ولد الواثق المخلوع الذى كان صغيرا و سلم من الذبح‏ (3) الملقب بأبى عصيدة، و بويع له صبيحة موت أبى حفص عمر المذكور الملقب بالمستنصر، و كان اسم أبى عصيدة أبا عبد اللّه محمد، و تلقب أيضا بالمستنصر، و هو المستنصر الثالث.

و فى أيامه توفى صاحب بجاية المنتخب يحيى بن إبراهيم، و ملك بعده بجاية ابنه خالد بن يحيى، و بقى أبو عصيدة كذلك حتى توفى سنة تسع و سبعمائة (4) ، و ملك بعده شخص من الحفصيين يقال له أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبى بكر بن أبى زكريا بن عبد الواحد بن أبى حفص صاحب ابن تومرت، فأقام فى الملك ثمانية عشر يوما (5) ، ثم وصل خالد بن المنتخب صاحب بجاية و دخل تونس، و قتل أبا بكر المذكور فى سنة تسع و سبعمائة (6) ، و لما جرى ذلك كان زكريا اللحيانى بمصر، فسار مع‏[357]عسكر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون إلى طرابلس الغرب‏ (7)

____________

(1) «توفى فى آخر ذى الحجة سنة أربع و تسعين و ستمائة» -المؤنس ص 140، الفارسية ص 152.

(2) «و تولى» فى الأصل، و التصحيح من المختصر.

(3) «الفرنج» فى الأصل، التصحيح من المختصر.

(4) «توفى فى العاشر لشهر ربيع الثانى من عام تسعة و سبعمائة» -الفارسية ص 154، المؤنس ص 141.

(5) «فكانت مدته سنة عشر يوما و بعض يوم» -الفارسية ص 155، المؤنس ص 141

(6) يوجد فى الأصل جملة مكررة مما سبق، ملغاة و منبه عليها.

(7) «المغرب» فى الأصل.

106

و بايعه‏[العرب‏ (1) ]، و سار إلى تونس، فخلع خالد بن المنتخب، و حبس‏ (2) ، ثم قتل قصاصا بأبى بكر بن عبد الرحمن المقدّم ذكره.

و استقر اللحيانى فى ملك إفريقية، و هو أبو يحيى‏ (3) زكريا بن أحمد بن محمد الزاهد بن عبد الواحد بن أبن حفص صاحب ابن تومرت.

ثم تحرك على اللحيانى أخو خالد و هو أبو بكر بن يحيى المنتخب، و هرب اللحيانى إلى الديار مصر و أقام بالإسكندرية، و ملك أبو بكر المذكور تونس و ما معها خلا طرابلس و المهدية، فإنه بعد هروب اللحيانى بايع‏ (4) ابنه محمد بن اللحيانى لنفسه و اقتتل مع أبى بكر فهزمه أبو بكر، و استقر محمد بن اللحيانى بالمهدية و له معها طرابلس.

و كان استيلاء أبى بكر و هروب اللحيانى إلى ديار مصرفى سنة عشرين و سبعمائة (5) ، و أقام اللحيانى فى الإسكندرية، ثم وردت عليه مكاتبات من تونس فى ذى القعدة سنة إحدى و عشرين و سبعمائة إلى الإسكندرية يذكر (6) فيها أن أبا بكر متملك تونس المذكور قد هرب و ترك البلاد، و أن الناس قد اجتمعوا على طاعة اللحيانى و بايعوا

____________

(1) []إضافة من المختصر.

(2) «و جلس» فى الأصل، و التصحيح من المختصر.

(3) «ابن يحيى» فى المختصر، و هو تحريف.

(4) «مانع» فى الأصل، و التصحيح من المختصر.

(5) «فى سنة تسع عشرة و سبعمائة» -فى المختصر جـ 3 ص 190.

(6) «يذكرون» فى المختصر.

107

نائبه و هو محمد بن أبى بكر من الحفصيين، و هو صهر زكريا اللحيانى المذكور، و هم فى انتظار وصول اللحيانى إلى مملكته‏ (1) .

و قال المؤيد فى تاريخه: اللحيانى المذكور قدم إلى مصر قبل أن يملك، و رأيته بها فى سنة تسع و سبعمائة، و كان حسن الشكل، ضخم الخلقة، قدم إلى ديار مصر و ربما أنه حج، ثم عاد إلى بلاد المغرب فملك تونس، و هو مقهور فيها مع العرب، فإنهم يتغلبون عليه.

و قال: و هو صاحب تونس فى زماننا هذا، و هو سنة ثمانى عشرة و سبعمائة (2) .

ذكر ماجريات المصريين:

منها: أن العزيزية المقيمين عند الملك المعز أيبك التركمانى عزموا على القبض عليه و هم على العباسة، و علم بذلك المعز و استعد لهم، فهربوا من مخيّمهم على العباسة، و احتيط على مخيّمهم.

و منها: أن الأمير عز الدين‏[358]أيبك‏ (3) الأفرم الصالحى عصى بصعيد مصر، و تظاهر بالعصيان، و جمع عليه جماعة من العربان، و وافقه حصن الدين ابن ثعلب و الأمير ركن الدين الصيرمى، و اعتدوا و نهبوا البلاد (4) ، و أكثرت

____________

(1) نهاية ما نقله المؤلف عن كتاب المختصر جـ 3 ص 187-190.

(2) لم يرد هذا الخبر فى كتاب المختصر المطبوع و الموجود بين أيدينا، و ذلك فى أحداث سنة 718 هـ، و لكن هناك أخبار أخرى-انظر المختصر جـ 4 ص 84-85.

(3) هو أيبك بن عبد اللّه الصالحى، الأمير عز الدين، المعروف بالأفرم الكبير، توفى سنة 695 هـ/1295 م-المنهل الصافى جـ 3 ص 130 رقم 575.

(4) «و اعتدوا نهب البلاد» فى الأصل، و التصحيح يتفق مع السياق.

غ

108

العربان من الفساد، و وضع هؤلاء أيديهم على الأموال فأخذوها من بيوت المال، وجبوا الجزية من ذمة تلك الأعمال، فانفسد النظام، و انتكث الإبرام، فاقتضى الحال إرسال الصاحب شرف الدين الفائزى الوزير ليتدارك الخلل بالتدبير، و جرد معه إلى الصعيد من العسكر جماعة، و أمروا له بالطاعة، فتحيلوا على الشريف حصن الدين فمسكوه، و أحضروه إلى القلعة المحروسة فاعتقل بها، ثم نقل إلى ثغر الإسكندرية، فاعتقل فى جب تحت الأرض، يعرف بجب الشريف، إلى أن كان من أمره ما سنذكره إن شاء اللّه.

ذكر ماجريات أولاد جنكز خان:

منها: كانت وقعة بين بركة خان بن باطو و بين هلاون بن طولو ملك التتار، قد ذكرنا (1) أن براق شين زوجة طغاى بن باطو خان لما لم يوافقها التتار على تمليك ولدها تدان منكو راسلت هلاون و هو يومئذ ببلاد عراق العجم بصدد افتتاحها، و أطمعته فى أخذ مملكة الشمال التى فى بنى عمه، فلما وصلته رسالاتها تجهز و سار بجيوشه إليها، و كان وصوله بعد مقتلها و جلوس بركة على سرير الملك، فبلغه وصول هلاون لحربه، فسار للقائه بعساكره و حزبه، و كان بينهما نهر يسمى نهر ترك، و قد جمد ماؤه لشدة البرد، فعبر عليه هلاون و عساكره متخطيا إلى بلاد بركة، فلما التقى الجمعان و اصطدم الفريقان كانت الكسرة على هلاون و عسكره، فولوا على أدبارهم و تكردسوا على النهر الجامد، فانفقأ الجمد من تحتهم، فغرق منهم جماعة كثيرة، و أفلت من نجا منهم من المصاف و الغرق صحبة هلاون راجعا إلى

____________

(1) انظر ما سبق فى حوادث سنة 652 هـ. ص 89-90.

109

بلاده، و نشأت الحرب بينهم من هذه السنة و صارت العداوة بين هاتين الطائفتين متمكنة (1) .

و كان فيمن شهد مع بركة هذه الوقعة ابن عمه نوغيه بن ططر[359] ابن مغل بن دوشى خان، فأصابته فى عينه طعنة رمح فعوّر، و لما قذف النهر جثث الغرقى جمعها نوغيه المذكور مع جثث القتلى أهراما و قال: هذه أجساد بنى الأعمام و الذرية فلا نتركها يأكلها الذئاب و الكلاب فى البرية.

و منها: أن هلاون فتح بالمشرق قلعتين أخرايين من قلاع الإسماعيلية، اسم الواحدة بمجوش و اسم الأخرى نماشر، و لم يزل يخرب أولا فأولا و يقتل من لقى منهم حتى أفنى عامتهم‏ (2) .

بقية الحوادث:

منها: ما قاله المؤيد: و هو أن الملك المعز أيبك تزوج شجر الدرّ أم خليل التى خطب لها بالسلطنة فى ديار مصر، و قيل: إنما تزوجها فى السنة الماضية، و اللّه أعلم‏ (3) .

و منها: أنه كان وقع فتنة بين الحج العراقى و أصحاب مكة و أصلح بينهم الملك الناصر داود، و كان قد ذهب إلى بغداد، ثم حج من العراق، و لما عاد أقام بالحلّة.

____________

(1) انظر جامع التواريخ المجلد الثانى الجزء الأول ص 332 و ما بعدها، نهاية الأرب جـ 27 ص 359-360.

(2) عن العلاقة بين المغول و الإسماعيلية فى عهد هولاكو-انظر جامع التواريخ المجلد الثانى الجزء الأول ص 243 و ما بعدها، و المغول ص 210 و ما بعدها.

(3) انظر المختصر جـ 3 ص 191.

110

و قال المؤيد: و فى هذه السنة طلب الناصر داود من الملك الناصر يوسف ابن الملك العزيز بن الظاهر بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب دستورا (1) إلى العراق بسبب طلب وديعته من الخليفة و هى الجوهر الذى تقدم ذكره، و أن يمضى إلى الحج، فأذن له الناصر يوسف فى ذلك، فسار الناصر داود إلى كربلاء، ثم مضى منها إلى الحج، و لما رأى قبر النبى صلى اللّه عليه و سلم تعلق بأستار الحجرة الشريفة بحضور الناس و قال: اشهدوا أن هذا مقامى من رسول اللّه عليه السلام داخلا عليه مستشفعا به إلى ابن عمه المستعصم فى أن يردّ علىّ وديعتى، فأعظم الناس ذلك، و جرت عبراتهم، و ارتفع بكاؤهم، و كتب بصورة ما جرى مشروحا و رفع إلى أمير الحاج‏[كيخسرو (2) ]و ذلك يوم السبت الثامن و العشرين من ذى الحجة من هذه السنة، و توجه الناصر مع الحاج العراقى و أقام ببغداد (3) .

و فيها: ......... (4)

و فيها: ......... (5)

____________

(1) دستور-إذن.

(2) []إضافة من المختصر للتوضيح.

(3) انظر المختصر جـ 3 ص 191.

(4) «...... » بياض فى الأصل نحو 2 كلمات.

(5) «...... » بياض فى الأصل نحو 5 كلمات.

