تاريخ صفد

- محمد بن عبد الرحمان الحسيني العثماني المزيد...
280 /
101

من المجانيق، و عقدها حنايا و حال بينها و بين المدينة بخندق، و بنى عليها أبرجة شاهقة بطلاقات، و بنى بها جامعا و كذلك بربضه و مساجد أيضا، و جدد خان المحدثة و جدد فيه خفرا و حماما لنقل ما يتجدد من أخبار المسافرين، و بنى من قصير القفول شرقي دمشق إلى المناخ إلى قارا، إلى حمص عدة أبرجة رتب فيها الحمام و الخفراء، و كذلك من دمشق إلى تدمر، و الرحبة إلى الفرات، و جدد سفح قلعة حمص، و الدور السلطانية بها و بالبلد، و أنشأ قلعة شميميس بجملتها، و أصلح قلعة شيزر، و قلعتي الشغر و بكاس، و قلعة بلاطنس، و أنشأ بها جامعا، و بنى في قلاع الاسماعيلية الثمان جوامع، و بنى ما هدمه التتر من قلعة عين تاب، و الراوندان، و بنى بأنطاكية جامعا موضع الكنيسة، و كذلك ببغراس، و أنشأ القلعة بالبيرة، و بنى بها أبرجة و وسع خندقها و جدد جامعها، و أتقن بناءها و شيدها، و أنشأ بالميدان الأخضر شمالي حلب مسطبة كبيرة مرخمة، و أنشأ دارا لخبز القلعة، و بني في أيامه ما لم يبن في أيام الخلفاء المصريين، و لا الملوك من بني أيوب و غيرهم، من الأبنية، و الرباع، و غيرها و الخانات، و القواسير، و الدور، و الأساطبل، و المساجد و الحمامات، و حياض السبيل من قريب مسجد التبر إلى أسوار القاهرة إلى الخليج و أرض الطبالة، و اتصلت العمائر إلى باب المقسم إلى اللوق إلى البورجي، و من الشارع إلى الكبش، و حوض قميحة إلى تحت القلعة و مشهد الست نفيسة- رحمة الله عليها- إلى السور القراقوشي.

ذكر ما كان ينوب دولته من الكلف المصرية خاصة:

كانت عدة العساكر بالديار الصرية في الأيام الكاملية و الصالحية عشرة آلاف فارس فضاعفها أربعة أضغاف، و كان أولئك مقتصدين في الملبوس و النفقات و العدد، و هو كان بالضد من ذلك، و كانت كلف من يلوذ بهم من إقطاعه، و هؤلاء كلفهم على الملك الظاهر، و كذلك تضاعفت الكلف، فإنه كان يصرف في كلف المطبخ الصالحي النجمي‏

102

ألف رطل لحم بالمصري كل يوم، و المصروف في مطبخ الملك الظاهر عشرة آلف رطل في كل يوم عنها و عن توابلها عشرون ألف درهم نقرة، و يصرف في خزانة الكسوة في كل يوم عشرون ألف درهم، و يصرف في الكلف الطارئة المتعلقة بالرسل و الوفود في كل يوم عشرون ألف درهم، و يصرف في ثمن قرط دوابه، و دواب من يلوذ به في كل سنة ثماني مائة ألف درهم، و يقوم بكلف الخيل و البغال و الجمال و الحمير من العلوفات خمس عشر ألف عليقة في اليوم منها ست مائة أردب، و ما كان يقوم به لمن أوجب عليه نفقته و ألزمها عليه بطنجير، و تحمل إلى المخابز المعدة لعمل الجرايات خلا ما يصرف على أرباب الرواتب في كل شهر عشرون ألف أردبا، و ذلك بمصر خاصة، و ذلك الحال في العلوفات و كلف الرسل و الوفود و الاستعمالات في الخزائن، و الذخائر و أما الطوارى‏ء التي كانت تطرأ عليه فلا يمكن حصرها، و كذلك ما كان عليه من الجامكيات، و الجرايات، لأرباب الخدم- (رحمه الله تعالى).

103

ترجمة حياة بيبرس من كتاب عقد الجمان للبدر العيني ذكر وفاة السلطان الملك الظاهر أبو الفتح الأسد الضاري ركن الدين بيبرس البندقداري الصالحي النجمي:

تغمده الله برحمته، و أسكنه فسيح جنته، و الكلام فيه على أنواع:

الأول في ترجمته: هو بيبرس بن عبد الله، قفجاقي الجنس، و قيل هو من برج أغلي قبيلة من الترك، حضر هو و مملوك آخر مع تاجر إلى مدينة حماة، فاستحضر هما الملك المنصور محمد صاحب حماة يشتريهما فلم يعجبه أحد منهما، و كان أيدكين البندقداري الصالحي، مملوك الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل صاحب مصر قد غضب عليه الصالح المذكور، و كان قد توجه أيدكين المذكور إلى جهة حماة فأرسل الملك الصالح من يقبض عليه و اعتقله بقلعة حماة، فتركه المنصور صاحب حماة في جامع قلعة حماة، و اتفق عند حضور الملك الظاهر صحبة التاجر، فلما قلبه المنصور صاحب حماة فلم يشتره، أرسل أيدكين البندقداري و هو معتقل، فاشتراه ليخدمه، و بقي عنده، ثم أفرج الملك الصالح عن أيدكين البندقدار، فسار من حماة و صحبته الملك الظاهر، و بقي مع استاذه المذكور مدة، ثم أخذه الملك الصالح نجم الدين أيوب من أيدكين المذكور، فانتسب الملك الظاهر إلى الملك الصالح دون أستاذه، و كان يخطب له، و ينقش على الدنانير و الدراهم بيبرس الصالحي.

الثاني في صفته: كان الملك الظاهر أسمر، أزرق العينين، جهوري الصوت، عليه مهابة و جلالة، و كان إلى الطول أقرب.

الثالث في سيرته: كان شهما، شجاعا، سخيا، عالي الهمة، بعيد الغور،

104

مقداما، جسورا، معتنيا بأمر السلطنة، متحليا بها، له قصد صالح في نصرة الإسلام و أهله، و إقامة شعائر الملك.

و في تاريخ النويري: و كان ملكا جليلا، شجاعا، حسن السياسة، كثير التحيل، و كان عسوفا جبارا، كثير المصادرات للرعية و الدواوين خصوصا لأهل دمشق، و كان متنبها، شهما، لايفتر ليلا و لا نهارا عن مناجزة الأعداء و نصرة الإسلام، و كان مقتصدا في ملبسه و مطعمه، و كذلك جيشه.

و قد جمع له كاتبه محيي الدين بن عبد الظاهر سيرة مطولة، و كذلك ابن شداد أيضا، و هو الذي أنشأ الدولة العباسية بعد بقاء الناس بلا خليفة نحوا من ثلاث سنين، و هو الذي جدد كل من مذهب قاضي قضاة مستقلا من غير مشاركة.

الرابع في فتوحاته: فتح في أيامه فتوحات كثيرة و هي: قيسارية التي على الساحل، و أرسوف ويافا، و الشقيف، و أنطاكية، و بغراس، و طبرية و القصير، و حصن الأكراد، و حصن عكار، و حصن صفد، و القرين، و صافيتا، و غير ذلك من الحصون المنيعة التي بأيدي الفرنج، و لم يبق مع الإسماعيلية شيئا من الحصون، و ناصف الفرنج على: المرقب، و بانياس، و بلاد انطرسوس، و سائر ما بقي بأيديهم من البلاد و الحصون، و أخذ قيسارية الروم على ما ذكرنا، و خطب له فيها، و استعاد من صاحب سيس بلادا كثيرة، و استرد أيضا من المتغلبين من المسلمين: بعلبك، و بصرى، و صرخد، و عجلون، و حمص، و الصلت، و تدمر، و الرحبة، و تل باشر، و الكرك، و الشوبك، و أخذ بلادا كثيرة من التتار منها: البيرة، و غيرها، و فتح بلاد النوبة بكمالها، و اتسعت مملكته من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة.

و قال النويري: و أول فتوحاته قيسارية الشام بالسواحل، و آخر

105

فتوحاته قيسارية الروم، و أما عدة فتوحاته فكانت تزيد على أربعين حصنا، و كان بيده بمصر و الشام ستة و أربعون قلعة.

الخامس في عمائره: قال ابن كثير: و عمر شيئا كثيرا من الحصون، و المعاقل، و الجسور، و القناطر على الأنهار في بلاد الشام و مصر، و بنى بقلعة الجبل دار الذهب، و بنى قبة على اثني عشر عمودا ملونة مذهبة، و صور فيها صور خاصكيته و أشكالهم، و حفر أنهارا كبارا، و خلجانات ببلاد مصر منها: بحر السردوس، و بنى جوامع كثيرة و مشاهد عديدة، و جدد مسجد رسول الله (صلى الله عليه و سلم) حين أحرق، و وضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام، و عمل فيه منبرا و سقفه بالذهب، و جدد المارستان بالمدينة، و جدد قبر الخليل (عليه السلام)، و زاد في رواتبه و ما يصرف إلى المقيمين، و بنى على المكان المنسوب إلى قبر موسى (عليه السلام) قبة قبلي أريحا، و جدد بالقدس أشياء حسنة من ذلك قبة السلسلة، و رمم شعث الصخرة و غيرها، و بنى خانا هائلا بالقدس، و نقل إليه باب قصر الخلفاء الفاطميين، و عمل فيه طاحونا و فرنا و بستانا، و جعل للواردين أشياء تصرف إليهم نفقة و إصلاح الأمتعة، و بنى قبر أبي عبيدة رضي الله عنه بالقرب من عمتا مشهدا و أوقف عليه شيئا للواردين، و جدد جسر فامية، و جدد عمارة جعفر الطيار رضي الله عنه بالكرك، و أوقف على الزائرين شيئا، و جدد قلعة صفد و جامعها، و جدد جامع الرملة و غيرها في كثير من البلاد التي كانت الفرنج قد عدت عليها، و بنى بحلب دارا هائلة، و بدمشق: القصر الأبلق، و المدرسة الظاهرية قبالة العادلية، و بنى بالقاهرة أيضا: المدرسة الظاهرية، و بنى جامعا هائلا بالحسينية، و له من الآثار و الأماكن ما لم يبن في زمن الخلفاء و بني أيوب.

السادس في وفاته: قال بيبرس- (رحمه الله)-: و كان القمر قد كسف كسوفا كاملا أظلم له الجو، و تأول ذلك المتأولون بموت رجل جليل‏

106

القدر، نبيه الذكر، فقيل: إن السلطان لما بلغه هذا الإرجاف حذر على نفسه و خاف، و قصد أن يصرف التأويل إلى غيره لعله يسلم من شره، و كان بدمشق رجل من أولاد الملوك الأيوبية يسمى الملك القاهر، بهاء الدين عبد الملك من ولد الملك الناصر داود ابن الملك المعظم عيسى ابن السلطان الملك العادل أبي بكر ابن نجم الدين أيوب، و كان يسكن البر، و تزوج من العرب، و أقام بينهم، يسير معهم حيث ما ساروا، و إذا غزوا غزا معهم، فحضر من الغزاة إلى دمشق، فأراد على ما قيل اغتياله، فأحضروه في مجلس شرابه، فأمر الساقي أن يسقيه كأس قمز كان ممزوجا فيما يقال بسم، فسقاه الساقي ذلك الكأس، فأحس منه بالبأس فخرج من المقام و علقت به مخاليب الحمام، و غلط الساقي لاصابة المقدور، و ملأ على إثره الكأس المذكور و أداره، و الدائرات تدور، فوقع في نوبة السلطان، فشربه و لم يشعر حتى أحس بالنيران، فكتم أمره عن الأطباء، و أخفى حاله عن الأحباء، و مكث أياما يشكو الليل و النهار من توقد وهج النار، ثم اضطر إلى إطلاع الطبيب بعد استحكام دائه، طمعا في دوائه، فلم ينجع العلاج، و لا نهضت قدرة الإساءة لإصلاح المزاج.

و أما القاهر فإنه حمل إلى منزله و هو مغلوب، فمات من ليلته ليلة السبت خامس عشر المحرم من هذه السنة.

و تمرض السلطان بعده أياما حتى كانت وفاته يوم الخميس بعد صلاة الظهر السابع و العشرين من المحرم بالقصر الأبلق، فكان ذلك يوما عظيما على الأمراء.

و قال بيبرس في تاريخه: توفي في اليوم المذكور وقت الزوال، و حضر نائب السلطنة عز الدين أيدمر و كبار الأمراء و الدولة، فصلوا عليه سرا، و جعلوه في تابوت، و رفعوه إلى القلعة في بيت من بيوت البحرية إلى أن نقل إلى تربته تجاه العادلية الكبيرة ليلة الجمعة خامس رجب من هذه السنة، و كتم موته فلم يعلم جمهور الناس به حتى كان العشر الأخير من‏

107

ربيع الأول، و جاءت البيعة للملك السعيد من مصر، فحزن الناس عليه و ترحموا، و كان يوما شديدا على الناس، و جددت البيعة، و جاء تقليد النيابة مجددا لعز الدين أيدمر.

