عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - ج1

- محمد محمد أمين المزيد...
557 /
155

فلما كان يوم الجمعة أخذ الخطيب ما يملكه من ماله و حلى نسائه، و أحضره معه إلى الجامع و ارتقى المنبر فنادى فى الناس قائلا: يا معشر المسلمين نحن قد ابتلينا بهذا العدوّ الذى دهمنا و ما لنا فيه من يعصمنا، فابذلوا أموالكم و اشتروا نفوسكم بنفائسكم، و اسمحوا بما عندكم لنجمع من بيننا شيئا نفدى به نفوسنا و حريمنا و أولادنا، ثم بكى، و بكى الناس، و سمح كل أحد بما أمكنه، فجهّز الخطيب المذكور الإقامات، و خرج إلى مخيّم بيجو فلم يصادفه لأنه كان راكبا فى الصيد، و قدم ما كان معه إلى الخاتون زوجته فقبلته منه، و أقبلت عليه، و أكلت من المأكول، و قدم المشروب و أخذ منه شيئا على سبيل الششنى‏ (1) ، فناوله شابّا إلى جانبه ليذوقه، فقالت له: لما ذا لا تشرب أنت منه؟فقال: هذا محرّم علينا. قالت: من حرّمه؟قال: اللّه تعالى حرّمه فى كتابه العزيز. قالت:

فكيف لم يحرّمه علينا؟قال: أنتم كفّار و نحن مسلمون. فقالت له: أنتم خير عند اللّه أم نحن؟قال: بل نحن، قالت: فإذا كنتم خيرا منا عنده فكيف نصرنا عليكم؟فقال: هذا الثوب الذى عليك، و كان ثوبا نفيسا مرصّعا درّا ثمينا، أنت تعطينه لمن يكون خاصّا بك أو لمن يكون بعيدا عنك. قالت: بل أخصّ به من يختصّ بى. قال: فإذا أضاعه و فرّط فيه و دنّسه ما كنت تصنعين به؟قالت: كنت أنكّل به و أقتله. فقال لها: دين الإسلام بمثابة هذا الجوهر و اللّه أكرمنا به فما رعيناه حق رعايته، فغضب علينا و ضربنا بسيوفكم‏[385] و اقتص منا بأيديكم، فبكت زوجة بيجو فقالت للخطيب: من الآن تكون أنت أبى و أنا أكون بنتك. فقال: ما يمكن هذا حتى تسلمى، فأسلمت على يده،

____________

(1) كلمة فارسية بمعنى ذوق الطعام أو الشراب.

156

و أجلسته إلى جانبها على السّرير، فحضر بيجو من الصيد، فهمّ الخطيب بالقيام ليلتقيه فمنعته المرأة و قالت: أنت قد صرت حموه و هو يريد يجئ إليك و يخدمك.

فلما دخل بيجو إلى خيمته قالت له: هذا قد صار أبى، فجلس بيجو دونه و أكرمه، و قال لزوجته: أنا عاهدت اللّه أننى إذا أخذت قونية و هبتها لك.

قالت: و أنا وهبتها لأبى هذا، ثم أمر بفتح أبواب المدينة و آمن أهلها، و رتّب على كل باب شحنة لحفظهم من التتار، و رسم أن لا يدخلوها إذا كانت لهم حاجة إلا خمسين نفسا، خمسين نفسا، لقضاء حواجهم، ثم يخرجون، فلم يتعرضوا لأحد من أهلها بأذيّة، فكان ذلك من ألطاف اللّه الخفيّة (1) .

ذكر بقية الحوادث فى هذه السنة:

منها: أنه حصلت وحشة بين البحريّة الصالحيّة و بين الملك الناصر يوسف، فخافوه و خافهم على نفسه، ففارقوه و خرجوا من دمشق.

و قال المؤيد: و فى هذه السنة نقل إلى الناصر يوسف أن البحرية يريدون أن يفتكوا به، فاستوحش خاطره منهم و تقدّم إليهم بالانتزاح عن دمشق، فساروا إلى غزة (2) .

و قال بيبرس: خرجوا و وصلوا نابلس، و اتفقوا على التوجّه إلى الملك المغيث بالكرك، فتوجّهوا إليه و هم: الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، و الأمير سيف الدين قلاون الألفى، و الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، و غيرهم،

____________

(1) انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 350-352.

(2) انظر المختصر جـ 3 ص 192-193.

157

فأكرمهم الملك المغيث و قبلهم و برّهم و وصلهم، و إلتمسوا منه المساعدة على قصد الديار المصريّة و إمدادهم بعسكر لتصير لهم يد قويّة، فسيّر معهم عسكره حسبما سألوه، فساروا فى نحو ألف فارس، و بلغ الخبر الأمير سيف الدين قطز و الأمراء المصريين، فجرّدوا عسكرا إلى الصالحيّة.

و قال المؤيد: إلى العباسة، و وصل من البحرية جماعة مقفزين إلى القاهرة، منهم الأمير عز الدين الأفرم، فأكرموه و أفرجوا عن أملاكه‏ (1) .

فلما كان ليلة السبت الخامس‏[386]و العشرين‏ (2) من ذى القعدة أقبلوا إليهم و اتفقوا معهم، فانكسر البحرية و من معهم من العسكر الكركى، و أسر الأمير سيف الدين قلاون الألفى، و الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، و قتل الأمير سيف الدين بلغان الأشرفى، و انهزم الباقون، و عادوا إلى الكرك و هم خائبون.

قال المؤيد: انهزم عسكر المغيث و البحريّة و فيهم بيبرس البندقدارى الذى تسلطن بعد ذلك‏ (3) .

و لما حصل الأمير سيف الدين قلاون فى الأسر ضمنه الأمير شرف الدين قيران المعزّى، و هو يومئذ أستادار السلطنة، فلم يعرض أحد إليه، و أقام بالقاهرة مدة (4) يسيرة، ثم تسحّب و اختفى بالحسينية عند شمس الدين قطليجا الرومى، و قصد اللحاق بخوشداشيته، فزوده‏ (5) و جهزه و سار إلى الكرك.

____________

(1) انظر المختصر جـ 3 ص 193.

(2) «يوم السبت خامس عشر ذى القعدة» فى السلوك جـ 1 ص 406.

(3) انظر المختصر جـ 3 ص 193.

(4) فوق هذه الكلمة فى الأصل «برهة» .

(5) «فزودوه» فى الأصل، و التصحيح يتفق مع السياق.

158

و حسّن البحريّة للمغيث قصد الديار المصرية و أطمعوه فيها، و كاتبه بعض أمرائها و وعدوه بانحيازهم إليه متى حضر بنفسه إليها، فقصدها فى سنة ست و خمسين و ستمائة.

و منها: أنه وصل من الخليفة المستعصم باللّه الخلعة و الطوق و التقليد إلى الملك الناصر يوسف صاحب الشام كما وعده.

و منها: أنه كانت فتنة عظيمة ببغداد بين الرافضة و بين أهل السنة، فنهبت الكرخ و دور الرافضة حتى دور قرابات الوزير ابن العلقمى، و كان ذلك من أقوى الأسباب فى ممالأته للتتار.

و منها: أنه دخل الفقراء الحيدريّة الشام، و من شعارهم لبس الفراجى و الطراطير، و يقصّون لحاهم و يتركون شواربهم، و هو خلاف السنّة، تركوها (1) لمبايعة شيخهم حيدر حين أسره الملاحدة، فقصّوا لحيته و تركوا شواربه، فاقتدوا به فى ذلك، و هو معذور مأجور، و قد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن ذلك، و ليس لهم فيه قدوة، و قد بنيت زاوية (2) بظاهر دمشق قريبا من العونيّة.

و منها: أنه ولى القضاء بالديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب بن خلف العلائى‏ (3) المعروف بابن بنت الأعز، عوضا عن القاضى بدر الدين السنجارى، رحمه اللّه.

و فيها: «......... (4) » .

و فيها: حج بالناس «......... (5) » .

____________

(1) أى تركوا السنة.

(2) «و بنوا لهم زاوية خارج دمشق» -السلوك جـ 1 ص 407.

(3) «العلاقى» فى الأصل، و هو تحريف-انظر ما يلى.

(4و5) «... » بياض فى الأصل.

غ

159

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

الإمام الزاهد الشيخ تقى الدين‏[387]عبد الرحمن بن أبى الفهم‏ (1) اليلدانى‏ (2) ، توفى بقريته‏ (3) فى ثامن ربيع الأول و دفن بها.

و كان شيخا صالحا، مسندا مشتغلا بالحديث سماعا و كتابة و إسماعا إلى أن توفى، و له نحو من مائة سنة.

قال أبو شامة: أخبرنى أنه كان مراهقا فى سنة تسع و ستين و خمسمائة حين طهّر نور الدين بن زنكى رحمه اللّه ولده، و أنه حضر الطهور، و أخبرنى أنه رأى النبىّ صلى اللّه عليه و سلم، و قال له يا رسول اللّه: باللّه ما أنا رجل جيّد. فقال:

بلى، أنت رجل جيد (4) .

الشيخ شرف الدين محمد (5) بن أبى الفضل المرسى.

____________

(1) «عبد الرحيم بن أبى القاسم» فى الأصل، و التصحيح من مصادر الترجمة.

انظر العبر جـ 5 ص 223، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 70، الذيل على الروضتين ص 195، شذرات الذهب جـ 5 ص 269.

(2) يلدا: قرية فى غوطة دمشق.

(3) «قرية كلدا» فى الأصل، و التصحيح من مصادر الترجمة السابقة.

(4) انظر الذيل على الروضتين ص 195، العبر جـ 5 ص 224.

(5) هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن أبى الفضل، أبو عبد اللّه شرف الدين، و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 224، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 76-79، الذيل على الروضتين ص 195 -196، شذرات الذهب جـ 5 ص 269.

160

كان شيخا فاضلا مفنّنا (1) ، محقق البحث، كثير الحج، له مكانة عند الأكابر، و قد اقتنى كتبا كثيرة، و كان أكثر مقامه بالحجاز و مصر و الشام، و حيث حلّ عظّمه رؤساء تلك البلدة، و كان مقصدا فى أموره، و كانت وفاته بالزعقة (2) بين العريش و الداروم فى منتصف ربيع الأول من هذه السنة، و دفن فيها.

البادرائى الشيخ نجم الدين عبد اللّه‏ (3) أبو محمد بن أبى الوفا بن الحسن بن عبد اللّه بن عثمان بن أبى الحسن بن حسنون البغدادى البادرائى الشافعى، مدرس النظاميّة ببغداد، و رسول الخلافة إلى ملوك الآفاق فى الأمور المهمّة، و إصلاح الأحوال المدلهمّة.

و قد كان فاضلا بارعا، رئيسا متواضعا، و قد ابتنى بدمشق مدرسة حسنة (4) مكان دار الأمير أسامة، و شرط على المقيم بها العزبة؛ و لكن حصل بسبب ذلك خلل كثير، و شرّ لبعضهم كبير.

____________

(1) «مغنيا» ؟؟؟فى الذيل على الروضتين.

(2) الزعقا: على خط سير البريد بين العريش و رفح، و هى من البلاد المندرسة-القاموس الجغرافى ق 1 جـ 1 ص 66.

(3) و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 223، درة الأسلاك ص 14، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 70-73، السلوك جـ 1 ص 407، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 57، الذيل على الروضتين ص 198، شذرات الذهب جـ 5 ص 269.

(4) هى المدرسة البادرائية بدمشق، داخل باب الفراديس و السلامة-الدارس جـ 1 ص 205 و ما بعدها.