111

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

الفقيه ضياء الدين صقر (1) بن يحيى بن صقر، مات فى حلب ليلة الإثنين‏[360] الثامن عشر من صفر من هذه السنة.

و كان شيخا فاضلا دينا، و من شعره:

من ادّعى أنّ له حاجة (2) # تخرجه عن منهج الشرع

فلا تكوننّ له صاحبا # فإنّه ضرّ بلا نفع‏

واقف القوصيّة أبو العزّ إسماعيل‏ (3) بن حامد بن عبد الرحمن الأنصارى القوصى، واقف داره التى بالقرب من الرحبة على أهل الحديث و بها قبره.

و كان ظريفا مطبوعا، حسن المحاضرة، و قد جمع له معجما حكى فيه عن مشايخه أشياء كثيرة مفيدة.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، العبر جـ 5 ص 214، و ورد اسمه «جعفر» فى السلوك جـ 1 ص 397، و «سقر» فى الذيل على الروضتين ص 188، شذرات الذهب جـ 5 ص 161، البداية و النهاية جـ 13 ص 186.

(2) «له حالة» فى البداية و النهاية.

(3) و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 214، الطالع السعيد ص 157 رقم 87، مرآة الجنان جـ 4 ص 129، البداية و النهاية جـ 13 ص 186، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 35، شذرات الذهب جـ 5 ص 260.

112

و قال أبو شامة: و قد طالعته بخطه، فرأيت فيه أغاليط و أوهاما فى أسماء الرجال و غيرها، فمن ذلك أنه انتسب إلى سعد بن عبادة بن دليم، فقال سعد ابن عبادة بن الصامت: و هذا غلط فاحش‏ (1) .

و كانت وفاته يوم الإثنين سابع عشر ربيع الأول من هذه السنة.

الشيخ الصالح الجليل مجد الدين أبو المجد على بن عبد الرحمن الأخميمى الخطيب.

و كان أحد المشايخ المشهورين بالدين و العلم، و له قبول تامّ، من الخاص و العامّ، و كرم الأخلاق، توفى فى هذه السنة و دفن بالقرافة، و قبره ظاهر يزار.

الشريف المرتضى نقيب الأشراف بحلب و هو أبو الفتوح المرتضى بن أبى طالب أحمد (2) [بن أحمد (3) ]بن محمد بن جعفر بن زيد بن جعفر بن محمد بن أحمد ابن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين الحلبى النقيب، المنعوت بالعز.

مات فى ليلة السادس عشر من هذه السنة فجاءة، و دفن بعد ثلاثة أيام بجبل الجوش، و مولده فى سنة تسع و سبعين و خمسمائة بحلب.

الشيخ الأصيل أبو المكارم محمد بن أبى بكر محمد بن عبد اللّه بن علوان ابن عبد اللّه بن علوان بن عبد اللّه الأسدى الحلبىّ المنعوت بالنجم.

____________

(1) وردت هذه الفقرة ضمن ترجمة سقر بن يحيى فى الذيل على الروضتين ص 188: 189.

(2) و له أيضا ترجمة فى: السلوك جـ 1 ص 397، الذيل على الروضتين ص 189.

(3) []إضافة من السلوك.

113

مات فى صبيحة الخامس و العشرين من شوال من هذه السنة بحلب، و دفن بالمقام، و مولده فى الخامس و العشرين من ذى القعدة سنة[361]ثمان و ثمانين و خمسمائة بحلب، سمع من أبى حفص عمر بن محمد بن طبرزد، و حدث بحلب، و له شعر حسن.

الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس بن تامتيت المغربى‏ (1) .

توفى بالقرافة بمصر، و قد جاوز مائة سنة.

و سئل يوما عن الحكم فى تارك الصلاة فقال: أنشدنى بن الرمامة و اسمه محمد ابن جعفر العبسى الحافظ قال: أنشدنى أبو الفضل طاهر النحوىّ لنفسه هذه الأبيات:

فى حكم من ترك الصلاة و حكمه # إن لم يقرّ بها كحكم الكافر

فإذا أقرّ بها و جانب فعلها # فالحكم فيه للحسام الباتر

و به يقول الشافعىّ و مالك # و الحنبلىّ تمسّكا بالظّاهر

و أبو حنيفة لا يقول بقتله # و يقول بالضرب الشديد الزاجر

هذا أقاويل الأئمة كلّهم # و أجلّها ما قلته فى الآخر

المسلمون دماؤهم معصومة # حتى تراق بمستنير باهر

مثل الزنا و القتل فى شرطيهما # و انظر إلى ذاك الحديث السّائر

____________

(1) «أبو العباس بن ثابت المقرئ» فى الذيل على الروضتين ص 189.

و انظر ما يلى فى وفيات 657 هـ: حيث ورد ذكر وفاة أبو العباس أحمد بن محمد بن تامتيت.

عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان-م 8

114

و معنى قوله: تمسكا بالظاهر، معنى قوله عليه السلام: «بين العبد و الكفر ترك الصلاة (1) » . و معنى قوله: فى الآخر، قوله عليه السلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث‏ (2) » .. الحديث.

الشيخ الأصيل أبو بكر بن أبى الفوارس مرهف بن الأمير مؤيّد الدولة أبى المظفر أسامة بن أبى أسامة مرشد بن على بن مقلد بن نصر بن منقذ الكنانى الحلبى الشيزرىّ الأصل، المصرى الدار، المنعوت بالحسام.

توفى بالقاهرة فى الثامن و العشرين من شعبان، و قيل: فى السابع و العشرين من رمضان من هذه السنة، و مولده فى سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة، و هو من بيت الإمارة و الفضيلة و التقدّم، و قد حدّث منهم جماعة و حدث هو أيضا.

أبو عبد اللّه محمد (3) بن محمد بن محمد بن عثمان البلخى، ثم البغدادىّ، ثم الحلبىّ المنعوت بالنظام.

أحد السادات الحنفيّة، درس بحلب، و سمع من المؤيد الطوسى.

قال الذهبى: و حدّث عنه بصحيح مسلم، [362]و سمع ببخارى و سمرقند، و تفقّه بخراسان على المحبوبى، و حدّث بحلب و أفتى، و كتب عنه الحافظ الدمياطى

____________

(1) «بين العبد و بين الشرك و الكفر ترك الصلاة» رواه مسلم فى الإيمان 134، و أبو داود فى السنة 15، و الترمذى فى الإيمان 9، و ابن ماجه فى السنن 17.

(2) «لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه و أنى رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث: الشيب الزانى، و النفس بالنفس، و التارك لدينه المفارق للجماعة» رواه أبو داود فى الحدود 4352، و الترمذى فى الديات 10.

(3) و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 215، شذرات الذهب جـ 5 ص 161، السلوك جـ 1 ص 397.

115

و ذكره فى معجم شيوخه، و قال: توفى بحلب ليلة الأربعاء التاسع و العشرين من جمادى الآخرة سنة ثلاث و خمسين و ستمائة، و دفن بالجبيل خارج باب الأربعين، و مولده ببغداد سنة ثلاث و سبعين و خمسمائة.

صاحب فاس من بلاد المغرب أبو بكر (1) بن عبد الحق المزينى؟؟؟.

مات فى فاس فى هذه السنة حتف أنفه، و قام بعده ولده عمر (2) بن أبى بكر ابن عبد الحقّ، و كان ولى عهد أبيه، و هو الثانى من ملوك بنى مرين، فأقام نصف سنة أو دون ذلك، فثار عليه عمه يعقوب بن عبد الحق، و جرت بينهما حروب كثيرة، ثم اصطلحا على أن يخلع عمر نفسه، فخلع نفسه و أعطاه عمّه مكناسة الزيتون‏ (3) و أعمالها، فاستقرّ بها مدّة، ثم أرسل عمه بعد مديدة إلى أقوام من بنى عمه يقال لهم: أولاد عثمان بن عبد الحق، كانوا مطالبيه بدم لهم على أبيه، فاتبعوه فقتلوه.

و قام عمّه يعقوب بن عبد الحق، و هو الثالث من سلاطين بنى مرين، و كان رجلا صالحا، حسن السيرة، محبا فى الصالحين، و اجتمع عليه أعيان بنى

____________

(1) اجمعت المصادر المغربية على أن وفاة أبى بكر بن عبد الحق المزينى؟؟؟ كانت سنة 656 هـ/ 1258 م-انظر الذخيرة السنية ص 17، الاستقصا جـ 2 ص 19، روض القرطاس ص 296.

(2) «عمرو» فى الأصل، و التصحيح من الاستقصا جـ 2 ص 19.

(3) «بكناسة الزيتون» فى الأصل.

مكناسة الزيتون: مدينة بالمغرب، حصينة، فى طريق المار من فاس إلى سلا على شاطئ البحر، فيه مرسى للمراكب-معجم البلدان.

116

مرين، و لما جلس فى السلطنة (1) سار إلى جزيرة الأندلس لغزو الفرنج فى ألف فارس، و اجتمع إليه من المسلمين الذين بالأندلس ثلاثمائة فارس، فخرج قائد من زعماء الفرنج للقائه يقال له: دوالنتو (2) فى نحو عشرة آلاف فارس مدرعين، و خلق كثير من الرجالة، فالتقاهم أبو يوسف المذكور فهزمهم و قتل عامتهم، و رجع إلى برّ العدوة (3) ، فكان منه ما سنذكره إن شاء اللّه.

***

____________

(1) «فى السلطنة فى المملكة» فى الأصل.

(2) «و اعلم أن هذا الزعيم يسميه كثير من المؤرخين دون نونه، و لفظة «دون» معناها فى لغتهم السيد أو العظيم أو ما أشبه ذلك، فلذا أسقطناها» -الاستقصا جـ 2 ص 41.

و هو القائد «دون نونيودى لارا» -معالم تاريخ المغرب و الأندلس ص 386.

(3) فى رجب سنة 674 هـ-الاستقصا جـ 2 ص 42.

117

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الرابعة و الخمسين بعد الستمائة

____________

*

استهلت هذه السنة، و الخليفة: هو المستعصم باللّه.

و صاحب الديار المصرية: السلطان الملك المعز أيبك التركمانى الصالحى.

و صاحب الديار الشامية: السلطان الملك الناصر يوسف‏[363]، و كان قد أرسل فى هذه السنة كمال الدين المعروف بابن العديم الحلبى رسولا إلى الخليفة المستعصم باللّه و صحبته تقدمة جليلة، و طلب خلعة من الخليفة لمخدومه.

و وصل أيضا من جهة الملك المعزّ أيبك صاحب الديار المصريّة رسول إلى الخليفة و هو شمس الدين سنقر الأقرع، من مماليك المظفّر غازى صاحب ميّافارقين، و صحبته تقدمة جليلة إلى الخليفة، و سعى فى تعطيل خلعة الناصر يوسف صاحب دمشق.

فبقى الخليفة متحيّرا، ثم أنه أحضر سكّينا كبيرة من اليشم و قال للوزير:

إعط هذه السكين لرسول صاحب الشام علامة منى فى أن له خلعة عندى فى وقت آخر، و أما فى هذا الوقت فلا يمكننى، فأخذ كمال الدين بن العديم السكين و عاد الى الملك الناصر بغير خلعة (1) .

و فيها قبض المعز على الأمير علاء الدين أيدغدى العزيزى لأنه اتهمه، فأمسكه و سجنه.

