عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - ج1

- محمد محمد أمين المزيد...
557 /
255

الأول فى اصله و مبدا امره و نسبه:
هو سيف الدين قطز بن عبد اللّه التركىّ، أخص مماليك الملك المعزّ أيبك التركمانى، أحد مماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب.

و حكى بن أبى الفوارس‏ (1) قال: كان هذا قطز مملوكا لابن العديم، أو قال لابن الزعيم، رجل من دمشق، فضربه يوما و شتمه، فبكى بكاء كثيرا و امتنع من الأكل فى ذلك اليوم. فقال له الفراش: هذا البكاء كله من ضربة أو ضربتين، فقال يا خارج: و اللّه ما أبكى للضرب، و لكن للعنته أبى و جدّى و هما خير من أبيه و جدّه فقال له الفراش: و من أبوك و جدّك، و ما كانا إلا كافرين؟فقال: لا و اللّه، بل أنا مسلم ابن مسلم إلى عشر جدود و أنا محمود بن مودود بن أخت جلال الدين خوارزم شاه السلجوقى، و لا بد أن املك مصر و أكسر التتار (2) .

و حكى تاج الدين أحمد بن الأثير الحلبى قال: لما ملك الملك المظفر قطز قال لى حسام البركتخانى: و اللّه لا يكسر التتار غيره، فقلت له: من أين لك هذا؟فقال: إنى و إياه مملوكين صبّيين عند الهيجاوى، و كان على قطز قمل كثير، فكنت أسرح رأسه و آخذ له كل قملة بفلس أو بصفعة، فسرحت رأسه يوما و صفعته صفعا كثيرا، ثم تنهّدت فقال: ما بالك؟فقلت: أتمنى على اللّه إمرة خمسين فارسا. فقال و رأسه فى حجرى: طيب قلبك، انا أعطيك إمرة

____________

(1) هو محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن عبد العزيز بن أبى الفوارس، العدل أمين الدين الجزرى- كنز الدرر جـ 8 ص 39.

(2) كنز الدرر جـ 8 ص 39-40.

256

خمسين فارسا، فضحكت و صفعته صفعة قوية، و قلت له: من أين لك هذا؟ قال: رأيت النبىّ صلى اللّه عليه و سلم و قال لى: أنت تملك مصر و تكسر التتار.

قال: فسكتّ، و كنت أعرف منه الصدق، و ما أشك فى أنه يكسر التتار، فلم تمض إلا مدة يسيرة حتى خرج و كسر التتار (1) .

و قال القاضى تاج الدين: ثم رأيت حسام الدين البركتخانى المذكور بمصر بعد كسر[440]التتار، و هو أمير خمسين فارسا.

و قال ابن كثير: و قد حكى الشيخ قطب الدين اليونينى فى الذيل عن الشيخ علاء الدين‏[على‏ (2) ]بن غانم عن المولى تاج الدين أحمد بن الأثير، كاتب السر فى أيام الملك الناصر صاحب دمشق، قال: لما كنا مع السلطان الناصر بوطأة برزة (3) ، كانت البريديّة يخبرون بأن المظفر قطز قد تولى سلطنة الديار المصرية، فقلت ذلك للسلطان. فقال: اذهب إلى فلان و فلان‏ (4) و أخبرهم بهذا، فلما خرجت من عنده لقينى بعض الأجناد (5) ، فقال لى: جاءكم الخبر من الديار المصريّة بأن قطز تملك. قلت: ما عندى من هذا علم، و ما يدريك أنت هذا؟فقال:

بلى و اللّه إنه سيلى المملكة و يكسر التتار. فقلت: من أين تعلم هذا؟قال: كنت أخذته و هو صغير و عليه قمل كثير، فكنت أفليّه و أهينه. فقال لى: ويلك إش

____________

(1) كنز الدرر جـ 8 ص 42.

(2) []إضافة من ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 281 للتوضيح.

(3) «فى أواخر سنة سبع و خمسين و ستمائة» فى ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 381-382.

(4) «الأمير ناصر الدين القيمرى و الأمير جمال الدين بن يغمور» -ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 382.

(5) «لقبنى حسام الدين البركة خانى» -ذيل مراة الزمان.

غ

257

تريد أن أعطيك إذا تملكت الديار المصريّة. فقلت: أنت مجنون. فقال: لا و اللّه لقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فى المنام و قال لى: أنت تملك الديار المصريّة و تكسر التتار، و قول رسول اللّه عليه السّلام حق لا شك فيه. فقلت له حينئذ و كان صادقا: فأريد منك إمرة خمسين. فقال: نعم.

قال ابن الأثير: فلما قال لى هذا قلت: هذه كتب المصريين بأنه تولى السلطنة. فقال: و اللّه ليكسرنّ التتار، فكان كما قال.

قال: و لما رجع الناصر يوسف إلى ناحية الديار المصريّة و أراد دخولها فلم يدخل و رجع عنها، و دخلها أكثر الجيوش، كان هذا الحاكى فى جملة من دخلها، فأمرّه المظفّر قطز إمرة خمسين فارسا، و وفّى له بالوعد، و هو الأمير كمال الدين البركختانى‏ (1) .

قال ابن الأثير: فلقبنى بالديار المصرية بعد أن تأمّر فذكرنى بما كان أخبرنى عن المظفر، فذكرته، ثم كانت وقعة التتار على إثر ذلك‏ (2) .

و فى تاريخ النويرى: و حكى عز الدين بن أبى الهيجاء قال: حدثنى بلقاق عن بدر الدين بكتوت الأتابكى قال: كنت أنا و قطز و بيبرس البندقدارىّ خشداشيّة فى حال الصبا، فرأينا يوما منجما فى بعض الطرقات بالديار المصريّة فوقفنا عليه، فقال له قطز: أبصرلى، فضرب‏[بالرمل‏ (3) ]و جعل يصوّب فيه النظر. و قال: إلى هذا العجب. فقال له: قل. فقال: أنت تملك مصر و تكسر التتار، فضحكنا

____________

(1) هكذا فى الأصل، و ورد «البركة خانى» فى ذيل مرآة الزمان.

(2) البداية و النهاية جـ 13 ص 226، و ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 381 و ما بعدها.

(3) []إضافة من ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 384 للتوضيح.

258

منه، ثم قال له بيبرس: أبصر[441]لى، فضرب و جعل يصوّب النظر إلى الآخر و يتعجّب. فقال له: قل. فقال: أنت أيضا تملك مصر و يطول ملكك، فضحكنا، ثم قلت له: فابصر لى، فضرب و قال: أنت يحصل لك إمرة كبيرة و هذا سهبها، و أشار إلى بيبرس البندقدارى، و يقتل هذا و أشار إلى قطز، فو اللّه ما خرم من قوله ذرة (1) .

و حكى ركن الدين الجزرى أستاذ الفارس أقطاى قال: كنا عند قطز فى فى أول دولة استاذه الملك المعزّ أيبك، و قد حضر عنده منجم مغربىّ موصوف بالحذق، فأمر من كان هناك بالإنصراف إلا أنا. و قال للمنجم: اضرب و انظر من يملك مصر بعد أستاذ المعزّ و يكسر التتار، فضرب و جعل يعدّ على أصابعه و قال: يطلع لى اسم فيه خمس حروف بلا نقط، و أبوه أيضا كذلك، و أنت فاسمك ثلاثة أحرف، فتبسّم قطز و قال له: لم لا تقول محمود بن مودود؟فقال المنجم: هو و اللّه هذا. قال قطز: أنا محمود بن مودود، أنا الذى أكسر التتار و آخذ بثأر خالى خوارزم شاه منهم.

و أمّا مبدأ أمر قطز فإنّ السلطان الملك المعزّ أيبك اشتراه و هو أمير، فربّاه و أحسن تربيته، و لما قتل‏ (2) أستاذه قام فى تولية ابنه الملك المنصور نور الدين على ابن المعز، و كان حينئذ أتابك العساكر بالديار المصرية، و لما سمع بأمر التتار خاف أن تختلف الكلمة بسبب صغر ابن أستاذه، فعزله و دعا إلى نفسه، فبويع

____________

(1) فقلا عن نهاية الأرب بتصرف جـ 27 ورقة 137.

(2) «قام» فى الأصل، و هو تحريف، و التصحيح يتفق و سير الأحداث، و مع ما ورد فى البداية و النهاية جـ 13 ص 225.

259

له فى ذى القعدة سنة سبع و خمسين و ستمائة، فقدر اللّه على يديه نصرة الإسلام بعين جالوت كما ذكرنا.

الثانى فى سيرته:
كان شجاعا، بطلا، كثير الخير، محبّا للإسلام و أهله، و هم يحبّونه، و ذكر عنه أنه لما كان فى المعركة يوم عين جالوت قتل جواده و لم يجد أحدا فى الساعة الراهنة من الوشاقيّة (1) الذين معهم الجنائب، فترجل، و بقى كذلك واقفا على الأرض، ثابتا فى محل المعركة و موضع السلطنة من القلب، فلما رآه بعض الأمراء ترجّل عن فرسة و حلف على السلطان ليركب، فامتنع السلطان و قال: ما كنت لأحرم المسلمين نفعك، و لم يزل كذلك حتى جاءت الوشاقيّة، فركب، فلامه بعض الأمراء و قال ياخوند: لم لا ركبت فرس فلان؟فلو كان رآك بعض الأمراء لقتلك و هلك الإسلام بسببك. فقال: أما أنا فكنت أروح إلى الجنة[442]، و أما الإسلام فله ربّ لا يضيّعه، قد قتل فلان و فلان و فلان و عدد خلقا من الملوك، فلم يضيّع اللّه الإسلام‏ (2) .

و كان حين ساق من الديار المصرية كان فى خدمته خلق من كبار الأمراء من البحريّة و غيرهم، و معه الملك المنصور صاحب حماة، و جماعة من أبناء الملوك، فأرسل إلى صاحب حماة يقول له: لا تعتنى بمدّ سماط فى هذه الأيام، و ليكن مع الجندى لحمه فى سولقه يأكلها، و العجل العجل.

____________

(1) الأوشاقية أو الأوجاقية: جمع أوشاق أو أوجاق: فرقة من خدم السلطان عملها ركوب الخيل للتسبير و الرياضة-صبح الأعشى جـ 5 ص 454.

(2) انظر ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 280-281، البداية و النهاية جـ 13 ص 225.

260

و كان اجتماعه بعدوه كما ذكرنا فى العشر الأخير من رمضان، يوم الجمعة، و هذه بشارة عظيمة، فإن وقعة بدر كانت يوم جمعة فى شهر رمضان، و لهذا نصر اللّه تعالى الإسلام نصرا عزيزا.

و قال أبو شامة: و كان سيف الدين قطز هذا موصوفا بمواظبة الصلوات، و الشجاعة، و تجب شرب الخمر (1) .

الثالث فى مدّة سلطنته:
ذكرنا أنه قتل يوم السبت السادس‏ (2) عشر من ذى القعدة بين الغرابىّ و الصالحيّة، و دفن بالقصير، و كان قبره يزار، فلما تمكن الظاهر بيبرس فى المملكة بعث إلى قبره فغيّبة عن الناس، و كان لا يعرف بعد ذلك، و كانت مدّة مملكته أربعة عشر شهرا و ثلاثة عشر يوما.

و قال الملك المؤيّد: و كانت مدّة سلطنته أحد عشر شهرا و ثلاثة عشر يوما (3) .

____________

(1) الذيل على الروضتين ص 210.

(2) فيما سبق، و فيما يلى: السبت سابع عشر ذى القعدة. و القول بأن 16 ذى القعدة 658 هـ يوافق يوم السبت يتفق مع ما جاء فى التوفيقات الإلهامية.

(3) المختصر جـ 3 ص 207.

261

ذكر سلطنة الملك الظّاهر

و هو الأسد الضارى بيبرس البندقدارىّ.