161

و قال ابن كثير: و قد كان شيخنا الإمام العلامة شيخ الشافعية و غيرهم برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم‏ (1) بن الشيخ تاج الدين الفزارى مدرّس هذه المدرسة و ابن مدرّسها (2) ، يذكر أنه لما حضر الواقف فى أول يوم درس بها و حضر عنده السلطان الملك الناصر يوسف بن العزيز قرئ كتاب الوقف و فيه: و لا تدخلها إمرأة، فقال السلطان: و لا صبىّ. فقال الواقف: يا مولانا ربنا ما يضرب بعصاتين، فإذا ذكر هذه الحكاية تبسّم عندها، و كان هو أول‏ (3) من درّس بها، ثم ولده كمال الدين من بعده، و جعل نظرها إلى وجيه الدين بن سويد، ثم صار فى ذريته إلى الآن.

و قد أوقف البادرائى على هذه المدرسة أوقافا حسنة دارّة، و جعل بها خزانة كتب حسنة نافعة، [388]و قد عاد إلى بغداد فى هذه السنة، و تولّى بها قضاء القضاة كرها منه، فأقام فيه سبعة عشر يوما، ثم توفى إلى رحمة اللّه فى مستهل ذى الحجة من هذه السنة، و دفن بالشونيزية (4) .

المشدّ الشاعر الأمير سيف الدين على‏ (5) بن عمر بن قزل، مشدّ الدواوين بدمشق.

____________

(1) هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع، برهان الدين الفزارى، المتوفى سنة 729 هـ/1328 م-المنهل الصافى جـ 1 ص 99 رقم 240 و انظر الدارس جـ 1 ص 208.

(2) هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزارى، تاج الدين، المتوفى سنة 690 هـ/1291 م -المنهل الصافى، الدارس جـ 1 ص 208.

(3) «هذا» فى الأصل، و التصحيح من البداية و النهاية.

(4) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 196-197.

(5) ذكر المؤلف ترجمته مرة ثانية فى وفيات سنة 656 هـ، و هو ما أجمعت عليه المصادر- انظر ما يلى ص 197.

162

كان شاعرا مطبقا، و له ديوان مشهور، و قد رآه بعضهم بعد موته، فسأله عن حاله فأنشده:

نقلت إلى رمس القبور و ضيقها # و خوفى ذنوبى أنها بى تعثر

و صادفت رحمانا رءوفا و أنعما # حبانى بها لما كنت أحذر

و من كان حسن الظن فى حال موته # جميلا بعفو اللّه فالعفو أجدر

بشارة (1) بن عبد اللّه الأرمنى الأصل، بدر الدين الكاتب، مولى شبل الدولة (2) المعظّمى.

سمع الكندىّ و غيره، و كان يكتب خطّا جيّدا، و أسند إليه مولاه النظر فى أوقافه، و جعله فى ذريته، فهؤلاء ينظرون فى الشبليتين‏ (3) .

و كانت وفاته فى النصف من رمضان من هذه السنة.

القاضى تاج الدين أبو عبد اللّه محمد (4) بن قاضى القضاة جمال الدين المصرى.

ناب عن أبيه، و درس بالشامية (5) ، و له شعر، فمنه قوله:

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: البداية و النهاية جـ 13 ص 198.

(2) هو شبل الدولة كافور المعظمى، طواشى حسام الدين محمد بن لاجين، المتوفى سنة 623 هـ/ 1226 م-العبر جـ 5 ص 95، الدارس جـ 1 ص 530.

(3) هما المدرسة الشبلية البرانية بسفح جبل قاسيون بدمشق، و المدرسة الشبلية الجوانية بدمشق- أنظر الدارس جـ 1 ص 530، ص 537.

(4) «ابن محمد» فى الأصل و التصحيح من البداية و النهاية جـ 13 ص 198.

و هو محمد بن يونس بن بدران بن فيروز، أبو عبد اللّه بن جمال الدين المصرى-البداية و النهاية جـ 13 ص 198، الدارس جـ 1 ص 280.

(5) المدرسة الشامية البرانية بدمشق: أنشأتها ست الشام إبنة أيوب، أخت السلطان صلاح الدين، و المتوفاة سنة 616 هـ/1219 م-الدارس جـ 1 ص 277، ص 280.

163

صيّرت فمى لفيه باللثم‏ (1) غدا # [عمدا (2) ]و رشفت من ثناياه مدام

فازوّر؟؟؟ و قال أنت فى الفقه إمام # ريقى خمر و عندك الخمر حرام‏

الشيخ الأسعد هبة اللّه‏ (3) بن صاعد بن شرف الدين الفائزى.

خدم قديما للملك الفائز سابق الدين إبراهيم بن الملك العادل، و كان نصرانيا فأسلم، و كان كثير البرّ و الصدقات و الصلات.

استوزره الملك المعزّ، و كان حظيّا عنده جدّا لا يفعل شيئا إلا بمراجعته و مشاورته.

و كان قبله فى الوزارة القاضى تاج الدين بن بنت الأعز، و قبله القاضى بدر الدين السنجارى، ثم صارت بعد ذلك كله إلى هذا الشيخ الأسعد المسلمانى، و قد كان المعزّ يكاتبه بالمملوك، ثم لما قتل المعزّ أهين الأسعد حتى صار شقيا، و أخذ الأمير سيف الدين قطز خطه بمائة ألف دينار، و قد هجاه‏[389] بعضهم:

لعن اللّه صاعدا # و أباه فصاعدا

و بنيه فنازلا # واحدا ثم واحدا (4)

ثم قتل بعد ذلك كله و دفن فى القرافة.

____________

(1) «لثام» فى البداية و النهاية، و الدارس.

(2) []إضافة من البداية و النهاية، و الدارس.

(3) و له أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 80-83، السلوك جـ 1 ص 407، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 58.

(4) انظر ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 80، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 58.

164

ابن أبى الحديد الشاعر العراقى عبد الحميد (1) بن هبة اللّه بن محمد بن محمد ابن الحسين، أبو حامد بن أبى الحديد، عز الدين المدائنى، الكاتب الشاعر المطيق الشيعى الغالى.

له شرح نهج البلاغة فى عشرين مجلدا. ولد بالمدائن سنة ست و ثمانين و خمسمائة، ثم صار إلى بغداد، و كان أحد الكتاب و الشعراء للديوان الخليفتى، و كان حظيّا عند الوزير ابن العلقمى لما بينهما من المناسبة و المهاربة و المشابهة فى التشيّع و الأدب و الفضيلة، و كان أكثر فضيلة و أدبا من أخيه أبى المعالى موفق الدين أحمد (2) بن هبة اللّه، و إن كان الآخر فاضلا بارعا أيضا، و قد ماتا فى هذه السنة.

الشريف الأديب أبو الحسن‏ (3) على بن محمد الموسوى، المعروف بابن دفتر خوان‏ (4) ، له شعر حسن، و مصنفات كثيرة، توفى فى هذه السنة.

الشيخ أبو جعفر (5) بن الشيخ شهاب الدين أبى عبد اللّه عمر السهروردىّ الصوفى، مات ببغداد فى هذه السنة.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 62-70، السلوك جـ 7 ص 408.

(2) «أبو المعالى القسم بن هبة اللّه» فى شذرات الذهب، و ورد فيه ذكر وفاته سنة 656 هـ.

و انظر أيضا العبر جـ 5 ص 234.

(3) و له أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 73-75، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 59.

(4) «دمير خان» -فى ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 73.

(5) هو محمد بن عمر بن محمد بن عبد اللّه بن حمويه، أبو جعفر التيمى البكرى السهروردى.

و له أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 79.

165

شجر الدّر (1) بنت عبد اللّه أم خليل التركيّة.

كانت من حظايا الملك الصالح نجم الدين أيّوب بن السلطان الملك الكامل ابن العادل ايّوب، و كان له ولد منها يسمى خليل، كان من أحسن الصور، مات صغيرا، و كانت تكون فى خدمة الملك الصالح لا تفارقه حضرا و سفرا من شدّة محبته لها، و قد ملكت الديار المصرية بعد مقتل ابن زوجها الملك المعظم توران شاه‏ (2) ، فكان يخطب لها و يضرب السكة باسمها، و علّمت على المناشير مدّة ثلاثة أشهر كما ذكرنا، ثم تملك الملك المعز أيبك، ثم تزوجها بعد تملكه الديار المصرية، ثم غارت عليه لما بلغها أنه يريد أن يتزوج ابنة (3) صاحب الموصل كما ذكرناه، فعملت عليه حتى قتلته كما تقدّم، فتمالى عليها مماليك المعزّ فقتلوها و ألقوها على مزبلة ثلاثة أيام، ثم نقلت إلى تربة لها (4) بالقرب من قبر الست نفيسة.

و فى تاريخ النويرى: و فى سادس عشر ربيع الآخر من هذه السنة[390] قتلت شجر الدرّ و ألقيت خارج البرج الأحمر (5) و حملت إلى تربة كانت قد عملتها فدفنت بها.

____________

(1) و لها أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 61-62، العبر جـ 5 ص 222، البداية و النهاية جـ 13 ص 199، السلوك جـ 1 ص 404، شذرات الذهب جـ 5 ص 268.

(2) «تورن شاه» فى الأصل.

(3) «أن يتروجها» ، فى الأصل، و هو تحريف، و التصحيح يتفق و سير الأحداث- انظر ما سبق ص 140-141.

(4) انظر الإنتصار جـ 4 ص 125.

(5) البرج الأحمر، بساحل القسطاط-انظر المواعظ و الإعتبار جـ 1 ص 380.

166

و كانت تركية الجنس، و قيل: كانت أرمنية الجنس، و كانت مع الملك الصالح فى الإعتقال بالكرك‏ (1) .

و فى تاريخ ابن كثير: و كانت قوية النفس، و لما علمت أنها قد أحيط بها أتلفت شيئا كثيرا من الجوهر و اللآلى كسرته فى الهاون لا لها و لا لغيرها (2) .

و قال: لما سمع مماليك المعزّ بقتله أقبلوا صحبة مملوكه الأكبر سيف الدين قطز، فقتلوها و ألقوها على مزبلة غير مستورة العورة بعد الحجاب المنيع و المقام الرفيع‏ (3) .

____________

(1) ملخصا عن مخطوط نهاية الأرب جـ 27.

(2) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 199.

(3) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 196.

167

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السادسة و الخمسين بعد الستمائة

____________

*

استهلت هذه السنة، و فيها فتن و مصائب، و أعظمها قتل الخليفة المستعصم باللّه، و انقراض الخلافة العباسيّة من بغداد، و استيلاء هلاون على بغداد، و فساد التتار فى البلاد، و وقوع الحرب بين بنى أيوب و بين المماليك البحرية، و بين الشاميّة و المصريّة، على ما نذكره مفصّلا.

ذكر أخذ هلاون بن طلو خان بن جنكز خان مدينة بغداد و قتله الخليفة المستعصم باللّه:

و فى أول هذه السنة قصد هلاون بعساكر التتار بغداد، و سار إليها فنازلها، و كان معه من المقدّمين الأكابر: كوكك نوين، و ألكان نوين، و كتبغا نوين، و قد غان نوين، و هلاجو نوين، و مر كديه نوين، و صغون حاق، و من الملوك داود ملك الكرج بجيشه، و أرسل إلى بيجو يستدعيه ليشهد هو و من معه المحاصرة و يستكثرهم فى المحاصرة، فلما وصل إليه الرسول أزمع التأخير و استشار الأمراء الذين معه فى ذلك، و هم: أرسلان جوبان، و صرمون نوين، و انكراث، فأبوا إلا التوجّه إلى هلاون، فاضطرّه الأمر إلى المسير إليه، إلا أنه

____________

(*) يوافق أولها الثلاثاء 8 يناير 1258 م.