____________

(*) يوافق أولها الأحد 30 يناير 1256 م.

(1) انظر المختصر جـ 3 ص 191.

118

و فيها أرسل المعزّ إلى صاحبى حماة و الموصل يخطب ابنتيهما لنفسه، و بلغ ذلك شجر الدر والدة خليل الصالحيّة و أنكرته و أكبرته، لأنه بها وصل إلى ما وصل، و بوصلها حصّل من الدولة و الصولة على ما حصل، فدبرت على إعدامه و قررت قتله مع خدامها و خدامه، على ما يأتى إن شاء اللّه تعالى.

ذكر دخول التتار إلى بلاد الروم:

اعلم أن التتار دخلوا فى هذه السنة إلى الروم مرتين:

الأولى: جرّد منكوقان بن طولو خان بن جنكز خان الأمير جرماغون و الأمير بيجو و معهما جماعة من العساكر إلى بلاد الروم، و هى يومئذ فى يد السلطان علاء الدين كيقباذ بن السلطان غياث الدين كيخسرو، فساروا إليها و نزلوا على آرزن الروم‏ (1) و بها سنان الدين ياقوت أحد مماليك السلطان علاء الدين كيقباذ، فحاصروها مدة شهرين و نصبوا عليها إثنى عشر منجنيقا، فهدموا أسوارها و دخلوها و أخذوا سنان الدين ياقوت أسيرا، و كان حريمه فى القلعة، فأخذوها[364] ثانى يوم و قتلوا الجند، و استبقوا أرباب الصنائع و ذوى المهن، و داسوا الأطفال بحوافر الخيل، و غنموا و سبوا، و عادوا و قتلوا ياقوت العلائى و ولده، و اتفقت وفاة جرماغون أحد المقدمين على سرمارى‏ (2) .

المرة الثانية: و هى التى دخل فيها بيجو و من معه إلى الروم و معه خجانوين، فوصلوا إلى أقشهر زنجان‏ (3) و نزلوا بالصحراء التى هناك، فجمع السلطان غياث

____________

(1) آرزن الروم: مدينة مشهورة من مدن أرمينية-قرب خلاط-معجم البلدان.

(2) انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 349.

(3) «برنجان» فى الأصل، و التصحيح من نهاية الأرب حـ 27 ص 349.

119

الدين جيشه و سار للقائهم، و أخذ حريمه معه ليقاتل قتال الحريم، و نزلوا على كوسا داغ و هو الجبل الأقرع، و ذلك الجبل مطل على الوطأة التى نزل بها بيجو و عساكره، ثم أن السلطان غياث الدين ضرب مشورة مع أكابر أمرائه و ذوى آرائه فى لقاء التتار و قتالهم، فتكلم كل بما عنده، و منهم من هوّل أمره فغضب أخو كرجى خاتون زوجة السلطان، و قال: هؤلاء قد هابوا التتار و جبنوا عنهم و فرقوا منهم، فالسلطان يعطينى الكرج و الفرنج الذى فى جيشه و أنا ألقاهم و لو كانوا من عساهم يكونون؟فغاظ الأمراء كلامه، و تقدم واحد منهم من أعيانهم، فألزم نفسه الأيمان المغلظة أنه لا بد أن يلاقى التتار بنفسه، و من يضمه تقدمته و لا ينتظر أحدا، فركب و معه نحو من عشرين ألف فارس و ركب السلطان على الإثر، و ركبت عساكره و ضربت كوساته‏ (1) ، و نزل المقدم المتقدم إلى الصحراء قاصدا الهجوم على التتار، فوجد قدامه‏[واد (2) ]قد قطعه السّيل فلم يستطع أن يقطعه، فسار مع لحف الجبل يطلب طريقا يمكنه التوجه منه نحو التتار، فركب التتار و قصدوه و دنوا منه و حاذوه، و أرسلوا إليه شهابا كالشهب المحرقة، فأهلكوا أكثر خيله و خيل من معه، و كان السهم لا يقع إلا فى الفارس أو الفرس. هذا و العساكر السلطانية قد تبعته قافية خطوه، و حاذية فيما فعل حذوه، فلما تقدموا ندموا حين أقدموا، و رأوا عساكر التتار تحاذى الجبل فسقط فى أيديهم و أيقنوا[365]أن الكسرة عليهم، فطلب كل منهم لنفسه النجاة و فر نحو ملجئه.

____________

(1) كوسة-كوسات: صنوجات من نحاس تشبه الترس الصغير، يدق بأحدها على الآخر بإيقاع مخصوص-صبح الأعشى جـ 4 ص 9.

(2) []إضافة للتوضيح من نهاية الأرب جـ 27 ص 106.

120

و أما السلطان غياث الدين فلم يبرح من مكانه و قيّد فرسه، و وقف على أعلى الجبل ظنا منه أن عساكره التى تقدمت قد نزلت و نازلت، و لم يدر بما أصابهم من الافتراق، و أن كل طائفة منهم صارت إلى أفق من الآفاق، فأتاه الخبر بذلك و هو فى قلة ممن حوله، و كان معه جماعة من الأمراء كان قد نقم عليهم أمرا، فأمسكهم و أودعهم الزردخاناة، فأطلقهم و سلم الحريم إلى أحدهم، و كان اسمه تركرى الجاشنكير و هو والد الأمير مبارز الدين سوارى الرومى أمير شكار الذى هاجر إلى الديار المصرية فى الأيام الظاهرية على ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى، و أمره أن يتوجه بهم إلى قونية التى هى دار ملكه، و موطن أهله و مسافتها من الذى كان فيه ثلاثون يوما، فسار بهن و قد تركوا القماش و الفرش و الأثاث، و لم يحملوا إلا الجواهر النفيسة التى يخف حملها و يسهل نقلها، و رحل السلطان عائدا، و ترك الوطاق‏ (1) بما حوى من الدهاليز المضروبة و الخيام المنصوبة و الأثقال التى لها و لعساكره، و الخزائن المشتملة على ذخائرهم و ذخائره.

و لما عاين التتار هزيمة ذلك العسكر الجرار ظنوها مكيدة، و لم يحسبوها هزيمة، فلبثوا ثلاثة أيام لا يتجاسرون على العبور إلى الخيم، ثم تحققوا أمرهم و عبروه، و حووا كل ما وجدوه من الخيول و الأثاث و الأثقال، و استعرضوا كله، و عادوا راجعين‏ (2) .

ذكر بقية الحوادث:

منها: أن الملك الناصر داود لما عاد إلى بغداد بعد استشفاعه بالنبى صلى اللّه عليه و سلم فى ردّ وديعته أرسل الخليفة المستعصم باللّه من حاسب الناصر المذكور

____________

(1) الوطاق: الخيمة الكبيرة التى تعد للعظماء-القاموس.

(2) انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 106-107.

غ

121

على ما وصله فى ترداده إلى بغداد من المضيف مثل اللحم و الخبز و الحطب و غير ذلك، و ثمنّ ذلك عليه بأغلى الثمن، ثم أرسل إليه شيئا نزرا، و ألزمه بأن يكتب خطه بقبض وديعته و أنه ما بقى يستحق على‏[366]الخليفة شيئا، فكتب خطه بذلك مكرها، و سار عن بغداد و أقام مع العرب، ثم أرسل إليه الملك الناصر يوسف صاحب الشام فطيب قلبه و حلف له، فقدم الناصر داود إلى دمشق و نزل بالصالحيّة (1) .

و منها: أن هلاون-على ما ذكر-دخل بغداد (2) فى زىّ تاجر عجمىّ، و معه مائة حمل حرير، و اجتمع بالوزير مؤيّد الدين محمد بن العلقمى، و بأكابر الدولة، و كانوا قادرين على مسكه إلا أنهم خانوا اللّه و رسوله و المسلمين، ثم خرج بعد ما أتقن أمره معهم‏ (3) .

و منها: أنه كملت المدرسة الناصرية الجوانية (4) داخل باب الفراديس بدمشق، و حضر فيها المدرّس قاضى البلد صدر الدين بن سنىّ الدولة، و حضر عنده الأمراء و العلماء و جمهور أهل الحلّ و العقد، و حضر السلطان الملك الناصر يوسف واقفها أيضا (5) .

____________

(1) انظر المختصر جـ 3 ص 191-192، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 13.

(2) «و فيها وصلت جواسيس هولاكو إلى الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمى ببغداد» - السلوك جـ 1 ص 400.

(3) كنز الدرر جـ 8 ص 29.

(4) انظر الدارس جـ 1 ص 459 و ما بعدها.

(5) و ذلك فى سابع المحرم سنة 654 هـ-الدارس جـ 1 ص 460.

122

و منها: أن السلطان الملك الناصر يوسف أمر بعمارة الرباط بسفح جبل قاسيون.

و منها: أن عسكر الملك الناصر يوسف رحلوا من العوجاء إلى عزّة و نزلوا على تلّ العجول، و اتفق وصول رسول الخليفة و هو الشيخ نجم الدين البادرائى من بغداد ليجدّد الصلح الذى وهت مبانيه، و قرر الصلح، فأعاد العسكر.

و منها: أنه كان ظهور النار من أرض الحجاز التى أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، و قد بسط القول فيه أبو شامة فى كتاب الذيل و ملخصه أنه قال: جاء إلى دمشق كتب من المدينة النبويّة، على ساكنها أفضل الصلاة و السلام، بخروج نار عندهم فى خامس جمادى الآخرة من هذه السّنة، و كتهت الكتب فى خامس رجب و النار بحالها.

قال: و وصلت الكتب إلينا فى عاشر شعبان و فيه تصديق لما فى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:

«لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضئ أعناق الإبل ببصرى» .

قال: فأخبرنى بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه بلغه أنه كتب بتيماء (1) على ضوئها الكتب.

قال: و كنا فى بيوتنا تلك الليالى و كأنّ فى دار كل رجل سراجا، و لم يكن لها حرّ و لفح على عظمها، إنما كانت آية من آيات اللّه عزّ و جل.

____________

(1) تيماء: بالفتح و المد، بلد بأطراف الشام، على طريق حاج الشام و دمشق-معجم البلدان.

123

قال أبو شامة: هذه صورة ما وقفت عليه من الكتب الواردة منها: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة ظهر بالمدينة النبوية دوىّ عظيم، ثم زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض و الحيطان و السقف و الأخشاب و الأبواب ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور، ثم ظهرت نار عظيمة فى الحرّة (1) قريبة من قريظة، نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، و هى نار عظيمة، إشعالها أكبر من ثلاث منائر، و قد سالت أودية منها بالنار إلى وادى شظا (2) مسيل الماه، و قد سدّت مسيل‏ (3) شظا و ما عاد يسيل‏ (4) ، و اللّه لقد طلعنا و نحن جماعة نبصرها، فإذا الجبال تسيل‏ (5) نيرانا، و قد سدّت الحرّة طريق الحاج العراقى، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرّة، فوقفت بعد أن أشفقنا (6) أن تجئ إلينا، و رجعت تسير فى الشرق، تخرج من وسطها مهود (7) و جبال نيران تأكل الحجارة، فيها أنموذج عما أخبر اللّه تعالى فى كتابه العزيز فقال عز من قائل: (إِنَّهََا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ، كأنه جمالات صفر) (8) . و قد أكلت الأرض.

