مراقد أهل البيت في القاهرة ومعه كتاب حياة الأرواح بعد الموت‏

- محمد زكي إبراهيم المزيد...
240 /
203

ثم إن شئت فاقرأ (على أطلال المذهب المادي) لفريد و جدي، و مجموعة مؤلفات أحمد فهمي أبو الخير.

ثمّ ارجع بعد ذلك إلى كتب المناقب و الأخبار و الطبقات تجد هناك تطبيق ما قرره هؤلاء، و ما كشفوه، و ما علله به اليوم علماء الكيمياء و الطبيعة مما لم يكن معلوما من قبل من أسرار الأثير و الكهرباء و الأشعة و المغناطيسية و الاهتزازات و الذبذبات، و حقيقة ماوراء المادة.

و حكمة اللّه في كشف هذه الحقائق على أيدي غير المسلمين مفهومة في دعوتهم إلى الإسلام و إكباره في قلوبهم، و ترسيخ ما جاء به في نفوس المؤمنين.

إذن؛ فقد فرق العلم القديم و الحديث في الشرق و الغرب، بين الموحدين و المشركين و الوثنيين و الملحدين، و العقلاء و المجانين، من تقرير حياة الأرواح، و أنّ لها عالما برزخيا راقيا، له نظام و ترتيب دقيق موقوت بالإذن الإلهي في توزيع حالات السجن و الانطلاق و الإحاطة.

و أن الأرواح هناك تتلاقي و تتزاور و تتذاكر، و تتباهى و تتعلم و تتعبد، و تحج و تعتمر و تصلّي، لا تكليفا «على قول»؛ بل رغبة في التزيد من التمتع بلذّة العبادة.

كما قد ثبت عقليا و شرعيا: أن هذه الأرواح تتنقل من مرتبة إلى مرتبة، و أنها تتسامى حتّى تعمل عمل الملائكة (1)، و أنها تتصل بهذا العالم البشري، و تعلم منه و تعمل فيه ما شاء اللّه بإذنه في حدود منزلة الروح من اللّه تعالى.

____________

(1) كما جاء في حديث: «رأيت جعفر في رفقة من الملائكة يبشرون أهل (بيشة بالمطر»، و لذا سمي جعفر الطيار، و سيأتي تخريج الحديث.

204

3) حديث: «إذا مات ابن آدم ...»:

و لقد ذهب جمهور من المحققين من خاصة أهل السنة إلى أن حكم التكليف منسحب إلى ما بعد الموت، على نهج إلهي خاص يجري مع مقتضيات حياة البرزخ.

ثم قالوا: فلا يرتفع هذا التكليف حتّى يسجد أهل الأعراف السجدة التي تثقل بها موازينهم.

قالوا: فإنه إن لم يكن التكليف منسحبا إلى هذه اللحظة ما نفعت هذه السجدة في شي‏ء قط، و هذا ثابت في السنة الصحيحة.

أمّا احتجاج بعضهم بحديث: «إذا مات (الإنسان) ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (1)، فهو مراد به عمله الدنيوي الحادث بوساطة الهيكل البشري، و هذا لا ينافي أن يكون لروحه عمل آخر حتميا، بمقتضى نصوص الآيات و مفاهيم‏

____________

(1) رواه مسلم (2/ 167 نووي)، و أبو داود (2/ 106)، و الترمذي، و النسائي، و البخاري في الأدب المفرد.

و الحديث واضح الدلالة في أن المراد: عمل الإنسان لنفسه في حياته، لا عمل غيره له، إذ أن ما ذكر في الحديث من عمله في حياته يقينا لا محالة، و أهل الحديث على أنّ الحصر ليس على إطلاقه، و أن العدد لا مفهوم له، بدليل ما رواه ابن ماجه (1/ 88)، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ مما يلحق المؤمن من عمله و حسناته بعد موته: علما نشره، و ولدا صالحا تركه، و مصحفا ورثه، و مسجدا بناه، و بيتا لابن السبيل بناه، و نهرا أجراه، و صدقة أخرجها من ماله في صحته و حياته». و رواه أيضا أبو نعيم في الحلية (2/ 344)، و قد نظم السيوطي ذلك، كما سيأتي.

205

الأحاديث الثوابت، كما حققه السيوطي نظما

إذا مات ابن آدم ليس يجري‏* * * عليه من فعال غير عشر

علوم بشها، و دعاء نجل‏* * * و غرس النخل و الصدقات تجري‏

وراثة مصحف، و رباط ثغر* * * و حفر البئر أو إجراء نهر

و بيت للغريب بناه يأوي‏* * * إليه، أو بناء محل ذكر

و تعليم لقرآن كريم‏* * * فخذها من أحاديث بحصر

(1)، و هذا دليل على حياة الروح و انتفاعها بعمل الغير بعد الموت، و كل هذا غير وصول ثواب عمل الأحياء له كالصّلاة و الصدقة عليه و الحج عنه و الدعاء له، و سداد دينه و زيارته؛ فهو هنا منتفع بغير عمله.

*.*.* 4) الخلايا الخالدة و عجب الذنب:

و لقد أثبت التشريح العلمي الحديث أن بالجسم خلايا حية بذاتها لا تتلاشى بالموت، و لا تتحول بفعل الطبيعة؛ فلعلّ هذه الخلايا هي إن صح ذلك الجزء الخاص من الجسم الإنساني المعروف عند بعض علماء المسلمين ب (عجب الذنب)، و فيه قولهم بأنه أول ما يحيا من الإنسان يوم ينفخ في الصور.

و يكون المعنى إن صح على الوجهين: إن هذه الذرات الخالدة هي أساس التكوين الثاني، و بذوره التي تتداعى إليها بقية أجزاء الجسم بطريقة الجذب المغناطيسي، أو غيره.

و قد تدلّ له صحاح أحاديث البعث التي نبهت على أن الجسم يومئذ

____________

(1) قال السيوطي (رحمه اللّه):

إذا مات ابن آدم ليس يجري‏* * * عليه من فعال غير عشر

علوم بشها، و دعاء نجل‏* * * و غرس النخل و الصدقات تجري‏

وراثة مصحف، و رباط ثغر* * * و حفر البئر أو إجراء نهر

و بيت للغريب بناه يأوي‏* * * إليه، أو بناء محل ذكر

و تعليم لقرآن كريم‏* * * فخذها من أحاديث بحصر

206

ينبت من الأرض كما تنبت الزروع بعد أن تمطره السماء ماء الحياة، و نكون بذلك قد حصلنا على دليل علمي جديد على عدم فناء جميع ذرات الجسم بالموت.

و إذا صحّ هذا الكشف كانت هذه الذرات كذلك هي أساس العذاب و النعيم الجسماني في القبر لصلته الخاصة بالرّوح، و تعلقها بها على صورة تقربها من عقولنا، صورة اتصال الشمس بالأرض، فإننا نحس حرارتها في شدتها و لينها، و ندرك حركاتها في فلكها، و نتأثر أو يتأثر الكون بانتقالاتها في بروجها، مع انفصالها عنها تمام الانفصال.

5) مسألة إحياء ليلة الأربعين:

فهذا تقريب أمر اتصال الرّوح بالجسد في نعيمهما و عذابهما، على القول باشتراكهما معا في ذلك، خصوصا في الأيام الأولى بعد الوفاة، حين يكون نوع تعلق الرّوح بالجسم على أشده.

و هذا مجمل الأثر النبوي القائل بأن خاصة رجال اللّه لا يبقون في قبورهم بعد أربعين، ثم هم قيام عند ربهم، فهذه هي أقصى مدة شرعية لشدة نوع تعلق الرّوح بالجسد عند الصّالحين بعد الموت. و هي عند غيرهم كذلك غالبا بدليل الأثر القائل بتكرار السؤال في القبر، أحيانا إلى أربعين يوما، و لا يعتبر ذلك سببا في التشبه بغير المسلمين في إحياء ليلة الأربعين للموتى؛ فهذا لم يرد عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لا عن صالح السلف، و إنما هي اجتهادات مجردة، ليس منها ليلة الأربعين.