و قال بيبرس: فكتم الأمير بدر الدين بيليك الخزندار نائبه موته عن العساكر، و أظهر أنه مستمر المرض، و رتب حضور الأطباء، و عمل الأدوية و الأشربة على العادة، و حمل جسده إلى قلعة دمشق، فبقي فيها مصبرا إلى أن بنيت له التربة المذكورة، ثم إن الأمير بدر الدين الخزندار رحل بالعساكر المنصورة [و الخزائن مصونة موفورة، و الأطلاب مرتبة منتظمة] و المحفة محمولة في الموكب [محترمة] كأن السلطان فيها مريض و لا يجسر أحد يتفوه بموته [إلا أن الظنون ترجمت، و الأفكار تقسمت، و غلب الناس أمر وفاته على مرضه و حياته، و لم تزل الحال مرتبة في النزول و الترحال إلى أن وصلوا إلى القاهرة المحروسة، و حصلت الخزائن، و البيوتات و الخيول و الاسطبلات في قلعة الجبل‏] فأشيع مماته، و أظهر للناس وفاته، و استقر ولده الملك السعيد مكانه.

و قال المؤيد في تاريخه: و في سنة ست و سبعين يوم الخميس السابع و العشرين من المحرم توفي السلطان الملك الظاهر بيبرس الصالحي بدمشق، وقت الزوال، عقيب وصوله من جهة بلاد الروم إلى دمشق، و قد ذكرنا أنه دخل دمشق في اليوم الخامس من محرم هذه السنة، و مات في السابع و العشرين منه، فتكون مدة إقامته بدمشق من بعد دخوله ثلاثة و عشرين يوما.

السابع في مدة سلطنته: قال بيبرس: مدة مملكته ثمانية عشرة سنة و شهرين [و عشرة أيام‏].

و قال النويري: و كانت مدة الملك الظاهر نحو سبع عشرة سنة و شهرين و عشرة أيام لأنه ملك في سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان‏

108

و خمسين و ستمائة، و توفي في السابع و العشرين من محرم سنة ست و سبعين و ستمائة، و كذا قال المؤيد في تاريخه.

الثامن في أولاده و ما رثي به: قال النويري: و خلف من الأولاد:

الملك السعيد ناصر الدين بركة خان، و نجم الدين أمير خضر، و بدر الدين سلامش، و ثلاث بنات.

و قال غيره: خلف من الأولاد عشرة، ثلاثة ذكور و هم المذكورون و سبع بنات.

و مما رثي به ما قاله محيي الدين ابن عبد الظاهر يرثي الملك الظاهر:

أبدا عليك تحية و سلام‏* * * يا قبر من فجعت به الإسلام‏

يا تربة لولا الحياء من الحيا* * * أمسى سجال الدمع فيك سجام‏

يا دمع عيني مثل دمع سحابة* * * هيهات بين الدمعتين زحام‏

فسبقت كل سحابة هطالة* * * يثني عليها مندل و بشام‏

تنهل منك نوال ساكنك الذي‏* * * من كفه فوق السماح يسام‏

الظاهر السلطان من بمصابه‏* * * هد الهدى و تضعضع الإسلام‏

و غدت دمشق بقبره و حلوله‏* * * فيها تتيه على الوجود شام‏

قبر به تتضاعف الأقسام من‏* * * بركاته و توكد الأقسام‏

قبر به تتوسل الآمال في‏* * * حاجاتها و تصرف الأحكام‏

قبر الذي لو أنصفته قلوبنا* * * ما أصبحت لمسرة تستام‏

قبر الذي قلع القلاع‏* * * سكانها و له الحصون خيام‏

قبر الذي قهر التتار فأصبحوا* * * و لهم إذا ناح الحمام حمام‏

و قال بيبرس: قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر يرثيه أبياتا أولها:

109

ما مثل هذا الرزء قلب يحمل‏* * * كلا و لا صبر جميل يجمل‏

الله أكبر إنها لمصيبة* * * منها الرواسي خيفة تتقلقل‏

ما للرماح تخولتها رعدة* * * التي كنها أن ليس تعقل تعقل‏

لهفي على الملك الذي كانت به‏* * * الدنيا تطيب و كل قفر منزل‏

الظاهر السلطان من كانت له‏* * * منن على كل الورى و تطوّل‏

لهفي على آرائه تلك التي‏* * * مثل السهام إلى المصالح ترسل‏

لهفي على تلك العزائم كيف قد* * * غفلت و كانت قبل ذا لا تغفل‏

سهم أصاب و ما رئي من قبله‏* * * سهم له في كل قلب مقتل‏

أنا إن بكيت فإن عذري واضح‏* * * و لئن صبرت فإنني أتمثل‏

خلف السعيد لنا الشهيد* * * فأدمع منهلة في أوجه تتهلل‏

110

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

111

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

112

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

113

تاريخ صفد للعثماني‏

114

بسم الله الرحمن الرحيم‏ الحمد لله الذي أحكم الوجود و أتقنه، و نقل آدم إلى الأرض و أسكنه، و بثّ ذريته فيها و نشرهم عليها، فكلما مضى منهم قرن و ذهب غيره و وقب‏ 1 إلى أن يرث الله الأرض و من عليها و هو خير الوارثين، و من جملة حكم اللّه تعالى التاريخ الموضوع لحفظ الأمم، و معرفة من غبر منهم و نجم، و ما مرّ من الأعوام و تصرّم من الأنام تبصرة لمن اذّكر، و عبرة لمن اعتبر.

أحمده على ما منح من الفضل و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، شهادة أدّخرها ليوم الفصل، و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله الحاشر 2، العاقب‏ 3، صلى اللّه عليه و على آله و صحبه الغر أولي المناقب ..

أمّا بعد فهذه فائدة مستظرفة، و تحفة منتخبة، تشتمل على تاريخ مدينة صفد، ممّا لم يسبق إلى تدوين ذلك أحد، نقلت بها أمورا مجملة لعدم الظّفر بها مفصّلة، و إذا فتح باب في أمر لم يتيسر لفاتحه الأقل، ثم يتبعه أهل الفضل و ينمّقونه بغرائب النقل.

و كان السبب في تأليفها، و الباعث على تصنيفها مذاكرة حصلت في ضبط نوّابها 4، اقتضت تعليق هذه الفائدة، و فتح بابها بين يدي من جعله اللّه تعالى في محبّة العلم الشريف و أهله علما و وهبه من فضله سيفا و قلما، و منحه اليمن في آرائه و تدبيره، و قرن السعادة بثغور أساريره، عمر لهذه المملكة بفضله و إنعامه، و زيّنها في المجالس بوجهه، كما شرّفها بوطى‏ء أقدامه، و أثر فيها آثارا محمودة، و استضى‏ء حكّامها في مهماتهم السعيدة سبل أن ينور فأنار، فظهر من حسن سيرته ماسر أولو الألباب، و كان طول ليله في الحراسة، و جميع نهاره في السياسة، مع المواظبة على أوراده، و الملازمة لاجتهاده.

115

شعر:

فياليت أنّ اللّه أسعد خلقه‏* * * فصيّره طول الزّمان ينوب‏

المقر الأشرف السّيفي علمدار، بلّغه اللّه جميع الأوطار

فذكرت فتحها أولا إلى أن فتحت عكا، و تمدنت صفد، و توطّن أهلها و زال النّصب و النّكد، ثم اذكر النواب على محجّة حسنة إلى آخر سنة أربع و ستّين، مدة مائة سنة، ثم أذكر أرباب الوظائف الدينية على هذا المنوال من القضاة و الخطباء و وكلاء بيت المال، ثم أذكر من أرباب الوظائف الديوانية من يفتقر إليه من في انتظام الأمور، من كتّاب السر، و نظر المال، و الجيش المنصور، من أول الفتح إلى آخر المدة على الولاء، و لم يتيسر لي غير ذكر هؤلاء.

لكنّي أذكر بعد الفراغ من هؤلاء المذكورين فصلا لبيان الأعيان من الصفديين، ثم أبتدي التاريخ مفصلا بالسنين على عادة المؤرخين، من استقبال سنة خمس و ستين و أختصر في مقالي لاشتغالي بمهمات أحوالي، و ما توفيقي إلا باللّه، و هو حسبي و نعم الوكيل.

116

مدينة صفد

أما صفد نفسها، فحصن منيع بقمّة جبل كنعان، كان قرية قديمة فبني عليها هذا الحصن، و هو صفد، و أما اليوم فالمدينة نفسها هي التي تسمّى صفد.

و لذلك معنيان: المعنى الأول إنّ الصّفد العطيّة، و هذا هو المناسب لتسميتها عند الافرنج لأمرين: أحدهما أنّ ملوك الافرنج أعطوها لطائفة يقال لها الدّاويّة 5، لا يشاركها فيها أحد فسمّوها لذلك بصفد، الثاني أنّهم سمّوها أيضا صفت بالتّاء، فلمّا وصفت بالصّفاء صلحت للعطاء.

المعنى الثاني أنّ الصّفد المغارة، و منه قوله تعالى:

(مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ) 6 أي في الأغلال، و قد يكون لهذا الاسم مناسبة إمّا لأنّ صاحب الغل يمتنع من الحركة، و يلزم موضعه، و هذه المدينة كذلك لأنّها جبل عال و عر لا يتمكّن ساكنها من الحركة كلّ وقت، إن ركب تعب، و إن مشى على قدميه اختلط لحمه بدمه لصعود الرّبوة و هبوط الوهدة، فهي لعلوّها أعظم مشرف، فضياع الحركة فيها من السّرف، و يستقر ساكنها بأي مكان و يقتنع فيها بالنظر و سنان.

و اعلم أنّها لطيفة الهواء، طيّبة الماء، لها منظر بهج، و مشرف أرج، لا سيّما في أيّام الربيع، فلها رونق بديع، و من أبيات لشيخنا قاضي القضاة جمال الدّين التبريزي‏ 7 (رحمه الله تعالى):

لما قضى الفرد الصمد* * * أنّي أسير إلى صفد

فدخلتها متيمّنا* * * فوجدتها نعم البلد

و رأيت منظرها الذي‏* * * يشفي العيون من الرّمد

و هواؤها مع مائها* * * فأصح شي‏ء للجسد

يا حسنهالو لم يكن‏* * * للنّاس موردها ثمد

117

و اللّه يعلم السّر لي‏* * * بفراق عجلون جلد

و أهليها في مهجتي‏* * * كل أضرّ من الولد

جمر اشتياقي نحوهم‏* * * بشغاف قلبي قد وقد

و في الجملة فهي أبيات طويلة لا ضرورة إلى إيراد ما بقي منها.

و قوله «موردها ثمد» يشير إلى قلّة مائها، و كان ذلك قديما في أيامه، أمّا الآن فقد كثر ماؤها، و تجدد بها آبار و عيون.

قال القاضي الفاضل شهاب الدّين بن فضل اللّه العمري، صاحب دواوين الإنشاء الشّريف بالممالك الإسلامية، تغمّده اللّه برحمته في تاريخه، المسمّى مسالك الأبصار، و هو سبعة و عشرون مجلدا: و صفد مدينة صحيحة الهواء، خفيفة الماء، لها أعين، لو أنها دمع لما بلت الآماق، و لا ملأت الأحداق، و لها حمامات يأنف أهلها من دخولها لقلّة مائها، و سوء بنائها، و لها قلعة قلّ أن يوجد لها شبيه كأنّما عليها من الذهب تمويه، لا تروم السّحب إلا من صبب، و يطوف عليها من الشّفق مدام عليه من مواقع النّجوم حبب، و لا تجاوز الأرض إلا و هي إذا رامت السّماء لا يعوقها سبب.

و لمّا فتحها الملك الظّاهر عظّمها، و هي تستحق التّعظيم، و تستوجب الرّفعة بما رفع اللّه من بنائها العظيم.

و قد ذكرها ابن الواسطي الكاتب فقال: و قلعة صفد بنتها الأفرنج، و كانت أولا تلا 8 عليه قرية عامرة تحت برج اليتيم، بنتها الداوية في سنة خمس و تسعين و أربعمائة. انتهى كلام ابن فضل اللّه.

و لصفد عشرة أعمال لكل عمل قاض و وال، العمل الأوّل: عمل المدينة، و يسمّى الزّنار، لاختلاطه بالمدينة من كلّ جانب، و بهذا العمل أرض تشبه أرض العراق يزرع فيه: الأرز، و البطيخ، و مغله جيد، و أرضه مثل العنبر، و به بحيرة قدس يوجد فيها اللينوفر، و السمك‏

118

المليح، و البابير، و هو نبت يعمل منه الحصر، و به قصر يعقوب (عليه السلام)، و هو بيت الأحزان، و جبّ يوسف (عليه السلام)، و بهذا العمل قرية تسمى ميرون بها نواويس و أحواض في مغارة يرشح فيهم الماء قليلا قليلا، فإذا كان يوما معلوما من السنة و هو نصف أيّار، يجتمع إليها خلق كثير من اليهود من البلاد القريبة و البعيدة، و يقيموا حول ذلك المكان نهارهم، و يرشح الماء في ذلك النهار أكثر من عادته، و تحمل اليهود من ذلك الماء إلى البلاد البعيدة، و بالقرب من صفد بوادي دلبية عين الجن، تفور من الأرض، و تجري مقدار ساعة ثمّ ينقطع و يذهب ماؤها ثمّ تجري حتّى تصير نهرا، ثم ينقطع ثمّ يجري في النّهار مرّات، هذا دأبها دائما، و اعتقاد العوام أنّ الماء إذ انقطع و قالوا: يا مسعود عطشنا يخرج الماء.