____________

(1) الحرة: موضع معروف ظاهر المدينة المنورة، أرضه كالصخر المحروق، كانت به موقعة الحرة.

(2) «وادى الشطاة» -فى ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 7.

(3) «سبيل» فى الذيل على الروضتين ص 190.

(4) «بسبيل» فى الذيل على الروضتين ص 190.

(5) «تسير» فى الذيل على الروضتين.

(6) «فوقعت ما أشفقنا» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

(7) «مهول» فى الذيل على الروضتين.

(8) سورة المرسلات رقم 77 آية رقم 32-33.

124

و قد كتب هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع و خمسين و ستمائة، و النار فى زيادة ما تغيّرت، و قد عادت إلى الحرار فى قريظة طريق‏[عير (1) ]الحاج العراقى إلى الحيرة (2) ، كلها نيران تشعل، نبصرها فى الليل من المدينة كأنها مشاعل الحاج، و أما أم النار الكبيرة فهى جبال نيران حمر، و الأمّ الصغيرة (3) النار التى سالت النيران منها من عند قريظة و قد زادت، و ما عاد الناس يدرون أىّ شى‏ء يتمّ بعد ذلك‏ (4) ، و اللّه يجعل العاقبة إلى خير و ما أقدر أن أصف هذه النار.

و قال أبو شامة: فى كتاب آخر ظهر فى أول جمعة من جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة: وقع‏ (5) بالمدينة فى شرقيها نار عظيمة[368]بينها و بين المدينة نصف يوم، انفجرت من الأرض، و سال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد، ثم وقف‏ (6) و عادت إلى الساعة، و لا ندرى ما ذا نفعل، و وقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى نبيهم صلى اللّه عليه و سلم مستغفرين تائبين إلى ربهم تعالى، و هذه دلائل القيامة.

قال: و ظهر كتاب آخر: لما كان يوم الإثنين مستهلّ جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة، وقع بالمدينة صوت تشبه صوت الرعد البعيدة تارة و تارة، أقام على هذه الحالة يومين، فلما كان ليلة الأربعاء ثالث الشهر المذكور

____________

(1) []إضافة من الذيل على الروضتين.

(2) «إلى الحرة» فى الذيل على الروضتين.

(3) «و الأم الكبيرة» فى الذيل على الروضتين، و لعله تحريف.

(4) «و ما عاد الناس يرون أى شى‏ء بعد ذلك» فى الذيل على الروضتين.

(5) «وقع» ساقط من الذيل على الروضتين.

(6) «ثم وقفت» فى الذيل على الروضتين.

125

تعقب الصوت الذى كنا نسمعه زلازل، [فتقيم على هذه الحالة ثلاثة أيام، يقع فى اليوم و الليلة أربع عشرة زلزلة (1) ]، فلما كان فى يوم الجمعة خامس الشهر المذكور انبجست الأرض من‏ (2) الحرّة بنار عظيمة، تكون قدرها مثل مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و هى برأى العين من المدينة، نشاهدها و هى ترمى بشرر كالقصر، كما قال اللّه عزّ و جل، و هى بموضع يقال له أجلين، و قد سال من هذه النار واد يكون مقداره أربعة فراسخ و عرضه أربعة أميال و عمقه قامة و نصف، و هى تجرى على وجه الأرض، و تخرج منها أمهاد و جبال صغار، و تسير على وجه‏ (3) الأرض و هو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك، فإذا جمد (4) صار أسودا، و قبل الجمود (5) لونه أحمر، و قد حصل بطريق هذه النار إقلاع عن المعاصى و التقرب إلى اللّه تعالى بالطاعات، و خرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة إلى أهلها.

قال أبو شامة: و من كتاب شمس الدين بن سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسينى قاضى المدينة إلى بعض أصحابه: لما كان ليلة الأربعاء ثالث شهر جمادى الآخرة حدث بالمدينة فى الثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها، و باتت‏ (6) باقى تلك الليلة تزلزل كل يوم و ليلة قدر عشر نوبات، و اللّه لقد زلزلت مرّة و نحن حول حجرة رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم اضطرب لها المنبر إلى أن

____________

(1) []إضافة من الذيل على الروضتين ص 191.

(2) «الأرض من» ساقط من الذيل على الروضتين.

(3) «وجه» ساقط من الذيل على الروضتين.

(4) «خمد» فى الذيل على الروضتين، و هو تحريف.

(5) «الخمود» فى الذيل على الروضتين.

(6) «و باقت» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

126

سمعنا (1) منه صوتا للحديد الذى فيه، و اضطربت قناديل الحرم الشريف‏[النبوى‏ (2) ] [369]و دامت‏ (3) الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، و لها دوىّ‏[مثل دوى‏ (4) ]الرعد القاصف، ثم بين فيه صفة النار، ثم قال: و كتب الكتاب يوم خامس رجب و هى على حالها، و الناس منها خائفون، و الشمس و القمر يوم يطلعان‏ (5) ما يطلعان إلا كاسفين، [فنسأل اللّه العافية (6) ].

قال أبو شامة: و بان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان، و كنا حيارى من ذلك إش هو (7) إلى أن جاءنا هذا الخبر عن هذه النار.

قال: و جاء كتاب من بعض بنى القاشانى بالمدينة يقول فيه: وصل إلينا فى جمادى الآخرة نجابة من العراق و أخبروا عن بغداد أنه أصابها غرق عظيم حتى دخل‏ (8) الماء من أسوار بغداد إلى البلد، و غرق كثير من البلد، و دخل الماء دار الخليفة وسط البلد، و انهدمت دار الوزير و ثلاثمائة و ثمانون دارا، «و انهدم مخزن الخليفة (9) » ، و هلك من خزانة السلاح شى‏ء كثير، [بل تلف كله‏ (10) ]، و أشرف

____________

(1) «أوجسنا» أى سمعنا، فى الذيل على الروضتين.

(2) []إضافة من الذيل على الروضتين.

(3) «و تمت» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

(4) []إضافة من الذيل على الروضتين.

(5) «من يوم طلعت» فى الذيل على الروضتين.

(6) []إضافة من الذيل على الروضتين.

(7) «لا ندرى ما هو» فى مخطوط نهاية الأرب جـ 27، و ساقط من الذيل على الروضتين.

(8) «وصل» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

(9) «» ساقط من الذيل على الروضتين.

(10) []إضافة من الذيل على الروضتين.

127

الناس على الهلاك، و عادت السفن تدخل إلى أوسط (1) البلد و تخترق‏ (2) أزقة بغداد، ثم ذكر فيه حكاية النار (3) .

و قال ابن كثير رحمه اللّه: الحديث الوارد فى هذه النار مخرّج فى الصحيحين من طريق الزهرىّ عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضى‏ء أعناق الإبل ببصرى» . و هذا لفظ البخارى‏ (4) ، و قد وقع هذا فى هذه السنة، أعنى سنة أربع و خمسين و ستمائة كما ذكرنا.

و قد أخبرنى قاضى القضاة صدر الدين على بن أبى القاسم التميمى الحنفى الحاكم بدمشق فى بعض الأيام فى المذاكرة و جرى ذكر هذا الحديث و ما كان من [أمر (5) ]هذه النار فى هذه السنة: فقال: سمعت رجلا من الأعراب يخبر والدى ببصرى فى تلك الليالى أنهم رأوا أعناق الإبل فى ضوء هذه النار التى ظهرت من أرض الحجاز (6) .

و قال ابن كثير: و كان مولده فى سنة ثنتين و أربعين و ستمائة (7) ، و كان والده مدرّسا للحنفية ببصرى، و كذلك كان جدّه، و هو أيضا قد درّس بها، ثم انتقل

____________

(1) «وسط» فى الذيل على الروضتين.

(2) «و تخرق» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

(3) انظر الذيل على الروضتين ص 190-192.

(4) البداية و النهاية جـ 13 ص 191، و انظر البخارى الفتن 24، مسلم أشراط الساعة 14 رقم 2902.

(5) []إضافة من البداية و النهاية.

(6) البداية و النهاية جـ 13 ص 191.

(7) «و خمسمائة» فى الأصل، و التصحيح من البداية و النهاية.

128

[370]إلى دمشق فدرس بالصادرية (1) و بالمقدمية (2) ، ثم ولى قضاء القضاة الحنفية، و كان مشكور السيرة فى الأحكام، و قد كان عمره حين وقع هذه النار بالحجاز ثنتى عشرة سنة، و مثله ممن يضبط ما سمع من الخبر أن الأعرابىّ أخبر والده فى تلك الليالى‏ (3) .

و قال أبو شامة: و فى ليلة الجمعة مستهل شهر رمضان من هذه السنة احترق مسجد النبى عليه الصلاة و السلام، و ابتداء حريقه من زاويته الغربية من الشمال، و كان دخل أحد القومة إلى خزانة ثم، و معه نار فعلقت فى آلات ثمّ، و اتصلت بالسقف سرعة، ثم دبت فى السقوف آخذة قبلة، فاعجزت‏ (4) الناس‏[عن‏ (5) ] قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع‏ (6) ، و وقعت بعض أساطينه و ذاب رصاصها، و كل ذلك قبل أن ينام الناس، و احترق سقف الحجرة النبويّة على ساكنها (7) السلام، و وقع ما وقع منه فى الحجرة و بقى على حاله لما شرع فى عمارة سقفه و سقف المسجد، و كان ذاك ليلة الجمعة و أصبح الناس فعزلوا موضعا للصلاة.

____________

(1) المدرسة الصادرية بدمشق: و هى أول مدرسة أنشئت بدمشق سنة 491 هـ/1098 م، أنشأها شجاع الدولة صادر بن عبد اللّه، بياب للبريد على باب الجامع الأموى-الدارس جـ 1 ص 537 و ما بعدها.

(2) المدرسة المقدمية الجوانية بدمشق، أنشأها شمس الدين محمد بن المقدم، أحد نواب صلاح الدين بدمشق، و المتوفى سنة 583 هـ/1187 م-الدارس جـ 1 ص 594 و ما بعدها.

(3) البداية و النهاية جـ 13 ص 191-192.

(4) «فأعجلت» فى الذيل على الروضتين، و ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 10.

(5) []إضافة من الذيل على الروضتين، و ذيل مرآة الزمان.

(6) «جميعها» فى الذيل على الروضتين.

(7) «عليه» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

129

و عدّ (1) ما وقع من تلك النار الخارجة و حريق‏ (2) المسجد من جملة الآيات، و كأنها كانت‏ (3) منذرة عما يعقبها فى السنة الآتية من الكائنات على ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى‏ (4) .

و نظم بعضهم فى هذه النار و غرق بغداد بيتين، قال:

سبحان من أصبحت مشيئته # جارية فى الورى بمقدار

أغرق بغداد بالمياه كما # أحرق أرض الحجاز بالنار

قال أبو شامة: كان ينبغى أن ينّبه على أن الأمرين فى سنة واحدة، و إلا فالإغراق و الإحراق يقعان كثيرا، فالصواب أن يقال:

فى سنة أغرق العراق و قد # أحرق أرض الحجاز بالنار (5)

و قال‏ (6) :

بعد ستّ من المئين و خمسين # لدى أربع جرى فى العام

نار أرض الحجاز مع حرق # المسجد مع غريق‏ (7) دار السلام

ثم أخذ التتار بغداد فى # أول عام من بعد ذاك بعام‏ (8)

[371]

____________

(1) «و عدوا» فى الذيل على الروضتين.