و لما وصل بيبرس، و هو و الجماعة الذين قتلوا الملك المظفر المذكور إلى الدهليز، كان عند الدهليز نائب السلطنة فارس الدين أقطاى المستعرب، و هو الذى كان أتابكا لنور الدين على بن الملك المعزّ أيبك التركمانى بعد الحلبىّ، فلما تسلطن قطز أقرّه على نيابة السلطنة بالديار المصريّة، فلما وصل بيبرس البندقدارىّ مع الجماعة الذين قتلوه سأله أقطاى المستعرب. و قال: من قتله منكم؟فقال بيبرس: أنا قتلته. قال أقطاى: ياخوند اجلس فى مرتبة السلطنة مكانه، فجلس و استدعيت العساكر للتحليف، فحلفوا له فى اليوم الذى قتل فيه قطز، [و هو سابع عشر ذى القعدة من هذه السنة، أعنى سنة ثمان و خمسين و ستمائة (1) ] و استقر بيبرس فى السلطنة، و تلقب بالملك القاهر، ثم بعد[443]ذلك غيّر لقبه، و تلقّب بالملك الظاهر، لأنه بلغه أن القاهر لقب غير مبارك.

و كان بيبرس هذا قد سأل من قطز نيابة حلب، فلم يجبه إليها، ليكون ما قدر اللّه تعالى، فكأنّ القدر قال له حين سأل نيابة حلب: لا تستعجل فإنك عن قريب تتولى السلطنة، و لما حلف الناس له بالصالحية، ساق فى جماعة من أصحابه و سبق العسكر إلى قلعة الجبل، ففتحت له و دخلها، و استقرّت قدمه فى المملكة.

____________

(1) []إضافة من المختصر جـ 3 ص 208.

262

و كانت مصر و القاهرة قد زينتا لقدوم الملك المظفر قطز، فاستمّرت الزينة للملك الظاهر بيبرس البندقدارى‏ (1) ، فسبحان اللّه الفعال لما يريد.

و قال ابن كثير: و لما قتل الأمراء السلطان المظفر قطز حاروا فيما بينهم لمن يملكون عليهم، و صار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك، و أنه يقتل سريعا (2) ، ثم اتفقت كلمتهم على أن بايعوا الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارىّ، و لم يكن من أكابر المقدمين و لكن أرادوا أن يجرّبوا فيه، و لقبوه الملك القاهر، فقال له الوزير: إن هذا اللقب لم يفلح من تلقب به، فقد تلقب به القاهر بن المعتضد، فلم تطل أيامه حتى خلع و سمل، و تلقب به القاهر بن صاحب الموصل، فسمّ فمات‏ (3) .

قلت: لما قتل الأمير بيدرا السلطان الملك الأشرف خليل بن الملك المنصور قلاون على الطرانة، كما يجى‏ء فى موضعه، تسلطن و تلقب بالملك القاهر، و ضربت رقبته من يومه.

و لما سمع بيبرس بذلك عدل عن القاهر إلى الملك الظاهر.

و قال بيبرس فى تاريخه: استقرّ الملك الظاهر فى السلطنة يوم قتل المظفر و هو يوم السبت السابع عشر من ذى القعدة من هذه السنة (4) ، و طلع القلعة سحر يوم الإثنين التاسع عشر منه، و ابتدأ بأخلاف الأمراء و الأكابر و سائر العساكر و الوزراء و الحكام و أرباب الوظائف و الأقلام على الإختلاف فى مراتبهم

____________

(1) المختصر جـ 3 ص 297-208.

(2) «و أن يصيبه ما أصاب غيره سريعا» البداية و النهاية جـ 13 ص 223.

(3) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 223.

(4) و يتفق ابن عبد الظاهر مع العينى فى أن السبت 17 ذى القعدة 658 هـ هو يوم مقتل قطز و تولية بيبرس-الروض الزاهر ص 68.

263

و طبقاتهم، فحلفوا جميعا، و صرف همته إلى تدبير دولته و تمهيد مملكته و استمالة الخواطر و استجلاب قلوب الأكابر[444]و التحيل على من تجب الحيلة عليه، و الترغيب لمن تميّله الرغبة إليه، و انقضت هذه السنة و لم يركب موكب السلطنة حتى وكّد الأسباب، و سدّ ما يخاف فتحه من الأبواب‏ (1) .

و قال بيبرس أيضا: لما قتلوا قطز كانت أوائل العسكر قد وصلت إلى المنزلة، و لم يشعروا بما كان، و لا علموا بعدم السلطان، ثم لما نزل الأمراء الذين قتلوه و تشاوروا فيمن يقوم بالأمر و تردّد الكلام بينهم، فمنهم من يظهر الامتناع و منهم من يأبى الاستماع، فقال لهم الأمير فارس الدين أقطاى الأتابك المستعرب: من هو الذى علاه بسيفه و عاجله أولا بحتفه؟فقالوا: الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى. فقال: الضارب الأول أولى، و نحن نراه للملك أهلا، فأجمعوا رأيهم عليه و أجلسوه على الطراحة الملوكيّة، و وقفوا بين يديه، و رأوا أن المصلحة فى السرعة و طلوع القلعة قبل أن يفش الأمر، و يشعر به خوشداشية المظفر و إلزامه، فربما ينتقض ما أبرم أحكامه، فركبوا مسرعين، و ساروا سابقين، و قدّموا الأمير عزّ الدين أيدمر الحلّى ليسبقهم إلى القلعة، فيستفتح لهم الأبواب و يستصلح النّواب، فسبق و طلع إليها، و تحدث مع الأمراء المقيمين بها، و أعلمهم أن المظفر قد قتل، و البندقدارىّ قد ملك، و وصل، و أن اتفقوا على الرضى به و الحلف له، فاستحلفهم الأيمان المؤكّدة، و قرّر معهم القاعدة، و أقبل الركن البندقدارىّ، فتوقل غارب قلّتها (2) ، و تسنّم كاهل

____________

(1) هذه العبارات ساقطة من مخطوط زبدة الفكرة التى بين أيدينا و موضعها فيما بين ورقة 40 ب و 41 أ.

(2) أى صعد إلى أعلى مكان بالقلعة-انظر مواد: و قل-غرب-قلة-فى القاموس.

264

ذروتها، بغير ممانع يمانعه، و لا معارض يعارضه، و رحل العسكر من تلك المنزلة على الإثر و قد تنسّموا أنفاس الخبر، فوصلوا إلى القاهرة و الحل قد استتمّ، و الظاهر قد استقرّ له الملك و انتظم‏ (1) .

____________

(1) هذه العبارات ساقطة من مخطوط زبدة الفكرة التى بين أيدينا و موضعها فيما بين ورقة 40 ب و 41 أ.

265

ذكر سلطنة الملك المجاهد فى دمشق‏

قد ذكرنا أن السلطان الملك المظفر قطز لما انتصر على التتار، و دخل دمشق ولّى عليها الأمير علم الدين سنجر الحلبى أحد الأتراك، و لما استقر فيها نائبا شرع فى العشر الأخير من ذى القعدة[445]فى عمارة قلعة دمشق، و جمع لها الصناع و كبراء الدولة و الناس، و عملوا فيها حتى عملت النساء أيضا، و كان عند الناس بذلك سرور عظيم، ثم فى العشر الأول من ذى الحجة من هذه السنة دعا الناس إلى نفسه و لقب نفسه بالملك المجاهد، و ذلك لما بلغه مقتل المظفر قطز، و دخل القلعة، و استقرّ فيها زاعما أنه سلطان.

قال ابن كثير: و لما جاءت البيعة للملك الظاهر بيبرس خطب له يوم الجمعة السادس من ذى الحجة، فدعى الخطيب للظاهر أولا ثم للمجاهد ثانيا (1) ، و ضربت السكة باسمهما معا أيضا، ثم ارتفع المجاهد هذا من البين على ما سيأتى بيانه إن شاء اللّه تعالى.

و فى تاريخ المؤيد: و لما بلغ علم الدين سنجر الحلبى الذى استنابه المظفر قطز على دمشق قتل قطز، جمع الناس و حلّفهم لنفسه بالسلطنة، و ذلك فى العشر الأول من ذى الحجة من سنة ثمان و خمسين و ستمائة، فأجابه الناس إلى ذلك، و حلفوا له، و لم يتأخّر عنه أحد، و لقّب نفسه بالملك المجاهد، و خطب له

____________

(1) «فدعى الخطيب أولا للمجاهد ثم للظاهر ثانيا» -البداية و النهاية جـ 13 ص 223.

266

بالسلطنة، و ضربت السكة باسمه، و كاتب الملك المنصور صاحب حماة فى ذلك فلم يجبه، و قال: أنا مع من يملك‏ (1) الديار المصريّة كائنا من كان‏ (2) .

____________

(1) «ملك» فى الأصل، و التصحيح من المختصر.

(2) المختصر جـ 2 ص 208.

267

ذكر عود التتار إلى الشّام‏

و فى هذه السنة تحرك التتار، و توجهوا إلى جهة الشام، و قربوا من البيرة على الفرات، و لما بلغ ذلك نائب حلب الذى ولاّه السلطان الملك المظفر قطز، و هو الملك السعيد بن صاحب الموصل، و كان قد جرّد جماعة (1) من العزيزية و الناصرية، و أرسل إلى التتار جماعة قليلة من العسكر، و قدّم عليهم الأمير سابق الدين أمير مجلس الناصرىّ، فأشار عليه كبراء العزيزية بأن هذا ما هو مصلحة، فإن هؤلاء قليلون، و يحصل الطمع بسببهم فى البلاد، فلم يلتفت إلى ذلك و أصرّ على مسيرهم، فسار سابق الدين أمير مجلس بمن معه حتى قاربوا البيرة، فوقع عليهم التتار، فهرب منهم و دخل‏[446]البيرة بعد أن قتل غالب من كان معه.

فإزداد غيظ الأمراء على الملك السعيد بسبب ذلك، و اجتمعوا و قبضوا عليه، و نهبوا و طاقه، و كان ردئ السيرة، و قد أبغضته العسكر، و كان قد برّز إلى باب اللالا المعروف بباب اللّه، و لما استولوا على خزائنه لم يجدوا فيها مالا طائلا، فهددوه بالعذاب ليقر لهم، فنبش من تحت أشجار حائر (2) دار بباب اللالا جملة من المال قيل: كانت خمسين ألف دينار من الذهب المصرىّ ففرقت فى الأمراء،

____________

(1) «و كان قطز قد جرد جماعة» فى الأصل، و التصحيح من المختصر جـ 3 ص 208 إذ ورد به: «و بلغ الملك السعيد المذكور مسير التتر إلى البيرة فجرد إلى جهتهم جماعة قليلة من العسكر» .

(2) «حائط» فى المختصر جـ 3 ص 209.

268

و حمل الملك السعيد المذكور إلى الشغر و بكاش معتقلا فيها، ثم لما اندفع العسكر بين يدى التتار كما سنذكره، أفرجوا عنه.

و لما جرى ذلك اتفقت العزيزية و الناصريّة و قدموا عليهم الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزى، ثم سارت التتار إلى حلب، فإندفع حسام الدين الجوكندار و العسكر الذين معه بين أيديهم إلى جهة حماة، و وصلت التتار إلى حلب فى أواخر هذه السنة، و ملكوها، و أخرجوا أهلها إلى قرنبيه و اسمها مقرّ الأنبياء، و لما اجتمع المسلمون هناك بذلوا فيهم السيف، فأفنوا غالبهم، و سلم القليل منهم، و وصل حسام الدين الجوكندار و من معه إلى حماة، فضيّفهم الملك المنصور محمد صاحب حماة، و هو مستشعر منهم، خائف من غدرهم، ثم رحلوا عن حماة إلى حمص، و لما قارب التتار حماة خرج منها صاحبها الملك المنصور و صحبته أخوه الملك الأفضل علىّ و الأمير مبارز الدين، و باقى العسكر، و اجتمعوا بحمص مع باقى العسكر إلى أن خرجت هذه السنة (1) .

