عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - ج1

- محمد محمد أمين المزيد...
557 /
305

و حقيق بالمقام الشريف، المولوى‏ (1) ، السلطانى، الملكى، الظاهرى، الركنى، أن تكون ظلامات الأنام مردودة بعدله، و عزائمه تخفف‏[عن الخلائق‏ (2) ] ثقلا لا طاقة لهم بحمله، فقد أضحى على الإحسان قادرا، صنعت له الأيام ما لم تصنعه لمن تقدم‏ (3) من المملوك و إن جاء آخرا، فاحمد اللّه على أن وصل إلى جنابك إمام هدى يوجب لك‏ (4) مزية التعظيم، و ينبه‏ (5) الخلائق على ما خصك اللّه به من هذا الفضل العظيم‏ (6) ، و هذه أمور يجب‏ (7) أن تلاحظ و ترعى، و أن يوالى عليها حمد اللّه فإن الحمد[للّه‏ (8) ]يجب عليها عقلا و شرعا، و قد تبين أنك صرت فى الأمور أصلا و صار غيرك فرعا.

و مما يجب أيضا (9) تقديم ذكره، أمر (10) الجهاد الذى أضحى على الأمة فرضا، و هو العمل الذى يرجع به مسود الصحائف مبيضا، و قد وعد اللّه المجاهدين بالأجر العظيم، و أعد لهم عنده المقام الكريم، و خصهم بالجنة التى‏ «لاََ لَغْوٌ فِيهََا

____________

(1) «الشريف المولوى» ساقط من ذيل مرآة الزمان، و «المولوى» ساقط من الروض الزاهر.

(2) []إضافة من ذيل مرآة الزمان.

(3) «لغيره ممن تقدم» فى السلوك، و الروض الزاهر.

(4) «أوجب لك» فى السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و الروض الزاهر.

(5) «و نبه» فى السلوك و ذيل مرآة الزمان، و الروض الزاهر.

(6) «العميم» فى ذيل مرآة الزمان.

(7) «ينبغى» فى ذيل مرآة الزمان.

(8) []إضافة من ذيل مرآة الزمان.

(9) «أيضا» ساقط من ذيل مرآة الزمان.

(10) «أن» فى الأصل، و التصحيح من السلوك و الروض الزاهر، و صبح الأعشى، و ساقط من ذيل مرآة الزمان.

عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان-20غ

306

وَ لاََ تَأْثِيمٌ» (1) ، و قد تقدمت لك فى الجهاد[يد (2) ]بيضاء أسرعت فى سواد الحساد، و عرفت منك عزيمة (3) و هى أمضى مما تجنه ضمائر الأغماد، [467] «و اشتهرت لك مواقف فى القتال هى أشهر (4) » و أشهى إلى القلوب من الأعياد، و بك صان اللّه حمى الإسلام من أن يبتدل‏ (5) ، و بعزمك حفظ على المسلمين‏ (6) نظام هذه الدول، و سيفك أثر (7) فى قلوب الكافرين قروحا لا تندمل، و بك يرجى أن يرجع مقر (8) الخلافة (9) إلى ما كان عليه فى الأيام الأول.

فأيقظ لنصرة الإسلام جفنا ما كان غافيا و لا هاجعا، و كن فى مجاهدة أعداء اللّه‏[إماما (10) ]متبوعا لا تابعا، و أيد كلمة التوحيد فما تجد فى تأييدها إلا مطيعا سامعا.

و لا تخل الثغور من اهتمام بأمرها، تبتسم‏ (11) له الثغور، و إحتفال يبدل ما دجى من ظلماتها بالنور، و اجعل أمرها على الأمور مقدما، و شيد منها كل‏ (12) ما غادره

____________

(1) سورة الطور رقم 52 جزء من الآية 23.

(2) []إضافة من الروض الزاهر، و صبح الأعشى.

(3) «عزمة» فى السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و الروض الزاهر، و صبح الأعشى.

(4) «» ساقط من السلوك، و «هى أبهى» فى ذيل مرآة الزمان.

(5) «يتبدل» فى السلوك.

(6) «على الإسلام» فى الأصل، و التصحيح من المصادر المذكورة.

(7) «الذى أثر» فى ذيل مرآة الزمان.

(8) «مقام» فى الأصل، و التصحيح من المصادر المذكورة.

(9) «الخلافة المعظمة» فى ذيل مرآة الزمان.

(10) []إضافة من السلوك، و ذيل مرآة الزمان، و صبح الأعشى، و الروض الزاهر.

(11) «تبسم» فى السلوك، و صبح الأعشى.

(12) «كل» ساقط من ذيل مرآة الزمان.

307

العدو متهدما، فهذه حصون بها يحصل‏ (1) الإنتفاع، [و بها تحسم الأطماع‏ (2) ]، و هى على العدو داعية افتراق لا اجتماع، و أولاها بالإهتمام ما كان البحر له مجاورا (3) ، و العدو إليه ملتفتا ناظرا، لا سيما ثغور الديار المصرية، فإن العدو وصل إليها رابحا و راح‏ (4) خاسرا، و استأصلهم اللّه فيها حتى ما أفال منهم عاثرا.

و كذلك‏[أمر (5) ]الأسطول الذى ترى حبله‏ (6) كالأهلّة، و ركائبه سائقة (7) بغير سائق مستقلة، و هو أخو الجيش السليمانى، فإن ذاك غدت الرياح له‏ (8) حاملة، و هذا تكلفت بحمله المياه السائلة (9) ، و إذا لحظها الطرف جارية فى البحر كالأعلام‏ (10) ، و إذا شبهها قال: هذه ليال تقلع بالأيام‏ (11) .

____________

(1) «يحل» فى الأصل، و التصحيح من المصادر المذكورة.

(2) []إضافة من ذيل مرآة الزمان.

(3) «ما كان للبحر مجاورا» فى الأصل، و التصحيح من المصادر المذكورة.

(4) «و رجع» فى ذيل مرآة الزمان.

(5) [أمر]إضافة من السلوك.

(6) «تزجى خيله» فى السلوك، «ترى خيله» فى ذيل مرآة الزمان، و صبح الأعشى، و الروض الزاهر.

(7) «سابقة» فى السلوك و صبح الأعشى و ساقط من ذيل مرآة الزمان.

(8) «له الرياح» فى ذيل مرآة الزمان، و «الريح له» فى صبح الأعشى.

(9) «الرياح السابلة» فى صبح الأعشى.

(10) «و إذا لحظها جارية فى البحر كانت كالأعلام» فى السلوك، و» و إذا لحظها الطرف سائرة فى البحر كانت كالأعلام «-فى ذيل مرآة الزمان. و الروض الزاهر.

(11) «تطلع فى أيام «فى ذيل مرآة الزمان.

308

و قد سنى لك اللّه‏ (1) من السعادة كل مطلب، و آتاك من أصالة الرأى الذى يريك المغيّب، و بسط بعض القبض منك الأمل، و نشط بالسعادة ما كان من كسل، و هداك إلى مناهج الحق، و ما زلت مهتديا إليها، و ألزمك‏ (2) المراشد فلا تحتاج‏ (3) إلى تنبيه عليها، و اللّه‏[تعالى‏ (4) ]يمدّك‏ (5) بأسباب نصره، و يوزعك شكر نعمه، فإن النعمة تستتم بشكره‏ (6) [إن شاء اللّه تعالى‏ (7) ].

و ركب السلطان، و شق المدينة، و حمل التقليد الأمير جمال الدين النجيبى أستاذ الدار و الصاحب بهاء الدين فى بعض الطريق، فكان السلطان فى موكبه هذا كما قيل:

خلع خلعن من العداة قلوبهم # و ملأن بالإشراق أبصار الملا

[468]

لما طلعت بها بهرت فلم تطق # طرف إليك من الشجاع تأمّلا

____________

(1) «اللّه لك» فى السلوك، و ذيل مرآة الزمان.

(2) «و ألهمك» فى ذيل مرآة الزمان.

(3) «و لا تحتاج» فى السلوك.

(4) []إضافة من ذيل مرآة الزمان.

(5) «يؤيدك» فى ذيل مرآة الزمان.

(6) «فإن النعمة ستتم بشكره» فى السلوك، و «فإن النعم تستتم شكره بمنه و كرمه» فى ذيل مرآة الزمان.

(7) []إضافة من صبح الأعشى، و الروض الزاهر، و انظر نص التقليد فى كل من: ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 443-449، جـ 2 ص 98-103، صبح الأعشى جـ 10 ص 112- 116، الروض الزاهر ص 102-110، السلوك جـ 1 ص 453-457، كنز الدرر جـ 8 ص 73-79: و انظر أيضا الفقرات الطويلة التى أوردها ابن تغرى بردى من التقليد-النجوم الزاهرة جـ 7 ص 111-113.

309

و بدا عليك الطوق رصع درّه # فرأيت بدرا بالنجوم تكلّلا (1)

و استخدم السلطان للخليفة ما يحتاج إليه من أرباب الوظائف و الأشغال، فجعل الأمير سابق الدين بوزبا أتابك العساكر، و كتب له بألف فارس، و جعل الطواشى بهاء الدين صندل شرابيا، و كتب له بخمسمائة فارس، و الأمير ناصر الدين بن صيرم خزندارا و كتب له بخمسمائة فارس، و الأمير نجم الدين استادار الدار، و كتب له بخمسمائة فارس، و سيف الدين بلبان الشمسى دوادارا، و كتب له بخمسمائة فارس، و أمر جماعة من العربان بالطبلخانات، و اشترى للخليفة مائة مملوك جمدارية و سلحدارية، و أعطى كلا منهم ثلاثة أروس خيل، و جملا لعدته، و إستخدم له أصحاب الدواوين، و كتاب الإنشاء، و الأئمة، و الغلمان، و الحكماء، و الجرائحية، و كمل البيوت، و الخيول، و الأسلحة (2) .

و منها: أن السلطان الملك الظاهر بيبرس-رحمه اللّه-توجه إلى الشام خارجا من مصر فى السادس من شوال من هذه السنة، و صحبته العساكر، و الخليفة، و حاشيته، و الأخوة الثلاثة ملوك البلاد الشرقية أولاد صاحب الموصل:

ركن الدين إسماعيل، و ولده علاء الملك، و أخوه المجاهد سيف الدين إسحاق صاحب الجزيرة، و أخوهما الملك المظفر، و سنذكر مجيئهم إلى خدمة السلطان الظاهر، و كان قصد الظاهر تقرير ما تغير من القواعد، و إعادة الأحوال بدار السلام.

____________

(1) «مكللا» فى الروض الزاهر ص 110.

(2) انظر أيضا السلوك جـ 1 ص 458-459.

310

و لما وصل إلى دمشق نزل بقلعتها، و أنزل الخليفة فى تربة الملك الناصر بجبل الصالحية، و لما اجتمع على تجهيز الخليفة، و الملوك المذكورين، جرد معهم الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، و الأمير شمس الدين الرومى، و هما من أكابر الأمراء، و جرد معهما طائفة من العسكر، و أوصاهما أن يزالا مع الخليفة إلى أن يوصلاه إلى الفرات بالبر الغربى، و بجهة البلاد الحلبية، لانتظار ما يتجدد من جهة الخليفة حتى إذا احتاج إليهما و أرسل من يستدعيهما يبادران إليه بمن معهما من العسكر، و لا يدعان أحدا يتوقف عنه، و لا يتأخر، ثم ودعه ميلا، و الخليفة مطاعا أمره، مسرورا قلبه.

فكان جملة ما غرم السلطان على تجهيزه من الأموال ألف ألف دينار عينا مصرية و ستين ألف دينار، [469]فلله دره من ملك، ما أعظم همته، و ما أكرم سجيته، و ما أشدّ اجتهاده فى اللّه، رضى اللّه عنه.