العمل الثاني: بلاد عمل الشّقيف، و النّحارير، و مرج العيون، و هي أكبر أعمال صفد و أصحّها و أطيبها، و بها قرى عظيمة، و بلادها عامرة، و بها قلعة حصينة لطيفة عامرة، حسنة البناء، بالقرب منها تربة الشّرفاء من أحسن الأماكن و أنزهها، و هذه القلعة فتحها الملك الظاهر، و نهر ليطة 9 يمرّ تحت جبلها، و هو من الأنهار العظام، و بهذه المعاملة قلعة هونين على حجر واحد، و ببلاد الشّقيف أشياء لطيفة منها: العسل، و منها المنّ، و منها الشّيح، و منها الفخار، و منها الجوز الفرك، و منها الحديد، و منها الخشب الصّنوبري و السّنديان السّواد، و بها تراب الجبر، يعمل منه كيزان، يجبر منه الكسر في عظم الآدميين، و الخيل و الطّير إذا شرب منها، و تحمل إلى البلدان البعيدة، و بها قرية تول بها عين يخرج منها سمك صغار، إذا أخذ منه في شهر شباط و استعمل الذكر منه، و له علامة، نفع في الباه نفعا عظيما، و هذا السّمك ذكره الأطباء في كتبهم، و عبّروا عنه بسميكة صيدا، و قالوا: هو بقرية من قراها، و لكن القرية اليوم من عمل الشّقيف، قالوا: و أجود ما يصاد في منتصف شباط،

119

قالوا: و هي صنف من صغار السمك يشبه الوزغ‏ 10 حار عظيم في تهييج شهوة الجماع، و شدة الانعاظ جدا، حتى لا يطيق مستعمله الصّبر عن الجماع لشدّة الشهوة، و قوة توتير القضيب، قالوا: و مقدار ما يؤخذ منه إلى مثقال مدقوق مضروب في عسل نحل.

قال الشيخ فتح الدين في كتاب الجواهر: حكى لي بعض مستعملها:

أنه في ليلته لم ينم لحاجته إلى تكرار الجماع، و أنّه لم يزل يكرر الفعل إلى أن أنزل الدّم عوضا عن المني، و دام عليه توتير القضيب حتى كاد يحسّ بعروقه تتقطع لشدة انتصابه.

قال فعالجته بأقراص من الكافور و الأغذية المبرّدة، كالبطيخ الأخضر، و الخيار، و الخس و ما شاكلها ثلاثة أيّام حتى سكن ما به، و هذا السّمك و كثرات الخير يحمل إلى البلاد.

و بها قرية بكوزا يوجد بها عنب كبار، في داخل العنبة عنبة عنبة، و فيها قرية عدشيت بها شجرة بلّوط، يوجد البلّوط على الشجرة نصفها حجر، إذا أخذ منه، و سحق و استعمل نفع من حصا البول.

و بقلعتها ينبت في الحيطان نبات به زهرة حمراء، تشبه رأس الكلب و فم الحيّة، إذا أكل منها بالعسل أبرأت من عضّة الكلب الكلب و لذغ الحيّة، و غالب سكان هذا العمل شيعة لا جمعة و لا جماعة.

العمل الثالث: بلاد تبنين، و هي بالقرب من الشّقيف في المجاورة و الصّحبة، و بها آثار حصون عظيمة، و هي من أعمر البلاد الصّفدية، بها قرية يقال لها هونين، بها جماعة من التّجار الأغنياء، و بهذا العمل جماعة من مشايخ الشّيعة و جميع أهلها شيعة، و به قرية عثرون بها جبن الطيف، يعدّ من طرف الهدايا الصّفدية.

العمل الرابع: ولاية صور، بلد قديم بعضه في البر، و بعضه في البحر، و بناؤه من أعظم أبنية الدّنيا، و به الكنيسة التي لا نظير لها، بهذه الكنيسة

120

عامود سماقي رخام عظيم، يذكر أنّه لا يتملّك أحد من الافرنج حتّى يجلس عليه، و هذا أمر مشهور.

و بالقرب من صور قناة عظيمة لا يعرف خبرها، و هي من عجائب الدّنيا، بالقرب من البحر المالح، و ماؤها عذب فوّارة، ينبع من الأرض، ثم يرتفع في بناء محكم قامات كثيرة، بزخم عظيم، فإذا انتهى إلى أعلى البناء خرج من القناة المذكورة نهر عظيم، يزرع عليه أرز و قصب و بساتين و يدور منه طواحين، و معصرة و حمام، ثم ما فاض منها دخل البحر المالح.

و بها قرية رشمون بها غابة زيتون تضرب بها الأمثال، تسكن بها الوحوش لسعتها و غزارتها، و على ذلك كله سور محكم من أيام الرّوم، و هذا الزيتون مقطع للجند بأخباز في الحلقة المنصورة.

العمل الخامس: ولاية عكّا، و عكّا بناها عبد الملك بن مروان، ثمّ غلبت النّصارى عليها، ثمّ فتحها الملك النّاصر صلاح الدين يوسف، ثمّ غلبت عليها النصارى حتى فتحها الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك يوسف المنصور قلاوون‏ 11، و فتح صور و حيفا و عثليت، و اسكندرية، و صيدا، و بيروت، و جبلة، كل ذلك في سبعة و أربعين يوما.

و عكّا أعظم مدائن الإفرنج بالبرّ و البحر على ما نقل جماعة من الافرنج، و هي عزيزة عليهم، يتأسّفون عليها إلى آخر الدّهر، و بها العمائر العجيبة، منها كنيسة البنات، التي تضرب بها الأمثال.

و بها عين البقر التي ورد فيها الأثر، جاء أنّ من شرب من أربع أعين لم تمس النّار جسده: عين زمزم التي بمكّة، و عين سلوان التي ببيت المقدس، و عين البقر التي بعكّا، و عين الفلوس التي ببيسان، فلا بأس بالشرب منها، و الاغتسال منها.

و بعكّا مسجد نبي اللّه صالح (عليه السلام) من المزارات المشهورة،

121

و كذلك الرّملة البيضاء، و كذلك الجامع العمري الذي يظهر فيه النّور في ليالي الجمع، و بها مقابر الشّهداء.

و بعمل عكّا قرية إكليل، بها مشهد أولاد يعقوب من المزارات المشهورة، و بقرية عاينين قبر الاسكندر، و القطن ببلادها يفضل على قطن كثير من البلاد و يرغب فيه، و بعكّا ميناء يقصدها تجّار الافرنج بالبضائع، و يعبوا منها القطن يضمن بخمسين ألف درهم.

و ببلاد عكّا أنواع من التّين المليح الذي يرغب فيه، و بطّيخ أصفر سلطاني.

العمل السادس: ولاية عثليت، و هي بلاد مباركة، و بها جبل الكرمل من المزارات، و إليه ينسب العسل الكرملي الذي يرغب فيه، و بهذه الولاية بحرة صغيرة بقرب قيسارية يوجد بها التماسيح، و يتخوّف النّاس منها، و بها قريتان حسان بها فواكه و خيرات، و هما: الطيرة، و السوامر، و تتصل بلادها بقاقون، و هي آخر البلاد الصّفدية طولا.

العمل السابع: مرج بني عامر، و به ولايتان: اللجون، و جينين، فاللجون بلد قديم، و هو قاعدة المرج، و هو من عشيريمن، و كذلك جميع مرج بني عامر، و به مقام الخليل إبراهيم (عليه السلام) من المزارات، و به مصطبة السلطان، و خان سبيل عظيم الشّان، يأوي إليه المسافرون.

و أمّا جينين فبلد قديم أيضا و به خان سبيل عظيم الشّان، لا يكاد يوجد مثله في الحسن و كثرة المياه، و به سوق كبير، و بالمرج قرى أمهات، هي عمدة البلاد الصفدية في الغلات، كزرعين، و الفوله، و لها قلعة حسنة و بتيتين، و بجبلها مقام دحية الكلبي صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و رضي اللّه عنه، من المزارات المقصودة، و بجينين مركز درب الشام و مصر، لا يكاد يخلو من البريديّة في كلّ يوم، يمر، على جينين من التجّار و المسافرين أنواع كثيرة.

122

العمل الثامن: ولاية النّاصرة، و هي بلاد مباركة، و أهلها منسوبين إلى الخير و الدّين، و النّاصرة بلدة قديمة عبرانيّة، تسمّى ساعير، و هي مذكورة في التوراة، يقال أنّ السّيد المسيح عيسى بن مريم (صلى الله عليه و سلم) ظهر منها و نشأ و نصره الحواريون بها، و لذلك سمّيت بالنّاصرة، و بها حمّام قديم به جرن كبير يقال إنّ عيسى (عليه السلام) اغتسل منه، و المقام الذي هو موضع البشارة لأمّه (عليها السلام) من الملك (عليه السلام)، بعيسى (عليه السلام)، يقصد للزيارة، و به جماعة من الرّهبان و عبّاد النّصارى يتعبّدون فيه، و بالكنيسة التي تحت جامعها اليوم عمودان كبيران، و قد عمل المكان زاوية للفقراء الأحمديّة فإذا حصل اجتماع، و عمل فيه سماع للفقراء عرق العامود حتّى يظهر البلل فيه، و للنّصارى اعتقاد في ذلك العامود كل من قصده منهم اجتهد أن يأخذ من العامود شيئا، و أهل النّاصرة كانوا في زمن قسطنطين مفتاح دين النّصرانيّة و أساسه، و هم في هذا الزمان رأس عشير يمن، كما أنّ أهل كفر كنا رأس عشير قيس، و بلاد النّاصرة قرية فرعون بلد روماني قديم لا يعرف له باني، به مغارة مهولة معدومة في عجائب الدنيا.

حكى الأمير الذكي العارف ناصر الدّين ابن العجلوني- و سيأتي ذكره في ترجمته- أنّه دخلها و أنّه لا يعرف منتهاها طولا و عرضا و ارتفاعا، و يسمع عبرها هدير هواء، و على شمال الدّاخل قبور رومانية نواويس على ما قيل أنّه فوق الألف، و أنّهم دخلوها بمشاعل نحو ثلاثين فقطعوا نحو ميل، ثم فزعوا من طفي المشاعل و الحيرة بعد ذلك فرجعوا، و ذكر أنّهم وجدوا بها من الوطواط ما لا يحصر في مقدار الدجاج و أكبر، و قيل أنّها تصل إلى تحت مدينة النّاصرة و مقدار ذلك بريد، و للنّاس عنها حكايات، و يدخل إليها من سرداب حبوا، مقدار ثلاثة أذرع فقط.

و ببلاد الناصرة قرية جيّدة بها بطّيخ أخضر يضرب به المثل بحسنه‏

123

و حلاوته، و قلّة بزره، و بالنّاصرة و الريفة 12 جماعة يقرؤون القرآن في جماعة على طريقة حسنة.

العمل التاسع: ولاية الشّاغور و معليا، فشاغور البعنة جبل به قرى عامرة كثيرة الخير، و البعنة بها دير عظيم يقصده الناس بمن به جنون فيبيتون ليلة على مصطبة به، فيشفى بقدرة اللّه تعالى؛ و شاغور عرابه، بلاد عامرة و به زيت كثير، و بقرية كابول مقام أولاد يعقوب (عليه السلام)، من المزارات المشهورة المعظّمة.

و أمّا معليا فلها حصن، يسكن به القاضي، و بلادها جبال، و قرية البقيعة منها بها مياه تجري و أشجار سفرجل كثير، و منها جبل الزابود يشرف على صفد، يمتد حوله قرى كثيرة الفواكه، و بهذه المعاملة قلعة القرين، حصن جيد فتحه الملك الظّاهر، و بوادي القرين بساتين و طواحين، و فواكه لطيفة، و ثمار مختلفة.

و أهل هذه البلاد غالبهم حاكمية دروز دهريّة، ينكرون الشّرائع، و يعتقدون التّناسخ، و لا يعتقدون صلاة و لا صوما و لا زكاة، و لا حجّا و لا بعثا و لا نشورا، و يستحلون المحارم، و لا يغتسلون من جنابة، و يزرعون الحشيشة المسكرة في قرية يقال لها الزّابود و يعتصرون الخمر حتّى يبقى عندهم مخازن، في غالب السنين يجهز إليهم ملك الأمراء إذا كان متدينا يريق خمورهم و يكتب عليهم قسامة بأن لا يعصروا شيئا، إلّا أنّ هؤلاء القوم في البيع و الشراء و الأخذ و العطى جيدين، موثّق بهم، لا يكذبون في أيمانهم.

العمل العاشر: ولاية طبريّة و من عملها الآن كفر كنّا، و منها البطّيحة، فكفر عاقب.