و فى يوم الجمعة خامس المحرم من السنة الآتية و هى سنة تسع و خمسين و ستمائة كانت كسرة التتار على حمص، و كانت التتار ساروا إليهم، فاجتمعت العساكر الحلبيّة و الحماويّة و الحمصية مع صاحب حمص الملك الأشرف، و اتفقوا على ملاقاة التتار، فالتقوا بظاهر حمص فى نهار الجمعة المذكور، و كان التتار أكثر من المسلمين بكثير، ففتح اللّه عزّ و جل على المسلمين بالنصر، [447]و ولت التتار منهزمين، و تبعهم المسلمون يقتلون و يأسرون منهم كيف شاءوا، و وصل الملك

____________

(1) انظر المختصر جـ 3 ص 209.

269

المنصور إلى حماة بعد هذه الوقعة، و انضم من سلم من التتار إلى باقى جماعتهم، و كانوا نازلين قرب سلميّة، و اجتمعوا و نزلوا على حماة، و بها صاحبها الملك المنصور، و أخوه الملك الأفضل و العساكر، و أقام التتار على حماة يوما واحدا، ثم رحلوا عن حماة إلى أفامية، ثم رحلوا عنها إلى الشرق‏ (1) .

و قال ابن كثير: و كانت كسرة التتار على حمص قريبا من قبر خالد بن الوليد رضى اللّه عنه، و كانت أعظم من كسرة عين جالوت بكثير لكثرة التتار و قلة المسلمين، و كانت التتار فى ستة آلاف و المسلمون ألف و أربعمائة (2) .

و حكى الأمير نور الدين القيمرى قال: كنت فى القلعة فرأيت بعينىّ طيورا بيضاء قد أقبلت، و جعلت تضرب وجوه التتار بأجنحتها.

ثم بعد إنكسارهم ذهبوا إلى حماة، و بها صاحبها الملك المنصور، فأقاموا عليها يوما واحدا، ثم رحلوا عنها إلى أفامية، و كان قد وصل إليها سيف الدين الديبلى الأشرفى و معه جماعة، فأقام بقلعة أفامية، و بقى يغير على التتار، فرحلوا عنها و نزلوا على حلب و أحاطوا بها و ضربوا رقاب جماعة، و لم يتركوا أحدا يخرج منها و لا يدخل إليها، فأقاموا كذلك أربعة أشهر حتى غلت الأسعار بحلب، و أكلت الناس الميتات و الجلود و البغال و الحمير، و بلغ الرطل من اللحم إلى سبعين درهما، و الرطل اللبن إلى خمسة عشر درهما، و الرطل السكر إلى مائة درهم، و الرطل من عسل النحل إلى خمسين درهما، و الرطل من الشراب إلى سبعين درهما، و أبيع الجدى بمائة درهم، و الدجاجة بعشرة دراهم، و البيضة بدرهم

____________

(1) انظر المختصر جـ 3 ص 209.

(2) البداية و النهاية جـ 13 ص 230.

غ

270

و نصف، و البصلة بنصف درهم، و حزمة البقل بنصف درهم و بدرهم، و التفاحة بخمسة دراهم.

و حكى بدر الدين الصرخدى التاجر قال: كانت عندى أربع بقرات، فكنت أحلب منها كل يوم كفايتى و أبيع الباقى بمائة و أربعين درهما، و أعطيت فيها ستة آلاف درهم فأبيت، [448]و بعت خمسة تفاحات و ثلاث خراف بتسعمائة درهم، و الذى إشتراها منى إستفاد فيهم مائتى درهم.

و بعد أربعة أشهر توجّه التتار من حلب إلى الشرق.

ذكر بقيّة الحوادث فى هذه السنة:

منها: أن السلطان الملك الظاهر بيبرس كتب للناس مسموحا بما كان الملك المظفر قطز قد قرّره عليهم و هو ستمائة ألف دينار فى كل سنة تجى‏ء من الناس بغير سبب‏ (1) .

و منها: أن جمعا من السودان اجتمعوا بالقاهرة و الركبداريّة (2) و الغلمان‏ (3) ، و خرجوا بليل فى وسط المدينة ينادون يا آل علىّ، و فتحوا دكاكين السيوفيين بين

____________

(1) ذكر المقريزى أن قطز «أحدث فى هذه السنة حوادث كثيرة عند حركته لقتال التتر: منها تصقيع الأملاك و تقويمها، و أخذ زكاتها من أربابها، و أخذ من كل واحد من الناس من جميع أهل إقليم مصر دينارا، و أخذ من الترك الأهلية (التركات) ثلثها، فأبطل الملك الظاهر جميع ما أحدثه قطز» -السلوك جـ 1 ص 437 438

____________

(2) الركبدار-الركابدارية: هم الذين يحملون الغاشية بين يدى السلطان فى المواكب، و هم تابعون للركاب خاناة أى بيت الركاب-صبح الأعشى جـ 4 ص 7، 12.

(3) الغلمان: جمع غلام: و هو الصبى الصغير و المملوك، ثم غلب على من يقوم بخدمة الخيل من أرباب الخدم، و ربما أطلق على غيرهم من رجال الطشت خاناة و نحوهم-صبح الأعشى جـ 5 ص 471.

271

القصرين، و أخذوا ما فيها من السلاح، و أخذوا خيل الجند من بعض الإصطبلات، و كان الباعث لهم على ذلك شخص يعرف بالكورانى تظاهر بالزهد و المشيخة، و عمل له قبّة على الجبل الأحمر و أقام بها، و تردّد بعض الغلمان إليه و أقبلوا عليه، فأجرى معهم هذا الأمر و وعدهم بالإقطاعات، و كتب لبعضهم رقاعا ببلاد معيّنة، فثاروا هذه الثورة، فركبت جماعة من العسكر و أحاطوا بهم، و أخذوا أخذا وبيلا، فأصبحوا مصلّبين على بابى زويلة، و سكنت الفتنة (1) .

قال القائل:

معشر أشبهوا القرود و لكن # خالفوها فى خفّة الأرواح‏

و منها من الأمور العجيبة الغريبة: أن فى أول هذه السنة كانت الشام للملك الناصر يوسف بن الملك العزيز بن الملك الظاهر غازى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم فى النصف من صفر منها: صارت لهلاون اللعين ملك التتار، ثم فى آخر رمضان: صارت للملك المظفر قطز، ثم فى أواخر ذى القعدة:

انتقلت إلى مملكة السلطان الملك الظاهر بيبرس و قد شاركه فى دمشق الملك المجاهد علم الدين سنجر كما ذكرناه.

و كذلك كان القاضى فى أول السنة بالشام صدر الدين بن سنىّ الدولة، ثم تولى الكمال عمر التفليسى، ثم تولى محيى الدين بن الزكى، ثم تولى نجم الدين بن سنى الدولة.

و كذلك كان الخطيب بجامع دمشق فى أول السنة: عماد الدين بن الحرستانى، و كان من سنين متطاولة فعزل فى شوال من هذه السنة بالعماد الإسعردى، و كان

____________

(1) انظر السلوك جـ 1 ص 440.

272

[449]صيتا قارئا مجيدا، ثم أعيد العماد بن الحرستانى فى أول ذى القعدة منها.

فسبحان الذى يغير و لا يتغير (1) .

و منها: أن الناس فى دمشق ابتلوا بغلاء شديد فى سائر الأشياء من المأكول و الملبوس و غيرهما، فبلغ الرطل من الخبز إلى درهمين و الرطل من اللحم إلى خمسة عشر درهما (2) ، و الأوقية من القنبريس إلى درهم، و الأوقية من الجبن إلى درهم و نصف، و الأوقية من الثوم إلى درهم، و الرطل من العنب إلى درهمين، و من أكبر أسبابه ما أحدثه الفرنح من ضرب الدراهم المعروفة باليافيّة و كانت كثيرة الغش.

قال أبو شامة: بلغنى أنه كان فى المائة منها خمسة عشر درهما فضة و الباقى نحاس، و كثرت فى البلد كثرة عظيمة و تحدث فى إبطالها مرارا، فبقى كل من عنده منها شى‏ء كان حريصا على إخراجه خوفا من بطلانها، فتزايدت الأسعار بسبب ذلك إلى أن بطلت فى أواخر السنة، فعادت تباع كل أربعة منها بدرهم ناصرى مغشوش أيضا بنحو النصف‏ (3) .

و فيها: «.............. (4) » .

و فيها: حج بالناس «........... (5) » .

____________

(1) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 222-224.

(2) «و رطل اللحم خمسة دراهم» -الذيل على الروضتين ص 211.

(3) انظر الذيل على الروضتين ص 211.

(4و5) «... » بياض فى الأصل.

273

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

قاضى القضاة أحمد (1) بن يحيى بن هبة اللّه بن الحسن‏ (2) بن يحيى بن محمد بن على ابن يحيى بن صدقة بن الخياط، صدر الدين أبو العباس أحمد بن سنى الدولة الثعلبى الدمشقى.

و سنىّ الدولة هو الحسن بن يحيى المذكور.

كان قاضيا لبعض ملوك دمشق فى حدود الخمسمائة، و له أوقاف على ذريته، و ابن الخياط الشاعر-صاحب الديوان-هو أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن علىّ بن يحيى بن صدقة الثعلبىّ، عم سنى الدولة.

ولد القاضى صدر الدين سنة تسع و ثمانين و خمسمائة، و سمع ابن طبرزد، و الكندى، و غيرهما، و حدّث و درّس فى عدّة مدارس، و أفتى، و كان فاضلا عارفا بالمذهب، و قد ولى الحكم بدمشق استقلالا سنة ثلاث و أربعين، و استمر إلى هذه السنة، فسار حين عزل بالكمال التفليسىّ هو و القاضى محيى الدين بن الزكى إلى هلاون كما ذكرنا، ثم عادا من عنده، و قد تولى ابن الزكىّ، فاجتاز

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى جـ 2 ص 257 رقم 336، الوافى جـ 8 ص 250 رقم 3688، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 385، البداية و النهاية جـ 13 ص 224، العبر جـ 5 ص 244، شذرات الذهب جـ 5 ص 291.

(2) «الحسين» فى الأصل، و التصحيح من مصادر الترجمة.

عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان-م 18

274

ابن‏[450]سنىّ الدولة ببعلبك، و هو متمّرض فمات بها، و دفن عند الشيخ عبد اللّه اليونينى.

و كان الملك الناصر يثنى عليه، كما كان الملك الأشرف يثنى على والده قاضى القضاة شمس الدين بن سنىّ الدولة.

و لما استقرّ أمر السلطان الملك الظاهر بيبرس ولىّ ولده القاضى نجم الدين أبا بكر بن قاضى القضاة صدر الدين القضاء بدمشق، و عزل ابن الزكىّ، ثم عزله بعد سنة، على ما سيأتى إن شاء اللّه.

و قال ابن كثير: و القاضى صدر الدين بن سنى الدولة هذا هو الذى أحدث فى زمن المشمش بطالة التدريس لأنه كان له بستان بأرض السهم، فكان يشقّ عليه النزول منه فى ذلك الوقت إلى الدرس، ثم اتبعه الناس فى ذلك‏ (1) .

شرف الدّين عبد الرحمن‏ (2) بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن ابن طاهر بن محمد بن الحسين بن علىّ، أبو طالب شرف الدين بن العجمى الحلبى الشافعى.

من بيت العلم و الرئاسة بحلب، درس بالظاهريّة، و وقف بها مدرسة، و دفن فيها، و كانت وفاته حين دخل التتار حلب فى صفر، فعذّبوه بأن صبّوا عليه ماء باردا فى الشتاء، فتشنّج حتى مات.

____________

(1) البداية و النهاية جـ 13 ص 224.