و قال ابن كثير: و كان سبب خروج السلطان إلى الشام أن البرلى‏ (1) كما تقدم كان قد استحوذ على حلب، فأرسل‏[إليه‏ (2) ]الأمير علم الدين سنجر الحلبى الذى كان قد تغلب على دمشق، فطرده عن حلب و تسلمها منه، و أقام بها نائبا عن السلطان، ثم لم يزل البرلى‏ (3) حتى إستعادها منه و استولى عليها كما كان، فاستناب السلطان على الديار المصرية عز الدين أيدمر الحلى‏ (4) ، و جعل تدبير المملكة بها إلى

____________

(1) «أن التركى» فى البداية و النهاية، و هو تحريف.

(2) []إضافة من البداية و النهاية.

(3) «التركى» فى البداية و النهاية.

(4) «الحلبى» فى البداية و النهاية.

311

الوزير بهاء الدين بن حنا، و استصحب ولده فخر الدين بن الحنا وزير الصحبة، و جعل تدبير العسكر و الجيوش معه إلى الأمير بدر الدين بيلبك الخزندار (1) .

و قال ابن كثير: و كان دخول السلطان إلى دمشق يوم الإثنين سابع ذى القعدة من هذه السنة و كان يوما مشهودا، و صلى هو و الخليفة الجمعة بجامع دمشق، و كان دخول الخليفة إلى الجامع من باب البريد، و دخول السلطان من باب الزيادة و كان يوما مشهودا، ثم جهز السلطان الخليفة كما ذكرنا، و أصحبه أولاد صاحب الموصل، و قدم إليه صاحب حمص الملك الأشرف فخلع عليه، و أطلق له، و كتب له تقليدا ببلاده، ثم جهز جيشا صحبة الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار إلى حلب لمحاربة البرلى المتغلب عليها المفسد فيها (2) .

و قال أبو شامة: و فى يوم الخميس ثامن ذى الحجة عزل عن قضاء دمشق النجم بن الصدر بن سنى الدولة، و تولى الحكم القاضى شمس الدين أحمد بن بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن خلكان الذى كان نائبا فى الحكم بالقاهرة سنين كثيرة، و جلس مكان النجم و ابنه‏ (3) بالمدرسة العادلية، ثم وكل على النجم و أمره‏ (4) بالسفر إلى الديار المصرية، و كان حاكما جائرا فاجرا ظالما متعديا، فاستراح منه البلاد و العباد (5) ، و هو الذى شاع عنه أنه أودع كيسا فيه ألف دينار، فردّ بدله

____________

(1) البداية و النهاية جـ 13 ص 232-233.

(2) البداية و النهاية جـ 13 ص 233.

(3) «و أبيه» فى الذيل على الروضتين ص 214، و هو تحريف.

(4) «و أمر» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

(5) «العباد و البلاد» -فى الذيل على الروضتين.

312

كيسا فيه فلوس، و ذكر ذلك فى القصيدة التى هجى بها لما تولى الحكم، [و رفعت إلى الملك‏ (1) ]المظفر و المولى الأمير المجير، و ابن وداعة.

قال أبو شامة: و فى الجملة تولى الحكم فى زماننا ثلاثة مشهورين بالفسق:

هذا الظالم، و الرفيع الحنفى‏ (2) و ابن الجمال المصرى، و كان نائبا عن أبيه، و قلت فى حصر[470]القضاة و نوابهم:

دمشق فى عصرنا مع فضلها بليت # من القضاة بجهّال و أوقاح

بأعجميين و مصرى و صانعهم # و إربلى‏ (3) و خيّاط و فلاّح

هم ضعف ستة و النواب كلهم # ضعفان أحزانهم أضعاف أفراح‏

أى هم إثنا عشر: الزكى، [و أخوه‏ (4) ]و ابن الحرستانى، و إبنه، و الجمال المصرى، [و الخويى‏ (5) ]و الرفيع، و التفليسى، و بنو سنى الدولة ثلاثة؛ و ابن خلكان‏ (6) ؛ و النواب ثمانية عشر.

ثم سافر القاضى المعزول إلى مصر تحت الحوطة يوم الخميس خامس عشر ذى الحجة، و الدعاء عليه كثير، و التظلم منه شائع، و الدعاوى عليه كثيرة (7) .

____________

(1) []إضافة من الذيل على الروضتين، و يوجد فى الأصل بدلا منها «أولها يا أيها المالك» .

(2) «الجبلى» فى الذيل على الروضتين.

(3) «و صائغهم و الأربلى» فى الذيل على الروضتين.

(4و5) []إضافة من الذيل على الروضتين.

(6و7) انظر الذيل على الروضتين ص 214.

313

قال: و أنشدنى العماد داود الحموى لنفسه فى ذلك‏[القاضى المعزول‏ (1) ]:

نجم أتاه ضياء الشمس فاحترقا # و راح فى لجج الأدبار قد غرقا

ناحت عليه الليالى و هى شامتة # و عرفته صروف الدهر ما اختلقا

و حدّثته الأمانى و هى كاذبة # بأنه لا يرى بعد النعيم شقا

و جاد بالمال كى تبقى رئاسته # و فتق الشرع و التقوى و ما رتقا

فجاءه سهم غرب جل مرسله # فمات معنى و ما أخطاه من رشقا

و ألقيت فى قلوب الناس بغضته # لكنهم قد غدوا فى ذمه فرقا

ففرقة بقبيح الظلم تذكره # و فرقة حلفت باللّه قد فسقا (2)

[و زدت أنا (3) ]:

و فرقة وصفته بالخلاعة مع # خبث و كبر و كلّ منهم صدقا

قال: و فى الغد يوم الجمعة: قرئ بالشباك الكمالى بجامع دمشق، و أنا حاضر فيه، تقليد القضاء للقاضى شمس الدين بن خلكان الإربلى، و يتضمن أنه فوض إليه الحكم فى جميع بلاد الشام من العريش إلى سلمية، يستنيب فيها من يراه،

____________

(1) []إضافة من الذيل على الروضتين ص 215.

(2) انظر الذيل على الروضتين ص 215، حيث توجد أبيات أخرى هى:

و فرقة سلبته ثوب عصمته # بأنه من رباط الدين قد مرقا

و راح قسرا إلى مصر على عجل # موافقا للذى من قبله سبقا

مفارقا لنعيم كان منغمسا # فيه و لذة يوم بدلت أرقا

(3) []إضافة من الذيل على الروضتين للتوضيح.

314

و فوض إليه النظر (1) النظر فى أوقاف الجامع، و المصالح، و المارستان، و المدارس و غيرها (2) ، مما كان تحت يد الحاكم المعزول، و فوض إليه تدريس سبع مدارس كانت تحت يد المعزول أيضا و هى العذراوية، و العادلية، و الناصرية، و الفلكية، و الركنية، و الإقبالية، و البهنسية (3) .

و فى تاريخ النويرى: و لما سار السلطان الملك الظاهر من مصر إلى الشام، أمر القاضى شمس الدين بن خلكان أن يسافر فى صحبته من‏[471]مصر إلى الشام فسافر، و لما دخل السلطان دمشق عزل عن قضاء دمشق نجم الدين بن صدر الدين ابن سنى الدولة و ولى عوضه القاضى شمس الدين بن خلكان‏ (4) .

ذكر بقية الحوادث:

منها: أن فى يوم الجمعة خامس المحرم من هذه السنة كانت كسرة التتار على حمص قريبا من قبر خالد بن الوليد رضى اللّه عنه، و قد ذكرناها مفصلة فى السنة الماضية لأجل تتميم الكلام‏ (5) .

و منها: وصول الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بن الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ إلى الأبواب السلطانية، و كان وصوله فى شعبان، فأقبل الظاهر عليه و أحسن إليه، و أمر له و لمن معه بالإقامات و الإنزال من دمشق إلى مصر، و تلقاه

____________

(1) «الناظر» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

(2) «و غيرهما» فى الذيل على الروضتين.

(3) «البهسنية» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين ص 215.

(4) ملخصا عن نهاية الأرب مخطوط جـ 28 ورقة 43، و انظر المختصر جـ 3 ص 213.

(5) انظر ما سبق ص 268 و ما بعدها.

315

و أنزله فى دار أخليت له، تليق بمثله، و وصل بعده أخوه المجاهد سيف الدين إسحاق صاحب الجزيرة، فتلقاه كما تلقى أخاه، و كان أخوهما الملك المظفر صاحب سنجار قد رتبه الملك سيف الدين قطز نائبا بحلب بعد كسرة التتار-كما ذكرنا-فوجد العزيزية أمراء حلب عليه، و كرهوا ولايته، فأمسكوه و اعتقلوه فى بعض قلاع حلب لما قتل المظفر، فسأل إخوته السلطان تسييبه، فأفرج عنه، و وصل السلطان المذكورين بصلات جزيلة من المال و القماش و الخيل و الخلع و الحوائص، لهم و لأصحابهم، و جهزهم ليعودوا إلى ممالكهم صحبة الخليفة المستنصر باللّه، و كتب تقاليدهم بتفويضها إليهم.

فكتب للملك الصالح ركن الدين إسماعيل: الموصل و ولاياتها و رساتيقها، و نصيبين‏ (1) و ولاياتها: بالوصا[و الجزيرة (2) ]و مدينة بوازيج‏ (3) و ما يتعلق بها، و عقر (4) [و]شوش‏ (5) ، و دارا (6) و أعمالها، و القلاع العمادية (7) و بلادها، و الكواشى‏ (8) و بلادها،

____________

(1) نصيبين: من مدن الجزيرة على طريق القوافل من الموصل إلى الشام-معجم البلدان.

(2) «و بالوصا» فى الأصل، و التصحيح و الإضافة من الروض الزاهر ص 115.

(3) بوازيج: و يقال لها: بوازيج الملك: مدينة بين تكريت و إربل-معجم البلدان.

(4) عقر: و يقال لها عقر الحميدية: قلعة حصينة فى جبال شرق الموصل، و تنسب إلى سكانها من الأكراد-معجم البلدان.

(5) [و]إضافة من الروض الزاهر. شوش: قلعة كبيرة و عالية قرب عقر الحميدية- معجم البلدان.

(6) دارا: مدينة فى سفح جبل نصيبين و ما ردين، و تتبع الجزيرة-معجم البلدان.

(7) هى قلعة حصينة عمرها عماد الدين زنكى سنة 537 هـ/1142 م و نسبت إليه، و كان اسمها آشب-معجم البلدان.

(8) كواشى: قلعة فى جبال شرقى الموصل-معجم البلدان.

316

و أهرور (1) و بلدها، و جلصور (2) و بلدها، و كنكور (3) و بلدها.

و كتب للملك المجاهد سيف الدين إسحاق بلاد الجزيرة و زيد عليها حمرين.

و كتب للملك المظفر علاء الدين على سنجار و أعمالها التى كانت بيده.

و أرسل إليهم الطبلخانات و السناجق، و تقدم بسفرهم صحبته إلى الشام ليجهزهم إلى مستقرهم صحبة الخليفة المستنصر باللّه، فتجهزوا صحبته كما ذكرنا.

و منها: أنه جاءت الرسل من جهة جوان دلين كنديافا (4) ، و غيره من الفرنج الذين بالساحل، إلى السلطان الملك الظاهر، و السلطان فى منزلة ماء[472]العوجاء يسألون السلطان الإذن لصاحبهم فى حضوره‏ (5) إلى الأبواب الشريفة، فأذن لكنديافا المذكور، فحضر، فأكرمه السلطان و أقبل عليه، و أجاب سؤاله، و رسم بتقرير الهدنة له، و لصاحب بيروت على حكم القاعدة التى كانت مقررة فى الأيام الناصرية، و كتب له منشورا بما فى يده من البلاد، فقبل الأرض شكرا على هذه النعمة، و عاد، و كثرت الأجلاب، و أمنت السبل، و ترددت التجار، و سلكت السفار، و اندفعت عن أهل السواحل المضار.