(2) «من» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

(3) «كانت» ساقط من الذيل على الروضتين.

(4) انظر الذيل على الروضتين ص 194.

(5) انظر الذيل على الروضتين ص 193.

(6) ينسب أبو شامة الأبيات التالية لنفسه-الذيل على الروضتين ص 194.

(7) «تغريق» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

(8) «العام» فى الذيل على الروضتين.

عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان-م 9

130

لم يفن‏ (1) أهلها و للكفر أعوان # عليهم يا ضيعة الإسلام

و انقضت‏ (2) دولة الخلافة منها # صار مستعصم بغير اعتصام‏ (3)

و فيها: «......... (4) »

و فيها: حج بالناس «......... (5) »

____________

(1) «لم يغن» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

(2) «انقضت» فى الأصل، و الإضافة من الذيل على الروضتين.

(3) انظر أبيات أخرى فى الذيل على الروضتين.

(4) «......... » بياض فى الأصل.

(5) «......... » بياض فى الأصل.

131

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الوهاب بن على بن عبد الوهاب بن مناس الطرابلسى المالكى.

و كان قد ولى القضاء بطرابلس المغرب و المهديّة، ثم استوطن الإسكندرية.

و كان شيخا صالحا. توفى فى هذه السنة.

الشيخ عماد الدين عبد اللّه‏ (1) بن النحاس الزاهد الورع.

خدم الملوك و وزر بالعجم، و انقطع فى آخر عمره بجبل قاسيون، و أقام ثلاثين سنة مشغولا باللّه، و يقضى حوائج الناس بنفسه و ماله. توفى فى هذه السنة، و دفن بقاسيون بدمشق.

و هو الذى قال له ابن شيخ الشيوخ فخر الدين: و اللّه لأسبقنك إلى الجنة بمدة، فسبقه فخر الدين.

الشيخ شمس الدين عبد الرحمن‏ (2) بن نوح المقدسى، الفقيه الشافعى، مدرس

____________

(1) هو عبد اللّه بن الحسن بن الحسين بن على الأنصارى الدمشقى، عماد الدين بن النحاس،

و له أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 24، البداية و النهاية جـ 13 ص 193، شذرات الذهب جـ 5 ص 265. و ورد اسمه «أبو بكر بن عبد اللّه» فى العبر جـ 5 ص 217.

(2) و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 218، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 19، شذرات الذهب جـ 5 ص 265، البداية و النهاية جـ 13 ص 195.

132

الرواحية (1) بعد شيخه تقى الدين بن الصلاح‏ (2) . توفى فى هذه السنة، و دفن بالصوفية (3) .

و كانت له جنازة حافلة.

سبط ابن الجوزى: الشيخ شمس الدين أبو المظفر يوسف‏ (4) بن الأمير حسام الدين قزغلى بن عبد اللّه، عتيق الوزير عون‏ (5) بن هبيرة الحنفى، أحد السادات الحنفية البغدادى، ثم الدمشقى، سبط ابن الجوزى، أمّه رابعة بنت الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى‏ (6) الواعظ.

و قد كان حسن الصورة، طيّب الصوت، حسن الوعظ، كثير الفضائل و المصنفات، و له مرآة الزمان فى عشرين مجلدا (7) من أحسن التواريخ، انتظم فيها

____________

(1) المدرسة الرواحية بدمشق: أنشأها هبة اللّه بن محمد الأنصارى، زكى الدين بن رواحة المتوفى سنة 622 هـ/1225 م-الدارس جـ 1 ص 265.

(2) «ابن صلاح» فى الأصل، و هو عثمان بن عبد الرحمن الشهر زورى، تقى الدين بن الصلاح، المتوفى سنة 643 هـ/1245 م-الدارس جـ 1 ص 266.

(3) «دفن من الغد بمقابر الصوفية» -ذيل مرآة الزمان.

(4) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، درة الأسلاك ص 13 العبر جـ 5 ص 220، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 39-43، السلوك جـ 1 ص 401، الذيل على الروضتين ص 195، البداية و النهاية جـ 13 ص 194، شذرات الذهب جـ 5 ص 266-267، وفيات الأعيان جـ 3 ص 142 رقم 96، فوات الوفيات جـ 4 ص 356 رقم 592، تاج التراجم ص 83 رقم 256، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 39.

(5) هو يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة، أبو المظفر، الوزير عون الدين، المتوفى سنة 560 هـ 1164 م-وفيات الأعيان جـ 6 ص 230 رقم 807.

(6) هو عبد الرحمن بن على بن محمد، أبو الفرج بن الجوزى، المتوفى سنة 597 هـ/1250 م -وفيات الأعيان جـ 3 ص 140 رقم 370.

(7) «رأيته بخطه فى أربعين مجلدا» -وفيات الأعيان جـ 3 ص 142.

غ

133

المنتظم‏ (1) تاريخ جدّه و زاد عليه، و ذيل إلى زمانه، و هى من أحسن التواريخ و أبهجها، قدم دمشق فى حدود الستمائة، و حظى عند ملوك بنى أيوب، و قدّموه و أحسنوا إليه.

و كان له مجلس وعظ كل يوم سبت بكرة النهار عند السارية التى يقوم عندها الوعاظ اليوم عند مشهد على بن الحسين زين العابدين، و قد كان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع و يتركون البساتين‏[372]فى الصيف حتى يسمعوا ميعاده، ثم يسرعون إلى بساتينهم فيتذاكرون ما قاله من الفوائد و الكلام الحسن على طريق جدّه.

و قد كان الشيخ تاج الدين الكندى‏ (2) و غيره من المشايخ يحضرون عنده تحت قبّة يزيد التى عند باب المشهد و يستحسنون ما يقول.

و درّس بالعزية البرانية (3) التى بناها الأمير عز الدين أيبك‏ (4) المعظمى أستادار الملك المعظم و هو واقف العزية الجوانية (5) التى بالكشك أيضا، و كانت قديما تعرف بدور ابن منقذ.

____________

(1) «نظم فيه المنتظم» فى البداية و النهاية جـ 13 ص 194.

(2) هو زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن البغدادى، تاج الدين الكندى، شيخ الحنفية و القراء و النحاة بالشام، و المتوفى سنة 613 هـ/1216 م. العبر جـ 5 ص 44-45.

(3) المدرسة العزية البرانية بدمشق: أنشئت سنة 626 هـ/1228 م-الدارس جـ 1 ص 550 و ما بعدها.

(4) توفى سنة 645 هـ/1247 م-البداية و النهاية جـ 13 ص 174.

(5) المدرسة العزية الجوانية بدمشق-الدارس جـ 1 ص 555 و ما بعدها.

134

و درّس السبط أيضا بالشبلية (1) التى بالجبل عند جسر كحيل، و فوض إليه البدرية (2) التى قبالتها، فكانت سكنه، و بها توفى ليلة الثلاثاء الحادى و العشرين من ذى الحجة من هذه السنة، و حضر جنازته سلطان البلد الملك الناصر يوسف ابن العزيز فمن دونه.

و أثنى عليه أبو شامة فقال: كان فاضلا، عالما، ظريفا، منقطعا، منكرا على أرباب الدول ما هم عليه من المنكرات، و قد كان مقتصدا فى لباسه، مواظبا على المطالعة و الاشتغال، و الجمع و التصنيف، ربى فى طول زمانه فى حياة طيبة و جاه عريض عند الملوك و العوامّ نحو خمسين سنة، و قد كان مجلس وعظه مطربا، و صوته فيما يورده فيه حسنا (3) طيبا.

و قد سئل يوم عاشوراء فى زمن الملك الناصر يوسف صاحب حلب أن يذكر للناس شيئا من مقتل الحسين رضى اللّه عنه، فصعد المنبر و جلس طويلا لا يتكلم، ثم وضع المنديل على وجهه و بكى، ثم أنشأ يقول و هو يبكى شديدا:

ويل لمن شفعاؤه خصماؤه # و الصور فى نشر الخلائق ينفخ

لابدّ أن ترد القيامة فاطم # و قميصها بدم الحسين ملطخ‏

____________

(1) المدرسة الشبلية البرانية بدمشق: بسفح جبل قاسيون بالقرب من جسر ثورى، أنشأها شبل الدولة كافور طواشى حسام الدين محمد بن لاجين ولد ست الشام، المتوفى سنة 623 هـ/1226 م -الدارس جـ 1 ص 530 و ما بعدها.

(2) المدرسة البدرية بدمشق: قبالة المدرسة الشبلية التى بالجبل عند جسر كحيل على نهر ثورى على الطريق بين عين الكرش وحى الأكراد، أنشأها الأمير بدر الدين حسن بن الداية من أكابر أمراء نور الدين محمود، الدارس جـ 1 ص 477 و ما بعدها.

(3) انظر الذيل على الروضتين ص 195.

135

ثم نزل عن المنبر و هو يبكى، و صعد إلى الصالحية و هو يبكى‏ (1) .

و قال صاحب طبقات الحنفيّة: روى السبط عن جدّه ببغداد، و سمع من أبى الفرج بن كليب و أبى حفص بن طبرزد، و سمع بالموصل و دمشق و حدّث بها و بمصر، و له تصانيف منها: مرآة الزمان، و شرح الجامع الكبير، و إيثار [373]الإنصاف و غير ذلك، مات فى التاريخ المذكور، و صلّى عليه بباب جامع جبل قاسيون الشمالى، و صلّى عليه السلطان الملك الناصر يوسف، و كان مولده نحو سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة ببغداد.

و رثاه الشهاب أحمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن مصعب ارتجالا بأبيات:

ذهب المؤّرّخ و انقضت أيامه # فتكدّرت من بعده الأيّام

قد كان شمس الدين نورا هاديا # فقضى فعمّ الكائنات ظلام

كم قد أتى فى وعظه بفضائل # فى حسنها تتحيّر الأفهام

حزن العراق لفقده و تأسّفت # مصر و ناح أسى عليه الشّام

فسقى ثرى واراه صوب غمامة # و تعاهدته تحيّة و سلام‏

مجير الدين يعقوب‏ (2) بن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب. توفى فى هذه السنة، و دفن عند والده بتربة العادلية (3) .

____________

(1) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 194-195.

(2) و له أيضا ترجمة فى: الذيل على الروضتين ص 194، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 37.

(3) «و دفن بمقبرة والده بالمدرسة العادلية» -الذيل على الروضتين ص 194.

136

الأمير مظفر الدين إبراهيم‏ (1) بن صاحب صرخد عز الدين أيبك، أستاذ دار الملك المعظم، واقف العزيزيتين الجوانية و البرانية على الحنفية. توفى فى هذه السنة، و دفن عند والده بالتربة تحت القبة عند الوراقة.

الأمير الكبير سيف الدين أبو الحسن يوسف‏ (2) بن أبى الفوارس موسك القيمرى الكردىّ، أكبر أمراء القيمريّة.

كان يقفون بين يديه كما يفعل بالملوك، و من أكبر حسناته وقفه‏ (3) المارستان الذى بسفح جبل قاسيون، و كانت وفاته و دفنه بالسفح فى القبّة التى تجاه المارستان المذكور، و كان ذا مال كثير و ثروة.

