تاريخ صفد

- محمد بن عبد الرحمان الحسيني العثماني المزيد...
280 /
151

و أمّا أرباب الوظائف الدينية:

من: القضاة، و الخطباء، و وكلاء بيت المال المعمور، فعقيب الفتح كان بصفد القاضي جلال الدين النهاوندي، نيابة عن قاضي القضاة إمام الدين أخي قاضي القضاة جلال الدين الخطيب الحاكم بدمشق، فأقام مدّة طويلة، و نهاوند بضم النّون، ثمّ مات فولي القاضي فتح الدين العسقلاني سنة ست و سبعمائة، نيابة عن قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الحاكم بدمشق، ثمّ استقرّ القاضي شرف الدين النّهاوندي قام مدّة ثمّ تنقل في جهات كثيرة: نابلس، و عجلون، و طرابلس، و في تلك المدّة تولى قاضي القضاة حسام الدين القرمي استقلالا، ورد على صفد فقيرا صوفيا مجرّدا، فعرفه نائبها، فكتب فيه إلى مصر، فاستقرّ و أقام مدّة، ثمّ نقل إلى طرابلس و تولّى فتح الدين القيلوني، و كان كبير القدر، و له مصنّفات، فأقام مدّة، ثمّ توجه إلى مصر رغبة عن القضاء باختياره، ثمّ تولى قاضي القضاة ناصر الدين الزّرعي، فأقام مدّة، ثمّ نقل إلى طرابلس.

فتولى صفد شيخنا قاضي القضاة جمال الدين التبريزي سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة، و كان من العلماء الفضلاء المتّقين، له مصنّفات، فأقام مدّة، ثمّ توجه إلى مصر، ثمّ عاد قاضي القضاة النهاوندي إلى القضاء بصفد، و استمر إلى سنة سبع و ثلاثين و سبعمائة.

ثمّ تولّى شيخنا قاضي القضاة شمس الدين الخضري، و كان فقيها عظيما جليل القدر، جميل الذكر، حسن السّيرة من أجلّ من لقيت، و من أكمل من صحبت، لزمته نحو عشر سنين انتفعت به، و كان مفننا في العلوم، آية في التدريس، دربا بالأحكام موفقا فيها، فأقام إلى أيام بلك، ثمّ رغب عن القضاء، و توجه إلى دمشق، و كان سببه أنّ بلك طلب منه قرضا من حر مال الأيتام، فقال: لا بد من رهن منقول، فلمّا تحقق أنّه يأخذ منه بلا رهن، ركب بغلته و توجّه إلى دمشق، و رغب عن وظيفته‏

152

ابتغاء وجه اللّه، و خوفا من عقوبته، لا جرم كان له بصفد في الشّهر أربعمائة، فعوّضه اللّه كل شهر بنحو ألف و خمسمائة.

ثمّ حضر بعده للقضاء بصفد قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن عبد اللطيف القرشي من بيت علم و رئاسة لكنّه من القضاة المتساهلين، وقع في أيامه أمور تخشى عاقبتها يوم الدين، و في آخر أيامه، كنت عنده يوما فجاء فقير يسأله، فردّه و نهره، فأعاد سؤاله فزبره: فقال أنا فقير، و قد أمسيت مضرورا، فغضب فأمر به فضرب، فشفعت فيه، و تعلّقت به، و هو من الغضب لا يعقل، فتركته و مضيت و قد تأذيت ممّا سمعت و رأيت، فرأيت في تلك الليلة بالمنام رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) واقفا تجاه دار القاضي، و هو غضبان غير راضي، و كان من باب القاضي إلى طرف الشارع حبلا مشدودا فقال لي رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم): اقطع حبله فعالجته فوجدته قويا شديدا، فلما فهم الرسول أن فعلي لا يجري، جاء إليّ و وضع يده الشّريفة فوق يدي، فجذبت الحبل فتقطّع، و أشار الرسول بيده، و جعل يقول، و أنا أسمع: قال فقير، قال فقير، يحكي قول القاضي و إلى بابه يشير قطعه اللّه، قطعه اللّه، قطعه اللّه، فتيقظت مرعوبا، و كان عزله بعد ذلك قريبا.

ثمّ حضر إلى قضاء صفد الشّيخ صدر الدين بن الخابوري، فأفادنا عجائب، و علقنا عنه غرائب، و كان حسن الخلق، كريم النّفس، غزير العلم عمدة الفتوى، قدم رجل من الصفديين فتوى بدمشق إلى شيخ الإسلام فخر الدين المصري، فقال:

من أين أنت؟ فقال: من صفد، فقال: عندكم الشيخ صدر الديين الخابوري و تسألني! فأقام مدّة، ثمّ نقل إلى طرابلس.

و حضر إلى قضاء صفد شيخ الإسلام زين الدين عمر بن البليغاني، فقيه المصريين، و أجل من تولى صفد، بل أفضل من دخلها في العلم إلى‏

153

بحثه و تدقيقه و تحقيقه المنتهى، لزمته أنا و أخي علاء الدين، فانتفعنا به، و أذن لنا، و كان وروده في المحرّم سنة تسع و أربعين و سبعمائة، و في ربيع الآخر من هذه السنة وقع الطّاعون العظيم فاستشهد به و مات فيه بعد ما صلّى الصّبح قائما، ثمّ جلس يذكر اللّه، ثمّ استند إلى صدري فمات لوقته، و ماتت زوجته قبله، فلمّا دفنها قام يصلي فطوى فراشها و صلّى على الأرض، فقيل له في ذلك، فقال: بقي لي فيه شريك، و لمّا مات حضر ملك الأمراء بصفد، و أهلها و تكلّموا في دفنه، و دفنته بتربة جدّي الشيخ كمال الدين طلبا لبركته، و سهول زيارته.

ثمّ تولّى بعده القاضي شمس الدين قاضي الناصرة في جمادى الأول سنة تسع و أربعين و سبعمائة، و كان من أهل الخير و الدين و العفّة عن أموال المسلمين، كثير الصّدقة، ظاهر الحشمة، مأمون القايلة، و هو باق إلى آخر المدّة المذكورة.

و أمّا الخطباء بصفد:

فعقيب الفتح كان جدّنا الشيخ كمال الدين العثماني حضر صحبة العلائي، ثمّ توجّه إلى مصر فأقام مدّة يسيرة و خطب في تلك المدة جمال الدين عبد المنعم، و كان رجلا صالحا متقشّفا، ثمّ عاد الشيخ كمال الدين العثماني إلى وظيفته، جهّزه الملك الظّاهر لذلك حين طلبه نائب صفد العلائي، و أثنى عليه بين يديه، و أخبر أنّه من الأولياء الأكابر، فأحضره و عظّمه و وقره، و أكرمه، و طلب دعاءه رجاء بركته، و أعاده إلى وظيفته، و فوّض إليه أمر القلعة و رجالها، و قرّر ولده شرف الدين حسين بن الكمال ناظرا على أموالها، فلمّا أعاد الشيخ كمال الدين دخل إلى الجامع، فوجد الشيخ جلال الدين فخجل، و استحيى فتغيّب بخجله فقام إليه و عانقه و قال: الخجل بي أليق، لأنّي تهجّمت على وظيفتك، و إنّما كنت أنوب عنك فرحمهما اللّه، فاستمرّ الشيخ كمال الدين خطيبا دهرا طويلا إلى أن مات في سنة احدى و سبعمائة، فاستقرّ ولده الشيخ نجم الدين‏

154

فأقام إلى أن تولّى كراي المنصوري نيابة الشام، فتوجّه معه و استقرّ جلال الدين البصري، و كان رجلا صالحا عالما، ثمّ عاد الشيخ نجم الدين إلى وظيفة الخطابة، و كاتب السرّ، ثمّ انقطع في الخطابة في المدينة، و بالقلعة أيضا، فيقيم من جهته في القلعة من يختاره، و رغب عن كتابة السرّ، و جدّ في العبادة، و نفع الناس بالاشتغال في العلم، فتخرّج به جماعة، و صاروا أئمّة إلى أن مات في سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة، فاستقر ولده كمال الدين محمد العثماني، إلى أن مات في ثالث جمادى الآخرة سنة تسع و خمسين و سبعمائة، صلّى بالنّاس الصّبح بالجامع، ثمّ دخل إلى بيته فمات من ساعته، فاستقرّ في الخطابة مؤلفة محمد بن عبد الرّحمن الحسيني العثماني، فهو الخطيب إلى تمام المدّة المذكورة.

و أمّا خطباء القلعة:

فالقاضي جلال الدّين النّهاوندي، ثمّ ولده شرف الدّين، ثمّ زين الدّين أبو حلاوات، ثمّ الشيخ زين الدين عبد السلام، ثمّ الشيخ نجم الدين مع خطابة المدينة، ثمّ أخوه برهان الدين بن الكمال، ثمّ العبد مؤلّفه، ثمّ أخوه شرف الدين حسين إلى آخر المدة المذكورة.

و أمّا وكلاء بيت المال:

فالشّيخ علاء الدين بن طرخان، ثمّ جمال الدين حسين البصري، ثمّ علاء الدين بن طرخان ثانيا، ثمّ الخطيب شمس الدين بن العماد، و انتقل منها إلى خطابة القدس الشريف، ثمّ الشيخ علاء الدين بن الرسّام، ثمّ الشيخ ناصر الدين البلبيسي، ثمّ الشيخ علاء الدين بن النّهاوندي إلى آخر المدة المذكورة.

و أمّا أرباب الوظائف الديوانية:

فأول من استقر في كتابة السرّ عمّي الشيخ نجم الدين بن الكمال، عملت له في أيام الألبكي، و كان قبل ذلك كتب لكلّ نائب كاتبه،

155

فعمل الشيخ نجم الدين و هو شاب كلّ شهر مائة درهم، ثمّ زيدت له قليلا حتّى صارت خمسمائة درهم، و تخرّج به جماعة في ذلك الفن منهم:

زين الدين بن حلاوات كان تاجرا، فلزمه و انتفع، و مهر في كتابه الأشياء، و نظم و نثر، فلمّا توجّه الشيخ نجم الدين إلى دمشق، استقرّ ابن حلاوات في الوظيفة، ثمّ عاد الشيخ نجم الدين مباشرا مع الخطابة، ثمّ اشتركا في التوقيع و الخطابة، ثمّ انفرد الشيخ نجم الدين مباشرا مع الخطابة بسؤاله، و استمرّ زين الدين بن حلاوات في كتابة السرّ بمفرده، ثمّ بعده بهاء الدين بن غانم، و كان فاضلا كبيرا، ثمّ شمس الدين ابن منصور موقع غزّة، ثمّ جمال الدين بن رزق اللّه و كان كبير القدر، جميل الذّكر كثير الأريحيّة، عظيم العصبية، ما قصده أحد إلّا قام معه.

رأيته بمنامي بعد وفاته، و هو يكتب ورقة لفقير فقلت له: لم تكتب؟ فقال: و اللّه ما نفعني إلّا كتابة هذه الأوراق، ثمّ رأيت رجلا من أعز أصحابي من أهل القرآن، فأخبرني عن القاضي جمال الدين بن رزق اللّه أنّه من أهل الجنّة.

ثمّ ولده القاضي بدر الدين بن رزق اللّه العمري، الرئيس المشهور، و الجواد المذكور، و لم يباشر هذه الوظيفة أحد كمباشرته، و كان له حرمة كحرمته، النوّاب يكرمونه، و المصريون و الشّاميون يعظّمونه، فأقام فيها زمانا طويلا حتى عرفها جملة و تفصيلا، و له صدقات و هبات و مكارم و صلات.

ثمّ شمس الدين قاضي شهبة، فريد وقته، و علامة زمانه، ثمّ عاد القاضي بدر الدين بن رزق اللّه، و استمرّ إلى آخر المدة.

و أول نظّار بيت المال:

جمال الدين بن الكريدي، ثمّ عماد الدين ابن النويري، ثمّ جمال الدين ابن ريّان، ثمّ كريم الدين الصغير، ثمّ شمس الدين بن سكرة ابن عم‏

156

ناظر الجيش، أسن منه، و كان فاضلا ديّنا، ثمّ شرف الدين كسيرات لم ير مثله في زمانه في حسن الشكالة، ثمّ فخر الدين بن المنذر، ثمّ جمال الدين بن ريّان ثانيا، ثمّ شرف الدين بن عطيّة، ثمّ ناصر الدين بن مقبل، ثمّ علاء الدين بن الموصلي، ترك نظر الجيش، و تولى نظر المال لأجل ابن الصّيرفي، ثمّ عمل عليه و أفسد حاله، ثمّ معين الدين بن الكريدي، ثمّ تاج الدين بن مشكور، ثمّ ناصر الدين منهال، ثمّ علاء الدين بن مزهر، ثمّ صلاح الدين بن المعين، إلى آخر المدة المذكورة.