207

و أكثر ما جاء من أحاديث هذا الباب فيه نظر، و هذا لا يمنع القول بأن هذين الخبرين هما أساس اهتمام أكثر أهل الموتى من المسلمين عادة ببذل الصّدقات و كثرة الاستغفار و الترحم عليه في هذه المدة، و الاهتمام كذلك بالإكثار من ذلك و إن لم يأت به نص أكيد، و لعل من أسبابه ما قد جاء من أن السؤال في القبر قد يتكرر إلى أربعين يوما بحسب عمل كل إنسان.

6) من افترسه الوحش أو اكله السمك:

و حين نقول ذلك فيستشكل علينا بعضهم بحال من افترسه الوحش أو أكله السمك مثلا و لا قبر له؟!.

فإنا نستطيع أن نقول: إن الرّوح صورة تامة للجسد، كما هو مذهب مالك و بقية المحققين، فأمام كل ذرة من الروح ذرة من الجسد تخدمها و تعمل فيها عملها، و مهما توزعت ذرات الجسم في البر و البحر و المشرق و المغرب و المكشوف و المحجوب؛ فلكل منها علاقتها المستقلة بما يقابلها من جزئيات الروح، و إليها يصل أثر النعيم أو الجحيم من هذا الجزء المقابل لها على ما قدمنا.

فلا موجب إذن للاعتصام بمذهب عنصر النعيم و العذاب على الرّوح وحدها؛ فالجزاء على الرّوح و الجسد جميعا، لاشتراكهما معا في كسب مقتضى الجزاء، و اللّه يفعل ما يشاء.

و المهم في المسألة على الرأيين: إثبات أن هناك روحا حية ذات إدراك و بقاء و علاقة بوجه من الوجوه بالجسد حيث يكون، غير أنه لا بأس من فضل إشارة إلى ما يختص بأجساد خاصة أهل اللّه كالأنبياء و الأولياء، فقد

208

ثبت في العقائد من صحيح الأحاديث مؤيدا بالوقائع التاريخية أن أجسامهم لا تبلى‏ (1)، طردا لقانون خرق العادة معهم في الحياتين، و قد جاء القرآن في ذلك بدليل قاطع عند الكلام على نبيّ اللّه سليمان قال تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى‏ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ‏ (2) أي أن الجن مع سعة علمهم و تمام إدراكهم لم يستطيعوا التمييز بين حالتي الموت و الحياة في نبيّ اللّه سليمان لعدم تغير حال جسمه بعد الموت.

و قد أشهد اللّه عباده في الدنيا صورة إعادة الروح و البدن إلى ما كانا عليه قبل الموت في قصة: الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ، و هم طائفة من بني إسرائيل هربوا من الطّاعون، و نسوا اللّه فأماتهم سبحانه ثمّ أحياهم بدعوة نبيهم «حزقيل».

و كرر اللّه تعالى ذلك بصورة أخرى في قصة «العزيز» أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى‏ حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ.

____________

(1) أورد ابن القيم (رحمه اللّه) في كتابه «الروح» جملة كبيرة من الآثار و الوقائع على ذلك، فمن شاء فليراجعه.

(2) تأمل الدقة في قوله تعالى: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ، لا جسده، و الجسد محفوظ لا يبلى للأنبياء و الأولياء.

209

ثم كرر اللّه هذا أيضا على يد نبيه إبراهيم في قصة أربعة الطير حيث ذبحها و جعلها أشلاء، ثم جعل على كل جبل منهن جزءا ثم دعاهن فأتينه سعيا بإذن اللّه ليطمئن قلبه.

و لا ننسى بهذه المناسبة أن الأرواح في الدنيا تشعر بالعذاب أو النعيم تبعا للجسم لأن الجسم مسلط عليها في هذه الدار، و على العكس من ذلك يعذب الجسم و ينعم في الدار الثانية تبعا للروح، حيث تكون هي المسلطة عليه‏ (1).

7) الأجسام و الأرواح و البرزخ:

فليس من غرضنا هنا إلا أن نثبت حياة الأرواح، و إنما جاء ذكر الأجسام عرضا و استطرادا، فالنتيجة العلمية القطعية لما قدمنا، و النتيجة الاعتقادية اليقينية كذلك، في جميع الأديان السماوية، أن النّاس في الدنيا و الآخرة كما هم في البرزخ أحياء حياة كاملة، لها مقوماتها و آثارها، و ما الموت إلا انتقال من حال إلى حال خير منها (لمن صلح)، و استبدال دار بدار أوسع و أكرم، إذ ما من دين سماوي إلا قام على دعامتين:

الأولى: التوحيد، و مقتضياته من العبادة و الرياضة و الأخلاق.

الثانية: الحياة بعد الموت، مع ما فيها من الجزاء و مقتضيات ذلك و أسبابه.

____________

(1) و في الحديث: «ما من عبد يمر بقبر عبد فيلقي (عليه السّلام) إلا رد (عليه السّلام) و عرفه» (تأمل!!).

210

8) نصوص الكتاب و السنة على حياة البرزخ و أسرار عالمه:

قال تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، و لا مخصص قطعي الدلالة، و لا مقتضى لقصر الحكم البرزخي على المجاهدين بالسيف و حدهم طمعا في فضل اللّه و رحمته، و سبيل اللّه: كل ما أمر به و نهى عنه، و منه جهاد النفس، فما جرى على روح فهو يجري على غيرها، مع اختلاف الحال و الجزاء بما يناسب كل روح لاشتراك الحقيقة الروحية و مقتضاها بين الجميع.

فالشهداء و من والاهم عند ربهم يرزقون، و الأشقياء و من جاراهم عنده كذلك يؤاخذون، و فيهم قال تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا، أي في البرزخ بدليل قوله بعد ذلك: وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ‏، و عليه قوله تعالى: كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ‏.

و قد استقصى الاستدلال عقلا و نقلا في هذا المقام، إمام السنة «الفخر الرازي» رضي اللّه عنه في تفسير: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏ و تفسير: وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ و تفسير:

فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً، و غير ذلك.

و وافقه كل من وليه من ثقات المفسرين إلى الألوسي و من بعده، كما تكفل الغزالي و المناوي و ابن القيم و غيرهم بتبيين حقائق عذاب البرزخ‏

211

و نعيمه بالآيات و الأحاديث، فليراجع. و قد أثبتوا جميعا تصرف الأرواح الصّالحة بعد الموت بإذن اللّه، أي استخدامه تعالى إياها فيما شاء على ما جرى في علمه القديم، حتّى استأهلت أن تكون من (المدبرات أمرا) مع الملائكة، و استحقت شرف الإقسام بها في كتابه العزيز.

9) إطلاق لفظ الروح و معناه و الإسراء:

قال بعض شيوخنا: إننا إذا لم نشأ أن نلتزم القول بأن الروح في بعض الآيات هو «جبريل» أو غيره من الملائكة، جاز لنا و اللّه أعلم أن نقول: إنّ الروح في مثل قوله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها هي أرواح خاصة رجال اللّه المقربين، و كثيرا ما تجد أن السياق و مفاهيم صحاح الآثار على ترجيح القول بذلك في بعض الآيات التي ذكرت فيها الروح و الملائكة.

أمّا أحاديث المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حياة البرزخ، فشي‏ء جم لمزيد وفير، حسبك منها حديث الإسراء في المتن و السند، و قد رواه بألفاظه و طرقه جميع رجال الحديث‏ (1)؛ و أثبتوا فيه أن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) صلّى إماما بأرواح الأنبياء مجتمعة لتكريمه في المسجد الأقصى، و ناب عنهم جده إبراهيم (عليه السّلام) في خطبة التشريف بين يديه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ورد عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خطبته بما هو منصوص في مظانه من الكتب.

____________

(1) و أخذوا به فيما عدا الشيخ عبد الجليل عيسى، و قلة نادرة من سابقيه و لا حقيه غفر اللّه لهم، و قد استوفى أحاديث الإسراء تخريجا الشيخ أحمد شاكر (رحمه اللّه) في شرحه على مسند الإمام أحمد.