فأمّا طبريّة فهي من المدن القديمة العظيمة الشأن، يقال أنّه كان بها ثلاثمائة حمّام، و هي مستطيلة على شاطى‏ء البحيرة المنسوبة إليها، و يقال‏

124

إنّها أعظم بحرة حلوة في الدنيا، و دورها نحو يوم، و طولها اثنا عشر ميلا، و هو بريد كامل، و عرضها ستّة أميال، و الجبال تكنفها، و منها يخرج نهر الشّريعة و لا يزال يجري في الأغوار حتّى يصب ببحيرة زغر، و هي المعروفة ببحيرة لوط، و يقال إنّ قبر سليمان بن داود (عليهم السلام) في بحيرة طبريّة، و بطبريّة من الحصون و الأبراج و الكنائس شي‏ء غريب كثير.

و بطبريّة مشهد السّيّدة سكينة بنت علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أجمعين.

و بها الحمّامات المعدودة من عجائب الدنيا، بها مياه سخنة تنبع من الأرض، تنفع من الرّياح و البلاغم، و الدّماميل و القروح، و الجرب، و الاستقساء، و غير ذلك، و من ترهّل البدن، و من افراط العبالة 13 و يقصدها الناس، و كذلك الحمة التي بأطراف هذه المعاملة، على الشريعة.

و بهذه المعاملة قرية حطّين بها قبر نبي اللّه شعيب (عليه السلام)، و القرية وقف على مقامه، و له مشايخ و خدّام و مباشرين، و به سماط للفقراء خبز و دشيشة دائما، و مضيف للواردين من البريدية و الأعيان، و يأتي الناس للزيارة من سائر النّواحي، لا سيّما يوم الجمعة، كنت أتوقف في كون سيّدي شعيب هنا حتى رأيت كأنّي جئت للزيارة و جلست عند الضّريح، فانفرج و خرج منه شيخ مهيب حسن، قلت:

أنت نبي اللّه شعيب؟ فقال: نعم، ثمّ قال: و أنا أعرفك و أحبّك، فإن خطيبي الخطيب إسماعيل يحضر فيثني، و يدعو، فقلت: كان خطيب، الإنسان له عنده مودّة، فقال: نعم، فقلت: و أنا خطيبك أيضا، فقال:

نعم، و لكن أنت خطيب النّبي (صلى الله عليه و سلم)، ثمّ حدّثني كثيرا.

و في هذا العمل مدينة كفركنا، لا تخلو من جماعة من الصالحين، و أرباب الكشوف، و سأذكر جماعة منهم في هذا التاريخ، إن شاء اللّه تعالى، فهي معدن الصّالحين، و موطن الأولياء، و بكفركنا مقام أولاد

125

يونس (عليه السلام)، من المزارات المشهورة، الدّعاء به مستجاب، و خدامه صالحون و بكفركنا مقدّمين العشرانات أمير طبل خاناه، و هم رأس قيس أهل فتن و أهواء، و بقربها مكان يعرف بالبطوف، به قرى حسان، و به أرض تعرف بمرج الغرق، تجتمع فيها المياه، و ليس لها مخرج، فإنّ تلك الأرض بها جبال محيطة بها، و في الشتاء يجتمع فيها من الأمطار ماء عظيم، حتّى يصير بحيرة، ثمّ تشربها الأرض قليلا قليلا، و كلّما جفّ منها مكان زرعوه كما يفعل أهل مصر.

و بهذا العمل جبل الطّور، عليه حصن بديع، و به حصن كوكب، و بالبطوف مقام العزير و قبره، و بالرّومة قبر روبيل، مزار يقصده اليهود، و المسلمون و عليه قبّة و مقام الشيخ علي البكّاء 14 بتوعان، و به قرية الشّجرة، بها مقام عظيم، عليه مهابة، يقصد بالزيارة، و الدّعاء فيه مستجاب، فهذه ولايات البلاد الصّفدية و أعمالها.

و في الجملة فصفد مدينة لا بأس بها، لكنّها ليست على ترتيب المدن، كان خلاصتها حصنها الغريب، ثمّ بني عليه ربض يسير، ثمّ زيد فيه تلفيقا بلا ترتيب.

قال بعض أهل الطّرف في مقام المطايبة و اللطف حين سئل عنها، و قيل له: اشهد لنا بما تعلم منها؟ فقال: صفد و ما أدراك ما صفد، مدينة الحزن و النّكد، و الفقر و الحسد، و الهم و الكمد، عيشها غير رغد، و كان سرّها حصنها ففسد، لكثرة الصواعق و الأمطار، و تواتر الزلازل في الليل و النّهار، و أمطارها سيول، و صواعقها تهول، و شتاؤها لا يزول، و ساحتها معدن الفضول، فرجتها ثلاثة: وادي في الدّرك الأسفل، و ميدان كالسّمك الأعزل، و حواكير عن عقاربها لا تسأل، و عجائبها ثلاثة: مآذن بلا جامع، و حمّام بلا ماء، ليس للكلاب عن مصنعه مانع، و أسطحه لا تتميز من الشوارع، خيرها من الجلب، و مواشيها سريعة العطب، و كثير فيها الحسد، و قليل فيها الذّهب، و جامعها بلا ميضأة

126

للطّهارة، و مسلخها يرمي الطير من القذارة، و هي مفرقة للعمارة، في الشّرق حاره، و في الغرب حاره، المغضوب عليهم يجهزون للإقامة في أكنافها، و الضّالون من الدّروز و الرّافضة في غالب أطرافها، أحسن حمّاماتها سفر طويل، من ذهب إليه خجل بالغداة و الأصيل، و عند خروجه من حره إلى الهواء الوبيل يقول: هل إلى مرد من سبيل، لا مدرسة و لا رباط، و لا محل نزهة و لا انبساط، من دخلها حزن، و ضاق صدره، و من خرج منها فرح و سرّ قلبه، و يكفي من البرهان أنّها بيت الأحزان، يعقوب (عليه السلام) فيها لفرط حزنه ذهب بصره، و يوسف (عليه السلام) ألقي في الجب، فلم يجد من ينصره، ليس لها باب و لا سور، و غالب بيوتها مبنية على القبور، و لا بها مال جزيل، و لا من يعين على نوائب الدّهر، فصبر جميل.

أما سمعت قول ابن حلاوات في أبياته المشهورة،

شعر:

جهنّم أصبحت لا شكّ فيها* * * لها من كلّ ناحية عقاب‏

فنهض إليه بعض الإخوان و قال: مهلا أيّها الإنسان، فما تلاطفت و لا أنصفت، و لا خلوت من تحمّل من فيما و صفت، تتفوّه بصفتها و لا تتنوّه ببهجتها، أنسيت جامعها الأحمر، و صحنه الأنور، موطن الإنابة، و محل الإجابة، و منهل الأوطار، و معدن الأخيار، هلا ذكرت ميدانها الذي يشفي رمد العين، و يري من به مجمع البحرين، يمنح و يرتع طرفه مزاين الجناين، أنسيت هواها اللطيف، و ماءها الخفيف، حتّى كان الافرنج من جميع الأنحاء يحملون من مرض إليها لطلب الشّفاء، هلا ذكرت أترانجها 15 المتّفق عليها، و الحكي عنها، و المشار إليها، تحمل إلى البلدان، و تهدى إلى ملوك الزمان، هلا ذكرت التين الماروني، و الجبن العثروني، و العسل الشقيفي، و الكرملي، و التفاح الأحمر الفرعمي‏ 16،

127

هلا ذكرت الساتورة و غرائبها المأثورة، و حلزون البرج الكبير، و كيف الفارس من أسفله إلى أعلاه يسير، أنسيت رياض اليكرا، و ما عن شقائقها الملونة يحكا، و الحواكير و بديع أزهارها، و ما يطرب في السّحر من نغمات أطيارها، هلا ذكرت عمارة الخليفة، و مصطبتها اللطيفة، و منظرها الذي يشرح الصّدور، و يروي من به البر و البحر، حتّى يظن الغريب أنّ البحر منه قريب، أنسيت بركة الدّجاج، و ماؤها الثجّاج، و سفح القلعة في زمن الربيع، و ما يظهر به من الزّهر البديع، هلا ذكرت مغارة نبي اللّه يعقوب، التي تجلي الهموم، و تزيل الكروب، و قد شاع بلا ارتياب أنّ الدّعاء فيه مستجاب، أنسيت النّابل و كنعان، و كيف يظهر فيها الأولياء بالعيان، هلا ذكرت وادي لبيه و نزهته، و مقام سيدي محمد الكويّس و بهجته، و حمّامها الجديد، و عين السّاحة التي هي بيت القصيد، أنسيت ما قال شرف الدّين حسين بن الكمال (هو جد المؤلف): شعر:

صفد وطني و بها وطري‏* * * روى صفد أوبل المطري‏

بلد ما يعد لها بلد* * * في طيب هوى رطب عطر

تغدو الأبدان لصحّتها* * * و لها نور مثل القمر

تولى، و هو يقول: هيهات: هيهات، و حق منى و عرفات، إنّ هذه الأسماء على غير مسمّيات.

و كان حصنها من أجلّ حصون الافرنج، و أمنعها، و أشدّها ضررا على المسلمين و أشنعها، و كان به طائفة يقال لها الداوية، نار موقدة و بلية، عزبان فرسان، معدودون للغارات على البلدان، تصل غاراتهم من جهة دمشق إلى داريّا و ما يليها، و من جهة بيت المقدس إلى كركمة 17 و نواحيها، فيسّر اللّه عزّ و جلّ فتحها على يد الملك الظّاهر بيبرس (رحمه الله تعالى)، و رضي اللّه عنه، و أثابه الجنّة في رابع عشر شوّال سنة أربع و ستّين و ستمائة، بعد أن حصره مدّة طويلة.

و من محاسن ما اتفق أنّ المسلمين يوم الجمعة بجامع دمشق تضرّعوا

128

إلى اللّه عزّ و جلّ و سألوه فتح صفد، و ارتفع ضجيجهم، و ابتهل خطيبهم، و في تلك الساعة طلب الافرنج الأمان على أن ينزلوا بأثاثهم و يتوجّهوا إلى السّاحل مجرّدين من غير حمل عدّة و لا مال، فلمّا نزلوا خانوا و نكثوا و نقضوا العهد، فضربت أعناقهم على تل يعرف بجبل المقتلين، و أنّ أهل عكّا لمّا بلغهم ذلك بعثوا رسولا، و طلبوا من السلطان أذنا في نقل هؤلاء الشّهداء المقتولين، ليدفنوا بعكّا تبرّكا بهم، فقال للرّسول أقم إلى غد لتعود بالجواب، ثمّ توجّه ليلا في جماعة من الفرسان، فأصبح بعكّا صباحا، فقتل من أهلها جماعة، ثمّ عاد إلى صفد من يومه، و طلب القاصد، و قال أخبرهم بأنّه قد صار عندهم شهداء كثيرة و توفر عليهم كلفة النقل.

و لمّا حصل الفتح سرّ السلطان و ابتهج، و رمّم شعث الحصن، و ما فسد منه بالقتال، ثمّ بنى على الحصن هذه الباشورة البرانيّة، و نصب محرابا في الكنيسة، و جعلها جامعا، و صلّى بهم و العصابة الحرير التي بمنبر القلعة، على رأس الخطيب اليوم، هي التي كانت على رأس الملك الظّاهر يوم الفتح.

و قدم العلماء و الصالحون من الشّام إلى صفد يهنّئون السلطان بالفتح من جملتهم الإمام النووي (رحمه الله تعالى)، و صل و هو يبني على باب السّر شمالي الحصن، و كان مجيئه ماله نظير إلّا فتح القلعة.

أخبرني بذلك من حضره ممّن أثق به.

و لمّا تمّ ما قصد من هذا الفتح الجليل، و عزم على التّوجّه و الرحيل، رتّب جماعة من خواص مماليكه العزيزة عليه، و أعطاهم الاقطاعات الثقيلة، و عرضهم بين يديه، و قرر لأرباب القرآن الذين أحضرهم من سائر الجهات جزيل النّفقات، فبلغ المصروف في كل شهر ثمانين ألف درهم، و أرصد لهذا الحصن حواصل كثيرة من القرى، كان يخزن منها في‏

129

الحصن في كل سنة اثني عشرة ألف غرارة غلة بالدمشقي، و تستمر مخزونة حتّى يتحصّل المغل الثاني، ثم تصرف الغلّة المخزونة، و تخزن الغلّة الجديدة، حتى لا يخلو الحصن عن اثني ألف غرارة مخزونة به دائما، و الماء بالحصن كثير في آبار و صهاريج، و لا يكاد يفرغ، و به ماء ينبع في مكان يعرف بالسّاتورة، معدودة من عجائب الدنيا، عمقها مائة و عشرة أذرع في عرض ستّة أذرع بالنجار، مركب عليها مرمة هندسية من الخشب:

بسقال، يلتف عليها حبل سرباق مركّب فيه بتيتين‏ 18 خشب، تسع كل واحدة نحو راوية ماء، و كل ما وصلت بتيتة إلى الماء وصلت الأخرى إلى رأس البير، و على رأس البير ساعدان من حديد بكفّين و أصابع تتعلق الأصابع في حلقة البتية الملآنة، و تجذبها الكفّان، فينصب الماء إلى حوض، و هذا الماء نبع، و يذكر أنّ عمق الماء بها ستّون ذراعا.

