تاريخ صفد

- محمد بن عبد الرحمان الحسيني العثماني المزيد...
280 /
51

____________

(62) ابن شاهين، زبدة الكشف، ص 98، و حسن الباشا، الألقاب الإسلامية، ص 10، 21.

(63) الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 8، ص 19- 20، و ابن شاكر الكتبي، فوات الوفيات، ج 1، ص 128، و مجهول، حوليات دمشقية، ص 18، 124.

(64) الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 4، ص 76- 77، و ابن عبد الظاهر، الروض الزاهر، ص 95، و المقريزي، السلوك، ج 1، ص 446، و صالح بن يحيى، تاريخ بيروت، ص 35، و العمري، التعريف، ص 189- 192، و ابن شاهين، زبدة كشف ...، ص 117.

(65) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 195، 234، و الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 2، ص 19، 64- 65، ج 4، ص 265.

(66) ابن شاهين، زبدة كشف الممالك، ص 134.

(67) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 191، و ابن شاهين، زبدة كشف ...، ص 109.

(68) ابن شاهين، زبدة كشف ...، ص 134، و اليونيني، ذيل مرآة الزمان، ج 2، ص 324، و القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 142، و ابن قاضي شهبة، تاريخ ابن قاضي شهبة، ج 1، ص 139، و السخاوي، الضوء اللامع، ج 2، ص 215.

(69) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 192، و العليمي، الأنس الجليل، ج 2، ص 156، و ابن طولون، مفاكهة الخلان، ج 1، ص 57- 58، و السخاوي، الضوء اللامع، ج 4، ص 338.

(70) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 192، و العمري، التعريف ...، ص 132- 133، و ابن حجر، الدرر الكامنة، ج 4، ص 179- 180، و الصفدي، الوافي ...، ج 5، ص 330- 331.

(71) أكثر المصنفون في العصر المملوكي في الكتابة عن الحسبة. من ذلك كتاب الحسبة لابن تيمية و كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة للشيزري و كتاب معالم القربة لابن الإخوة، و كتاب نهاية الرتبة لابن بسام.

52

____________

(72) النويري، نهاية الأرب، ج 8، ص 259.

(73) الطراونة، مملكة صفد، ص 181- 182.

(74) ابن عبد الظاهر، الروض الزاهر، ص 77، و أبو الفداء، تقويم البلدان، ص 259، و النويري، نهاية الأرب، ج 8، ص 328، 263، 271، و ابن تغري بردي، النجوم ...، ج 9، ص 49، و ابن طولون، أعلام الورى، ص 58.

(75) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 3، ص 463- 440. و عالج المقريزي مسألة النقود في كتابيه شذور العقود بذكر النقود و إغاثة الأمة بكشف الغمة، كما تعرض لها علاء الدين علي اللبودي في كتابه فضل الاكتساب و أحكام الكسب و آداب المعيشة، مخطوطة مكتبة تشستربيتي دبلن، نسخة مصورة لدي، 27 ظ- 29 و، و انظر أيضا كتاب كشف الأسرار العملية بدار الضرب المصرية لمنصور بن بعرة الذهبي.

(76) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 3، ص 442. و انظر: لابيدوس، مدن الشام، ص 69.

(77) ابن خلدون، العبر، ج 5، ص 822- 823، و صالح بن يحيى، تاريخ بيروت، ص 96، و المقريزي، السلوك، ج 1، ص 837- 838، 949.

(78) المقريزي، السلوك، ج 1، ص 946- 949، و ابن تغري بردي، النجوم ...، ج 8، ص 20، و ابن خلدون، العبر، ج 5، ص 890- 899.

(79) ابن الفرات، تاريخ ابن الفرات، ج 9، ق 2، ص 382، و المقريزي، السلوك، ج 3، ص 814، و مظهر شهاب، تيمورلنك، (أطروحة دكتوراه غير منشورة)، ص 268- 276.

(80) ابن الفرات، تاريخ ابن الفرات، ج 9، ق 2، ص 382، و المقريزي، السلوك، ج 3، ص 864، 1031- 1035، و الصيرفي، نزهة النفوس، ج 2، ص 74، و شهاب، تيمورلنك، ص 280- 323، و عبد الرحمن بن خلدون، التعريف بابن خلدون و رحلته غربا و شرقا، ص 366- 384.

(81) صالح بن يحيى، تاريخ بيروت، ص 243.

53

____________

(82) ابن تغري بردي، النجوم، ج 15، ص 15، و شبولر، العالم الإسلامي، ص 136- 137.

(83) محمد بن محمود بن خليل الحلبي، تاريخ الأمير يشبك الظاهري، ص 29، و شبولر، العالم الإسلامي، ص 141- 142.

(84) ابن طولون، أعلام الورى، ص 213- 215، و ابن طولون، مفاكهة الخلان، ج 1، ص 350، و شبولر، العالم الإسلامي، ص 141- 142.

(85) ابن عبد الظاهر، تشريف ...، ص 63، 66، و اليونيني، ذيل مرآة الزمان، ج 4، ص 8، 11، 40- 41، و ابن الفرات، تاريخ ابن الفرات، ج 7، ص 167.

(86) الصفدي، الوافي بالوفيات، ج 8، ص 352، و ابن الوردي، تتمة المختصر، ج 2، ص 491، و ابن كثير، البداية و النهاية، ج 4، ص 222، و المقريزي، السلوك، ج 2، ص 708، 720، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 10، ص 125، 134، 135.

(87) ابن حجر، الدرر الكامنة، ج 5، ص 44- 45، و ابن خلدون، العبر، ج 5، ص 966، و صالح بن يحيى، تاريخ بيروت، ص 227- 228، و ابن كثير، البداية و النهاية، ج 14، ص 243- 246، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 10، ص 276- 277.

(88) المقريزي، السلوك، ج 3، ص 310- 315.

(89) ابن حجر، الدرر الكامنة ج 5، ص 134- 136، و ابن صصرى، الدرة المضيئة، ص 23، و ابن خلدون، العبر، ج 5، ص 1036- 1042، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 11، ص 328، و عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية، ص 58، 90.

(90) ابن الفرات، تاريخ ابن الفرات، ج 9، ق 1، ص 107، 155، 183، و المقريزي، السلوك، ج 3، ص 632، 647، 669- 670، 695، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 11، ص 328، 358، و الصيرفي، نزهة النفوس، ج 1، ص 262- 263، و ابن قاضي شهبة، تاريخ ابن قاضي شهبة، ج 1، ص 297- 298، و عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية، ص 77- 94.

54

____________

(91) ابن قاضي شهبة، تاريخ ابن قاضي شهبة، ج 1، ص 328- 335، و المقريزي، السلوك، ج 3، ص 712- 714، و الصيرفي، نزهة النفوس، ج 1، ص 303، و ابن حجر، الدرر الكامنة، ج 5، ص 136، و السخاوي، الضوء اللامع، ج 10، ص 203- 204، و عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية، ص 94- 103.

(92) أسهم نعير بن حيار أمير عشائر الفضل بدور كبير في حسم عصيان منطاش بالشام، كما أن برقوق أقدم في سلطنته الثانية على تجنيد بعض البداة العرب في جيوشه:

عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية، ص 102- 106. و من أجل الزعر و الحرافيش، انظر، لابيدوس، مدن الشام، ص 235- 256.

(93) المقريزي، السلوك، ج 3، ص 983- 986، 990- 993، 1007- 1012، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 12، ص 104، 180- 181، 203، و عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية، ص 108- 109.

(94) المقريزي، السلوك، ج 3، ص 1147- 1164، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 12، ص 311- 321، و السخاوي، الضوء اللامع، ج 10، ص 304، و البدر العيني، السيف المهند، ص 244- 245، و عبد السيد، قيام دولة المماليك الثانية، ص 109- 110.

55

____________

(95) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 31، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 13، ص 54، و البدر العيني، السيف المهند، ص 247.

(96) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 33- 39، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 13، ص 58، و السخاوي، الضوء اللامع، ج 3، ص 278، و البدر العيني، السيف المهند، ص 248.

(97) البدر العيني، السيف المهند، ص 248- 249، و المقريزي، السلوك، ج 4، ص 46- 47، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 13، ص 58.

(98) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 109- 121، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 13، ص 58- 96، و البدر العيني، السيف المهند، ص 249- 260.

(99) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 119- 121، و ابن حجر، إنباء الغمر، ج 2، ص 427.

(100) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 257- 258، 268.

(101) المقريزي، السلوك، ج 3، ص 1147- 1148، و ج 4، ص 67- 68، 121، و ابن حجر، إنباء الغمر، ج 2، ص 395، 427، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 2، ص 311، و البدر العيني، السيف المهند، ص 314- 327.

(102) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 657، و الصيرفي، نزهة النفوس، ج 3، ص 43، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 14، ص 261- 262، و ج 15، ص 317- 319.

(103) ابن تغري بردي، النجوم، ج 15، ص 317- 319، و ابن طولون، مفاكهة الخلان، ج 1، ص 169، و ج 2، ص 184، و ابن طولون، أعلام الورى، ص 85، و زكار، مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، ص 172- 178- 196، 211- 212.

(104) المقريزي، السلوك، ج 2، ص 626- 628، و عدنان البخيت، مملكة الكرك، ص 103، و غوانمة، تاريخ شرقي الأردن، ص 328- 329.

56

____________

(105) المقريزي، السلوك، ج 2، ص 761- 762، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 10، ص 92، 222- 225، و ابن كثير، البداية و النهاية، ج 14، ص 238، و ابن خلدون، العبر، ج 5، ص 964- 967.

(106) ابن تغري بردي، النجوم، ج 4، ص 248- 250، و المقريزي، السلوك، ج 4، ص 614- 628، و الصيرفي، نزهة النفوس، ج 2، ص 509، و ج 3، ص 8، و البدر العيني، البدر الزاهر، ص 38- 40.

(107) شيخ الربوة، نخبة الدهر، ص 212.

(108) تاريخ صفد العثماني.

(109) أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي، قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان، ص 80.

(110) الصيرفي، نزهة النفوس، ج 2، ص 85، 94.

(111) ورد في ابن حجر، إنباء الغمر ...، ج 2، ص 147 في حوادث سنة 803 الأمير متير يك، و في عقد الجمان العيني، ج 25، ق 1، ورقة 157، ورد اسمه مثير بك، و انظر أيضا المقريزي، السلوك، ج 3، ص 1066- 1067.

(112) ابن حجر، إنباء الغمر، ج 2، ص 205- 206.

(113) المصدر نفسه، ج 2، ص 352.

(114) المقريزي، السلوك ...، ج 4، ص 121.

(115) المصدر نفسه، ج 3، ص 1147، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 12، ص 311.

(116) ابن حجر، إنباء الغمر، ج 2، ص 352.

(117) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 37.

(118) المصدر نفسه، ص 72.

(119) المصدر نفسه، ص 121- 123، و ابن حجر، إنباء الغمر، ج 2، ص 427.

57

____________

(120) القلقشندي، صبح الأعشى، ج 4، ص 67، و ج 5، ص 497، و المقريزي، السلوك، ج 4، ص 72، 77، 127، 496، 497.

(121) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 72، 77، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 2، ص 311.

(122) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 309.

(123) المصدر نفسه، ص 379.

(124) المصدر نفسه، ص 398، 627، و الصيرفي، نزهة النفوس، ج 2، ص 387، و ابن تغري بردي، النجوم، ج 15، ص 115، و السخاوي، الضوء اللامع، ج 3، ص 138.

(125) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 496- 497، و الصيرفي، نزهة النفوس، ج 2، ص 454.

(126) المقريزي، السلوك، ج 4، ص 572، ابن تغري بردي، النجوم ...، ج 4، ص 181.

(127) ابن تغري بردي، النجوم ...، ج 14، ص 262- 263.

(128) المصدر نفسه، ج 15، ص 404.

(129) السخاوي، التبر المسبوك، ص 350- 351.

(130) الطراونة، مملكة صفد، ص 223.

(131) المقريزي، السلوك، ج 3، ص 1147، و ج 4، ص 627، و ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج 12، ص 138، و ابن حجر، إنباء الغمر، ج 2، ص 426.

(132) ابن الوردي، تتمة المختصر، ج 2، ص 244، و المقريزي، السلوك، ج 1، ص 812- 813، 565، 600، 813، و البدر العيني، البدر الزاهر، ص 293، و ابن كثير، البداية و النهاية، ج 13، ص 261.

58

إعادة بناء قلعة صفد

يعد عصر الحروب الصليبية عصر القلاع، ذلك أن الصليبيين لم يشعروا قط بالأمان، و عاشوا دوما خلف حصون و قلاع و مدن مسورة، و اهتم العلماء المعاصرون بالقلاع في عصر الصليبيين، و قد اطلعت على عدد من الدراسات المهمة في هذا الميدان نشرت أحدثها و أكثرها أهمية في الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية، و كانت صفد بين أهم القلاع التي أعاد الصليبيون عمارتها، بعد هدمها من قبل المسلمين في أعقاب معركة حطين، و كان الشروع في اعادة البناء هذه في العام 1240 م و جاء ذلك ضمن ظروف كان الصليبيون يأملون فيها في إعادة سلطان لهم على أراضي كبيرة داخل فلسطين، قد تمهد لاسترداد القدس، عندما ستأتي الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، و المهم هنا أننا نمتلك حول اعادة بناء صفد رواية هي الأكثر تفصيلا حول بناء أية قلعة صليبية في الشرق، و كاتب هذا الوصف هو غير معروف، و لكنه كان شاهد عيان، و صحيح أن صفد لم تشهد قلعتها أعمال كشف أثرية حديثة، يرفد مواد هذا الشاهد، ما جاء حول فتحها، و ما ورد في كتاب تاريخ صفد.