212

ثمّ التقى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بعد عروجه إلى السموات العلى بأرواح من شاء اللّه من الأنبياء يتعبدون، و كان له معهم حديث منصوص، كما حدث بينه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بين موسى في شأن الصلوات الخمس، و كما رأى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أرواح أمته في صورة الأسودة (1) أى الجماعات المختلفة، و لو لم يكن في الموضوع إلا هذا الحديث مضافا إلى الآيات السوابق لكان أساسا لا ينقض لتحقيق القول بحياة الموتى في البرزخ، و عملها فيه.

10) أدلة أخرى على حياة البرزخ:

ثمّ: ألا ترى كيف شرع لنا أن ننادي الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في صلاتنا أثناء السّلام عليه في التشهد نداء الأحياء الحاضرين، نقول:

«السّلام عليك أيها النّبيّ و رحمة اللّه و بركاته»، ثمّ نوجه السّلام بعد ذلك إلينا و إلى عباد اللّه الصالحين أحياء و أمواتا جميعا إطلاقا.

كما أمرنا النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أن نخاطب الموتى كذلك خطاب الأحياء الحاضرين إذا نحن زرناهم فنلقي (عليهم السّلام) و ندعوا لهم، و نبلغهم أننا سنلحق بهم، تذكيرا لنا و تأنيسا لهم، أي أننا نحدثهم في قبورهم حديث من يزور بيوت الأحياء من إخوانه، كل ذلك ثابت في حديث (مسلم) من طريق سليمان بن بريدة و من طريق عائشة، و أخرجه الترمذي من طريق ابن عبّاس، كما أخرجه أصحاب السنن و المسانيد و الجوامع و المستدركات، و ما ذلك إلا لكي يتأكد في قلوبنا تمام الإيمان بحياة البرزخ الرّوحية بعد الموت.

____________

(1) الأسودة بوزن (أمثلة) جمع سواد بمعنى الجموع و الطوائف.

213

و قد ثبت ثبوتا يقينيا من طرق شتى: أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رغب الأمة في الصّلاة عليه، و أخبر أنّ الصّلاة تبلغه حيثما كان المصلّي عليه‏ (1)، و مقتضى هذا أن تكون حياته في برزخه و قبره حياة عملية إحاطية جامعة، ليست مجرد تعطل و انتظار ليوم النشور.

و روى النسائي و أحمد و مسلم عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): حياة موسى في قبره قائما يصلي‏ (2).

و روى البيهقي و أبو ليلى في مسنده، من حديث أنس رضي اللّه عنه، عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» (3).

قال ابن النجار: «أي بأذان و إقامة».

و عليه ما رواه السيوطي في الجامع الصغير و حسنه.

قال العزيزي: و تمامه عند مخرجه الطبراني و هو في هذا المعنى.

قال الزرقاني في المواهب و القسطلاني و الرملي و عليش و غيرهم: إن‏

____________

(1) أخرج أبو داود في سننه (4842)، و أحمد في مسنده (2/ 367)، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «صلّوا عليّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم». و له شواهد.

(2) أخرجه مسلم و النسائي و أحمد و البيهقي و أبو يعلى و ابن حبان. و انظر كتاب حياة الأنبياء للإمام البيهقى.

(3) رواه البيهقي في «حياة الأنبياء»، و ابن عدي في «الكامل»، و البزار، و أبو نعيم في «تاريخ أصفهان»، و ابن عساكر في «تاريخ دمشق»، و أبو يعلى، و صححه المناوي، و قال عنه الكتاني في «نظم المتناثر»: متواتر.

214

الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون‏ (1) و يصومون و يحجون و يعتمرون و يستكثرون من الصالحات نافلة غير مفروضة، و يثابون على ذلك طردا لقانون العدل الإلهي، و اللّه لا يضيع أجر المحسنين.

و قد سبق تكرير تقرير أن ما ثبت للنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فقد ثبت كذلك للموتى (إلا عند ورود الخصوصية) .. و قد نقل علماؤنا موافقة السلف لجميع ذلك، و منهم: ابن عباس و قتادة و الحسن و عمر بن عبيد، حتّى واصل بن عطاء المعتزلي و أتباعه، و الجبائي و من وليهم، و جمهرة المفسرين و المحدثين و الفقهاء و المتكلمين بلا خلاف .. و لم ينقل مطلقا عن فرقة إسلامية مهما انفردت بمذهب و عقيدة أنها أنكرت حياة البرزخ و أسرار عالمه العظيم.

11) مزيد من الأحاديث:

و قد روى البخاري و مسلم «أن الميت إذا دفن، و تولى عنه أصحابه، يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه».

و إذا قيل: إن هذا يكون قبل السؤال.

قلنا: و يكون كذلك بعده لصريح الآيات النازلة في فرعون بسورة غافر، ثم لتحقيق الوعد بحصول النعيم أو العذاب في الخبر الثابت القائل:

«القبر إمّا روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النّار»، و لتصديق‏

____________

(1) روى الحافظ الدارمي في سننه، عن سعيد بن عبد العزيز قال: «لمّا كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثلاثا، و لم يقم، و لم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، و كان لا يعرف وقت الصلاة إلّا بهمهمة يسمعها من قبر النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)».

215

الحديث الصحيح من شقه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للجريدة و وضعها على القبر رجاء التخفيف عن صاحبيه اللذين كانا يعذبان.

و من توصية الصحابة أن يقف المشيعون على القبر مسافة نحر جزور، لعل ذلك أن يخفف عنه.

و جاء في الصحيحين و غيرهما بألفاظ شتى، عن أبي طلحة رضي اللّه عنه: أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمر بقتلى المشركين في بدر فألقوا في قليب (و هو بئر غير مبنية) فجاء النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فوقف عليهم و ناداهم بأسمائهم و أسماء آبائهم، ثم قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؛ فإنّي وجدت ما وعدني ربي حقا»، فقال عمر رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه، ما تخاطب من قوم قد جيّفوا؟؛ فقال الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و الذي بعثني بالحق ما أنتم بأسمع لي منهم». و هذا الحديث الصحيح قد فصل الأمر بما لا يحتاج إلى تفصيل.

و خرّج السيوطي عن ابن أبي الدنيا في «كتاب القبور»، عن عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها، أن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «ما من رجل يزور قبر أخيه و يجلس عنده إلا استأنس به ورد عليه حتّى يقوم».

و خرّج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة، و روى مثله ابن عبد البر رضي اللّه عنه، عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إذا مرّ الرجل بقبر يعرفه فسلّم عليه رد (عليه السّلام) و عرفه، و إذا مر بقبر لا يعرفه فسلّم عليه رد (عليه السّلام)».

قال الحافظ السيوطي: أخرج الحارث بن أسامة في مسنده عن جابر

216

رضي اللّه عنه، عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «أحسنوا أكفان موتاكم أي ألزموا بها السنّة فإنّهم يتباهون و يتزاورون في قبورهم».

و به أخذ صاحب كنز الأسرار و من بعده.

12) و مزيد أيضا من الأحاديث:

و في الأربعين الطائية عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبه في دار الدنيا»، و هذا بالطبع و الجبلة من حيث أن الروح لا تزال تحتفظ بجميع خصائصها و اتجاهاتها.

و روى الديلمى عن عائشة رضي اللّه عنها، عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّ الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته» (1).

قلت: و هذا بالطبع يقتضى أنه يسرّه في قبره ما يسرّه في بيته، فهو إذن في برزخه يعلم فيرضى أو يغضب، و يؤيده ما في فتح الباري، و حسنه ابن حجر و غيره، قال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «و الذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبلى فيستعبر له صواحبه، فيا عباد اللّه لا تعذبوا أمواتكم».