و أول نظائر الجيش:

علاء الدين علي بن محمد بن أحمد بن ظاهر المدني العباسي، كان جدّه أحمد مؤذّن الحرم الشّريف النّبوي، فأخذه نور الدين الشهيد عند توجهه للحكاية المشهورة التي رآها بالمنام‏ 28 و يعرف بابن المرستاني، لأنّ نور الدين فوض إليه أمر المرستان في عمارته، ثم في مباشرته، ثم شمس الدين بن الحافظ، ثم عماد الدين ابن المنذر، ثمّ بهاء الدين بن سكره، ثمّ نقل إلى وزارة الشام، ثمّ شرف الدين حسين بن ريان، و كان من الفضلاء، ثمّ عماد الدين بن الموصلّي، ثمّ بدر الدين بن رزق اللّه العمري، ثمّ صلاح الدين أخوه، قد تخرّج بأخيه، و سار على سيرته و سيرة أبيه في الجود، و الفتوّة و العصبية، و المروءة، ثمّ بدر الدين بن أحمد، ثمّ صلاح الدين العمري ثانيا إلى آخر المدّة المذكورة.

157

فصل لبيان الأعيان من الصفديين‏

إلى آخر المدّة

و هو قسمان: الأول منسوبون إلى الصّلاح و الزّهد، الثاني منسوبون إلى العلم و السيادة.

القسم الأوّل‏

منهم الشيخ الصالح العارف القدوة الولي عبد المحسن، كبير القدر و السّن، كان هنا عقيب الفتح، و استمرّ مدّة طويلة يقصد للزّيارة و البركة، و كان عظيم المهابة مجاب الدعوة، أخبرني والدي (رحمه الله تعالى) قال: شاهدت له كرامات غزيرة، و حفظت من لفظه استغفارا وجدت بركته، و هو: «اللهم إنّي أستغفرك من كلّ ذنب تبت إليك منه، ثمّ عدت فيه، و أستغفرك من كلّ عمل أردت به وجهك فخالطه غيرك، و أستغفرك من كلّ نعمة أنعمت بها عليّ فعصيتك بها، و أستغفرك يا عالم الغيب و الشهادة من كلّ ذنب أتيته في ضياء النّهار و سواد الليل في ملاء و خلاء، و سرّ و علانية، يا حليم».

و منهم الشيخ كمال الدين محمد العثماني جدّي الخطيب، كان من الأولياء الزهّاد العبّاد، عظيم الهمّة و الاجتهاد، كافل الأرامل و الأيتام، متحرّي في طلب الحلال، و ترك الحرام، و رزق ذريّة مباركة، و كان عظيم المهابة، مجاب الدعوة، عظيم ما له نظير في زمانه و وقته في التّواضع، و لين الجانب و الشّفقة، و الرّحمة، لا يمسك شيئا من الدّنيا و لا يبيت إلّا على فاقة، مع سعة الرّزق لكن لكثرة أتباعه و عظيم سخائه، ولد بدمشق سنة ست و عشرين و ستمائة، و نشأ بها، فلمّا كانت نوبه هلاؤون، خرج بنيّة قصد الدّيار المصرية، فأسره التتار مع جماعة من أصحابه، فربطوهم و لم يربطوه حياء منه، لحسن شكله، و ظهور نوره، و قالوا: لا تهرب، فلمّا كان الليل نام التتار و الأسارى، و قام هو يتهجّد و يتضرّع، فقالوا: اذهب‏

158

لشأنك، فقال: لا إلّا أن تطلقوا أصحابي معي، فلامه أصحابه و قالوا له:

انج بنفسك، فقال: أرجو أن نذهب جميعا، فناموا و قام يتضرّع، فلمّا كان آخر الليل جاءت صرخة عظيمة تفرّق التتار منها، و هربوا على وجوههم، و لم يعلموا السّبب، فقام الشيخ كمال الدين فحلّ بعض الأسارى، ثمّ حلّ بعضهم بعضا، و انصرفوا جميعا، و تحققوا أنّ ذلك ببركته.

و من زهده و قناعته أنّ أخاه مجد الدين كان قاضيا بقونية، من بلاد الرّوم فمات و خصّه من إرثه بحكم الرّبع، و الثّمن مع بنت و زوجه نحو ثمانين ألف درهم، و جاء مملوكه بمال، و قال: تجهّز به و توجّه معي لتقبض ما تستحقه، فأبى و قال كيف أترك أرض الشام، و أتوجّه لطلب الدّنيا، و لعلّي أموت هناك، فكرّر عليه فقال: و هبتك ما أستحقه، فقال:

خذ ما جاء معي من المال، فقال: لا حاجة لي به فإنّي بخير، و ما أعلم هذا المال من أين أصله، و لا كيف جمع.

أخبرني أبي (رحمه الله تعالى) قال: رأيت الشيخ شرف الدين المنجنيقي، و كان من الصالحين بعد موته، فقلت: ما فعل اللّه بك؟ قال سامحني، و غفر لي، و أدخلني الجنّة، فقلت: رأيت جدّي الشيخ كمال الدين؟

فقال: نعم، فقلت: أين هو؟ فقال ذاك في الفردوس الأعلى، لقيامه بالليل، و كان الشيخ عبد المحسن الذي تقدّم ذكره يقول: الشيخ كمال الدين مقدّم الرّجال في قيام الليل.

و من فضيلة شرف الدين نسبه و اتصاله بأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه، فإنّه: محمد بن الحسن، بن مفرج، بن عمرون، بن عبد اللّه، بن عقيل، بن يحيى، بن علي، بن عبد العزيز، بن علي، بن الحسين، ابن محمد، بن عبد الرحمن، بن القاسم، بن الوليد، بن عبد الرحمن، بن أبان، بن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه.

و منهم الشيخ يوسف بن شمخ الحمراوي رجل كبير القدر، مقيم بزاوية الحمراء من أيام الإفرنج و كانوا يعتقدوه و يزوروه، بلغني أنّ‏

159

صاحب القلعة كان يحبّه و يزوره، و سببه أنّه جاء إليه و قال: بلغني أنّكم تدخلون النار فلا تضرّكم، فقال: لا إله إلّا اللّه تطفى‏ء النار، فسأله أن يظهر له آية ذلك، فأمر بإيقاد نار، ثمّ طلب ولد له في غاية اللطف، و التوقر، و حسن السمت، يخجل الإنسان من النظر إليه، فأمره بالدخول في تلك النار، و قد تأجّجت، فدخلها غير مكترث و لم يأبه بها، يذكر اللّه حتّى طفيت، فبهت الإفرنجي، و صار يعتقدهم و يزورهم.

و من غرائب أحواله أنّه أقعد في آخر عمره، فكان إذا عمل السّماع نهض قائما و رقص كالصّحيح، فإذا فرغ من السّماع سقط مكانه، قيل إنّ الرّجل الذي ذكره شيخ الإسلام برهان الدين بن القرداح في كتابه «حل القناع عند حل السّماع» هو هذا الرّجل: و من ذرّيته السّنية، و فروضه الزّكية، الموقوف بمقالته، و المبرز في عدالته، و المجمع على جلالته، معتمد الحكام و المرجوع إليه عند الخصام، من سار ذكره و اشتهر الشيخ زين الدين عمر الحمراوي، الشّاهد الشّافعي، لم تعرّف له كبوة، و لا مين، لا جرم شهادته عندي كشهادتين، عقله رزين، و دينه متين، و مروءته غزيرة، و فضائله كثيرة، دأبه تلاوة القرآن، و حوائجه الإخوان، و الصّيام و القيام، و عدم المزاحمة على الحطام، و حياته رحمة، و مماته نقمة.

و منهم الشيخ عمّار العكبري، جد المشايخ بزاوية عكبرا اليوم، كان كبير القدر، مقيم بزاوية عكبرا، و من أهم أولاده الشيخ عبد اللّه، كبير القدر، صاحب كرامات، و للشيخ عبد اللّه ولد يسمّى أحمد صالح خامل، و هو إلى الآن موجود بالزّاوية، و من كرامات الشيخ عمار أن بيته انهدم، و لم يكن له ما يعمره به، و كان به جسران في غاية الحسن، فعمّر صاحب عكبرا في ذلك الوقت عمارة احتاج إلى مثل الجسرين، فرآهما فأخذهما، فقيل له عنهما، فلم يلتفت إلى القول، فطفر الدّم من فمه و دبره في الحال، و أشرف على الهلاك، فأمر بحمل الجسرين إلى مكانهما، و عمّر البيت بنفسه، و بنى الزّاوية و هي الآن.

160

و هذا الشيخ عمار، هو خادم الشيخ ضحيان، و كان كبير القدر، و مرّ على عكبرا، أيام الافرنج عند مجيى‏ء السلطان الملك الظّاهر لفتح صفد، فتواطى‏ء أهل عكبرا و الحقاب مع الافرنج لإحسانهم إليهم، فلمّا فرغ الفتح قصد السلطان قتل القريتين، فجاء إليه الشيخ ضحيان يشفع، فشفعه و أنزله و أضافه بأرض زاوية الشيخ عمار، و لم تكن عمرت بعد، فأعجب به، و مال إليه كثيرا، فعرض عليه أن يوقف عليه عكبرا، فلم يوافق، و بالغ معه، و قال: لا بدّ من ذلك، فقال إن كان و لا بد، فهذه الأرض التي فيها السلطان، ثمّ أعطاها لخادمه الشيخ عمار.

و كان معه فقير آخر كبير القدر، يقال له الشيخ علي المجنون، فعرض عليه الحقاب، فقبلها فوقفها عليه و على ذرّيته، و هي إلى الآن وقفا عليهم.

و من الفقراء المشهورين بصفد الشيخ عبد أسود، موله سليم الصّدر، جاء مرّة إلى قاضي صفد، و قال: قد فكرت في مصلحة أشاورك فيها، فقال: ما هي؟ قال اتفقت مع امرأة أتزوّج بها، و أنت تزن نقدها، و تنفق عليها، و تكسوها، ما هذه مصلحة؟ فقال القاضي: لا، فعزم على الترك، فلاطفه القاضي و زوّجه بها، ثمّ لم تنتفع به المرأة لاشتغاله بحاله، و من غريب حاله أنّه كان يطير من نخلة إلى نخلة بقرية الموسر عند المعصرة.

و منهم الشيخ علي تختم العكبري الصالح بن الصالح، كان له أحوال غريبة حكى بعض الفقراء أنّه قصد ليلا الدخول إلى جامع عكبرا ليتهجّد به، فوجد الشيخ على المذكور فيه، و للجامع ثلاث أبواب، فبقى الفقير كلّما أراد أن يدخل المسجد من أبوابه وجد الشيخ على ملأ المسجد، و لم يجد له مدخلا يدخل منه، و من غرائب أحواله أنّه خرج من بيته نهارا بحضرة الخلق و هو في عافية لا مرض و لا عرض، فوقف على بابه و نادى بأعلى صوته إخوته الموتى: يا فلان، يا فلان، أنا الليلة عندكم، فسمعه الناس من كلّ جانب، فجاؤوا إليه فوجدوه ميتا (رحمه الله تعالى).

و منهم الشيخ منصور، من أهل فراديه، له أحوال ظاهرة، و أمور

161

غريبة، منها أنّه ورد على الشيخ علي للزيارة، و كان زرع مقثاة، و لم تحمل بعد شيئا، فقام إليه ليلا، و قال: يا شيخ علي قم إلى المقثاه و القط منها مل‏ء هذه القفة، و اطلع بها إلى المدينة، فبعها بدرهمين و ربع، و اشتري بهما لبنا و خبزا، فقام إلى المقثاه، فوجدها قد بدأ صلاحها، و ظهر ثمرها، ففعل ما أمره به، فكان كما قال، و جاء في غيبة الشيخ علي شاب جاهل ليأخذ من المقثاة، فنهاه الشيخ منصور، فلم ينته، فعيّط عليه الشيخ، فجذب الشاب سيفا كان معه، و شال يده على الشيخ منصور، فوقفت يده في الهواء، و بقي عبرة حتّى اجتمع الخلق و تضرّعوا إلى الشيخ منصور أن يستره و يطلقه، ففعل، و لمّا جاء الشيخ علي قال له الشيخ منصور: قد عزمت على السّفر، و لكن أريد قطين من عند امرأتك، فاطلب منها، و هي ما تعطيك و لا تعطيك شيئا، و تروح إلى بيت أخيها فيموت أخيها في الحال و ما يدفن إلى يومين فإنّه قليل الصّلاة، فكان كما قال.