و كان صاحب الشخصية المحورية في إعادة بناء صفد، و صاحب الفكرة التي رست خلف المشروع هو بيندكت أوف ألينان‏

Benedict of Alignan

أسقف مرسيليا (1229- 1277)، و من المحتمل أن الكاتب كان في بطانته، و مهما كان أصله، لقد كانت له علاقات و شيجة مع الداوية الذين كانت الرسالة دعاية لهم عظيمة جدا، و وفقا لما رواه المؤلف، كان بعض الصليبيين من جيش الكونت ثيوبولد أوف شامبين قلقين يريدون تخليص أنفسهم من جرمهم الذي اقترفوه، عند هزيمة، و موت، و أسر عدد كبير من رفاقهم، على أيدي المصريين عند غزة في العام 1239، لذلك اقترحوا أن يسهموا بدفع مبلغ سبعة آلاف مارك،

59

في سبيل إعادة بناء صفد، و لكن وعدهم بالتبرع لم يتحقق مطلقا، و في الوقت نفسه استغل الأسقف بيندكت فرصة وجود هدنة مع دمشق من أجل زيارة كنيسة سيدتنا في صيدنايا قرب المدينة، و عندما كان ينتظر هناك من أجل مرافقة اطلع على المدى الذي خافه أهل دمشق من إعادة بناء صفد، حيث أخبروه بأنه لو حدث «فإن أبواب دمشق سوف تنغلق»، ولدى عودته وجد الأسقف صفد «عبارة عن مجرد كومة كبيرة من الحجارة، من دون أية أبنية، مع أن ذلك كان فيما مضى قلعة جميلة و مشهورة»، و عاشت الحامية الداوية الصغيرة بشظف في هذه المحيطات المدمرة، و مع هذا لقد لاحظ أن القلعة الإسلامية القوية في المنطقة كانت قلعة الصبيبة قرب بانياس، و بدا له أنه لو أعيد بناء صفد، فإن السلطان سوف يفقد دخله من قرى ذلك الجوار «بما أنه لن يتجرأ على زراعة الأرض خوفا من القلعة المذكورة»، و لسوف ترتفع نفقاته، لأنه سيحتاج لأن يدفع للمرتزقة للدفاع عن دمشق ..

و بناء عليه ذهب الأسقف إلى المقدم أرماند أوف بيريغوردArmand of perigord الذي كان آنذاك طريح الفراش بسبب المرض، و على الرغم من شكوك المقدم حول قابلية الفكرة للتطبيق أقنعه الأسقف بتقدير هذه الفكرة، و جرى عقد اجتماع للهيئة الكهنوتية العامة للرهبانية حيث ألقى الأسقف خطابا حماسيا مثيرا، و قد سعى لإقناع الداوية بالضرورة الملحة للمشروع خاصة و أن الهدنة ما تزال قائمة، فجرى جمع عدد كبير من العمال و الرقيق، و تم تنظيم قطر مجموعات من حيوانات التحميل، و وصل الأسقف نفسه «و نصب خيمته حيث كان هناك كنيسا لليهود، و مسجدا للمسلمين، من أجل أن يعطي إشارة، و يظهر بشكل مكشوف بأن قلعة صفد قد بنيت من أجل طرد الكفار غير المؤمنين، و لتمتين عقيدة مولانا يسوع المسيح و الدفاع عنها»، و أقام الأسقف قداسا، أعقبه عظة قصيرة، و في 11- كانون أول 1240 «توجه بالدعاء

60

و طلب نعمة الروح القدس ... و وضع الحجر الأول، تشريفا لمولانا يسوع المسيح، و في سبيل تمجيد الإيمان المسيحي، و قدم فوق الحجر كأسا مذهبا كان مليئا بالمال للمساعدة على إنجاز الأعمال المقبلة»، و ما أن بدأت أعمال البناء حتى أظهر الرب موافقته، عندما قام عجوز مسلم بقيادة الأسقف إلى نبع ماء عذب، بين الشعاب الجبلية، و ذلك مقابل إعطائه رداء، و كان هذا النبع مغطى بكومة من النفايات، و مع الوقت الذي غادر فيه الأسقف متوجها إلى وطنه، كان راضيا برؤية صفد و هي محصنة، و منح القلعة هدية مغادرة: هي جميع مراكبه، و خيمه، و أثاثه، «و ذلك كمنحة للابن الصغير الأكثر محبة و إيثارا».

و بعد مضي عشرين عاما عاد الأسقف إلى الأرض المقدسة، و كان طبيعيا أن اهتمامه الأول كان أحوال صفد، فقد رأى القلعة «بهية و رائعة البناء، و كأنها لم تصنع بوساطة الإنسان وحده، بل بالحري من خلال قدرة الرب»، و كان الذي رآه خطا مزدوجا من الأسوار شكل قطعا ناقصا، تماشيا مع موقع «مغلق من كل جانب بجبال و هضاب، و شعاب منحدرة، و جروف و صخور»، و وفقا لأفضل التقديرات الحديثة، كان حجمها الكلي 330/ 170/ م، بما في ذلك الإطار، و من ضمن ذلك الخندق الخارجي الذي بلغ طوله 850 م، جاعلا إياها أوسع قلعة في المملكة، و انتصبت أبراج أسطوانية قد بنيت على طول السور الداخلي، و من المحتمل أنه كان هناك برج حفظ مستدير كبير في الجزء الجنوبي الشرقي للساحة الداخلية، و شحنت القلعة بسلسلة كاملة من آلات الحرب، و القسي العقارة و الأشياء التي تتوفر الحاجة إليها في أيام السلم، لألف و سبعمائة رجل يزدادون إلى ألفين و مائتين في أوقات الحرب، و كان خمسون من هؤلاء من فرسان الداوية، و ثلاثون متطوعين رهبان أو سيرجندية، و كانوا يعززون بخمسين من التوركبلية (عساكر من الخيالة الخفاف غالبا ما كانوا يجندون من السكان المحليين)، و ثلاثمائة من‏

61

رماة القسي العقارة، و عناصر أخرى بلغ عددهم ثمانمائة و عشرين، كما كان هناك أربعمائة من الرقيق، لابد أنهم كانوا من الأسرى المسلمين، و بلغت نفقات البناء في العامين و النصف الأولين مبلغ مليون و مائة ألف دينار إسلامي، و هو أعلى و أكثر من الموارد المعتادة التي جبيت من الأراضي المجاورة المتعلقة بها، «و قد استهلكوا هناك سنويا حمولة قرابة اثني عشر ألف حمل بغل من الشعير و القمح، عدا عن الأطعمة الأخرى، و الأعطيات التي منحت إلى المرتزقة و الناس المستأجرين، و الخيول و المطايا، و الأسلحة و الضروريات الأخرى، فهذه كلها لم يكن من الممكن تعدادها»، و جمعت الإمدادات من الأراضي الزراعية المجاورة، و من الأطعمة التي جمعها الصيادون التابعون للقلعة، مع صيادي الأسماك، و جلبت الأسماك طازجة يوميا من بحيرة طبرية و من نهر الأردن، و ملحت، و كان بين التجهيزات التي استخدمت لإعداد الأطعمة: الريح، و الماء، و الطاقة الحيوانية التي تدير الطواحين، و شملت الأراضي التي اعتمدت عليها قرى كبيرة على الجانب الغربي للقلعة، التي امتلكت سوقها الخاص، و أكثر من مائتين و ستين قرية أخرى (كاساليا)، التي ادعى الكاتب بأنها احتوت حوالي عشرة آلاف رجل قادر.

و مع أنه من الصعب- إن لم يكن من المستحيل- أن تتمكن أية قلعة من إغلاق أي طريق بالكامل، وفق منطق الدفاعات المعاصرة، لقد كان لإعادة بناء صفد مؤثرات بالغة على سلامة المنطقة و رخائها، ففي حين كانت من قبل تجري غارات متوالية كان يقوم بها: «المسلمون، و البدو، و الخوارزمية، و التركمان»، نجد أن قلعة صفد «وضعت هناك دفاعا، و عائقا، لذلك لم يعودوا يتجرأون على إلحاق الأذى، بعبور نهر الأردن بشكل مكشوف و التوغل بعيدا حتى عكا، ما لم يكن معهم جيشا كبيرا جدا، و ذهبت من عكا إلى صفد خيول النقل المحملة

62

و العربات بسلام من قبل الجميع»، و بالمقابل تعرضت المناطق التي وقعت خلف الأردن باتجاه دمشق للدمار، و خضعت لغارات مستمرة قام بها فرسان داوية من حامية القلعة، و لعل الشي‏ء الذي كان أكثر أهمية من كل شي‏ء بالنسبة للأسقف هو حقيقة أنه بات من الممكن التبشير بحرية بالعقيدة المسيحية، في منطقة كانت خاضعة من قبل «لتجديفات محمد» (صلى الله عليه و سلم)، و الأماكن المشهورة بالجليل التي أصبح المؤمنون معتادين عليها من خلال الكتاب المقدس، غدت الآن من جديد يمكن الوصول إليها، و كان بين هذه الأماكن صهريج فيه جرى بيع يوسف من قبل إخوانه، و كفرنا حوم، المكان الذي وعظ يسوع فيه، و وجد بطرس مال الجزية في فم سمكه، و حيث ترك متى بيت التعشير للالتحاق بالرسل، و طرف الهضبة، حيث أطعم يسوع خمسة آلاف، «و فضل من الطعام اثني عشر زبيلا مليئة بالفتات»، و «مائدة الرب» حيث تجلى يسوع بنفسه إلى تلاميذه بعد الفصح، و بعد بحيرة طبريا نفسها كانت هناك قرية بيت صيدا، مسقط رأس: بطرس، و أندرو، و فيليب، و جيمس الأصغر، و قرية مجدلون، مسقط رأس المجدلانية، و علاوة على ذلك بات الآن من الممكن بحرية الزيارة مجددا:

للناصرة، و جبل الطور، و قانا الجليل، و أكدت المصادر الإسلامية على قيمة القلعة التي أقامها الفرنجة، فقد وصفها المؤرخ المصري ابن الفرات من القرن الرابع عشر، و الذي اعتمد على مصادر معاصرة بأنها كانت غصة في حلق الشام، و شوكة في صدر الإسلام، و قد بقيت هكذا إلى أن جلب بيبرس نهايتها.

و استمرت زيارة بيندكت الثانية للأرض المقدسة حتى العام 1262، و قد مات هو نفسه في العام 1267، و لابد أنه عاش ما كان فيه كفاية ليسمع الأخبار عن سقوط «هذه القلعة التي لا ترام، و التي لا يمكن الوصول إليها»، فقد حاول بيبرس ثلاث مرات في تموز العام 1266،

63

أن يستولي عليها، لكن من دون نجاح، إلى أن اعتمد على خطة زرع الشقاق بين الداوية و المسيحيين السريان في داخلها، و كانت هذه حركة بارعة، بحكم الحجم الصغير نسبيا للحامية الداوية، و ذلك بالمقارنة مع العدد الأكبر من العساكر المحليين و العبيد، ذلك أنه ما لبث أن تم إقناع العدد الأكبر من السريان بترك القلعة، بناء على وعد بالأمان، و لذلك باتت جدوى الاستمرار بالدفاع موضع سؤال، و أقنع هذا الداوية لإرسال سيرجندي سرياني اسمه الراهب ليون كيزليرLeon cazelier للتباحث بالاستسلام، ذلك أنه عرف العربية، و يبدو أنه نجح في ترتيب إخلاء القلعة، و تأمين الصليبيين حتى الوصول إلى عكا، و لكن حدث- على كل حال- أنه عندما باتت الأبواب مفتوحة أرسل بيبرس النساء و الأطفال إلى حياة العبودية، و مثلما حدث لأسلافهم قبل ثمانين عاما جرى إعدام الداوية، و قال المؤرخ المعروف باسم «الداوي الصوري»، بأن ليون امتلك معلومات جيدة عن الحوادث، لأنه عمل- كما يبدو- في أمانة سر الداوية في الشرق، و قد أقدم «خوفا من الموت على اقتراف هذه الخيانة»، و قد استثير بورتشارد أوف جبل صهيون بصفد مثلما أثارته عثليت، فقال: «هذه بحكمي خيانة مهينة بحق أجمل و أمنع جميع القلاع التي رأيتها»، و فتحت خسارتها ليس منطقة الجليل فقط، و لكن البلاد امتدادا حتى: عكا، و صور، و صيدا، و كان هيوج رافيل مقدم الاسبتارية أقل تملقا، حين علق بشكل لاذع بأن صفد «التي تحدث الداوية عنها كثيرا»، لن يكون بإمكانها الصمود أكثر من ستة عشر يوما، و انتشرت الأخبار بسرعة في الغرب، و يقول مؤرخ سينت مارتيل أوف ليموغيزMartial of Limoges المجهول بأن خسارة صفد أقنعت الملك لويس التاسع، أن عليه أن يجدد ميثاقه الصليبي، و رأى- في الوقت نفسه- مؤرخ دير القديس بطرس في إيرفورت‏Er -furt في سكسونيا، و اعتقد بأن بيبرس كان قادرا على إخضاع البلاد كلها، لأنه استولى على هذه القلعة.

64

مدخل: (نص الداوي المجهول)

تروي هذه الكراسة الموجزة خبر إعادة بناء قلعة صفد، منذ العام 1240 فصاعدا، و ذلك من قبل داوي، و تتمحور الرواية حول بنيويت دي ألنان‏Benoit d`Alignan أسقف مرسيليا من العام 1229 إلى العام 1267، و الذي زار الأرض المقدسة مرتين في العام 1239- 1240، و العام 1260- 1262، و يبدو أنه كان هو صاحب فكرة إعادة بناء القلعة، حسبما هو واضح في الكراسة، و النص موجود في مخطوطتين أولاهما في باريس من القرن الرابع عشر، و الأخرى مخطوطة إيطالية غير مؤرخة موجودة في تورين‏Turin ، و كلتاهما مجلدتان مع نصوص صليبية بما في ذلك «تاريخ الغرب» لجاك دي فيتري، و لابد أن الكراسة قد كتبت فيما بين العام 1260- عندما زار بنيويت صفد للمرة الثانية- و العام 1266 عندما سقطت القلعة للمسلمين، و من المحتمل أن مؤلفها المجهول قد صنفها ببساطة لتخليد ذكرى عمل الأسقف، لكن من المرجح أكثر أنها كانت رسالة جمع تبرعات صممت حتى تقرأ، أو لتكون أساسا لقداسات و لإلتماسات، و قد ألحت على نفقات و تكاليف القلعة، و منفعتها المستمرة للصليبيين، و في القسم الأخير دورها في حماية الأماكن المقدسة المعروفة بشكل جيد، و هذه كلها احتمالات قوية، و مهما كان الوازع لدى المؤلف تبقى الرسالة- على كل حال- أكمل رواية و أكثرها إحاطة نحن نمتلكها حول الظروف التي أحاطت ببناء أية قلعة في العصور الوسطى، فهذه الرواية تزودنا برؤية نافذة داخل ما فكر به المعاصرون و اعتقدوه حول الموضوع.