168

أرسل يخبر هلاون بأنّ جمعا كثيرا من القراسلية (1) و الأكراد و الياروقية قد جمعوا لهم فى الطرقات، و مقدمهم شرف الدين بن بلاش، و أنهم أخذوا عليهم المضيق، و سدّوا دونهم الطريق، و لا سبيل لهم إلى الخروج‏[391]من حدود ديار بكر، و قصد بيجو بذلك المدافعة؛ إذ لم يجد سبيلا إلى الممانعة، فجهز هلاون تومانين‏ (2) من التوامين الذى صحبته، أحدهما: مقدّمه قدغان، و الآخر: كتبغا نوين ليفتحا الطرقات لهم، و يزيحا عنها الأكراد و غيرهم، و فى أثناء ذلك أتقع الأكراد (3) و القراسل وقعة عظيمة، و جفل‏ (4) منهم أهل أرزنجان، و تحصّنوا بجبل أرزن سور، فلما وصل التتار إلى أرزنجان تسلّموها، و حاصروا كماخ‏ (5) ، و كسروا الأكراد، و سبوا منهم و قتلوا، و أقام قدغان و كتبغا حتى وصل إليهم بيجو و خجا نوين و من معهما، و توجهوا جميعا إلى هلاون، فنزل بيجو و من معه بالجانب الغربى من بغداد، و هلاون و من معه بالجانب الشرقى، و حاصروا بغداد أشدّ الحصار.

____________

(1) «القرى تليه» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 380.

(2) «ثمانين» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 380.

و التومان أو الطومان: فرقة عسكرية يبلغ عددها عشرة آلاف مقاتل-السلوك جـ 1 ص 933 هامش (1) .

(3) «أوقع بالأكراد» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 380، و هو تحريف.

و المقصود وقوع معركة بين الأكراد و القراسل-انظر ما سبق.

(4) «و جعل» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 380، و هو تحريف.

(5) «كماج» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 281.

169

و لما أحاطوا بها، و خيّموا حولها، خرج إليهم عسكرها بعدد و عدده، و حشده و مدده، صحبة مجاهد الدين أيبك الدوادار الصغير (1) ، و كان له شأن عظيم، و قدر جسيم، و كان مقدّما على عشرة آلاف فارس، فندبه الخليقة لقتال التتار، و كان فى مقدمتهم صغون حاق بتمانه، فلما التقى المسلمون معهم كانت الكسرة على التتار، فولّوا الأدبار، و تبعهم الدوادار، سحابة ذلك النهار، و قتلوا منهم خلقا كثيرا، و جما غفيرا.

و حجز بينهم الليل، فكفّت المسلمون الذين معتقدين أنهم قد استظهروا، و لأعدائهم قهروا، فلما أصبحوا لم يشعروا إلا و قد تراجع التتار إليهم، و حملوا عليهم، فكسروهم و هزموهم، لأن أكثرهم كان قد تسّلل فى الليل إلى المدينة موقنا بالنصرة.

فلما تمت هذه الكسرة، ولّى المنهزمون ليرجعوا إلى بغداد، فحال بينهم و بينها بثق انبثق فى تلك الليلة، و ساحت منه مياه دجلة، و شملت الطرق و المسالك، و أدركت العسكر، فأغرقت بعضهم هنالك.

و قتل التتار مجاهد الدين أيبك الدوادار و ولده أسد الدين، و كان مقدّما على خمسة آلاف فارس، و سليمان بن برجم‏ (2) أمير علم الخليفة، و جماعة من الأمراء البغاددة، و أعيان العسكر، و أسروا خلقا.

____________

(1) «الدوادار الكبير» فى الأصل و التصحيح مما يلى ص 175، و انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 381 هامش (1) .

(2) «ابن ترجم» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 382، و هو تحريف.

170

و أما هؤلاء الثلاثة فإنهم حملوا رءوسهم‏[392]إلى الموصل، و نصبوها على باب المدينة ترهيبا لصاحبها، و تخويفا لأهلها.

و ارتاع الخليفة أشدّ ارتياع، و أخذت أسبابه فى الانقطاع، و أصبح لا يدرى، و إن كان حازما أقدامه خير أم وراءه، و أغلقت أبواب مدينة بغداد، فأحاط بها التتار و ضايقوها بالحصار، فافتتحوها عنوة، و دخلوها غدوة فى العشرين من محرم هذه السنة، فبذلوا فى أهلها المناصل، و أوردوهم من حياض الموت أمرّ المناهل، و أكثروا الأيامى و اليتامى و الأرامل، و لم يرحموا شيخا كبيرا، و لا طفلا صغيرا (1) .

و فى تاريخ النويرى: و كان سبب ذلك أن وزير الخليفة مؤيد الدين بن العلقمى كان رافضيا، و كان أهل الكرخ روافض‏ (2) فجرت فتنة بين السنة و الشيعة ببغداد على جارى عادتهم فى السنة الماضية، فأمر أبو بكر (3) ابن الخليفة و ركن الدين الدوادار العساكر، فنهبوا الكرخ، و هتكوا النساء، و ركبوا فيهن الفواحش، فعظم ذلك على الوزير ابن العلقمى، و كاتب التتار و أطمعهم فى ملك بغداد، و كان عسكر بغداد مبلغ مائة ألف فارس، فقطعهم المستعصم ليحمل إلى التتار متحصل

____________

(1) انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 380-382.

(2) «كان شيعيا، و الشيعة يسكنون بالكرخ، و هى محلة مشهورة بالجانب الغربى من بغداد» -نهاية الأرب جـ 23 ص 324.

(3) «فأمر الخليفة» فى نهاية الأرب.

171

إقطاعاتهم، و بقى عسكر بغداد دون عشرين ألف فارس، و أرسل ابن العلقمى إلى التتار[أخاه‏ (1) ]يستدعيهم، فساروا قاصدين بغداد فجرى ما جرى‏ (2) .

و قال ابن كثير فى تاريخه: و أحاطت التتار بدار الخلافة، يرشقونها بالنشاب‏ (3) من كل جانب، حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدى الخليفة و تضحكه، و كانت من جملة الحظايا، و كانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها و هى ترقص بين يدى الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك‏[و فزع فزعا (4) ]شديدا، و أحضر السهم الذى أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب: إذا أراد اللّه إنفاذ قضائه و قدره‏ (5) سلب ذوى العقول‏ (6) عقولهم، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، و كثرت الستائر على دار الخلافة (7) ، و كان قدم هلاون بجنوده كلها، و كانوا نحوا من مائتى ألف مقاتل فى ثانى عشر المحرم من هذه‏[393] السنة، و هو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان ما تقدم من الأمر الذى قدره اللّه و قضاه، و هو أن هلاون لما كان أول بروزه من همدان متوجها إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمى على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك مداراة له عما يريده من قصد بلادهم، فخذل الخليفة عن ذلك دواداره

____________

(1) []إضافة من المختصر جـ 3 ص 194، للتوضيح.

(2) انظر نهاية الأرب جـ 23 ص 324.

(3) «بالنبال» فى البداية و النهاية جـ 13 ص 200.

(4) []إضافة من البداية و النهاية.

(5) «و قدرته» فى الأصل، و التصحيح من البداية و النهاية.

(6) «أذهب من ذوى العقول» فى البداية و النهاية.

(7) «و كثرة الستائر عن دار الخلافة» فى الأصل و التصحيح من البداية و النهاية.

غ

172

أيبك و غيره، و قالوا: إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليهم من الأموال، و أشاروا بأن يبعث بشى‏ء يسير، فأرسل شيئا من الهدايا، فاحتقره هلاون، و أرسل إلى الخليفة يطلب منه دواداره المذكور و سليمان شاه، فلم يبعثهما إليه، و لا بالى به حتى أزف قدومه، و وصل إلى بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة، فجرى ما جرى‏ (1) .

ذكر خروج الخليفة إلى هلاون و قتله:

و لما غلب التتار على بغداد، كان أول من برز إلى هلاون الوزير مؤيّد الدين بن العلقمى، فخرج فى أهله و أصحابه، فاجتمع بهلاون، ثم عاد، فأشار على الخليفة بالخروج إليه و المثول بين يديه، لتقع المصالحة، على أن يكون نصف الخراج من أرض العراق لهم و نصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج فى سبعمائة راكب من القضاة و الفقهاء و الصوفية و رؤوس الأمراء و الدولة و الأعيان، و لما اقتربوا من منزل هلاون حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا، فخلص الخليفة بهؤلاء، و أنزل الباقون عن مراكيبهم و نهبت و قتلوا عن آخرهم، و أحضر الخليفة بين يدى هلاون، فسأله عن أشياء كثيرة، و قيل: انه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة و الجبروت، ثم عاد إلى بغداد و فى صحبته خواجا نصير الدين الطوسى و الوزير مؤيد الدين بن العلقمى و غيرهما، و الخليفة تحت الحوطة و المصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئا كثيرا من الذهب و الحلى و المصاغ و الجوهر و الأشياء النفيسة.

____________

(1) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 200-201.

173

و قد أشار أولئك الملاعين الرافضة و غيرهم من المنافقين على هلاون أنّ لا يصالح الخليفة. و قال الوزير: و لو وقع الصلح على المناصفة لا يستمر[394]هذا إلا عاما أو عامين، ثم يعود الأمر على ما كان عليه قبل ذلك، و حسّنوا له قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى هلاون أمر بقتله.

و يقال: إن الذى أشار بقتله الوزير بن العلقمى و نصير الدين الطوسى، و كان النصير عند هلاون حظيا قد استصحبه فى خدمته لما فتح قلعة الموت و انتزعها من أيدى الإسماعيلية، و كان النصير وزير شمس الشموس و لأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين، و كانوا ينتسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدى، و انتخب هلاون النصير يكون فى خدمته كالوزير المشير، فلما قدم هلاون تهيّب قتل الخليفة، فهوّن عليه قتله الوزير و النصير، فقتلوه رفسا و هو فى جولق لئلا يقع على الأرض شى‏ء من دمه، خافوا أن يؤخذ (1) بثأره فيما قيل لهم. و قيل: بل خنق. و قيل: بل غرق‏ (2) .

و فى تاريخ النويرى: خرج الوزير ابن العلقمىّ فتوثق منه لنفسه، و عاد إلى الخليفة و قال: إن السلطان هلاون يبقيك فى الخلافة كما فعل بسلطان الروم، و يريد أن يزوّج ابنته من ابنك أبى بكر، و حسّن إليه الخروج إليه، فخرج الخليفة فى جمع من الأكابر من أصحابه، فأنزل فى خيمة، ثم استدعى الوزير الفقهاء و الأماثل، فاجتمع هناك جميع سادات بغداد و مدرسوها، و كان فيهم الشيخ محيى الدين بن الجوزى‏ (3) و أولاده، و جعل الوزير يخرج إلى التتار طائفة بعد

____________

(1) «أن لا يؤاخذوا» فى الأصل، و هو تحريف، و التصحيح من البداية و النهاية.

(2) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 201.

(3) انظر ما يلى فى الوفيات.

174

طائفة، فلما تكاملوا قتلهم التتار عن آخرهم، ثم مدّوا الجسر، و عدّى بيجو و من معه، و بذلوا السيف فى بغداد و هجموا دار الخلافة، و قتلوا كلّ من فيها من الأشراف، و لم يسلم منهم إلا من كان صغيرا فأخذ أسيرا، و دام القتل و النهب فى بغداد أربعين يوما حتى صار الدم فى الأزقة كأكباد الإبل، ثم نودى بالأمان‏ (1) .