السلطان الملك غياث الدين كيخسرو (4) بن السلطان علاء الدين كيقباذ ابن كيخسرو بن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش ابن أرسلان بن سلجوق.

و خلّف من الأولاد ثلاثة و هم: عزّ الدين كيكاوس، و ركن الدين قليج أرسلان، و علاء الدين كيقباذ، و لما توفى والدهم استقرّوا فى السلطنة و لم ينفرد

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 15-17، البداية و النهاية ج 13 ص 195.

(2) و له أيضا ترجمة فى: البداية و النهاية جـ 13 ص 195، و ورد ذكر وفاته سنة 603 هـ فى العبر جـ 5 ص 214، و ورد اسمه: سيف الدين أبو الحسن على بن يوسف بن أبى الفوارس القيمرى، و وفاته سنة 653 هـ فى شذرات الذهب جـ 5 ص 161.

(3) «وقعة» فى الأصل، و التصحيح من البداية و النهاية.

(4) و له أيضا ترجمة فى: نهاية الأرب جـ 27 ص 105 و ما بعدها، السلوك جـ 1 ص 401.

137

بها أحد عن الآخر، و ضربت السكّة بأسمائهم مشتركة، و خطب لهم جميعا، [374]و كان أبوهم قد فوض ولاية عهده إلى ولده علاء الدين كيقباذ الذى هو من كرجى خاتون، فاتفقوا على أن يتوجه إلى منكوقان يطلب منه الصلح و الهدنة، و يقرّر له الإناوة، ليكفّ عساكره المتوالية، و يمنع جيوشه العادية، و أما التتار فإنهم استولوا على قيسارية و أعمالها و صار إليهم مسافة شهر من بلاد الروم‏ (1) و أقاليمها فى هذه البرهة اللطيفة يقتلون و يأسرون و ينهبون، ثم لما استأصلوا شعبها و بالغوا فى تخريبها عادوا إلى مستقرهم.

و كانت تولية غياث الدين كيخسرو المذكور فى السنة التى مات فيها والده علاء الدين كيقباذ و هى سنة أربع و ثلاثين و ستمائة (2) ، فيكون مدة مملكته عشرين سنة، و كان والده علاء الدين قد زوّجه بكرجى خاتون ابنة ملك الكرج، فلما صارت إليه السلطنة صيّر أخاها-و كان نصرانيا لم ينتقل عن ملته-مقدّما على الجيش، فكرهه الأمراء و كرهوا السلطان غياث الدين لتقديمه إياه عليهم، و قد خبّط نفر من المؤرخين فى تاريخ وفيات هؤلاء و تاريخ ولاياتهم، منهم: بيبرس الدوادار، و الصواب ما ذكرناه.

فإن قلت: أنت قد ذكرت فى أول سنة إحدى و خمسين و ستمائة أن صاحب الروم ثلاثة و هم‏ (3) : عز الدين كيكاوس و ركن الدين قليج أرسلان و علاء الدين

____________

(1) «فصار لهم من بلاد الروم مسافة شهر» -السلوك جـ 1 ص 400.

(2) انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 101-104.

____________

(3) انظر ما سبق فى أحداث سنة 651 هـ ص 79.

138

كيقباذ أولاد غياث الدين كيخسرو، فكيف يلتئم هذا الكلام بالذى ذكرته آنفا؟

قلت: هذا نقلته هناك فى تاريخ بيبرس، و لكنه أطلق كلامه بحيث أنه يوهم أن غياث الدين كيخسرو الذى هو والد الثلاثة مات فى تلك السنة، أعنى سنة إحدى و خمسين و ليس كذلك، بل وجهه أنه كأنه قسم بلاده فى حياته بين أولاده الثلاثة المذكورين فى السنة المذكورة، و استقلّ كل منهم سلطانا، إلا أنه مات فى تلك السنة، و استقلوا سلاطين فيها، فافهم، و اللّه أعلم.

***

139

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الخامسة و الخمسين بعد الستمائة

____________

*

استهلت هذه السنة، و الخليفة: و هو المستعصم باللّه.

[375]و سلطان الديار المصرية: الملك المعز أيبك الصالحى، و نائبه فيها الأمير سيف الدين قطز، و لكن أيبك قتل فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء اللّه.

و سلطان الشام و حلب: الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز ابن الظاهر بن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب.

و صاحب بلاد الروم: الأخوة الثلاثة و هم: عز الدين كيكاوس، و ركن الدين قليج أرسلان، و علاء الدين كيقباذ، أولاد غياث الدين كيخسرو، و لكن كبيرهم علاء الدين كيقباذ، و هو كيقباذ الصغير، و جده هو كيقباذ الكبير، و علاء الدين كيقباذ الأصغر، مات هو أيضا فى هذه السنة.

و لنذكر أولا وفاة الملك المعز أيبك، ثم وفاة كيقباذ الأصغر.

____________

(*) يوافق أولها الجمعة 19 ينابر 1257 م.

140

ذكر وفاة الملك المعزّ أيبك الصالحى‏

و الكلام فيه على أنواع:

الأوّل، فى ترجمته:
هو السلطان الملك المعزّ عز الدين أيبك‏ (1) الصالحى النجمى التركمانى المعروف بالجاشنكير، كان من أكبر مماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل بن السلطان الملك العادل أبى بكر ابن أيوب، و كان من الأخصاء عند أستاذه الملك الصالح، و ترقى حاله عنده إلى أن غلب على الديار المصرية بعد قتل الملك المعظم تورانشاه بن الملك الصالح، و صار أتابك العساكر بالديار المصريّة، ثم استقرّ فى السلطنة فى التاريخ الذى ذكرناه.

الثّانى، فى سيرته:
كان دينا صيّنا عفيفا كريما، شجاعا، و هو الذى وقف المدرسة المعزية التى بمصر على شاطئ النيل، و مكث فى الملك نحوا من سبع سنين.

و قال بيبرس فى تاريخه: كانت دولة المعز خمس سنين و أشهرا.

الثالث، فى مقتله:
قال ابن كثير: قتلته زوجته شجر الدرّ أم خليل التى كانت حظية أستاذه الملك الصالح، و كان سبب ذلك أنه كان قد تغيّر على شجر الدرّ بعد قتل الفارس أقطاى، و بلغها أنه أرسل يخطب بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى جـ 1 ص 20-28. العبر جـ 5 ص 222.

و انظر أيضا الجوهر اليمين ص 256-262، كنز الدرر جـ 8 ص 30-32.

141

الموصل ليتزوجها، و أنه اتفق أنه قبض على جماعة من البحريّة و هو على أمّ البارد و أرسلهم إلى القلعة ليعتقلوا (1) بها، و كان منهم شخص يسمّى أيدكين الصالحىّ، فلما وصلوا تحت الشبّاك الذى تجلس فيه شجر[376]الدر، قال لبعض الطواشية:

يا طواشى، خوند (2) جالسة فى الشباك. قال: نعم، فخدم أيدكين المذكور برأسه و رفعها إلى الشباك، و قال لها بالتركى: المملوك أيدكين البشمقدار: و اللّه يا خوند ما عملنا ذنبا يوجب مسكنا إلا أنه لما سيّر يخطب بنت بدر الدين لؤلؤ ليتزوجها ما هان علينا لأجلك، فإنا نحن تربية نعمتك و نعمة الشهيد المرحوم فعاتبناه على ذلك، ماترين؟قال، قال: و أومأت بمنديل‏ (3) من الشباك، يعنى قد سمعت كلامك، فلما نزلوا بهم إلى الجب قال أيدكين: إن كان حبسنا فقد قتلناه‏ (4) .

فلما رجع المعز أيبك من لعب الأكرة و دخل الحمام، رتبت شجر الدر له فى الحمام سنجر الجوجرى مملوك الطواشى محسن‏ (5) و الخدام الذين كانت اتفقت معهم فقتلوه فى الحمام، و أرسلت فى تلك الساعة أصبع المعز أيبك و خاتمه إلى الأمير

____________

(1) كان من بينهم «برى بلجك» جد المؤرخ ابن أيبك الدوادارى-كنز الدرر جـ 8 ص 31.

(2) «خونده» فى الأصل، و التصحيح من كنز الدرر.

(3) «بمقدار» فى الأصل، و التصحيح من كنز الدرر.

(4) كنز الدرر جـ 8 ص 31.

(5) «مملوك الفارس أقطاى» -النجوم الزاهرة جـ 6 ص 376.

142

عز الدين الحلبى الكبير (1) ، و طلبت منه أن يقوم بالأمر، فلم يجسر على ذلك، و كان قتله يوم الثلاثاء الثالث و العشرين من ربيع الأول من هذه السنة (2) .

و فى تاريخ بيبرس: و لما بلغ شجر الدرّ أن المعز أرسل يخطب لنفسه بنتى صاحب حماة و صاحب الموصل أخذتها الحرّة و ملكتها الغيرة لما قصد من الاستبدال عنها و الاعتزال منها. فحملها ذلك على قتله، و لما كان يوم الثلاثاء الرابع و العشرين‏ (3) من ربيع الأول، ركب إلى الميدان كعادته و عاد إلى القلعة من عشيته، فلما دخل الحمام أحاط به جماعة من الخدّام، و أذاقوه كأس الحمام، و أشاعوا بكرة يوم الأربعاء أنه قد مات فجاءة فى جوف الليل، ودعوا بالثبور و الويل، و أعولت النساء فى الدور، و أردن التلبيس بهذه الأمور فلم تتم الحيلة على مماليكه لأنهم فارقوه بالعشى سليما، و ألفوه فى الصباح عديما، فعلموا أنه قد قتل غيلة.

____________

(1) هو أيبك بن عبد اللّه الصالحى النجمى الحلبى، الأمير الكبير عز الدين، توفى سنة 655 هـ/ 1257 م-المنهل الصافى جـ 3 ص 129 رقم 574.

(2) هناك اختلاف كبير بين هذا النص، و ما ورد فى البداية و النهاية جـ 13 ص 195-196 ص 198-199.

(3) «الثالث و العشرين» ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 45، و هو تحريف، فيوم 24 ربيع الأول 655 هـ يوافق يوم ثلاثاء-انظر التوفيقات الإلهامية.

143

ذكر تولية الملك المنصور نور الدين‏[على‏ (1) ]بن السلطان الملك المعز أيبك‏

و لما ظهر الخبر بقتل المعز أراد مماليك المعزّ قتل شجر الدر، فجاءها المماليك الصالحية و اتفقت الكلمة على إقامة نور الدين على بن المعزّ أيبك سلطانا، و لقبوه الملك المنصور، و عمره يومئذ خمسة عشر سنة، و نقلت شجر الدر[377]من دار السلطنة إلى البرج الأحمر، و صلبوا الخدام الذين اتفقوا معها على قتل المعز، و هرب سنجر الجوجرى، ثم ظفروا به و صلبوه، و احتيط على الصاحب بهاء الدين بن حنا لكونه وزير شجر الدر، و أخذ خطه بستين ألف دينار.

و فى يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر منها: اتفقت مماليك المعز أيبك مثل:

سيف الدين قطز و سنجر الغتمى، و بهادر، و قبضوا على علم الدين سنجر الحلبى، و كان قد صار أتابك العساكر للملك المنصور نور الدين علىّ، و رتّبوا فى أتابكيتّه أقطاى المستعرب‏ (2) الصالحىّ.