بناء قلعة صفد

بما أن نيتنا هي دائمة ثابتة و ملتزمة دوما بالغيرة و الحماسة حول جميع‏

65

الأشياء من أجل تشريف الرب، و هي مركّزة باستمرار و بشكل رئيسي على الأشياء التي نقدر أنها من أجل رفع شأن الإيمان و الكنيسة، و تنوير الذين من حولنا، و خلاص أنفسنا، و تأييد الأرض المقدسة نحن نقترح بأن ننطلق نحو الأمام خاصة و بشكل رئيسي حول: متى، و لماذا كان الشروع ببناء قلعة صفد، و كيف بنيت؟.

لماذا و متى و كيف بدأ بناء قلعة صفد

وصل جيش من الصليبيين كبير كان بينهم: ملك نافار، و كونت شامبين، و دوق بيرغندي، و كونت بريتاني، و كونت نافار و فوريزFo -rez ، و كونت أوف مونتفورت، و كونت أوف بار، و كونت أوف ماكون، و عدد كبير آخر من الكونتات و البارونات لتأييد الأرض المقدسة، و في هذا الجيش كان عدد الفرسان مع التجهيزات العسكرية أكثر من ألف و خمسمائة، و ذلك بالإضافة إلى الذين لم يكن لديهم ما يكفي من تجهيزات عسكرية، و حشد لا يمكن تعداده تقريبا من رماة القسي العقارة، و الجنود الرجالة، و عند ما وصلوا إلى يافا و عسقلان، تناقشوا حول كيف ينبغي أن يسيروا، و قام بعض النبلاء الذين وثقوا بقوتهم، و لم يقيموا وزنا لنصائح الداوية و الاسبتارية، و رجال الكنيسة الآخرين، و نبلاء البلاد بمغادرة الجيش أثناء الليل، و بما أنهم لم يعطوا المجد للرب الذي إليه يعود النصر، بل حاولوا عوضا عن ذلك أن ينالوه لأنفسهم لحقت بهم هزيمة مهينة، فكثير منهم وقع بالأسر، و قتل، و دفع الجيش مهزوما إلى يافا في حالة فوضى كبيرة، و هنا و في سبيل تخفيف الألم و تلطيف وقع المأساة تقرر إعادة بناء قلعة صفد، و بما أنهم لن يستطيعوا بناء مثل هذا العمل الجيد في جميع البلاد، و لكي يكون بإمكان مقدم الداوية أن يبدأ بالعمل، و عدوه بأن يدفعوا له مبلغ سبعة آلاف مارك حتى يدفع من أجل العمارة، و أن الجيش سوف يقف هناك لمدة شهرين، و بذلك يمكن أن تبنى بأمان أكبر و بسهولة.

66

و لكنهم عندما عادوا إلى عكا الرملية نسيوا و عودهم، و لم يذهبوا للبناء، كما أنهم لم يسهموا بأي شي‏ء من أجله، و عندما عقدت هدنة مع سلطان دمشق عاد الملك و رجال الجيش الكبير إلى بلادهم، و ذهب أسقف مرسيليا بالحقيقة باسم البابا بندكتوس إلى القديسة مريم في صيدنايا، و ذلك بقصد الحج بناء على إذن السلطان، و عندما كان ينتظر في دمشق لعدة أيام بناء على أوامر من السلطان سأله كثير من الناس مرارا، و استوضحوا منه عما إذا كانت صفد سوف تعاد عمارتها، و عندما سألهم لماذا يتقصون عن ذلك بإلحاح و استمرار، أجابوه أنه مع بناء قلعة صفد سوف تغلق أبواب دمشق.

و لذلك عندما عاد الأسقف من دمشق فحص بدقة البلاد حتى صفد، فلم ير أية قلعة باستثناء الصبيبة التي كانت بيد ابن أخي السلطان، و عندما وصل إلى صفد وجد هناك كومة من الحجارة من دون وجود أي بناء، و ذلك حيث كان مرة قلعة مهمة و مشهورة، و استقبل هناك بسرور كبير من قبل الراهب رينهاردوس دي كاروRainhardus de caro الذي كان القسطلان هناك في ذلك الوقت، لكنهم لم يجدوا أي مكان هناك ليناموا فيه باستثناءgarbelarias (أردية منسوجة من الصوف و الكتان، أو ربما حشايا) حملهم خدم الراهب، و عليهم عملوا أسرة لسادتهما.

و عندما تقصى الأسقف بعناية حول المحيط و حول منطقة القلعة، و لماذا كان المسلمون خائفون إلى هذه الدرجة من بنائها، وجد أنه لو بنيت القلعة سوف تكون دفاعا و أمانا، و مثل الترس بالنسبة للصليبيين بعيدا حتى عكا، ضد المسلمين، و لسوف تكون قاعدة قوية و هائلة من أجل الهجوم، و لتأمين الحاجيات و الفرص للقيام بأعمال الانقضاض و الغارات داخل أراضي المسلمين بعيدا جتى دمشق، و بسبب بناء هذه القلعة سوف يفقد السلطان مبالغ ضخمة من المال، و سوف يحتاج إلى‏

67

نفقات كبيرة، و خدمات للرجال و الممتلكات للذين من دون ذلك سوف يكونوا للقلعة، و سوف يخسر في أراضيه أيضا قرى و مناطق مزروعة و مراعي، و إسهامات أخرى، بما أنهم لن يتجرأوا على زراعة الأرض خوفا من القلعة، و كنتيجة لذلك سوف تتحول أراضيه للدمار و الخراب، و سوف يكون أيضا مرغما على أن يتحمل نفقات كبيرة، و أن يستخدم كثيرا من الجنود المأجورين(Stipendiarios) من أجل الدفاع عن دمشق و المناطق المحيطة بها، و باختصار لقد وجد من التقرير العام أنه لم يكن هناك حصن في البلاد، مثله: منه سوف يتضرر المسلمون كثيرا، و الصليبيون سوف يلقون مساعدة كبيرة، و المسيحية سوف تنتشر.

و عندما سمع الأسقف هذا و آراء مشابهة وصل إلى عكا، وزار مقدم الداوية أرماند دي بيريغورد الذي كان متمددا مريضا، و سأله المقدم عن الذي رآه في دمشق و سمعه، و أخبره الأسقف عما بدا له أكثر أهمية، و ذلك مما رآه و سمعه حول كيف كان المسلمون في حالة رعب، و يرتجفون، و يبحثون عن إعادة تأكيد حول بناء قلعة صفد، و بناء عليه، و في إشارة إلى ما قد قاله بدأ في إقناعه بقوة و إصرار بأن عليهما أن يكرسا جميع قواهما لبنائها بسرعة في أيام الهدنة، لكن المقدم قال له و هو يتنهد:

«أيها السيد الأسقف إنه ليس من السهل أن تبني قلعة صفد، أو لم تسمع أنت نفسك بالذي وعد به: ملك نافار، و دوق بيرغندي و كونتات و بارونات الجيش حول الذهاب إلى صفد على أساس أنها من الممكن أن تبنى بأمن أكبر، و بسرعة أعظم، و كيف أنهم كانوا سيقيمون هناك لمدة شهرين، و أن يدفعوا مبلغ سبعة آلاف مارك من أجل البناء؟

و في النهاية هم لم يدفعوا بنسا واحدا من أجل البناء، و أنت تقول بأن علينا أن نبني القلعة من دون مساعدة أحد؟».

68

ثم إن الأسقف قال: «أيها المقدم إبق مرتاحا في فراشك، و قدم إرادتك الصالحة، و تأييدك الفعلي إلى الرهبان، و أنا لدي إيمان بالرب بأنك سوف تفعل من فراشك أكثر من جيش كامل، مع حشد من الرجال المسلحين، و ثرواتهم الوافرة»، و بما أن الأسقف أصر قال الرجال الكبار الذين كانوا هناك: «أيها السيد الأسقف، لقد قلت ما بدا جيدا بالنسبة لك، و لسوف يقوم المقدم بالتشاور، و يرد عليك»، و عندما انسحب الأسقف من عند المقدم دعا أعيان أعضاء المجلس الاستشاري للداوية و أقنعهم بالذي قاله للمقدم، و أرضاهم تماما، و أجابوه بأن عليه القدوم في اليوم التالي، و أن يجعل المقدم يعرض هذا أمامهم في الاجتماع.

كيف أقنع أسقف مرسيليا مقدم الداوية و مجلسه ببناء قلعة صفد

و جاء في اليوم التالي الأسقف إلى عند المقدم و طلب منه دعوة مجلسه الاستشاري بسبب أنه رغب في أن يتحدث إليهم حول شي‏ء مهم بالنسبة له، و عندما قدموا قال الأسقف لهم:

«أيها السادة أنا أفهم بأن رهبانيتكم، قد بدأت أولا بفرسان مقدسين قد كرسوا أنفسهم كليا من أجل حماية الصليبيين، و الهجوم على المسلمين، و بما أنهم التزموا بذلك بثبات و إخلاص، مجّد الرب رهبانيتكم، و جعلها ذات حظوة لدى الكرسي الرسولي، و لدى الملوك و الأمراء، و اليوم إن رهبانيتكم مشهورة كثيرا، و معروفة تماما لدى الرب و الناس، و يبدو لي أن عليكم الآن أن تتبعوا مثل هؤلاء الفرسان المقدسين، و عندما كنت في دمشق تبين لي من كثير من الناس أنه ليس هناك شيئا سوف يخاف المسلمون منه خوفا عظيما مثل بناء صفد، و لهذا لقد قيل: إنه مع بناء تلك القلعة سوف تنغلق أبواب دمشق، و نحن أنفسنا رأينا الموقع و تفحصناه، و أنه معروف بشكل عام إنه من غير الممكن أن تبني قلعة أو حصنا في هذه البلاد بوساطته يمكن حماية المسيحية بشكل جيد جدا، و كفر المسلمين به يحارب، مثل صفد، و لهذا

69

السبب قمت و أنا صديقكم المخلص، و أنا متنبه لتشريف الرب، و لخلاص الأنفس، و لرفع شأن رهبانيتكم، فسألت و نصحت و طلبت أن تقوموا، و أنتم العبيد المخلصون للرب، و المكرسون و الفرسان الأقوياء بالنظر إلى الخلف إلى مثل أولئك الفرسان الأوائل الذين أسسوا رهبانيتكم، و أنه باتباعكم مثل مؤسسيكم بأن تمنحوا أنفسكم و مالديكم لبناء قلعة صفد التي سوف تبقى دوما تهديدا للمسلمين، و دفاعا عظيما للمؤمنين الصليبيين، و أنا- على كل حال- ليس لدي المال الذي سيكون كافيا لهذا العمل، لكن أنا أعرض للقيام بحج إلى هناك إذا أردتم عمارتها، و إذا كنتم لا تريدون سوف أبشر بين الحجاج للذهاب إلى هناك معهم للبناء بالمخلفات، لأنه يوجد هناك كومة كبيرة من الحجارة، و لسوف أشيد هناك سورا من الحجارة الغشيمة لحماية الصليبيين من هجمات المسلمين».

و عندما سمع المقدم هذا أجاب و كأنه يضحك: «أنت بوضوح قد قررت الذي ينبغي عمله»، فأضاف الأسقف قائلا: «و أنت اعقد مشاورات جيدة، و ليكن الرب معك»، و انسحب من عندهم، و وجه الرب- على كل حال- اجتماعهم، فقرروا بالإجماع بأن القلعة المذكورة ينبغي أن تعاد عمارتها الآن، ماداموا في هدنة مع سلطان دمشق، لأن الهدنة إذا ما ألغيت يمكن للبناء أن يتأخر بسهولة.

البهجة أثناء بناء قلعة صفد

عندما تقرر وجوب بناء صفد، كانت هنالك بهجة عظيمة في دير الداوية، و في مدينة عكا، و بين شعب الأرض المقدسة، و من دون تأخير جرى اختيار قوة كبيرة من الفرسان، و السيرجندية، و رماة القسي العقارة مع رجال مسلحين آخرين و برفقتهم كثير من دواب التحميل لنقل الأسلحة، و الإمدادات، و المواد الضرورية الأخرى، و فتحت مخازن الحبوب، و الأقبية، و خزائن الأموال، و الدوائر الأخرى بكرم و فرح من‏

70

أجل الدفع، و أرسل إلى هناك عدد كبير من العمال و العبيد(operarii et schavi) مع الأدوات و المواد التي احتاجوها، و فرحت البلاد لدى وصولهم، و تمجدت المسيحية الحقيقية للأرض المقدسة.

و وصل أسقف مرسيليا نفسه مع هؤلاء الحجاج الذين تمكن من جلبهم، و نصب خيامه فوق موقع كنيس اليهود و مسجد المسلمين، و بذلك أشار، و ظهر بوضوح بأن قلعة صفد سوف تعاد عمارتها لإضعاف انعدام إيمان الكفار، و لتقوية عقيدة ربنا يسوع المسيح، و الدفاع عنها، و بعدما كان كل شي‏ء مطلوب للشروع بالعمل في هذا المشروع المجيد جاهزا، و بعد إقامة قداس وصل الأسقف و أعطى موعظة قصيرة لتشجيع إيمان الذين كانوا موجودين، و توجه بالدعاء إلى نعمة الروح القدس، و مع المباركة، و المهابة المطلوبة وضع الحجر الأول لتشريف ربنا يسوع المسيح، و لرفعة شأن العقيدة المسيحية، و على الحجر وضع كأسا مذهبا من الفضة كان مملوءا بالمال لدعم العمل المقبل، و قد عمل هذا في العام 1240 للرب في الحادي عشر من إيلول.