و فى تاريخ ابن كثير: و لما قتلوا هؤلاء السادات مالوا على البلد، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال و النساء و الولدان و المشايخ و الكهول و الشبان، و دخل [395]كثير من الناس فى الآبار و أماكن الحشوش و قنى الوسخ و يكمنون فيها و لا يظهرون، و كان جمع من الناس يجتمعون فى الحانات و يغلقون عليهم الأبواب فيفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالى المكان، فيقتلونهم على الأسطحة حتى تجرى الميازيب من الدماء فى الأزقة، و كذلك فى المساجد و الجوامع و الربط، و لم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود و النصارى، و من إلتجأ إليهم، و إلى دار الوزير محمد بن العلقمى الرافضى، عليه ما يستحق.

و عادت بغداد، بعد ما كانت أنس المدن كلها، كانها خراب، ليس فيها أحد إلا القليل من الناس، و هم فى خوف و جوع و لإلّة و قلّة.

و قد اختلف الناس فى كمية من قتل ببغداد من المسلمين فقيل: ثمانمائة ألف نفس، و قيل: ألف ألف و ثمانمائة ألف، و قيل: بلغت القتلى ألفى ألف نفس، و قتل مع الخليفة ولده الأكبر أبو العباس أحمد، و له خمس و عشرون سنة، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن، و له ثلاث و عشرون سنة،

____________

(1) لم يرد هذا النص فى أجزاء نهاية الأرب و المطبوعة الموجودة بين أيدينا-انظر جـ 23، جـ 27.

175

و أسر ولده الأصغر مبارك، و أسرت إخوته الثلاث فاطمة و خديجة و مريم، و أسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل، و اللّه أعلم.

و قتل استادار الخليفة الشيخ الفاضل محيى الدين بن يوسف الشيخ أبى الفرج ابن الجوزى و كان عدوّ الوزير بن العلقمى، و قتل أولاده الثلاثة عبد الرحمن و عبد اللّه و عبد الكريم، و أكابر الدولة واحدا بعد واحد، منهم: الدوادار الصغير مجاهد الدين أيبك، و شهاب الدين سليمان شاه، و جماعة من أمراء السنة و أكابر البلد.

و كان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بنى العباس، فيخرج بأولاده و نسائه، فيذهب به إلى مقبرة الخلال تجاه المنظرة، فيذبح كما تذبح الشاة، و يؤسر من يختارون من بناته و جواريه.

و قتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين على بن النيار، و قتل الخطباء و الأئمة و حملة القرآن، و تعطلت المساجد و الجماعات و الجمعات مدة شهور[396] ببغداد، و أمر الوزير بن العلقمى بأن تعطل المساجد و الجوامع و المدارس و الربط ببغداد و يستمر بمحال الروافض، و أن يبنى للرافضة مدرسة هائلة، ينشرون فيها علمهم، فلم يقدره اللّه عزّ و جل على ذلك؛ بل أزال نعمته عنه، و قصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، و اتبعه ولده فاجتمعا-و اللّه أعلم-فى الدرك الأسفل من النار.

و لما انقضى أمد المدّة المقدّرة، و انقضت الأربعون يوما، بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، و القتلى فى الطرقات كأنها التلول، و قد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم و أنتنت البلد من جيفهم،

176

و تغير الهواء، فحصل بسببه الفناء و الوباء الشديد، حتى سرى و تعدى فى الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو و فساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء و الوباء و الفناء و الطعن و الطاعون.

و لما نودى ببغداد بالأمان خرج من كان تحت الأرض بالمطامير و القنى و المغاير كأنهم الموتى إذا نبشوا من القبور، و قد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده، و لا الأخ أخاه، و أخذهم الوباء الشديد فتفانوا و تلاحقوا بمن سلف من القتلى.

و كان رحيل هلاون عن بغداد فى جمادى الأولى من هذه السنة إلى مقر ملكه، و فوّض أمر بغداد إلى الأمير على بهادر، فوّض إليه الشحنكيّة (1) بها إلى الوزير مؤيد الدين ابن العلقمى، فلم يمهله اللّه تعالى حتى أخذه عزيز مقتدر فى مستهل جمادى الآخرة، كما سنذكره فى الوفيات إن شاء اللّه، فولى بعده الوزارة ولده عزّ الدين أبو الفضل، فألحقه اللّه بأبيه فى بقيّة هذا العام.

و يقال: إن هلاون عزم على إحراق مدينة بغداد لما أراد الرحيل عنها، فقال له كتبغا نوين إنّ هذه المدينة أمّ المدن و مقصد التجار، فإذا أبقاها الملك حصل له منها مال جزيل، فأبقاها و شحّن‏ (2) عليها، و سار عنها إلى الفرات‏ (3) .

____________

(1) الشحنكية: وظيفة يتولاها الشحنة، و هو صاحب الشرطة، أو متولى رئاسة الشرطة- دوزى.

(2) أى عين عليها شحنة-صاحب شرطة.

(3) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 201-203.

177

و فى تاريخ بيبرس: ثم سار هلاون عن بغداد بعد انقضاء الشتاء إلى الشام‏ (1) [397]، و جرّد جيشا إلى ميّافارقين صحبة صرطق نوين و قطغان نوين، و كان بها الملك الكامل ناصر الدين محمد (2) بن الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب بن شادى‏ (3) ، فحاصروها و نصبوا عليها المنجنيقات من كل ناحية، فقاتلت‏ (4) أهلها و امتنعوا عن تسليمها، و صبروا[أنفسهم‏ (5) ]على الحصار الشديد و الجوع المبيد، حتى أكلوا الميتات‏ (6) و الدوابّ و السنانير و الكلاب، و طال عليهم الأمد، و قلّت منهم القوة و الجلد (7) ، فاستولى التتار على المدينة و فتحوها، و كانت مدة مقامهم على حصارها سنتين، فقتلوا و سبوا من أهلها خلقا كثيرا، و فنى الجند من كثرة القتال‏ (8) ، [و اشتداد النزال‏] (9) و أسر من بقى منهم، و أخذ صاحبها ناصر الدين‏ (10) الملك الكامل و تسعة نفر من مماليكه و أحضروا بين يدى هلاون،

____________

(1) «و سار عنها إلى القرات. ذكر استيلاء التتار على ميافارقين، و منها أرسل هولاكو طائفة من عساكره إلى ميافارقين» زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 34 أ، 34 ب.

(2) استشهد على يد التتار سنة 658 هـ/1260 م. و له أيضاء ترجمة فى: المنهل الصافى، الوافى جـ 4 ص 306 رقم 1849، السلوك جـ 1 ص 441، شذرات الذهب جـ 5 ص 295.

و ذكر أنه قتل سنة 656 هـ فى نهاية الأرب جـ 27 ص 383-384.

(3) «ابن شادى» ساقط من زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 34 ب.

(4) «فقاتل» فى زبدة الفكرة، و «فقاتله» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 383.

(5) []إضافة من زبدة الفكرة.

(6) «الميتة» فى زبدة الفكرة.

(7) «و قل منهم الجلد» فى زبدة الفكرة.

(8) «و فنى جندها من طول القتال» فى زبدة الفكرة.

(9) []إضافة من زبدة الفكرة.

(10) «ناصر الدين» ساقط من زبدة الفكرة.

178

فقتلوا إلا مملوكا واحدا اسمه قراسنقر، أبقاه هلاون، و ذلك أنه سألهم عن وظائفهم، فذكر له ذلك المملوك أنه كان‏ (1) أمير شكار للسلطان، فاستبقاه‏ (2) و سلم‏ (3) إليه شيئّا من الطيور الجوارح و حظى عنده، و اتفق حضوره إلى الديار المصرية فى الأيام الظاهريّة، فأعطاه السلطان إقطاعا، و جعله مقدم فى الحلقة (4) .

و كان صاحب ميافارقين أديبا فاضلا، و له نظم جيد، فمنه قوله:

ترى تسمح الدنيا بما أنا طالب # فلى عزمات دونهن الكواكب‏ (5)

و إن يكن الناعى بموتى معرضا # فأىّ كريم ما نعته النوائب

و من كان ذكر الموت فى كّل ساعة # قريبا له هانت عليه المصائب

و ما عجبى إلا تأسّف عاقل # على ذاهب من ماله و هو ذاهب‏

ذكر ما جرى لأصحاب البلاد مع هلاون:

منها: أن الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل سار إلى هلاون مهادنا، فاستصحب معه شيئا كثيرا من الهدايا النفيسة، و الأمتعة الجلية، و الجواهر الثمينة، و مفاتيح القلعة و المدينة، و إنما حداه على ذلك الشفقة على رعيته و الخوف على أهل مملكته، فمنعه أهل البلد من المسير إليه حذرا عليه، فلم يمتنع

____________

(1) «كان» ساقط من زبدة الفكرة.

(2) «للسلطان، فاستيقاه» ساقط من زبدة الفكرة.

(3) «فسلم» فى زبدة الفكرة.

(4) انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 383-384.

(5) نهاية ما جاء فى زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 34 ب.

179

فسار، [398]فلما وصل إلى هلاون أوقف بين يديه حاملا كفنه على كتفيه، و قدّم هداياه فقبلها منه و أقبل عليه، و قال لمن حضره من أكابر الخانات و مقدمى التمانات: هذا رجل عاقل ذو سياسة، ثم خلع عليه و كتب له يرليغ بتفويض مملكة الموصل إليه على قاعدته، فعاد إلى بلده و معه يرليغ، و فرح الناس به فرحا شديدا إلا أنه لم تطل أيّامه حتى مات، على ما نبينه إن شاء اللّه تعالى.

و منها: أن الملك الناصر يوسف صاحب دمشق، أرسل ولده الملك العزيز إلى هلاون مسالما و صحبته الهدايا الكثيرة، و التحف النفيسة، مقتديا فى ذلك بصاحب الموصل، فلما وصل إليه قبل تقدمته و سأله عن سبب تأخير والده عن الحضور إلى الأرد، فاعتذر إليه بأنه لم يمكنه مفارقة البلاد خوفا عليها من عدّو الإسلام الذى فى الساحل، فأظهر له أنه قبل عذره و أعاده إلى والده.

و منها: أن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل كان قد أرسل إلى هلاون من قبل مبدأ خروجه إلى العراقين ولده الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بهدايا، فاجتمع به و سار من عنده إلى منكوقان أخيه إلى الأردو، فأكرمه، و قرّبه، و بقى عنده مدة، و زوجه بابنة خوارزم شاه التى أخذت عند مقتل أبيها، فلما أقام عند منكوقان و أبطأ خبره على أبيه أرسل أخاه سيف الدين إسحاق و ولده علاء الملك لكشف خبره، و جهّز معهما هديّة أخرى إلى هلاون، فتوجّها و عادا و أخبرا بسلامته و قرب عودته، فعاد بعدهما بقليل و معه اليرليغ، و فرح الناس برجوعه سالما، و زيّنت الموصل فرحا به، و توجه إلى ميافارقين، و حضر حصارها و عاد عنها، و جهزّ أخاه و ولده لمساعدة مقدّمى التتار على الحصار.