و لمّا تمّ بناء الباشورة رسم أن يعمل برج غريب في وسط القلعة يعرف ببرج الظّاهر، و وصفه بصفات عظيمة منها كبر الآلة جدا بحيث أنّ بابه الأسفل نحو ست حجارة، فبني على تلك الصفة كثير منهم، و أنّه كتب إلى السلطان الملك الظّاهر في أثناء البناء أنّ القنّب بالشام فقد، و نقل الآلة يستدعي سرباقات كثيرة، و لا تعمل إلّا من القنّب، و استأذنوه في تخفيف الآلة فأجابهم بأنّ الحرير عندنا كثير، فكبّروا الآلة، و سيصل إليكم من الحرير ما يعمل مكان القنّب، ف(رحمه الله) و رضي عنه و أثابه جنّة النعيم، آمين.

و ارتفاع هذا البرج مائة و عشرون ذراعا، و قطره سبعون ذراعا، و هو ثلاث مساكن و مخازن و منافع و طاحون تدور بالخيل، و بير ماء جمع، يكفي لمن يكون في هذا البرج طول الحول، و له حلزون بغير درج ممشا عجيبا يسع ثلاث فرسان صفّا واحدا، يصعد منه إلى سطحه، ثمّ توجه إلى مصر المحروسة مسرورا بما منحه اللّه عزّ و جلّ، و جهّز إلى نيابة صفد نائب عجلون.

130

النّائب الأوّل كيكاري العلائي، و كان رجلا ديّنا خيّرا عفيفا عزيزا على الملك الظّاهر، و كان حصن قلعة عجلون عند السلطان الملك الظّاهر من أجلّ الحصون قبل صفد، فجهّز العلائي لمنزلته عنده، فأقام بالقلعة و لا يستطيع أحد البناء بالمدينة، خوفا من الافرنج من أهل عكّا و صور و عثليت، و أقام العلائي مدّة ثمّ رحل إلى رحمة اللّه تعالى.

فحضر للنّيابة بصفد الأمير سيف الدين طغريل، الرّجل الصّالح الولي صاحب الترّبة المعروفة، و القيساريّة العتيقة الموقوفة في سنة خمس و ستّين و ستمائة، فأقام مدّة يقصده النّاس للزيارة، و طلب الدّعاء، ثم مات و دفن في ترتبه في قبّة تجاه الجامع.

ثمّ حضر للنيابة الأمير سيف الدين بلبان العلّائي في سنة ثلاث و سبعين و ستمائة، فأقام بها مدّة، و في أيامه تكاملت عمارة الجامع الكبير الظّاهري سنة أربع و سبعين و ستمائة، بعد الفتح بعشر سنين، ثمّ بنيت دار الخطابة بفضلات حجارة الجامع ثمّ بني بعض بيوت بالمدينة تلفيقا بحارة الصّواوين و أطراف حارة الجامع.

ثم مات السلطان الملك الظاهر (رحمه الله تعالى) و رضي اللّه عنه في المحرّم سنة ست و سبعين و ستماية بدمشق المحروسة، فتملّك بعده ولده السعيد، و سلامش كل واحد منهما نحو سنة.

ثمّ تملّك السلطان الملك المنصور قلاوون الصّالحي أبو السلاطين إلى الآن، حفظ اللّه نعمتهم، و أدام ملكهم في شهر رجب سنة ثلاث و سبعين و ستمائة.

ثمّ خرج سنقر الأشقر على الملك فتملّك بالشام، فخرج إليه الملك المنصور فكسره و هزمه، ثمّ توجه السلطان إلى التاتار فهزمهم و كسرهم‏ 19 و مثّل بهم في شهر رجب سنة ثمانين.

و جهّز إلى نيابة صفد حين مات العلائي، الأمير علاء الدين‏

131

الالدكزي في سنة ثمانين، ثمّ كبرت صفد حينئذ، و اتّسعت قليلا في أيامه و بنى الحمّام المعروفة به، و سكن بالمدينة، و بقي الحكم بدار العدل في باب القلعة، و استمر الحال و أهل عكّا و صفد بينهما هدنة، إلى أن فتحت طرابلس بالسّيف عنوة سنة ثمان و ثمانين و ستمائة ثمّ حصل من الافرنج خيانة و نقض عهد، فعزم الملك المنصور على غزوهم، فمات (قدّس اللّه روحه) بمصر سنة تسع و ثمانين و ستمائة، و عهد إلى ولده السلطان الملك الأشرف خليل، و أوصاه بفتح عكا و غزوها قبل كل شي‏ء، فلما تملك لم يكن له دأب ألّا التّوجّه إلى عكّا بجيوش عظيمة، و احتفل لذلك احتفالا بالغا، و لم يتخلّف عن غزو عكّا أحد ممّن أمكنه التوجّه، و حصل الاجتهاد التّام و المصابرة على القتال حتّى يسّر اللّه عزّ و جلّ فتحها بالسّيف، يوم الجمعة رابع عشر جمادى الأوّل سنة تسعين و ستمائة، ثمّ هدمها بوصيّة والده، و ظهور المصلحة في ذلك، و اجتماع الآراء على ترجيحه.

فلمّا فتحت عكّا، و رأى الفرنج الغلبة، وقع في قلوبهم الرّعب، و خافوا على أنفسهم من الهلاك، فسلّم أهل الحصون و الثّغور التي بالسّواحل جميعها: أهل صور، و حيفا، و عثليت، و قيساريّة، و غير ذلك، و طلبوا الأمان، و دخلوا البحر، و خلا ساحل الشام المبارك من الافرنج، و طهّر الأرض المقدّسة منهم، و قطع دابرهم، و قلع آثارهم‏ (وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) 20.

فلمّا صارت السواحل للمسلمين، و محيت آثار الكافرين، اطمأنت الخواطر، و طابت القلوب و ابتهجت النفوس و طابت أنفس الناس على الإقامة بصفد، و قصدوها من البلاد لطيبها و صحّتها، و ما بها من الخير في ذلك الوقت، لقرب العهد بالفتح المبارك، و عمل بها موضع مبارك للنيابة بها، و استقرّ في المدينة نائب بمفرده، و بالقلعة نائب بمفرده، فأوّل النوّاب بالمدينة الأمير علاء الدين الالدكزي سنة تسعين و ستمائة، و استمرّ إلى سنة إحدى و تسعين و ستمائة ثمّ مات.

132

فحضر ايدكين الصّالحي، ثمّ مات الملك الأشرف (رحمه الله تعالى) و رضي عنه، و تملّك أخوه السّلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، والد الملوك و السلاطين، و من دان له العباد و البلاد، و أطاعه كل حاضر و باد، تغمّده اللّه برحمته و رضوانه، ثمّ مات ايدكين الصّالحي، و دفن بتربة جدّه [المؤلف‏] الشيخ كمال الدين لصحبة كانت بينهما، و رغبة في مجاورته.

ثمّ حضر الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار يوم الجمعة سابع ربيع الأول سنة اثنين و تسعين و ستمائة، كان من أهل الخير، الراغبين في القربات، و هو باني الجامع بحارة الأكراد، و الحمّام بعين الزيتون، الرّبع منه وقفا للأكفان، ثمّ خلع السلطان الملك الناصر من الملك سنة أربع و تسعين و ستمائة، و تسلطن جماعة، ثمّ أعيد السلطان إلى الملك سنة أربع و تسعين و ستمائة.

و حهز للنيابة بصفد المحروسة الأمير فارس الدين الالبكي و كان كبير القدر عظيم الحشمة، فأقام بصفد مدّة يسيرة.

ثمّ حضر للنّيابة بصفد الأمير سيف الدين كراي المنصوري، و كان نائب الشّام في ذلك الوقت الأمير جمال الدين أقوش الأفرم، و كان كراي من الدّينيين، صاحب سخاء و مروءة، و موفاة في الصّحبة، انتفع بصحبته قبل نيابته جماعة منهم عمّي الشّيخ نجم الدين بن الكمال، و لمّا نقل إلى نيابة الشّام أخذه معه، و فوّض إليه أمور الشام، و في تلك الأيام كانت وقعة غازان سنة تسع و تسعين و ستمائة، و كان رجلا عظيما عفيفا ديّنا يحب الخير و أهله ثمّ طلب إلى مصر.

و حضر للنّيابة الأمير سيف الدين بتخاص، و كان ظالما غاشما تجاوز الحد في الظّلم، حتّى كان يرمي الخلق في المنجنيق، و كان بقلعة صفد مؤذن من الصّالحين الأخيار قد جلس للفطر، و كان صائما فرمى بتخاص رجلا في المنجنيق، فوقع الرّجل بدار المؤذّن فتقطّع و انتشر رأسه،

133

و انفجر جوفه، فصرخ المؤذن من هول ما شاهد، و بكى و توجّه في بتخاص إلى اللّه، فأخذه اللّه، و كانت نيابته مشقة عظيمة على الخلق.

و في تلك الأيام كانت وقعة مرج الصفر، و ذكيان و كسرت التاتار بشقحب، و قطع دابرهم و أسلم غالبهم بعد ذلك و للّه الحمد و الشّكر 21.

ثمّ حضر للنّيابة بصفد الأمير شمس الدّين سنقر شاه، كان يحب الفقراء و يكرمهم سنة ثلاث و سبعمائة، و هو الذي بنى زاوية الشّيخ قليبك بعين الزيتون، و أقام في النّيابة مدّة.

ثمّ حضر علم الدين سنقر الجوكندار النامي سنة خمس و سبعمائة، و كان رجلا صالحا عفيفا تقيّا خيّرا، فيه حدّة، نقل عنه مخالفة، فأقام بصفد إلى أن مسك بها في سنة إحدى عشرة و سبعمائة.

ثم حضر للنّيابة بصفد الأمير سيف الدين بهادراص، في السنة المذكورة فأقام مدّة.

ثمّ حضر للنيابة بصفد المحروسة الأمير سيف الدين طرنطاي بمتسفر أرقطاي أخوه.

ثم حضر للنيابة الأمير سيف الدين طشتمر حمص أخضر، من مصر المحروسة في نهار الأحد العصر ثالث عشرين المحرّم سنة سبع ثلاثين و سبعمائة، من طريق حطّين، و أقام إلى سنة أربعين و سبعمائة، فبنى الحمّام المعروف به، و وسّع اسطبل النّيابة، و كان جبّارا قليل الشّفقة، لكنّه كثير الصّدقة، و مما يدل على عدم شفقته، أنّ عم الشّيخ برهان الدين خطييب القلعة مرض بالفالج، و بقي على جنبه أربع سنين ملقى، حتّى تقوّرت أجنابه و أفخاذه و لا قوّة له، و عائلته في تلك الحالة غير معلوم الخطابة يتقوتون به يوما بيوم، فسعى إنسان عند طشتمر، فكتب إلى مصر إلى ذلك، فلمّا وصلت مطالعته اتفق حضور الأمير سيف الدين أرقطاي بين‏

134

يدي مولانا السلطان، فقام و بكى و قال: يا مولانا السلطان هذا الخطيب من بيت صالح و فقير، و له خمسون سنة على رؤوس المسلمين يدعو لمولانا السلطان، و هو الآن مبتلى، فكيف تقطع رزقه في أيامك؟ فغضب السلطان، و كتب بأنكار ذلك إلى طشتمر، و بعد أيام يسيرة رسم له بالتوجه لمسك تنكز.

و جاء بعده اقسنقر السلاري فولّاني الخطابة لساعته، تغمّده اللّه برحمته، و أسكنه فسيح جنته، و من جبروته و عدم شفقته أنّه كان مغرم بقتل الكلاب، بالغ في ذلك و زاد، و كان في كلّ ليلة من ليالي رمضان يذبح بقرا و غنما، و يتصدّق على كل من يطلب، و أمّا أيّام الأعياد و المواسم فكان يغمر الناس بالعطايا، و يذبح هو شيئا كثيرا، و لمّا ورد عليه المرسوم الشّريف صحبه حلاوات البريدي لمسك تنكز 22، خاف على نفسه، فظنّ أنّ الأمر بالعكس، فلمّا وصل و اطمأنّ و مسك تنكز تغمّده اللّه برحمته و رضوانه، و كان له في نيابة الشام نحو ثلاثين سنة، و أمّا طشتمر فإنّه رسم له بالتوجه إلى نيابة حلب المحروسة، فكانت نيابته بصفد أربع سنين و تسعة و عشرون يوما.

ثمّ حضر للنّيابة بصفد المحروسة الأمير سيف الدين أقسنقر السّلاري، الرّجل الصالح الدين، العفيف اللطيف، (رحمه الله تعالى) و رضي عنه في نهار الإثنين خامس عشر صفر سنة إحدى و أربعين و سبعمائة و متسفره طاجار الدوادار فأقام بصفد سبعة شهور و نصف، ثمّ نقل إلى ناحية السّلطنة الشريفة بالباب الشريف.

ثمّ حضر بعده للنّيابة من مصر المحروسة، الأمير بهاء الدين اصلم في نهار الجمعة وقت التّذكير، رابع شوّال سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و متسفرة محمود ابن أخت قوصون.