____________

(1) أهرور: حصن منبع من أعمال الموصل-معجم البلدان.

(2) «جلصوا» فى الأصل، و التصحيح من الروض الزاهر ص 116، جلصورا: قلعة فى أرض الموصل-معجم البلدان.

(3) «ليكور» فى الأصل، و التصحيح من الروض الزاهر. كنكور: قلعة حصينة من قلاع الزوزان، و هى لصاحبه الموصل-معجم البلدان.

(4) هوجون إبلين‏ nilebI fo nhoJ صاحب يافا.

(5) «حضورهم» فى الأصل، و التصحيح يتفق مع السياق، و ما جاء فى الروض الزاهر ص 116.

غ

317

و منها: أنه وصل إلى السلطان رسول الأشكرى‏ (1) ببذل المودة و المساعدة.

و منها: أنه حضر إلى خدمة السلطان و هو فى الشام الملك المنصور و الملك الأشرف صاحب حمص، فتلقاهما بالإكرام و حباهما بالإنعام، و أرسل إليهما شعار السلطنة، فركب كل منهما، و كتب لهما التقاليد بممالكهما، و زاد كل منهما على ما بيده، فزاد المنصور صاحب حماة بلاد الإسماعيلية، و الملك الأشرف تل باشر، و أعادهما إلى مستقرهما.

و حضر لخدمته الملك الزاهد أسد الدين شيركوه، و الملك الأمجد بن العادل صاحب بعلبك، و المنصور و السعيد ولدا الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل الكبير، و الملك الأمجد بن‏ (2) الملك الناصر[داود (3) ]، و الملك الأشرف ابن الملك المسعود، و القاهر بن المعظم، فعاملهم بالجميل و الإنعام الجزيل.

و هؤلاء من أعيان الذرية الأيوبية، وفدوا إلى خدمته و مثلوا بحضرته و وطئوا بساطه، و أكلوا سماطه، فكان هذا من أمارات الإقبال، و سعادة جد دولته الآمنة من الزوال.

و منها: أن السلطان أفرج عن العزيز بن المغيث و أرسله إلى أبيه بالكرك، و ذلك أن الملك المغيث فتح الدين عمر صاحب الكرك كان قد أرسل ولده العزيز فخر الدين عثمان إلى كتبغا نوين، مقدم التتار، عند وصوله إلى دمشق، فبقى

____________

(1) المقصود الامبراطور البيزنطى و هو الامبراطور ميخائيل الثامن باليولوجس.

(2) «بن» مكررة فى الأصل.

(3) []إضافة للتوضيح من الروض الزاهر ص 120.

318

مقيما بها إلى أن اتفقت الكسرة، و دخل السلطان المظفر دمشق، فأمسكه و اعتقله، فلما دخل الظاهر دمشق أفرج عنه و أحسن إليه، و جهزه إلى والده، و جهز إليه شعار السلطنة، فركب بها فى الكرك.

و منها: أنه اتفقت واقعة بين الفرنج و التركمان ببلاد الجولان، و كان التركمان قد آووا إلى بلد الساحل جافلين من التتار، و انتقلوا إلى بلد الجولان فأقاموا بها، و كانت صفد بيد الفرنج فقصدوا الإغارة على التركمان، و تبييتهم على غرّة منهم، فشعروا[473]بما أراده الفرنج، فتأهبوا لهم و تيقظوا، فلما جاءوا إليهم اتفقوا معهم، فكسروا الفرنج كسرة شديدة، و أسروا من كنودهم جماعة، فبذلوا لهم ما لا يشترون به نفوسهم، و يفدون به رؤوسهم، فقبلوه منهم، و خلوا عنهم، و لم يطلعوا على ذلك أحدا من النواب السلطانية ظنا منهم أن الأمر يخفى و لا يظهر، فأطلع السلطان على ذلك، و علم التركمان بذلك، فخافوا غائلة إيقاعه، فرحلوا من البلاد، و توجهوا إلى الروم.

و منها: أن الأمير بيبرس قال فى تاريخه: و فى هذه السنة اتفق وصولى إلى الديار المصرية صحبة الطواشى مجاهد الدين قايماز الموصلى خادم الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فاشترانى منه الأمير سيف الدين قلاون الألفى، و اشترى منه مملوكا آخر خوشداشالى يسمى أيبك الموصلى، و كان السلطان قلاون ساكنا بحارة البندقانيين بالقاهرة المحروسة (1) ، فرتبنى فى المكتب، فلطف اللّه بى، و علمنى كتابه العزيز، و شرفنى بدراسة القرآن الكريم، لطفا من رب العالمين.

____________

(1) فى الطريق من قصبة القاهرة المعزية إلى سويقة الصاحب و الحارة الوزيرية و بباب سعادة- المواعظ و الاعتبار جـ 1 ص 374.

319

و لما سافر المخدوم هذه السفرة، صحبة السلطان الملك الظاهر، كنت مقيما بالدار عند الست خاتون قطقطية، و هى والدة الملك الأشرف، معدودا فى جملة الصغار.

و منها: أنه جرى لولدى صاحب الروم و هما عز الدين كيكاوس و ركن الدين قليج أرسلان، و قد ذكرنا أنهما حضرا مع هلاون فتح حلب، و عاد كل منهما إلى مستقره على صورة القسمة التى قسمها بينهما منكوقان، فلما كان فى هذه السنة (1) أرسل هلاون إلى عز الدين يستدعى شمس الدين يوتاش نائبه، فأرسله إليه، فوصل إلى أرزنكان صحبة رسله، فاتفق عند وصولهم إليها عيد غطاس النصارى، فخرجوا متوجهين إلى الفرات بجمع كثير، و معهم الجاثليق، و إسمه مرحسيا، و قد رفعوا الصلبان على الرماح، و أعلنوا النواقيس و الصياح، فأنكر (2) عليهم شمس الدين يوتاش، و قصد منعهم، فقام عليه رسل هلاون‏ (3) و قالوا: هذه بلاد السلطان ركن الدين، فلا تتحدث إلا فى بلاد مخدومك عز الدين كيكاوس، و سألوا الجاثليق كيف كانت عادتكم فى أيام السلطان غياث الدين؟فقال لهم:

كانت عادتنا نحمل ثلاثة ألاف درهم و نعمل عندنا كما[474]نختار، فأخذوا منه ثلاثة آلاف درهم، و مكنوه من عمل العيد كما أراد، فلما جرت هذه المفاوضة بين رسل هلاون و شمس الدين يوتاش‏ (4) عاد مغضبا و رجع إلى السلطان عز الدين،

____________

(1) «فلما كان فى سنة ستين و ستمائة» -فى نهاية الأرب جـ 27 ص 109-110.

(2) «فأنكر» مكررة فى الأصل.

(3) «فقام عليه هلاون رسل هلاون» فى الأصل، و التصحيح يتفق مع السياق، و ما ورد فى نهاية الأرب جـ 27 ص 110.

(4) «يوقاش» فى الأصل، و التصحيح مما سبق، و من نهاية الأرب.

320

و حسن إليه العصيان على هلاون، و الخلاف على أخيه ركن الدين، و الاستيلاء على بلاده، فأطاعه و وافقه.

و كان ذلك داعية الفساد الأكبر، و الصدع الذى لم يجبر، ثم سار إلى توقات و هى إقطاع معين الدين سليمان البرواناه، و بها أولاده و حريمه، فحصرها و ضايقها، و استولى على البلاد التى فى قسمة السلطان ركن الدين، فتوجه ركن الدين و البرواناه إلى هلاون، و شكيا إليه ما فعله السلطان عز الدين و نائبه يوتاش من الخلاف و العصيان، و نقض ما قرره القان، فجهز هلاون معهما تمان‏ (1) من عسكره، صحبة مقدّم يسمى بيان نوين، و سارا راجعين، و تقدّما العسكر المذكور، و قررا مع بيان نوين أن يكون عندهما فى فصل الربيع.

ثم أن السلطان ركن الدين فرق ضياع أرزنجان‏ (2) على أمرائه إقطاعا، و وعدهم بأنه متى استولى على مملكة أخيه أعطاهم تلك الضياع أملاكا، و أقام السلطان ركن الدين على أرزنجان إلى أن انقضى فصل الشتاء، و كان نائبه الأمير خطير الدين زكريا، و أتابك جيشه رسلان دغمش، إنحاز إليه مذ نفر عن أخيه السلطان عز الدين لما جهزه لحرب بيجو، و هجم على حريمه و هو فى حال السكر، و قد ذكرنا ذلك مقدما (3) ، فاستمرّ فى الخدمة الركنية، و كان البرواناه بين يديه متصرفا فى المهمات، و شرف الدين مسعود و ضياء الدين محمود كتابا بين يديه.

فلما أقبل زمن الربيع جاء بيان نوين بجيش التتار إلى أرزنجان، فجهز معهم السلطان ركن الدين عساكره، و سفرهم إلى الروم صحبة معين الدين البرواناه،

____________

(1) التومان: الفرقة من الجيش التى يبلغ عددها عشرة آلاف مقاتل، و قائد التومان من أصحاب أكبر الرتب العسكرية فى الجيش المغولى-نهاية الأرب جـ 27 ص 110 هامش (1) .

(2) أرزنجان-أرزنكان: من بلاد أرمينة بين بلاد الروم و خلاط-معجم البلدان.

(3) انظر ما سبق ص 154 و فيها ورد اسم الأتابك «أرسلان دغمش» .

321

فسار شمس الدين يوتاش عن التوقات و معه عساكر السلطان عز الدين لحربهم، فالتقى الجمعان على موضع يسمى يلدوز طاغى، و معناه جبل النجم، فكانت الكسرة على جيش ركن الدين و التتار، فانهزموا.

و عادوا إلى أرزنكان، فأقاموا بها، و أرسلوا إلى هلاون يستنجدون منه مددا، فجرّد إليهم مقدّما يسمى على شاق نوين، و معه‏[475]تمان، فلما وصل، سار السلطان ركن الدين بنفسه، فوصلوا إلى قزان يوكى، فشتّوا هناك.

فلما انصرف الشتاء، وصلت رسل هلاون إلى السلطان عز الدين تستدعيه، فأبى المضى، و عكف على اللهو و اللعب، و جمع عسكره حوله بقونية، و لم يهتم لحفظ الأطراف و ثغور مملكته، فسار أخوه ركن الدين إليها، و استولى عليها حتى انتهى إلى أقصراى و دخل صحراء قونية.

فهرب السلطان عز الدين منهزما إلى الأشكرى بالقسطنطينية، و صحبته أخواله كرخيا و كركديد و هما على دين النصرانية، و ثلاثة نفر من أمرائه، و أخلى لأخيه البلاد فملكها و استولى‏ (1) عليها، سوى الثغور و الجبال و السواحل التى بأيدى التركمان، فإنهم امتنعوا عن طاعة السلطان ركن الدين.

و كان كبارهم محمد باك و إلياس باك أخوه و على باك‏ (2) صهره و سونج قرابته، فأرسلوا إلى هلاون يبذلون له الطاعة و حمل الإتاوة، و يطلبون منه سنجقا، و فرمانا بتقليدهم، و شحنة يقيم عندهم، فأجابهم إلى ذلك، و أرسل إليهم شحنة

____________

(1) «و استولى» مكررة فى الأصل. و انظر هذه الأحداث فى نهاية الأرب جـ 27 ص 109 -110.

(2) «عليباك» فى الأصل.

322

يسمى قلشار، و كتب لهم فرمان بالبلاد التى بأيديهم، و هى: طكزلو و خوباس و طلماى و ما حولها.