كيف تم العثور على بئر للماء العذب داخل قلعة صفد

بما أنه كان هناك نقص بالمياه، و بما أن الماء كان يجلب من مسافة بعيدة بوساطة عدد كبير من دواب التحميل مع جهد و نفقات أخذ الأسقف يبحث لعدة أيام حتى يعثر على نبع صغير، و لكي يبني بركة لتجميع الماء فيها، فقال رجل عجوز من المسلمين لحاجب الأسقف: «إذا أعطاني سيدك ثوبا، أنا سوف أريه نبع ماء عذب في داخل القلعة»، و عندما وعده بالثوب أراه المكان، حيث كان هناك ركام كبير، و خرائب أبراج و أسوار، و أكوام كثيرة من الحجارة، و عندما طلبوا منه مجددا علامة واضحة، قال: إنهم سوف يجدون سيفا و خوذة من الحديد في فم البئر، و هكذا وجدوا الأمر كما قال، و لهذا السبب عملوا بإصرار أكبر و بعزم إلى أن تمكنوا أخيرا من اكتشاف ماء متدفق رائع بكميات وافرة كثيرا

71

من أجل القلعة كلها، و بقي الأسقف مقيما هناك إلى أن أرسيت أساسات القلعة بثبات، و صار بإمكانها الدفاع عن نفسها ضد أعداء الإيمان، و عندما عاد إلى الوطن، أعطى إلى القلعة- و كأنها الابن المنتخب و الأحب لديه- جميع أطعمته، و خيامه، و أثاثه، و بعدما أعطى مباركته، عهد بالوصاية على العمل و تقدمه، و على العاملين، إلى ربنا يسوع المسيح، الذي على شرفه بدأ العمل و لاسمه جرى تكريس القلعة.

الإنشاء الرائع لقلعة صفد

عندما عاد- على كل حال- الأسقف نفسه لمساندة الأرض المقدسة ضد التتار في الرابع من تشرين أول [1260]، و وصل لزيارة صفد لقد وجد أنه بين الرحلة الأولى عندما عاد الأسقف إلى مرسيليا، و الرحلة الثانية التي عاد بها إلى صفد أنه بفضل نعمة الرب و حكمته و لنشاط و سمعة رهبان الداوية أن القلعة قد بنيت بصنعة عظيمة، و روعة كبيرة، و فخامة إلى حد أن عمارتها بدت بأبهتها وجودتها، أنها عملت ليس من قبل الإنسان، بل من قبل الرب القدير.

و لتفهم هذا بكمال أكبر، و لجعل الأمر أكثر وضوحا: إن قلعة صفد قائمة تقريبا على منتصف الطريق بين مدينتي عكا و دمشق في الجليل الأعلى على قمة محاطة تماما بالجبال و الهضاب، و بجروف صرفه، و منحدرات شديدة، و صخور، و هي من معظم الاتجاهات لا يمكن الوصول إليها، و هي لا ترام، بسبب المصاعب، و الشدائد، و ضيق الطرقات، و في جنسارث (المعروفة أيضا ببحر الجليل، و ببحيرة طبريا) توفر ما يشبه المتاريس، و هؤلاء مثل دفاعات طبيعية على مسافة، و كان هناك- على كل حال- دفاعات داخلية و خارجية رائعة من صنع الإنسان، و أبنية تستحق الإعجاب.

72

و ليس من السهل أن ينقل الإنسان كتابه أو أن يعبر بالكلام فيذكر كم كان هناك من الأبنية الرائعة، مثل: الدفاعات الكثيرة الرائعة، و التحصينات مع الخنادق التي هي سبع قصبات [4، 15 م لأن طول القصبة 2، 2 م‏] بالعمق المنحوت في الصخر، و ست قصبات بالعرض، و مثل: الأسوار الداخلية 20 قصبة [44 م‏] بالارتفاع، و قصبة و نصف القصبة (3، 3) بالسماكة عند الرأس، و مثل الأسوار الخارجية(ante -muralia) و الخنادق(Scama) عشر قصبات [22 م‏] بالارتفاع 375 قصبة [825 م‏] بالمحيط، و الأنفاق تحت الأرض بين السور الخارجي، و الخندق [الداخلي‏]، مع غرف تحت الأرض حول القلعة كلها امتداد 375 قصبة [825 م‏]، و مثل: المنع التي تدعى باسم,Fortie cooperte و التي هي فوق الخنادق، و تحت السور الخارجي، حيث يمكن لرماة القسي العقارة مع كوى كبيرة من أجل الدفاع عن الخنادق و الأشياء القريبة و البعيدة، من دون أية وسائل وقاية أخرى و مثل: الأبراج و الشرافات(propugnaculis) حيث هناك سبعة أبراج كل واحد منها 22 قصبة [4، 48 م‏] بالارتفاع و عشر [22 م‏] بالعرض مع أسوار سماكتها قصبتان [4، 4 م‏] في الذروة، و مثل الكثير من المكاتب لجميع الضروريات، و مثل عدد و حجم، و أنواع من المنشآت للقسي العقارة، و الأسهم المربعة الرؤوس، و الآلات، و كل نوع من الدروع و السلاح بذلت جهود كبيرة جدا لصنعهم، و أنفقت أموال من أجل إعدادهم، و مثل عدد الحراس في كل يوم، و العدد الكبير للحامية المكونة من رجال مسلحين للحراسة و للدفاع، و لصد الأعداء الذين كانوا دوما مطلوبين هناك، و لكم كان عدد العاملين كبيرا مع مختلف الحرف، و كذلك النفقات العظيمة التي عملت من أجلهم يوميا ذلك أنه ليس لائقا المرور بصمت بمثل هذه الأعمال المشهورة جدا، و الاستثنائية كثيرا، و الفائقة الروعة، و الضرورية بلا حدود، و هي كلها كان من اللازم عملها من أجل تشريف الرب، و تمجيد الاسم المسيحي، و في سبيل‏

73

تدمير الكفار، و إعلاء شأن المؤمنين، ثم إنه جرى الإعلان عن بعضهم لتشجيع تكريس المؤمنين و شفقتهم.

النفقات اليومية الكبيرة من أجل حراسة قلعة صفد

إنه على هذا من أجل تشريف ربنا يسوع المسيح، و لإظهار قوة التكريس، و الحاجة العظيمة للفرسان المقدسين لرهبانية الداوية، و لتشجيع التكريس و الشفقة، و لإلهاب محبة المؤمنين المسيحيين نحو الرهبانية و القلعة سوف نقدم تفاصيل النفقات التي عملها الداوية هناك من أجل البناء لأنني سألت، و بعناية استفسرت من أعيان الرجال، و من خلال رجال دير الداوية: لقد أنفق دير الداوية في العامين الأوليين و نصف العام على بناء قلعة صفد أحد عشر ألف دينار إسلامي، و ذلك بالإضافة إلى الموارد التي جاءت من القلعة نفسها، و أنفق في كل عام تالي، أكثر أو أقل من أربعين ألف دينار إسلامي، ففي كل يوم وزعت الأطعمة على 700، 1 إنسان أو أكثر، و في أوقات الحرب على 200، 2، لأن ترسيخ(Stablimento cotidiano) القلعة احتاج يوميا خمسين فارسا، و ثلاثين سير جنديا، كلهم من الرهبان، و خمسين توركبليا مطلوبين مع خيولهم و أسلحتهم، و ثلاثمائة من رماة القسي العقارة، و الأعمال و المكاتب الأخرى إلى ثمانمائة و عشرين رجلا، و أربعمائة من الرقيق، و لقد استخدم هناك في كل عام معدلا يزيد عن 000، 12 حمل بغل من الشعير و القمح فيما عدا الأطعمة الأخرى، و ذلك بالإضافة إلى رواتب الجنود المرتزقة، و الأشخاص من المأجورين يضاف إلى ذلك الخيول، و أشياء، و أسلحة، و ضروريات أخرى ليس من السهل تعدادها.

فخامة قلعة صفد

بذلت جهود كبيرة جدا لم تكن من دون فائدة في سبيل إظهار عظمة القلعة، و كانت جهودا مرهقة لا يمكن الاستغناء عنها أو غير كافية، أو

74

غير موائمة لسكناها، و ينبغي أن نعرف أن قلعة صفد تمتلك مناخا معتدلا و صحيا، و بساتين غنية، و كروم، و أشجار، و أعشاب لطيفة ضاحكة، و هي غنية و كثيرة الوفرة و الخصب في أنواع الثمار و الفواكه، فهناك: تين، و رمان، و لوز، و الزيتون ينمو هناك و يزدهر، فالرب باركها بالمطر من السماء، و بالثروة من التربة، و بوفرة من القمح، و الكروم، و الزيت، و القطاني، و الأعشاب، و فواكه مختارة، و كميات كبيرة من الحليب، و العسل، و مراعي موائمة من أجل إطعام الحيوانات، و فضاءات، و أشجار، و غابات من أجل صنع الفحم، أو من أجل طبخ كميات كبيرة من الأطعمة، و مقاطع من أجل حجارة جيدة في المكان من أجل أعمال البناء، و للسقاية من الينابيع، و من أجل برك كبيرة لسقاية الحيوانات و المزروعات ليس فقط خارج القلعة، بل حتى في داخلها، حيث هناك ماء عذبا بوفرة، و عددا كبيرا، و أنواعا من البرك المناسبة لأي غرض.

و يوجد هناك اثنتي عشر طاحون ماء خارج القلعة، و كثيرا أكثر تستمد طاقتها من الدواب أو من الريح، و أكثر مما إليه حاجة من الأفران، و ذلك كما ينبغي، و لم يكن هناك أي نقص في أي شي‏ء يحتاجه النبلاء أو القلعة، و هناك أنواعا كثيرة من الصيد و أنواعا كثيرة من الأسماك في نهر الأردن، و بحيرة طبرية، ذلك أن بحيرة طبرية بحيرة كبيرة، و من أماكن أخرى، حيث يمكن جلب الأسماك الطازجة أو المملحة يوميا.

و بين سمات الفخامة الكثيرة التي امتلكتها قلعة صفد هي أنه معلوم أنها يمكن الدفاع عنها بوساطة قلة، و أن كثيرين يمكن أن يحتشدوا فيها تحت الحماية من أسوارها، و أنه لا يمكن حصارها إلا بوساطة حشد كبير جدا، لكن مثل هذا الحشد لن يمتلك الإمدادات لوقت طويل، لأنه لن يجد الماء و لا الطعام، كما أنه لا يمكن لحشد كبير أن يقترب منها

75

في الوقت نفسه، و إذا ما تفرق أفراده في أماكن نائية، فإنهم لن يستطيعوا مساعدة أحدهم الآخر.

فائدة القلعة و الأماكن المحيطة و المرتبطة بها

يمكنك أن تدرك كم كانت القلعة مفيدة و ضرورية لجميع الأراضي الصليبية، و كم كانت مؤذية للكفار، فذوي الخبرة الذين عرفوها من قبل أن تبنى عرفوا بأن: المسلمين، و البدو، و الخوارزمية و التركمان اعتادوا على الإغارة على عكا، و التوغل في الأراضي الأخرى التابعة للصليبيين، لكن ببناء قلعة صفد تم وضع حصن و حاجز، فلم يعودوا يتجرأون على الذهاب من نهر الأردن إلى عكا، إلا إذا كانوا بأعداد كبيرة جدا، لكن بين عكا و صفد كان يمكن لدواب النقل المحملة و العربات العبور بسلام، و كان من الممكن تشغيل الأراضي الزراعية بحرية، و من جهة أخرى بقيت البلاد بين دمشق و نهر الأردن غير مزروعة، و كانت أشبة بصحراء للخوف من قلعة صفد، في حين أن الغارات الكبرى منها، و السلب و النهب، و إحداث الدمار كانت تصل بعيدا حتى دمشق، و هناك ربح الداوية عددا كبيرا من الانتصارات الإعجازية ضد أعداء الإيمان، و هي انتصارات ليس من السهل تعدادها، حيث يمكن كتابة كتاب كبير حولها.

و ينبغي- على كل حال- أن لا نغفل عدم ذكر أنه تحت قلعة صفد في اتجاه عكا، هناك بلدة أو قرية كبيرة(Burgus sive villa magna) فيها هناك سوق و عدد كبير من السكان، و هي يمكن الدفاع عنها من القلعة، بالإضافة إلى ذلك كان تحت سيادة قلعة صفد، و في منطقتها أكثر من مائتين و ستين قرية، التي كانت تدعى بالفرنسية فيلات‏Ville ، كان فيها أكثر من عشرة آلاف رجل مع قسي و سهام، و ذلك بالإضافة إلى آخرين، من الذين يمكن منهم جمع مبالغ كبيرة من المال، حتى يجري تقسيمها بين قلعة صفد، و الرهبانيات العسكرية الأخرى، و البارونات،

76

و الفرسان، الذين إليهم تعود ملكية القرى، و الذين كان يجبى منهم قليلا أو لا شي‏ء قبل بناء صفد، كما لا يمكن جبايتها هذه الأيام، لولا أن القلعة قد بنيت لأن الجميع كانوا في يد سلطان دمشق و المسلمين الآخرين.

و عند تقدير الفوائد و المنافع إن الشي‏ء الأكثر أهمية، و ينبغي عدم تجاوز ذكره، هو أنه بات الآن ممكنا التبشير بعقيدة ربنا يسوع المسيح بحرية، في جميع هذه الأماكن، و أن يجري النقض و النقض علنيا في القداسات تجديفات محمد (صلى الله عليه و سلم) الأمر الذي لم يكن ممكنا قبل بناء صفد، و لم يعد المسلمون يقدمون- كما كانوا يفعلون من قبل- على إعلان تجديفات محمد (صلى الله عليه و سلم) ضد عقيدة ربنا يسوع المسيح، و صار الآن بالإمكان زيارة الأماكن المشهورة التي هي موجودة في منطقة صفد، مثل بئر يوسف، حيث جرى بيعه من قبل إخوته، و مدينة كفرناحوم التي هي على حدود زبلون، و نفتالي، حيث عاش ربنا يسوع المسيح، و بدأ أعمال تبشيره، و عمل كثيرا من المعجزات، و حيث دفع بطرس الجزية بدينار وجده في فم سمكة، عن نفسه و عن الرب يسوع المسيح، و حيث جلس متى على مائدة التعشير، و من حيث أخذ ليصبح رسولا.