و في هذا الحديث تقرير صريح لاتصال الميت بالحي و تأثره بحالته حزنا

____________

(1) و روى أحمد في مسنده بإسناد صححه الحافظ في فتح الباري (3/ 178) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) رأى رجلا قد اتكأ على قبر فقال له: «لا تؤذ صاحب القبر»، و أخرجه الطحاوي في معاني الآثار (1/ 296) من حديث ابن عمرو ابن حزم بلفظ: رآني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على قبر؛ فقال: «انزل عن القبر، لا تؤذ صاحب القبر و لا يؤذيك».

217

و فرحا، و يؤيده دعاء أبي الدرداء رضي اللّه عنه الذي يقول فيه: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أعمل عملا تخزي به أخوالي» (1).

و روى ابن عدي، أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال بعد أن قتل سيدنا جعفر رضي اللّه عنه: «عرفت جعفرا في رفقة من الملائكة يبشرون أهل بيشة بالمطر» (2)، و بيشة بلد باليمن.

و مقتضى هذا الخبر: أن من الأرواح ما يرتقي بإذن اللّه حتّى يبلغ رتبة الملائكة فيعمل عملهم، كما تقرر ذلك في تفسير قوله تعالى:

فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً، و هو ليس ببعيد، فمن قبل ارتقى إبليس، و هو من الجن، حتّى صار مع الملائكة؛ فارتقاء الأرواح في البرزخ أولى و أجدر، لا محالة، عدلا و فضلا من الغفور الرحيم.

و روى ابن المبارك عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «تعرض‏

____________

(1) الأثر أورده ابن القيم في كتاب: (الروح)، و ابن رجب في (أهوال القبور)، و السيوطي في غير كتاب له، و عزوه إلى ابن أبي الدنيا، و قد أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب (المنامات) بسنده إلى بلال بن أبي الدرداء، قال: كنت أسمع أبا الدرداء، و هو ساجد يقول: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن يمقتني خالي ابن رواحة إذا لقيته»، و عن أبي الدرداء: «إن أعمالكم تعرض على موتاكم؛ فيسرّون، و يساؤون».

(2) رواه ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (5/ 243) عن علىّ باللفظ المذكور، و رواه الطبري في تاريخه (2/ 151): عن عبد الله بن أبي بكر و لفظه: لما أتي رسول الله مصاب جعفر قال رسول الله صلي الله عليه و سلم: (قد مر جعفر البارحة في نفر من الملائكة له جناحان مختضب القوادم بالدم يريدون بيشة أرضا ظاهرا). و أورده السيوطي في الجامع الصغير، و رمز له بالضعف (فيض القدير 4/ 314).

218

أعمالكم على الموتى، فإن رأوا حسنا استبشروا، و إن رأوا سوء قالوا: اللّهمّ راجع بهم» (1) أي أنهم يجعلون من أنفسهم وسائل إلى اللّه، مستشفعين في شئون الأحياء ممن يهمهم أمرهم.

و هو شبيه بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «حياتي خير لكم و مماتي خير لكم؛ حياتي خير لكم تحدثون و يحدث لكم، و مماتي خير لكم تعرض على أعمالكم، فما كان من خير حمدت اللّه و ما كان من شر استغفرت لكم» (2)، هذا الحديث أورده في الجامع الصغير عن أنس، و رواه الحارث بن أسامة في مسنده من حديث أنس أيضا، و رواه ابن سعد في طبقاته عن بكر بن عبد اللّه المزني مرسلا، و رجاله ثقات، قال الحافظ العراقي: و رواه البزار من حديث ابن مسعود، و رجاله رجال الصحيح إلا واحدا أخرج له مسلم و وثقه ابن معين ... إلخ.

قلنا: و هو بعد هذا معتضد بما في بابه من الحديث لفظا و معنى، و هو بذلك مع تعدد طرقه قد أخذ فعلا درجة الحسن الصريح و القوة في الحكم الأخير، و لا اعتبار إطلاقا لمن لم يعجبه هذا الحديث الشريف.

13) و مزيد ثالث من الأحاديث:

و أخرج الترمذي و البيهقي و غيرهما عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما

____________

(1) رواه ابن المبارك في (الزهد) موقوفا عن أبي أيوب رضي اللّه عنه بسند حسن، و أورده مرفوعا من طريق سلام الطويل، و رواه ابن أبي الدنيا في (المنامات).

(2) استوفى شيخنا الإمام الرائد تخريج و شرح هذا الحديث في كتابه «الإفهام و الإفحام، قضايا الوسيلة و القبور» فراجعه.

219

قال: ضرب بعض أصحاب النّبيّ خباءه على قبر، و هو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتّى ختمها؛ فأتى الصحابيّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فأخبره، فقال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر».

قال صاحب المشارق: قد صحّ في الأحاديث و روايات الثقات العينية أن الأموات يقرءون القرآن في قبورهم إذا كانوا من أهله في الدنيا، و من مات محبا له و لم يتم حفظه ربما سخر اللّه له من تمم حفظه له.

نقول: و مثل ذلك قد جاء عن طالب العلم، فهو في حكم صاحب القرآن، و يكون قرآنه و علمه مما يتنعم به هناك، و في الحديث دلالة كبرى على أنّ حياة البرزخ حياة سمو و ارتقاء و عمل، لا حياة حبس و عطلة و خمود.

و على الجملة؛ فقد روى أبو نعيم و غيره كما نقل الشعراني و آخرون عن سعيد بن جبير: أن الأموات تأتيهم أخبار الأحياء فيسرون بها أو يحزنون لها، و إنهم ليسألون الروح القادم عن أهليهم و ذويهم كما يسأل الحبيب عن حبيبه.

قلنا: و هذا على التحقيق شأن الأرواح المقيدة التي لم يؤذن لها في الانطلاق لقصور عملها و قلة زادها، و مع ذلك لا يحرمها اللّه فضل العلم بما يهمها من حال أهلها «فضلا منه و نعمة».

220

14) انطلاق الأرواح من عصر الخميس إلى السبت:

و قد نقل الإمام السيوطي في كتاب البشرى: قال اليافعي ما معناه:

إنّ جميع الأرواح (أي المؤمنة و الكافرة و الطائعة و العاصية) يؤذن لها فتنطلق ما شاء اللّه خصوصا من عصر الخميس إلى صبح السبت.

قلت: و هو من قول: القرطبي، و الضحاك، و محمد بن واسع، و الأمير، و غيرهم‏ (1) ..

و نقل عن أسئلة الداودي: أنها تنطلق كذلك يوم الإثنين، لكرامته على اللّه.

نقول: أمّا كيف تنطلق أرواح الكفار و العصاة؛ فلعلّ أن لهم من الحسنات العامة في الحياة الدنيا ما يقتضي التخفيف عنهم بعض الشي‏ء بهذا الانطلاق، فضلا من اللّه و عدلا كالمخترعين لمصالح البشرية من الأديان الأخرى و علمائهم في الطب و الهندسة و الكيمياء و الصيدلة، أو يكون عمل خيرا- بشكل ما- يعلمه اللّه.

و في تذكرة القرطبي: أن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سئل عن عمه أبي طالب فقال: «هو في ضحضاح من النّار» أي أنّه يعذب عذابا خفيفا لسابقة حسناته في خدمة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؛

____________

(1) و يرى آخرون أن أرواح المؤمنين هي التي يؤذن لها في الانطلاق فقط، و أمّا أرواح الكافرين، فهي محبوسة في سجين، مشغولة بما هي فيه من عذاب، و هو ما ذهب إليه الإمام مالك و السيوطي و ابن القيم، و رواه الطبراني في مراسيل عمرو بن حبيب، و رواه ابن المبارك في الزهد عن سلمان الفارسي، و رواه ابن أبي الدنيا عن الإمام عليّ (كرم اللّه وجهه).

221

فالمدار إذن في العذاب و النعيم و السجن و الانطلاق على الإذن الإلهي و ليس على القوانين البشرية، عدلا و فضلا، لا وجوبا عليه.