180

و ها هنا نادرة لطيفة و هى ان بدر الدين لؤلؤ لما طلب التوجه إلى هلاون جاء إليه أعيان أهل الموصل و أكابر دولته و قصدوا تعويقه حذر الإيقاع به، فقال لهم: لا تخشوا على منه فإنى راج أن أتمكن منه و أعرك أذنيه، و سار، و كان قد هيّأ حلقتى أذن ذهبا[399]، و فيهما درتان من الدرّ النفيس، كل منهما يضاهى الدرر اليتيمة و يناهزها فى جلالة القيمة، فلما فرغ من عرض تقادمه بين يدى هلاون، فقال له: قد بقى معى شى‏ء أحضرته خاصا للقان قال:

و ما هو؟قال: هاتان الحلقتان و هما تصلحان للآذان، و من عادة ملوك التتار أن يتخذوا فى آذانهم الجوهر، فلما رآهما هلاون استحسنهما كثيرا فقال: يأمرنى القان أن أجعلهما فى أذنيه، فأعلم رضاه عنى و يحصل لى تعظيم بين الملوك، فأصغى إليه أذنيه فأمسكهما بأصبعيه و وضع الحلقتين فيهما، و أومأ إلى من كان معه مشيرا إليهم أنى قلت لأهل الموصل قولا و قد حققته فعلا، و عاد من عنده محترما مكرما.

و منها: إن هلاون أرسل أرقطو (1) أحد المقدّمين بتمان إلى أربل لأنه كان عند عبوره عليها قصد التعرض إليها فقال أهلها: نحن مطيعون، فسار عنها، ثم أرسل هذا المقدّم ليتسلّمها فنازلها بعنف و عسف، فأغلق أهلها الأبواب و تمنعوا، فحاصرها التتار ستة أشهر حتى هجم عليهم الحرّ و أصابهم من الوخم الضرّ، فرجعوا عنها، فسلمها أهلها إلى شرف الدين الكردى و رحلوا بأولادهم و أموالهم إلى حيث شاءوا، ثم خرج نائب الخليفة بها و هو الصاحب تاج الدين بن الصلايا، و توجه إلى هلاون، فقتله ظنا منه أنه الذى امتنع من تسليمها، و لم يكن كذلك؛

____________

(1) «أرقيو نويان» -فى جامع التواريخ المجلد الثانى الجزء الأول ص 298.

181

بل كان قد أشار على أهلها بأن يستأمنوا و يسلموا، فأبوا و لم يفعلوا و صبروا حتى خلصوا (1) .

ذكر بقية الحوادث:

منها: أن الملك المغيث صاحب كرك سار بعسكره و البحريّة صحبته إلى الديار المصرية، فلما وصل إلى الصالحية تسلّل إليه من كان قد كاتبه من أمراء مصر و هم عز الدين الرومى و الكافورى و الهواش و غيرهم، و انحازوا إليه، و خرج عسكر مصر فالتقوهم، فكانت الكسرة على المغيث و أصحابه، فانهزم طريدا و ولى إلى نحو الكرك و ليس معه إلا القليل من جماعته، و أما البحرية فإنهم لما انهزموا توجّهوا نحو الغور، [400]فصادفتهم الشهرزورية (2) و قد جاءوا جافلين من الشرق، فاجتمعوا بهم و اتفقوا معهم، و تزوج الملك الظاهر منهم.

و بلغ ذلك الملك الناصر صاحب دمشق، فخاف أن تقوى شوكتهم فيقصدون الشام، و يفسدون عليه النظام، فجرد عسكره لقتالهم، فالتقوا بالأغوار، فكسروا عسكره، و خلوهم و عادوا إليه، و قد نالت منهم الكسرة، فاستشاط لذلك غضبا، و ركب بنفسه، و جمع عساكره لقصدهم و الإيقاع بهم، فعلموا العجز عن المقاومة فتفرقوا، فتوجه البحرية إلى الكرك ليأووا عند الملك المغيث، و توجّهت الشهرزورية نحو الديار المصرية، فصادفوا التركمان نازلين بالعريش، فقاتلوهم

____________

(1) انظر جامع التواريخ المجلد الثانى-الجزء الأول ص 298-299.

(2) الشهرزورية: طائفة من الأكراد ينسبون إلى شهرزور، و هى إحدى جهات كردستان حيث توجد مدينة شهرزور، و قد فر الشهرزورية من وجه التتر إلى الشام و مصر-السلوك جـ 1 ص 411.

182

على الماء حتى جرت بينهم غدران الماء، و بلغ ذلك الملك الناصر و أن البحرية عادوا إلى الملك المغيث، فأرسل إليه يطلب منه تسليمهم، و يتهدده إن مانع عنهم، فدافعه المغيث فى أمرهم على أنه يندفع.

فسار إليه الملك الناصر بعساكره عازما على منازلة الكرك و نزل على بركة زيزا، و راسل الملك المغيث بنوع من التهديد، و أغلظ له فى الوعيد، فعلم أنه لا يدفعه عنه إلا إرسالهم إليه، فتحيّل عليهم، فأمسك من أمكنه وفاته من لم يقدر عليه، فأرسل الذين أمسكهم إلى الملك الناصر و هم: شمس الدين سنقر الأشقر، و سيف الدين سكز، و سيف الدين برامق و غيرهم، فأرسلهم الملك الناصر إلى قلعة حلب، فحبسوا بها إلى أن فتحها هلاون، و أخذهم صحبته إلى بلاده، على ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى، و أما الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى و الأمير سيف الدين قلاون الألفى و خشداشيتهما الذين لم يجد الملك المغيث سبيلا إلى القبض عليهم فإنهم قد تشردوا فى البلاد و تلك النواحى مدة، ثم حضروا إلى الديار المصرية و لزموا الخدمة على العادة.

و يحكى عن الأمير سيف الدين قلاون أنه و الملك الظاهر بيبرس حين كانا تشردا فى هذه المدة قاسيا أمرا عظيما من القلة و الفقر و الشتات و التنقل من مكان إلى مكان، و الخوف، و عدم الإقامة فى مكان واحد، لأن الملك الناصر كان مجدّا فى طلبهما[401]و الملك المغيث عامل على قبضهما، و الملك المظفر قطز بمصر لا يركن إليهما، ثم أنهما اتفقا على زيارة الشيخ على البكا، و هو يومئذ مقيم بزاويته بمدينة الخليل عليه السّلام، فأعوز سيف الدين قلاون القوت يوما من الأيام، فصادف إنسانا مجتازا بشى‏ء من الطعام، فطلب منه شيئا لضرورة الجوع، ـ

183

فامتنع، فحمله الغيظ على أن ضربه ضربة مفرطة خطأ، فكانت فيها منّيته، فندم أشد الندم، و قال: لقد كان الجوع و العدم خيرا من قتل النفس، ثم أنهما مضيا إلى الشيخ، فلما دخلا عليه و سلّما عليه رد الشيخ سلام ركن الدين بيبرس و أقبل إليه، و لم يرد سلام الأمير سيف الدين قلاون و أعرض بوجهه عنه، و قال: هذا تجرأ على قتل النفس المحرمة، فأعجبهما كشفه و اطلاعه على هذا الأمر، فتلطف الأمير ركن الدين فى سؤاله و التماس إقباله حتى سمح بجلوسه، و لما قاما ليودعاه صافح الشيخ الأمير ركن الدين بيبرس و دعا له و قال: أنت رايح إلى مصر و سيصير إليك ملكها، فاجتهد فى فعل الخير، ثم تقدم إليه الأمير سيف الدين قلاون فصافحه و قال له كما قال لركن الدين بيبرس، فتعجبا من ذلك و خرجا من عنده، ثم آل حالهما إلى أن ملك كل واحد منهما الديار المصرية، كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

و منها: أنه وقع الوباء بالشام خصوصا بدمشق حتى لم يوجد مغسل.

و منها: أنه كثر الإرجاف بقدوم التتار إلى بلاد الشام، و حصل للناس من ذلك انزعاج عظيم و قلق شديد.

و فيها: «...... (1) » .

و فيها حج بالناس «...... (2) » .

____________

(1و2) «... » بياض فى الأصل.

184

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

واقف الجوزية بدمشق أستاذ دار الخلافة الصاحب محيى الدين أبو المظفر (1) يوسف بن الشيخ جمال الدين بنى الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن عبيد اللّه ابن عبد اللّه بن حماد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد اللّه بن القاسم بن النصر بن القاسم بن محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه، القرشى التيمى البكرى البغدادى الحنبلى، المعروف بابن الجوزى.

ولد فى‏[402]ذى القعدة سنة ثمانين و خمسمائة، و نشأ شابا حسنا، و حين توفى أبوه وعظ فى موضعه، فأحسن و أجاد و أفاد، ثم تقدم و ولى حسبة بغداد، مع الوعظ الرائق، و الأشعار الحسنة الفائقة، و ولى تدريس الحنابلة بالمستنصريّة ببغداد فى سنة ثنتين و ثلاثين و ستمائة، و كانت له مدارس أخرى، ثم لما ولى مؤيد الدين بن العلقمى الوزارة و شغر عنه الاستادارية وليها محيى الدين هذا، و انتصب ابنه عبد الرحمن فى الحسبة و الوعظ، فأجاد و أفاد، ثم كانت الحسبة تنتقل فى بنيه الثلاثة: عبد الرحمن، و شرف الدين عبد اللّه، و تاج الدين عبد الكريم، و قد قتلوا معه فى هذه السنة فى قضية هلاون كما ذكرنا (2) ، و لمحيى الدين مصنف

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: درة الأسلاك ص 17، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 332- 340، العبر جـ 5 ص 237، السلوك جـ 1 ص 412-413، المختصر جـ 3 ص 197، شذرات الذهب جـ 5 ص 286.

(2) انظر ما سبق ص 175.

185

فى مذهب الإمام أحمد رحمه اللّه، و قد وقف المدرسة الجوزية (1) بدمشق على الحنابلة.

الصرصرىّ‏ (2) المادح يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن المعمر بن عبد السلام، الشيخ الإمام، العالم العلامة، البارع، جمال الدين أبو زكريا الصرصرى، الشاعر المادح، الحنبلى، الضرير، البغدادى.

و شعره فى مديح رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مشهور، و ديوانه فى ذلك معروف غير منكور.

ولد سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة، و سمع الحديث، و حفظ الفقه و اللغة، و كان يقال: إنه يحفظ صحاح الجوهرى بكمالها، و صحب الشيخ على بن إدريس تلميذ عبد القادر الكيلانىّ، و كان ذكيا يتوقد ذكاء، ينظم على البديه سريعا أشياء حسنة فصيحة بليغة، و قد نظم الكافى للشيخ موفق الدين بن قدامة و مختصر الحزقى، و أما مدائحه فى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيقال: إنها تبلغ عشرين مجلدا.

و لما دخل التتار بغداد دعى إلى دار بها فرمان من هلاون، فأبى أن يجيب إليه و أعد فى داره أحجارا، فحين دخل عليه التتار رماهم بتلك الأحجار، فهشم

____________

(1) المدرسة الجوزية بدمشق: كانت بسوق القمح (البذورية) -الدارس جـ 2 ص 29.

(2) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، درة الأسلاك ص 19، فوات الوافيات جـ 4 ص 298 رقم 557، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 66، البداية و النهاية جـ 3 ص 211، السلوك جـ 1 ص 413، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 257-332، شذرات الذهب جـ 5 ص 285، العبر جـ 5 ص 237.

186

منهم جماعة، فلما خلصوا إليه قتل بعكازه أحدهم، فقتلوه شهيدا، رحمه اللّه، و له من العمر ثمانون‏ (1) سنة.

البهاء زهير (2) صاحب الديوان المشهور: أبو الفضل زهير بن محمد بن على بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلبى العتكىّ، الملقب بهاء [403]الدين الكاتب.