و مثل هذا، و قريب من هنا على الجبال باتجاه طبرية هناك المكان، الذي أطعم فيه ربنا و أشبع خمسة آلاف إنسان بخمسة أرغف من الشعير، و اثنتي عشرة سمكة مع اثنتي عشرة سلة من الفتات قد زادت، و على مقربة من هناك المكان الذي أظهر فيه يسوع نفسه إلى تلاميذه، و أكل معهم حسبما نقرأ في الإنجيل من أجل الأحد الرابع بعد الفصح، و ذلك المكان الذي يدعى بشكل عام باسم مائدة الرب، حيث هناك كنيسة، و محج مهيب، و مجددا و على مقربة من هناك و إلى جانب بحيرة طبرية هناك قرية تدعى بيت صيدا، حيث ولد بطرس، و أندرو،

77

و فيليب، و جيمس الأصغر، و حيث اختار المسيح: بطرس، و أندرو، و ابني زبدي الاثنين، ليكونوا رسلا، و مرة أخرى على مقربة من هناك، و إلى جانب بحيرة طبرية، و باتجاه مدينة طبرية هناك مكان يدعى مجدلون، حيث قيل إن هناك ولدت مريم المجدلية، و هناك أماكن هي حتى أكثر قداسة مثل: الناصرة، و جبل الطور، و قانا الجليل، و أماكن أخرى كثيرة من الممكن زيارتها بحرية أكبر، و أمان، بسبب بناء قلعة صفد، و لهذا السبب من الممكن رؤية كم هو كثير الذي أزيل و انتزع من المسلمين الكفار، و إلى أي مدى بعيد نمت المسيحية و توسعت بسبب بناء قلعة صفد و تأسيسها، لأنها عملت من أجل التضييق على المسلمين، و إضعافهم، و كبحهم، و لتوسيع، و مضاعفة و راحة الإيمان، و لتشريف مولانا يسوع المسيح، و لتمجيد كنيسة المولى الرب، آمين.

78

فتح صفد لشاهد العيان المؤرخ الداوي الصوري‏

345- مع عام 1266 للمسيح، كان بيبرس هو السلطان ليس فقط لمصر، بل لجميع المسلمين، لأنه في أيامه لم يكن هناك سلطان آخر غيره في أي بلد من بلاد المسلمين، و كان جميع العالم غير المسيحي تحت سلطانه.

346- و وصل السلطان إلى خارج عكا، حيث مكث ثمانية أيام من حزيران، ثم ذهب إلى صفد (و كانت صفد قلعة الداوية، و كانت قلعة جميلة و حصينة جدا، قائمة في الجبال على بعد سفر يوم من عكا)، و قد أرسل إلى الرجال الذين كانوا في القلعة هدية، حسب عادة المسلمين، غير أن الرجال الذين كانوا في القلعة استخدموا المجانيق لرمي الهدايا و إعادتها، و هذا جعل السلطان غاضبا كثيرا، فأعدّ على الفور آلات حصاره، و قد هاجموا القلعة، و قام بعدة حملات عليها خلال العشرين من تموز، و ذلك عندما استولى عليها، و لسوف أخبركم كيف استولى عليها.

347- عندما استولى رجال السلطان على التحصينات الاولى للقلعة، عانوا من إصابات ثقيلة، لأن الذين كانوا في الداخل كانوا جنودا جيدين:

فرسانا و سير جاندية، و خشي السلطان من أنه لن يكون قادرا على الاستيلاء عليها بالقوة من دون فقدانه لعدد كبير من رجاله، فأوقف الهجوم، و أمر بالمناداة بصوت مرتفع و الإعلان: أنه يمكن لجميع السريان (من سيرجاندية و رماة) الخروج من القلعة بأمان منه، و قد فعل هذا لإظهار عدم اتفاق بين الفرنجة و السريان، لأن الفرنجة سوف يتهمون السريان بأنهم خونة، و بذلك سوف يكون هناك صراع فيما بينهم.

ثم هاجمهم السلطان بشدة، و لأن الذين كانوا في الداخل قد فقدوا

79

خطوط الدفاع الأولى ضعفوا ضعفا شديدا، و كانوا على خلاف شديد فيما بينهم، و لم يكن بإمكانهم تلقي أي عون من أي مكان، لأن القلعة كانت محاطة من قبل المسلمين من جميع الجهات، و لذلك نادوا إلى المسلمين بإيقاف القتال، لأنهم يريدون إرسال رسول إليهم، و جرى إعلام السلطان بهذا، فعلق الهجوم، و عقد الذين كانوا في القلعة اجتماعا و قرروا أن يرسلوا سرجاندي داوي راهب إلى السلطان، كان اسمه الراهب ليو كاساليرLeo casalier ، المسؤول عن إدارة إقطاعية صفد، و كان بارعا في التحدث بلغة المسلمين، و قد كلفوه بطلب الأمان لنفسه و إلى الفرنجة، أي مثل الأمان الذي منحه السلطان إلى السريان، من خلال الاعلان الذي نودي به.

و ذهب ليو هذا، و وصل إلى السلطان، و أعطاه الرسالة، و أعطاه جوابا جيدا بالعلن، لكنه تحدث بعد ذلك على انفراد مع الراهب ليو هذا، و أخبره بأنه كان غاضبا من الرجال الذين في القلعة، الذين رموا إليه معيدين هديته، و قتلوا عددا كبيرا من رجاله، و أنه يرى إعدامهم جميعا، و في سبيل تحقيق هذه الغاية هو عازم على تقديم الأمان على يد أمير كان يشبهه، ثم يجعلهم بعد ذلك طعمة لسيفه، و إنه إذا ما رغب ليو بالتعاون معه و تسهيل هذا العمل، فإن السلطان سوف يعطيه جميع الأشياء الممتازة، لكنه إذا رفض، فهو عندما سيستولي على القلعة، سوف يقتله، لكن بشكل شنيع خاص.

و عندما سمع الراهب ليو السلطان ارتعب رعبا شديدا، فوافق على أن يعمل كما رغب، و عاد إلى القلعة و أخبرهم بأن السلطان صدق على منح الأمان إلى كل واحد، و أن السلطان نفسه سوف يقسم لهم على مرأى منهم، فكان هناك سرور عارم بين الذين كانوا في القلعة على هذا.

و عندما حل الصباح التالي، أرسل السلطان الأمير الذي يشبهه، و جعله يذهب إلى أمام القلعة، مع جميع الأبهة العائدة إليه شخصيا،

80

و عندما رآه الذين كانوا في القلعة، ظنوه أنه هو السلطان، و شعروا بثقة تامة و كبيرة، لكنهم كانوا قد خدعوا و غدر بهم.

و أقسم الأمير على منحهم أمان جيد و مضمون إلى أن يصلوا إلى عكا، و هكذا خرجوا من القلعة مع تجهيزاتهم محملة على البغال، و كانوا جاهزين للذهاب على الفور إلى عكا، ذلك أنه لم يكن هناك طريق من صفد إلى عكا يستغرق أقل من سفر يوم واحد، و أخبرهم السلطان أن عليهم الاستراحة تلك الليلة، و أنه في الصباح سوف يرسلهم إلى عكا، و قد أرغموا على فعل هذا.

و في الصباح تدبر اعتقالهم جميعا، و اقتيدوا إلى مسافة ما عن صفد، إلى رابية صغيرة على بعد حوالي نصف فرسخ، و هناك جرى إعدامهم بقطع رؤوسهم، ثم أمر بعمل جدار من حولهم، و عظامهم و رؤوسهم ما يزال بالإمكان رؤيتها، و قد قيل- و هذا أمر مؤكد- بأن نورا من السماء قد أشع فوق أجسادهم مرارا كثيرة، و قد رأى هذا النور بعض المسلمين و بعض المسيحيين، و كان بينهم اثنان من الفرنسيسكان اللذان أبقياهم ثابتين متمسكين بالإيمان بالوعظ إليهم، الوعظ الذي كان مفيدا جدا لنفوسهم.

و بالنسبة للراهب ليو كاسالير، الذي اقترف هذه الخيانة خوفا من الموت، فقد ارتد و أصبح مسلما.

و الآن سوف أخبركم عن شي‏ء آخر، فعله السلطان.

348- عندما استولى السلطان على قلعة صفد، كما سمعتم الآن، غادر و ذهب إلى مملكة أرمينيا، التي تمتلك مدخلا ضيقا جدا، و محروسا حراسة جيدة، و مع ذلك شق طريقه بالقوة، و جال مدمرا خلال المنطقة كلها، ناهبا و مخربا كثيرا من القرى، و آخذا عامة الناس أسرى، و كان ملك أرمينيا غائبا، كان قد ذهب لزيارة التتار، و ترك وراءه ابنيه، اللذان كان اسم الأول منهما طوروس، و اسم الثاني ليون، و قتل السلطان طوروس، و أخذ ليون حيا، و أحضره معه عندما عاد إلى القاهرة، مع كثير من الناس العظماء و العاديين من رجال المملكة.

81

كتاب بشارة بتحرير صفد صدر باسم السلطان الظاهر بيبرس و تم توجيهه إلى قاضي قضاة الشام شمس الدين أحمد بن خلكان- نقلا عن كتاب ذيل مرآة الزمان لليونيني (2/ 338- 343)

سر الله خاطر المجلس الأعلى السامي و اطلع عليه وجوه البشائر سوافر، و أمتع نواظره باستجلاء محاسنها النواضر، و واصلها إليه متوالية تواجهه كل يوم بمراتبها الزواهي الزواهر، و أماثلها لديه متضاهية الجمال متناسبة في حسن المبادي و الأواخر، و لم تزل وجوه البشائر أحسن وجوه تستجلى، و ألفاظه أعذب ألفاظ تستعاد و تستحلى، و إذا كررت على المسامع أحاديث كتبها لا تمل بل تستملى، لا سيما إذا كانت بإعزاز الدين، و تأييد المسلمين، و نبأ فتح نرجو أن يكون طليعة فتوحات كل فتح منها (هو الفتح المبين، فإن أنباءها تجل وقعا و تعظم في الدنيا و الآخرة نفعا، و تود كل جارحة عند حديثه أن تكون سمعا، لحديث) هذا الفتح الذي كرم خبرا، و خبرا و حسن أثره في الإسلام وردا و صدرا، و طابت أخبار ذكره فشغل به السارون حداء و السامرون سمرا، و هو فتح صفد و استنقاذه من أسره و استرجاعه للإسلام و قد طالت عليه في النصرانية مدة من عمره، و إقرار عين الدين بفتحه و كان قذى عينه و شجى في صدره، و قد كنا لما وصلنا الشام بالعزم الذي نفرته دواعي الجهاد، و أنفذته عوالي الصعاد، و قربته أيدي الجياد، ملنا على سواحل العدو المخذول فغرقناها ببحار عساكرنا الزاخرة، و شنينا بها من الغارات ما ألبسها ذلا رفل بها الإسلام في ملابس عزه الفاخرة، و هي و إن كانت غارة عظيمة شنت في يوم واحد على جميع سواحله و استولى بها النهب و التخريب على أمواله و منازله، و استبيح من حرمه و حرمه مصونات معاقله و عقائله، إلا أنها كانت بين يدي عزائمنا المنصورة نشيطة نشطنا بها الغازين، و استرهفنا بها همم المجاهدين‏

82

و قدمناها لهم كاللهنة قبل الطعام للساغبين، و أعقبنا ذلك بما رأيناه أولى بالتقديم و أحرى، و تبيناه أشد و طأة على الإسلام و أعظم ضرا، و هي صفد التي باء بإثمها حاملها على النصرانية، و مسلطها بالنكاية، على البلاد الإسلامية، حتى جعلها للشرك مأسدة آساده و مراد مراده، و مجر رماحه و مجرى جياده، كم استبيح بسببها للإسلام من حمى، و كم استرق الكفار بواسطتها مسلمة من الأحرار و مسلما، و كم تسرب منها جيش الفرنج إلى بلاد المسلمين فحازوا مغنما و قوضوا معلما، فنازلناها منازلة الليل بانعقاد القساطل، و طالعناها مطالعة الشمس ببريق المرهفات و أسنة الذوابل، و قصدناها بجحفل لم يزحم بلدا إلا هدمه و لا قصد جيشا إلا هزمه، و لا أم ممتنعا طغا جباره إلا سهله و قصمه، فلما طالعتها أوائل طلائعنا منزلة و قابلتها وجوه كماتنا المقاتلة اغتر كافرها فبرز للمبارزة و القتال و وقف دون المنازلة داعيا نزال، فتقدم إليه من فرساننا كل حديد الشبا جديد الشباب يهوى إلى الحرب فيرى منه و من طرفه أسد فوق عقاب، و يخف نحوها متسرعا فيقال: أهذا لقاء أعداء أم لقاء أحباب؟ فهم فوارس كمناصلهم رونقا و ضياء، تجري بهم جياد كذوابلهم علاءا و مضاء، إذا مشوا إلى الحرب مزجوا المرح بالتيه فيظن في أعطافهم كسل، و هزوا قاماتهم مع الذوابل فجهلت الحرب من منهم الأسل، فحين شاهد أعداء الله آساد الله تصول من رماحها بأساودها و تبدى ظمأ لا ينقعه إلا أن ترد من دماء الأعداء محمر مواردها، و أنها قد أقبلت نحوهم بجحافل تضيق رحب الفضاء، و تحقق بنزولها و نزالها كيف نزول القضاء، و أنه جيش بعثه الله بإعزاز الجمعة و إذلال الأحد، و عقد برايته مذ عقدها أن لا قبل بها لأحد، و أن الفرار ملازم أعدائه و لا قرار على زائر على الأسد، و لوا مدبرين و ادبروا على أعقابهم ناكصين و لجأوا إلى معقلهم معتقلين و لا متعقلين، فعند ذلك زحفنا إليه من كل جانب حتى صرنا كالنطاق بخصره، و درنا به حتى عدنا كاللثام بثغره، و أمطرنا عليه من السهام وابلا سحبت ذيول سحبه‏

83

المتراكمة، و أجرينا حولها من الحديد بحرا غرقه أمواجه المتلاطمة، و ضايقناها حتى لو قصد وفد النسيم وصولا إليه لما تخلص، أو رام ظل الشمس أن يعود عليه فيئا لعجز لأخذنا عليه أن يتقلص، ثم و كلنا به من المجانيق كل عالي الغوارب عاري المناكب عبل الشوى سامي الذرى، له و ثبات تحمل إلى الحصون البوائق، و ثبات تزول دونه و لا يزول الشواهق، ترفع لمرورها الستائر فتدخل أحجاره بغير استيذان و توضع لنزوله رؤوس الحصون فتخر خاضعة للأذقان، فلم يزل يصدع بثبات أركانه حتى هدمها، و تقبل ثنيات ثغره حتى أبدى ثرمها، و في ضمن ذلك لصق الحجارون بجداره و تعلقوا بأذيال أسواره ففتحوها أسرابا، و أججوها جحيما يستعر التهابا، فصلي أهل النار بنارين من الحريق و القتال، و منوا بعذابين من حر الضرام و حد النصال، هذه تستعر عليهم وقودا، و هذه تجعل هامهم للسيف غمودا.