و من الفقراء الأكابر بصفد الشيخ ربيعة صاحب القبّة، و هي من المزارات المشهورة بقرية ابنيت، كان كبير القدر صمادي موله، بزعم الفقراء، بل استفاض ذلك، أنّه كانت له فرس قصبه تأكل الشّعير، و كان له سنجق عظيم، فيه آثار كثيرة من الصالحين، يزعم أصحابه ما لبسه أحد إلّا و علت درجته فيما يناسبه، و قد جرّب ذلك بحضوري.

و منهم الشيخ زكريا، أحد الأولياء، و قبره شمالي بركة الدّجاج، الدعاء عنده مستجاب، أخبرني بذلك بعض الصالحين بدمشق.

و منهم المتهجّد القانت، الشيخ الصّامت من بقية السّلف الصالح، و قدوة الخلف، المعروف بالكرامات، و الموصوف بالمكاشفات، و زاويته بصفد معروفة، و تربته فيها للزّيارة مألوفة، و ولده الشيخ زين الدين من سادات المسلمين، و عباد اللّه الصالحين، كثير المروءة، عظيم الفتوّة دأبه مكارم الأخلاق، و المساعدة على صلة الأرزاق، أبقاه اللّه للمسلمين خير مساعد و معين، آمين، آمين.

162

و منهم عظيم التهجّدات، و التوجيهات، قديم البركات و المكاشفات، قليبك العجمي، و ضريحه في زاوية بعين الزيتون، يقصده القاصدون، و ولده الشيخ محمود من أهل اللطف و الجود، له وصلة بأهل السّلوك، و حضرة عند الأكابر و الملوك.

و منهم الحاج خليل بن بركة أحد الصالحين التائبين، كان كثير الصلاة و الصّوم، مع التّقشّف و مجاهدة النّفس، اطّلعت مرّة على حاله، و هجره لأهله، و اهماله، فتكلّمت بحضرته في حق الأهل، و النّفس كلاما أعجبه، و أخبرني ولده أنّه تلك الليلة أكل اللحم و نام عند أهله من حين سمع ما قلته في وصف أحوال رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، فإنّه كان محبّا متبعا، و من ثباته أنّه مات له ولد عظيم تقي بار نافع، و كنت قد حدّثته يوما أنّ الفضيل لم ير ضاحكا إلّا يوم مات ولده، فقيل له في ذلك، قال: رأيت اللّه عزّ و جلّ أحبّ شيئا فأحببته، فلمّا كان بعد مدّة جاءني ليلا و قال: بسم اللّه، قم معي و هو يضحك، فقمت معه دخلنا داره، و إذا ولده المذكور ميتا مسجّى طول البيت، و قال لي: اجلس، ثمّ جاء بطبق فيه كنافة و مشبك، و قال لي: كل في عرس ولدي، ثمّ قعد يأكل، و أعجب من ذلك أنّ والدته و إخوته نساء و رجالا، فما سمعت لأحد بكاء و لا غيره، ثمّ لم يزل ضاحكا حتّى دفن، و من ثباته أنّني دخلت إليه عند موته و هو يجود بنفسه، و معي جماعة، فقال له الشيخ قاسم العكبري، و كان من الصالحين: لا تغفل عن ذكر اللّه تعالى، قال:

يا أخي ما يحتاج إلى ذلك، ثمّ شرع يقرأ سورة يس، فما انصرفنا حتّى مات و هو جالس وحده (رحمه الله تعالى).

و منهم شيخنا و بركتنا الشيخ صفي الدين بن عبد اللطيف بن أمين الدولة الحلبي، أحد الأولياء المشهورين، و الأشياخ المذكورين، كان من بيت رئاسة و وزراء، و أكابر بحلب، فتركه و خدم الشيخ عماد الدين الواسطي بدمشق، و تحرفش حتّى لبس الخلقان، ففتح عليه منه، ثمّ‏

163

انتقل إلى حمص، فأقام بها مدّة سنين، و حصل بينه و بين الأمير سيف الدين أرقطاي صحبة هناك، فلمّا نقل أرقطاي إلى صفد ألزمه بالحضور، فكان رحمة للنّاس عند أرقطاي تلك المدّة الطويلة، فلمّا بنى أرقطاي مدرسته جعله إمامها و شيخها، و سلّمها إليه، كان يقصد للزّيارة و للبركة، و نفع النّاس في الاقراء و الميعاد، ثمّ راق آخر عمره فانقطع و اختفى حتّى مات.

جاء مرّة المقر السّيفي منكلي بغا للزيارة فهرب منه و تخبأ بين القبور، و من رياضته أنّه وقع غلاء بصفد، و كان عنده قمح، فرأى النّاس يتقاتلون على الخبز في الأسواق، فباع القمح و شرع يسعى في تحصيل الخبز، و قال: أساوي أمّة محمد فيما هم فيه من الشدّة.

و جرى لي معه غرائب منها أنّي نويت الانقطاع و ترك الوظائف، و الأهل و الفرار لتحصيل العلوم المهمة، فقلت: أستشير الشيخ، فجئته فوجدته يتكلم على الناس، فجلست لسماعه، و لم أكلّمه فقال: أراد رجل من بني إسرائيل أن يترك الدّنيا، و يعتزل الناس، فخرج على وجهه، فلقي صخرة مكتوب عليها اقلبني تنتفع فعالجها فقلبها، فوجد تحتها لوحا مكتوبا أنت لم تعمل بما علمته، فكيف تطلب عمل ما لم تعلمه، ثمّ شرع يذكر حالي حتّى اقشعر جلدي، فلمّا فرغ قلت: لم يبق لك كلام معه، فخرجت فتبعني و عانقني، و قال: حبيبي لا فجع اللّه أمّة محمد فيك الزم السنة، و كان يوم موته يوما مشهودا، لمّا حفر قبره، و عمل ليوضع فيه تفجّر بالماء من كلّ جانب عيونا، فتحيّلوا حتّى وضعوا في القبر أغصان دوالي و وضع عليها.

و له محبّون و مريدون، فمنهم: محبّ المحبّين، و أحد الإخوان الصادقين، صاحب الاحتمال و الخدم و الاحتشام، و سلوك طريق واحد على الدوام، ذو الكسب الحلال و ملازمة الابتهال، له أقوال و أحوال، و مات موت الرّجال: الشيخ أحمد العجمي، و جماعات كثيرون.

164

و من أكابر السّادات شيخنا و بركتنا و قدوتنا، أعظم من لقينا، و فتح منه علينا، العابد الزّاهد العالم العامل الورع المحقق الولي، أوحد الرّجال الأبدال القائم في اللّه، و للّه على كلّ حال، العلم المشهور، ذو المهابة و النّور، و الوقت المعمور، لقاح المهج سيّدي الشيخ فرج، أصله من العرب، نشأ يتيما بقرية الصّياده من البلاد الصفدية، من عمل طرابلس، ثمّ سافر إلى الشّرق فقرأ و تعلّم العلم، و صحب الفقراء ففتح عليه بمواهب جزيلة، ثمّ سلب ذلك، و بقي مسلوبا مدّة طويلة، ثمّ فتح عليه مرّة ثانية على يد الشيخ عبد العزيز المغربي ببلاد عجلون، فلزمه حتّى مات، ثم انتقل إلى قرية يقال لها السّاهلية من عمل طبريّة، متصلة بالغور، و لذلك يعرف بين الفقراء بالغوري، فلمّا استقرّ بالسّاهلية، اشتهر حاله، و سارت بذكره الرّكائب، و قصده الخلق من كلّ مكان لنفعه العام، و حاله التّام، و نشأ له أصحاب و أحباب، و انتفع به كل من عرفه، و في الجملة لم تر عيني مثله، و مثل شيخي أبي بكر بن تقيّة.

أمّا أبو بكر بن تقيّة فصحبته صغيرا، فانتفعت به نفعا كثيرا، و فتح عليّ من بركته، و رأيت الخير بأدعيته، و كان من سادات الرّجال، جمع بين الحال و المقال، أمره نافذ بين الخواص، و إذا حضر مجلسا لم يبق فيه لغيره كلام، نهاره في الصّيام، و ليله في القيام، ضيّق الدّنيا على الشّيطان لقوّة الإيمان، و كان كشفه ظاهرا، و معروفه متواترا، إن رأى عاريا كساه، أو ضالا هداه، أو جائعا أطعمه، أو غريبا أكرمه، أو مذنبا رحمه، أو مقربا خدمه، يتألف للمساكين، و يهجر المتكبّرين، لا يتوقف في ملبس و لا يأنف، و ما رأيت أحيا منه و لا ألطف، جمع اللّه الشّمل به في الآخرة، و رفعه أعلى الدّرجات الفاخرة.

و أمّا الشّيخ فرج فصحبته أولا و آخرا، و لحظني باطنا و ظاهرا، ففتح عليّ من بركاته و رأيت نفعه في حياته و بعد مماته، و كان يطعم الطعام للخاصّ و العام، و لا يأكل إلّا من زاده، و لا يقبل هدية لعظيم اجتهاده،

165

و لا يكلف أحدا الحاجة إلّا بإجرة، يساوي الفقراء بما عنده، و إن كان شق تمرة، قصدته الأكابر لزيارته، و رغبة في صحبته، كخالد بن شبيب الغزّي، و ريحان الدمشقي، و ولي الدين المنفلوطي، و الشيخ أبي بكر بن تقيّة، و الشيخ حازم الكفر ماوي، و إن كان حازم في الحقيقة شيخه و مربّيه، و شهد له بالفضل جميع أهل الفضل، قال بعض أصحابه: كنّا نجلس إليه فلا يقع لأحد منا سؤال إلّا أخبره به قبل سؤاله و نبّهه عليه، و ورد عليه الشيخ ابراهيم اليمني، فصحبه و لزمه و ذكر أنّه جلس عند ضريح الخليل (صلى الله عليه و سلم) ليلا، فخرج شيخ مهاب فقال: أنت من أين؟ فقلت من أهل اليمن، فقال: الإيمان يمان و الحكمة يمانيّة، توحيدك ضعيف، اذهب إلى من يعرّفك التوحيد، فقلت: من هو؟

فقال: فرج من السّاهلية، ثمّ لزم الشيخ حتّى مات، و قبره إلى جانب قبره، و كان الشيخ فرج يقول: ما رأيت مثله.

يقول مؤلّفه محمد العثماني: رأيت إبليس لعنه اللّه في منامي، فأخبرني بحال جماعة من رجال عصري، فقلت: أخبرني عن الشيخ فرج، فقال:

باللّه لا تذكره لي فإنّه أفسد عليّ حالي، و آذاني إيذاء بليغا، فقلت أخبرني عن الشيخ أبي بكر بن تقية، فاصفرّ وجهه فقال: دعني منه فلا أستطيع أسمع له ذكرا، و قد ضيّق عليّ الدّنيا.

و قدم على الشيخ فرج فقير كبير القدر، و كان عند الشيخ حازم، فقال الشيخ فرج: هذا من أهل التّمكين، و قال الشيخ حازم: لا، ثمّ سافر الفقير، فرأى الشيخ فرج في منامه كأنه و حازم قدما من دمشق، فلقيهما ذلك الفقير إلى ميدان الحصى، فأخذ بيد حازم و رجله و رما به إلى خارج دمشق، و قرب الشيخ فرج و أطعمه خبزا و خيارا، ثمّ تيقظ، ثمّ جاء الشيخ حازم إلى الشيخ فرج و قال يا فرج الفقير من أهل التّمكين، و عن قريب يحضر و هو أمير، و معه ابنان يذهبان به إلى اليمن، فقد وليها، قال الشيخ: فدخلنا القصير لضرورة، و إذا الفقير بها و معه اثنان،

166

فجلسنا حوله مع الفقراء، و لم يطعمني فقلت: ما تطعمني؟ فقال: أنت أكلت نصيبك بدمشق ليلة كذا، ثمّ ودّعهم و توجّه إلى اليمن.

و رأى بعض الصالحين رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه ما تقول في الشيخ حازم؟ قال: ينطق بالحكمة، فقال: ما تقول في الشيخ فرج؟ فقال: من أولياء اللّه.

و لمّا جرى لي مع طشتمر ما جرى من خطابة القلعة، قيل له: خاطرك مع فلان، فقال:

خاطر الفقراء معه، و ساعدوه في الباطن و الظّاهر، فما تمّ كلامه حتّى جاءه إنسان من جهتي و أخبره باستقراري في الخطابة، فسجد شكرا و حمدا للّه عزّ و جلّ.