قال ابن القيم: الأحاديث و الأخبار تدل على أن الزائر متى جاء علم به المزور، و سمع كلامه، و أنس به ورد عليه، قال: و هذا عام في حق الشهداء و غيرهم و أنه لا توقيت في ذلك». انتهى.

نقول: و الوجه أن التوقيت خاص بفئة، و الانطلاق التام خاص بفئة أخرى، فلا تعارض حينئذ، ثم إن القبور هي أمكنة التلاقي عرفا من حيث أنها على الأغلب خزانة الهيكل البشري بعد الموت، و هي كذلك مستقر الاعتبار؛ فإذا هي درست أو لم يكن للميت قبر، أو قام هناك مانع من الزيارة، أمكن الاتصال بالروح في كل زمان و مكان.

و ذلك أن مذهب مالك و جماعة من المحققين أن الأرواح (أي المطلقة) تسرح حيث شاءت، أمّا غيرها فقد أثبت العلم الحديث و أيده العارفون باللّه أن الأرواح جميعا تحس حركة الفكر في الإنسان إذا توجه لها بقلبه كما لو ناداها بلسانه سواء بسواء، بلا قيد بالمكان و لا بالزمان و لا بالحركة، و تلك من أخص مميزاته.

و هذا هو أبو العبّاس المرسي رضي اللّه عنه يقول: «لو غاب عني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) طرفة عين ما عددت نفسي من المؤمنين».

و أولئك هم أئمتنا الصوفية، لا يعتبرون الرجل عندهم في ديوان الرجال إلا إذا بلغ مرتبة الصلة بالنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في كل أمر يهمه من شأن دينه أو دنياه.

222

و ثبت يقينا أن أصحاب المقامات منهم قد استفتوا الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما اختلفوا فيه من مراتب الحديث، و صحّحوا عليه ما اختلط عليهم من مبهمات الأحكام.

و هذا غير حكم المحترفين و الكذابين و أدعياء التصوف؛ فليس يفرق بين الحي و الميت إلا المطرود المحجوب، و إلا أحياء الأجسام أموات القلوب، و قد تحرر من قبل أنه لا وجه لقصر هذا الحكم على الأنبياء و الشهداء، و لا على نوع بذاته من الأموات، بل هو عام في كل من رضي اللّه عنه بما هو أهله.

15) وظيفة الجسم و الروح:

أمّا نحو قوله تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏ وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ

سماع موتى كلام الخلق معتقد* * * جاءت به عندنا الآثار في الكتب‏

و آية النفي معناها سماع هدى‏* * * لا يقبلون و لا يصغون للأدب‏

فالنفي جاء على معنى المجاز فخذ* * * و اجمع به بين ذا مع هذه تصب‏

(1)، فقد تعين أن يكون مراده خصوص هذه الجثث و الرمم و الهياكل المحبوسة في القبور، و لا علاقة له بعالم الروح و أسراره التي قدمنا بعضها لمن هم أهل للتسامي و الترفع و الرّوحانية.

و قد كررنا أن الأجساد بحقيقتها الجمادية لا تسمع، مستقلة بذاتها عن أرواحها قط، و المعنى أنّ هؤلاء الطغاة لا يهتدون من عمايتهم إلا بإذن اللّه‏

____________

(1) سئل السيوطي (رحمه اللّه)، عن هاتين الآيتين، مع أحاديث إثبات سماع الموتى في القبور، كيف الجمع بينهما؟؛ فأجاب نظما (رحمه اللّه):

سماع موتى كلام الخلق معتقد* * * جاءت به عندنا الآثار في الكتب‏

و آية النفي معناها سماع هدى‏* * * لا يقبلون و لا يصغون للأدب‏

فالنفي جاء على معنى المجاز فخذ* * * و اجمع به بين ذا مع هذه تصب‏

223

كما لا تسمع جثث المقبورين كلام النّاس إلا إذا أشرقت عليها أنوار الأرواح، و على هذا يقاس الحكم في كل آية على هذا المعنى.

أمّا الروح نفسها فإنّها استقلالا بذاتها و بمقتضى خلقها و تكوينها تسمع و ترى و تحس و تدرك بطريقة ذاتية غير إرادية، و هي كذلك تعمل ما شاء اللّه لا ما شاءت، و ليس يفقدها ذلك أنها نقلت من دار إلى دار؛ بل هي هناك أقوى و أقدر، و أنفذ و أمهر، لانقطاعها عن العلائق المادية، و تخففها من أثقال التكاليف و القبور و الحجب البشرية، و ذلك في إشارة قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الدنيا سجن المؤمن» (1)، و قوله تعالى عن الكفار:

يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ، و كان يأسهم من إخوانهم باعتقادهم أن الموت عدم محض، و نستغفر اللّه.

16) خاتمة:

أمّا بعد: إنّ هذه الأدلة و الآثار، و إن اختلفت رتبها فإنه يشد بعضها بعضا و يعضده، و يؤيده و يؤكده، و يشرح مبهمه و يفصل إجماله، و ينصرف إليه حتّى لا توجد بعدئذ لمعترض أو منكر ثغرة، يغالط النّاس في ذلك منها على الإطلاق، و هي متفقة على صحة القدر المشترك بينها. و هو أن للموتى حياة برزخية جامعة ذات علم و عمل و سمو و تصرف و صلة لم‏

____________

(1) رواه أحمد و مسلم و الترمذي و ابن ماجه عن أبي هريرة، و الطبراني و الحاكم عن سلمان الفارسي، و البزار عن ابن عمر، و غيرهم.

224

تنقطع بشئون الدنيا على النظام الذي قضاه اللّه و قدره، و على حد ما جاء في الأثر: «هذا قضاء اللّه يدفع قضاء اللّه، و هذا قدر اللّه يعالج قدر اللّه» شأن الدعاء و القضاء و المرض و الدواء، و نستغفر اللّه و نتوب إليه.

* و صلي اللّه على سيدنا محمد و علي آله و صحبه و سلم‏ (*)

و كتبه ابتغاء رضوان اللّه و نفع المسلمين، و التحقيق التاريخى الملزم المفتقر إليه تعالى وحده محمد زكي الدين بن إبراهيم الخليل بن عليّ الشّاذلي رائد العشيرة المحمدية، و شيخ الطريقة الشاذلية المحمدية (رحمه اللّه تعالى) رحمة واسعة

____________

(*) تمت بحمد اللّه (الطبعة الثانية) من هذا الكتاب (حياة الأرواح بعد الموت) لفضيلة الأستاذ الإمام السيد محمد زكي إبراهيم رائد العشيرة المحمدية فى شهر جمادى الآخر (1424 ه)، الموافق شهر أغسطس (2003 م) .. اعتنى بها و قام على إخراجها: الأستاذ/ محيي الدين حسين يوسف الإسنوي تلميذ الإمام الرائد و من خريجي الأزهر، و اللّه وليّ التوفيق.

225

لا إله إلا الله .. محمد رسول الله‏

تعريف موجز بفضيلة الإمام الرائد محمد زكي إبراهيم صادر عن أمانة الدعوة

226

تعريف موجز بفضيلة الإمام الرائد محمد زكى إبراهيم رضى اللّه عنه‏ رائد العشيرة، و شيخ الطريقة المحمدية، و صاحب مجلة المسلم و مؤسس «الصحوة الصوفية المعاصرة» صادر عن أمانة الدعوة ب (العشيرة و الطريقة) المحمدية بعد المراجعة و التكملة (1) هو: العالم، الموسوعى، الداعية، القطب، المجاهد، الكاتب، الخطيب، الشاعر، المحاضر، المعتصم باللّه «السيد محمد زكى إبراهيم» و كنيته: «أبو البركات»، و لقبه: «زكى الدين»، و قد ولد ببيت الأسرة ببولاق بمصر، و والده القطب الشريف الحسينى «السيد إبراهيم الخليل بن على الشاذلى»، و والدته الشريفة الحسنية «السيدة الزهراء فاطمة النبوية» بنت القطب الأكبر الشيخ «محمود أبو عليان الشاذلى»، و له ولدان و بنت، و كلهم متزوج و له أولاد و بنات.