و فى تاريخ بيبرس: استقر نور الدين على فى السلطنة بعد موت أبيه، و كان جلوسه فى السادس و العشرين من ربيع الأول سنة خمس و خمسين و ستمائة،

____________

(1) []إضافة للتوضيح. و انظر الجوهر الثمين ص 262-263.

(2) توفى سنة 672 هـ/1273 م-المنهل الصافى جـ 2 ص 504 رقم 506.

144

و عمره يومئذ حول عشر سنين، و كان يميل إلى اللهو و اللعب لصباه، و قام الأمير سيف الدين قطز المعزى بأتابكيته و تدبير دولته، و كان ذا بأس و شهامة، و حزم و صرامة، فأمسك الصاحب شرف الدين الفائزى و عزله عن الوزارة، و احتيط على أمواله، و أسبابه، و ذخائره. و كان مثريا من المال، و له ودائع كثيرة متفرقة، فتتبّعت و استخرجت من أربابها و حملت، و اعتقل ثم قتل.

و سبب قتله أنّ والدة الملك المنصور هذا كانت مجفوّة من زوجها الملك المعز، و كان قد اتخذ سرارى و صيّرهن عند الوزير، فنقمت عليه، و سأل أن يبذل عن نفسه مالا فلم ترض إلا بقتله، و استوزر بعده الصاحب زين الدين يعقوب‏ (1) بن الزبير.

ذكر وفاة السلطان علاء الدّين كيقباذ الصغير بن السلطان كيخسرو ابن السلطان علاء الدين كيقباذ:

مات فى هذه السنة بمدينة أرزنكان‏ (2) ، و كان توجه إلى خدمة منكوقان ابن طلو خان بن جنكز خان من قونية قاصدا الأرد، و سار فى خدمته الأمير سيف الدين طرنطاى، صاحب أماسية، و كان من أكابر أمراء الدولة، وحده، و كان يلقب بكلار باكى، يعنى أمير الأمراء، و شجاع الدين، و محسن ملك

____________

(1) هو يعقوب بن عبد الرفيع بن زيد بن مالك، الصاحب زين الدين الأسدى الزبيرى، توفى سنة 668 هـ/1269 م-المنهل الصافى.

(2) أرزنكان: بالفتح ثم السكون و فتح الزاى: من قرى فارس-معجم البلدان.

145

السواحل، و استصحب معه الهدايا النفيسة، و الجواهر الثمينة، [378]و التحف الغريبة، و الأقمشة شيئا كثيرا.

فلما توجّه و أقام أخواه بقونية و هما: عز الدين كيكاوس، و ركن الدين قليج أرسلان، لم يلبثا إلا قليلا حتى دبّت بينهما عقارب السعاة، و أفضى الحال بينهما إلى المعاداة، و اختلفت الآراء، و شعّبت الأهواء، و تقسمت خواطر الأمراء.

و كان الصاحب يومئذ شمس الدين الطغرائى، و كان يميل مع ركن الدين، و آل أمر الأخوين إلى أن اقتتلا، فانكسر ركن الدين قليج أرسلان، و انتصر عليه أخوه عز الدين كيكاوس، و أخذه أسيرا، و اعتقله عنده، و استقر بقونية، و حكم فى المملكة، هذا و بيجو و من معه يجوسون خلال الديار.

و لما حصل ركن الدين فى الأسر ضاق بإلزامه الأمراء (1) و هم: شمس الدين الطغرائى، و الأمير سيف الدين جاليش، و بهاء الدين أزدكردى، و نور الدين الخزندار، و رشيد الدين صاحب ملطيّة و هو أمير عارض، و فكّروا فيما يفعلون، فاتفقوا على أن زوّروا كتبا عن السلطان عز الدين إلى سيف الدين طرنطاى و رفيقيه بأن يسلّما إليهما السلطان علاء الدين و ما معهما من الهدايا و الخزانة، ليتوجّه الصاحب بذلك إلى منكوقان و تعودا أنتما من الطريق.

و ساروا بهذه الكتب الموضوعة فى إثر السلطان علاء الدين، فلحقوه و قد وصل هو و من معه إلى أردو بايطو، فدخلوا على بايطو و قالوا له: إن السلطان عز الدين كان قد أرسل أخاه ليتوجّه إلى القان، و أرسل معه هذين الذين هما طرنطاى

____________

(1) «الأمر» فى الأصل، و التصحيح يتفق و السياق.

عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان-م 10

146

و رفيقه، ثم اتضح‏ (1) له أنهما قد أضمرا السّوء، و أنّ طرنطاى ضربته الصاعقة فيما مضى من الزمان فلا يصلح أن يدخل بين يدى القان، و أنّ رفيقه شجاع الدين رئيس طبيب ساحر، و قد أخذ صحبته شيئا من السمّ القاتل يغتال به منكوقان، فأرسلنا نحن عوضا منهما و أمر بردّهما.

فلما سمع بايطو مقال الصاحب و رفقته ظنه حقّا، فأمر بإحضار طرنطاى و رفيقه، و أن يفتش ما صحبتهما من القماش و الزاد و غيره، ليظهر السمّ الذى معه، فكبست خيمة شجاع الدين الرئيس‏ (2) [379]و حمل ما وجد، فكان من جملته برانى شراب و عقاقير الأدوية و شى‏ء من المحمودة (3) ، فألزموه بالأكل من جميعها، فأكل حتى انتهوا إلى المحمودة أمروه أن يأكل منها فأبى، و قال: إن أكلت من هذه متّ، فقالوا: هو السمّ الذى قيل فيه إنه معكما، و سألوا الأمير سيف الدين طرنطاى: ما هذا السمّ؟و لم حملتماه؟و من الذى تقصدان أن تغتالا به و تقتلاه؟فأجاب: بأنه لا علم له بأمره، و إنما يسأل عنه من وجد معه، فرسم بايطو بأن يقرر شجاع الدين بالضرب ليلطلعهم على الأمر، فقال لهم: اطلبوا الأطبّاء إلى هاهنا، و أروهم هذا النوع و اسألوهم عنه، فإن ذكروا أنه سمّ قاتل، فأنا خائن خاتل، و إن قالوا: إنه دواء يتخذه الناس و يستعملونه لعلاج الأمراض، فهؤلاء القوم ذو أغراض.

____________

(1) «أفصح» فى الأصل، و التصحيح من نهاية الأرب جـ 27 ص 108.

(2) «رئيس» فى الأصل.

(3) «السقمونيا» -فى نهاية الأرب جـ 27 ص 108.

غ

147

فأحضروا الأطباء و سألوهم عن المحمودة، فأجابوا بأنها دواء يشرب للمنفعة، و توجد عند كثير من الباعة و غيرهم، فتبيّن لهم أن الصاحب قد تقوّل عليه، ثم سألوا طرنطاى ما هى الصاعقة التى ضربته و فى أىّ وقت أصابته؟فقال: الصاعقة لا حقيقة لها، و الحال فيها كالحال فى السمّ، و إنما هؤلاء زوّروا الكتب التى على أيديهم، و كتبوا ما أرادوا لأنفسهم، و أنا بينى و بين السلطان أمارة جعلها معى عند وداعه فأقول سرّا، فإن قالها الصاحب و من معه فهم صادقون، و إن لم يعرفوها فهم ماذقون، و أسرّ إليه الأمارة، فسأل الصاحب و رفقته عنها فلم يعرفوها، فقال بايطو لطرنطاى: أنتم جميعا متوجهون إلى القان، و هو يفعل ما يراه.

و هؤلاء حضروا من مسافة بعيدة فاختاروا (1) إما أن يتسلّموا السلطان و تبقى الخزائن معكم، أو تسلّموا إليهم الخزائن و يبقى السلطان معكم، فأجمع رأى الأمير سيف الدين طرنطان على أن تكون الخزائن معه و مع رفيقه، و أن يتسلّم السلطان علاء الدين الصاحب شمس الدين الطغرائىّ و رفيقه، فتسلّماه.

و سار طرنطاى و رفيقه قبلهما، و سار الصاحب و السلطان معه بعده، فمرض السلطان علاء الدين فى‏[380]أثناء الطريق و مات.

فاتفق الصاحب و جاليش أن يسيرا إلى طرنطاى و رفيقه يعرّفانهما أن السلطان ضعيف، فإذا حضرا ليبصراه يقتلونهما، و بلغ سيف الدين طرنطاى موت السلطان، فأرسل فراشا ليكشف له أمره و أوصاه بأن يفتش آثارهم بالمنزلة التى

____________

(1) بداية ما وجد فى الجزء التاسع من مخطوط زبدة الفكرة ورقة 28 أ.

148

رحلوا منها، فمهما أصاب من ورقة ممزّقة أو غيرها يحضرها إليه ليستدلّ منها على شى‏ء من أحوالهم.

فوجد الفراش رقعة ممزّقة كان جاليش قد كتبها إلى الصاحب بما اتفقا عليه عند موت السلطان، فأحضرها الفراش إلى سيف الدين طرنطاى، فاحتفظ بها، و علم منها ما كانا عزما عليه من المكيدة، و سار هو و رفيقه حتى إذا صارا من الأردو على مسافة ثلاثة أيام نزلا فى إنتظار الصاحب و من معه معتقدين أنهم جاءون وراءهم، و كانوا قد توجّهوا من طريق أخرى إلى منكوقان، فلما وصلوا إليه و أعلموه بأنّ لهم رفقة لم يصلوا بعد أنكر منكوقان عليهم، و أمر بأن يربطوا و يقاموا فى الشمس إلى حين وصول رفقتهم‏ (1) ، فأرسل الصاحب يخبر طرنطاى بأمره، و يسأله سرعة القدوم ليفكّ من أسره، فقدم طرنطاى.

و جلس‏[لهم‏]منكوقان‏ (2) مجلسا عامّا، و أحضرهم بين يديه، و وقف التراجمة يعبرّون لهم و عنهم، فأمر بأن يجلسوا فى مراتبهم كما يجلسون فى بلادهم، فتنافسوا فى الجلوس، و قصد كلّ من التقدّم على الآخر، ثم سألهم عن وظائفهم، فصار كلّ يدّعى أنه الأكبر، فلما انتهى إلى طرنطاى ذكر أن وظيفته الأتابكيّة و تقدمة الجيش، فأمر أن يجلس فوق جميعهم، فأبى، و ضرب جوك الخدمة و قال:

أنا بمرسوم القان أجلس فى المنزلة التى كنت أجلس فيها فى بلادنا، فأعجب منكوقان قوله و قال: هذا قد تبيّن لنا صدقه‏[و عقله‏ (3) ]، و سأله عن أمر السلطان

____________

(1) بداية الورقة 28 ب من جـ 9 من مخطوط زبدة الفكرة.

(2) [لهم‏]إضافة من مخطوط زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 28 ب.

(3) [و عقله‏]إضافة من مخطوط زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 28 ب.