(2) و له أيضا ترجمة فى: درة الأسلاك ص 25، البداية و النهاية جـ 13 ص 225، العبر جـ 5 ص 247، شذرات الذهب جـ 5 ص 293.

275

الشيخ الحافظ الحسين‏ (1) أبو حامد الدمشقىّ الشافعى المعروف بابن عساكر.

مات فى هذه السنة بنابلس، و هو متوجه من مصر إلى دمشق، و جدّه الإمام الحافظ أبو القاسم علىّ صاحب التصانيف المشهورة منها: تاريخ دمشق.

الشيخ الفقيه عمر (2) بن عبد المنعم بن أمين الدولة الحلبىّ الحنفى.

استشهد فى الوقعة المذكورة بحلب فى هذه السنة.

الشيخ أبو الفتح بن أبى المكارم الطرسوسىّ.

استشهد فى الوقعة المذكورة بحلب فى هذه السنة.

الشيخ محمد (3) اليونينى الحنبلى البعلبكى الحافظ: هو محمد بن أحمد بن عبد اللّه ابن عبد اللّه بن عيسى بن أبى الرجال أبو عبد اللّه بن أبى الحسين اليونينى الحنبلى، تقى الدين الحافظ المفيد البارع العابد الناسك.

ولد سنة اثنتين و سبعين و خمسمائة، و سمع الخشوعى، و الكندى، و الحافظ عبد الغنى المقدسىّ و كان يثنى عليه، و تفقه على الشيخ الموفق و لزم صحبة الشيخ عبد اللّه اليونينى، [451]و انتفع به، و كان الشيخ عبد اللّه يثنى عليه و يقدّمه و يقتدى به فى الفتاوى الشرعيّة، و قد لبس الخرقة من شيخه عبد اللّه البطائحى، و برع فى علم الحديث، و جمع الجمع بين الصحيحين بالفاء و الواو، و قطعة صالحة

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: الذيل على الروضتين ص 209.

(2) و له أيضا ترجمة فى، المنهل الصافى، شذرات الذهب جـ 5 ص 442.

(3) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، الوافى جـ 2 ص 121 رقم 467، العبر جـ 5 ص 248، الذيل على الروضتين ص 207، البداية و النهاية جـ 13 ص 227، شذرات الذهب جـ 5 ص 294، ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 38-72.

276

من مسند الإمام أحمد بن حنبل رضى اللّه عنه، و كان يعرف العربيّة، أخذ ذلك عن تاج الدين الكندى، و كتب مليحا حسنا، و كان الناس ينتفعون بفنونه الكثيرة، و حصلت له وجاهة عظيمة عند الملوك و غيرهم.

و كان ولده يقول: إن والدى لا يقبل شيئا من الصدقة، و يزعم أنه من ذرية جعفر الصادق رضى اللّه عنه بن محمد الباقر زين العابدين بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب رضى اللّه عنهم، و ذكر أنه مات فى التاسع عشر من رمضان من هذه السنة عن ثمان و ثمانين سنة.

و قال أبو شامة: و كان رجلا (1) ضخما، و حصل له قبول كثير من الأمراء و غيرهم، و كان يلبس قبعا صوفه إلى خارج‏ (2) ، يعنى كما كان شيخه عبد اللّه اليونينى.

قال: و صنف شيئا فى المعراج، فرددت عليه فى كتاب سميته: الواضح الجلى فى الردّ على الحنبلىّ‏ (3) .

الملك السّعيد نجم الدين إيل غازى‏ (4) بن المنصور أرتق بن أرسلان بن إيل غازى بن تمرتاش بن إيل غازى بن أرتق.

مات فى هذه السنة و كان شيخا معظما.

____________

(1) «و كان شيخا» -الذيل على الروضتين.

(2) «يلبس على رأسه قبع فرو أسود صوفه إلى الخارج بلا عمامة» -الذيل على الروضتين.

(3) الذيل على الروضتين ص 207.

(4) و له أيضا ترجمة فى درة الأسلاك ص 26، المنهل الصافى جـ 3 ص 188 رقم 613، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 90، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 378، و جـ 2 ص 14 و ما بعدها، البداية و النهاية جـ 13 ص 224.

277

الملك المعظّم توران شاه‏ (1) بن الملك الناصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب.

كان نائبا للملك الناصر يوسف بن العزيز بن الظاهر على حلب حين تملك دمشق، و قد حصّن حلب من أيدى المغول مدّة شهر، ثم سلمها بعد محاصرة شديدة صلحا، ثم كانت وفاته فى هذه السنة بحلب، و دفن بدهليز داره، و ذلك بعد الوقعة بأيام.

الملك السعيد حسن‏ (2) بن الملك العزيز عثمان بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب.

صاحب الصبيبة و بانياس بعد أبيه، ثم أخذتا منه و حبس بقلعة البيرة، فلما جاءت التتار كان معهم، و ردوا عليه بلاده، فلما كانت وقعة عين جالوت جاء بعد الوقعة أسيرا إلى حضرة الملك المظفر قطز، [452]فضرب عنقه لأنه كان قد لبس سراقوج‏ (3) التتار، فناصحهم.

الملك منكوقان‏ (4) بن طلو خان بن جنكز خان ملك التتار.

هلك فى هذه السنة بمقام نهر الطاى من بلاد أيغور و هو قاصد غزو الخطا، و كان فيما يقال يتمذهب بمذهب النصرانيّة و الفلاسفة و يميل إليها، فمات عليها، لعنة اللّه.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى جـ 4 ص 180 رقم 803، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 90، العبر جـ 5 ص 245، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 429 جـ 2 ص 15 و ما بعدها، السلوك جـ 1 ص 440، شذرات الذهب جـ 5 ص 292.

(2) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 16، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 92، شذرات الذهب جـ 5 ص 292.

(3) لباس الرأس عند التتار.

(4) انظر جامع التواريخ المجلد الثانى جـ 1 ص 308، نهاية الأرب جـ 27 ص 392.

278

و كان‏ (1) موته فتحا للإسلام، لأنه أوجب عود هلاون اللعين عن ديار الشام، و بذلك تمت للمسلمين النصرة، و طمّت المشركين الكسرة.

و ذلك أن أربيكا (2) أخا منكوقان كان نائبه فى المملكة بكرسى قرا قروم، فلما مات أخوه منكوقان أراد الاستيلاء على المملكة، و كان أخوه قبلاى خان مجّردا ببلاد الخطا، جّرده إليها أخوه منكوقان من حين جلوسه فى الدست‏ (3) ، و أرسل بركة يقول لأربيكا: أنت أحقّ بالقانيّة لأن منكوقان رتبك فيها فى حياته، و انضم إليه بنو عمّه مجى‏ء بن أوكديه‏ (4) و إخوته، و اتفق عود أخيه قبلاى من بلاد الخطا، و سار أربيكا لحربه و التقيا فاقتتلا، فكانت الكسرة على قبلاى، و انتصر عليه أربيكا، فأخذ الغنائم و السبايا و احتجزها لنفسه، و لم يسهم لبنى عمّه بشى‏ء، فوجدوا عليه. و نفروا منه، و مالوا إلى قبلاى، فأعاد القتال معه، فاستظهر عليه و أخذ أربيكا أسيرا.

و استقرّ قبلاى فى القانيّة (5) ، و سقى أخاه سمّا فمات، و طالت مدّة قبلاى فى المملكة، و استقرّ إلى سنة ثمان و تسعين و ستمائة (6) .

____________

(1) «و كان» مكررة فى الأصل.

(2) هكذا فى الأصل فى هذا الموضع و المواضع التالية و «أرنيكا» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 353. كما ورد أيضا «أريق بوكا» و «أرغبغا» نهاية الأرب جـ 27 ص 352 هامش (4) .

(3) «فجلس فى دست القانية» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 353.

(4) «أوكتاى» فى نهاية الأرب.

(5) «فى قراقورم» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 354.

(6) هكذا فى الأصل، و «سنة ثمان و ثمانين و ستمائة» فى نهاية الأرب جـ 27 ص 355، و ورد فى جامع التواريخ أنه توفى سنة 693 هـ، و كذلك أيضا فى تاريخ الدول الإسلامية ص 475.

279

فبلغ ذلك هلاون‏ (1) ، و هو نازل على حلب، فانزعج و عاد رجاء أن يكون له فى الأمر نصيب، فلما وجد أخاه قبلاى مستقرّا استقرّ بالأقاليم التى فتحها، فصارت فى يده و يد ذريته إلى يومنا هذا (2) .

و كان عز الدين كيكاوس و أخوه ركن الدين قليج أرسلان سلطانا الروم فى خدمة هلاون لما فتح حلب، و لما رفع السيف من أهلها تقدّم إليه البرواناه و ضرب الجوك‏ (3) و قال: إن أذن لى القان أقول كلمتين بين يديه، فقال له: قل. قال: من قصة عيسى‏[453]ابن مريم عليهما السلام أنه أحيى الأموات، فأطاعه أهل الأرض و آمنوا به حتى تغالوا فى قصته، و قالوا بربوبيّته، و القان فى هذا الوقت أحيى هذه النفوس و صان هذه الرءوس، فلابدّ أن تطيعه البقاع و الأقاليم و القلاع، و ينفذ حكمه فى الشرق و الغرب، و يثقون بعهده و وعده، فحسن موقع كلامه عنده و سأل عن حسبه و نسبه، فعرف به، و هو أن أباه فى أيام السلطان علاء الدين كيقباذ حضر إلى سعد الدين المستوفى بالروم، و كان نافذ الحكم فى الإطلاق و إجراء الأرزاق، فسأله أن يجرى عليه جاريا يقتات به من بعض المدارس يكون درهما فى اليوم؛ و كان شابّا جميلا و سيما من طلبة العلم، و اسمه مهذب الدين على، و أصله من الديلم، فمال إليه المستوفى لما رآه من سمته و سمته فقال له: أريد أن أصيرك منى مكان الولد، و أجود لك بما

____________

(1) أى بلغه وفاة منكوقان و تولية قبلاى-انظر نهاية الأرب 27 ص 353.

(2) نهاية الأرب جـ 27 ص 353-354.

(3) الجوك: لفظ تترى معناه الجلوس على الركبتين كعادة المغول فى حضرة ملوكهم-السلوك جـ 1 ص 605 هامش (3) .

280

أجد، ثم قرّبه و أدناه، و أحبّه، و زوّجه من إبنته، و خوّله فى نعمته، و اتفقت وفاة المستوفى بعد ذلك، فوصف مهذب الدين للسلطان علاء الدين بالفضيلة و المعرفة و الكفاية و الأهليّة للمناصب، فرشحه للوزارة و ألقى عليه مقاليد الإمارة، فرزق معين الدين سليمان المسمّى برواناه‏ (1) ، فهو ابن وزير السلطان غياث الدين.

و لما أخبر هلاون بأمره قال للسلطان ركن الدين: من الآن لا يتردّد إلىّ فى الأشغال أحد سواه، فترقت منزلته من يومه ذلك حتى صار فيما بعد حاكما على الممالك.

و فارق المذكوران هلاون، و عاد كل منهما إلى مستقره، إلى أن كان منهما ما سنذكره إن شاء اللّه تعالى.

الأمير كتبغا (2) نوين: نائب هلاون على بلاد الشام، و قد فتح لأستاذه هلاون من أقصى بلاد العجم إلى الشام، و قد أدرك جنكز خان جدّ هلاون.

و كان كتبغا نوين هذا يعمل للمسلمين ببلاد خراسان و العراق فى حروبه أشياء لم يسبقه إليها أحد، كان إذا فتح بلدا ساق المقاتلة منه إلى البلد الذى يليه، و يطلب من أهل البلد أن يأوا هؤلاء إليهم، فإن فعلوا حصل مقصوده فى مضيق الأطعمة و الأشربة عليهم، فتقصر مدة حصارهم، و إن امتنعوا قاتلهم‏[454]بهؤلاء حتى يفنى هؤلاء، فإن حصل، [يكون‏ (3) ]الفتح، و إلا كان قد أضعف أولئك بهؤلاء، ثم

____________

(1) انظر نهاية الأرب جـ 27 ص 112-113.