كان من فضلاء عصره، و أحسنهم نظما و نثرا. و خطا، و من أكثرهم مروّة، و كان قد اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أبى الفتح أيوب بن السلطان الملك الكامل بالديار المصرية، و توجه فى خدمته إلى البلاد الشرقية و أقام بها إلى أن ملك الملك الصالح مدينة دمشق، فانتقل إليها فى خدمته، و أقام كذلك إلى أن جرت الكائنة المشهورة على الملك الصالح و خرجت عنه دمشق و خانه عسكره و هو على نابلس و تفرقوا عنه، و قبض عليه الملك الناصر داود صاحب الكرك و اعتقله بقلعة الكرك‏ (3) ، و أقام بهاء الدين زهير بنابلس محافظة لصاحبه الملك الصالح، و لم يتصل بخدمة غيره، و لم يزل على ذلك حتى خرج الملك الصالح و ملك الديار

____________

(1) هكذا بالأصل، و هو لا يتفق مع ما سبق ذكره أن صاحب الترجمة ولد سنة 588 هـ، و ورد فى السلوك أن صاحب الترجمة توفى «عن ثمان و ستين سنة» و هو الأرجح-السلوك جـ 1 ص 413.

(2) و له أيضا ترجمة فى: نهاية الأرب (المخطوط) جـ 27، المنهل الصافى، درة الأسلاك ص 18 ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 184-197، العبر جـ 5 ص 23، السلوك جـ 1 ص 413، وفيات الأعيان جـ 2 ص 332 رقم 247، المختصر جـ 3 ص 197، الذيل على الروضتين ص 201، البداية و النهاية جـ 13 ص 211، شذرات الذهب جـ 5 ص 276.

(3) و ذلك فى 12 ربيع الأول 637 هـ/6 أكتوبر 1239 م-السلطان الصالح نجم الدين أيوب ص 40.

187

المصرية، و قدم إليها فى خدمته، و ذلك فى أواخر ذى القعدة سنة سبع و ثلاثين و ستمائة.

و قال ابن خلكان: و كنت يوم ذاك مقيما بالقاهرة، و أودّ لو اجتمعت به لما كنت أسمع عنه من مكارم الأخلاق و كثرة الرياضة، و أنشدنى كثيرا من شعره، فمما أنشدنى قوله فى جارية له اسمها روضة:

يا روضة الحسن صلى # فما عليك ضير

فهل رأيت روضة # ليس لها زهير

قال: و أخبرنى أن مولده فى خامس ذى الحجة سنة إحدى و ثمانين و خمسمائة بمكة حرسها اللّه.

و قال لى مرة أخرى: إنه ولد بوادى نخلة و هو قريب من مكة، و أخبرنى أن نسبه إلى المهلب بن أبى صفرة (1) .

ثم حصل بالقاهرة مرض عظيم لم يكد يسلم منه أحد، و كان حدوثه يوم الخميس الرابع و العشرين من شوال سنة ست و خمسين و ستمائة، و كان بهاء الدين المذكور ممن مسّه منه ألم، فأقام به أياما، ثم توفى قبل المغرب فى يوم الأحد رابع ذى القعدة من السنة المذكورة، و دفن من الغد بعد الظهر بتربته فى القرافة الصغرى بالقرب من قبة الشافعى-رحمه اللّه-فى جهتها القبلية، و لم يتفق لى الصلاة عليه لاشتغالى بالمرض‏ (2) .

____________

(1) هو ظالم بن سراق بن صبح بن كندى، أبو سعيد المهلب بن أبى صفرة، المتوفى سنة 82 هـ /701 م-وفيات الأعيان جـ 5 ص 350 رقم 754.

(2) انظر وفيات الأعيان جـ 2 ص 332، 335، 337، 338.

188

و فى تاريخ المؤيد: و فى سنة ست و خمسين و ستمائة توفى الصاحب بهاء الدين زهير بن محمد المهلبى كاتب إنشاء الملك الصالح أيوب، و فى آخر عمره انكشف [404]حاله، و باع‏ (1) موجوده و كتبه، و أقام فى بيته بالقاهرة إلى أن أدركته وفاته بسبب الوباء العام، و من شعره و هو موزون‏ (2) مخترع ليس بخرجة العروض أبيات منها:

يا من لعبت به الشمول‏ (3) # ما ألطف‏ (4) هذه الشّمائل

مولاى يحقّ لى بأنى # عن حبّك فى الهوى أقاتل

ها عبدك واقفا ذليلا # بالباب يمدّ كفّ سائل

من وصلك بالقليل يرضى # و الطّل من الحبيب وابل‏ (5)

الحافظ زكى الدين عبد العظيم‏ (6) بن عبد القوى بن عبد اللّه بن سلام بن سعد ابن سعيد، الإمام العالم العلامة، الحافظ أبو محمد زكى الدين المنذرى الشافعى المصرى.

____________

(1) «باع» فى الأصل، و الإضافة من المختصر.

(2) «وزن» فى المختصر.

(3) «شمول» فى المختصر، و ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 195.

(4) «ما أحسن» فى ذيل مرآة الزمان.

(5) انظر المختصر جـ 3 ص 197.

(6) و له أيضا ترجمة فى: مخطوط نهاية الأرب جـ 27، درة الأسلاك ص 17، المنهل الصافى، العبر جـ 5 ص 232، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 248-253، فوات الوفيات جـ 2 ص 366 رقم 291، البداية و النهاية جـ 13 ص 212، السلوك جـ 1 ص 412، المختصر جـ 3 ص 197، الذيل على الروضتين ص 201، شذرات الذهب جـ 5 ص 277.

189

و أصله من الشام، و لكنه ولد بمصر، و كان شيخ الحديث بها مدة طويلة، و إليه الوفادة و الرحلة من سنين متطاولة، و سمع الكثير و رحل، و طلب، و صنف، و خرّج، و اختصر صحيح مسلم، و سنن أبى داود، و له يد طولى فى اللغة، و الفقه، و التاريخ، و كان ثقة حجة متحرّزا، زاهدا.

و توفى فى يوم السبت الرابع من ذى القعدة من هذه السنة بدار الحديث الكاملية، و دفن بالقرافة.

النور أبو بكر محمد (1) بن محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحيم بن رستم الأسعردى، الشاعر المشهور الخليع.

كان القاضى صدر الدين‏ (2) بن سنىّ الدولة قد أجلسه مع شهود تحت الساعات‏ (3) ، ثم استدعاه الناصر صاحب البلد، و جعله من جلسائه و ندمائه، و خلع عليه خلع الأجناد، فانسلخ من هذا الفن إلى غيره، و جمع كتابا سماه الزرجون فى الخلاعة و الجنون، و ذكر فيه أشياء كثيرة من النظم و النثر فى الخلاعة، و من شعره:

لذّة العمر خمسة فاقتنيها # من خليع غدا أديبا فقيها

فى نديم وقينة و حبيب # و مدام و سبّ من لام فيها

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، الوافى جـ 1 ص 188 رقم 116، فوات الوفيات جـ 3 ص 271 رقم 422 السلوك جـ 1 ص 414، الذيل على الروضتين ص 199، شذرات الذهب جـ 5 ص 284.

(2) هو أحمد بن يحيى بن هبة اللّه، صدر الدين بن سنى الدولة.

(3) باب الساعات-باب الزيادة: و هو الباب القبلى للجامع الأموى بدمشق-الدارس جـ 1 ص 114 هامش (3) .

190

محمد بن‏ (1) عبد الصمد بن عبد اللّه بن حيدرة فتح الدين بن العدل، محتسب دمشق، و كان‏ (2) من الصدور المشكورين، حسن الطريقة، و جدّه العدل نجيب الدين أبو محمد عبد اللّه‏ (3) بن حيدره، هو واقف المدرسة بالزبدانى فى سنة تسعين و خمسمائة.

توفى محمد بن عبد الصمد المذكور فى مستهل جمادى الآخرة من هذه‏[405] السنة، و تولى فى الحسبة أخوه ناصر الدين.

القرطبى-صاحب المفهم فى شرح مسلم.

أحمد (4) بن عمر بن إبراهيم بن عمر أبو العباس الأنصارى القرطبى المالكى، الفقيه، المحدّث، المدرس بالإسكندرية.

ولد بقرطبة سنة ثمان و سبعين و خمسمائة، و سمع الكثير هناك، و اختصر الصحيحين‏ (5) ، و شرح صحيح مسلم بكتابه المسمى بالمفهم‏ (6) ، و فيه أشياء حسنة مفيدة، توفى فى هذه السنة.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، الوافى جـ 3 ص 257 رقم 1284، البداية و النهاية جـ 13 ص 213.

(2) «و كانوا» فى الأصل، و التصحيح يتفق مع السياق.

(3) «ابن عبد اللّه» فى الأصل، و التصحيح مع البداية و النهاية، و الدارس جـ 1 ص 275.

(4) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى جـ 1 ص 44 رقم 229، الديباج المذهب جـ 1 ص 240 رقم 126، شذرات الذهب جـ 5 ص 273، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 95-96، العبر جـ 5 ص 226-227، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 69، الوافى جـ 7 ص 264 رقم 3230.

(5) انظر كشف الظنون جـ 1 ص 554.

(6) هو كتاب «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» -هدية العارفين جـ 1 ص 96، كشف الظنون جـ 2 ص 1777.

191

الكمال إسحاق‏ (1) بن أحمد بن عثمان، أحد مشايخ الشافعية، أخذ عنه الشيخ محيى الدين النووى‏ (2) و غيره، و كان مدرسا بالرواحية (3) ، و كانت وفاته فى ذى القعدة من هذه السنة.

العماد داود (4) بن عمر بن يحيى بن عمر بن كامل أبو المعالى و أبو سليمان الزبيدى المقدسى، ثم الدمشقى خطيب بيت الآبار (5) .

و قد خطب بدمشق ست سنين بعد انفصال الشيخ عز الدين بن عبد السلام عنها، و درس بالغزالية (6) ، ثم عزل عنها، و عاد إلى بيت الآبار، فمات بها فى هذه السنة.

شيخ الشيوخ ببغداد على‏ (7) بن محمد بن الحسين، صدر الدين أبو الحسن بن النيار.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 205، 227، فقد ذكره الذهبى فى وفيات 650 هـ، 656 كما ورد فى شذرات الذهب فى وفيات 650 هـ-شذرات الذهب جـ 5 ص 249، و انظر أيضا طبقات الشافعية الكبرى جـ 8 ص 126، رقم 1114.

(2) هو يحيى بن شرف النووى، المتوفى سنة 676 هـ/1277 م-المنهل الصافى.

(3) المدرسة الرواحية بدمشق: أنشأها زكى الدين أبو القاسم، التاجر المعروف بابن رواحة، المتوفى سنة 622 هـ/1225 م-الدارس جـ 1 ص 265.

(4) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 126، شذرات الذهب جـ 5 ص 275، العبر جـ 5 ص 229.

(5) بيت الآبار: جمع بئر: قرية يضاف إليها كورة من غوطة دمشق-معجم البلدان.

(6) المدرسة الغزالية بدمشق: فى الزاوية الشمالية الغربية من الجامع الأموى-الدارس جـ 1 ص 413، 420.

(7) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، البداية و النهاية جـ 13 ص 213.

192

كان أولا مؤدّبا للإمام المستعصم باللّه، فلما صارت إليه الخلافة رفعه‏ (1) رفعة عظيمة، و ولاه مشيخة الشيوخ ببغداد، و انتظمت إليه أزمة الأمور برهة من الدهر، ثم أنه ذبح بدار الخلافة كما تذبح الشاة، فى هذه السنة، و ذلك فى وقعة التتار.

و كان أول ما مثل المستعصم باللّه هاذين البيتين، و ذلك حين أراد تعليمه فى أول أمره و هما:

ما طار بين الخافقين # أقلّ عقل من معلّم

و لقد دخلنا فى الصناعة # ربّ سلّم ربّ سلّم‏

الشيخ العابد الزاهد على‏ (2) الخباز.