و أرسل هلاون إلى محمد باك أمير التركمان المذكور يستدعيه إلى الأردو، فأبى و لم يتوجه إليه، فبرز مرسوم هلاون إلى السلطان ركن الدين و التتار الذين فى الروم بأن يتوجهوا لقتال محمد باك و التركمان الذين معه، فتوجهوا لحربه، فخامر عليه على باك صهره، و جاء إلى السلطان ركن الدين و قوى عزمه على قتال التركمان، و دلهم على عوراتهم، و مداخل بلادهم، فدخلوها و أخذوا أكثرها، و التقى معهم فى صحراء طلمانية، فكسروه فانهزم، و تحصن ببعض الجبال، و أرسل يطلب الأمان ليحضر إلى الطاعة، فحلفوا له و آمنوه، فحضر، فأرسلوه إلى السلطان ركن الدين، فأخذه معه و رحل إلى قونية، فقتله عند وصوله إلى مدينة برلو، و استقر عليباك صهره أميرا على التركمان، و ملك التتار تلك الأطراف إلى حد إسطنبول.

و منها: أنه اتفقت واقعة الأمير شمس الدين أقوش البرلى العزيزى، و كان [476]المذكور له نابلس من الأيام المظفرية، و زاده السلطان بيسان، و أعطى مملوكه قجقار إقطاعا، و توجه إلى دمشق، فحصلت أسباب أوجبت إمساك الأمير بهاء الدين بغدى الأشرفى؛ فنفر الأشرفية و العزيزية، و خرج الأمير شمس الدين المذكور و جماعة منهم، و توجه إلى البيرة و استولى عليها، و جعل يشن الغارات على التتار الذين هم بشرقى الفرات، و يكبس من يستفرده منهم، و طمعت آماله فى قصد سنجار، فقصدها، و قد كمن له التتار و هو لا يشعر، فلما انتهى إلى حيث هم، خرجوا عليه فكسروه و هزموه، و قتلوا من رفقته جماعة منهم: الأمير علم الدين جكم الأشرفى، و نجا بنفسه، فعاد إلى البيرة، فراسله السلطان، و عرض‏

323

عليه الدخول فى الطاعة، و وعده بالإحسان، فلم يقبل، فجهز إليه جيشا و قدم عليه الأمير جمال الدين المحمدى، فسار إليه و التقيا، فكسره البرلى و أسره و من معه، فأما الأمراء فأعطى لكل أمير منهم فرسا واحدا، و أما الأجناد فإنه تركهم رجالة و أطلقهم، فحضروا إلى السلطان، و هم على هذه الحال، فعدل عن مقاتلته إلى مخاتلته، فأرسل إليه يعده الإحسان و يستجلبه بصوغ اللسان.

ذكر الأمور المزعجة:

منها: أن فى ربيع الأول من هذه السنة وردت الأخبار من ناحية عكا أن سبع جزائر فى البحر خسف بها و بأهلها، بعد أن أمطرت عليهم دماء عدة أيام، و هلك منهم خلق كثير قبل الخسف، و بقى أهل عكا لابسين السواد، و هم يبكون و يستغفرون من الذنوب على زعمهم.

و منها: أنه خرج على الغلال بأرض حوران و أعمالها و الجولان و أعمالها فأر عظيم أكل الغلات، فكان الذى أكله ثلاثمائة ألف غرارة قمح غير الشعير، و أبيعت الحنطة فى هذه السنة المكوك‏ (1) منها بأربعمائة درهم، و استأصلت الفرنج أموال المسلمين فى ثمن الغلال.

قلت: وقع فى صعيد مصر فى سنة خمس و سبعمائة مثل ذلك، و كان مباشروا شونة أم القصور باتوا بها ليلة لأجل الفأر خوفا على الغلة، فباتوا يقتلون فى الفأر

____________

(1) المكوك: بفتح الميم و تشديد الكاف المضمومة ثم الواو الساكنة بعدها الكاف: مكيال لأهالى العراق، يختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه، و المشهور أنه صاع و نصف، و يتراوح وزن الصاع عند الفقهاء من 296 و 3 كجم عند الحنفية إلى 175 ر 2 كجم عند الشافعية و الحنابلة و المالكية-النقود الإسلامية ص 107، الإيضاح و التبيان ص 87.

324

إلى الصباح، فكان‏[477]جملة ما قتلوه سبعة عشر أردبا و كسورا بالكيل المصرى.

و فيها: حج بالناس «...... (1) » .

____________

(1) «...... » بياض فى الأصل.

325

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

الشيخ الإمام العالم العلامة الزاهد البارع الورع فريد عصره و وحيد دهره أثير الدين بن نجيب بن محمد الكاسانى، أحد الأعيان الحنفية الكبار.

و كان إماما فاضلا صاحب تصانيف مفيدة منها كتاب «بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع‏ (1) » فى عشر مجلدات، و هو كتاب عظيم مفيد مشهور فى الآفاق، و روى الحديث و غيره عن الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبى بكر محمود بن الحسن البلخىّ، و عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الكردرى، و كان يروى كتاب «التيسير فى التفسير» للإمام نجم الدين‏ (2) النسفى عن الشيخ الأجل برهان الدين الحسن بن محمد الكاسانى، و هو عن الشيخ الإمام نجم الدين عن المصنف.

توفى ليلة الثلاثاء السادس عشر من محرم هذه السنة ببلده كاشغر.

و رثاه الإمام العلامة كمال الدين بن أبى المظفر بقوله:

فقدنا إماما كان لو نسبته # إلى جميع الورى بالعلم و الفضل أشرفا

و كان على ما فيه من بشريّة # على كل أسرار الملائك أشرفا

و لو سئلوا من ذا الذى ينصر الهدى # و يدعو إليه عيّن الكلّ أشرفا

الشيخ تاج الدين أبو عبد اللّه محمد (3) بن أبى البقاء صالح بن محارب التنوخى المحلى ناظر ثغر الإسكندرية.

كان رئيسا فاضلا جليلا، مات فى هذه السنة.

____________

(1) هذا الكتاب مطبوع و منسوب إلى أبو بكر بن مسعود الحنفى، علاء الدين الكاسانى، المتوفى سنة 587 هـ/1191 م-مطبوع فى 7 أجزاء بمصر سنة 1328 هـ/1910 م-و انظر أيضا نسبة هذا الكتاب إلى أبو بكر بن مسعود فى هدية العارفين جـ 1 ص 235.

(2) هو عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل، النسفى السمرقندى الحنفى، الإمام نجم الدين، المتوفى سنة 537 هـ/1142 م-العبر جـ 4 ص 102، هدية العارفين جـ 1 ص 783.

(3) و له أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 132.

326

الشيخ أبو بكر مفضل بن الشيخ أبى الفتح بن أبى سراقة.

مات بمصر فى هذه السنة.

الشيخ الخطيب أبو البركات عبد الرحمن‏ (1) بن أبى بكر محمد بن عبد القاهر بن موهوب الحموى الشافعى.

توفى بحماة و دفن بمدرسته فيها.

الجمال أبو عمرو عثمان‏ (2) بن الشيخ أبى الحرم مكى السارعى.

كان فاضلا مشهورا بالدين و الصلاح، و كان يجلس للوعظ، و له اليد الطولى فى معرفة المواقيت و عمل الساعات، توفى فى هذه السنة بالقاهرة.

الشيخ المحدث الحافظ أبو بكر محمد (3) بن أحمد بن سيد[478]الناس اليعمرى الأندلسى.

و كان أحد حفاظ المحدثين المشهورين و فضلائهم المذكورين، و به ختم هذا الشأن بالمغرب، توفى فى هذه السنة بمدينة تونس، رحمه اللّه.

الصاحب صفى الدين أبو إسحاق إبراهيم‏ (4) بن عبد اللّه بن هبة اللّه بن أحمد بن على بن مرزوق العسقلانى الكاتب التاجر، وزّر للملك الكامل.

و كان أحد الرؤساء المعروفين بالثروة و سعة ذات اليد، توفى هذه السنة بمصر.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 129.

(2) و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 254، شذرات الذهب جـ 5 ص 298، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 252.

(3) هو محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن يحيى بن سيد الناس، أبو بكر اليعمرى الأندلسى الإشببلى.

و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، درة الأسلاك ص 29، الوافى جـ 2 ص 121 رقم 468، العبر جـ 5 ص 255، شذرات الذهب جـ 5 ص 298، ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 131.

(4) و له أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 126، العبر جـ 5 ص 253، شذرات الذهب جـ 5 ص 297.

327

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الستين بعد الستمائة

____________

*

استهلت هذه السنة، و الخليفة: المستنصر باللّه الذى نصبه السلطان الملك الظاهر قد قتل فى ثالث المحرم فى هذه‏[السنة (1) ]على ما نذكره الآن.

و سلطان البلاد المصرية و الشامية: الملك الظاهر بيبرس البندقدارى.

و نائبه بدمشق: الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى.

و كان المتغلب على حلب: الأمير شمس الدين أقوش البرلى العزيزى، ثم أخذت منه على ما نذكره الآن.

و صاحب بلاد الروم: السلطان ركن الدين قليج أرسلان السلجوقى.

و صاحب العراق و كرسيه بغداد، و إقليم خراسان و كرسيه نيسابور، و عراق العجم و كرسيه أصبهان، و أذربيجان و كرسيها تبريز، و خوزستان و كرسيها ششتر، و بلاد فارس و كرسيها شيراز، و ديار بكر و كرسيها الموصل: هلاون بن طلو خان ابن جنكز خان، و هذه البلاد كلها تحت يد هلاون و أولاده، و كذلك بلاد الروم تحت يده، و لكنه قرر صاحبها ركن الدين قليج أرسلان و هو فى طاعة هلاون و تحمل إليه الإتاوة.

____________

(*) يوافق أولها السبت 26 نوفمبر 1261 م.

(1) []إضافة تتفق و السياق.

328

و صاحب البلاد الشمالية و كرسيها صراى: بركة خان صاين بن دوشى خان ابن جنكز خان، و هو أعظم ملوك التتار.

ذكر قتل الخليفة المستنصر باللّه:

قد ذكرنا أنه بويع له فى رجب من السنة الماضية، و ذكرنا أنه ما أقامه إلا السلطان الملك الظاهر بيبرس، و أقام بركة (1) ، و سافر به إلى الشام، و جهزه من الشام إلى بغداد، و أنه لما عبر الفرات بمن معه من العسكر ظن أن التتار قد انتزحوا عن العراق، و فارقوها على عادتهم أنهم يخربون و يذهبون و لا يقيمون، و لم‏[479]يدر أنهم فى البلاد، فسار على ما هو عليه، و اتصل بالتتار قدومه لأخذ الثأر، فجردوا إليه عسكرا صحبة هلاجو و أزدان، فأدركوه و قد بلغ عانا (2) ، فحاربوه حربا عوانا، فصابرهم جهده، و ثبت لصدمتهم وكده، ثم تكاثروا عليه و تبادروا إليه، فلم يكن له قبل بكثرتهم و لا طاقة بمنعهم لمنعتهم، فأخذته السيوف و أدركته الحتوف، فمات شهيدا و تولى حميدا، و قتل أكثر من كان معه، و تفرق من با بنفسه، و كان قتله فى ثالث المحرم من هذه السنة أعنى سنة ستين و ستمائة (3) .

____________

(1) البرك: لفظ فارسى معناه الثوب المصنوع من و بر الجمال، ثم أصبح لفظا إصطلاحيا يقصد به أمتعة المسافر أو مهمات الجيش-هامش (1) ص 87 من النجوم الزاهرة. جـ 8.