(2) انظر أيضا: المنهل الصافى، نهاية الأرب جـ 27 ص 391، العبر جـ 5 ص 247- 248، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 78-81، 90، شذرات الذهب جـ 5 ص 291، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 361.

(3) []إضافة للتوضيح.

281

استأنف قتالهم بجنده حتى يفتحه، و كان يبعث إلى الحصن يقول لهم: إنّ ماءكم قد قلّ، فافتحوا صلحا قبل أن آخذه قسرا، فيقولون إن الماء عندنا كثير، فيقول: إن كان كثيرا انصرفت عنكم، فيقولون: ابعث من يشرف على ذلك، فيرسل رجالا من جيشه معهم رماح مجوّفة محشوّة سمّا، فإذا دخلوا قاسوا ذلك الماء بتلك الرماح، فيفسح ذلك السمّ و يستقرّ فى الماء، فيكون سبب هلاكهم و لا يشعرون.

و كان لعنه اللّه شيخا كبيرا قد أسنّ، و كان يميل إلى دين النصارى و لكن لا يمكنه الخروج عن حكم جنكز خان من الياساق.

و قال الشيخ قطب الدين اليونينى: و قد رأيته ببعلبك حين حاصر قلعتها، و كان شيخا حسنا له لحية طويلة مسترسلة رقيقة قد ظفّرها مثل الدبّوقة، و تارة يعلقها فى حلقة بأذنه، و كان مهيبا، شديد السطوة. قال: و قد دخل الجامع فصعد المنارة ليتأمل القلعة منها، ثم خرج من الباب الغربى، فدخل دكانا خرابا فقضى حاجته، و الناس ينظرون إليه و هو مكشوف العورة، و لما فرغ مسحه بعضهم بقطن ملبّد مسحة واحدة.

قال: و لما بلغه بروز الملك المظفّر إليه بالعساكر المصريّة تلوّم فى أمره، ثم حملته نفسه الأبيّة على لقائهم، و ظنّ أنه ينصر كما كانت عادته، فحمل يومئذ على الميسرة فكسرها، ثم أيّد اللّه المسلمين و ثبّتهم، فحملوا حملة صادقة على التتار، فهزموهم هزيمة لا تنجبر أبدا، و قتل كتبغا نوين فى المعركة و أسر ابنه، و كان شابا حسنا، فأحضر بين يدى المظفر قطز فقال له: أهرب أبوك؟فقال: إنه لا يهرب، فطلبوه فوجدوه بين القتلى، فلما رآه ابنه بكى و صرخ، فلما تحققه

282

المظفر قال، هذا كان سعادة التتار، و بقتله ذهب سعدهم، و كذا كان كما قال: لن تفلحوا بعده أبدا.

و كان قتله يوم الجمعة الخامس و العشرين من رمضان، و كان الذى تولى قتله فى المعركة الأمير جمال الدين أقوش الشمسى‏ (1) .

و نوين-بضم النون، و كسر الواو، و سكون الياء آخر الحروف، و فى آخره نون-و معناه‏[455]أمير عشرة آلاف، و كل اسم من أسماء ملوكهم فى آخره نوين معناه رأس عشرة آلاف، و يسمّى أيضا رأس تومان.

الملك الناصر (2) : الكلام فيه على أنواع:

الأول فى ترجمته:
هو السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازى بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن نجم الدين أيوب صاحب دمشق و حلب.

و كان مولده فى سنة سبع و عشرين و ستمائة بحلب، و كان قد تولى مملكة حلب بعد موت أبيه الملك العزيز و عمره سبع سنين، و أقامت جدّته ضيفة (3) خاتون

____________

(1) انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 227.

(2) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، درة الأسلاك ص 27، العبر جـ 5 ص 256، ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 134-150، وفيات الأعيان جـ 4 ص 10 رقم 146، الذيل على الروضتين ص 212، فوات الوفيات جـ 4 ص 361 رقم 595، السلوك جـ 1 ص 466، شذرات الذهب جـ 5 ص 299، و يوجد اختلاف فى المصادر فى سنة وفاته 658 هـ أو 659 هـ. انظر ما يلى.

(3) «صفية» فى فوات الوفيات جـ 4 ص 361، وفيات الأعيان جـ 4 ص 10، و هو تحريف. و قد توفيت ضيفة خاتون سنة 640 هـ/1242 م. السلوك جـ 1 ص 311.

283

بنت الملك العادل أبى بكر بن أيّوب بتدبير مملكته، و استقل بالملك بعد وفاتها فى سنة أربعين و ستمائة، و عمره ثلاث عشرة سنة، و زاد ملكه على ملك أبيه و جدّه، فإنه ملك مثله‏ (1) حرّان و الرها و الرقّة و رأس عين و ما مع ذلك من البلاد، و ملك حمص ثم ملك دمشق و بعلبك و الأغوار و السواحل إلى غزة، و عظم شأنه، و كسر عسكر مصر، و خطب له بمصر و بقلعة الجبل كما ذكرنا، و كان قد غلب على الديار المصريّة لو لا هزيمته، و قتل مدبّر دولته شمس الدين لولو الأمينىّ، و مخامرة مماليك أبيه العزيزيّة.

الثّانى فى سيرته:
كان ملكا جيّدا، حليما جدّا، و جاوز به الحلم إلى حدّ أضرّ بالمملكة، فإنه لما أمنته قطاع الطريق فى أيام مملكته من القطع و القتل تجاوزوا الحدّ فى الفساد، و انقطعت الطرق فى أيامه، و بقى لا يقدر المسافر إلا برفقة من العسكر، و كثر طمع العرب و التركمان، و كثرت‏ (2) الحرامية، و كانوا يكسرون أبواب الدور، و مع ذلك إذا حضر القاتل بين يديه يقول: الحىّ خير من الميت و يطلقه، فأدّى ذلك إلى انقطاع الطرقات و انتشار الحرامية، و كان على ذهنه شى‏ء كثير من الأدب و الشعر، و يروى له أشعار كثيرة منها قوله:

فو اللّه لو قطّعت قلبى تأسّفا # و جرّعتنى كاسات دمعى دما صرفا

لما زادنى إلا هوّى و محبّة # و لا تخذت روحى سواك لها إلفا

____________

(1) «مثل» فى الأصل، و التصحيح يتفق مع السياق.

(2) «و كثرت» مكررة فى الأصل.

284

و كان يطبخ فى مطبخه كل يوم أربعمائة رأس غنم، و كانت سماطاته و تجمله فى الغاية القصوى، و بنى بدمشق مدرسة (1) قريب الجامع و أوقف عليها[456] وقفا جليلا، و بنى بالصالحية تربة (2) غرم عليها جملا مستكثرة، فدفن فيها كرمون، و هو بعض أمراء التتار.

الثالث فى مقتله و صورته:
أنه لما بلغ هلاون كسرة عسكره بعين جالوت، و قتل كتبغا نوين نائبه و مقدم عساكره، غضب من ذلك، و أحضر الملك الناصر، و كان عنده كما ذكرنا، و كان وعده أن يردّه إلى ملكه، و أقام عنده مدة، فقال له: أنت ما قلت إن عسكر الشام فى طاعتك، فغررت بى و قتلت المغول، فقال الملك الناصر: لو كنت بالشام ما ضرب أحد فى وجه عسكرك‏ (3) بسيف، و من يكن ببلاد التتار (4) كيف يحكم على بلاد الشام، فاستوفى هلاون ياسجا (5) و ضربه به، و قال: يا خوند الصنيعة، فنهاه أخوه الظاهر غازى، و كان معه، عن ذلك، و قال: قد حضرت، ثم رماه بفردة ثانية فقتله، ثم قتل أخاه الظاهر، و أمر بضرب رقاب الباقين الذين كانوا معه، و قتل الملك الصالح ابن صاحب حمص، و كان معه أيضا، و الجماعة الذين معهم من الألزام و الأتباع و الحواشى.

____________

(1) هى المدرسة الناصرية الجوانية بدمشق: داخل باب الفراديس شمالى الجامع الأموى- الدارس جـ 1 ص 459 و ما بعدها.

(2) التربة الناصرية: بجبل قاسيون-الدارس جـ 2 ص 178.

(3) «عسكرى» فى الأصل، و التصحيح من المختصر جـ 3 ص 209، و يتفق مع السياق.

(4) «ببلاد توريز» فى المختصر.

(5) «ناصجا» فى المختصر.

285

و استبقى الملك العزيز بن الملك الناصر لأنه كان صغيرا، فبقى عندهم مدة طويلة و أحسنوا إليه، ثم مات‏ (1) .

و كان قتل الملك الناصر على جبال سلماس‏ (2) .

و قال بيبرس: و أمر هلاون بقتل ولده العزيز، فشفعت إليه طقز خاتون زوجته فيه، فعفا عنه‏ (3) .

و قيل: إنه كان أذن له هلاون فى العود إلى بلاد الشام ليستقرّ بها على عادته، فسار من عنده، و فى مسيره بلغ هلاون خبر كسرة كتبغا نوين، فأمر بأن يردّ الناصر من الطريق، فلما جاءه الأمر بالرجوع قال:

أعلامهم على الحمى لى بانت # لما وصل الركب إليها بانت

ما أعجل ما فى الحال عنى خفيت # يا سعد كأنّ فى منامى كانت‏

و لما استحثّ فى السير قال:

يا سائقها وجدا على الآماق # لا تعجل فى تفرّق العشّاق

و احبس نفسا تحظ بأجر و ثنا # منا و من المهيمن الخلاق‏

قال بيبرس: و كان قتله على جبال سلماس‏ (4) .

و قال ابن خلكان: كان قتله فى الثالث و العشرين من شوال سنة ثمان و خمسين و ستمائة بالقرب من‏[457]مراغة من أعمال أذربيجان.

____________

(1) انظر المختصر جـ 3 ص 211-212.

(2) سلماس: بفتح أوله و ثانيه، مدينة مشهورة بأذربيجان-معجم البلدان.

(3) زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 45 أ.

(4) زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 40 أ.

286

قال: و كان خروجه من دمشق فى صفر سنة ثمان و خمسين و ستمائة (1) .

و ذكر ابن كثير و غيره: أن قتله كان فى سنة تسع و خمسين و ستمائة، و لما بلغ خبر موته إلى دمشق عمل عزاؤه فى دمشق فى سابع‏ (2) جمادى الأولى من سنة تسع و خمسين‏ (3) .

____________

(1) وفيات الأعيان جـ 4 ص 10 رقم 146.

(2) «فى تاسع» -الذيل على الروضتين ص 212.

(3) انظر أيضا العبر جـ 5 ص 256، شذرات الذهب جـ 5 ص 299.

287

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة التاسعة و الخمسين بعد الستمائة

____________

*

استهلت هذه السنة، و أولها يوم الإثنين لأيام خلون من كانون الأول، و ليس للمسلمين خليفة، و بغداد خراب، و بلادها غير آمنة تحت ظلم و جور من التتار طائفة جنكز خان.

و سلطان الديار المصريّة و الشاميّة: الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى، و شريكه فى دمشق و بعلبك و الصبيبة و بانياس الأمير علم الدين سنجر الحلبى الملقب بالملك المجاهد، و شريكه فى حلب الأمير حسام الدين لاجين الجوكندارى العزيزى.

و صاحب الكرك و الشوبك: الملك المغيث فتح الدين عمر بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل الكبير سيف الدين أبى بكر بن أيوب.

و صاحب صهيون و برزية: الأمير مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس.

و صاحب حماة: الملك المنصور بن تقى الدين محمود.

و صاحب حمص الملك الأشرف بن المنصور إبراهيم بن أسد الدين.