149

علاء الدين و كيف كان موته؟فقال: منذ سلمه المملوك إلى الصاحب و رفقته، و تقدمنا[هم‏ (1) ]فى المسير لم نعرف له خبرا، فالقان يسأل من كان معه عن أمره، فعطف‏[381]إلى الصاحب و سأله عنه، فقال له إن طرنطاى قتله و زوجة السلطان تشهد بذلك، و لم يكن مع السلطان زوجة، و إنما كان سيف الدين طرنطاى قد اشترى للسلطان جارية تخدمه فى الطريق و عهدتها معه، و كان الصاحب قد أوصاها أن تقول: إنها زوجته و توافقه على ما رتّبه، فاستدعاها (2) القان و سألها كيف كان موت السلطان؟فاستصرخت و استغاثت، و ادّعت أن طرنطاى و رفيقه هما اللذان قتلاه، فأحضر طرنطاى عهدة الجارية، و عرف القان كذبها فى زعمها أنها زوجة السلطان‏ (3) ، و أحضر الورقة الممزّقة التى أحضرها إليه الفراش، و هى من جهة جاليش إلى الصاحب بما تآمرا عليه، فتحقق منكوقان غرض الصاحب و نقله الكاذب، فأخّره و دحره، و قدّم طرنطاى و أكرمه، و قبل التقدمة، و سمع الرسالة، و كان مضمونها إن السلطان عز الدين كيكاوس كبير الأخوة و أولاهم بالمملكة، و سأل أن يسيّر إليه القان‏ (4) يرليغ‏ (5) بتقليده، و يمنع التتار من الغارات على بلاده و التعرّض إلى رعيته، فأجاب

____________

(1) [هم‏]إضافة من مخطوط زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 28 ب.

(2) «فاستدعاه» فى الأصل.

(3) بداية الورقة 29 أ من جـ 9 من مخطوط زبدة الفكرة.

(4) «الخان» فى زبدة الفكرة.

(5) يرليغ: كلمة مغولية بمعنى حكم أو قرار أو أمر، ثم استعملت بمعنى أمر أو تفويض صادر من السلطان مباشرة إلى الأشخاص الممتازين، و يقول القلقشندى أن «اليراليغ هى المراسيم» - جامع التواريخ المجلد الثانى جـ 1 ص 247 هامش (2) ، صبح الأعشى جـ 4 ص 423.

150

منكوقان إلى ذلك و أعطاه بايزة (1) ذهب سار سقر منقوشا فيها التقليد و التفويض إلى السلطان عز الدين، و خلع على طرنطاى و رفقته، و أنعم عليهم بالشاشات‏ (2) الذهب، و على حاشيتهم بالشاشات‏ (3) الفضة.

و من الغد ورد عليه من جهة أخيه قبلاى و كان قد جرّده إلى بلاد الخطا خبر أزعجه و كلام أحفظه، فعزم على المسير إليهم، و تجهز للغارة عليهم.

ثم اتفق وصول خبر آخر سائقا على البريد من عند بيجو من ناحية الروم يقول: إنا كنا عابرين إلى الروم، فلما وصلنا إلى مكان يسمّى ما خان لقينا جيشهم صحبة أمير منهم يسمّى صارم كمنانوس، و قاتلنا و منعنا العبور، و قطع القنطرة التى نجوز عليها، فاستشاط منكوقان غضبا و أحضر طرنطاى و قال له:

أ لستم تقولون إنكم حضرتم من عند مخدومكم فى طلب الصلح!!فلما ذا يسير الجيش لقتال عساكرنا؟فقال له: أنا لى مدة متطاولة[382]منذ خرجت من عند مخدومى، و لم يرد علىّ منه كتاب، و لا صدر إليه منى‏ (4) جواب، و لا يعلم‏ (5) هل نحن أحياء أم أموات، غير أننى إذا وصلت إليه باليرليغ من عند القان دخل تحت طاعته، و حمل إليه ما تقرّر من إتاوته، فتقدم الصاحب‏[شمس الدين‏ (6) ]الطغرائى

____________

(1) البايزة: انظر ما سبق عنها ص 91 هامش (2) .

(2) «ببالشات» فى زبدة الفكرة.

(3) «ببالشات» فى زبدة الفكرة.

(4) «و لا صدر منى إليه جواب» فى زبدة الفكرة ورقة 26 ب.

(5) «و لا يعلمون» فى زبدة الفكرة.

(6) []إضافة من زبدة الفكرة.

151

و رفقته و سألوا القان أن يعطى السلطنة للسلطان ركن الدين قليج‏ (1) أرسلان دون أخيه، و ضمنوا عنه حمل الإناوة و بذل الطاعة، فقال منكوقان: بل تكون المملكة مشتركة بينهما، و البلاد مقسومة لكل منهما، و قسم البلاد مناصفة، فصيّر من نهر سيواس إلى حدّ بلاد الأشكرى لعزّ الدين كيكاوس، و من سيواس إلى تخوم أرزن الروم من الجهة الشرقية (2) المتصلة ببلاد التتار لركن الدين قليج أرسلان أخيه، و عاد الصاحب شمس الدين و سيف الدين طرنطاى و رفقتهما من عنده، فلم يصلوا إلى الروم حتى دخلها التتار و فعلوا فيها ما سنذكره إن شاء اللّه فى سنة سبع و خمسين و ستمائة، و أحضروا معهم جسد السلطان علاء الدين كيقباذ مصبّرا، فدفنوه بارزنكان «رحمه اللّه‏ (3) » .

ذكر ما اشتملت عليه المملكة الروميّة من البلاد الإسلامية:

بلاد خلاط و أعمالها: و تسمى الأرمينية الكبرى و كل من تملكها يسمى شاه أرمن، و من مدنها: [خلاط (4) ]و آن، و سطان، و أرجيش‏[و ما معها (5) ].

أرزن الروم و أعمالها، و من مدنها: سبهر، و بابرت، و قجماز، و تسمى دار الجلال.

____________

(1) «قلج» فى زبدة الفكرة، فى هذا الموضع و المواضيع التالية.

(2) «الجهة الشمالية» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 109، و هو تحريف.

(3) «» ساقط من زبدة الفكرة، و انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 107-109.

(4) []إضافة من زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 27 أ.

(5) []إضافة من زبدة الفكرة.

152

[مدينة التى و أعمالها، و هى متصلة ببلاد الكرج و تخومها، و هى ذات قلعة حصينة منيعة (1) ].

بلاد أرزنجان و أعمالها: و من مدنها آقشهر، و درجان و كماخ، و قلعة كغونية [و ما مع ذلك‏ (2) ].

ديار بكر و أعمالها: و من مدنها (3) المشهورة خرت برت، و ملطيّة، و شميسات‏ (4) و مشار و غيرها.

سيواس و بلاد دانشمند: و تسمّى دار العلاء، و من‏ (5) مدنها نكيسار، و أماسية، و توقات، و قمينات.

و بلاد كنكر و مدينة أنكورية و مدينة سامسون و قلعة سنوب و كستمونية و طرخلو و برلو، و هذه متصلة بسواحل البحر المحيط.

و قيسارية و أعمالها: و نكده، و عراقلية، و بلاد أرمناك و بها ابن منتشى.

مدينة قونية[383]و أعمالها.

و طنغرلو و أعمالها.

و قرا حصار و دمرلو و أقصرا و أنطاليا[و العلايا (6) ].

____________

(1) []إضافة من زبدة الفكرة.

(2) []إضافة من زبدة الفكرة.

(3) «و مدنها» فى زبدة الفكرة.

(4) «شميصات» فى زبدة الفكرة.

(5) «أعمالها» فى زبدة الفكرة.

(6) []إضافة من زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 27 ب.

153

ذكر دخول التتار بلاد الروم ثالث مرّة:

و فى هذه السنة، دخل بيجو مع التتار إلى بلاد الروم ثالث مرّة، و شنّ الغارات عليها، و سبى هو و من معه من عساكر التتار و غنموا، فكانت هذه الغارة أعظم نكاية من الغارات المتقدّمة.

و حكى أن الباعث لبيجو عليها بيجار الرومىّ، و ذلك أنه حصل يوما فى جملة الناس إلى دار السلطان علاء الدين كيقباذ (1) وقت بسط الخوان‏ (2) ، فقصد الدخول إلى السلطان مع الأعيان، فضربه أحد البردداريّة (3) بعصاة على رأسه ليمنعه عن الدخول، فأرمى‏ (4) طرطوره عن رأسه، فأغضبه ذلك، و قال: أنتم رميتم طرطورى على هذا الباب، فلابدّ أن أرمى عوضه رؤوسا كثيرة و عدّة طراطير، و خرج من فوره و توجّه إلى بيجو مخامرا، و أطمعه فى بلاد[الروم‏ (5) ]و الإغارة عليها، و هذا بيجار لم يكن له بين العساكر الروميّة ذكر و لا مريّة، و لكن قال الشاعر:

لا تحقرنّ عدوّا رماك و إن # كان فى ساعديه قصر

فإن السيوف تحزّ الرقاب # و تعجز عما تنال الإبر

فلما آل أمر بلاد الروم إلى الفساد، عزم أولاد السلطان غياث الدين كيخسرو على توجّه أحدهم إلى منكوقان ببذل الطاعة و إلتماس الأمان و الفرمان،

____________

(1) «إلى باب السلطان غياث الدين» -نهاية الأرب جـ 27 ص 350.

(2) «ليحضر السماط، و لم تكن له صورة بعسكر الروم» -نهاية الأرب جـ 27 ص 350.

(3) البرددار: هو الذى يكون فى خدمة مباشرى الديوان، متحدثا على أعوانه و المتصرفين فيه-صبح الأعشى جـ 5 ص 468.

(4) «فسقط» فى نهاية الأرب.

(5) []إضافة تنفق و السياق.

154

فتوجّه السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو من قونية قاصدا الأرد و إلى منكوقان بن طولو خان بن جنكز خان، و قد ذكرنا قضيته مفصّلة عن قريب.

ثم إن بيجو و خجانوين و من معهما من التتار عادوا إلى بلاد الروم، و كان السلطان عز الدين كيكاوس قد استقرّ بمفرده فى المملكة، و أخوه ركن الدين قليج أرسلان كان فى سجنه كما ذكرنا، و أخوه الآخر علاء الدين كيقباذ قد مات، كما ذكرنا، فلما بلغه عود التتار إلى بلاده جّهز جيشه على عزم الجهاد، و قدّم عليهم أميرا من كبار أمرائه يسمى أرسلان دغمش، فتوجّه المذكور بالعساكر الروميّة، و كان بيجو نازلا على صحراء قونية، فلما كان بعد توجه أرسلان دغمش بأيام شرب السلطان عزّ الدين مسكرا و توجّه إلى بيت أرسلان دغمش و هو سكران، و قصد كبس‏[384]حريمه و الهجوم عليهم، فأرسلوا يخبرونه بذلك، فاغتاظ و قال: أنا فى خدمته قبالة عدوّه و عدو الإسلام و هو يعاملنى بهذه المعاملة و يهجم على حريمى.

فأزمع الخلاف و المخامرة و أرسل إلى بيجو، و وعده أنه يتخاذل عند اللقاء، و ينحاز إليه و يكون مساعدا له لا عليه.

فلما التقوا عمد أرسلان دغمش إلى سناجق صاحبه، فكسرها و ولى هزيما، فانهزم عسكر الروم، و استظهر بيجو و من معه، و توجّه أرسلان دغمش إليه، فسلم عليه و حضر معه إلى قونية.

و بلغ السلطان الكسرة، فهرب من قونية إلى العلايا و أقام بها، و أغلق أهل قونية أبواب المدينة.