و هو خريج الأزهر و يجيد عدة لغات، و كان مفتشا للتعليم بوزارة التربية و التعليم، ثم أستاذا بالدراسات العليا و المعهد العالى لتدريب الأئمة و الوعاظ بالأوقاف، ثم عميدا لمعهد «إعداد الدعاة» قبل أن تضمه إليها وزارة الأوقاف بعد أن أنشأته العشيرة، و تخرج فيه كثير من أشرف الدعاة بأطراف العالم الإسلامى.

227

و ترجم ل «إقبال» عن الفارسية، و للشاعر الألمانى «هاينى رش هاينى»، و لغيره من شعراء أوربا و فارس، و قد نشر أكثر ذلك بمجلة «أبولو» التى كان يشارك فى الإشراف عليها أمير الشعراء «أحمد شوقى» و فى غيرها من المجلات الأدبية الكبرى السابقة، كمجلة «النهضة الفكرية» و مجلتى الفجر و الإخوان و غير ذلك.

(2) و هو رائد العشيره المحمدية، و مؤسسها، و مؤسس مجلة المسلم «المجلة الصوفية الأولى فى العالم الإسلامى»، و مؤسس معهد إعداد الدعاة «أول معهد شعبى صوفى من نوعه»، و مؤسس الطريقة المحمدية الشاذلية، و مجدد مسجد و مشهد المشايخ بقايتباى، و مراقد مسجد أهل اللّه ببرقوق، و مجدد ساحات أبى عليان بالصعيد، و مؤسس المجمع المحمدى بمنشية ناصر و الضويقة «الدويقة»، و الحرفيين، و الساحة المحمدية بحميثرة، ثم كان عضوا بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، و اللجنة الدينية العليا بمحافظة القاهرة، و المؤتمر العالمى للسيرة و السنة، و مؤتمر التبليغ و الدعوة العالمى، و بعض المجامع العلمية بالبلاد العربية و الإسلامية و له مكتبته النادرة، العامرة بأمهات الكتب القيمة و النادرة، القديمة و الحديثة، مطبوعة و مخطوطة، و كان له الفضل فى تجديد مسجد (آل ملك) و الحاقة بمسجد العدوى بساحة الإمام الحسين رضي اللّه عنه.

228

(3) و قد أهداه الرئيس جمال عبد الناصر «و شاح الرواد الأوائل و نوط التكريم» و أهداه الرئيس السادات «نوط الامتياز الذهبى» من الطبقة الأولى، و أهداه الرئيس حسنى مبارك «و سام العلوم و الفنون» المخصص لكبار العلماء و الأدباء، ثم أهداه «نوط الامتياز الذهبى» من الطبقة الأولى أيضا، و أهداه الرئيس اليمنى عبد اللّه السلال «و شاح اليمن و الخنجر».

و أهدته محافظة القاهرة، و وزارة الشئون الاجتماعية، و بعض المؤسسات الكبرى، عددا كثيرا من شهادات التقدير و الأوسمة، ذات القيمة المعنوية، كما كان مؤسسا ل (مؤتمر الهيئات و الجمعيات الدينية للعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية)، باشتراك أخيه فى اللّه «شيخ الأزهر» الدكتور عبد الحليم محمود، و الأستاذ الشيخ حسنين مخلوف عميد الإفتاء، و عضوية جمهرة رؤساء و علماء و ممثلى الجماعات الإسلامية الرسمية و الشعبية بمصر، الذى انعقد في الثمانينيات لثلاثة أيام، و هو أول مؤتمر من نوعه تشترك فيه الهيئات الحكومية، و الجمعيات الإسلامية.

كما أسس (المؤتمر الصوفى العالمى)، و (مؤتمر المرأة المسلمة) الذى عقد فى أوائل الخمسينيات و اشتركت فيه الجماعات الإسلامية، و كان له صداه فى العالم كله، و كان من أقدم مؤسسى جمعية الإخوان المسلمين، ثم تركها مع الدكتور المرحوم إبراهيم حسن و طائفة من خيرة الرجال.

229

(4) كما كان أمينا و رائدا دينيا ل (جماعات الشبان المسلمين العالمية)، و (المؤتمر القرآنى) برئاسة نائب رئيس الجمهورية السيد حسين الشافعى و عضوا باللجنة، و (الهيئة العليا للدعوة بالأزهر) برئاسة الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، و كان خبيرا باللجنتين التاريخيتين لإصلاح التصوف برئاسة السيد وزير الداخلية، ثم برئاسة الشيخ الباقورى وزير الأوقاف و قتئذ «(رحمه اللّه)»، و على مجهود هاتين اللجنتين صدرت اللائحة الصوفية الحالية، و قد كان له عليها عدة مآخذ لو لا أنها كانت الخطوة الأولى فى سبيل إصلاح التصوف بمصر، و تعتبر نواة لما بعدها.

كما كان عضوا إداريا عاملا فى أكثر من جماعة و هيئة و لجنة إسلامية، و اجتماعية، و ثقافية، عامة و خاصة، رسمية و شعبية، بمصر و الخارج، منها: «جماعة أبولو» للشعراء بدعوة المرحوم أحمد شوقى أمير الشعراء.

كما اشتغل فترة بالصحافة و النشاط النقابى للمعلمين، كل هذا رغم امتحانه الدائم بالأمراض الشديدة، و المواجع المستمرة، و برغم ما ييذل بكل السخاء، و بالغ الجود، من ماله الخاص فى سبيل الدعوة و الإسلام بلا من و لا أذى و لا إعلان و لا إشارة.

و له مشاركته الكبرى فى تجديد المسجد الحالى لمولانا الإمام أبى الحسن الشاذلى بحميثرة، و تطهير مولده السنوى تمهيدا لما هو أفضل إن شاء اللّه.

230

(5) و قد شارك في الإعداد لحرب عام 1973 م هو و تلاميذه، و كبار أعضاء العشيرة و الطريقة بأعمال التعبئة و التوعية و الإعداد، حتى كان يبيت الليالى ذوات العدد مع جنود الجبهة على البحر الأحمر مع أخيه فى اللّه زعيم السويس الشعبى الصوفى الشيخ حافظ سلامة، و زميله فضيلة الشيخ محمد الغزالى، و خاصة العلماء، و كم تعرض و من معه للأخطار الداهمة، و واجه الأسر و القتل بين بورسعيد و الإسماعيلية و السويس أمام الهجمات اليهودية، و ذلك وراثة عن جده الإمام الحسين بن الإمام علىّ، فى حروب شمال إفريقيا و أواسط آسيا، و عن شيخه أبى الحسن الشاذلى فى موقعة المنصورة أمام الصليبيين و غيره من الصوفية السابقين الجامعين بين واجب الدنيا و الدين.

و لا بد أن نشير هنا إلى فرع العشيرة و الطريقة بالسويس الذى قام بالبطولات الفدائية، و بالمشاركة الإيجابية الدائمة فى الكفاح ضد اليهود منذ حرب 1948 حتى جاء نصر اللّه تحت إشراف الأخ الشيخ المهدى عبد الوهاب عميد العشيرة بالسويس و مؤسس مسجد أهل الذكر بالأربعين.

و لشيخنا عشرات من مؤلفاته النادرة الكثيرة الدقيقة فى التصوف الإسلامى، و الدفاع العلمى عنه، و بيان أصيله من دخيله، ثم مؤلفاته فى بقية العلوم الإسلامية، و الآداب، و الشعر، و الاجتماع، و المعارف العامة.

231

و له نشاطه الدينى بالإذاعة و التليفزيون، و الجرائد و المجلات بمصر و غيرها، و له خطبه و محاضراته، و دروسه، و فتاويه، المخطوطة و المسجلة على الكاسيت، و غيره بالمساجد، و النوادى، و الأحفال، و غيرها، «و لا تزال»، خصوصا دروسه المشهودة بمسجد مشايخنا بقايتباى فى ليالى الخميس و بعد صلاة الجمعة، و المواسم الإسلامية التى يحتفل بها المحمديون من خيرة الرجال و شريفات النساء.