كان له أتباع و أصحاب ببغداد، و له زاوية يزار فيها، قتلته التتار، و ألقى على مزبلة بباب زاويته ثلاثة أيام حتى أكلت الكلاب من لحمه، و يقال إنه أخبر بذلك عن نفسه فى حياته.

الشيخ العارف أبو الحسن على‏ (3) بن عبد اللّه، من ولد الحسن بن على بن أبى طالب، الشاذلى الضرير.

مات بصحراء عيذاب و هو قاصد الحجاز، و دفن بحميثرا (4) حيث توفى.

____________

(1) «نال» فى الأصل، و مصححة فى الهامش.

(2) و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 233، شذرات الذهب جـ 5 ص 280.

(3) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، العبر جـ 5 ص 232-233، السلوك جـ 1 ص 414، شذرات الذهب جـ 5 ص 278.

(4) حميثرى: منزلة بالقرب من الحد الفاصل بين مصر و السودان جنوب غرب عيذاب، و على بعد 140 كم منها-القاموس الجغرافى ق 1 جـ 1 ص 339.

193

و كان أحد المشايخ المشهورين بمعرفة الطريق، و له فى ذلك كلام كثير، و تصانيف معروفة (1) ، و نسبته إلى شاذلة قرية بإفريقية ورد منها[406]إلى الإسكندرية و سكنها، و حج مرارا، و صحبته جماعة فانتفعوا بصحبته، و له حزب يقرأه الناس مشتمل على أدعية مباركة و لطائف حسنة يتبرك بقراءته.

الخطيب أبو عبد اللّه‏ (2) محمد بن إسماعيل بن أحمد بن أبى الفتح المقدسى خطيب مردا (3) .

سمع الكثير، و عاش تسعين سنة، و قدم فى سنة ثلاث و خمسين، فسمع الناس عليه الكثير بدمشق، ثم عاد فمات ببلده فى هذه السنة.

النجيب نصر اللّه‏ (4) بن أبى العز مظفر بن أبى طالب عقيل بن حمزة، نجيب الدين ابن شقيشقة الدمشقى المحدّث.

أحد العدول بدمشق، سمع الحديث و عنى به، و وقف داره بدرب البانياسى على المحدثين‏ (5) .

____________

(1) انظر هدية العارفين جـ 1 ص 709.

(2) و له أيضا ترجمة فى العبر جـ 5 ص 235، السلوك جـ 1 ص 414، شذرات الذهب جـ 5 ص 283.

(3) «بردى» فى الأصل، و التصحيح من مصادر الترجمة. و ورد فى البداية و النهاية «خطيب براد» -جـ 13 ص 213.

(4) و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 236-237، الذيل على الروضتين ص 201، شذرات الذهب جـ 5 ص 285 الدارس جـ 1 ص 80-81.

و ورد اسمه «التجيب بن شعيشعة الدمشقى» و أن وفاته سنة 657 هـ، انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 217.

(5) هى دار الحديث الشقيشقية بدرب البانياسى بدمشق-الدارس جـ 1 ص 80.

عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان-م 13

194

و قال ابن كثير: و قد سكنها شيخنا الحافظ أبو الحجاج‏ (1) المزّى قبل انتقاله إلى دار الحديث الأشرفية بدمشق‏ (2) .

و قال أبو شامة: و كان ابن شقيشقة و هو النجيب أبو الفتح نصر اللّه بن أبى العز بن أبى طالب الشيبانى، مشهورا بالكذب ورقة الدين و غير ذلك، و هو أحد الشهود المقدوح فيهم، و لم يكن بحال أن يؤخذ عنه.

قال: و قد أجلسه أحمد بن يحيى بن هبة اللّه الملقّب بالصدر بن سنى الدولة فى حال ولايته قضاء القضاة بدمشق، فأنشد فيه بعض الشعراء:

جلس الشقيشقة الشقى ليشهدا # بأبيكما ما ذا عدا فيما (3) بدا

هل زلزل الزلزال أم قد أخرج الـ # دجال أم عدم الرجال ذوو الهدى

عجبا لمحلول العقيدة جاهل # بالشرع قد أذنوا له أن يعقدا (4)

أبو عبد اللّه الفاسى‏ (5) ، شارح الشاطبية، اشتهر بالكنية، قيل: إن اسمه القاسم.

____________

(1) هو يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج المزى، المتوفى سنة 742 هـ/1341 م -المنهل الصافى.

(2) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 217-218.

(3) «مما» فى الذيل على الروضتين ص 201.

(4) انظر الذيل على الروضتين ص 201.

(5) هو محمد بن حسن بن محمد بن يوسف المغربى، الإمام أبو عبد اللّه الفاسى.

و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، الذيل على الروضتين ص 199، الوافى جـ 2 ص 354 رقم 820، العبر جـ 5 ص 235، شذرات الذهب جـ 5 ص 281-282.

غ

195

و كان عالما فاضلا فى العربية و القراءات، و قد أجاد فى شرحه للشاطبية و أفاد، و استحسنه الشيخ شهاب الدين أبو شامة شارحها أيضا، و كانت وفاته بحلب فى هذ السنة.

سيف الدين ابن صبره‏ (1) متولى شرطة دمشق، ذكر أبو شامة أنه حين مات جاءته حية، فنهشت أفخاذه و يقال: إنها إلتفت فى أكفانه و أعيى الناس دفعها.

قال و قيل لى: إنه كان نصيريّا[407]رافضيا خبيثا، مدمن خمر، قبحه اللّه‏ (2) .

تاج الدين أبو الفتح يحيى‏ (3) بن‏ (4) الشيخ أبى غانم محمد بن أبى الفضل هبة اللّه بن أبى غانم محمد بن أبى الفضل هبة اللّه بن أبى الحسن أحمد بن يحيى بن زهير (5) بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد اللّه بن محمد[بن‏ (6) ]عامر أبى جرادة بن ربيعة ابن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل العقيلى الحلبى الحنفى، المنعوت بالتاج، المعروف بابن العديم.

مات فى سحر النصف من شهر صفر من هذه السنة بحلب و دفن يومه بالمقام، و مولده بحلب فى النصف من ذى الحجة سنة ثمانين و خمسمائة، سمع من أبيه ابن

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: الذيل على الروضتين ص 200.

(2) انظر الذيل على الروضتين ص 200.

(3) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، السلوك جـ 1 ص 413.

(4) «بن» مكررة فى الأصل.

(5) «بن زيد» فى السلوك جـ 1 ص 413.

(6) []إضافة من السلوك.

196

غانم، و عمه أبى الحسن، و من الشريف أبى هاشم عبد المطلب‏ (1) بن الفضل الهاشمى، و من الشيخ تاج الدين الكندى‏ (2) بدمشق و آخرين، و هو من بيت مشهور.

الشيخ الجليل الأصيل أبو عبد اللّه محمد (3) بن أبى الحسن أحمد بن أبى الفضل هبة اللّه بن محمد بن هبة اللّه بن أحمد بن يحيى بن زهير (4) بن هارون، المعروف بابن أبى جرادة الحلبى الحنفى، المنعوت بالمحى، المشهور بابن العديم.

مات فى العاشر من جمادى الآخرة من هذه السنة بحلب، و دفن فى مقام إبراهيم عليه السلام، خارج باب العراق، و مولده فى الثالث من رجب سنة تسعين و خمسمائة بحلب، سمع من أبيه و عمه أبى غانم و بدمشق من تاج الكندى و آخرين.

و كان رئيسا مقدّما، و بيته معروف بالعلم و الحديث و الرئاسة، و قد تقدم الان ذكر ابن عمه أبى الفتح المنعوت بالتاج.

الشريف أبو الحسن على بن أبى على الحسن بن زهرة أبى الحسن بن زهرة ابن على بن محمد العلوى الحسينى الإسحاق الحلبى.

____________

(1) هو عبد المطلب بن الفضل العباسى، الافتخار الهاشمى، أبو هاشم، المتوفى سنة 616 هـ/ 1219 م-العبر جـ 5 ص 62.

(2) هو زيد بن الحسن بن زيد البغدادى، تاج الدين الكندى، أبو اليمن، المتوفى سنة 613 هـ/ 1216 م-العبر جـ 5 ص 44-45.

(3) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، السلوك جـ 1 ص 413.

(4) «بن زيد» فى السلوك جـ 1 ص 413.

197

مات بحلب فى العشر الأواخر من صفر من هذه السنة، و ولد بها فى الثانى عشر من شعبان سنة اثنتين و تسعين و خمسمائة.

كانت له معرفة بالحديث، و الفقه، و القراءات، و التواريخ، و العربية، و له نظم جيد و ترسّلّ حسن، و كتب الإنشاء بحلب مدة، و ترسل إلى بغداد، و ولى نقابة الأشراف بحلب، و سمع من غير واحد من الشيوخ، و حدّث.

الشيخ أبو المناقب محمود بن أحمد، الفقيه الشافعى.

و كان رئيس‏[408]الشافعية ببغداد، قتل شهيدا فى وقعة التتار.

الأمير الأديب سيف الدين أبو الحسن على‏ (1) بن قزل بن جلدك.

مات بدمشق فى هذه السنة، و مولده بمصر، و تولّى شدّ الدواوين بالديار المصرية مدة، و كان أميرا مقدما فى دولة الملك الناصر يوسف صاحب الشام، و له شعر حسن، فمنه قوله:

باكر كؤوس المدام و اشرب # و استجل وجه الحبيب و اطرب

و لا تخف للهموم داء # فهو دواء له مجرّب

فى يد ساق له رضاب # كالشهد لكن جناه أعذب‏

(2)

____________

(1) هو على بن عمر بن قزل بن جلدك الياروقى التركمانى، المعروف بالمشد، و قد سبق أن ذكره المؤلف فى وفيات سنة 655 هـ، ص 161-انظر المنهل الصافى، و السلوك جـ 1 ص 413، فوات الوفيات جـ 3 ص 51 رقم 345، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 64، .

(2) «كالمسك لابل جناه أطيب» -فى فوات الوفيات جـ 3 ص 52.

198

الملك الناصر داود (1) بن الملك المعظم عيسى بن السلطان الملك العادل أبى بكر ابن أيّوب.

توفى فى هذه السنة بظاهر دمشق فى قرية يقال لها البويضاء، و مولده سنة ثلاث و ستمائة، و كان عمره نحو ثلاث و خمسين سنة، و قد ذكرنا أحواله و ما جرى عليه فى السنين الماضية، و كان أصاب الناس فى الشام فى تلك المدة و باء مات فيه الناصر داود، و خرج الملك الناصر يوسف صاحب دمشق إلى البويضاء، و أظهر عليه الحزن و الأسف، و نقله و دفنه بالصالحية فى تربة والده الملك المعظّم.

و كان الناصر داود فاضلا، ناظما، ناثرا، و قرأ العلوم العقلية على الشيخ شمس الدين الخسرو شاهى تلميذ الإمام فخر الدين الرازى‏ (2) ، و كان حنفى المذهب مثل والده.

و له أشعار جيّدة، فمنها قوله:

عيون عن السّحر المبين تبين # لها عند تحريك القلوب سكون

تصول ببيض و هى سود فرندها # ذبول فتور و الجفون جفون

إذا ما رأت قلبا خليّا من الهوى # تقول له كن مغرما فيكون‏ (3)

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، درة الأسلاك ص 16، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 61، العبر جـ 5 ص 229، فوات الوفيات جـ ص 419 رقم 149، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 126 -178، السلوك جـ 1 ص 412، المختصر جـ 3 ص 195-196، الذيل على الروضتين ص 200، شذرات الذهب جـ 5 ص 275.