ثمّ مات السلطان الملك الناصر محمد بن السلطان قلاوون (قدّس اللّه روحه) يوم الأربعاء عشرين الحجّة سنة إحدى و أربعين و سبعمائة، و دفن‏

135

بالمدينة المنصوريّة ليلة الجمعة بعد ما دانت له العباد و البلاد، فسبحان الدائم بلا زوال و كانت مدة ملكه اثنتان و خمسون سنة و تسلطن بعده ولده الملك المنصور أبو بكر يوم الخميس؛ و لم يقم في الملك إلّا قليلا، ثمّ قتل، و كانت دولته ثمانية و خمسون يوما، ثمّ تسلطن أخوه الملك الأشرف صلاح الدين كجك أقامه قوصون في سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة، و الأمير بهاء الدين اصلم في نيابة صفد، ثم توجّه إلى دمشق لقتال طشتمر و الفخري، بمرسوم قوصون، فوصل إلى قارا ثم ردّه الفخري إلى دمشق، و حلفوا جميعا للسلطان الملك الناصر أحمد صاحب الكرك، و جهّزوا أصلم إلى مصر، و كانت سلطنة أحمد في نهار الخميس ثامن عشرين رمضان سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة.

ثمّ حضر للنّيابة من مصر الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي الكبير، قبل صلاة الجمعة تاسع عشر القعدة سنة اثنتين و أربعين و سبعمائة، و لم يدخل صفد مثل طلبه قط، كأنهم نار موقدة بأعلام كلها حمر، و لبس خيولا و رجالا، فسبحان الملك العظيم، و متسفرة تكا الخضري، فأقام بصفد نحو سبعة و ثلاثين يوما، ثمّ بلغه أنّه سيمسك، فخرج بمماليكه في نهار الإثنين سادس عشرين الحجّة، و هم دون المائة لابسين عدّة الحرب، فركب العسكر الصّفدي خلفه، فقال لهم: ارجعوا فلا ضرورة لكم باتّباعنا، فتشاوروا و خافوا من الرجوع دركا، فردّ عليهم جماعة يسيرة من غير علم الأحمدي فجرحوا جماعة منهم، و قتل الحاجب الصغير عمر البتخاحي، فهرب الباقون، و رجعوا عنه شر رجوع، فتوجه إلى دمشق على حميّة، فلم يقف في وجهه أحد من عسكرها، فندم الصفديون و قالوا: يا ليتنا فعلنا كما فعلوا.

ثمّ حضر نائب غيبة الأمير علاء الدين مغلطاي المرتيني من دمشق المحروسة، فأقام ثمانية و أربعين يوما، و كانت دولة السلطان الملك الناصر أحمد تسعة و تسعون يوما، ثمّ هرب إلى الكرك.

136

ثمّ تسلطن أخوه الملك الصالح إسماعيل في خامس شهر المحرّم سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة، و جهّز لنيابة صفد الأمير سيف الدين طينال من نيابة طرابلس، و كان جليل القدر عظيم الحشمة، فأقام بصفد سبعة عشر يوما، ثمّ مات، و دفن بمغارة يعقوب (عليه السلام) يوم الجمعة سابع ربيع الأول.

ثمّ حضر للنّيابة بصفد الأمير سيف الدين طقتمر الأحمدي الصغير من مصر بمفرده، في نهار الخميس عاشر ربيع الآخر سنة ثلاث و أربعين و سبعمائة، فأقام في النّيابة عشرة أشهر و ستة و عشرين يوما، ثمّ نقل إلى نيابة حماة.

ثمّ حضر للنّيابة بصفد الأمير سيف الدين بلك الجمدار من مصر، في نهار الأحد سابع عشر ربيع الآخر سنة أربع و أربعين و سبعمائة، و متسفره قصرات ابن أخت بكتمر السّاقي، فأقام مدّة، ثمّ توجّه إلى حصار الكرك و هو حاضر و كان هناك للحصار الجاولي و أرقطاي، فغاب بلك خمسين يوما، ثمّ عاد إلى صفد، ثمّ طلب إلى مصر يوم الجمعة و النّاس في الصلاة تاسع ربيع الآخر سنة ست و أربعين و سبعمائة و كان بلك ظالما غاشما لا يخشى عارا، عظيم الطّمع لدناءته، كثير الغفلة عن رعيته لا يفرّج لهم همّا، و لا يكشف عنهم ضيما، الحقوق في أيامه ضائعة، و المنكرات شائعة، لا حرمة له على حاشيته، فكثر أذاهم لرعيته، و لمّا حضر القاضي شهاب الدين البارزي، بعد أن جرى ما جرى للخضري، جاء مملوك من مماليك بلك يقال له و لنجي، فدخل في دهليز القاضي، و عيط و خبّط فشحطوه و أخرجوه بعد ما أزعجهم و أزعجوه، ثمّ ركب القاضي و ارتحل، فاضطرب بلك و حصل له الوجل، فجهّز جماعة من الامراء و لحقوه عليه و ردّوه و لاطفه بلك، و اعتذر إليه، و ضرب مملوكه حتّى غشي عليه، و من أسباب فساد أحواله أنّه كان قد فوّض الأمر إلى استداره خضر بن اقبجا الفليحي، و هو ميشوم ظلوم‏

137

غشوم، و هو في الأصل عديم الدين و العقل، تنوّع في الظّلم، و تجاوز الحد فيه، و لم يبق له من يردّه عن ذلك و لا ينهيه، حتّى ألهم اللّه عزّ و جلّ جماعة من الصالحين أن يدعو عليه برؤيا رآها بعضهم أنّ فلانا و فلانا و سمّاهم يجتمعوا غدا يوم الأربعاء بين الظهر و العصر، و يدعو على هذا الظالم فيستجاب فيه كما دعا رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على الأحزاب في ذلك الوقت و اليوم فاستجيب له، فدعوا فأجيبوا، و كان الشيخ علي القرشي من الصالحين المكاشفين يقول في بيت بلك شاب لا يخرج منه، ثمّ جاء في بعض الأيام و قال: خرج و جاء الفرج، و كان من أسباب عزله حكاية القاضي الخضري، و خروجه من صفد لأجله و كان لبلك فقيه من كبار الصالحين، لمّا رأى ما هو عليه فارقه رب العالمين، و كان دواداره سيف الدين قطلوبك، من أهل الخير و أرباب مكارم الأخلاق، يقضي حوائج الناس، و الفقراء، و الضعفاء، و يفتقد المحتاجين جزاه اللّه خيرا، و أعظم له أجرا، و لمّا خرج بلك من صفد دعا الناس حين ركب و وقف بفرسه في الساحة، و جعل يودّع الناس و يبكي، و يقول: حاللوني فالذّنب كان لصاحبكم الاستدار، هو منكم و ناظر الديوان، و أنا محجوب عنكم، و لم أكن أطّلع على ما يفعلوه فبكى الناس و حاللوه، و توجّه بعد ما ودّعهم، و هذا من سلامة صدورهم، و حسن طواعتهم، و قلة شرورهم، فإنّ أهل المملكة الصفدية من أحسن رعية، لا تعرف لهم شكوى، و لا مرافعة، و لا عارض أحد منهم حاكما، و لا فازعه، بل طاعة و قول معروف، و إن ظلموا صبروا، و إن عدل فيهم أظهروا و نشروا، و إن أحسن إليهم مدحوا و شكروا، و لا جرم أنّ اللّه عاملهم بألطافه الخفيّة، و قلّ أن جاءهم نائب إلّا و في قلبه الرحمة، و كانت نيابته سنتان و أربعة شهور و خمسة و عشرون يوما.

و في هذه السنة توفي الملك الصالح إسماعيل في يوم الأربعاء ثالث شهر ربيع الآخر، ثمّ تسلطن أخوه الملك شعبان، فكانت دولة الملك‏

138

الصالح ثلاث سنين و شهران و نصف، و كانت سلطنة الملك الكامل في نهار الخميس ثاني عشرين ربيع الأول سنة ست و أربعين و سبعمائة.

ثمّ حضر بعده المقر السّيفي الحاج ملك من نيابة حمص جريدة بلا طلب‏ 23، نهار الخميس مستهل جمادى الأول سنة ست و أربعين و سبعمائة، و كان رجلا صالحا عالما ورعا، متواضعا، كبير القدر، جميل الذّكر، لا يحكم إلّا بالشّرع، و كان يأخذ الحقّ من القوي للضعيف، فعفّى آثار بلك و محاها، و كشف طرائق الحق و العدل و جلاها، و هو في غاية اللطف و الدين، يمر على العامّة فيسلّم عليهم يمينا و شمالا، إتّباعا للسّالفين فما أحقه بقول القائل: شعر:

إذا أردتّ شريف الناس كلّهم‏* * * فانظر إلى ملك في زيّ مسكين‏

ذاك الذي عظمت في الناس دولته‏* * * و ذاك يصلح للدنيا و الدين‏

و له محاسن كثيرة، و مآثر غزيرة، و كان له ولد يسمّى بالأمير شهاب الدين، على طريق والده، في العفّة و الدين، و التّواضع و اللين، يقوم مع الضعفاء و المساكين، و يتصدّق على الفقراء و المحتاجين، ينسب إلى المكارم، فيقصد للمغانم، فرحم اللّه والده، و أبقاه، و دفع عنه كلّ شر و وقاه، و كانت مدّة نيابته سبعة أشهر، و اثنان و عشرون يوما، ثمّ طلب إلى مصر صحبة المقر السّيفي منجك فوصل إلى بعض الطريق، و خفي خبره (رحمه الله تعالى)، و ذلك في ثامن و عشرين الحجّة.

ثمّ حضر للنّيابة بعده المقر السّيفي أراق من نيابة غزّة، في نهار الخميس، عاشر شهر صفر سنة سبع و أربعين و سبعمائة، فأقام بصفد إلى سلخ جمادى الآخر، فأحسن إلى الصفديين، و أكرمهم، لأنّه كان منهم، تولى قبل ذلك نيابة القلعة عندهم زمانا طويلا، و كان فيه خير و شفقة، و بر و صدقة، و مع عجم لسانه و انغتامه‏ 24 كان موفقا في أحكامه، مسددا في كلامه.

139

و في شهر رجب الفرد مات السلطان الملك الكامل، نصف شعبان، و تسلطن أخوه الملك المظفر حاجي في شهر رجب سنة سبع و أربعين و سبعمائة، ثمّ طلب المقر السّيفي يلبغا اليحياوي نائب الشام المحروس أراق، فحضر من صفد أكابرها، فجرى لهم ما جرى، ثمّ انهزم يلبغا، و أقام أراق بدمشق، فكانت نيابته ثمانية أشهر إلّا ستة أيام.

ثمّ حضر للنّيابة بصفد المقر السّيفي أرغون شاه من مصر، في ثاني شوال سنة سبع و أربعين و سبعمائة، و كان جبّارا شرسا، يحكم بعقله مع جهله، فأقام مدّة، ثمّ نقل إلى نيابة حلب في عشرين صفر سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، صحبة طنير، و كانت نيابته خمسة شهور إلّا عشرة أيام.

ثمّ حضر للنّيابة المقر الفخري إياس، من حجوبية الشام، فأقام شهرا واحدا و ثلاثة عشر يوما، ثمّ نقل في ثالث ربيع الآخر سنة ثمان و أربعين و سبعمائة.

ثمّ حضر للنّيابة المقر السّيفي ألاجا من نيابة حمص، مريضا في محفة، و استمر مريضا إلى أن توفّي في سادس شهر رمضان المعظّم سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، و دفن بمغارة يعقوب على نبينا و (عليه السلام) عند قبر الأمير سيف الدين طينال، و لم يجلس بدار العدل الشريف، و لا حكم بين اثنين.

ثمّ حضر بعده للنّيابة المقر السّيفي قطز اميرآخور، من مصر على خيل البريد نهار الأحد ليلة عيد الفطر سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، و كان سيّدا عفيفا، رجلا صالحا خيّرا، فأقام بصفد مدّة يسيرة، و هي إلى شهر صفر سنة تسع و أربعين و سبعمائة.

ثمّ وقع الطاعون العظيم، الذي عمّ المشارق و المغارب، و لم يسمع بمثله من قديم الزمان، كان يموت بصفد مع صغرها كلّ يوم جماعة

140

فوق المائة، حتّى كنت أمر من الجامع الكبير، إلى القلعة فلا أجد أحدا، و لقد ماتت عندنا امرأة فلم نجد من يحملها إلى المقبرة، حتّى حملت معهم بنفسي بعض الطّرق، و عمّ هذا الطاعون البر و البحر، و البقر و الحيوان، و الطّيور، فكانت نيابته أربعة أشهر، ثمّ توجّه إلى دمشق فأقام بها، و في تلك المدّة مات السلطان الملك المظفّر، و تسلطن أخوه الملك الناصر حسن بن محمد.