و هو يكافح التطرف و التشدد، بقدر ما يكافح التخريف و التحريف، و التظاهر و الرياء و الضعف، داعيا إلى الوسطية و السماحة، و الحب و السلام، و العلم و العلاقة باللّه، و التقريب بين طوائف المسلمين على أساس الربانية القرآنية مكافحا الجمود و الجحود، و التخلف و التعصب، و التطرف و الإرهاب، و التخريب و العمالة و متخذا المبدأ الصوفى الشرعى طريقة للخدمة الإسلامية الجامعة.

(6) و له دعوته العلمية الثائرة القوية العملية إلى «الصحوة الصوفية الناهضة»، و إلى تحرير التصوف و تطهيره و إدماجه فى الحياة الجادة، على طريق الكتاب و السنة قولا و عملا، ثم دعوته إلى «الجامعة الصوفية العالمية» كنواة للتجمع الإسلامى، بداية من الاتحاد العام للجمعيات الإسلامية، و دعوته إلى إنشاء «دائرة المعارف الصوفية التاريخية»، و (بيت الصوفية الجامع) للمكتبة، و المستشفى، و الفندق، و قاعة الاحتفالات، و (معهد الدراسات الصوفية)، و (المركز العلمى‏

232

الصوفى)، و المطبعة و المجلة، و الجريدة، و كافة المنافع، و «المؤتمر الصوفى العالمى السنوى» الذى عقد فى دورته الأولى فى الأربعينيات لثلاثة أيام، بمصر «و قد تبنت الجماهيرية الليبية عقد دورته عام 1996 م».

و مع كل هذا لم يقبل مشيخة الطرق الصوفية، و لا عضوية مجلسها الأعلى إيثارا لحريته فى دعوة الإصلاح الصوفى، و المذهبى، و غيره، و وقوفا مع رأيه الخاص فى كل ذلك و قوة الحركة و التجديد على الأساس الشرعى و لروحى الصحيح، و لكل هذا تتلمذ عليه كبار الصفوة من كبار رجال العلم و الأدب و الإدارة، و طلاب الحقيقة و الدار الآخرة.

(7) و كل ذلك كان بالتعاون الكامل، مع شقيقه و نائبه و أمين سره و رفيق جهاده العارف باللّه السيد محمد وهبى إبراهيم «(رحمه اللّه تعالى) رحمة واسعة» حامل نوط الامتياز الذهبى، و مسئول إدارة العشيرة و الطريقة بجميع الأنشطة، و المؤسسات المحمدية بالمدن و الأقاليم، و بمشاركة العارف باللّه السيد أبى التقى أحمد خليل رضي اللّه عنه و تقبل اللّه منهم جميعا، و رحم اللّه أخانا السيد أبا التقى، و رفع درجته عنده بما قدم لدعوة العشيرة و الطريقة من جهد و عمل دائم حتى لقى اللّه رب العالمين، و نستغفر اللّه و نتوب إليه.

(8) هذا، و قد قطع شيخنا مدارج السلوك الصوفى على يد والده، و أتمّ مسيرة «الأسماء السبعة»، ثم «الثلاث عشرة»، ثم «التسعة

233

و التسعين»، حتى انتهى إلى «الاسم المفرد و الأعظم»، و دخل الخلوة الصغرى و الكبرى مرات، و مارس العلوم الفلكية و الروحية، و نقّحها، و أجرى اللّه على يديه الكرامات، و تتلمذ عليه كبار القوم، و السادة من الشباب، و العلماء، و الأدباء، و قد أسلم على يديه عدد من القساوسة، و الشمامسة، و غيرهم، وزارته الوفود «و لا تزال» و الشخصيات الكبرى من أطراف الوطن الإسلامى طلبا للسلوك الصحيح و الإجازة بمروياته فى الحديث الشريف عن أشياخه؛ فهو علم الصوفية، و عالم الحديث، و مفتيهم، و قطب وقته، و مجدد عصره، و حامى حمى التصوف الإسلامى الحق و النهضة الروحية الرفيعة فى نواحى الحياة لا محالة، و قد لاقى فى سبيل دعوته ما لا يوصف من أنواع الأذى البالغ ماديا و أدبيا فى شخصه و عمله و وظيفته و خصوصياته و عمومياته، و هو سعيد مستمر صامد حتى يلقى اللّه مجاهدا راضيا مرضيا إن شاء اللّه، شأن آبائه و أجداده فى خدمة الدين و الوطن.

و قد ألزمته الأمراض الاعتكاف عدة سنين، و لكنه لم يفتر قط عن كافة أنشطة الدعوة بكل مشاقها، و تضحياتها الكبرى، و بكل ما بقى له من جهد و طاقة فى اللّه مع مرضه الدائم الطويل منذ سنين، و كما عانى من أعداد الصوفية بما لم يخطر على بال، كذلك عانى من أدعياء التصوف، الرسميين الذين حكموا بفصله من الصوفية لأول مرة فى التاريخ، حتى رفع الأمر إلى مجلس الدولة؛ فحكم له لأول مرة فى التاريخ الصوفى الرسمى أشرف حكم و أصدقه، بالإضافة إلى ما ينظره القضاء العادى فيما بينه و بين المتمسلفة سواء منهم الحمقى و المأجورين، حتى تدخل فيه فضيلة

234

الإمام شيخ الأزهر الشريف، فضيلة الشيخ جاد الحق، و رئيس لجنة الفتوى فضيلة الشيخ عطية صقر، و طائفة من المسئولين و بعض كبار الرجال‏ وَ اللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَ أَشَدُّ تَنْكِيلًا، و كذلك حكم له بفضل اللّه.

و قد تلقى شيخنا الطريقة الناصرية الشاذلية عن والده، و تأكيدا لنسب الطريقة تلقى شيخنا الطريقة الناصرية الشاذلية الشريفة عن الزعيم المغربى الكبير السيد اليمنى الناصرى و أخيه السيد المكى الناصرى، أيام إقامتهما بمصر فى بداية الثورة المغربية، كما تلقّاها عن السيد الأمير عبد الكريم الخطابى مدة إقامته بمصر أيضا «رحم اللّه الجميع»، و لا تزال الصلة قائمة و الحمد للّه مع السيد محمد المختار الناصرى سفير المغرب بالمؤتمر الإسلامى و السيد محمد الفاتح الناصرى مندوب المغرب بالجامعة العربية، رضي اللّه عن الجميع. (و هنا ننصح بمراجعة أنساب الطريقة برسالة (البداية)، ففيها بحمد اللّه الكفاية).

نفعنا اللّه و نفع الإسلام و التصوف بشيخنا و بعلومه، و ربانيته، و وفقنا إلى الاقتداء به، و الثبات على طريقته، و خدمة دعوته، بفضله تعالى و نعمته، و نستغفر اللّه و نتوب إليه، و الحمد للّه رب العالمين.