فعند ذلك جاءهم الموت من فوقهم و من أسفل منهم، و أصبح ثغرهم الذي ظنوه عاصما لا يغني عنهم، و مع ذلك فقاتلوا قتال مستقتل لا يرى من الموت بدا، و ثبتوا متحايين يقدون بيضهم البيض و الأبدان قدا، فصبر أولياء الله على ما عاهدوا الله عليه، و قدموا نفوسهم قبل إقدامهم رغبة إليه، ورأوا الجنة تحت ظلال السيوف فلم يروا دونها مقيلا و تحققوا ما أعده الله لأهل الشهادة فاستحلوا وجه الموت على جهامته جميلا، فعند ذلك خاب ظن أعداء الله و سقط في أيديهم و صار رجاء السلامة برؤوسهم أقصى تمنيهم، فعدلوا عن القتال إلى السؤال و جنحوا إلى السلم، و طلب النزول بعد النزال، و تداعوا بالأمان صارخين، و جاؤوا بدعاء التضرع لاجين، فاغمد الصفح عنهم بيض الصفاح، و قاتلوا من التوسل بأحد سلاح، و استدعوا راياتنا المنصورة فشرفوا بها الشرفات و نزلوا على حكمنا، فأقالت القدرة لهم العثرات، و تسلم الحصن المبارك وقت صلاة الجمعة ثامن عشر شوال،

84

و تحكم نوابنا على ما به من الذخائر و الأموال، و نودي في أرجائه بالواحد الأحد، و استديل للجمعة يوم الجمعة من يوم الأحد، و نحن نحمد الله على هذا الفتح الذي أعاد وجه الإسلام جميلا، و أنام عين الدين في ظل من الأمن مده ظليلا و ألان من جانب هذا الثغر ما لا ظن أن سيلين، و ذلل من صعبه ما شرح به صدر الملك و الدين، فإنه حصن مر عليه دهر لم يدر فتحه بالأوهام، و لا تطاولت إليه يد الخطب و لا همة الأيام و ربما كان يجد منفسا فيدعو الملوك إلى نفسها فيتصامموا و يخطبهم و ممرها أدنى حرب فيرغبوا في العزلة و المسالمة فيسالموا، ألهاهم عن فخر فتحه الرغبة في رفاهية عيشة ظنوها راضية، و وقف بهم دون السعي فيه همة لنزول الدنايا متغاضية، و جنح بهم مراد السلم و إرادة السلم كانت عليهم القاضية، و المجلس أيده الله يأخذ حظه من هذه البشرى و يقر بها عينا و يشرح بها صدرا، و يحلي وجوه بشائرها من هذه المكاتبة، على عيون الناس من كل حاضر و باد، و يستنطق بها ألسن المحدثين في كل محفل و ناد، و الله يحرس المجلس و يسهل بهمته كل مراد، إن شاء الله تعالى.

85

ترجمة بيبرس من ذيل مرآة الزمان لليونيني بيبرس بن عبد الله أبو الفتح ركن الدين السلطان الملك الظاهر الصالحي:

قال عز الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن إبراهيم بن شداد- (رحمه الله)-: أخبرني الأمير بدر الدين بيسري الشمسي- (رحمه الله)- أن مولد الملك الظاهر بأرض القبجاق سنة خمس و عشرين و ست مائة تقريبا، و سبب انتقاله من وطنه إلى البلاد أن التتار لما أزمعوا على قصد بلادهم سنة تسع و ثلاثين و ست مائة بلغهم ذلك كاتبوا أنر قان ملك أولاق أن يعبروا بحر سوداق إليه ليجيرهم من التتار، فأجابهم إلى ذلك و أنزلهم واديا بين جبلين له فوهة إلى البحر، و أخرى إلى البر، و كان عبورهم إليه سنة أربعين و ست مائة، فلما اطمأن بهم المقام غدر بهم، و شن الغارة عليهم و قتل و سبى، و كنت أنا و الملك الظاهر فيمن أسر، و عمره إذ ذاك أربع عشرة سنة تقديرا فبيع في حلب بخان ابن فليح، ثم افترقنا فاتفق أن حمل إلى القاهرة فبيع إلى الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار، و بقي في يده إلى أن انتقل عنه بالقبض عليه في جملة ما استرجعه الملك الصالح نجم الدين أيوب منه، و ذلك في شوال سنة أربع و أربعين و ست مائة، فقدمه على طائفة من الجمدارية، فلما مات الملك الصالح نجم الدين، و ملك بعده ولده الملك المعظم، و قتل، و أجمعوا على عز الدين التركماني و ولوه الأتابكية، ثم استقل و قتل فارس الدين أقطاي الجمدار، فركب الملك الظاهر و البحرية و قصدوا قلعة الجبل، فلما لم ينالوا مقصودهم خرجوا من القاهرة مجاهرين بالعداوة للتركماني، مهاجرين إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف، و هم: الملك الظاهر ركن الدين، و سيف الدين بلبان الرشيدي، و عز الدين أيدمر السيفي، و شمس الدين سنقر الرومي، و شمس الدين سنقر الأشقر، و بدر الدين بيسري الشمسي، و سيف الدين قلاوون الألفي، و سيف‏

86

الدين بلبان المستعرب و غيرهم، فلما شارفوا دمشق سير إليهم الملك الناصر طيب قلوبهم فبعثوا فخر الدين إياز المقرى‏ء يستحلفه لهم فحلف و دخلوا دمشق في العشر الآخر من شهر رمضان فأكرمهم الملك الناصر، و أطلق للملك الظاهر ثلاثين ألف درهم، و ثلاث قطر بغال، و ثلاث قطر جمال، و خيلا و ملبوسا، و فرق في بقية الجماعة الأموال و الخلع على قدر مراتبهم، و كتب إليه الملك المعز يحذره منهم و يغريه بهم، فلم يصغ إليه، و كان عين للملك الظاهر إقطاعا بحلب فالتمس منه الملك الظاهر أن يعوضه عن بعض ما كان له بحلب من الإقطاع بجينين و زرعين فأجابه إلى ذلك فتوجه إليهما، ثم استشعر من الملك الناصر و توجه بمن معه و من تبعه من خشداشيته و أصحابه إلى الكرك، فجهز صاحبها الملك المغيث عسكره مع الملك الظاهر نحو مصر، و عدة من معه ست مائة فارس، و خرج من عسكر مصر لملتقاه، فأراد كسبهم، فوجدهم على أهبة، و التف عليه و على من معه عسكر مصر، فلم ينج منهم إلا الملك الظاهر، و الأمير بدر الدين أيبك الخزندار، و أسر سيف الدين بلبان الرشيدي.

و عاد الملك الظاهر إلى الكرك فتواترت عليه كتب المصريين يحرضونه على قصد الديار المصرية، و جاءه جماعة كثيرة من عسكر الملك الناصر، و خرج عسكر مصر مع الأمير سيف الدين قطز و الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، فلما وصل المغيث و الظاهر إلى غزة انعزل إليهم من عسكر مصر عز الدين أيبك الرومي، و سيف الدين بلبان الكافري، و شمس الدين سنقر شاه العزيزي، و عز الدين أيبك الجواشي، و بدر الدين ابن خان بغدي، و عز الدين أيبك الحموي، و جمال الدين هارون القيمري، و اجتمعوا بالظاهر و المغيث بغزة، فقويت شوكتهم و توجها إلى الصالحية، و لقوا عسكر مصر يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الآخر سنة ست و خمسين، فاستظهرها عسكرهما أولا، ثم عادت الكسرة عليه،

87

فانكسر، و هرب الملك المغيث و لحقه الملك الظاهر، و أسر عز الدين أيبك الرومي، و ركن الدين منكورس الصيرفي، و سيف الدين بلبان الكافري، و عز الدين أيبك الحموي، و بدر الدين بلغان الأشرفي، و جمال الدين هارون القيمري، و شمس الدين سنقر شاه العزيزي، و علاء الدين أيدغدي الاسكندراني، و بدر الدين ابن خان بغدي، و بدر الدين بيليك الخزندار الظاهري، فضرب أعناقهم صبرا خلا الخزندار الجوكندار شفع فيه، و خيره بين المقام و الذهاب، فاختار الذهاب إلى أستاذه فأطلق، ثم إن المغيث حصل بينه و بين الملك الظاهر و حشة أوجبت مفارقته له و عوده إلى الملك الناصر، بعد أن استحلفه على أن يقطعه خبز مائة فارس من جملتها قصبة نابلس و جينين و زرعين فأجاب إلى نابلس لا غير، و كان قدومه على الملك الناصر في العشر الأول من شهر رجب سنة سبع و خمسين و معه الجماعة الذين حلف لهم الملك الناصر، و هم: بيسري الشمسي، و التامش السعدي، و طيبرس الوزيري، و أقوش الرومي الدوادار، و كشتغدي الشمسي، و لاجين الدرفيل، و أيدغمش الحلبي، و كتشغدي المشرقي، و أيبك الشيخي، و بيبرس خاص ترك الصغير، و بلبان المهراني، و سنجر الأسعردي، و سنجر البهماني، و ألبلان الناصري، و بلتي الخوارزمي، و سيف الدين طمان، و أيبك العلائي، و لاجين الشقيري، و بلبان الأقسيشي، و علم الدين سلطان الألدكزي فأكرمهم و وفى لهم.

فلما قبض الملك المظفر قطز على ابن أستاذه، حرض الملك الظاهر للملك الناصر على التوجه إلى الديار المصرية ليملكها فلم يجبه، فرغب إليه أن يقدمه على أربعة آلاف فارس أو يقدم غيره ليتوجه بها إلى شط الفرات يمنع التتر من العبور إلى الشام، فلم يمكن الظاهر لباطن كان له مع التتر، و في سنة ثمان و خمسين فارق الملك الظاهر الملك الناصر، و قصد الشهرزورية و تزوج منهم، ثم أرسل إلى الملك المظفر قطز من‏

88

استحلفه له، و دخل القاهرة يوم السبت الثاني و العشرين من ربيع الأول سنة ثمان و خمسين، فركب الملك المظفر للقائه، و أنزله في دار الوزارة و أقطعه قصبة قليوب بخاصته.

و لما خرج الملك المظفر للقاء التتر سير الملك الظاهر في عسكر ليتجسس أخبارهم، فكان أول من وقعت عينه عليهم، و ناوشهم القتال.

فلما انقضت الوقعة بعين جالوت تبعهم يقتص آثارهم، و يقتل من وجد منهم إلى حمص، ثم عاد فوافى الملك المظفر بدمشق، فلما توجه الملك المظفر إلى جهة الديار المصرية، اتفق الملك الظاهر مع سيف الدين الرشيدي، و سيف الدين بهادر المعزي، و بدر الدين بكتوت الجوكنداري المعزي، و سيف الدين بيدغان الركني، و سيف الدين بلبان الهاروني، و علاء الدين آنص الأصبهاني على قتل الملك المظفر- (رحمه الله)- فقتلوه على الصورة المشهورة، ثم ساروا إلى الدهليز، فتقدم الأمير فارس الدين الأتابك، فبايع الملك الظاهر، و حلف له، ثم الرشيدي ثم الأمراء على طبقاتهم، و ركب و معه الأتابك، و بيسري، و قلاوون، و الخزندار، و جماعة من خواصه فدخل قلعة الجبل.

و في يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة جلس في إيوان القلعة و كتب إلى جميع الولاة بالديار المصرية يعرفهم بذلك، و كتب إلى الملك الأشرف صاحب حمص، و إلى الملك المنصور صاحب حماة، و إلى الأمير مظفر الدين صاحب صهيون، و إلى الاسماعيلية، و إلى علاء الدين، و صاحب الموصل، و نائب السلطنة بحلب، و إلى من في بلاد الشام من الأعيان يعرفهم بما جرى.

ثم أفرج عمن في الحبوس من أصحاب الجرائم، و أقر الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير على الوزارة، و تقدم بالإفراج عن الأجناد

89

و زيادة من رأى استحقاقه من الأمراء، و خلع عليهم، و سير الأمير جمال الدين أقوش المحمدي بتواقيع الأمير علم الدين الحلبي، فوجدوه قد تسلطن بدمشق، فشرع الملك الظاهر في استفساد من عنده، فخرجوا عليه و نزعوه عن السلطنة، و توجه إلى بعلبك فسيروا من حضره و توجه به إلى الديار المصرية، و صفا الشام للملك الظاهر بأسره في سنة تسع و خمسين و قد ذكرنا في سياق السنين مما تقدم جملا من أخباره و أحواله و فتوحاته و غير ذلك فأغنى عن إعادته.