و رأيت في منامي و أنا شاب كأنّي بالجامع الكبير بصفد، و كان يوم الجمعة، و إذا بالشّيخ فرج طلع يخطب، فقلت في نفسي: هذه الخطابة لنا:

فكيف يخطب الشيخ، و إذا به قد نظر إليّ، ثمّ نزل من المنبر و جاء حتّى وقف على رأسي، و أمسك بيدي، و رفعني على المنبر، و قال: اخطب، ثمّ تيقظت و مضى نحو ثلاثين سنة، و كنت قد استقرّيت بخطابة الجامع الكبير، مكان ابن عمّي كمال الدين، ثمّ سعى فيها ذلك الذي كان سعى عند طشتمر في خطابة القلعة سرّا، لمّا ولّوني القضاء، و وعد بذهب كثير، عملوا حيلة، و قيل للنّائب: هذا باتفاق القاضي، فلمّا جاء توقيعه من مصر، اجتمعت بالنّائب، و قلت: هذا ما يحل، أنا ما أخرج عن الخطابة، و خذوا وظيفتكم، فاعتذر و حلف، و قال: طول روحك، فلمّا كان بعد مدّة رأيت كأنّي دخلت الجامع، و كان يوم جمعة، و إذا بإنسان قد وقف بالجامع، و مسك بكتفي و قال: يا جماعة، النّبي، (صلى الله عليه و سلم) قد أعاده إلى وظيفته، وردّه إلى منبره، ثمّ ألبسوني خلعة أهبة الخطابة، فقرأت و خطبت، ثمّ وقع أنّه الشيخ فرج، فما مضى مدّة يسيرة إلّا منّ اللّه عزّ

167

و جلّ، و له الحمد، بالعود إلى وظيفة الخطابة، فخطبت في هذا المعنى، و ذكرت الرؤيا ففسّرت رؤياي، و نالتني بركة بعد ثلاثين سنة فما فوقها.

و منهم الشيخ حازم الكفرماني العجلوني، العظيم الشأن الكبير القدر، البطل الهمام، و قدوة الأنام، كان من الأولياء الأكابر المشهورين بالكرامات، صاحب كشف ظاهر و حال باهر، و كان من العارفين التابعين السّنة، في القول و الفعل، مع الزّهد إلى النّهاية يلبس الخلقان و يرقعها من المزابل، و كان سلطان الفقراء يقول للشيخ فرج: كل هذا فيأكله، لا تأكل هذا فيتركه، منعه يوما من أكل تين فظهر أنّه لا ينام، و سألته امرأة بخاطره عن قبض الحيات فمرّت حيّة، فصرخ حازم فماتت، فقال: هكذا يا فرج مسك الحيّات، و كان كثيرا يقول: يا من قرأ و ما درا، يا من درا و ما قرأ، حكى شيخنا ابن تقيّة أنه بات عنده ليلة، فرقى شجرة هناك، و جعل يقول يا من يتهيأ في الفلك ما صابها إلّا من هلك، إلى أن طلع الفجر، و جاء كلب إلى قرب وضوءه، فنظر إليه فمات، و كان عنده بعض أصحابه، فقام الرّجل ليتوضأ بالإبريق فلم يجد فيه ماء، فوضعه، فقام الشيخ حازم فأخذ الابريق و جلس يتوضأ، و إذا هو ملآن فتوضأ، ثمّ أعطاه لصاحبه فتوضّأ منه.

و جاءته امرأة بطبق من تين فجعل يعزل بعضه من بعض و يقول:

هذا حلال و هذا حرام، و كان كما قال.

قال الشيخ: و كان سيّدا عظيما، و كان الأكابر يقولون لو أدركه القشيري لكتبه في الرسالة.

و منهم الشيخ سراج، كان مقيما بقلعة صفد، ذا و له و حال عجيب، يقرب من حال الشيخ، و اشارته و سرّه في عصا لون أحمر نحو ذراع، و هي عندي و للّه الحمد، و كان ولده الشيخ محمد عظيم الاجتهاد في العبادة، بلغني أنّه كان يقرأ في الليلة الواحدة ختمات لكنّه على نفسه‏ (1).

____________

(1) كذا بالأصل، و لعل المراد أنه أخذت تنتابه خواطر.

168

و كان الحاج شرف أخو الشيخ سراج من الأخيار السّالكين المتّبعين السّنّة، أدركته و انتفعت به و تزوجت ابنته الصالحة أم يوسف فحصل لي بها الخير، و طلّقتها مرّة، فرأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) و قال:

اسمع منّي و ردّها، فلمّا تيقّظت راجعتها، بعد أن سألني غالب الأكابر، و لم أوافق، فلمّا فهمت ذلك بكيت سرورا، و زهدت في الدّنيا.

و منهم الشيخ محمد الصّيواني كان من الأولياء الأكابر المتّبعين السّنّة في الباطن و الظّاهر، ملازم التّلاوة، و دائم العزلة لا يختلط بأحد، و لا يكلف أحدا، و يقنع بأدنى اليسير في الملبس و المأكل و لا يستشرف و لا يسأل، فإن حضر شي‏ء يرضاه للضرورة يقبل، مجاب الدعوة، ظاهر الكرامة، يقصده الأكابر للزيارة، و يفهم عنه أهل المعرفة لطائف الإشارة.

و ولده الشيخ صالح ولي مشهور و مقبول، و مستور بالخمول. نفعه عظيم.

و منهم الشيخ محمد الجبيلي كان من أكابر القوم، ذا مهابة و اجتهاد، عمّر طويلا، زرته و انتفعت به، فرأيته كالأسد في المهابة و النشاط في العبادة.

و منهم الشيخ عمر الحمراوي من الصالحين المتعبّدين، كثير التّلاوة، سريع الدّمعة عظيم المهابة، تخرّج به جماعة، و أقرأ القرآن للجمّ الغفير.

و ولده الشيخ شرف الدين من أهل الخير و الصّلاح، و الكرم، و السّماح، كثير القيام و الصيام، عظيم السّخاء و الوفاء، دائم التّلاوة و الذّكر، كثير الصّبر و الشّكر، في الجود كحاتم و عمرو، و قد سارت الرّكبان بهذا الأمر، زهده معروف وجوده موصوف و مقامه مألوف، آناء الليل ساجدا و قائما، و نهاره في الهجير صائما، و في الوفاء لصحبة الإخوان مواصلا، و صل إلى الحمد (1) رتبة، له أيادي و مكرمات و أدعية مستجابات، كمّل اللّه شرفه في المحيا و الممات.

____________

(1) انظر معجم مصطلحات الصوفية لعبد المنعم الحفني (ط. بيروت 1980) ماده: حمد.

169

و منهم الشيخ إبراهيم اليونسي كان كبير القدر، دائم الذكر، خفيف الروح، حسن الشّكالة و اللحية، حجّ ماشيا نحو عشر حجّات، و له محاسن و لطائف، و عمّر طويلا.

و منهم صاحب النّور الظّاهر، و المآثر و المفاخر ذو القلب العامر، و الفضل الغامر، عظيم الصّحبة، رفيع الرّتبة، محبوب الأحبّة، ملاذ الفقراء و الواردين، و أنس الأمراء و السلاطين، بابه للقاصدين مفتوح، و فضله للطّالبين ممنوح، الشيخ شمس الدين، من كراماته أنّه كان بإذنه حلقة على عادة الحيدريين، فلمّا كان العشر الأخير من رمضان شدّ مئزره مع المتهجّدين في جامع بني أميّة، فأغفى فرأى رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) على هيئة بهيّة، فحيّاه و بشّره بمآرب يتمنّاها ثم جذب الحلقة من أذنه و ألقاها، فتيقظ من رعبته لجذبته فلم يجد للحلقة أثرا، و سار أمره في الناس خيرا.

و منهم الشيخ عبد اللّه المطروف من أهل كفركنا، من عمل طبرية، كان كبير القدر ظاهر الكرامات، قال الأكابر: لم يكن في زمنه مثله، و في الجملة هذه كفركنا خصّها اللّه تعالى بالصالحين المشهورين بالأحوال و الكرامات، و كان منهم جماعة كثيرة اشتهروا بالأخلاق الكريمة، و الأحوال العظيمة و الطّرائق الحميدة، و المناهج السّديدة، و شاع ذكرهم في الأقطار و اشتهر أمرهم و سار.

و منهم الشيخ ابن عيسى من كفركنا، قبره بها يزار، قالوا: كان الشيخ عنتر أوحد أهل زمانه، له كرامات و أحوال موصوفة، أجمعوا على جلالته، و ظهور كراماته، و درجته، و استجابة دعوته، و ورعه و زهده و صيانته، و هو من قدماء المشايخ بهذه البلاد، و ولده علي أيضا من الصالحين الأخيار الأتقياء الأبرار، اشتهر بالزّهد و الصّلاح و ظهر عليه الخير و لاح، و علم أنّه من أهل الفلاح.

170

و منهم الشيخ ابن سلمان من كفركنا، كان عظيم القوم، و لم يتزوج قط، فإنّه أوّاب، نفسه في العبادة حتّى تفرّد بالسّيادة، و شهد له من تقبل منه الشهادة بأنّه من أهل السعادة، اشتهر بأحوال و كرامات، و لم يزل في المجاهدة حتّى مات.

و منهم السّيدان العظيمان خلاصة الأحباب: معتب، و عتاب، ولدا الشيخ سلام من كفركنا، نشأا بها و ماتا، و كانا من أهل العرفان، فأمرهما شائع بين أهل هذا الشّأن، كان أول فتح معتب، أنّه قام يصلّي فكشف له عن الحجّاج، فشاهد أهل عرفة بعرفة، و ذهب مرّة إلى الطاحون بقمح، فتقوّى به عليه بعض الطلبة، و لم يمكنه من الطّحن في نوبته من الازدحام، فطلع معتب إلى ظهر الطاحون، و رمق بطرفه، فوقفت الطاحون، و تعذّر دورانها حتّى طلبه، و فرغ القمح من الدّلو و وضع به قمح معتب فدارت، و الشّهرة بأحوال هذين السّيدين و ما لهما من الكرامات تغني عن البسط في العبارات.

و منهم السيد العظيم المبرّء من الحيف محمد بن خليف، كان من طبقة باستواء معتب، و عتاب قال الأكابر: ابن خليف من أحسنهم اعتقادا، و أكثرهم اجتهادا، و له كرامات مشهورة، و أحوال معروفة، و من كرامات الشيخ خليف أنّه أقام أربعين سنة لم يطلع الفجر إلّا و هو على طهارة، و كان كثير الاجتهاد في العبادة و الورع و الزّهادة.

و منهم الشيخ الكبير الشّأن صاحب اللسان في العرفان الحاج موسى ابن عبد الرحمن، كان من طبقة الجماعة المتقدّمين بل أكثر منهم في الورع و الدّين، و ذكر أنّ الشيخ فرج لمّا كان مسلوبا، ما كان يقبل عليه، فلمّا عاد إليه حاله و فتح عليه جاء إلى زيارته الحاج موسى بن عبد الرحمن، فبمجرد إقباله أظهر له البشر و رحّب به من بعيد و قال: هذا باب الفقير ففهم الشيخ فرج أنّه فهم عود حاله إليه، و أنّ له اطّلاعا على الأسرار و البواطن ذو المهابة و الأنوار.

171

و منهم الشيخ محمد بن البيطار، كان من أكابر الجماعة، أخبر عنه الشيخ عبد الرحمن ابن مؤمن الآتي ذكره، أنّه كان له اطّلاع و كلام على أحوال الناس و مراتبهم، قال: و كان بعضنا ينتفع بمواعظه، و كان يروّع جماعته لصلاته، و كان بين الفقراء مثل الأسد فهابوه، لاشتغاله باللّه عزّ و جلّ، و كانت امرأته من الخيّرات القانتات العابدات.

و منهم السيد الجليل، صاحب العبادة و التحصيل، العالم الرّبّاني ذو الأسرار و المعاني، اللسان الأطهر، و القلب الأنور الخطيب عمر، إمام المسلمين بالناصرة، و من له الصّفات الفاخرة، كان من المشهورين بعلم الآخرة، و كان يأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر، و لا يخاف و لا يحذر، يعلّم الناس السّنّة، و يدلهم على طريق الجنّة، و كان من الدّاعين إلى اللّه بلسان الحق، كثير الشّفقة على الخلق، مع الفصاحة في الخطابة، و المعرفة بالعلوم الدقيقة، و له اليد العليا في علم الحقيقة، دعاؤه مستجاب، و أمره عجاب قد جمع الصّلاح، و العلم و الذّكاء و الفهم، و اللطف و الحلم.