صدر عن (أمانة الدعوة بالعشيرة و الطريقة المحمدية) بمسجد المشايخ، بقايتباى، بالقاهرة فى أوائل ذى الحجة، عام ألف و أربعمائة و سبعة عشر من الهجرة النبوية، بعد المراجعة و التكملة الضرورية

235

الفهرست‏

م الموضوع الصفحة- مقدمة الطبعة الأولى 5

- مقدمة الطبعات بعد الأولى 6

الباب الأول: مقدمة الطبعة الخامسة و ثبوت حديث الثقلين سندا و متنا مع ذكر بعض حقوق أهل البيت الأشرف 9

1- فى الرحاب الطاهرة: من هم أهل البيت 25

2- من هم أهل العباءة و الرداء 26

3- آية انما يريد الله 27

4- آية المودة فى القربى 27

5- وجوب حب أهل البيت 28

6- تحريم بغض أهل البيت 29

الباب الثانى: أقطاب أهل البيت الأشراف 1- تعريف بأبى الحسن الإمام على 31

2- تعريف بأم الحسنين فاطمة الزهراء 33

3- تعريف بالإمام الحسن 35

4- تعريف بالإمام الحسين 36

الباب الثالث: رأس الإمام الحسين بمشهده بالقاهرة تحقيقا 1- رأى المؤرخين و كتاب السيرة 41

2- شهادة الدكتور/ الحسينى هاشم 42

3- الرأى الرسمى لمصلحة الآثار 43

4- دليلان آخران 45

5- شهود عدول مع وجود الرأس الشريف بالقاهرة 46

6- تحقيق علمى حاسم للدكتورة سعاد ماهر 48

7- معالم و معلومات 53

- الرأس و المشهد و القبة 53

- وصف القبة المباركة 54

236

- القبة فى عصرها الحديث 55

- أضرحة القبة الشريفة 55

- البناء الحالى للمسجد 57

- قاعة المخلفات النبوية 57

- واجهة المسجد و جهود العشيرة 58

- وصف القبة الحسينية بعد التجديد 60

الباب الرابع: أشهر الزينبات الشريفات- زينب الكبرى 65

- ولادتها و زواجها و أولادها 65

- إذنها لزوجها بالزواج من أخرى 66

- مشاركتها للأحداث الكبرى 67

- رحلتها من المدينة إلى مصر و وفاتها 68

- السيدة زينب و الشيخ بخيت المفتى 69

- رفات جثمان السيدة زينب مدفون فى مرقدها المعروف تحقيقا 70

- نصوص أدلة الأستاذ حسن قاسم 71

- من أشعار السيدة زينب 77

- مشهدها الطاهر بالقاهرة 78

- تجديدات الحرم الزينبى 78

- الشيخ العتريس 79

- الشيخ العيدروس 80

- مشايخ مسجد السيدة 80

الزينبات العلويات الثلاث- زينب الكبرى أيضا 82

- زينب الوسطى 82

- زينب الصغرى 83

- زينبات أخريات مباركات 83

- ألقاب و كنى 86

- دولة الأرواح 87

237

1- الباب الخامس: النفيستان المباركتان- السيدة نفيسة الصغرى 89

- ولادتها و زواجها و أولادها 90

- نزولها إلى مصر و منازلها فيها 91

- بعض مآثرها 92

- نفيسة و الشافعى 92

- وفاتها و دفنها 93

- بعض أحبائها 93

- تاريخ مشهدها 94

- أبوها و إخوتها و أبناؤها 95

2- من شعر السيدة نفيسة 96

السيدة نفيسة الكبرى 97

1- الباب السادس: السكينات الكريمات- سكينة الكبرى بنت الإمام الحسين 99

- سبب دخولها مصر 99

- من دخل مصر بعد سكينة 101

- دعاوى أهل الباطل 101

2- من فى الضريح و من حوله 102

- سكينة الصغرى و سمياتها 103

- أسباب اللبس فى الأسماء 104

الباب السابع: مشاهد الرقيات- مشهد رقية بنت على الرضا بالقاهرة 105

- ضيوف بقيع مصر (مشهد رقية) 106

- قبر رقية أخت الحسين و رقية بنت الرسول و أرض البقيع 107

الباب الثامن: الفاطمات الطاهرات 109 1- السيدة فاطمة بنت مولانا الحسين 109

- كنيتها و زواجها و ابناؤها 109

- روايتها للحديث 111

- وفاتها و قبرها 111

238

2- استدراك حول الفاطمات 112

3- فاطمات القاهرة 113

الباب التاسع: الآمنتان و القارئتان و عائشة 1- الآمنتان 115

2- القارئتان 116

3- الرءوس الثلاثة المباركة 116

4- رأس محمد بن أبى بكر 119

5- مرقد السيدة عائشة بنت جعفر بالقاهرة 119

الباب العاشر: جمع من الأشراف 1- السيد حسن الأنور 121

- الزيود الثلاثة 122

- السيد محمد الأنور 122

2- الشريفان: يحيى الشبيه و يحيى المتوج 123

3- الشريفان الصوفيان: محمود أبو عليان و إبراهيم الخليل 124

4- شارع الأكابر 125

5- الشريف معاذ بن داود الحسينى 127

6- الشريف سعد الله بن الكامل 128

7- الشريفتان: أم كلثوم و صفية 129

8- السلطان الحسين أبو العلاء 130

9- محمد بن الحسين (ساعى البحر) 132

10- بدر الدين الحسينى 133

11- محمد بن هاشم 133

12- الأشراف: بنى تميم و الجعفرى 134

13- أشراف منسيون 135

14- مخزن رفات الأولياء بالقاهرة 136

الباب الحادى عشر: أحفاد طباطبا و السادات الوفائية 1- مشهد أولاد و أحفاد طباطبا 139

2- السادات الوفائية 147

239

الباب الثانى عشر: ذرية الإمام جعفر الصادق- السيدة عائشة 160

- الشريف المعصوم 160

- السيدة آمنة بنت موسى الكاظم 160

- القاسم الطيب 160

- يحيى الشبيه بالنبى صلى الله عليه و سلم 161

- عبد الله بن القاسم الطيب 161

- الحسن و المحسن 162

- كلثم العربية 162

- محمد بن القاسم الطيب 162

- على بن عبد الله بن القاسم 162

- فاطمة بنت على الرضا 163

- الشريف هاشم بن الحسين 163

- رجل من ذرية جعفر الصادق 163

- زينب الكلثمية 163

- مشهد ذرية جعفر الصادق 163

الباب الثالث عشر: نقابة الأشراف و العمامة الخضراء- نقابة الأشراف و تاريخها 165

- العمامة الخضراء 167

- الشرف المزور و الشرف الصحيح 168

كلمة ختامية أحكام زيارة القبور (ملحق كتاب المراقد) 1- حكم زيارة القبور 179

2- زيارة النساء للقبور 179

3- معلومات عن الزيارة 180

4- سماع الموتى فى القبور 181

5- الممنوع فى الزيارة 181

6- قول السلف فى التقبيل و نحوه 182

7- التبرك بالتمسح بقبور الصالحين 183

240

8- واجبات الزيارة 183

9- الزيارة الشرعية للقبور 184

10- ما يقرأ عند الزيارة 185

11- شد الرحال إلى قبور الصالحين 185

12- حكم نقل الأحكام و شرك المؤمنين 186

13- فتاوى السابقين من أئمة الفقه فى القباب و البناء على القبور 189

14- خاتم المرسلين يصلى بقبور مرسلين 192

كتاب (حياة الأورواح بعد الموت) للإمام الرائد 1- مقدمة و تمهيد 201

2- إجماع علماء المشرق و المغرب على حياة الأروح بالبرزخ 202

3- حديث «إذا مات ابن آدم ...» 204

4- الخلايا الخالدة و عجب الذنب 205

5- مسألة احياء ليلة الأربعين 206

6- من افترسه الوحش أو أكله السمك 207

7- الأجسام و الأرواح و البرزخ 209

8- نصوص الكتاب و السنة على حياة البرزخ و أسرار عالمه 210

9- اطلاق لفظ الروح و معناه و الإسراء 211

10- أدلة أخرى على حياة البرزخ 212

11- مزيد من الأحاديث 214

12- و مزيد أيضا من الأحاديث 216

13- و مزيد ثالث من الأحاديث 218

14- انطلاق الأرواح من عصر الخميس إلى السبت 220

15- وظيفة الجسم و الروح 222

16- خاتمة 223

- تعريف موجز بفضيلة الإمام الرائد 225

و نقل الحافظ العراقي عن الحافظ العلائي أنه رأى في جزء قديم عليه خط ابن ناصر، و غيره من الحفاظ أن أحمد بن حنبل أجاز تقبيل قبر النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و غيره.

فالقول بكفر أو شرك فاعل ذلك خطأ غليظ، و جهل عريض، و كل ما ذهب إليه متشددة العلماء: كراهة ذلك في ظروف خاصة، أمّا القول بالشرك و الكفر، فتعصب و جهل و وهابية دولارية بدوية مستغلقة؛ و لا شك أن التعصبات عند ذلك ليست من دين اللّه.