(2) عانة: بلد مشهور بين الرقة و هيت، من أعمال الجزيرة، مشرفة على الفرات-معجم البلدان.

(3) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى جـ 2 ص 72 رقم 251، النجوم الزاهرة جـ ص 206، الوافى جـ 7 ص 384 رقم 3378، السلوك جـ 1 ص 467، 476، ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 163 و ما بعدها.

غ

329

و قد ذكر بيبرس وفاته فى السنة الماضية (1) ، و الصواب ما ذكرناه.

و شغرت البلاد من الخليفة العباسى إلى أن قدم أبو العباس أحمد بن الأمير أبى على القبى بن الأمير على بن الأمير أبى بكر بن الإمام المسترشد باللّه بن المستظهر باللّه أبى العباس أحمد من بلاد الشرق، و صحبته جماعة من رؤوس تلك البلاد، و قد كان شهد الوقعة فى صحبة المستنصر باللّه المقتول، و هرب هو فى جماعة من المعركة، فسلم، و توجه إلى الديار الشامية طالبا الديار المصرية، فحضر إلى القاهرة فى السابع و العشرين من ربيع الآخر من هذه السنة، و يوم دخوله تلقاه السلطان الملك الظاهر و سرّ به، و أكرمه و عظمه، و أنزله فى البرج الكبير بقلعة الجبل، و أجرى عليه الأرزاق الدارة و الإحسان، و لم يحصل له بيعة إلا فى سنة إحدى و ستين و ستمائة، على ما نذكره إن شاء اللّه تعالى.

ذكر ماجريّات الملك الظّاهر:

منها: أخذه الشوبك من الملك المغيث بن الملك العادل الصغير.

و لما عاد السلطان من الشام إلى الديار المصرية فى السنة الماضية جرد الأمير بدر الدين الأيدمرى و معه جماعة، و لم يعلم أحدا جهة مقصده، لأن الملك الظاهر كان حازما فى أمره، كأنما لسره مقتديا بقول القائل:

إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه # فصدر الذى يستودع السرّ أضيق‏

____________

(1) ذكر بيبرس المنصورى خبر مقتل الإمام المستنصر باللّه فى أحداث سنة 659 هـ، و لكنه لم يحدد بالضبط يوم مقتله-زبدة الفكرة جـ 9 و رقم 49 أ، 49 ب.

330

فسار الأمير المذكور و من معه إلى الشوبك، و تسلمها يوم الأحد وقت العصر فى العشر الأواخر من شهر[ذى الحجة (1) ]، و رتب فيها سيف الدين بلبان‏[480] المختصّى واليا، و استخدم بها النقباء، و الجاندارية (2) ، و أفرد لخاص القلعة ما كان مفردا لها فى الأيام الصالحية (3) .

و لما أخذها السلطان كان عند المغيث جماعة من الشهرزورية، فاعتمدوا الغارة على بلادها، فجرّد السلطان إليهم من يردّهم، و شرع فى تجهيز عسكر إلى الكرك، فسير المغيث بن العادل يلتمس العفو عنه من السلطان، ثم أرسل يستعطف السلطان، فأجابه، و أقطعه دبيان‏ (4) ، و استأمنت الشهرزورية إلى السلطان، فأمنهم و عفا عنهم، و أعطى بعضهم الإقطاعات.

و منها: أن فى ذى القعدة قبض الملك الظاهر على نائبه بدمشق و هو علاء الدين طيبرس‏ (5) الوزيرى، و كان قد تولى دمشق بعد مسير الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار عنها.

____________

(1) []موضع بياض فى الأصل، و الإضافة من مفرج الكروب: و ما يفهم من الروض الزاهر ص 121، و ذلك سنة 659 هـ. و ورد فى المختصر: «فتسلم الشوبك فى سلخ ذى الحجة من هذه السنة أعنى سنة تسع و خمسين و ستمائة» -جـ 3 ص 214.

(2) «الجنادرة» فى الروض الزاهر ص 121. الجاندار: هو الأمير الذى يستأذن على دخول الأمراء للخدمة، و يتبعه الجندراية-صبح الأعشى جـ 4 ص 20، جـ 5 ص 459.

(3) انظر الروض الزاهر ص 121.

(4) دبيان: قرية فى الأردن، تجاه البلقاء-لوسنرنج.

(5) توفى سنة 689 هـ/1290 م-المنهل الصافى.

331

و سبب القبض عليه أنه بلغ الملك الظاهر عنه أمور كرهها، فأرسل إليه عسكرا مع عز الدين الدمياطى و علاء الدين الركنى و غيرهما من الأمراء، فلما وصلوا إلى دمشق، خرج طيبرس للقائهم، فقبضوا عليه، و قيدوه، و أرسلوه إلى مصر، فحبسه الملك الظاهر، و استمرّ فى الحبس سنة و شهرا، و كانت مدّة ولايته بدمشق سنة و شهرا أيضا.

و كان ردئ السيرة فى أهل دمشق، حتى نزح منها جماعة كثيرة من ظلمه، و قبض اللّه عليه من جازاه بمثله، ثم أطلقه فيما بعد، و أحسن إليه، و أعطاه إمرة و قربة و أدناه، و لما أرسل إلى القلعة مقيدا أقام بدمشق الأمير علاء الدين أيدغدى الحاج الركنى إلى أن عين السلطان لها الأمير جمال الدين أقوش‏ (1) النجيبى‏ (2) ، و أرسله إليها فى هذه السنة، فولى بها نيابة السلطنة مدّة.

و كان جمال الدين هذا من أكابر الأمراء.

و استوزر بدمشق‏ (3) عز الدين بن وداعة.

و منها: أن السلطان جرد الأمير عز الدين أمير جاندار إلى الصعيد ليردع العربان، فإنهم كانوا قد طمعوا بتغير الممالك و نافقوا و قتلوا عز الدين الحواش‏ (4) والى قوص، فحسم مادتهم و بدد شملهم.

____________

(1) توفى سنة 677 هـ/1278 م-المنهل الصافى جـ 3 ص 24 رقم 516.

(2) انظر المختصر جـ 3 ص 214-215.

(3) «و فوض السلطان وزارة دمشق لعز الدين بن وداعة» فى السلوك جـ 1 ص 468، و انظر أيضا الروض الزاهر ص 141. و هو عبد العزيز بن منصور بن محمد، الصاحب عز الدين المعروف بابن وداعة، و المتوفى سنة 666 هـ/1267 م-المنهل الصافى.

(4) «الهواش» فى السلوك جـ 1 ص 471.

332

و منها: أن السلطان رسم للعساكر التى بالشام بالغارة على بلد أنطاكية، [481]فتوجه الأمير شمس الدين سنقر الرومى بمن كان قد جرد معه لتشييع الخليفة الذى قتل، و توجه صاحب حماة و حمص فأغاروا عليها، و أخذوا ميناءها، و نهبوا و غنموا، و عادوا سالمين غانمين إلى مصر (1) ، و معم أزيد من ثلاثمائة أسير، فقابلهم السلطان بالإحسان و الإنعام.

و منها: أن السلطان أرسل رسولا إلى الأشكرى صاحب قسطنطينية، و وجه صحبته بطرك الملكية بمصر، فإن الأشكرى كان قد سير رسله يلتمس إنفاذه إليه‏ (2) ، و كان الذى أرسله السلطان الأمير أقوش المسعودى، و لما بلغ الرسالة عاد و عاد معه البطرك، و قد حصل له من الأشكرى مال و قماش و مصوغ، فعرضه على السلطان فرده عليه.

و أخبر الرسول المذكور بأن الأشكرى أبقى الجامع الذى بالقسطنطينية، فأمر السلطان أن يجهز له الحصر و الستور و القناديل و المباخر و السجادات و الطيب، و كان هذا المسجد قد بنى فى سنة ست و تسعين عند ما وقع العداء مع الروم فى خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان، و أن بانيه مسلمة بن عبد الملك.

و منها: أن السلطان عزل عن القضاء بمصر و القاهرة القاضى بدر الدين السنجارى، و أعيد القاضى تاج الدين بن بنت الأعز.

____________

(1) «فى يوم الخميس تاسع و عشرين شهر رمضان سنة ستين» -الروض الزاهر ص 133.

(2) «و كان قد سير الأشكرى إلى السلطان يلتمس منه بطركا للنصارى الملكيين، فعين الرشيد الكحال لذلك» -الروض الزاهر ص 129، و انظر أيضا السلوك جـ 1 ص 471.

333

و فى هذه السنة أمر السلطان للقاضى تاج الدين هذا بأن يستنيب من المذاهب الثلاثة، فاستناب صدر الدين سليمان الحنفى، و الشيخ شرف الدين عمر السبكى المالكى، و الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ العماد الحنبلى.

ذكر بقية الحوادث:

منها: أن فى نصف رجب وردت جماعة من مماليك الخليفة المستعصم البغاددة، و كانوا قد تأخروا فى العراق بعد استيلاء التتار على العراق و قتل الخليفة، و كان مقدمهم يسمى شمس الدين سلار، فأحسن الملك الظاهر ملتقاهم و عين لهم إقطاعات بالديار المصرية. (1)

و منها: أن فى ذى الحجة من هذه السنة ظهر بين القصرين بالقاهرة عند الركن المخلق مجر مكتوب عليه: [482]هذا مسجد موسى عليه السلام، فخلق بالزعفران، و سمى من ذلك اليوم الركن المخلق.

و منها: أن فى رجب وصل إلى القاهرة إلى خدمة الملك الظاهر عماد الدين ابن مظفر الدين صاحب صهيون‏ (2) و صحبته هدية جليلة، فقبلها الملك الظاهر و أحسن إليه‏ (3) .

و منها: أنه جهز الملك المنصور صاحب حماة شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصارى رسولا إلى الملك الظاهر، و وصل شيخ الشيوخ المذكور فوجد السلطان

____________

(1) الروض الزاهر ص 124.

(2) صهيون: بكسر أوله ثم السكون، و ياء مفتوحة، و واو ساكنة و نون: حصن من أعمال سواحل الشام لا يشرف على البحر-معجم البلدان.

(3) انظر الروض الزاهر ص 127-128، السلوك جـ 1 ص 470.

334

الملك الظاهر عاتبا على صاحب حماة لاشتغاله عن مصالح المسلمين باللهو، و أنكر الملك الظاهر على الشيخ شرف الدين ذلك، ثم انصلح خاطره و حمله ما طيب به قلب صاحبه الملك المنصور، ثم عاد إلى حماة. (1)

و منها: أنه وصل رسل السلطان عز الدين صاحب الروم إلى السلطان الملك الظاهر يستنجده و يستمدّه، و كان أرسلهم لما ضايقه أخوه قبل انهزامه إلى بلاد الأشكرى، و هم شرف الدين الجاكى، و الشريف عماد الدين الهاشمى، و الأمير ناصر الدين بن كوج رسلان أمير حاجب، و وصل معهم كتابه بأنه نزل للسلطان عن نصف مملكته، و سير دروجا عليها علائمه ليكتب فيها مناشير بما يقطعه السلطان من بلاده لمن يشاء، فأكرم السلطان رسله، و جهز السلطان الأمير ناصر الدين أغلمش الصالحى ليتوجه إليه بجماعة من العسكر و أقطعه ثلثمائة فارس فى الروم، و لما وقع الاهتمام بذلك جاءت الأخبار بانهزامه، فتأخر الحال، فكان كما قيل:

أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه # و قد حيل بين العير و النزوان‏

و منها: أنه وصل من عند التتار قصاد إلى الملك المنصور صاحب حماة و معهم فرمان له، فأرسل القصاد و الفرمان إلى السلطان الملك الظاهر.