و منهم السّيد الجليل، و القدوة الدّليل، صاحب العلوم المفننة، و الفضائل المدوّنة، العظيم الورع العديم الطّمع، الشيخ ناصر بن طلحة الكفرماوي (رحمه الله)، أقام بالناصرة مدّة، و له مصنّفات عدّة أحسن فيها و تكلم، و له قصائد مدح فيها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و صحبته جماعة كثيرة، و انتفعوا بصحبته، و كان إذا حضره حال لا يتمكن أحد أن يقربه لهيبته، و كان يقول: مضت عليّ مدّة ما خطر ببالي شي‏ء إلّا فتح عليّ به.

و منهم الشيخ سليمان السّعودي، صاحب الزاوية المشهورة بصفد، جليل القدر، ذا هيبة و وقار، و ذكر في الليل و النهار، و خدمة للفقراء و إعراض عن الأغنياء، عفيف قانع باليسر مع عيال، و فقر كثير، و له عبادات و مجاهدات و توجّهات، مات بالطاعون الكبير بصفد، و قبره بزاويته (رحمه الله تعالى).

172

و منهم صاحب الحال و المقال، و محك أبطال الرّجال، العارف المتصرّف المتميّز المتصوّف، ذو القدم في المحبة، و القدم في الصّحبة، عالي المقام و الرّتبة، صاحب القول السّايغ، الشيخ أبو بكر الصّايغ، كلامه مستحسن، و قيامه في مصالح أصحابه أحسن، و أحسن، و له مجاهدات و عبادات، و توجّهات و اطّلاعات، و هو في خير و زيادة، جعله و إيّاي من أهل السّعادة.

و منهم الشيخ داود العكبري المقري، من الصالحين المتورّعين، كان إذا صلّى بكى و أبكى، و عمّر طويلا، شهد مع جماعة من العدول في تركة، فأعطوا لكل عدل مائة فأخذها بحضرة رفاقه، ثمّ جاء سرّا إلى والدة الأيتام، و قال أجرتي عشرة، مدّة خمسة أيام، و هذه تسعون، و لا تخبري أحدا بذلك، (رحمه الله تعالى)، فأخبرتني المرأة بعد موته، و كان قليل الكلام، طويل الصيام.

و منهم الشيخ المكاشف، السليم الصدر العارف، أبو بكر الكردي الكوكبي المقيم بحصن كوكب، رأيته و انتفعت به، و كانت المكاشفة من بعض أحواله، و كان كالأسد في مهابته و إجلاله، عبث به بعض أصحاب الأحوال اغترارا، فنهره و تهدّده مرارا، فلم ينته فناله المقت و أسلبه الحال في الوقت، و كان له صولة عظيمة على الفقراء و الملوك، و الأكابر، و كان من أهل التمكين، فظهرت له أحوال مع التّاتار تدل على ذلك بيقين، و كان طشتمر مع جبروته يخضع له و يقبّل أقدامه، و دخل مرّة على أرقطاي نائب صفد و كان يحبّه فشكا إليه حمّى حصلت له فاجتمع الكردي و انتفض، و قال: قد تحمّلت عنك فقم، فشفي أرقطاي لوقته، و قام يمشي من ساعته.

و منهم الشيخ علي المهداني كان سيدا عظيما، اجتمع عليه القاصي و الدّاني، لا تأخذه في اللّه لومة لائم، يقول الحق و إن كان مرّا، و يأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر و إن كان فيه القتل، و لم ير أحسن منه حالا

173

عند ورود الحال عليه، و كان صدوق اللهجة، عظيم الهمّة لا يهاب جبّارا، و لا يرهب منه، فكان سيفا مسلولا على أهل الباطل، و إذا ظهر له الحقّ خضع.

و من الصالحين ولده سيدي الشيخ حسين القطّان، الكبير القدر، العظيم الشّأن، أزهد من رأيت، و أقرب إلى اتّباع السّنّة، أجمع الناس على محبته و اعتقاد ولايته، يعطي ما وجد، و لا يأخذ شيئا من أحد، لي عليه راتب كل شهر رغيف أتغذى كل ليلة بربعه، أجد بركته قال الشيخ عماد الدين الباعوني: هديت له خرقة، فقلت: صلي عليها، فتوقف فتوسّلت و تلطّفت، فأخذها و مكثت عنده نحو سنة ثمّ تذاكرنا فتكلّمت كلاما أعجبه، قام و خلع عليّ تلك الخرقة، فقطعت بأنّها مطويّة كما أخذها ثمّ زرته بعد ذلك، و استأذنته في زيارة امرأته فحصل لي خير كثير، و رتبت لي رغيفا كلّ شهر فصار لي من بركتها كلّ شهر رغيفا من طعام أقطع بحلّه، و للّه الحمد و الشّكر، و قلت له يوما: مالي معلوم على وقف نبيّ اللّه شعيب (عليه السلام)، و هو حلال لا شبهة فيه، و أشتهي أن أرتّب لك في كلّ سنة غرارة قمح فقال: هذا ما تعوذته، و أنا في غنية و كفاية، فقلت: أحبّ أن تبيّن لي ذلك فقال:

عملت في هذه السّنة بيدي خمسة و ثلاثين درهما فأي غذاء يعوزني بعد ذلك، و امرأته من الصالحين، تأمره بالزّهد و القناعة رضي اللّه عنهما.

و منهم الشيخ محمود المقدسي الولي المعمّر، الورع المستضعف، شيخ كبير القدر، كثير التلاوة و الذّكر، شديد الصبر على الفقر، لقي مرّة ألف درهم، و هو مضرور إلى درهم واحد، فبقيت عنده سنة كاملة يعرّفها حتّى جاء صاحبها فأخذها، و كان مجاب الدعوة، وجدت بركة دعائه.

و منهم الحاج داود بن جماعة التّرعاني، فقير عالم صالح شديد الورع، كثير الاجتهاد، لم يسمع القرآن أحسن منه في وقته بهذه البلاد، من مثله،

174

إذا قرأ زلزل العقول، و حرّك القلوب، و كان الشيخ فرج يعظّمه، و رأى النّبي (صلى الله عليه و سلم) بمكان: داود بن جماعة بوابا له، و يفتح فرج يدخل و يخرج في المصالح.

و من السّادات الأكابر من طال عمره، و هو على فعل الخير مثاب، و شهد له بالفتوّة ذوو الألباب، الشيخ فيض الخطاب النّاصري، كان حسن الأخلاق، كثير الإنفاق محتفلا يخدم الفقراء، و الواردين من الغرباء، و يقوم الليل غالبا، و يصبح صائما، ثمّ يذهب فيحتطب و يبيعه و يشتري طعاما و يطعمه للناس، من عرفه و من لم يعرفه، و كبر سنّه و ضعف، و هو على ذلك (رحمه الله) و رضي عنه.

و منهم الشيخ خليل بن داود التّرعاني، كان من السّادات، و كان الشيخ فرج يذكر لأصحابه بطلب الدعاء، و قال: إنّ شخصا رأى النّبي (صلى الله عليه و سلم)، و الحاج داود يسأله الدعاء، فقال له النّبي (صلى الله عليه و سلم): استجاب اللّه دعاءك، كان يقصد لطلب الدعاء.

و منهم الشيخ المجذوب، المنور المحبوب، صاحب الهمّة العالية، و النّفس المطمئنة الزكيّة.

و المقلة الهامية، الرّاضي بالخمول، و المعرض عن ما يفنى و يزول، و الهائم في اللّه، و القائم باللّه أخي و صاحبي، الشيخ علي الباعوني، كان من السّادات، و له محاسن و كرامات، و كان يصحب والدي في طلب العلم، و يصحب شيخنا أبا بكر بن تقيّة في المجاهدة، ثمّ رأيته بعد ذلك كدرة مضيئة، نوره ظاهر، و فضله متكاثر، و به تخرج ابن أخيه الشيخ عماد الدين، و هو من الرّجال المعدودين، صاحب عفاف و دين، و ورع و تمكين، و (لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) 29 جنيد العصر 30، وحيد الدّهر، كبير القدر، جميل الذّكر، نافع العباد، دافع الفساد، حسن الإرشاد، كثير الإعانة و الإرفاد، ختم اللّه لي و له بالحسنى، و جعلنا من عباده الذين اصطفى.

175

و منهم الشّفوق الودود الوافي بالعهود، المذكور بين الرّجال، كثير الصيام و القيام و الذّكر و السّجود، المعروف بالمحاسن و الموصوف بالجود، الشيخ داود، ذي الفضائل الشّهير بابن كامل، هاجر إليّ من عجلون، و حلف أن لا يفارقني حتّى المنون، فصدق فيما قاله، و هجر وطنه و رجاله، و كان أشفق الناس عليّ، و أعزّهم لدي، يظهر الغنى لطيب قلبي، و يكثر الثناء بين صحبي، يأكل من كسبه، و يقبل على خدمة ربّه، رآه بعض الالزام بالمنام، فأخبر بأنّه في الجنة و للّه الحمد و المنّة.

و منهم الشيخ عبد الرحمن بن مؤمن الكفر كناوي، العظيم الشّأن في هذا الزمان، له كرامات مشهورة، و أحوال عجيبة مأثورة، و يتكلّم بأمور غريبة، و الأكابر يقولون أنّه من المتمكّنين المتصرّفين أصحاب العزل و الولاية، فتح عليّ منه مرّات، و يحكي عن البلدان و المحلات ما لو حضرها الإنسان و وصفها و هو يشاهدها لم يتمكن أن يقول كقوله، و مع ذلك فمعلوم أنّه لم يخرج من بلده ظاهرا قط، و صرخ و قال: صلّيت الجمعة خلفك مرّات، و كل وقت يجهز لي إشارة غريبة فتظهر بعد مدّة، و كل من رآه يقول أنّه رآه مرّات و حاله موهبة، و طريقه السّخاء و سلامة الصدر، و يحفظ القرآن و يتكلم في العلوم على المذاهب، و ينقل من الكتب و لا يعرف له اشتغال، و أحواله و مكاشفاته ظاهرة لكل أحد، يتحدث بها العام و الخاص.

حكى جماعة من أهل الصّدق و الأمانة أنّهم جاؤوا إليه، و قالوا: ادع لنا، و هل لك حاجة إلى دمشق، فقال: سلّموا على الشيخ أحمد الحبّال، قالوا: فسألنا عنه، فلمّا جئناه و قال: اجلسوا، أنتم من عند الشيخ عبد الرحمن من كفركنا، فقال: ايش حاله؟ فقلنا يطلب دعاءك و يسلم عليك، فقال: قولوا لي بظهر الغيب، فإنه من الأولياء، فقالوا: أين رأيته؟ فقال: من أربعة أيام كان عندي، و هو متوجّه إلى الرّها فهل جاء؟ فقلت: و اللّه ما خرج من بلده قط، فضحك و قال: سلّموا عليه.

176

و حكى جماعة أنّهم حجّوا، فلمّا كانوا قريبا من منزلة هدية خرجت غارة فرسان فخرج الحاج و تصارخوا، فقال فقير: يا شيخ عبد الرحمن، فصرخ فقير ثاني: هذا الشيخ عبد الرحمن على هذا الجبل، و هو يقول: لا بأس عليكم و انهزمت العرب ببركته.

و منهم الشيخ إسماعيل بن حمام الحصيني، عظيم الشأن، كبير أصيل، كان من أحسن الناس خلقا، و أوسعهم صدرا، و أسخاهم نفسا، و أرضاهم بأحكام اللّه، و كان الشيخ فرج يركن إلى أخباره في اليقظة و المنام، و ينوه بذكره بين الأنام.

و منهم الشيخ عبد القادر الحصيني، كان عظيم العبادة، كثير المجاهدة، شاع عنه أنّه كان يقوم الليل يتهجّد في كلّ ليلة بالقرآن كلّه، و قالوا: لم يكن في وقته أعظم اجتهادا منه مع الورع و العزلة، و الاشتغال باللّه عزّ و جلّ.

و منهم الشيخ يعيش الصّفوري، كان هو و والده من الصالحين الأخيار، و القانتين الأبرار، فتح عليهما بالمعرفة باللّه عزّ و جلّ و وفقا للأعمال الصالحة، و أعينا على الورع و الاجتهاد، و يسرا للعبادة، و وجوه الخير حتّى فاقا أهل زمانهما.

و منهم السيد الجليل ذو العبادة و التّحصيل، و المحبّة للملك الجليل، الشّفوق على إخوانه، القامع لنفسه و شيطانه، ذو السّخاء و المكارم، و من المعروف قائم، و من لا يأخذه في اللّه لومة لائم، الشيخ قاسم العكبري، له كرامات و أحوال و إشارات و أقوال، عاش سعيدا و مات شهيدا، و أخوه الخطيب شمس الدين من الأخيار الصالحين، صاحب صبر و عبادة و يقين، كسبه من عمل يده، و سرّه في انقطاعه و تفرّده، و له منامات باهرة، و صفات فاخرة، سلّمه اللّه في الدنيا و الآخرة.