____________

(*) يوافق أولها الإثنين أ ديسمبر 1260 م.

288

و صاحب الموصل الملك الصالح إسماعيل بن بدر الدين لولو و أخوه الملك المجاهد صاحب جزيرة ابن عمر.

و صاحب ماردين: الملك السعيد نجم الدين إيل غازى بن أرتق.

و صاحب بلاد الروم: ركن الدين قليج أرسلان بن غياث الدين كيخسرو السلجوقى، و شريكه فى الملك أخوه كيكاوس، و البلاد بينهما نصفان.

و صاحب مكة أبو نمى إبراهيم بن أبى سعد بن على بن قتادة الحسنى و عمّه إدريس بن على شريكه.

و صاحب المدينة: الأمير عز الدين جماز بن شيحة الحسينى.

ذكر ماجريات الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، رحمه اللّه:

منها: أنه فى سابع صفر من هذه السنة[458]ركب بشعار السلطنة، و أظهر المهابة المتمكنة، و شقّ المدينة، و قد زخرفت بالزينة. و نثرت عليه الدنانير و الدراهم، و أفيضت الخلع على الأمراء و المقدّمين و الوزراء و المتعممين على تفاوت أقدارهم، و كتب إلى صاحب المغرب، و صاحب اليمن، و ملوك الشام، و ثغور الإسلام، بما قدّره اللّه له من القيام بأمر عباده و إيالة بلاده، و استبشرت به القلوب، و انجلت بدولته الكروب، و استمرّ بالصاحب زين الدين يعقوب‏ (1) ابن الزبير برهة يسيرة، ثم عزله و ولى الصاحب بهاء الدين على‏ (2) بن عماد الدين

____________

(1) هو يعقوب بن عبد الرفيع بن زيد بن مالك، الصاحب زين الدين الأسدى الزبيرى، المتوفى سنة 668 هـ/1269 م-المنهل الصافى.

(2) هو على بن محمد بن سليم، الصاحب بهاء الدين، ابن حنا. المتوفى سنة 677 هـ/1278 م- المنهل الصافى.

289

محمد الوزارة، و هذا بهاء الدين هو المعروف بابن الحنّا، و ولى القاضى تاج الدين عبد الوهاب‏ (1) بن الأعز خلف الحكم، و قرّر قواعد الدولة على النظام، و أظهر عزما أرهف من حدّ الحسام، و راعى القواعد الصالحيّة، و تبع الآثار النجميّة.

و قال ابن كثير: و فى يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى باشر القضاء بالديار المصريّة العلامة تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى الأعز أبى القاسم خلف ابن القاضى رشيد الدين أبى الثناء محمود بن بدر، و ذلك بعد شروط ذكرها للملك الظاهر شديدة، فدخل تحتها الملك الظاهر، و عزل عن القضاء بدر الدين أبا المحاسن يوسف بن على السنجارىّ، و رسّم عليه أياما (2) .

و منها فى ربيع الآخر: قبض الملك الظاهر على جماعة من الأمراء بلغه عنهم أنهم يريدون الوثوب عليه.

و منها: أن الظاهر أمر ببناء مشهد على عين جالوت، لما شاهد من بركة ذلك المكان، فبنى هناك مشهد.

و منها: أنه كتب إلى بركة بن صاين قان، صاحب البلاد الشمالية، كتابا يغريه بهلاون، و يعرفه أن جهاده واجب عليه، لتواتر الأخبار بإسلامه، و يلزمه إذا دخل فى دين الإسلام أن يجاهد الكفار، فورد جوابه فيما بعد كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى‏ (3) .

____________

(1) هو عبد الوهاب بن خلف بن محمود بن بدر، تاج الدين ابو محمد، المعروف بابن بنت الأعز، المتوفى سنة 665 هـ/1266 م-المنهل الصافى.

(2) البداية و النهاية جـ 13 ص 231.

(3) انظر أيضا السلوك جـ 1 ص 465.

290

و منها: أن الظاهر كتب منشور الإمرة على جميع العربان للأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا، و أحضر أمراء العرب و أجرى إقطاعاتهم، و سلم إليهم خفر البلاد، و ألزمهم حفظها إلى حدود العراق.

و منها: أن الظاهر جهّز إلى الأنبرور (1) هدية من جملتها الزّراف، و أرسل إليه جماعة من التتار الأسارى المأخوذين فى نوبة عين جالوت بخيولهم التتريّة و عدّتهم.

و منها: أن السلطان‏[459]كتب إلى علم الدين سنجر الحلبى الذى كان الملك المظفر قطز ولاه نيابة دمشق، ثم أنه ركب فى دمشق بشعار السلطنة، و خطب له على المنابر و تلقّب بالملك المجاهد، و ذلك حين بلغه مقتل الملك المظفر كما ذكرنا، فكتب إليه الظاهر يقبّح هذا الفعل عليه و يتلطّف به فى الرجوع عنه، ثم جرّد إليه الأمير جمال الدين المحمّدى ليستميله‏ (2) و يردّه إلى الصواب، و أرسل إليه صحبته مائة ألف و خمسة و عشرين ألف درهم‏ (3) أنعاما و حوائص ذهب و خلعا نفيسة، فأشهد على نفسه بأنه قد نزل عن الأمر و أنه نائب من نواب السلطان.

ثم لم يلبث أن رجع إلى ما كان عليه من الخلاف، و ركب بشعار السلطنة، فجهز السلطان إليه جيشا صحبة الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار، و هو أستاذ

____________

(1) الأنبرور: و يقصد بها الأمبراطور، و المقصود هنا هو ما نفريد بن فردريك الثانى الذى حكم صقلية و جنوب إيطاليا فى الفترة من 1258-1266 م.

(2) «ليستميل الناس على المجاهد سنجر» -السلوك جـ 1 ص 444.

(3) «مائة الف درهم» -السلوك جـ 1 ص 444.

291

السلطان الملك الظاهر، فوصلوا إلى دمشق فى ثالث صفر من هذه السنة، فخرج إليهم سنجر الحلبى لقتالهم، و كان صاحب حماة، و صاحب حمص بدمشق، و لم يخرجا مع سنجر الحلبى، و لا أطاعاه لإضطراب أمره، و وقع القتال بينهم بظاهر دمشق فى ثالث عشر صفر (1) ، فانهزم الحلبى، و ولّى و أصحابه معه، و دخل إلى قلعة دمشق حتى أجنّه الليل، فهرب من قلعة دّمشق إلى جهة بعلبك، فتبعه العسكر، و قبضوا عليه، و حمل إلى الديار المصريّة، فاعتقله الظاهر بها، ثم أطلق.

و استقرّت دمشق فى ملك الظاهر بيبرس و أقيمت له الخطبة بها و بغيرها من الشام مثل حماة و حمص و حلب و غيرها، و استقرّ أيدكين البندقدار الصالحى فى دمشق لتدبير أمورها، و لما استقرّ الحال على ذلك رحل الملك المنصور صاحب حماة و الأشرف صاحب حمص و عادا إلى بلادهما، و استقرّا بها (2) .

و قال بيبرس فى تاريخه: و قرر السلطان الظاهر أن يكون حديث القلعة بدمشق و أمر الأموال للأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى الحاج، ثم رتبه فى نيابة السلطنة (3) .

و فى تاريخ ابن كثير: ثم بعد استقرار أيدكين البندقدارى فى دمشق ورد عليه مرسوم الملك الظاهر بالقبض على بهاء الدين بغدى الأشرفى، و على شمس الدين أقوش‏[460]البرلى، و غيرهما من العزيزية و الناصرية و بقى علاء الدين

____________

(1) «و التجأ هو إلى القلعة فامتنع بها فى يوم السبت حادى عشر صفر» -السلوك جـ 1 ص 444-445.

(2) انظر المختصر جـ 4 ص 210.

(3) زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 42 ب.

292

أيدكين متوقفا فى ذلك‏ (1) ، فتوجه بغدى إلى أيدكين فحال دخوله عليه قبض على بغدى المذكور، فاجتمعت العزيزية و الناصريّة إلى أقوش البرلى، و خرجوا من دمشق ليلا على حميّة و نزلوا بالمرج، و كان أقوش البرلى قد ولاه المظفر قطز غزة و السواحل كما ذكرنا، فلما جهز الملك الظاهر أستاذه أيدكين البندقدار إلى قتال سنجر الحلبى، أرسل إلى البرلى و أمره أن ينضمّ إليه، فسار أقوش البرلى مع أيدكين و أقام بدمشق.

فلما قبض على بغدى خرج البرلى إلى المرج، و أرسل أيدكين إليه يطيّب قلبه و يحلف له، فلم يلتفت إلى ذلك و سار إلى حمص، و طلب من صاحبها الأشرف أن يوافقه على العصيان فلم يجب إلى ذلك، ثم توجه إلى حماة، و أرسل يقول للملك المنصور صاحب حماة: إنه لم يبق من البيت الأيوبى غيرك، فقم لنصير معك و نملكك البلاد، فلم يلتفت الملك المنصور إلى ذلك، و ردّه ردّا قبيحا، فاغتاظ البرلى و نزل على حماة، و أحرق زرع بيدر العشر، و سار إلى شيزر ثم إلى جهة حلب.

و كان أيدكين لما استقرّ بدمشق قد جهز عسكرا صحبة فخر الدين الحمصى للكشف عن البيرة، فإن التتار كانوا قد نازلوها، فلما قدم البرلى إلى حلب كان بها فخر الدين الحمصى المذكور، فقال له البرلى: نحن فى طاعة الملك الظاهر، فتمضى إلى السلطان و تسأله أن يتركنى و من فى صحبتى مقيمين بهذا الطرف، و نكون تحت طاعته من غير أن يكلّفنى وطأ بساطه.

فسار الحمصى إلى جهة مصر ليؤدّى الرسالة.

____________

(1) «متوقعا ذلك» فى المختصر جـ 3 ص 210، و هو تحريف، و انظر البداية و النهاية جـ 13 ص 233.

293

فلما سار عن حلب تمكّن البرلى و احتاط على ما فى حلب من الحواصل، و استبدّ بالأمر، و جمع العرب و التركمان و استعدّ لقتال عسكر مصر.

و لما توجّه فخر الدين الحمصى، لذلك التقى فى الرّمل جمال الدين محمد الصالحى متوجّها بمن معه من عسكر مصر لقتال البرلى و إمساكه، فأرسل الحمصىّ، و عرّف الملك الظاهر بما يطلبه البرلى، [461]فأرسل الظاهر ينكر على فخر الدين الحمصىّ المذكور، و يأمره بالانضمام إلى المحمدى، و المسير إلى قتال البرلى، فعاد من وقته، ثم رضى الظاهر على علم الدين سنجر الحلبىّ و جهّزه وراء المحمدى فى جمع من العسكر، ثم أردفه بعز الدين الدمياطى فى جمع آخر، و سار الجميع إلى جهة البرلى، و ساروا إلى حلب و طردوه عنها.

و انقضت السنة و الأمر على ذلك‏ (1) .

و منها: نصب السلطان الملك الظاهر الخليفة للمسلمين، و أصل ذلك، أن فى رجب من هذه السنة قدم إلى مصر جماعة من العرب و معهم شخص أسمر (2) اللون اسمه أحمد، زعموا أنه ابن الإمام الظاهر باللّه بن الناصر لدين اللّه، و أنه خرج من دار الخلافة ببغداد لما ملكها التتار، فعقد السلطان الملك الظاهر بيبرس مجلسا حضر فيه جماعة من الأكابر منهم الشيخ عز الدين بن عبد السّلام و القاضى تاج الدين عبد الوهاب بن خلف المعروف بابن بنت الأعز، فشهد أولئك العرب أن هذا الشخص المذكور هو ابن الظاهر محمد بن الإمام الناصر لدين اللّه،

____________

(1) انظر المختصر جـ 3 ص 210-211.