و لما كان يوم الخميس رابع عشر المحرم من هذه السنة جلس الملك الظاهر بالجوسق الأبلق بميدان دمشق يشرب القمز و بات على هذه الحال، فلما كان يوم الجمعة خامس عشرة وجد في نفسه فتورا و توعكا، فشكا ذلك إلى الأمير شمس الدين سنقر الألفي السلحدار، فأشار عليه بالقي‏ء فاستدعاه فاستعصى، فلما كان بعد صلاة الجمعة ركب من الجوسق، فلما أصبح اشتكى حرارة في باطنه، فصنع له بعض خواصه دواء، و لم يكن عن رأى الطبيب، فلم ينجع و تضاعف ألمه، فأحضر الأطباء، فأنكروا استعمال الدواء، و أجمعوا على استعمال دواء مسهل، فسقوه فلم ينجع، فحركوه بدواء آخر كان سبب الإفراط في الإسهال، و دفع دما محتقنا، و ضعفت قواه، فتخيل خواصه أن كبده تقطع، و أن ذلك عن سم سقيه، و عولج بالجوهر، و ذلك يوم عاشره، ثم جهده المرض إلى أن قضى نحبه يوم الخميس بعد صلاة الظهر الثامن و العشرين من المحرم، فاتفق رأي الأمراء على إخفائه و حمله إلى القلعة لئلا يشعر العامة بوفاته، و منعوا من هو داخل من المماليك من الخروج، و من هو خارج من الدخول، فلما كان آخر الليل حمله من كبراء الأمراء سيف الدين قلاوون الألفي، و شمس الدين سنقر الأشقر، و بدر الدين بيسري، و بدر الدين الخزندار، و عز الدين الأفرم، و عز الدين الحموي، و شمس الدين سنقر الألفي المظفري، و علم الدين سنجر الحموي، و أبو

90

خرص، و أكابر خواصه و تولى غسله و تحنيطه و تصبيره و تلقينه مهتاره الشجاع عنبر، و الفقيه كمال الدين الاسكندري المعروف بابن المنبجي، و الأمير عز الدين الأفرم، ثم جعل في تابوت، و غلق في بيت من بيوت البحرية بقلعة دمشق إلى أن حصل الاتفاق على موضع دفنه، ثم كتب الأمير بدر الدين الخزندار إلى ولده الملك السعيد مطالعة بيده، و سيرها على يد بدر الدين بكتوت الجو كنداري الحموي، و علاء الدين أيدغمش الحكيمي الجاشنكير، فلما وصلا، و أوصلا المطالعة، خلع عليهما و أعطى كل واحد منهما خمسين ألف درهم، على أن ذلك بشارة بعود السلطان إلى الديار المصرية.

و لما كان يوم السبت ركب الأمراء إلى سوق الخيل بدمشق على عادتهم و لم يظهروا شيئا من زي الحزن، و كان أوصى أن يدفن على الطريق السابلة قريبا من داريا، و أن يبنى عليه هناك، فرأى الملك السعيد أن يدفنه داخل السور، فابتاع دار العقيقي بثمانية و أربعين ألف درهم نقرة و أن يغير معالمها، و تبنى مدرسة للشافعية و الحنفية و يبنى بها قبة شاهقة يكون بها الضريح، و يعمل دار الحديث أيضا، فلما تم بناء القبة و معظم المدرسة و دار الحديث، جهز الملك السعيد الأمير علم الدين سنجر الحموي المعروف بأبي خرص، و الطواشي صفي الدين جوهر الهندي إلى دمشق لدفن والده، فلما وصلاها اجتمعا مع الأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة بدمشق، و عرفاه المرسوم فبادر إليه و حمل الملك الظاهر- (رحمه الله تعالى)- من القلعة إلى التربة ليلا على أعناق الرجال، و دفن بها ليلة الجمعة خامس شهر رجب الفرد من هذه السنة.

و في سادس عشر ذي القعدة وقف الملك السعيد هو و عز الدين محمد ابن شداد بإذنه و توكيله و حضوره المدرسة المذكورة و القبة مدفنا و باقيها مسجدا لله تعالى برسم الصلوات، و قراءة القرآن العزيز، و الاعتكاف، و باقي الدار مدرستين إحداهما شرقي الدار هي للشافعية، و الأخرى‏

91

قبلي الدار إلى جانب القبة و هي للحنفية، و دار حديث قبلي الإيوان المختص بالشافعية و وقف على ذلك جميع قرية الضرمان من شعراء بانياس، و جميع قرية أم نزع من الجيدور، و بهمين من بيت رامة من الغور، و مزرعيتها الذراعة و شويهة، و تسعة عشر قيراطا و نصف قيراط من قرية الأشرفية من الغوطة، و بساتين ابن سلام الثلاثة و بستان الستسة و طاحونه و الحمام على الشرف الأعلى الشمالي، و كرم طاعة من بلد بانياس، و خان بنت جز، و خان بحكر الفهادين، و رتب في التربة الملك الظاهر ناظرين في مصالح التربة، و حفظ ما بها من الآلات لكل واحد منهما في الشهر ستين درهما، و مؤذنا له في الشهر عشرون درهما و ستة عشر مقرئا لكل واحد منهم خمسة و عشرون درهما، منهم نفسان يزاد كل واحد منهما عشرة دراهم، و يشتري في كل شهر شمع و زيت، و ما يحتاج إليه من التربة من الفرش و القناديل و آلات الوقيد بمبلغ ثمانين درهما، و ترتب في كل مدرسا له في الشهر مائة و خمسون درهما، و معيدان لكل واحد منهما أربعون درهما، و ثلاثين فقيها لأعلاهم عشرين درهما، و لأدناهم عشرة دراهم و أن يصرف فيما تدعو الحاجة إليه من أجرة ساقي و إصلاح قنى و غير ذلك، و ثمن زيت و مسارج، و قناديل، و آلة الوقيد بالمدرستين في الشهر أربعون درهما، و شاهدا و مشارفا و غلاما، و جابيا و غيرهم لكل منهم ما يراه الناظر و النظر للملك السعيد مدة حياته ثم لولده و ولد ولده.

و في جمادى الآخرة من سنة سبع و سبعين و ست مائة، سير الملك السعيد برسم تتمة العمارة، و مصالح الوقف إثني عشر ألف دينار، و في يوم السبت ثالث ذي القعدة سنة سبع و سبعين وقف عماد الدين محمد ابن الشيرازي بطريق الوكالة عن الملك السعيد جميع أحد عشر سهما و ربع سهم، و ثمن سهم من قرية الطرة من ضياع الجبيل من إقليم أذرعات من عمل دمشق إلى المدرستين و التربة، بعد أن انتقلت الحصة

92

إلى ملك الملك السعيد على ثماني قرى مضافين إلى القرى الست عشرة، و يقر كل منهم خمس و عشرون و يزاد لكل مدرس رطلان خبزا مثلثا بالدمشقي، و لكل خادم من الخادمين، و لكل نفر بالتربة و الفقهاء و المؤذنين و الفراشين و البوابين في كل يوم ثلثي رطل خبزا أسوة بفراشي التربة، و يصرف إلى مباشر الأوقاف و الشاهد و المشارف لكل واحد رطلا خبز، و أشهد الحكام على نفوسهم و سجلوا بثبوت ذلك.

في يوم الاثنين سادس عشر ذي القعدة سنة سبع و سبعين شرع في عمل أعزية الملك الظاهر بالديار المصرية، و تقرر أن يكون أحد عشر موضعا نصبت فيه الخيمة العظيمة السلطانية، و فرشت بالبسط الجليلة، و صنعت الأطعمة الفاخرة، و اجتمع عليها الخواص و العوام، و حمل منها إلى الربط و الزوايا، فإذا كانت ليلة اليوم الذي عمل فيه حضر القراء، و الوعاظ، فانقضى الليل بين قراءة و وصل إلى صلاة الفجر، و أول هذا الجمع بالبقعة المعروفة بالبقعة بجوار مسجد يعرف بالأندلسي، و الثاني بالحوش الظاهري، و الثالث بالمدرسة المجاورة لقبة الشافعي- (رحمه الله تعالى) ، و الرابع بجامع مصر، و الخامس بجامع ابن طولون، و السادس بالجامع الظاهري بالحسينية، و السابع بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة، و الثامن بمدرسة الملك الصالح، و التاسع بدار الحديث الكاملية، و العاشر بالخانكاة برحبة العيد، و الحادي عشر بجامع الحاكم و هو يوم الأحد، و الثاني من شهر ربيع الأول، و أنشد الشعراء المراثي، و خلع على جماعة من الوعاظ و غيرهم و من لم يخلع عليه أعطاه جائزة حسنة.

و له أولاد و أزواج: كان له من الأولاد: الملك السعيد ناصر الدولة محمد بركة، كان مولده بالعشر من ضواحي مصر في صفر سنة ثمان و خمسين و ستة مائة، و أمه بنت حسام الدين بركة خان بن دولة خان الخوارزمي، و الملك نجم الدين خضر أمه أم ولد، و الملك بدر الدين سلامش، و ولد له من البنات سبع من بنت سيف الدين دماجي التتري،

93

و أما زوجاته فأم الملك السعيد، و هي بنت بركة خان، و بنت الأمير سيف الدين نوكاي التتري، و بنت الأمير سيف الدين كراي التتري، و بنت الأمير سيف الدين دماجي التتري، و شهرزورية تزوجها لما قدم غزة و حالف الشهرزورية، فلما ملك الديار المصرية طلقها.

و أما وزراؤه: تولى السلطنة و استمر زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع ابن الزبير، ثم صرفه و استوزر بهاء الدين علي بن محمد بن سليم، و في وزارة الصحبة ولده فخر الدين أبا عبد الله محمد إلى أن توفي في شعبان سنة ثمان و ستين، فرتب مكانه ولده الصاحب تاج الدين محمد، وزر له في الصحبة أيضا أخوه الصاحب زين الدين أحمد، و وزر له الصاحب عز الدين محمد ابن الصاحب محيي الدين أحمد ابن الصاحب بهاء الدين نيابة عن جده، و كان له أربعة آلاف مملوك منهم أمراء أسفهسلارية، و مقادمة، و خاصكية داخل الدور، و خاصكية خارجها، و جمدارية، و سلاح دارية و كتابية.

و من عفته و شرف نفسه و عدله أن الملك الأشرف صاحب حمص كتب إليه يستأذنه في الحج، و في ضمن الكتاب شهادة عليه أن جميع ما يملكه انتقل عنه إلى الملك الظاهر، فلم يأذن له في تلك السنة، و اتفق أنه مات بعد ذلك، فتسلم الحصون التي كانت بيده، و مكن ورثته من جميع ما تركه من الأثاث، و الملك، و لم يعرج على ما أشهد به على نفسه.

و منها أن شعراء بانياس و هي إقليم يشتمل على قرى كثيرة عاطلة بحكم استيلاء الفرنج على صفد، فلما فتحها أفتاه بعض فقهاء الحنفية باستحقاق الشعراء فلم يرجع إلى الفتيا، و تقدم أمره أن من كان له فيها ملك يتسلمه، و لم يكلفهم بينة فعادت إلى أربابها و عمرت.

و منها أن بستان سيف الإسلام بين مصر و القاهرة، و كان ملكا لشمس الملوك أحمد ابن الملك الأعز شرف الدين يعقوب بن الملك‏

94

الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- رحمهم الله تعالى- فتوفي المذكور بآمد، و بقي البستان في يد ولده شهاب الدين غازي، فلما ملك الملك الصالح نجم الدين الديار المصرية أخرج المذكور من مصر، و احتاط على البستان، فلم يزل تحت الحوطة، فلما ملك الملك الظاهر رفع ولد شهاب الدين غازي قصة أنهى فيها الحال، فأمر بحملها على الشرع فثبت ملك المتوفى بشهادة الأمير جمال الدين موسى بن يغمور و بهاء الدين بن ملكشوا و الطواشي صفي الدين جوهر النوبي، و ثبتت الوفاة، و حضر الوراثة بشهادة كمال الدين عمر بن العديم، و عز الدين محمد بن شداد فسلم لهما البستان، ثم ابتاعه منهما بمائة و ثلاثين ألف درهم.

و منها أن بنت الملك المعز صاحب حلب كان عقد عليها الملك السعيد نجم الدين إيل غازي، صاحب ماردين على صداق مبلغه ثلاثون ألف دينار مصرية، فمات عنها و لم يدخل بها، و كان الملك المظفر قطز- (رحمه الله تعالى)- قد احتاط على أملاك الملك السعيد بدمشق لما تملكها، و بقيت تحت الحوطة.

فلما ملك الملك الظاهر رفعت قصة تذكر الحال و سألت حملها على الشرع، و أن يفرج عن الأملاك لتباع في مبلغ صداقها، فتقدم أن يثبت ما ادعته فثبت بشهادة كمال الدين ابن العديم، و محمد بن شداد، و لم يكن بقي في الصداق غيرها فأفرج لها عن الأملاك فبيعت و قبضت ثمنها.

و من حكمه أنه كان له ركابي و هو بدمشق يسمى مظفرا، كان يأخذ الجعل من الأمراء الناصرية على نقل أخباره إليهم، و تحقق ذلك منه، و بقي معه إلى أن ملك و استمر به، فدخل يوما إلى الركاب خانة، فوجدها مختلة، و فقد منها سروجا محلاة، فالتفت إليه، فقال له: نحسن في دمشق و نحسن في القاهرة، متى عدت قربت الأسطبل شنقتك فقال:

يا خوند إذا لم أقرب الأسطبل من أين آكل أنا و عيالي؟ فرق له، و أمر أن يقطع في الحلقة بحيث لا يراه فأقطع، و بقي إلى أن توفي السلطان.

95

و كان يفرق في كل سنة أربعة آلاف إردب حنطة في الفقراء، و المساكين، و أصحاب الزوايا و أرباب البيوت، و كان موصفا عليه لأيتام الأجناد ما يقوم بهم على كثرتهم، و وقف على تكفين أموات الغرباء بالقاهرة و مصر، و وقفا يشتري به خبز، و يفرق في فقراء المسلمين، و أصلح قبر خالد رضي الله عنه بحمص، و وقف وقفا على من هو راتب فيه من إمام و مؤذن و قيم، و على من ينتابه من البلاد للزيارة، و وقف على قبر أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه، وقفا لتنويره و بسطه و إمامه و مؤذنه، و أجرى على أهل الحرمين بالحجاز الشريف، و أهل بدر و غيرهم ما كان قطع في أيام غيره من الملوك الذين تقدموه، و كان يسفر ركب الحجاز كل سنة تارة عاما، و تارة صحبة الكسوة، و يخرج كل سنة جملة مستكثرة يستفك بها من حبسه القاضي من المقلين، و رتب في أول ليلة من شهر رمضان المعظم بمصر و القاهرة و أعمالها مطابخ لأنواع الأطعمة، و تفرق على الفقراء و المساكين.