و منهم الشيخ الجليل، و السّيّد النّبيل، العالم الرّبّاني، الشيخ علي‏

177

الثوراني، كان من السّادات الأكابر الصالحين الأماثل، عالما عابدا زاهدا، ورعا مجتهدا، صوّاما قوّاما، لطيفا مهابا، ربي على العبادة، فاق على الاجتهاد، بلغني أنّه كان يصلّي بين الظهر و العصر مائة ركعة، و كان يحيي الليل بالعبادة من الصلاة و الاشتغال بالعلم الشريف، و الذّكر و التّلاوة، و مات شهيدا سنة ثمان و أربعين و سبعمائة.

و منهم أخوه الشيخ سليمان صاحب المحبّة و العرفان، كان كبير القدر، جميل الذّكر، ملازم الجامع الكبير، لإقراء القرآن على الدوام، و له أحوال سنيّة، و أعمال رضيّة، و اتفق له حكاية هي أعظم كرامة، و ذلك أنّي توجّهت يوما إلى الجامع الظّاهري، فوجدته في الصحن البرّاني جالسا في الشّمس، و عنده جماعة من أصحابنا الفقهاء و الفقراء، فجلست معهم فتحادثنا و تآنسنا و إذا بالطّواشي محسن بوّاب التّربة السيفية أرقطاي قد جاء، و جلس إلينا فقال الشيخ سليمان: يا طواشي نحن في ضيافتك فإنّا على باب مدرستك، فقال: ما لي بك حاجة، فحصل للشيخ سليمان حال و بكى، و قال: نحن في ضيافة رب العالمين الذي قال «يا عبادي كلّكم جائع إلّا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم» اللهمّ فو اللّه، و اللّه، و اللّه، إنّه لفي دعائه و إذا بطائر عظيم يحمل رغيفا سخنا، فوقف على رؤوسنا، ثمّ ألقاه بحجره، فتصارخنا و تباكينا و كانت ساعة ما أعظمها من ساعة، ثمّ أشار الجماعة بأنّ التصريف بأمر الرّغيف يكون على ما أراه ثمّ وضعه في حجري، و إذا بالشّيخ سعيد المغربي أحد السّادات المعروفين بالخيرات، السّائرين في الفلوات قد جاء، و لم يكن علم بما اتّفق، و قال: أعطوني الرّغيف فقلنا:

أي الرّغيف؟ فقال الذي نزل إليكم، فقلنا: من أين علمت؟ فقال: أنا جائع و ما أنا عنكم براجع، فصالحناه على نصفه، و قسمت الباقي بين الجماعة، و نصيبي عندي إلى الآن في خرقة من قميص والدي، و جبّة الشيخ فرج.

178

و منهم ذو العبارة و الإشارة، الشيخ عمارة، كان كبير القدر و الشّأن، عظيم الفتوّة و الإحسان، كثير المروءة في حقّ الإخوان، ملازم التّلاوة للقرآن ظاهر الوضاءة، عظيم المحبّة، شديد الشّوق، إذا قرأ أطرب، و إذا ذكر رأيت منه العجب، كان يتفضّل عليّ بالزّيارة، فيحصل في الحال لقلبي استنارة، و يحق اجتهادي، و تسهل عليّ أورادي، و تطمئنّ نفسي و يتجدد أنسي، و له كرامات و أحوال لا تحصر، و كان يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، و لا يخاف في اللّه لومة لائم و لا يحذر، و لا يرهب من سلطان و لا يتكثّر بنفس و لا شيطان، لا نفاق عنده، و لا رياء، و الناس عنده في الحقّ سواء، و من كراماته حديث الجراد، أخبرنا الشيخ شمس الدين خطيب عكبرا، قال: كان أكابر الأولياء يعظّمونه و يكرمونه، و يخضعون له و يحترمونه، إن قام في أمر لم يعترضوا عليه و إن صدر منه شي‏ء سلموا حاله إليه، صحبته دهرا طويلا فانتفعت به سرّا و جهرا، و حصل لي به الخير في الدنيا، و أرجو أن يكون كذلك في الآخرة، سمعته ينشد في بعض خلواته يترنّم و قلبه يخفق بما يتكلّم، حتّى ظننت أنّ قلبه هو الذي يتكلّم، و له حنين و أنين و هو يقول:

أيا ويح عذّالي على ما لاموا* * * و قد علموا أنّي سهرت و قد ناموا

أهيم بمحبوبي و ما يعرفونه‏* * * و لو أنّهم ذاقوا الغرام ما لاموا

قضّى اللّه للعشاق أن يهجروا الكرى‏* * * كأنّ منام العاشقين حرام‏

فلو جزت بالوادي رأيت خيامهم‏* * * و أبصرت سوق الحب كيف يقام‏

و مات بالطاعون الكبير.

و منهم الكبير القدر، الجميل الذّكر، المعمور بالنّور، بقيّة السّلف و أنس الخلف، صاحب الهمّة و الاجتهاد، ذو اليقظة و الاستعداد، ظاهر النّور بادي الحبور، سيّدي الشيخ بريك المرجي اجتمعت به فأحببته، و تحققت عندي منزلته.

و منهم صاحب الإشارة و الأسرار، و المحبّة المزعجة عن الاستقرار

179

المتهتّك بين الأخيار، و الرّافع لوهمة الخجل، و المكاشف الأستار الهمّام الطّيّار، الشيخ يوسف الظّاهري، ذو الكرم و السّماح و الجذب و الصلاح، يتألف به الخلائق، و يجتمع عليه أهل المذاهب و الطّرائق، لا يكلف أحدا، و لا يأخذ منه، و لو جاءه من جاءه قام في خدمته و لا يتأخر عنه، فهو محبوب العلماء، و شيخ الفقراء، رأيته بمنام كنت فيه كاليقظان، و هو طائر بين يدي عرش الرحمن.

و منهم صاحب المحبّة و العرفان، الشيخ محمد بن فتيان كان تاجرا، و كان من السّادات الأخيار المتّقين الأبرار، صاحب سكينة و وقار، و بهجة و أنوار، و وجه كالقمر ليلة التّمام، و كلامه من ألطف الكلام، كثير التهجّد و القيام، و التّلاوة و الصيام، يأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر، و يتحمل الأذى و الضّرر، و كمل له ما حازه من شريف الخصال، بأنّه مات موت الرّجال، و هو جالس بين إخوانه، مقبل على شأنه يوحّد اللّه و يثني عليه، و يحنّ إلى لقائه و يتشوّق إليه حتّى مات، و هو جالس يتشهّد، و لم يتغيّر حاله، و لم يتمدد، و كانت له الحيازة المشهورة، و الفضائل المأثورة.

و منهم ذو المناقب و المفاخر، و المراتب و المآثر الشيخ محمد المصري التّاجر الكفركناوي، كان عظيم الشّأن، كثير الشّفقة و الإحسان و المحبّة و العرفان، جمع الخصال المحمودة، و الصّفات المقصودة، من التّقوى و العلم و النّزاهة، و الحلم و الزّهد، و الورع و العبادة، و السّخاء و سلامة الصّدر، و صدق اللسان و التّواضع، و الخشوع ورقة القلب و الفتوّة و المروءة و العفاف، و الإنصاف و خدمة الفقراء، و الخضوع لهم كل ذلك مع الشبيبة و صغر السّن، قال بعض الأكابر: كان ابن المصري كالكوكب الدّري، و كالمصباح في الظّلمة، و كالشجرة الخضراء في الهشيم، يلازم أفعال الخير، من الصلاة، و الصيام، و الزكاة، و الحج، و البر، و الصّلة، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الذّكر و التّلاوة، قال لي من أثق به: لا يعلم ببلادنا في هذا الزمان خيرا منه، و كان له تهجّد كثير، فربّما

180

يتهجّد في بعض الليالي بمائتي ركعة، و كان يسرد الصوم، و ربّما يطوي اليومين و الثلاثة يفطر فيها على الماء فقط، و كان يطعم الطعام من عرف، و من لا يعرف، و يطبخ للفقراء الطعامات المفتخرة، و كان يحمل الفاكهة إلى بيوت الفقراء عند اختصاص المترفّهين بها، و عمّر آبارا، و سبلها، و استنسخ كتبا و أوقفها، و تنوّع في الصدقات، و فعل الخيرات، حجّ في بعض السّنين، و معه جماعة من إخوانه، فأنفق ما كان معه، و كان ذلك جملة، ثمّ اقترض على ذمّته جملة كثيرة و أنفقها، و حجّ مرّة و معه قماش يتّجر فيه، فتصدّق ثمّ أنفق باقيه، و في الجملة فقد أجمع على خيره أهل عصره، زارني و زرته، و شاهدت كثيرا مما ذكرته، و توفي شهيدا بالطّاعون سنة خمس و ستين و سبعمائة، مات ليلة الجمعة بعد فراغه من قراءة سورة الكهف، و ابتدائه بأوائل سورة الدّخان.

و منهم صاحب المفاخر الشيخ علي التّاجر، أحد أصحابي و أعزّ تلاميذي و أحبابي، الولي الزّكي، الخائف التّقي، العارف البهي، العالم العامل، الحسام المشهور، المعروف بابن قاضي صور، صحبني دهرا فنلت به خيرا على قدم السّلف، و أرجو أن يكون نعم الخلف.

و منهم المحبّ الصادق صاحب الإشارات و الدقائق، قطع العلائق، و سلك أحسن الطّرائق، فهو حبيب الفقراء، و طبيبهم الشيخ علي القديسي، أحد السّادات الأعلام، صاحب إشارة و كلام، و كشف ظاهر، و حال باهر، صحب الأكابر، و أجمع على فضله الأوائل، و الأواخر أخونا في اللّه و حبيبنا في اللّه، رأيت له أمورا خارقة، و أحوالا صادقة.

و منهم الكبير المعمّر، و الطّيف المنوّر، ذو الوجه الأزهر، و القلب الأطهر الشيخ غزي الطّائف، صاحب الأحوال و اللطائف، صحب الأكابر و صحبوه، و عرفهم و عرفوه، و كان له حال غريب، و سر عجيب، ثمّ ابتلي آخر عمره و تمام أمره بمرض أقعده، و عن الخلق أبعده، و إلى الدّرجات العاليات أصعده.

181

و منهم الشيخ جمال الدين يوسف، إمام الجامع، و من هو للخيرات جامع، له لسان فصيح، و بيان صحيح و طريق مليح و نفع، له كلمات لطيفة، و إشارات طريفة، و عنده تحقيق و تدقيق، و منافسة لأهل الطريق، يأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر، و لو كان على رأسه السّيوف، كثير التّلاوة للقرآن، حسن المواساة للإخوان.

و منهم الشيخ شمس الدين، بركة المسلمين و اللطف و الدين، أحد الفقهاء و الصّوفيّة، إمام المدرسة السّيفيّة، فضائله مشهورة، و أعماله مشكورة، و لطفه موصوف، و طريقه الحسن معروف صحب الشيخ صفي الدين، فخرج به حتّى صار من المفلحين، و لزمه طول حياته، و استقرّ على وظائفه بعد مماته، و أحيى المدرسة بنفسه و بأولاده، و انقطع محصّلا لزيادة الذي ينفعه في معاده، فليله و نهاره في تلاوة القرآن، و طريقه نفع الإخوان، فشكر اللّه مسعاه، و نفع به و أبقاه.