و منها: أنّ فى هذه السنة اصطاد بعض الأمراء الظاهرية بجرود (2) حمار وحش، فطبخوه فلم ينضج، و لا أثر فيه كثرة الوقود، ثم افتقدوا أمره فإذا هو موسوم على أذنه بهرام جور، ذكره ابن خلكان و قال: قد أحضروه إلىّ

____________

(1) انظر المختصر جـ 3 ص 215.

(2) «بحدود حماة» فى البداية و النهاية.

335

فقرأته كذلك، و هذا يقتضى أن لهذا الحمار قريبا من ثمانمائة سنة، فإن بهرام جور كان قبل المبعث بمدة متطاولة، و حمر الوحش تعيش دهرا طويلا.

و قال ابن كثير: يحتمل أن يكون هذا بهرام شاه الملك الأمجد؛ إذ يبعد بقاء[483]مثل هذا بلا اصطياد هذه المدة الطويلة و يكون الكاتب قد أخطأ فأراد كتابة بهرام شاه، فكتب بهرام جور و حصل اللبس من هذا (1) .

قلت: كلام ابن كثير بعيد، فإش يحتاج إلى هذه التأويلات البعيدة، و لا ضرورة إليها، فإن عيش الحمر الوحشية هذه المدة غير بعيد، و عدم وقوعها فى الصيد غير بعيد، و أيضا فإن المواسم التى يسمون بها آذان الحيوان بأسماء الملوك مقررة عندهم مكتوبة صحيحة حتى لا يقع الاشتباه، فكيف يلتبس بهرام شاه ببهرام جور؟

و منها: أن القاضى شمس الدين بن خلكان نزل عن تدريس الركنية للشيخ شهاب الدين أبى شامة، و حضر عنده حتى درس و أخذ فى أول مختصر المزنى‏ (2) .

و منها: أن فى عشية يوم الثلاثاء الثامن عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة شنق قاضى المقس و هو الكمال خضر (3) الكردى أحد أقارب قاضى سنجار بالقاهرة المحروسة، و ذلك بأنه تعرض لإقامة دولة باجتماعه مع جماعة من الأكراد الشهرزورية فقبض عليه، و علق و فى رقبته تواقيع كان كتبها، و بنود من شعار

____________

(1) البداية و النهاية جـ 13 ص 233.

(2) انظر الذيل على الروضتين ص 216.

(3) هو خضر بن أبى بكر بن أحمد، القاضى كمال الدين الكردى قاضى المقس، شنق سنة 660 هـ/1261 م-المنهل الصافى، الذيل على الروضتين ص 217، ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 171.

336

الدولة التى كان رام إقامتها، و كان قبل ذلك قد صنع خاتما و جعل تحت فصه ورقة، و ذكر أنه وجده، و فيها أسماء جماعة من أولى الثروة بمال عندهم مودع، و رام استئصال أموالهم و التقريب بها إلى ولاة الأمر، فاطلع على محاله فأهين و صفع، فقيل فيه:

ما وفق الكمال فى أفعاله # كلا و لا سدد (1) فى أقواله

يقول من أبصره يصك تأ # ديبا على ما كان من مجاله‏ (2)

قد كان مكتوبا على جبينه # فقلت لا بل كان فى قذاله‏

و قال أبو شامة: و سألت الحاكم شمس الدين أحمد بن محمد عن هذه القضية، فأخبرنى أن هذا الكمال خضر كان قد علق به حب التقدم عند الملوك بسبب أنه كان قد تقدم عند الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى، ثم أبعد و اتفق أنه لما صنع الخاتم المذكور و حبس كان فى الحبس شخص آخر يدعى أنه من ولد العباس و كانت الشهرزورية أرادت مبايعته بالخلافة و هيأوا أمره بغزة، فلما تبدد شملهم‏[484]أخذ هذا و حبس، فاتفق خضر معه فى الحبس على أنه يسعى له فى ذلك الأمر و يكون هو وزيره، فاتفق موت العباسى، فلما خرج خضر سعى فى إتمام الأمر لابنه، فتم ماتم.

قال: و كان فى زمن الإمام الناصر أحمد قد ورد إلى إربل شخص يسمى الأمير (3) الغريب، كان يدعى أنه ولد الناصر، ثم توفى سنة أربع عشرة و ستمائة،

____________

(1) «و لا صدق» فى الذيل على الروضتين.

(2) «

يقول من أبصره يصر # نادما على ما كان من محاله‏

» -الذيل على الروضتين ص 217.

(3) «الأمر» فى الأصل، و التصحيح من الذيل على الروضتين.

337

فادّعى هذا الشخص أنه ابنه عند الشهرزورية، فقدموه، فحبس و مات، و خلف ولدا صغيرا، فسعى الكمال فى المبايعة له، فجرى ما جرى و قد خاب من افترى‏ (1) .

و فيها: «......... (2) »

و فيها: حج بالناس «......... (3) »

____________

(1) الذيل على الروضتين ص 218.

(2و3) «» بياض فى الأصل.

338

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

الحسن‏ (1) بن محمد بن أحمد بن نجا الصوفى، من أهل نصيبين.

و نشأ بأربل و اشتغل بعلوم كثيرة من علوم الأوائل، و كان يشغل أهل الذمة و غيرهم، و نسب إلى الإنحلال و قلة الدين و ترك الصلوات، و كان ذكيا مفرطا، و له شعر رائق، و كان ضريرا، و هذا الضرير شبيه بأبى العلاء المعرى الضرير فى أموره.

ابن عبد السلام: الشيخ الإمام العالم العلامة عز الدين عبد العزيز (2) بن عبد السلام ابن أبى القاسم الحسن بن محمد بن المهذب أبو محمد السلمى الدمشقىّ الشافعى.

شيخ المذهب، و مفيد أهله، و صاحب المصنفات الحسان منها: التفسير، و اختصار النهاية، و القواعد الكبرى و الصغار، و كتاب الصلاة، و الفوائد الموصلية، و غير ذلك‏ (3) .

ولد سنة سبع أو ثمان و سبعين و خمسمائة، و سمع كثيرا، و اشتغل على الشيخ فخر الدين بن عساكر، و غيره، و برع فى المذهب، و درّس بعدة مدارس بدمشق،

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، فوات الوفيات جـ 1 ص 362 رقم 131، العبر جـ 5 ص 259، شذرات الذهب جـ 5 ص 301.

(2) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، درة الأسلاك ص 29، فوات الوفيات جـ 2 ص 350 رقم 287، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 208، المختصر جـ 3 ص 215، الذيل على الروضتين ص 216. ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 505، جـ 2 ص 172، البداية و النهاية جـ 13 ص 235، طبقات الشافعية الكبرى جـ 8 ص 209 رقم 1183، شذرات الذهب جـ 5 ص 301، العبر جـ 5 ص 260.

(3) عن مصنفات صاحب الترجمة انظر هدية العارفين جـ 1 ص 580.

339

و ولى خطابتها، ثم انتقل عنها إلى الديار المصرية بسب إنكاره على الصالح إسماعيل تسليمه صفد و الشقيف إلى الفرنج و غير ذلك، و وافقه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكى، فأخرجهما من بلده، فسار أبو عمرو بن الحاجب إلى الناصر دواد صاحب الكرك، فأكرمه، و سار عز الدين إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، فأكرمه و ولاه قضاء مصر و خطابة الجامع العتيق، ثم انتزعهما منه و أقره على تدريس الصالحية، فلما حضره الموت أوصى بها للقاضى تاج الدين بن بنت‏[485]الأعز.

و كانت وفاته فى العاشر من جمادى الأولى من هذه السنة، و قد نيف على الثمانين، و دفن من الغد بسفح جبل المقطم، و حضر جنازته الملك الظاهر و خلق من الأئمة.

كمال الدين بن العديم: عمر (1) بن أحمد بن هبة اللّه بن محمد بن هبة اللّه بن أحمد ابن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن أبى جرادة ابن عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل العقيلى الحلبى الحنفى، كمال الدين أبو القاسم، الأمير الوزير، الرئيس الكبير.

ولد سنة ست و ثمانين و خمسمائة، و سمع الحديث، و حدث و تفقه، و أفتى و درس، و صنف، و كان إماما فى فنون كثيرة، و ترسّل إلى الخلفاء و الملوك

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، درة الأسلاك ص 3، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 208، العبر جـ 5 ص 261، المختصر جـ 3 ص 215، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 510، جـ 2 ص 177، السلوك جـ 1 ص 476، تاج التراجم ص 48 رقم 143» فوات الوفيات جـ 3 ص 126 رقم 372، شذرات الذهب جـ 5 ص 303.

340

مرارا عديدة، و كان يكتب حسنا طريقة مشهورة، و صنّف لحلب تاريخا مفيدا (1) يقرب من أربعين مجلدا، و كان جيد المعروف بالحديث، حسن النظر بالفقراء و الصالحين، كثير الإحسان إليهم، و قد أقام بدمشق فى الدولة الناصرية المتأخرة.

و كانت وفاته بمصر، و دفن بسفح الجبل المقطّم بعد الشيخ عز الدين بعشرة أيام.

و فى تاريخ النويرى: و كان قد قدم إلى مصر لما جفل الناس من التتار، ثم عاد إلى حلب بعد خرابها، فلما نظر إليها و رأى ما فعله التتار بها تأسف و قال فى ذلك قصيدة طويلة، من جملتها هى هذه:

هو الدّهر ما تبنيه كفّاك يهدم # و إن رمت إنصافا لديه فيظلم

أباد ملوك الأرض كسرى و قيصرا (2) # و أصمت لدى فرسانها منه أسهم

و ملك بنى العباس زال و لم يدع # لهم أثرا من بعدهم و هم هم

و أعتابهم أضحت تداس و عهدها # تباس بأفواه الملوك و تلثم

و أفنى بنى أيوب كثر جميعهم‏ (3) # و ما منهم إلاّ مليك معظم‏ (4)

و عن حلب ما شئت قل من عجائب # أحلّ بها يا صاح إن كنت تعلم‏

____________

(1) هو كتاب «بغية الطب فى تاريخ حلب» -هدية العارفين جـ 1 ص 787.

(2) «أباد ملوك الفرس جمعا و قيصرا» -المختصر جـ 3 ص 215.

(3) «و أفنى بنى أيوب مع كثر جمعهم» -المختصر جـ 3 ص 215.

(4) هذا البيت هو الثالث فى الترتيب فى المختصر.

غ

341

غداة أتاها للمنيّة بغتة # من المغل جيش كالسحاب عرمرم

أحاطوا كأسراب القطا يربوعها # على سبّق جرّد من الخيل طهّم

و من بعد ست هاجموها و ما لهم # من الموت واق لا و لا منه معصم

فما دفعت أسوارها عنهم الذى # دهاهم و لا ما شيّدوه و رمّموا

[486]

أتوها كأمواج البحار زواخر # بيض و سمر و القتام مخيّم

فلو حلب البيضاء عاينت تربها # و قد عندم الفضّىّ من تربها الدّم

و قد سيّرت تلك الجبال و سجرت # بهنّ بحار الموت و الجوّ أقتم

و قد عطّلت تلك العشار و أذهلت # مراضع عما أرضعت و هى هيّم

فيا لك من يوم شديد لغامه # و قد أصبحت فيه المساجد تهدم

و قد درست تلك المدارس و ارتمت # مصاحفها فوق الثرى و هى تهضم‏ (1)

و قد جززت تلك الشعور و ضمّخت # وجوه بأمواه الدماء و هى تلطم

و كلّ مهاة قد أهينت سبيّة # و قد طال ما كانت تعزّ و تكرم

تنادى إلى من لا يجيب نداءها # و تشكو إلى من لا يرقّ و يرحم

فما غادروا إلا اليسير و قد أتى # الحساب على الباقين بالحرف يقسم

و أقوت رسوم كنّ فيها و أقفرت # ربوع بهم كانت تنهر و ترسم

فأيقنت أن الأرض مادت و أقبلت # بها الصاخّة الكبرى و الآن التنقّم

فيا حلبا أنّى ربوعك أقفرت # و أعيت جوابا فهى لا تتكلّم

و كنت لمن و افاك بالأمس جنّة # فما بال هذا اليوم أنت جهنّم‏

____________

(1) «و هى ضخم» -المختصر.