و أما مهابته و منزلته من القلوب أن يهوديا دفن بقلعة جعبر عند قصد التتر لها مصاغا و ذهبا، و هرب بأهله إلى الشام و استوطن حماة، فلما نفد ما كان بيده كتب إلى صاحب حماة قصة يذكر أمر الدفين، و يسأله أن يسير معه من يحفره ليأخذه، و يدفع لبيت المال نصفه، فلم يتمكن من إجابة سؤاله، و طالع الملك الظاهر بذلك فورد عليه الجواب أن يوجهه مع رجلين لقضاء غرضه، فلما توجهوا و وصلوا الفرات امتنع من كان معه من العبور فعبر هو و ابنه، فلما وصل أخذ في الحفر هو و ابنه و إذا بطائفة من العرب على رأسه، فسألوه عن حاله فأخبرهم، فأرادوا قتله، فأخرج لهم كتاب الملك الظاهر مطلقا إلى من عساه يقف عليه فكفوا عنه، و ساعدوه حتى استخلص ماله ثم توجهوا به إلى حماة و سلموه إلى الملك المنصور، و أخذوا خطه أنهم سلموا اليهودي إليه سالما و ما تبعه.

و منها: أن جماعة من التجار خرجوا من بلاد العجم قاصدين أبواب‏

96

الملك الظاهر، فلما مروا بسيس منعهم صاحبها من العبور و كتب فيهم إلى أبغا، فكتب إليه يأمره بالحوطة عليهم و إرسالهم إليه، و اتفق أن هرب مملوك إلى حلب، و اجتمع بالأمير نور الدين علي ابن مجلي، و أخبره بحالهم، فكتب للملك الظاهر بذلك على البريد، فعاد الجواب يأمره أن يكتب إلى صاحب سيس إن هو تعرض لهم في شي‏ء يساوي درهما واحدا أخذتك عوضه، فكتب إليه بذلك، فأطلقهم و صانع أبغا بأموال جليلة.

و منها: أن تواقيعه التي في أيدي التجار المترددين إلى بلاد القفجاق بإعفائهم من الصادر و الوارد، و يعمل بها حيث حلوا من مملكة بيت بركة و منكوتمر، و بلاد فارس و كرمان.

و منها: أنه أعطى بعض التجار مالا ليشرى به مماليك، و جواري من الترك، فشرهت نفسه إلى المال فدخل به قراقرم و استوطنها، فبحث الملك الظاهر حتى وقع على خبره، فبعث إلى بيت منكوتمر في أمره فأحضروه إليه تحت الحوطة.

و منها: أنه كان بجزيرة صقلية في زمان الأنبرتور مقدار خمسة عشر ألف فارس مسلمين، و هم مهادنين لهم، و هم في خدمته، لهم الإقطاعات. فلما مات أشار من بها من الفرنج على من ملكها بعده بقتلهم، فقتل منهم مفرقا نحو ثلاثة آلاف فارس، و اتصل بالملك الظاهر قتلهم و العزم على قتل الباقين، فكتب إليهم: إن هؤلاء المسلمين أقرهم الملك الذي كان قبلكم على بلادهم و أموالهم، فإما أن تقروهم على ما أقرهم من الهدنة، و أما أن تؤمنوهم و توصلوهم بأموالهم إلى بلاد المسلمين ليبلغوا مأمنهم، فإن لم يقدروا على التوجه و اختاروا الإقامة و جرى على أحد منهم أذى، قتلت على كل من تحت يدي من أسرى الفرنج، و من في بلادي من تجارهم، و قتلت ما اشتملت عليه مملكتي من طوائف النصارى، فلما تحققوا ذلك اجتمع رأيهم على إبقائهم على عادتهم، و كان أخذ نفسه بالاطلاع على أحوال أمرائه و أعيان دولته حتى‏

97

لم يخف عليه من حالهم شي‏ء، و كثيرا ما كانت ترد عليه الأخبار و هو بالقاهرة بحركة العدو، فيأمر العسكر و هم زهاء ثلاثين ألف فارس فلا يثبت منهم فارس في بيته، و إذا خرج لا يمكن من العود.

و منها: ما أحدثه من البريد في سائر مملكته بحيث تتصل به أخبار أطراف بلاده على اتساعها في أقرب وقت، و الذي فتحه من الحصون عنوة من أيدي الفرنج، خذلهم الله: قيسارية، أرسوف، صفد، طبرية، يافا، الشقيف، أنطاكية، بغراس، القصير، حصن الأكراد، حصن عكار، القرين، صافيثا، مرقية، حلبا، و ناصفهم على المرقب، و بانياس، و بلاد انطرسوس، و على سائر ما بقي بأيديهم من البلاد و الحصون، و ولى في نصيبه الولاة و العمال، و استعاد من صاحب سيس درب ساك، و دير كوش، و بلمش، و كفر دبين، و رعبان و المرزبان. و الذي صار إليه من أيدي المسلمين: دمشق، و بعلبك، و عجلون، و بصرى، و صرخد، و الصلت- و كانت هذه البلاد قد تغلب عليها الأمير علم الدين سنجر الحلبي بعد قتل الملك المظفر- (رحمه الله تعالى)- و حمص، و تدمر، و الرحبة، و زلوبيا، و تل باشر، و هذه منتقلة إليه عن الملك الأشرف صاحب حمص في سنة اثنتين و ستين و ست مائة، و صهيون، و بلاطنس، و برزية، و هذه منتقلة إليه عن سابق الدين سليمان بن سيف الدين و عمه عز الدين، و حصون الاسماعيلية و هي: الكهف، و القدموس، و المنيقة، و العليقة، و الخوابي، و الرصافة، و مصيات، و القليعة، و انتقل إليه عن الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل: الشوبك، و الكرك، و انتقل إليه عن التتر: بلاد حلب الشمالية، و شيزر و البيرة، و فتح الله على يديه بلاد النوبة، و فيها من البلاد مما يلي أسوان جزيرة بلاق، و يلي هذه البلاد بلاد العلى، و جزيرة ميكائيل، و فيها بلاد و جزائر الجنادل و انكوا، و هي في جزيرة و إقليم مكس، و دنقلة، و إقليم أشوا، و هي جزائر عامرة بالمدائن، فلما فتحها أنعم بها على ابن عم المأخوذة منه، ثم ناصفه عليها و وظف‏

98

عليه عبيدا و جواري و هجنا و بقرا، و عن كل بالغ دينارا في كل سنة، و كانت حدود مملكته من أقصى بلاد النوبة إلى قاطع الفرات، و وفد عليه من التتر زهاء ثلاثة آلاف فارس، فمنهم من أمره بطبلخاناة، و منهم من جعله أمير عشرة إلى عشرين، و منهم من جعله من السقاة، و جعل منهم سلحدارية و جمدارية، و منهم من أضافه إلى الأمراء.

و أما مبانيه فمشهورة: منها ما هدمه التتر من المعاقل و الحصون، و عمر بقلعة الجبل دار الذهب، و برحبة الجامع قبة محمولة على اثني عشر عمودا من الرخام الملون، و صور فيها سائر حاشيته و أمرائه على هيئتهم، و عمر طبقتين مطلتين على رحبة الجامع، و غشى لبرج الزاوية المجاور لباب السر، و أخرج منه رواشن، و بنى عليه قبة، و زخرف سقفها، و أنشأ جواره طباقا للمماليك، و أنشأ برحبة القلعة دارا كبيرة لولده الملك السعيد، و كان في موضعها حفير، فعقد عليه ستة عشر عقدا، و أنشأ دورا كثيرة برسم الأمراء ظاهر القاهرة مما يلي القلعة أسطبلات جماعة، و أنشأ حماما بسوق الخيل لولده، و أنشأ الجسر الأعظم و القنطرة التي على الخليج، و أنشأ الميدان بالبورجي، و نقل إليه النخيل من الديار المصرية، فكانت إجرة نقله ستة عشر ألف دينار، و أنشأ به المناظر، و القاعات، و البيوتات، و جدد الجامع الأنور و الجامع الأزهر، و بنى جامع العافية بالحسينية، و أنفق عليه فوق ألف ألف درهم، و أنشأ قريبا منه زاوية الشيخ خضر، و حماما، و طاحونا، و فرنا، و عمر على المقياس قبة رفيعة مزخرفة، و أنشأ عدة جوامع في أعمال الديار المصرية، و جدد قلعة الجزيرة، و قلعة العامودين ببرقة، و قلعة السويس، و عمر جسر سهم الدين بالقليوبية، و جدد الجسر الأعظم على بركة الفيل، و أنشأ قنطرته و بنى على جانبيه حائطا يمنع الماشي السقوط فيه، و قنطرة على بحر ابن منجا، لها سبعة أبواب، و قنطرة بمنية الشيرج، و قنطرتين عند القصير على بحر أبراس بسبعة أبواب أوسطها تعبر فيه المراكب،

99

و أنشأ في الجسر الذي يسلك فيه إلى دمياط ستة عشر قنطرة، و بنى قنطرة على خليج القاهرة يمر عليها إلى ميدان البورجي، و بنى على خليج الاسكندرية قريبا من قنطرتها القديمة قنطرة عظيمة بعقد واحد، و حفر خليج الاسكندرية و كان قد ارتدم بالطين، و حفر بحر أشموم و كان قد غمر، و حفر ترعة الصلاح و خورسرخشا، و حفر المجايري، و الكافوري، و ترعة كنساد و زاد فيها مائة قصبة عما كانت في الأول، و حفر في ترعة أبي الفضل ألف قصبة، و حفر بحر الصمصام بالقليوبية، و حفر بحر السردوس، و تمم عمارة حرم رسول الله (صلى الله عليه و سلم)، و عمل منبره، و أحاط بالضريح درابزينا، و ذهب سقوفه و جددها و بيض جدرانه، و جدد البيمارستان بالمدينة النبوية و نقل إليها سائر المعاجين و الأكحال و الأشربة، و بعث إليه طيبا من الديار المصرية، و جدد قبر الخليل (عليه السلام)، ورم شعثه، و أصلح أبوابه و ميضأته و بيضه و زاد في راتبه المجرى على قوامه و مؤذنيه و إمامه، و رتب له من مال البلد ما يجري على المقيمين به و الواردين عليه، و جدد بالقدس الشريف ما كان قد تداعى من قبة الصخرة، و جدد قبة السلسلة و زخرفها، و أنشأ خانا للسبيل، نقل بابه من دهليز كان للخلفاء المصريين بالقاهرة و بنى به مسجدا و طاحونا و فرنا و بستانا، و بنى على قبر موسى (عليه السلام) قبة و مسجدا، و هو عند الكثيب الأحمر قبلي أريحا و وقف عليه وقفا، و بنى على قبر أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه مشهدا و مكانه من الغور بعمواس و وقف عليه وقفا، و جدد بالكرك برجين كانا صغيرين فهدمهما و كبرهما و علاهما. و وسع مسجد جعفر الطيار رضي الله عنه، و وقف عليه وقفا زيادة على وقفه على الزائرين له و الوافدين عليه، و عمر جسرا بقرية دامية بالغور على الشريعة، و وقف عليه وقفا برسم ما عساه يتهدم منه، و أنشأ جسورة كثيرة بالغور و الساحل، و أنشأ قلعة قاقون و بنى بها جامعا و وقف عليه وقفا، و بنى على طريقها حوضا للسبيل و جدد جامع مدينة الرملة و أصلح مصانعها،

100

و أصلح جامعا لبني أمية، و وقف عليه وقفا، و أصلح جامع زرعين و ماعداه من جوامع البلاد الساحلية التي كانت في أيدي الفرنج، و جدد باشورة القلعة بصفد و أنشأها بالحجر الهرقلي، و عمر لها أبراجا و بدنات و صنع له بغلات مسفحة، دائر بالباشورة بالحجر المنحوت، و عمل لأبراجها طلاقات، و أنشأ بالقلعة صهريجا كبيرا مدرجا من أربع جهاته و بنى عليه برجا زائدا للارتفاع، قيل: إن ارتفاعه مائة ذراع بحيث أن الواقف عليه يرى الماشي على الخندق دائر القلعة، و بنى تحت البرج الذي للقلعة حماما، و صنع الكنيسة جامعا، و أنشأ ربضا ثانيا قبله بغرب، و كان الشقيف قطعتين متجاورتين فجمع بينهما، و بنى به جامعا و حماما، و دارا لنائب السلطنة و كانت قلعة الصبيبة قد اختربها التتر، و لم يبقوا منها إلا الآثار، فجددها، و أنشأ لجامعها منارة و بنى بها دارا لنائب السلطنة، و عمل جسرا يمشى عليه إلى القلعة و كانت التتر هدموا شراريف قلعة دمشق، و رؤوس أبراجها فجدد ذلك جميعه، و بنى فوق الزاوية المطلة على الميادين، و سوق الخيل طارمة كبيرة، و جدد منظرة على قاعدة مستجدة على البرج المجاور لباب النصر، و بيض البحرة و جدد دهان سقوفها و جعل بها درابزينا يمنع الوصول إليها، و بنى حماما خارج باب النصر، و جدد ثلاث اسطبلات على الشرف الأعلى، و بنى القصر الأبلق بالميدان و ما حوله من العمائر، و جدد مشهد زين العابدين رضي الله عنه بجامع دمشق، و أمر بغسل الأساطين و تدهين رؤوسها، و أمر بترخيم الحائط الشمالي، و تجديد باب البريد، و فرشه بالبلاط، ورم شعث قبة الدم و بيضها، و بنى دور ضيافة للرسل و الواردين و الوافدين مجاورة للحمام، و سوق الخيل، و جدد البنيان لما هدموه من قلعة صرخد، و أصلح جامعها و مساجدها، و كذلك فعل ببصرى، و عجلون و الصلت، و جدد ما كان التتر هدموه من قلعة بعلبك، و جدد بابها و الدركاة، و جدد قبر نوح (عليه السلام) بقرية الكرك، و عمل حول الضريح درابزينا، و جدد أسوار حصن الأكراد و عمر قلعتها، و كانت قد تهدمت‏