و منهم الأخ في اللّه، الشّفوق و المحبّ الصّدوق، و النّطق المستقيم، و الكشف الظّاهر، غريب المقال، ظاهر الحال، سخيّ اليد، شريف النفس، ليس له ثقلة على أحد، و لا يرتبط لأحد، تألف بي بعد نفوره، و أقام عندي لعدم اعتراضي عليه في جميع أموره، يعطي و لا يأخذ، و يخدم و لا يخدم، كان في أوّل أمره مولها بلطف و ظرف، يرى في قوّة الشتاء، إذا تراكم الثّلج و أطبق بقميص واحد ممزق، و لو وافق في لبس ما يدانيه لتنازع أصحابه و تساهموا فيه، و لقد مسكوه مرة بقيساريّة التّجّار، و ربّما غلقوا الأبواب حتّى ألبسوه ثوبا جديدا عمله له بعض الأصحاب، و كان أول صحبتي معه أنّه كان يحضر معي في دروسي، فإذا فرغنا من التّدريس وضع من كمّه في الحلقة تمرا و لوزا و نحوه، من مأكل لطيف نفيس، و دام ذلك مدّة، فأخذت به أنسا، و تأكّدت الصّحبة، فلمّا كان بعض الأيام أخذ منّا المقر الرّكني أمير عمر الحمام، فحصل وجعه، فجاءني و قال: مرض أمير عمر و ولده و لا يتعافيا حتّى‏

182

يرد الحمام إليكم فهل عندكم به أوراق؟ فقلت: نعم، فقال: روح إلى زيارته و أعطه الورق يقرأه، فقرأه فقلت كما قال، فأثر أثرا عظيما، و في الحال رد الحمام، و بالغ في الإكرام، و قعد في الحال، و قال هذا المرسوم بخط والدي، و لن أخالفه، و ادخل إلى عيادة ولدي، فذهبت فدعوت و بكيت، و قد حصل ببركة الشيخ أحمد ما طلبت و رجوت، ثمّ قبل موت القاضي الذي كان قبلي بيسير، شرع يبعث و يقول بحضرة الكبير و الصغير: أنت القاضي عن قريب، فأبدي له كراهة هذا القول العجيب، فيقول و أنا أبشرك، الفقراء قالوا ذلك، فأقول بيني و بينه: هذا الأمر يبلغ القاضي، و يشق عليه، ثمّ جاء في بعض الأيام، و قال: القاضي مرض، فقم إلى زيارته، ثمّ عد إلى الجامع، فأذا صلّيت العصر فاذهب إليه، فإن كان باقيا فزره، و إن كان مات، فصلّي عليه، و أنت القاضي بعده، ثمّ مضى لسبيله، فكان الأمر كما ذكر، و مضيت مع أخي القاضي أسعى، فتوليت فيا ليتني مت قبل ذلك يا ليت.

و من أعجب ما اتّفق لي معه، أنّ شخصا ذهب يسعى في القضاء عوضي بذهب كثير جمعه، و شاع أن شغله القضاء، و رأيت كلّا من أصحابي قد ذهب و مضى إلّا أحمد، فإنّه ملازم لا يأكل و لا يشرب، و ليس بصائم، فلمّا كان بعض الليالي طرق الباب بإزعاج، و قال: مات العفيف، و راح المال، فكان الأمر كما أخبر، و غرق ذلك الرّجل في البحر، و لم يزل تظهر له أحوال لا يمكن التعبير عنها، و أقوال يتعجّب منها، و رأيت بمنامي كأنّه في مرجة مونقة بالأشجار محدقة و هو يتبختر في مشيه و عن يمينه و عن شماله سباع يسعون بسعيه، و رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بالمنام، فتقدّمت للسلام عليه، و إذا بالشيخ أحمد قد سبقني إليه و سلّم عليه و عانقه، و كأنّني أنظر إليه يطبطب عليه، و يقبّل عنقه، و في الجملة فأحواله ظاهرة، و أرجو كما انتفعت به في الدّنيا أن أنتفع به في الآخرة.

183

و منهم صاحب الفراسات الصادقة، و الكرامات الخارقة الشيخ صالح الشّجري، من سادات القوم و أكابرهم، و ممّن عرف بالصّدق بين أوائلهم و أواخرهم، ركبت مرّة على البريد مع نائب صفد المقر الشّهابي ابن صبح، فدخلنا إلى الشجرة قرية الشيخ صالح بعد مشقة لشدّة الحرّ، فنزل العسكر بعضه، و حصل لهم مشقة من العطش، و لم يتجرّأ أحد من العسكر أن يطلب ماء من البلد، فإنّه نودي أنّ من طلب رغيفا أو بيضة أو تينا يضرب و يحمل إليه، فما استقرّ بي الحال إلّا و الشيخ صالح قد جاء إلى عندي، و لم يكن أحد أعلمه بي، و معه بطّيخ أخضر يحمله، و مع الشيخ الولي سليم الشّجري جرّة ماء، فسلّم و سأل و قال: لو رجعت من ها هنا استرحت فضحكت، و قلت إن كان بعد عشرين يوما، و إذا بالنائب قد دعاني و وجدته بالقرب منّي، و قال: قد رأيت رجوعك مصلحة، و أنا لا أبطى‏ء أيضا، و لكن الساعة تسافر فلي في ذلك ضرورة، ثمّ جهز صحبتي جماعة من مماليكه الكتابيّة، و قال: لا تمكّنهم من النّزول إلّا في حطّين، فو اللّه لقد رجعت لساعتي، و الشيخ صالح و الشيخ سليم عندي لم يرجعا، فودّعاني و انصرفا فشكرتهما على ما أسلفا، و قد كان (رحمه الله) من أكابر الصالحين، و ولده إبراهيم أيضا من الصالحين.

و أخبرني الشيخ خليل خادم أولاد الأنبياء بقرية الشّجرة، أنّ الشيخ صالح كان بالقدس الشريف، و أنّه وجده بين الظّهر العصر داخلا في أراضي الشجرة، فقال له: سألتك باللّه أن تخبرني من أين قمت اليوم، فقال: لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العلي العظيم، قمت من القدس الشريف، و لكن لا تظهر ذلك إلّا بعد موتي، فعاش بعد ذلك سبعة أيام.

و منهم أخوه في اللّه و صاحبه الشيخ سليم، صاحب المقام العظيم، و الرّضى و التّسليم، كبير الشّأن عظيم القدر بين الإخوان، سليم الصّدر، طاهر اللسان، عجيب الأمر، ظاهر النّور، دائم الفكر، كثير الذّكر،

184

راسخ في الصبر و الشّكر، شديد الخشية مع السّكون و الرّياضة، و الحظ الزّائد من الورع، و كان الشيخ فرج يقول: الشّيخ سليم سليم، ثمّ زرته في هذه الأيام، فوجدته كالقمر عند التّمام، قد تضاعف نوره، و ترادف خيره، و ظهر لي منه فوق ما كنت أسمع عنه، و هو باق إلى الآن قدوة لأهل الإيمان، ثمّ دعاه مولاه إلى جنّاته، فانفجعنا و اللّه لوفاته.

و منهم السيد الكبير المعمّر الخاشع اللبيب، المنوّر ذو المهابة و الإنابة، المعروف بالدعوة المستجابة، صاحب الإشارات و المعاني، الشيخ محمد الترعاني، من ذريّة الشيخ علي البكّاء و صاحب الكرامات التي تحكى، و العظيم الفتوّة، خير الإخوة، أبقاه اللّه لنفع المسلمين، فإنّه ينظر إلى الخلق بعين الرّحمة.

و منهم الأخ الصّدوق و الولد الشّفوق، صاحب المناقب و المآثر، و صدق اللسان و القلب، فهو مليح الباطن و الظّاهر، سيّدي الشيخ عامر الطّبري، ذو اللفظ الجوهري، و من هو من الوصومة قد بري، من أجّل أصحاب سيّدي الشيخ فرج، و أعظمهم و أحبهم و أكرمهم يعظّمه في غيبته و حضوره، و يتولّى بنفسه جميع أموره، و إذا جئنا إلى زيارته، و حظينا بمشاهدته يقول: زرتم الشيخ عامر؟ فنقول: نعم، فيقول: الحمد للّه الذي وفّق، ثم جاء يوما إلى عندي، فوجدني غائبا بالدّرس، فوضع متاعه بمقصورة الخطابة للمحبة و الأنس، فجئت فوجدت قد نشر بها شحما و دهنا، فقلت: من فعل هذا؟ فقال: أنا و لو علمت بما أبشرك لنشرت معي لعظم السّرور و الهنا، ثمّ قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) بمنامي من أقرب زمان، فقلت: يا رسول اللّه ادع لفلان، فقال: خطيب صفد العثماني؟ فقلت: نعم، فقال: ذاك من أصحابنا، فبكيت سرورا، و رجوت نيل الأماني، ثمّ أقبلت أنشر في الدّهن معه، و قلت يا له من دهن ما أبركه و أنفعه، و له كرامات و عبادات و دعوات مستجابات.

185

و منهم الشيخ محمد المارني الطّبري، أحد الأولياء المقرّبين، و عباد اللّه الصالحين، من أجّل أصحاب سيّدي الشيخ فرج، كنّا نأتيه للزيارة من صفد، صحبة جماعة من الأخيار، فنجده في الطريق نتلاقى، و له أحوال عجيبة روح بلا نفس، و يقين بلا لبس، ميت بين الأحياء، و هو حي بين الأموات، إن حضر في جمع صمت، و إن خلي تضرّع، مجمع على محبّته، متّفق على جلالته.

و منهم الشيخ سيدهم الرّومي، أحد السادة المشهورين، و الأخيار المعروفين، له طريقة و أي طريقة، جمع فيها بين الشّريعة و الحقيقة، و كان ولده الشيخ داود من الصالحين المشهورين الورعين المتّبعين.

و منهم الأوحد في الورى، و السّيّد الذي زكا، لطيف الذّات، جميل الصّفات، صاحب المكانة المكينة، الشيخ أحمد خطيب البعينة.

و منهم التّقي الخفي، المحب الوفي، الصّدوق القائم بالحقوق، من له قديم أيادي، الشيخ أبو بكر البغدادي [الملتزم‏] بطريقته إلى الممات.

و منهم السّيّد الأفضل، الإمام المفضّل، الجامع الأكمل الأنور الأكحل، البري‏ء من العيب و المقت، الشيخ أحمد خطيب كفرسبت، من أجلاء أصحاب سيّدي الشيخ فرج، و على طريقته مشى، و إلى درجاته درج، فهو بقيّة السّف، و بركة الخلف.

و منهم الشيخ نجدة الزّيني، كان من السّادات، و أرباب المجاهدات، المعروفين في إقامة حدود اللّه، و اتباع سنّة رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، صاحب حال و قال، يعدّ من أعيان الرّجال.

و منهم الكبير الشّأن، قوي الإيمان، المعدود من الأكابر و الأعيان، الشيخ علي بن رمضان، خادم سيدي الشيخ فرج، و من أجلّ أصحابه، و هو وصيّه على أولاده، كان لا يصدر إلّا عن رأيه و اجتهاده، و له في الورع و التدقيق مقام بمثله يليق، اقترض من نصراني بالفيّوم درهما، و لم‏

186

يتمكن من وفائه لغيبته فكان يبكي على ذلك دائما، ثمّ سافر خلفه ثلاثة أقاليم حتّى ظفر به، و برئت ذمّته، بالدفع و التسليم، و كان لطيفا سخيّا، حليما حييا، و له مجاهدات، و أقاويل و دخول مع المشايخ في تيه بني إسرائيل.

و منهم صاحب العمل المبرور، و الورع المشهور، و الفضل المذكور خطيب تعنك من المرج، المعروف بالفقيه منصور، أجلّ أصحاب سيّدي فرج، بل من أقرانه، قليل المثل في عصره و زمانه، له معرفة و قدم في الورع، اجتمعت به بجينين و صفد، فوجدته هائلا كالأسد، و يقال انّه من أهل الخطوة، و هو معروف بإجابة الدعوة، و كاشفني بأشياء غريبة، و اطّلعت له على أسرار عجيبة معه، و حكى الجماعة أنّ الشيخ فرج تزوّج امرأة من أحضاض ذات جمال و شبيبة فقيل له: من يحضرها من النّساء، و من يصحبها من الرّجال الأقارب؟ فقال الشيخ: الفقيه منصور وحده (يقوم) باحضارها، ثمّ جهّزه فأحضرها، لوثوقه بدينه و ورعه، و عفّته و شرف نفسه.

و من السّادات الأعلام، و أكابر الأقوام سلطان الفقراء، و خاتم الأولياء، صاحب الجود و المكارم، زين الدين عمر بن الصّارم، قدوة العارفين، و أمير المتصرّفين، يبذل و لا يقبل، و يقنع بما بيده، مع البر و الإيثار، في الليل و النّهار، عظيم الزّهد، كثير العبادة، ظاهر المهابة، معروف بالإجابة، بركة عصره، و نادرة دهره، سخيّ اليد، طاهر اللسان، يقظان القلب، دائم الخلوة و الفرار، قد آثر اللّه على كلّ شي‏ء، استغنى عن الناس لقنعه، و افتقروا إليه لنفعه، فسبحان من الفضل بيده‏ (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ) 31. الآية ...