342

بأىّ جنا منك استحقّيت ذى الذى # أصابك و الأعداء فيك تحكّموا

و كيف أصابتك الحوادث غرّة # بعين الرّدى و البؤس عنك يترجم

أما كنت ملجأ لمن خاف حايرا # و فيك لذى البأساء و الضرّ أنعم

أما كنت غوثا للوفود و مقصدا # يخافك ذو شرّ و يرجوك معدم

أما كنت للداعى إذا ما دعى جدا # و فيك لمن يبغى من البغى مقدم

يعزّ على قلبى المعنّى بأنّنى # أرى ربعك المأنوس قفرا و يعظم

فأين أحبّائى الذين عهدتهم # بربعك و القطّان فيك مخيّم

و أين شموس كنّ بالأمس طلّعا # فأين استقلّوا بالرّكاب و يمّموا

فها أنا ذو وجد يحيد بأضلعى # عليك و عيشى فى البلاد يذمّم‏

[487]

أنوح على أهليك فى كلّ منزل # و أبكى الدّجى شوقا و أسأل عنهم

و لكنّما للّه فى ذا مشئة # فيفعل فينا ما يشاء و يحكم‏ (1)

يوسف‏ (2) بن يوسف بن يوسف بن سلامة بن إبراهيم بن الحسن بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن جعفر بن سليمان بن محمد الفافا الزينبى بن إبراهيم بن محمد بن على ابن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، محيى الدين أبو العز، و يقال أبو المحاسن الهاشمى العباسى الموصلى، المعروف بابن زبلاق الشاعر.

قتلته التتار لما فتحوا الموصل فى هذه السنة، عن سبع و خمسين سنة، فمن شعره قوله فى بعض قصيدة من ديوانه:

____________

(1) توجد بعض أبيات هذه القصيدة فى المختصر جـ 3 ص 215-216.

(2) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، درة الأسلاك ص 31، العبر جـ 5 ص 262، فوات الوفيات جـ 4 ص 384 رقم 598، البداية و النهاية جـ 13 ص 236، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 513-524، جـ 2 ص 181، السلوك جـ 1 ص 476، شذرات الذهب جـ 5 ص 304.

343

بعثت لنا من سحر مقلتك الوسنى # سهادا يذود الجفن أن يألف الوسنا (1)

و أبصر جسمى حسن خصرك ناحلا # فحاكاه لكن زاد فى دقّة المعنى

و أبرزت وجها أخجل الشمس‏ (2) طالعا # [و مالت بقد علم الهيف الغصنا (3) ]

حكيت أخاك البدر فى حال تمه‏ (4) # سنا و سناء اذ تشابهتما سنا

البدر المراغى‏ (5) الخلافى، المعروف بالطويل، مات فى ثانى عشر جمادى الآخرة من هذه السنة.

و قال أبو شامة: كان قليل الدين، تاركا للصلاة، مغتبطا بما كان فيه من معرفة الجدال و الخلاف على طريقة إصطلاح المتأخرين‏ (6) .

محمد (7) بن داود بن ياقوت الصارمى المحدث.

كتب كثيرا، و كان دينا خيرا، يعير كتابه، و يداوم على الاشتغال بسماع الحديث، مات فى هذه السنة.

____________

(1) «يألف الجفنا» فى ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 185، فوات الوفيات جـ 4 ص 389، «يزود الكرى أن يألف الجفنا» فى البداية و النهاية جـ 13 ص 236.

(2) «أخجل الصيح» فى ذيل مرآة الزمان، و البداية و النهاية، «يخجل البدر» فى فوات الوفيات.

(3) []بياض فى الأصل، و الإضافة من ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 186، و «مست بقد» فى فوات الوفيات، «و ملت بقد علم الصيف الغصن اللدنا» فى البداية و النهاية.

(4) «ليلة تمة» فى البداية و النهاية.

(5) و له أيضا ترجمة فى: الذيل على الروضتين ص 217، البداية و النهاية جـ 13 ص 237.

(6) الذيل على الروضتين ص 217.

(7) و له أيضا ترجمة فى: ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 179. البداية و النهاية جـ 13 ص 237.

344

الشيخ المحدث أبو الحسن عبد الوهاب‏ (1) بن الشيخ أبى البركات الحسن المعروف بابن عساكر، حدث بدمشق و مصر و غيرهما، و تولى مشيخة دار الحديث النورية و غيرها بدمشق، توفى فى هذه السنة بمكة رحمه اللّه.

الأمير سيف الدين بلبان‏ (2) المعروف بالزردكاش، الذى كان استنابه طيبرس موضعه بدار العدل على دمشق لما سافر إلى حصار أنطاكية.

مات فى ثامن ذى الحجة من هذه السنة، و كان دينا خيرا يحب العدل و الصلاح.

____________

(1) و له أيضا ترجمة فى: العبر جـ 5 ص 260-161، ذيل مرآة الزمان جـ 1 ص 513 شذرات الذهب جـ 5 ص 302.

(2) و له أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى، النجوم الزاهرة جـ 7 ص 207، ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 165 الذيل على الروضتين ص 220.

345

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الحادية و الستين بعد الستمائة

____________

*

استهلت هذه السنة، و فى اليوم الثانى منها عقد للخليفة الحاكم بأمر اللّه عوضا عن المستنصر باللّه الذى قتله التتار، كذا قال بيبرس فى تاريخه.

و قال ابن كثير فى تاريخه: و فى يوم الخميس‏[488]ثانى‏ (1) المحرم من هذه السنة بويع له بالخلافة (2) .

و قال المؤيد فى تاريخه: و فى يوم الخميس فى أواخر ذى الحجة فى هذه السنة أعنى سنة ستين و ستمائة جلس الملك الظاهر و بايع له بالخلافة (3) .

و قال أبو شامة: ثم دخلت سنة إحدى و ستين و ستمائة و سلطان الديار المصرية و الشامية الملك الظاهر بيبرس الصالحى المعروف بالبندقدارى، و لا خليفة للناس يذكر بل السكة تضرب باسم المستنصر باللّه على ما كان الأمر عليه، و النائب بدمشق عن السلطان جمال الدين أقوش النجيبى، و قاضيها شمس الدين ابن خلكان‏ (4) .

____________

(*) يوافق أولها الأربعاء 15 نوفمبر 1262 م.

(1) «ثامن» فى الأصل، و التصحيح من البداية و النهاية جـ 13 ص 237، و يتفق مع ما ورد فى التوفيقات الإلهامية من أن يوم الخميس ثانى المحرم من السنة.

(2) البداية و النهاية جـ 13 ص 237.

(3) انظر المختصر جـ 3 ص 215.

(4) انظر الذيل على الروضتين ص 221.

346

و فيها: فى يوم الجمعة سادس عشر محرم خطب بجامع دمشق و سائر الجوامع للخليفة الحاكم أبى العباس أحمد، بويع له بقلعة القاهرة و مصر فى ثامن المحرم من السنة المذكورة (1) .

فنحن نبين ذلك مفصلا فنقول:

ذكر خلافة الحاكم بأمر اللّه:

و الكلام فيه على أنواع:

الأوّل: فى نسبه:
هو أبو العباس أحمد بن الأمير على القبّى بن الأمير أبى بكر بن الإمام المسترشد باللّه أمير المؤمنين أبى منصور الفضل بن الإمام المستظهر باللّه أبى العباس أحمد بن عبد اللّه المقتدى باللّه أبى القاسم بن القائم بن القادر بن الطائع بن المطيع، و باقى النسب ذكر غير مرة.

و قال أبو شامة: أبو العباس أحمد بن الحسين بن الحسن من ولد المسترشد (2) .

و قال بيبرس فى تاريخه: هو أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسن بن أبى بكر بن الحسن بن على القبى بن الحسن بن الخليفة الراشد باللّه أبى جعفر المنصور ابن المسترشد باللّه.

و قال المؤيد فى تاريخه: و قد اختلف فى نسبه، فالذى هو مشهور بمصر عند نسابة مصر أنه أحمد بن حسن بن أبى بكر بن الأمير أبى على القبى بن الأمير

____________

(1) هكذا بالأصل، و فى الذيل على الروضتين ص 221-انظر ما سبق.

(2) «من أولاد المسترشد» -الذيل على الروضتين ص 221.

347

حسن بن الراشد بن المسترشد بن المستظهر، و قد مر نسب المستظهر فى جملة خلفاء بنى العباس، و أمّا عند الشرفاء العباسيين فى درج نسبهم الثابت فقالوا: هو أحمد ابن أبى بكر على بن أبى بكر بن أحمد بن الإمام المسترشد الفضل بن المستظهر (1) .

الثانى: فى قدومه إلى الديار المصرية.

و قال أبو شامة: و فى سنة ستين و ستمائة يوم الأحد الثانى و العشرين من صفر وصل إلى دمشق الخليفة الحاكم الذى كان بايعه البرلى بحلب و أنزل فى قلعة دمشق مكرما، و ذلك بعد الوقعة التى قتل فيها الخليفة المستنصر، و كان معه‏[489] فهرب، ثم سافر إلى مصر يوم الخميس السادس و العشرين من صفر (2) .

و قال ابن كثير: فى السابع و العشرين من ربيع الآخر من سنة ستين و ستمائة دخل الخليفة الحاكم بأمر اللّه إلى مصر[من بلاد الشرق‏ (3) ]، و صحبته جماعة من رءوس تلك البلاد، و كان قد شهد الوقعة فى صحبة المستنصر باللّه و هرب هو فى جماعة من المعركة فسلم‏ (4) .

قلت: إذا كان خروجه من دمشق يوم الخميس السادس و العشرين من صفر على ما ذكره أبو شامة، و دخوله مصر يوم السابع و العشرين من ربيع الآخر على ما ذكره ابن كثير يكون مدة سفره من دمشق إلى مصر شهرين و يوم، و هذا بعيد

____________

(1) انظر المختصر جـ 3 ص 215.

(2) الذيل على الروضتين ص 216.

(3) []إضافة من البداية و النهاية، للتوضيح.

(4) البداية و النهاية جـ 13 ص 233.

348

جدا، اللهم إلا إذا كان تعوق فى الطريق لعروض مرض أو غيره، أو يكون زار القدس و الخليل و أقام فيهما أياما.

و قد ذكرنا أن السلطان الملك الظاهر تلقاه يوم دخوله، و أنزله فى البرج الكبير فى قلعة الجبل، و أجرى عليه الأرزاق الدارة و الإحسان.

الثالث: فى بيعته:

قال ابن كثير: لما كان يوم الخميس ثانى‏ (1) المحرم من سنة إحدى و ستين و ستمائة جلس الملك الظاهر ركن الدين بيبرس و أمراؤه و أهل الحل و العقد فى الإيوان الكبير بقلعة الجبل، و جاء الخليفة الحاكم بأمر اللّه راكبا حتى نزل عند الإيوان، و قد بسط له إلى جانب السلطان، و ذلك بعد ثبوت نسبه، فقرئ نسبه على الناس، ثم أقبل عليه الملك الظاهر فبايعه، و بايعه الناس بعده، و كان يوما مشهودا (2) .