(2) «أسود» فى المختصر جـ 3 ص 212.

294

فيكون عم المستعصم باللّه الذى قتله هلاون، و أقام القاضى جماعة من الشهود و اجتمعوا بأولئك العرب و سمعوا شهادتهم، فشهدوا بالنسب بحكم الإستفاضة، فأثبت القاضى تاج الدين نسب أحمد المذكور و لقبوه المستنصر باللّه أبا القاسم أحمد بن الظاهر باللّه محمد، و بايعه الملك الظاهر و الناس بالخلافة.

ثم اهتمّ الظاهر بأمره، و عمل له الدهليز، و الجمدارية، و السلاح داريّة، و آلات الخلافة، و استخدم له عسكرا، و غرم على تجهيزه جملة طائلة، قيل كانت جملتها ألف ألف دينار، و كانت العامّة تلقب هذا الخليفة بالزراتيتى‏ (1) .

و فى تاريخ بيبرس: و فى التاسع من رجب وصل الإمام أبو العباس أحمد بن الإمام الظاهر باللّه بن الإمام الناصر لدين اللّه‏ (2) من العراق إلى الديار المصريّة، و ركب السلطان الظاهر (3) للقائه فى موكب مشهود، [و محفل محفود (4) ]، و أنزله فى القلعة، و بالغ فى إكرامه، و قصد إثبات نسبته، و تقرير بيعته، لأن الخلافة كانت قد شغرت منذ قتل الإمام المستعصم باللّه، [فسر السلطان باتصال أسبابها، و تجديد أثوابها، و إقامة منارها، و إظهار شعارها، لتكون ثابتة الأساس، متصلة فى بنى العباس، كما سبقت الوعود النبوية بأنها خالدة، تالدة فى هذه الذرية (5) ]، فأحضر الأمراء الكبار (6) [462]و مقدمى العساكر، و الوزير، و قاضى القضاة،

____________

(1) «بالزرابينى» فى المختصر-انظر جـ 3 ص 212-213.

(2) «المستنصر باللّه» فى الأصل و التصحيح من زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 43 أ.

(3) «الظاهر» ساقط من زبدة الفكرة.

(4) []إضافة من زبدة الفكرة.

(5) []إضافة من زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 43 أ.

(6) «الأكابر» فى زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 43 أ.

غ

295

و نواب الحكم، و الفقهاء، و العلماء، و الصلحاء، و أكابر المشايخ، و أعيان الصوفيّة، فاجتمع المحفل بقاعة الأعمدة بقلعة الجبل، و حضر الخليفة، و تأدّب السلطان معه فى الجلوس بغير مرتبة (1) و لا كرسىّ‏ (2) ، و أمر بإحضار العربان الذين حضروا مع الخليفة من العراق، فحضروا و حضر خادم من البغاددة، فسئلوا عنه، هل هو الإمام أحمد بن الظاهر بن المستنصر؟فقالوا: إنه هو، فشهدت جماعة بالاستفاضة و هم: جمال الدين يحيى‏ (3) نائب الحكم بمصر، و علم الدين بن رشيق‏ (4) ، و صدر الدين موهوب الجزرى، و نجيب الدين الحرّانى، و سديد الدين التزمتنى‏ (5) نائب الحكم بالقاهرة، عند قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب، فأسجل على نفسه بالثبوت، [فقام قاضى القضاة و أشهد على نفسه بثبوت النسبة (6) ]، و سمّى الإمام أحمد بالمستنصر باللّه‏ (7) ، و بايعه السلطان على كتاب اللّه و سنة رسوله عليه السلام، و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و الجهاد فى سبيل اللّه، و أخذ أموال اللّه بحقها، و صرفها فى مستحقها.

____________

(1) مرتبة أو طراحة: يفترشها السلطان إذا جلس.

(2) يجلس السلطان فى سائر الأيام على كرسى من خشب مغشى بالحرير، إذا أرخى رجليه كادت أن تلحق بالأرض-صبح الأعشى جـ 4 ص 7.

(3) جمال الدين يحيى بن عبد المنعم بن حسن، المعروف بالجمال يحيى-السلوك جـ 1 ص 449.

(4) محمد بن الحسين بن عيسى بن عبد اللّه بن رشيق-السلوك جـ 1 ص 449.

(5) «و سديد الدين عثمان بن عبد الكريم بن أحمد بن خليفة، و أبو عمرو بن أبى محمد الصنهاجى التزمنتى» -السلوك جـ 1 ص 449-450»

(6) []إضافة من زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 43 ب.

(7) «و سمى الإمام أحمد باسم أخيه و هو المستنصر باللّه» فى زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 43 ب.

296

و بعد البيعة له قلّد الخليفة السلطان البلاد الإسلامية و ما ينضاف إليها و ما سيفتحه اللّه على يديه من بلاد الكفار، ثم بايع الناس الإمام على اختلاف طبقاتهم، فتمت له الخلافة و صحت له الإمامة، و كتب السلطان إلى البلاد بأخذ البيعة له، و أن يخطب له على المنابر، و تنقش الصكة باسمه و اسم الملك الظاهر.

و لما كان يوم الجمعة السابع عشر من رجب خطب الخليفة بالناس فى جامع القلعة (1) .

و فى يوم الإثنين الرابع من شعبان ركب السلطان إلى خيمة ضربت له بالبستان الكبير بظاهر[القاهرة (2) ]، و لبس الأهبة العباسيّة، و هى الجبّة السوداء، و العمامة البنفسجيّة، و الطوق، و تقلد سيفا، و جلس مجلسا عاما، و قد خلع على الأمراء و الوزير و قاضى القضاة و صاحب ديوان الإنشاء، و قرئ التقليد[الشريف‏ (3) ] السلطانى، قرأه فخر الدين بن لقمان‏ (4) .

و قال ابن كثير: و قد كان الإمام أبو العباس أحمد هذا معتقلا ببغداد، ثم أطلق، و كان مع جماعة الأعراب بالعراق، ثم قصد الملك الظاهر حين بلغه، فقدم عليه الديار المصرية مع جماعة من العرب فيهم عشرة من الأمراء[463] منهم: الأمير ناصر الدين مهنّى‏ (5) ، فتلقاه السلطان و الوزير و قاضى القضاة تاج الدين

____________

(1) انظر الروض الزاهر ص 101، المواعظ و الاعتبار جـ 2 ص 302.

(2) []إضافة من المواعظ و الاعتبار جـ 2 ص 302 للتوضيح.

(3) []إضافة من زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 43 ب.

(4) زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 43 أ-43 ب.

(5) «فى ثامن رجب» -البداية و النهاية جـ 13 ص 231.

297

و الشهود و المؤذنون، و خرجت اليهود و النصارى بإنجيلهم، و دخل من باب النصر فى أبّهة عظيمة، و كان يوما مشهودا.

و هذا الخليفة هو الثامن و الثلاثون من خلفاء بنى العباس، و بينه و بين العباس أربعة و عشرون أبا.

و كان أول من بايعه يوم عقد المجلس القاضى تاج الدين عند ما ثبت نسبه عنده، ثم السلطان الملك الظاهر، ثم الشيخ عز الدين بن عبد السّلام، ثم الأمراء و أكابر الدولة.

و كان منصب الخلافة شاغرا ثلاث سنين و نصفا، لأن المستعصم باللّه قتل فى أوائل سنة ست و خمسين و ستمائة، و بويع هذا فى يوم الإثنين الثالث عشر من رجب من هذه السنة، أعنى سنة تسع و خمسين و ستمائة.

و كان أسمرا، و سيما، شديد القوى، عالى الهمّة، ذا شجاعة و إقدام، و قد لقب هذا بالمستنصر، كما كان أخوه بانى المدرسة ببغداد لقب بهذا، و هذا أمر لم يسبق إليه أن خليفتين أخوين يلقب كل واحد منهما بلقب الآخر، و قد أنزل هذا الخليفة بقلعة الجبل فى برج هو و حشمه و خدمه.

و لما كان يوم الجمعة سابع عشر رجب، ركب فى أبّهة السواد، و جاء إلى الجامع بالقلعة، فصعد المنبر، و خطب الناس، ذكر فيها شرف بنى العباس، ثم استفتح فقرأ عشرا من سورة الأنعام، ثم صلى على النبى صلى اللّه عليه و سلم، و ترضى عن الصحابة، رضى اللّه عنهم، و دعا للسلطان، ثم نزل عن المنبر فصلى بالناس، فاستحسن ذلك منه، و كان وقتا حسنا، و يوما مشهودا (1) .

____________

(1) البداية و النهاية جـ 13 ص 231-232.

298

و قال ابن كثير: و لما كان يوم الإثنين الرابع من شعبان، ركب الخليفة و السلطان و الوزير و القضاة و الأمراء و أهل الحلّ و العقد إلى خيمة عظيمة قد ضربت بظاهر القاهرة، فألبس الخليفة السلطان بيده خلعة سوداء، و طوقا فى عنقه، و قيدا فى رجليه، و هما من ذهب‏ (1) ، و صعد فخر الدين إبراهيم بن لقمان رئيس الكتاب منبرا، فقرأ عليه تقليد السلطان، و هو من إنشائه و بخط نفسه، ثم ركب السلطان بهذه الأبّهة، و القيد في رجليه و الطوق فى عنقه، و الوزير بين يديه على رأسه التقليد، و الأمراء و الدولة فى خدمته مشاه سوى الوزير، [464] فشق القاهرة، و قد زينت له، و كان يوما مشهودا (2) .

و نسخة التقليد المكتتب عن الخليفة للسلطان:

الحمد للّه الذى اصطفى‏[الإسلام‏ (3) ب]ملابس الشرف، و أظهر[بهجة (4) ] درره، و كانت خافية بما استحكم عليها من الصدف، و شيّد ما و هى من علائه، حتى أنسى ذكر ما سلف، و قيّض لنصره ملوكا اتفق على طاعتهم من اختلف.

أحمده على نعمه التى رتعت‏ (5) الأعين منها فى الروض الأنف، و ألطافه التى وفّقت للشكر (6) عليها، فليس له عنها منصرف، و أشهد أن لا إلّه إلا اللّه، وحده لا شريك

____________

(1) عن هذه الخلع الخليفتية انظر السلوك جـ 1 ص 452.

(2) البداية و النهاية جـ 13 ص 232.

(3) []إضافة من السلوك جـ 1 ص 453، «أضفى على الإسلام» فى ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 443.

(4) []إضافة من السلوك، و ذيل مرآة الزمان.

(5) «فسرح» فى ذيل مرآة الزمان.

(6) «وقف الشكر» فى السلوك جـ 1 ص 453، و ذيل مرآة الزمان، الروض الزاهر ص 102.

299

له، شهادة توجب من المخاوف أمنا، و تسهّل من الأمور ما كان حزنا. و أشهد أن محمدا عبده‏ (1) الذى جبر من الدين وهنا، و رسوله الذى أظهر من المكارم فنونا لافنّا، [صلى اللّه عليه‏ (2) ]و على آله. الذين أضحت مناقبهم باقية لا تفنى، و أصحابه الذين أحسنوا فى الدين‏ (3) فاستحقّوا الزيادة فى الحسنى‏ (4) ، [و سلم تسليما كثيرا (5) ].

و بعد: فإنّ أولى الأولياء بتقديم ذكره، و أحقهم أن يصبح القلم ساجدا و راكعا (6) فى تسطير مناقبه و برّه، من سعى فأضحى بسعيه الجميل مقدّما (7) ، و دعا إلى طاعته فأجاب‏ (8) من كان منجدا و متهما، و ما بدت يد من المكرمات إلا كان لها زندا و معصما، و لا استباح بسيفه‏ (9) حمى و غى إلا أضرمه نارا و أجراه دما.