ثمّ حضر للنّيابة المقر الشّهابي أمير أحمد مشد الشّربخاناه من مصر، يوم الإثنين في مستهلّ ربيع الآخر سنة تسع و أربعين و سبعمائة بالطاعون، و كان سيّدا جليلا، موقرا كثير المكارم عظيم الحياء صاحب همّة عالية، و شجاعة مشهورة، أحسن إلى الصفديين، و تألفهم، و بنى بصفد مدرسة لطيفة، مشرف حسن، أقام مدّة، ثمّ توجّه لمسك الجيبغا نائب طربلس ببعض العسكر، ثمّ دخل دمشق في رابع شهر ربيع الآخر سنة خمسين و سبعمائة، ثمّ عاد إلى صفد فأقام بها إلى آخر سنة إحدى، و خمسين و سبعمائة، ثمّ جرى له ما جرى من طلوعه إلى القلعة، ثمّ حضرت العساكر لقتاله، ثمّ نزل طائعا في ثامن عشر المحرّم سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة، فكانت نيابته سنتان و تسعة شهور، و عشرون يوما.

ثمّ خلع السلطان الملك الناصر حسن و تسلطن أخوه الملك الصالح ابن محمد و هو ابن بنت تنكز، الذي نزل إلى الشام في نوبة بيبغا روس، و أمير أحمد، و كانت سلطنته في ثامن عشرين جمادى الآخر سنة اثنتين و خمسين و سبعمائة.

و كان قد حضر لنيابة صفد المقر العلائي الطنبغا البرناق في سابع المحرّم، و معه العساكر و نائب طرابلس، و نائب غزّة، و شيخون، و تعابي و عساكر كثيرة، فلمّا مسك أمير أحمد جهّز إلى مصر، و استقرّ البرناق في النّيابة، و في أيامه بنى الدار المعروفة بعمارة الخليفة، و عمّروا دار السعادة بصفد، و جدّد بها أماكن حسنة، و في أيامه ظهر الشخص الذي ادّعى أنّه‏

141

الملك المنصور أبو بكر في نهار الجمعة سلخ جمادى الأول، سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة، و كان أمره من العجائب العظيمة من جراءته فيما ادّعاه كيف ألقى نفسه إلى التّهلكة، ثمّ توجّه البرناق بعسكر صفد إلى الشام على أن يلحق أرغون الكامل في طاعة المصريين، فانقلب إلى جهة أمير أحمد و بيبغا أروس مغلوبا على رأيه في نهار الخميس ثامن شهر رجب سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة.

و في شعبان وصل متسلّم المقر الشّهابي ابن صبح فخر الدين استداره، و صارت الأخبار تصل إلى قلعة صفد من مصر إلى السلطان بعد خروجه منها صحبة سعاة و كان بلبان الحسامي في نيابة القلعة بصفد، فاجتهد و حصّن القلعة بالمناجيق و الرّجال، و جاءه رسول من بيبغا، و كتب باستمالته، فلم يوافق، و صمّم على طاعة المصريين، و سلم و قسم، و في عشرين شعبان انهزم بيبغا اروس، و أمير أحمد، و حضر ساعي إلى قلعة صفد بذلك، و كتب بذلك و جهّز صحبة ساعي، ثمّ بريدي إلى المخيم الشريف إلى منزلة قاقون، و كانت حركة عظيمة شكر فيها بلبان الحسامي نائب قلعة صفد، و نائب قلعة دمشق لم يوافق، و اجتهد في المناصحة فنالهما الإكرام‏ 25.

و هنا نكتة لطيفة، و هي أنّ سلامة الصّدور تنفع في كثير من الأمور، انظر كيف سلم بلبان الحسامي، بسلامة صدره مع مخاطرته بمخالفة نائب الشام بيبغا أروس، بعد أن قطع العقلاء و أرباب التجربة بأنّ الغلبة لبيبغا أروس، و عطب قرمشي مع حذقه و تجربته في المناصحة و الاجتهاد الزايد، بعد أن قطع العقلاء بأنّ الدائرة على بيبغا اليحياوي فانعكس الحال فسبحان الفعّال.

ثمّ دخل السلطان الملك الصالح إلى دمشق المحروسة في نهار الخميس مستهلّ شهر رمضان المعظّم، و رسم بتوسيط برناق، و جماعة من الأمراء بدمشق تحت القلعة في ثالث شوّال، ثمّ توجّه إلى مصر بعد صلاة الجمعة

142

سابع شوّال سنة ثلاث و خمسين، و في أيام الملك الصالح مسك الوزير علم الدين بن زنبور، فوجد له جوهر ستين رطلا بالدمشقي، كوافي مطعمه ستون قنطار بالدمشقي، ذهب مسكوك عين ستمائة ألف دينار، و حب لؤلؤ أردبين، أقبية و جنبينات و كواملي و سنجاب و غيره ألفان و ستمائة قطعة، أملاك مسقف، ما قيمته ثلاث مائة ألف دينار، معاصر سكر خمسة و عشرون معصرة و بها من القند و السّكر و الآلات ما لا يقوم، جوار سبعمائة جارية، عبيد مائة عبد، طواشيه ستون، مماليك خمسون، و ما وجد حاصلا في بعض القاعات سبعمائة ألف درهم، و في مكان آخر دراهم ثلاثين اردب، حوايص ذهب ستة آلاف حياصه، كلوتات ذهب سبعة آلاف، مراكب كبار خمسمائة مركب، شخاتير ماية سواقي، أربعمائة خيول، و بغال ألف رأس، حمير فاره خمسمائة، صيني قيمته خمسين ألف درهم، شاشات مختلفة ثلاثمائة شاش، نطوع قيمة كل نطع خمسمائة درهم، سبعة آلاف نطع، بسط مختلفة ستة و ثلاثون ألف بساط قماش، اسطبل القيمة عنه مائتا ألف درهم، مخازن بها مالا يقوم، أبقار ستة آلاف رأس، أغنام سبعة آلاف، و ذلك خارجا عمّا اختفى من ذخائره و ودائعه و كتب من السّخاوي نائب الحكم العزيز بالقاهرة المحروسة 26.

ثم حضر للنّيابة المقر الشّهابي ابن صبح في سابع شوال فأقام بها إلى سابع ذي الحجة سنة تسع و خمسين و سبعمائة، ثمّ نقل إلى حجوبة الشام، و كان رجلا عظيما مهيبا، ورعا فارس الخيل، شفوق على الرّعية، يقهر الظّلمة، و ينصح السلطان سرّا و جهرا، و يحب الفقراء و العلماء، صاحب صدقات و انفاق في الخير، ذا ثروة عمل حسابه عن سنة فاشتمل على ألف ألف و عشرة آلاف و مائة أحد و خمسون و ثلث و ربع و ثمن، و غلات خمسة آلاف غرارة و تسعمائة و ثمانية و خمسين غرارة و سدس و ثمن غرارة، و زيت أحد و خمسين قنطار، و أحد و ثمانين رطل، دبس أحد عشر قنطار و أحد و خمسين رطل، و قطن مائة ثمانية و خمسين قنطار،

143

و ثلاثين رطلا و ثلث، و أوز و مائتا طير و غير ذلك من الآلات و السّروج و الكنابيش و الخيول و البغال و الجمال، و المماليك، صرف نفقة مائة ألف و خمسة و أربعون ألفا، و صدقات ثلاثة و عشرون، و ثمن عمارة الجامع ستة آلاف؛ انعامات مائة و خمسة و أربعون ألفا، ثمن قماش للخزانة، مائتا ألف و سبعون ألف خيل و جمال، و طيور مائة ألف و خمسة و تسعون ألفا، ثمن ذهب مائة ألف و سبعون ألف، خيل و جمال، و طيور مائة ألف و خمسة و تسعون ألفا، ثمن ذهب مائة ألف و عشرة آلاف عن خمسة آلاف دينار، و صار الحاصل الذهب المذكور مائتا ألف، و الغلات و الأعيان المذكورة.

و في أيامه عمّر الجامع الشّهابي بالساحة فأحيى به صفد، و فتح عينها، و حصل به النّفع الكثير للمصلّين، و الغرباء القادمين، و بني به رواق برّاني برسم الفقراء لا يخلو من صالح، و جدّد الجامع الظّاهري و رمّم شعثه، و عمّر جامعا نافعا بعين الزّيتون و مأذنة و طهارة، و ساق الماء من عين الزيتون إليه، و حصل به النّفع الكثير و عمّر خانا بجسر يعقوب (عليه السلام)، حصل به النّفع الكثير صيانة للمسافرين، و عمّر خانا بقرية حطين، وقفا على نبيّ اللّه شعيب (عليه السلام) حصل به النّفع الكثير لأهل البلد و الغرباء، و عمّر جسرا على نهر الرّقاد و كانت ضرورة على المسافرين داعية إلى بنائه، و تضرّر الناس زمانا طويلا، حتّى أقامه اللّه تعالى لعمارته.

و في أيامه جرى في صيدا ما جرى من الافرنج‏ 27 فتوجّه إليهم بنفسه و أولاده و فكّ الأسرى من أهل صيدا من الافرنج بمال جزيل قام به من ماله، و غمر أهل صفد بإحسانه و صدقته، و كان له صدقة بصفد كل سنة نحو عشرين ألف درهم، و يجهز إلى مكة و المدينة و بيت المقدس، و مدينة الخليل (عليه السلام) غير ذلك جملة كثيرة، لا جرم أنّه نفعه اللّه بذلك وقت الضرورة لمّا حبس بالاسكندرية.

رأيت الخليل إبراهيم على نبيّنا و (عليه السلام) بمنامي، فقلت: يا خليل‏

144

اللّه الأمير شهاب الدين ابن صبح أحسن إلينا، و شرعت أعدّد ما فعله من الخير، و قد جرى له ما جرى.

فقال لا بأس عليه، فقلت: ادع له، فقال: ادع أنت و نحن نؤمّن على دعائك، فتوقفت تأدبا له، فقال: إذا دعوت و أمنا فكأننا قد دعونا، فدعوت بحضرته قائما مبتهلا، و هو و من بحضرته يؤمّنون، و هذه عناية، و لكنّ اللّه يمنّ على من يشاء من عباده، فكتبت إليه إلى الاسكندرية أبشّره ففرح و أعاد جوابي في ظاهر كتابي، و أكّد عليّ في الدعاء فلم يلبث إلّا أيام يسيرة و فرّج اللّه عنه و كتابه عندي، و كانت مدّة نيابته ست سنين و ثلاثة شهور و عشرة أيام.

و في ذلك الوقت مات السلطان الملك الصالح صالح ابن بنت المرحوم تنكز، ثمّ تسلطن و أعيد إلى الملك ثانيا أخوه الملك النّاصر حسن في ثاني شوال سنة خمس و خمسين و سبعمائة.

و لمّا توجه المقر الشّهابي ابن صبح إلى الشام حضر للنّيابة بصفد المقر الأشرف السّيفي منجك الهمام، أحد ملوك الإسلام صاحب الحل و النّظام، ذو العطايا و الإنعام، مسهّل الأرزاق مع الابتسام، صبيح الوجه، كريم النّفس، عفيف الفرج، رطب الأقلام، كثير الصّوم، قليل النوم، طويل القيام وصل إليه شي‏ء من شعر الرّسول عليه الصلاة و السلام، فبلغ به نهاية السّؤل و المرام، و لم يزل في وقاية و ذمام، و كان وروده من نيابة الشام بكرة الخميس ثامن عشر ذي الحجة سنة تسع و خمسين و سبعمائة و متسفره قرابغا الخاصكي، و كانت للمقر الأشرف السّيفي منجك إقامة بصفد قبل ذلك، و عامل الصفديين بلطف و إحسان، ففرحوا بنيابته، و ابتهجوا لذلك، فأحسن إليهم، و عاملهم بأعظم ما كان يعاملهم به من اللطف و الإحسان و لين الجانب، و كانت أيامه أيام خير، لكنه لم يقم إلّا أياما يسيرة ثمانية و خمسين يوما، ثمّ طلب إلى مصر فتوجّه في سابع صفر سنة ستين و سبعمائة.

145

ثمّ حضر للنّيابة بصفد المقر النّاصري محمد بن طوغاي، و متسفره الأمير سيف الدين اشتقمر، صبحة نهار الأحد سادس عشرين جمادى الأوّل، فكانت نيابته ثلاثة شهور، و ثلاثة أيام.

ثمّ حضر للنّيابة بصفد المقر العزي ازدمر الخزندار، يوم الإثنين ثامن جمادى الآخر سنة ستين و سبعمائة، و متسفره جلبان، فظهر منه خير عظيم تامته بالحكم لعلمه و حلمه، فحصل لأهل صفد به الخير الزائد من الإحسان و النفقة مع العفّة، و الورع و المهابة، و اللطف، و العمل بالشّرع لا يخرج عن حكمه أصلا، و كان ينصر الضعيف، و يقمع المتجبّر، و لا تأخذه في اللّه لومة لائم، ثمّ نقل إلى نيابة حماة في ثالث عشرين رجب، و كانت نيابته خمسة و أربعون يوما، فتأسّف الخلق عليه، و شقّ عليهم فراقه.

ثمّ حضر بعده للنّيابة المقر العلائي أبو علي المارداني، الرّجل الصالح، لم يختلف فيه اثنان، المعروف بالعدل و الإحسان، و اتباع الشّرع المطهّر مدى الزمان، الموصوف بلين الجانب، فإذا قام في حد نهض كالأسد الغضبان، نهاره في الحكم و العلم، و ليله في التهجّد و تلاوة القرآن، فغمرنا بفضل كالسّحاب الهطّال، و كانت دولته كدولة المهدي آخر الزمان، ثمّ توجه مع السلامة إلى ناحية حماة في نهار الأحد ثالث عشرين المحرّم سنة إحدى و ستين و سبعمائة، فكانت نيابته خمسة شهور و اثنين و عشرين يوما.