و قال بيبرس: و لما كان الثانى من المحرم من سنة إحدى و ستين و ستمائة أحضره السلطان ليقرر له الإمامة و يبايعه على الخلافة بحكم وفاة الإمام المستنصر باللّه شهيدا بسيوف التتار، قتيلا بأيدى الكفار، فلم يرد أن يبقى منصب الخلافة شاغرا، وفوها فارغا، فأحضر الإمام المذكور راكبا إلى الإيوان الكبير الكاملى بقلعة الجبل، و أجلسه، و جلس إلى جانبه، و عملت له شجرة النسب العباسى، و بايعه السلطان على كتاب اللّه، و سنة رسوله، و الأمر بالمعروف، و النهى عن المنكر، و جهاد

____________

(1) «ثامن» من الأصل، و التصحيح من البداية و النهاية، و هو يتفق مع ما يلى، و انظر التوفيقات الإلهامية ص 331.

(2) البداية و النهاية جـ 13 ص 237.

349

أعداء اللّه، و أخذ أموال اللّه بحقها، و صرفها فى مستحقها، و إقامة الحدود، و ما يجب على الأئمة فعله من أمور الدين، و حراسة المسلمين.

ثم أقبل الخليفة على السلطان و قلده أمور[490]البلاد و العباد، و وكل إليه تدبير الخلق، و جعله قسيم نفسه فى القيام بالحق، و فوض إليه سائر الأمور، و غدق‏ (1) به صلاح الجمهور، ثم أخذ الأمراء و الوزراء و القضاة و الأجناد و الفقهاء و الناس على إختلاف طبقاتهم فى المبايعة، فتمت هذه البيعة المباركة.

و هذا الخليفة هو التاسع و الثلاثون من خلفاء بنى العباس، [و (2) ]ممن ليس والده و جدّه خليفة كثير (3) ، منهم: المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم، و المعتضد ابن طلحة بن المتوكل، و القادر بن اسحاق بن المقتدر، و المقتدى بن الذخيرة ابن القائم بأمر اللّه.

الرابع: فى خطبته:

و لما كان يوم الجمعة الثانية خطب الخليفة للناس خطبة بليغة و صلى بالناس بالقلعة.

الخطبة الأولى التى خطب بها:

الحمد للّه الذى أقام لآل العباس ركنا و ظهيرا، و جعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا، أحمده على السراء و الضراء[و أستعينه على شكر ما أسبغ من النعماء (4) ]

____________

(1) غدق العيش: اتسع-المنجد.

(2) []إضافة تتفق و السياق.

(3) «و كثير» فى الأصل.

(4) []إضافة من البداية و النهاية جـ 13 ص 237، ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 188.

350

و استنصر به‏ (1) على دفع الأعداء، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد (2) أن محمدا عبده و رسوله، صلى اللّه عليه‏[و سلم‏ (3) ]، و على آله و صحبه، نجوم الإهتداء، و أئمة الإقتداء الأربعة الخلفاء (4) ، و على العباس عمه‏ (5) و كاشف غمه، أبى السادة الخلفاء «الراشدين و الأئمة المهديين‏ (6) » ، و على بقية أصحابه [أجمعين‏ (7) ]و التابعين‏ (8) بإحسان إلى يوم الدين.

أيها الناس أعلموا أن الإمامة فرض من فروض الإسلام، و الجهاد محتوم على جميع الأنام، و لا يقوم علم الجهاد إلا باجتماع كلمة العباد، و لا سبيت الحرم إلا بانتهاك المحارم، و لا سفكت الدماء إلا بارتكاب المآثم‏ (9) ، فلو شاهدتم أعداء الإسلام حين‏ (10) دخلوا دار السلام، و استباحوا الدماء و الأموال، و قتلوا الرجال و الأبطال‏ (11) و الأطفال‏[و سبوا الصبيان و البنات، و أيتموهم

____________

(1) «و استنصره» فى الروض الزاهر ص 143.

(2) «و أشهد» ساقط من البداية و النهاية.

(3) []إضافة من البداية و النهاية.

(4) «لا سيما الأربعة» فى البداية و النهاية.

(5) «عمه و» ساقط من البداية و النهاية.

(6) «» ساقط من البداية و النهاية.

(7) []إضافة من البداية و النهاية.

(8) «و التابعين لهم» فى السلوك جـ 1 ص 478، و البداية و النهاية.

(9) «الجرائم» فى البداية و النهاية.

(10) «لما» فى البداية و النهاية.

(11) «و الأبطال» ساقط من البداية و النهاية، و ذيل مرآة الزمان.

351

من الآباء و الأمهات‏ (1) ]، و هتكوا حرم الخلافة و الحريم، «و أذاقوا من استبقوا العذاب الأليم، فارتفعت الأصوات بالبكاء و العويل‏ (2) » ، و علت الضجات‏ (3) من هول ذلك اليوم الطويل، فكم من شيخ خضبت شيبته بدمائه، و كم من طفل بكى فلا رحم‏ (4) لبكائه، فشمرّوا[عباد اللّه‏ (5) ]عن ساق الإجتهاد فى إحياء فرض الجهاد، فَاتَّقُوا (6) اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَ اِسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا، وَ أَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ، وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ .

فلم تبق معذرة فى القعود عن أعداء الدين و المحاماة عن المسلمين.

[491]و هذا السلطان الملك الظاهر السيد الأجل العالم العادل المجاهد [المؤيد (7) ]ركن الدنيا و الدين قد قام‏ (8) بنصر الإمامة عند قلة الأنصار (9) ، و شرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار، فأصبحت البيعة باهتمامه‏ (10) منتظمة العقود، و الدولة العباسية متكاثرة الجنود، فبادروا عباد اللّه إلى شكر هذه النعمة،

____________

(1) []إضافة من البداية و النهاية.

(2) «» ساقط من البداية و النهاية.

(3) «و علت الصيحات» فى البداية و النهاية.

(4) «فلم يرحم» فى البداية و النهاية جـ 13 ص 238.

(5) []إضافة من البداية و النهاية.

(6) «و اتقوا اللّه» فى الأصل، و التصحيح من سورة التغابن رقم 64 آية رقم 16.

(7) []إضافة من البداية و النهاية.

(8) «أقام» فى البداية و النهاية.

(9) «أنصار» فى الروض الزاهر ص 144.

(10) «بهمته» فى البداية و النهاية.

352

و أخلصوا نياتكم تنصروا، و قاتلوا أولياء الشيطان تظفروا، و لا يرو عنكم ما جرى، فالحرب سجال‏ وَ اَلْعََاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ (1) ، و الدهر يومان، و الآخر (2) للمؤمنين.

جمع اللّه على التقوى‏ (3) أمركم، و أعز بالإيمان نصركم، و استغفر اللّه العظيم لى و لكم و لسائر المسلمين‏ (4) ، فاستغفروه‏ إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ (5) .

الخطبة الثانية:

الحمد للّه، حمدا يقوم بشكر نعمائه، و يشهد بوحدانيته‏ (6) عدة عند (7) لقائه، و الصلاة على محمد خاتم أنبيائه‏ (8) ، عدد ما خلق فى أرضه و سمائه.

أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه، إن أحسن ما وعظ به الإنسان كلام الملك الديان، يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللََّهَ، وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ، وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ ،

____________

(1) سورة الأعراف رقم 7 جزء من الآية 128.

(2) «و الأجر» فى البداية و النهاية.

(3) «على الهدى» فى البداية و النهاية.

(4) «و استغفر اللّه لى و لسائر المسلمين» فى البداية و النهاية.

(5) سورة الزمر رقم 39 جزء من الآية رقم 53، و انظر نص هذه الخطبة فى:

زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 57 أ-58 أ، و انظر أيضا مفرج الكروب، الروض الزاهر ص 143-144، السلوك جـ 1 ص 478، البداية و النهاية جـ 13 ص 237-238، ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 188-189.

(6) «و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده، لا شريك له» فى الروض الزاهر ص 145، و السلوك جـ 1 ص 479.

(7) «عند» ساقط من السلوك.

(8) «و أشهد أن محمدا سيد رسله و أنبيائه، صلى اللّه عليه و على آله و صحبه» فى الروض الزاهر ص 145، و السلوك جـ 1 ص 479.

353

فَإِنْ تَنََازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللََّهِ وَ اَلرَّسُولِ‏ (1) ، إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللََّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ ذََلِكَ خَيْرٌ (2) وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً (3) .

نفعنا اللّه و إياكم‏ (4) بكتابه، و أجزل لنا و لكم من ثوابه، و غفر لى و لكم و للمسلمين أجمعين‏ (5) .

و ألبس الخليفة السلطان الفتوّة متصلة الإسناد، واحدا لواحد إلى سلمان الفارسىّ رضى اللّه عنه و سلمان إلى علىّ رضى اللّه عنه‏ (6) .

____________

(1) «و إلى الرسول» فى الأصل و هو تحريف.

(2) «ذلك خير لكم» فى السلوك، و هو تحريف.

(3) سورة النساء رقم 4 آية رقم 59.

(4) «و إياكم» ساقط من الروض الزاهر.

(5) زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 58 أ، 58 ب، الروض الزاهر ص 145، السلوك جـ 1 ص 478-479، ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 189-190.

(6) ورد فى الروض الزاهر:

«و لما كان ليلة الأربعاء ثالث شهر رمضان من السنة المذكورة سأل مولانا السلطان مولانا الخليفة-سلام اللّه عليه-هل لبس الفتوة أحد من أهل بيته الطاهرين، أو من أوليائهم المتقين، فقال: لا، و التمس من السلطان أن يصل سببه بهذا المقصود، و يتبحه هذا الأمر الذى من بيته بدأ و إليه يعود، فلم يمكن السلطان إلا طاعته المفترضة، و أن يمنحه ما كان ابن عمه-رضى اللّه عنه-افترضه» -الروض الزاهر ص 145-146، و انظر أيضا: ما ورد بهذا الخصوص فى ذيل مرآة الزمان جـ 2 ص 190.

غ

354

ذكر توجّه السّلطان الملك الظاهر إلى الطّور:

و فى هذه السنة، سار السلطان من الديار المصرية، و خرج بجيوشه و جموعه‏ (1) فى السابع من شهر ربيع الآخر، و خيّم على باب القاهرة بمسجد التبر حتى تكاملت العساكر، ثم رحل، و خلف بالقلعة المحروسة (2) فى نيابة السلطنة الأمير عز الدين ايدمر (3) الحلىّ، و لما و صلى إلى غزة وجد بها والدة الملك المغيث، و هى زوجة العادل بن الكامل، حضرت إليه مستعطفة له على ولدها، فأجرى معها الحديث فى حضوره، و أرسل صحبتها الأمير شرف الدين الجاكى المهمندار لتجهيز الإقامات [492]برسمه إذا حضر إليه، و نزل على حكمه، فخرج المذكور من الكرك، و لما بلغه وصوله إلى بيسان ركب لتلقيه يوم السبت السابع و العشرين‏ (4) من جمادى الأولى فلما وصل إلى الدهليز، احتيط عليه و على أصحابه، و أرسله إلى القاهرة من ليلته صحبة الامير شمس الدين آقسنقر (5) الفارقانى الظاهرى‏ (6) .

____________

(1) «و جمعه» فى الأصل و التصحيح من زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 58 ب.

(2) «فى قلعة الجبل» بالأصل، و التصحيح من زبدة الفكرة جـ 9 ورقة 58 ب.

(3) هو أيدمر بن عبد اللّه الحلى الحلبى النجمى، عز الدين، المتوفى سنة 667 هـ/1268 م- المنهل الصافى جـ 3 ص 170 رقم 600.

(4) «سادس عشرين» السلوك جـ 1 ص 482.

(5) هو آق سنقر بن عبد اللّه النجمى الفارقانى، الأمير شمس الدين، توفى سنة 677 هـ/ 1278 م-المنهل الصافى جـ 2 ص 494 رقم 500.

(6) انظر الروض الزاهر ص 149-150.