(2) هو محمد بن عمر بن الحسين الرازى، فخر الدين، المعروف بابن الخطيب، و المتوفى سنة 606 هـ/1209 م-وفيات الأعيان جـ 4 ص 248 رقم 600.

(3) انظر المختصر جـ 3 ص 195، و ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 152-153.

199

و له أيضا:

طرفى و قلبى قاتل و شهيد # و دمى على خديك منه شهود

أما و حبّك لا أضمر سلوة # عن صبوتى و دع الفؤاد يبيد

منّى بطيفك بعد ما منع الكرى # عن ناظرىّ البعد و التسهيد

و من العجائب أن قلبك لم يلن # لى و الحديد ألانه داود (1)

[409]و قال أبو شامة: و كان الملك الناصر داود سلطان دمشق بعد أبيه نحوا من سنة، ثم اقتصر له على الكرك و أعماله، ثم سلب ذلك كله و صار متنقلا (2) فى البلاد موكلا عليه، و تارة فى البرارى‏ (3) إلى أن مات موكّلا عليه بالبويضاء، و هى‏ (4) قرية قبلىّ دمشق، كانت تكون لعمه مجير الدين بن العادل و حمل منها، فصلى عليه عند باب النصر، و دفن بجبل قاسيون عند أبيه بالمقبرة المعظمية بدير مران، و خلّف أولادا كثيرة (5) .

الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ (6) صاحب الموصل.

____________

(1) انظر المختصر جـ 3 ص 196.

(2) «منتقلا» فى الذيل على الروضتين.

(3) توجد فى هذا الموضع جملة مكررة، و ملغاة.

(4) «و هى» ساقط من الذيل على الروضتين.

(5) انظر الذيل على الروضتين ص 200.

(6) هو لؤلؤ بن عبد اللّه، السلطان الملك الرحيم، الأرمن الأتابكى النورى، و له أيضا ترجمة فى:

المنهل الصافى، البداية و النهاية جـ 13 ص 314 و قد ورد ذكر وفاته سنة 657 هـ فى درة الأسلاك ص 21، المختصر جـ 3 ص 198، الذيل على الروضتين ص 203، العبر جـ 5 ص 240، شذرات الذهب جـ 5 ص 289، و ورد ذكر وفاته سنة 659 هـ/1261 م فى جامع التواريخ المجلد الثانى جـ 1 ص 327 و ما بعدها.

200

توفى فى شعبان من هذه السنة، عن ثمانين سنة، و قد ملك الموصل نحوا من خمسين سنة.

و كان ذا عقل و دهاء و مكر، لم يزل يعمل على أولاد أستاذه، و زالت الدولة الأتابكية عن الموصل، و قد ذكرنا مسيره إلى هلاون اللعين، فمكث بعد مرجعه بالموصل أياما يسيرة، ثم مات و دفن بمدرسته البدرية بالموصل، فتأسّف الناس عليه لحسن سيرته و جودته و عدله.

و قد جمع له الشيخ عز الدين‏ (1) بن الأثير كتابه المسمى بالكامل فى التاريخ، فأجازه عليه و أحسن إليه، و كان يعطى لبعض الشعراء ألف دينار و غيرها.

و قام فى الملك بعده ولده الصالح إسماعيل.

و قد كان بدر الدين لؤلؤ أرمنيّا اشتراه رجل خياط، ثم صار إلى الملك نور الدين أرسلان‏ (2) بن عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى بن آقسنقر الأتابكى صاحب الموصل، و كان مليح الصورة فحظى عنده، و تقدّم فى دولته إلى أن صارت الكلمة دائرة عليه، و الوفود من سائر جهات ملكهم إليه، ثم أنه أخنى على أولاد أستاذه فقتلهم غيلة، واحدا بعد واحد، إلى أن لم يبق معه أحد منهم، فاستقلّ بالمملكة حينئذ، وصفت له الأمور و راقت.

____________

(1) هو على بن محمد بن محمد بن عبد الكريم، المعروف بابن الأثير الجزرى، عز الدين، المتوفى سنة 630 هـ/1232 م-وفيات الأعيان جـ 3 ص 348 رقم 460.

(2) هو أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود، الملك العادل، المتوفى سنة 607 هـ/1210 م-وفيات الأعيان جـ 1 ص 193 رقم 82.

201

و كان يبعث فى كل سنة إلى مشهد على رضى اللّه عنه قنديلا زنته ألف دينار.

و كان قد بلغ من العمر فوق ثمانين سنة، فكأنه شابّ حسن الشباب من نضارة وجهه و حسن شكله، و كانت العامّة تلقبه بقضيب الذهب، و كان ذا همّة عالية، و داهية، شديد المكر، بعيد الغور.

[410]و قال بيبرس: و استقرّ بعده ولده الملك الصالح إسماعيل، و أما ولده علاء الدين على فإنه فارق أخاه و حضر إلى الشام، و كان منهما ما نذكره‏ (1) ، إن شاء اللّه تعالى:

بيجو (2) : و يقال له باجو أيضا، مقدّم التتار.

هلك فى هذه السنة. و يقال: إن هلاون نقم عليه لما بلغه من إضمار الخلاف، و إنه قصد التأخر عنه لما استدعاه، و أراد الإنفراد ببلاد الروم، فلما فرغ هلاون من فتوح بغداد و بلاد العراق دسّ إليه سمّا، فشربه فمات.

و قيل: إنه كان أسلم قبل موته، و لما احتضر أوصى بأن يغسل و يدفن على عادة المسلمين.

و كان له من الأولاد أفاك و سكتاى، و أفاك هذا هو أبو سلامش و قطقطو الوافدين إلى الديار المصريّة على ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) انظر زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 35 ب.

(2) انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 384 و ما بعدها.

202

الوزير ابن العلقمى الرافضى قبّحه اللّه، و اسمه محمد (1) بن أحمد (2) بن على بن أبى طالب، الوزير مؤيّد الدين بن العلقمى البغدادى.

خدم فى أيام المستنصر باللّه استادار الخلافة مدة طويلة، ثم استوزره المستعصم باللّه، و لم يكن وزير صدق، فإنه كان من الفضلاء الأدباء إلا أنه كان رافضّيا خبيثا، ردئ الطويّة على الإسلام و أهله، و قد حصل له من التعظيم و الوجاهة فى أيام المستعصم ما لم يحصل لكثير من قبله من الوزراء، ثم مالأ على الإسلام و أهله التتار، أصحاب هلاون، حتى جاءوا فجاسوا خلال الديار، و كان أمرا مفعولا، ثم حصل له من الأهنه فى أيامهم و القلّة و الذّلة و زوال ستر اللّه ما لا يحد و لا يوصف.

رأته امرأة و هو راكب فى أيام التتار برذونا و سائق يضرب فرسه‏ (3) ، و وقفت إلى جانبه فقالت يا بن العلقمى: هكذا كان بنو العباس يعاملونك‏ (4) ، فوقعت كلمتها فى قلبه، و انقطع فى داره إلى أن مات كمدا فى مستهل جمادى الآخرة من هذه السنة، و له من العمر ثلاث و ستون سنة، و دفن فى قبور الروافض‏ (5) ، و قد سمع

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، الوافى جـ 1 ص 184 رقم 114، فوات الوفيات جـ 3 ص 252 رقم 415، البداية و النهاية جـ 13 ص 212، العبر جـ 5 ص 235، شذرات الذهب جـ 5 ص 272، الفخرى ص 29.

(2) هكذا بالأصل، و شذرات الذهب، بينما ورد اسمه محمد بن محمد بن على فى باقى مصادر الترجمة.

(3) «و هو راكب فى أيام التتار برذونا و هو مرسم عله؛ و سائق يسوق به و يضرب قرسه» - البداية و النهاية جـ 13 ص 212.

(4) انظر نهاية الأرب جـ 23 ص 325.

(5) «الرافض» فى الأصل و التصحيح من البداية و النهاية.

203

بأذنيه و رأى بعينيه من التتار و المسلمين ما لا يحد و لا يوصف، و تولى بعده الوزارة ولده، ثم أخذه اللّه سريعا.

و قد هجاه بعض الشعراء فقال:

[411]

يا فرقة الإسلام نوحوا و اندبوا # أسفا على ما حلّ بالمستعصم

دست الوزارة كان قبل زمانه # لابن الفرات فصار لابن العلقمى‏ (1)

هذا كله ذكره ابن كثير فى تاريخه.

و قال بيبرس فى تاريخه: و أما الوزير فهو (2) مؤيّد الدين‏[محمد (3) ]بن العلقمى، فإن هلاون استدعاه بين يديه و عنّفه على سوء سيرته و خبث سريرته و ممالاته على ولىّ نعمته، و أمر بقتله جزاء لسوء فعله، فتوسّل و بذل الالتزام بالأموال‏ (4) يحملها، و إتاوة من العراق يحصّلها، فلم يذعن لقبوله و لا أجاب إلى سؤاله‏ (5) ، بل قتل بين يديه صبرا[و تحسى من يد المنون صبرا (6) ]و أوقعه اللّه فى البئر التى احتفر، و خانه فيما قدّره صرف القدر (7) .

____________

(1) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 212-213

(2) «و هو» فى زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 32 ب.

(3) []إضافة من زبدة الفكرة.

(4) «بأموال» فى زبدة الفكرة.

(5) «مسئوله» فى زبدة الفكرة.

(6) []إضافة من زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 32 ب 33 أ.

(7) زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 33 أ.

204

الصّاحبة غازية (1) خاتون، والدة الملك المنصور، بنت السلطان الملك الكامل محمد بن السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب.

توفيت فى ذى القعدة من هذه السنة بقلعة حماة، و كان قدومها إلى حماة فى سنة تسع و عشرين و ستمائة، و ولد لها من زوجها الملك المظفر (2) ثلاث بنات أيضا، فتوفيت الكبرى منهن و كان اسمها ملكة خاتون قبل وفاة والدها بقليل، و توفيت الصغرى و هى دنيا خاتون بعد وفاة أخيها الملك المنصور (3) .

و قال الملك المؤيد فى تاريخه: و ولد لها من‏ (4) الملك المظفر محمود صاحب حماة ثلاثة بنين‏ (5) ، مات أحدهم صغيرا و كان اسمه عمر، و بقى الملك المنصور [محمد (6) ]صاحب حماة، و أخوه والدى الملك‏ (7) الأفضل على، و ولد لها منه ثلاث بنات أيضا، كما ذكرنا.

و كانت غازية خاتون المذكورة من أحسن النساء سيرة و زهدا و عبادة، و حفظت الملك لولد لها الملك المنصور حتى كبر، و سلّمته إليه قبل وفاتها، رحمها اللّه‏ (8) .

____________

(1) و لها أيضا ترجمة فى: المختصر جـ 3 ص 196، و ورد ذكر وفاتها سنة 655 هـ فى ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 75-76.

(2) هو الملك المظفر الثانى تقى الدين محمود بن قلج أرسلان، ولى حكم حماة فى الفترة 626- 642 هـ/1229-1240 م-تاريخ الدول الإسلامية ص 147.

(3) هو الملك المنصور الثانى محمد بن محمود، ولى حكم حماة سنة 642 هـ/1240 م و حتى وفاته سنة 683 هـ/1284 م-العبر جـ 5 ص 345.

(4) «ابن» فى الأصل، و التصحيح من المختصر.

(5) «و ولد لها من الملك المظفر ابنان» -ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 75.

(6) []إضافة من المختصر للتوضيح.

(7) «والد الملك» فى المختصر.

(8) انظر المختصر جـ 3 ص 196.