و لما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالى المولوى السلطانى الملكى الظاهرى الركنى، شرّفه اللّه و أعلاه، ذكره‏ (10) ذكره الديوان العزيز النبوىّ الإمامىّ المستنصرىّ، أعز اللّه سلطانه، تنويها بشرف قدره، و اعترافا بصنيعه‏ (11) الذى

____________

(1) «عبده و رسوله» فى الأصل و مشطوب على كلمة «رسوله» و كذلك فى ذيل مرآة الزمان، و حذف كلمة «رسوله» يتفق مع ما جاء بالسلوك جـ 1 ص 453.

(2) []إضافة من السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و الروض الزاهر.

____________

(3) «فى الدنيا» فى السلوك.

(4) «من الحسنى» -فى السلوك و الروض الزاهر «و الحسنى» فى ذيل مرآة الزمان.

(5) []إضافة من الروض الزاهر ص 102.

(6) «راكعا و ساجدا» -فى السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و الروض الزاهر.

(7) «بسعيه الحميد متقدما» -فى السلوك، و ذيل مرآة الزمان. و الروض الزاهر.

(8) «فأجابه» فى ذيل مرآة الزمان.

(9) «بسيفه» ساقط من الروض الزاهر. ص 103.

(10) «ذكرها» فى ذيل مرآة الزمان.

(11) «بصنعه» فى الروض الزاهر، و صبح الأعشى جـ 10 ص 112.

300

تنفذ العبارة المسهبة و لا تقوم بشكره، و كيف لا؟و قد أقام الدولة العباسيّة بعد أن أقعدتها زمانة الزمان، و أذهب‏ (1) ما كان لها من محاسن و إحسان، و عتب‏ (2) دهرها المسئ لها فأعتب، و أرضى عنها زمانها (3) ، و قد كان صال عليها صولة مغضب، فأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربا، و صرف إليها اهتمامه فرجع كل متضايق‏ (4) من أمورها واسعا (5) رحبا، و منح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوّا و عطفا، و أظهر له‏ (6) من الولاء رغبة فى ثواب اللّه ما لا يخفى، و أبدى من الإهتمام بأمر[الشريعة و]البيعة أمرا (7) لو رامه غيره لامتنع عليه، و لو تمسك بحبله متمسك لانقطع به‏[465]قبل الوصول إليه، لكن اللّه‏[تعالى‏ (8) ]ادخر هذه الحسنة ليثقل بها فى الميزان ثوابه‏ (9) و يخفف بها يوم القيامة حسابه، و السعيد من خفف حسابه، فهذه منقبة أبى اللّه إلا أن يخلدها فى صحيفة (10) صنعه، و مكرمة قضت لهذا البيت الشريف بجمعه‏ (11) ، بعد أن حصل الإياس من جمعه.

____________

(1) «و أذهبت» فى السلوك، و ذيل مرآة الزمان.

(2) «و أعتب» فى السلوك و الروض الزاهر، «و استعتب» فى صبح الأعشى جـ 10 ص 112.

(3) «زمنها» فى الروض الزاهر.

(4) «كل مضيق» فى ذيل مرآة الزمان.

(5) «واسعا» ساقط من الروض الزاهر.

(6) «له» ساقط من الروض الزاهر.

(7) []إضافة من السلوك و ذيل مرآة الزمان.

(8) []إضافة من السلوك.

(9) «ليثقل بها ميزان ثوابه» فى السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و الروض الزاهر.

(10) «فى صحف» -فى ذيل مرآة الزمان.

(11) «قضت لهذا البيت الشريف النبوى بجمع شمله» -فى ذيل مرآة الزمان.

301

و أمير المؤمنين يشكر لك‏ (1) هذه الصنائع، و يعترف‏ (2) أنه لو لا اهتمامك‏[بأمره‏ (3) ] لا تسع الخرق على الراقع، و قد قلدك الديار المصرية و البلاد الشامية، و الديار البكرية (4) ، و الحجازية، و اليمنية، و الفراتية، و ما يتجدّد من الفتوحات غورا و نجدا، و فوض أمر جندها و رعاياها إليك حين أصبحت فى المكارم‏ (5) فردا، و لا جعل‏ (6) منها بلدا من البلاد، و لا حصنا من الحصون مستثنى‏ (7) ، و لا جهة من الجهات تعد فى الأعلى و لا الأدنى‏ (8) .

فلاحظ أمور الأمة، فقد أصبحت لها (9) حاملا، و خلص نفسك من التبعات اليوم‏ (10) ففى الغد (11) تكون مسئولا و لا سائلا (12) ، و دع الاغترار بأمر الدنيا فما نال أحد منها طائلا، و ما رآها (13) أحد بعين الحق إلا رآها خيالا زائلا، فالسعيد من

____________

(1) «يشكر الآن» فى ذيل مرآة الزمان.

(2) «و يعرف» صبح الأعشى.

(3) []إضافة من ذيل مرآة الزمان.

(4) «و الديار الجزيزية» فى ذيل مرآة الزمان.

(5) «بالمكارم» فى السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و الروض الزاهر.

(6) «و ما جعل» فى الروض الزاهر، و «لم يجعل» فى صبح الأعشى.

(7) «يستثنى» فى السلوك.

(8) «و لا فى الأدنى» فى السلوك و الروض الزاهر.

(9) «أصبحت لثقلها» فى ذيل مرآة الزمان.

(10) «اليوم من التبعات» فى ذيل مرآة الزمان.

(11) «ففى غد» فى السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و صبح الأعشى، و الروض الزاهر.

(12) «تكون مسئولا لا سائلا» فى السلوك، و الروض الزاهر، و صبح الأعشى و «تكون مسئولا عنها لا سائلا» فى ذيل مرآة الزمان.

(13) «و ما لحظها» فى ذيل مرآة الزمان.

302

قطع‏[منها (1) ]آماله الموصولة، و قدم لنفسه زاد التقوى، فتقدمة غير التقوى مردودة لا مقبولة، و ابسط يدك بالإحسان و العدل، فقد أمر اللّه بالعدل و الإحسان‏ (2) [و كرر ذكره‏ (3) ]فى مواضع من القرآن، و كفر به عن المرء ذنوبا [كتبت عليه‏ (4) ]و آثاما، و جعل يوما واحدا فيه‏ (5) كعبادة العابد (6) ستين عاما، و ما سلك أحد (7) سبيل العدل إلا و اجتنيت ثماره من أفنان، و رجع الأمر (8) به يعد (9) تداعى أركانه و (10) هو مشيد الأركان، و تحصن به من حوادث زمانه‏ (11) ، و السعيد من تحصن من حوادث الزمان، و كانت‏ (12) أيامه‏[فى الأيام‏ (13) ]أبهى من الأعياد، و أحسن فى العيون من الغرر فى أوجه الجياد، و أحلى من العقود إذا حلى بها عطل‏ (14) الأجياد.

____________

(1) []إضافة من السلوك، و ذيل مرآة الزمان.

(2) «و حث على الإحسان» فى السلوك، «بالإحسان و العدل» فى صبح الأعشى.

(3) []إضافة من السلوك، و ذيل مرآة الزمان.

(4) []إضافة من السلوك، و ذيل مرآة الزمان: و الروض الزاهر.

(5) «منها» فى السلوك، و «منه» فى ذيل مرآة الزمان، و «فيه» فى صبح الأعشى.

(6) «العابد» ساقط من ذيل مرآة الزمان.

(7) «أحد» ساقط من ذيل مرآة الزمان.

(8) «الأمن» فى ذيل مرآة الزمان، و هو تحريف.

(9) «بعد بعد» فى السلوك.

(10) «و هو» ساقط من ذيل مرآة الزمان.

(11) «الزمان» فى ذيل مرآة الزمان.

(12) «فكانت» فى ذيل مرآة الزمان.

(13) []إضافة من السلوك و ذيل مرآة الزمان، و الروض الزاهر.

(14) «عاطل» فى السلوك.

303

و هذه الأقاليم المنوطة بك‏ (1) تحتاج إلى نواب‏ (2) و حكام، و أصحاب رأى من أصحاب‏ (3) السيوف و الأقلام، فإذا استعنت بأحد منهم فى أمورك‏ (4) فنقب عليه تنقيبا (5) ، و اجعل عليه فى تصرفاته رقيبا، و سل عن أحواله ففى يوم القيامة تكون عنه مسئولا، و بما أجرم‏ (6) مطلوبا، و لا تول‏[منهم‏ (7) ]إلا من تكون مساعيه حسنات [466]لك‏ (8) لا ذنوبا، و أمرهم بالإناة (9) فى الأمور و الرفق، و مخالفة الهوى إذا ظهرت‏[لهم‏ (10) ]أدلة الحق، و أن يقابلوا الضعفاء فى حوائجهم بالثغر الباسم، و الوجه الطلق، و أن لا يعاملوا أحدا على الإحسان و الإساءة إلا بما يستحق، و أن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعية (11) إخوانا، و أن يوسعوهم برا و إحسانا، و أن لا يستحلوا حرماتهم إذا استحل الزمان‏ (12) لهم حرمانا، فالمسلم أخو المسلم‏ (13) و لو كان أميرا

____________

(1) «بنظرك» فى ذيل مرآة الزمان.

(2) «نواب» ساقط من ذيل مرآة الزمان.

(3) «أرباب» فى ذيل مرآة الزمان.

(4) «فى أمرك» فى ذيل مرآة الزمان.

(5) «نقيبا» فى الأصل، و التصحيح من السلوك و ذيل مرآة الزمان.

(6) «اجترم» فى ذيل مرآة الزمان.

(7) []إضافة من السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و الروض الزاهر.

(8) «لك» ساقط من ذيل مرآة الزمان.

(9) «بالأناءة» فى الأصل.

(10) []إضافة من ذيل مرآة الزمان.

(11) «الرعايا» فى السلوك.

(12) «لهم الزمان» فى ذيل مرآة الزمان.

(13) «و المسلم» فى الأصل، و التصحيح من السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و صبح الأعشى.

304

عليه أو سلطانا (1) ، و السعيد من نسج ولاته فى الخير على منواله، و استنوا بسنته فى تصرفاته و أحواله، و تحملوا عنه ما تعجز عن حمل‏ (2) أثقاله.

و مما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سى‏ء السنن، و جدد من المظالم التى هى‏[على الخلائق‏ (3) ]من أعظم المحن، و أن يشترى بإبطالهما المحامد، [فإن المحامد (4) ]رخيصة بأغلى ثمن‏ (5) ، و مهما جبى منها (6) من الأموال فإنما هى‏ (7) باقية فى الذمم، [و إن كانت‏ (8) ]حاصلة، و أجياد الخزائن و إن‏ (9) أضحت بها خالية، فإنما هى على‏ (10) الحقيقة (11) منها عاطلة، و هل أشقى ممن احتقب إثما، و اكتسب بالمساعى الذميمة ذما، و جعل السواد الأعظم يوم القيامة له خصما (12) ، و تحمل ظلم الناس‏ (13) فيما صدر عنه من أعماله، وَ قَدْ خََابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (14) .

____________

(1) «و سلطانا» فى السلوك، و ذيل مرآة الزمان.

(2) «عنه على» فى الأصل، و التصحيح من السلوك، و ذيل مرآة الزمان.

(3) []إضافة من ذيل مرآة الزمان.

(4) []إضافة من السلوك، و ذيل مرآة الزمان.

(5) «الثمن» فى ذيل مرآة الزمان.

(6) «بها» فى الأصل، و التصحيح من السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و الروض الزاهر.

(7) «فانها» فى ذيل مرآة الزمان.

(8) []إضافة من ذيل مرآة الزمان.

(9) «إن» فى الأصل، و التصحيح من السلوك.

(10) «فى» فى الأصل، و التصحيح من السلوك، و ذيل مرآة الزمان.

(11) «منها» ساقط من ذيل مرآة الزمان.

(12) «له يوم القيامة خصما» فى السلوك.

(13) «مما» فى ذيل مرآة الزمان.

(14) سورة طه رقم 20 جزء من الآية 111.