ثمّ حضر للنّيابة بصفد المقر الرّكني أمير عمر بن أرغون، من نيابة غزّة بكرة نهار السبت سادس صفر سنة إحدى و ستين و سبعمائة، و متسفره أرغون المسعودي، و كان أمير عمر كبير القدر، محتشم، طاهر اللسان، ملازم التلاوة، سخي يجمع الفقهاء و الأمراء في كلّ ليلة جمعة و يعمل لهم وقت حسن، و تألف بأهل البلد، و أحسن إليهم.

146

و في نهار الأربعاء تاسع جمادى الأول سنة اثنتين و سبعمائة قتل السلطان الملك النّاصر حسن، ثمّ تسلطن الملك المنصور محمد بن الملك المظفّر في أيام نظام الملك يلبغا، و نزل به إلى الشام في وقعة المقرين السّيفين، أسدمر، و بيدمر، ثمّ طلب أمير عمر إلى مصر في نهار السبت حادي عشرين رجب سنة اثنتين و ستين و سبعمائة فتوجه في سابع شعبان.

و حضر بعده للنّيابة المقر السّيفي ملكتمر المحمّدي الغتمي، شكل حسن، و خلق حسن، لكنّه غتمي لا يعرف العربية، فحصل به مشقة، و كان إذا جاءه خصم لا يعرف بالتّركي يضحك، و يقول: ما تعرف بالتّركي؟! فيقول: لا، فيضرب يدا على يد، و شنّع عليه أنّه حكم بين اثنين، و كان أحدهما يعرف بالتّركي، فقال هذا معه الحق لأنه قال بالتّركي الحق معي، ثمّ لطف اللّه و نقل عن قريب إلى نيابة طرابلس فكانت مدّة نيابته ثلاثة و خمسون يوما في أيام وقعة المقر السّيفي بيدمر بقلعة دمشق.

ثمّ حضر للنّيابة بصفد المقر الأشرف الزيني منكملي بغا الشّمسي، بكرة نهار الأحد ثاني شوّال سنة اثنتين و ستين و سبعمائة، فظهر له من الشّهامة و الشجاعة و النّزاهة و العلم و الدّين و الورع و العفة، و الصّيانة، و المهابة، و اللطف، و الحزم و العزم، و إصابة الرّأي، و كمال العقل، و صدق اللسان، و وفاء الوعد، و العفو و الصّفح، و إقامة الحدود، و حسن السياسة و استغراق الوقت في دقائق العلوم، و تجنّب المقت، و رياضة النّفس بما ينفع في الحرب، مع الفحص عن أحوال الخاصّة و العامّة، و السؤال عن أولياء الأمور، في هذه المملكة، فهو رجل العالم في زماننا.

شعر:

وحيد المعاني و المعالي فريدها* * * يقصر عن امداحه النّظم و النّثر

فلا زال في عزّ و جاه و رفعة* * * و خدامه التأييد و السّعد و النّصر

فأقام في النّيابة بصفد نحو سنة، فحصل به كل خير، ثم نقل إلى نيابة

147

طرابلس في رمضان سنة ثلاث و ستين و سبعمائة فكانت نيابته أحد عشر شهرا و ثلاثة أيام، ثم نقل إلى نيابة حلب، ثمّ إلى نيابة الشام في مدّة يسيرة، أبقاه اللّه تعالى للإسلام.

ثمّ عاد إلى نيابة صفد المقر العزي ازدمر الخزندار، و هو أوّل نائب عاد إلى صفد بعد الخروج منها، حضر في نهار الأحد سابع شهر رمضان المعظّم سنة ثلاث و ستين و سبعمائة، فسرّ الخلق بعوده، و استبشروا برفوده، فأحسن إليهم، و تلطّف بهم، و صار كواحد من أهل البلد أعظم من الأمير سيف الدين أرقطاي مع قصر المدّة، و اتّفق وقوع الطّاعون في شعبان، و رمضان من سنة أربع و ستين و سبعمائة بالبلاد المصرية و الشّامية.

و في رابع عشر شعبان من هذه السّنة خلع الملك المنصور، فكانت دولته سنتان و ثلاثة شهور، و خمسة أيام، و تسلطن بعده السلطان الأشرف شعبان بن حسن في أيام يلبغا، بكرة نهار الثلاثاء منتصف شعبان سنة أربع و ستين و سبعمائة، و لم يقع بصفد شي‏ء من الطّاعون في تلك المدّة، و رأى النّائب تلك الرّؤيا الغريبة، و ملخّصها أنّه أمر في المنام بذبح بقرة و يفرق لحمها على النّاس، و أنّ ذلك يدفع الوباء، فذبحها و فرّقها على النّاس، فعملت بذلك خطبة عجيبة، و بقي أهل البلاد الصّفدية شامة بين البلاد في أمر الطّاعون ببركته و حسن نيّته.

حكى لي أنّه في كلّ ليلة يطلع إلى مكان يشرف على البلد فيعّوذ سائر أهل البلد.

ثمّ نقل إلى نيابة حماة نهار السبت تاسع شوّال سنة أربع و ستين و سبعمائة، و كانت نيابته ستة شهور و خمسة و عشرون يوما، و بمجرّد ذهابه وقع الطّاعون بصفد.

ثمّ حضر المقر السّيفي قشتمر المنصوري من نيابة الشام في نهار

148

الإثنين ثامن عشرين شوّال سنة أربع و ستين و سبعمائة، و متسفره الدّوادار اقبغا الحجازي، و كان قشتمر رجل كبير القدر، كثير الخير، عديم الشرّ إذا وعد و فى، كثير الإنعام و الإحسان ملازما لمدارسة القرآن، و في أيامة عمرت المأذنة بالجامع الظّاهري، حين وقعت الصّاعقة بها فاحترقت، و كانت صاعقة عظيمة كتب بسببها إلى المقر السّيفي يلبغا نظام الملك الشّريف، فجهّز لها ذهبا كثيرا، و عمرت به أحسن ما كانت، و أقام المقر السّيفي قشتمر من ماله بألف درهم لترميم الجامع، فعمّر الجامع في أيامه، ثمّ كتب إلى مصر يطلب له وقفا فاشترى نظام الملك يلبغا من ماله قرية من البلاد الصفدية يقال لها سعسع، و وقفها على الجامع أن يرصد منها في كلّ سنة برسم القناة التي أنشأها بصفد ألفا درهم، فحصل في أيامه لهذا الجامع خاصّة، و لأهل صفد عامّة كل خير، ثمّ قلق المقر السّيفي قشتمر، و تولّع بالتوجه إلى مصر، فطلب فأجيب، فتوجّه في ثامن شعبان المكرّم سنة خمس و ستين و سبعمائة، و كانت نيابته تسعة شهور و عشرين يوما.

فهذا ذكر نوّاب مدينة صفد المحروسة من الفتوح و إلى آخر المدّة المذكورة أربعة و أربعون نائبا من الفتح إلى أرقطاي سبعة عشر نائبا، و من أرقطاي إلى آخر المدّة سبعة و عشرون نائبا.

و أمّا نوّاب القلعة المنصورة:

فقد تقدّم أنّ النيابة كانت أوّلا بالقلعة إلى أن فتحت عكّة و تمدنت صفد، ثمّ استقرّ بعد ذلك نائبان أحدهما بالقلعة، و الآخر بالمدينة، فمن أوائل نوّاب القلعة بمفردها الجوكندار سنة خمس و سبعمائة، ثمّ بلبان الشّمسي سنة إحدى عشرة و سبعمائة، ثمّ كانت نيابة ايدمر الشّجاعي في سنة أربع عشرة و سبعمائة، ثمّ كانت نيابة الطنطاش سنة عشرين و سبعمائة، ثمّ كانت نيابة طوغان سنة إحدى و عشرين و سبعمائة، ثمّ كانت نيابة أقطوان سنة أربع و عشرين و سبعمائة، ثمّ كانت نيابة تلكتمر

149

سنة تسع و عشرين و سبعمائة، ثمّ كانت نيابة أراق سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة، ثمّ كانت نيابة قرمشي بن أقطوان سنة ست و أربعين و سبعمائة، و اجتهد في عمارة القلعة، و تحرير حواصلها، و لم يزل يجتهد في أمرها حتى جرت الفتنة بالشّام نوبة يلبغا اليحياوي، فطلب قرمشي إلى دمشق، و حبس بقلعتها، ثمّ انقطع خبره بعد ذلك، ثمّ كانت النّيابة للأمير بدر الدين حسن المرواني سنة سبع و أربعين و سبعمائة، ثمّ استعفى فأعفي، ثمّ حضر لنيابة القلعة شعبان السّلحدار سنة ثمان و أربعين و سبعمائة، ثمّ عزله المقر الشّهابي أمير أحمد.

و كان أول المكيدة التي رتبها لأخذ القلعة، و جعل في القلعة أميرا شيخا يقال له جركس سنة خمسين و سبعمائة، ثمّ أخذ الأمير أحمد القلعة بمكيدة دبّرها ملخّصها: أنّه بدأ بإضافة البحريّة إلى عسكر المدينة، ثمّ فرّق رجالها المستخدمين في الأشغال، ثمّ خزن مغله بالقلعة على عادة النوّاب، و جهّز طلب نائب القلعة في شغل، و كان شيخا فانيا، ثمّ جهّز استداره لبيع المغل، و معه جماعة من شداد مماليكه، ثمّ جهّز جماعة في شغل إلى استداره، ثمّ جهّز جماعة يطلبونه إلى المدينة، و استمرّ أولئك بالقلعة، و نزل استداره، ثمّ طلع و معه نحو عشرة ملبسين، فشهروا السّلاح بباب القلعة، و نزل أولئك الذين كانوا من قبل، فلم يتمكن أحد من دفعهم، فملكوا القلعة، و أخرجوا منها أهلها، فلمّا جرى ما جرى، و نزل من القلعة حضر بلبان الحسامي في سنة إحدى و خمسين و سبعمائة ثمّ كانت واقعة بيبغا أروس و أمير أحمد، و توجّه نائب صفد البرناق و غيره من النّياب، و صمّم بلبان الحسامي على طاعة مصر، فكان النّصر لحزبه فناله الإكرام و الشّكر و الثّناء، ثمّ توفي و هو أول نائب كان موته بالقلعة، و كان من أهل الخير و الصّلاح و العلم.

ثمّ حضر ابن لاقي الأمير شهاب الدّين أحمد من أهل دمشق (أيضا ابن لاقي جدي)، في سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة، و هو من أهل الخير

150

و الدّين و الرئاسة فأقام مدة مكرها ثمّ أعفي، و كانت نيابة طيبغا الإبراهيمي سنة خمس و خمسين و سبعمائة، و كان من أهل العلم و الدّين كثير الصّدقة، فأقام مدّة، ثمّ كانت نيابة الأمير صلاح الدّين القرمشي ابن الخشّاب، و اجتهد في عمارة القلعة على طريق خاله قرمشي، و جدّه أقطوان، و جدّد جامع القلعة، و عمل به مدرسة للمشتغلين في العلم:

مدرّس و عشرة فقهاء، و ميّز لذلك معلوما جيّدا، و استقرّ الأمر كذلك إلى آخر وقت، و فرغ في أيامه برجين من أبراج القلعة، و ميّز جهات القلعة و غيرها، و لم يزل مجتهدا في عمارتها ليلا و نهارا حتّى أحيى ما دثر منها، و أثر فيها آثار الخير المشهورة، و مكارمه المأثورة، و همّته العالية المشكورة و أمانته التي حكمت له باسعافه و عفته التي ورثها عن أسلافه أشبه والده في شهامته و جدّه، و حوى عدل خاله و معرفته، و إحسان جدّه، فاجتمع فيه ما تفرّق في غيره عمّه اللّه بإنعامه، و خيره إلى أن طلبه المقر السّيفي بيدمر نائب الشام، و سلّمه نابلس.

و استقرّ في نيابة القلعة طاجار شيخ كبير، شهر الحجّة سنة إحدى و ستين و سبعمائة، فمات بها، ثمّ كانت نيابة قطلوبغا الإبراهيمي في سنة اثنين و ستين و سبعمائة، فلم يزل بها إلى أن مات في طاعون سنة خمس و ستين و سبعمائة، و دفن بحطّين.

فهؤلاء نوّاب القلعة المنصورة إلى آخر المدة المذكورة.

و أمّا الحجّاب بصفد:

فكان أولا علاء الدين الصايغ أمير عشرة، ثمّ حسام الدين بن درباس أمير عشرة، ثمّ الصارم باني الحمّام، ثمّ أقطوان أمير طبلخاناه، و كان قبل ذلك شاد الدواوين، ثمّ شجاع الدين غرلو، ثمّ اقطوان مرة ثانية، ثمّ بيبرس العلاوي أمير طبلخاناه ثمّ أمير محمود بن خطير، ثمّ قرمشي، ثمّ دقماق، ثمّ ابن الخازن.