187

القسم الثاني: المنسوبون إلى العلم و السّيادة

فمنهم الشيخ نجم الدين، والد الشيخ كمال الدين خطيب صفد و رئيسها، و عالمها و مظهر العلم فيها، انتهت إليه الرّئاسة في بني الكمال، و حاز من المحاسن ما يقصر عن وصفها المقال، مولده في رجب سنة ثمان و خمسين و ستمائة بكرك الشّوبك، أيام التّاتار، ثمّ توجه مع والده إلى صفد، و نشأ بها، و قرأ القرآن الكريم، ثمّ رحل إلى مصر في طلب العلم الشريف، فتفقه و أتقن علم الأصول على الشيخ شهاب الدين بن النّحّاس، وحيد عصره، و أتقن الكتابة بالأقلام المشهورة على الشيخ عماد الدين بن العفيف، شيخ الكتابة في عصره، و كان يحفظ القرآن و التّنبيه في الفقه، و المعالم في الأصلين، و ألفية ابن معطي، و الجمل للزّجّاجي، و الجزليّة في علم النّحو، و المقامات الحريرية، و الخطب النباتية، و يحفظ العين، و المنطق، و من الحماسه نحو ألفي بيت، إلى غير ذلك من أشعار المغاربة و رسائلهم، و من أشعار غيرهم مثل: أبي تمّام، و المتنبّي و غيرهما من الشّاميين، و المصريين، و المشارقة، فحضر من مصر و قد حصّل، و اجتمع بالأطواد من علماء تلك البلاد، ثمّ رحل إلى دمشق فلقي جماعة من أئمّة العلماء: كالشيخ رضي الدين، و النّعمان فذاكرهما، و أخذ عنهما ما أخذ من علم المنطق، فحصل له التّفنّن في علم الشّريعة، و العقلية، و الأدبيّة، و أوتى قوّة عظيمة في البحث، فكان حسن الصّمت فصيح اللسان، وحيدا في الخطابة لم يكن في عصره، على ما ذكر، أخطب منه، و لمّا قدم الأمير فارس الدين الألبكي إلى نيابة صفد اشتمل عليه و أحبّه، فرتبه في وظيفة كتابة السّر بصفد، و لم يكن قبله في هذه الوظيفة أحد، بل عملت لأجله، فباشرها مبسوط القلم و اللسان مدّة نيابة المذكور، فلمّا كانت نيابة سيف الدين كراي المنصوري باشر معه، فاطّلع على علمه و ضبطه و ديانته، فعظم عنده، و ألقى إليه مقاليد الأمور، و اعتمد

188

عليه في سائر الأحوال، فلمّا فارق النّيابة و حضر بتخاص و كان الشيخ نجم الدين المذكور قد تخرّج به جماعة، منهم إنسان بصفد يقال له زين الدين بن حلاوات، فدخل ابن حلاوات في بتخاص من جهة الدنيا، و رأى بتخاص شرف نفس الشيخ نجم الدين، و علوّ همّته و صلابة دينه، و ثقل عليه، فلمّا أظهر له الوحشة، فجافاه الشيخ نجم الدين، و أظهر له نفس (الوحشة) فوقع بينهما، فترك الشيخ نجم الدين الوظيفة، و توجّه إلى دمشق فتلقاه الجوكندار، و أكرم مثواه، و بالغ في الإحسان إليه، ثمّ بلغ الخبر بولاية كراي المنصوري لنيابة الشام، و سمع بالشيخ نجم الدين، فأرسل إليه أن يحضر لملاقاته، فلمّا باشر نيابة الشام، ألقى إليه مقاليد الأمور بالشام، و صار له في أيام كراي دولة، لكنّه سلك طريق العفاف، و عدم المزاحمة لأكابر الشام في وظائفهم و دنياهم، و قنع بخطابة جامع جراح و نظر مسجد النارنج، و توقيت دست مع وكالة نائب الشام، فحصل على السلام في جميع أحواله، سيما عندما مسك كراي.

أخبرني والدي أنّهم كانوا بالبستان، فجاء شخص من أكابر الشام يدخل عليه في شغل، أحضر بقجة فيها صوف و سنجاب، و ذهب مائة دينار، و لم يكن يملك تلك الليلة درهما واحدا، فردّ ذلك عليه و وعده بقضاء شغله، قال والدي: ثمّ التفت إليّ، و قال: يا ولدي خذ خاتمي و ارهنه على زيت فإنّه لا زيت في البيت، و إلى الآن هم في الظلمة فتوقفت غضبا ممّا جرى، فقال: ستحمد فعلي هذا فيما بعد، و كان قد لقيه ذلك النهار بعض الأكابر و عاتبه، و قال: أنت رجل فقير، و لك أهل و أقارب، و قد حصل لك دولة ففكّر في مصلحتهم، و أقبل هدية أصحابك، فشكر نصيحته، و لم يغيّر طريقته، ثمّ مسك كراي و أمسكوا أكابر أصحابه، و لم يتعرّض أحد إلى الشيخ نجم الدين، لحسن طريقته فيما تقدّم، و استمرّ في وظائفه و أحسن الشّاميون إليه و لم يقدر أنه قبل لأحد هدية من غير موقّع الرّحبة، قدم له دواة و مرملة، و قال:

189

أنت مضرور إلى ذلك، و حلف عيه بالطّلاق لا بدّ من ذلك، فأخذها عارية، فلمّا مسك كراي جاء فشكا للنائب بأنه أخذ له دواة و مرملة و كان بعض الأكابر مطّلعا على الحال فحكى لنائب الشام فضرب موقع الرّحبة و عزله.

قال والدي: فقال: يا بني أبصر لو أخذنا الذهب و القماش كان صاحبه يطلبه أم لا، و تحصل الفضيحة و التّعب فلذلك صبرت على رهن خاتمي و ما ضرّنا ذلك، ثمّ عزل بتخاص من صفد، فاختار العود إليها على كتابة السرّ و الخطابة بالجامع الظّاهري، مكان والده، و استقرّ أخوه برهان الدين إبراهيم الآتي ذكره في خطابة جامع جرّاح، ثمّ وقع بينه و بين ابن حلاوات أمور يطول شرحها، ثمّ أشرك بينهما في الوظيفتين، و خطابة القلعة، و طال الأمر، فبلغ الأمير سيف الدين تنكز حين تولّى نيابة الشّام ذلك، و كان الشيخ نجم الدين قد امتدحه بأبيات عظيمة أعجبته، و ذكر له فضله و دينه، و ورعه، فطلبه و عرض عليه الإقامة بدمشق، فقال: بل قصدي الخطابة و يأخذ ابن حلاوات كتابة السرّ، فجمع بينهما بدمشق بين يديه و قال: أقرع بينكما، فجعل كتابة السرّ بخمسمائة، و جعل خطابة القلعة و المدينة بخمسمائة، ثمّ خير الشيخ نجم الدين فاختار الخطابتين، فقال لا بدّ من القرعة، فاقرع بينهما، فخرجت الخطابتين للشيخ نجم الدين، فقال تنكز: اللّه أكبر قد جعله اللّه خطيبا، فكتب إلى مصر أحضر له توقيعا بالخطابتين، و هو عندي و أحضر أخاه برهان الدين لخطابة القلعة، و استقرّ هو بخطابة المدينة، ثمّ انقطع إلى اللّه عزّ و جلّ في طلب العلم الشريف اشتغالا و احتسابا، حتّى وصل خبره شرق الأرض و غربها، و لم يزل كذلك إلى أن مات ليلة الخامس و العشرين من شهر رمضان سنة ثلاث و عشرين و سبعمائة، و سنّة خمس و ستون، مات أخوه فجاء حضر ختمة، ثمّ قام منها و وصل إلى بيته فمات من ساعته، و من عجيب ما اتفق أنّ جدّنا الشيخ كمال‏

190

الدين، و ولده الشيخ برهان الدين مرضا بالفالج كل منهما أربع سنين و ماتا به، و الشيخ نجم الدين و ولده كمال الدين ماتا فجأة، و أمّا الشيخ نجم الدين كما ذكرنا، و أمّا الشيخ كمال الدين و ولده فصلّى الصّبح بالناس، ثمّ دخل إلى بيته فمات من ساعته، و ولدي و ولد أخي علاء الدين ماتا بذات الجنب رحمة اللّه عليهم أجمعين، و لمّا مات رثاه جماعة من أصحابه، و من تلاميذه، و من ألطفها نظم القاضي شمس الدين بن الحافظ ناظر الجيش أنشد على قبره يقول:

شعر:

تجلّت له في سرّه ليلة القدر* * * فنقطها بالرّوح من شدّة البشر

تبدت له و الليل قد فاق شطره‏* * * فلم يستطع صبرا إلى مطلع الفجر

إمام قضى في خدمة العلم عمره‏* * * فاعتقه الرّحمن في آخر العمر

يحث إلى جنّات عدن ركابه‏* * * فسارت كأمثال البروق التي تسر

فلا قلب إلّا و هو سار وراءه‏* * * و لا عين إلّا كالعيون التي تجر

و لم ينشب بابنه بعده بكت عيون‏* * * المعالي فقده أبد الدّهر

فأكرم به نجما أضاءت علومه‏* * * و كان هدى للنّاس في البرّ و البحر

لئن أوحشت من مجالسه أنسه‏* * * و منبره فالأنس قد حلّ في القبر

على أنّه لو كان في الموت حيلة* * * تحيلتها من حيث أدري و لم أدر

و لكنّني في العجز عن ردّ ما جرت‏* * * عليه به الأقدار في أوسع القدر

و رآه صاحبه القاضي شهاب الدين الوكيل في منامه على هيئة حسنة، فقال له: ما فعل اللّه بك؟ فقال: أحضرني بين يديه و قال لي: يا شيخ ما أنت عندنا لا بقال و لا بزّاز، بل أنت عندنا من العلماء، ثمّ قال لي:

ادخل الجنّة، فدخلتها.

191

و في الجملة ففضائله كثيرة، و مآثره غزيرة، و له نظم بديع رائق يخال في الفصاحة في الأشياء من شعر العرب العرباء، فمن قصيدة لطيفة المباني، غزيرة المعاني أوّلها يقول:

شعر:

روت حديث الهوى عنكم نسيمات‏* * * أهدت شذا فيه للأرواح راحات‏

حيت فأحيت بقايا أنفس تلفت‏* * * وجدا فيا حبّذا تلك التّحيّات‏

و هي قصيدة مطوّلة، امتدح بها رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، و من قصيدة أخرى مطوّلة منها هذه:

رفقت بدمعك المتدفّق‏* * * لمّا تألّق بارق الأبرق‏

و من قصيدة أخرى في مدح رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم):

في البرق لمعت حسن من ثناياك‏* * * و في الغمام صفات من معناك‏

و في معنى نسيم الصّبا معنى كلفت به‏* * * لمّ تحمّل نشر روياك‏

في غصون النّقا إذ ملن من طرب‏* * * سر سرى نحوها من لطف معناك‏

هي قصيدة مطوّلة، و من قصيدة أيضا مطوّلة كتبها إلى المقر السّيفي تنكز نائب الشام، حين عوده من الأبواب الشريفة أوّلها يقول:

شعر:

بلج الحق لمّا أن أضاء لنا* * * و ميض سيف تبدّا منه أي سنا

و من قصيدة مطوّلة كتبها إلى القاضي محي الدين ابن فضل اللّه، (رحمه الله تعالى)، و هي هذه:

وردة صحيفة أي فضل باهر* * * محفوفة بمآثر و مفاخر

و بدائع زهريّة و طلائع نهريّة* * * حيث ينشر عاطر

عوارف علويّة و معارف علويّة* * * و مشاعر و مظاهر

192

و لوامع قدسيّة و طوالع شمسيّة* * * و موارد و مصادر

فأمد نور الشّمس نير فضلها* * * حتّى تبلج صبحها للسّائر

جادت سحائبه بأغزر وابل‏* * * متدفّق من لجّ بحر زاخر

وردت فاذكرت العذيب و بارق‏* * * و لياليا سلفت بسفحي حاجر

مع فتية مثل البدور كوامل‏* * * كم أشرقت أنوارهم بضمائر

فلكم أناروا محفلا بفضائل‏* * * و لكم أحازوا من تعتب حائر

أعني كراما كاتبين توارثوا* * * رتب المعالي كابرا عن كابر

من قصيدة يرثي بها صاحبه قاضي القضاة نجم الدين بن صرصرى:

هوى النّجم فانهلّت عيون الغائم‏* * * و ناحت على الأغصان ورق الحمائم‏

و عز عز الدين من بعد أحمد* * * و أمسى غريبا ماله من عواصم‏

و قست قلوب يالمعالي و أصبحت‏* * * كأنّ عليها الحزن ضربة لازم‏

و لو لا خوف التّطويل لأوردت هذه القصائد من أوّلها إلى آخرها، و لكنّني نبّهت عليها و أشرت إليها ليطلبها من ديوانه من رغب فيها، و لو استقصيت أحواله لطال المقال، و له تلامذة و أصحاب، يطول ذكرهم بهذا الكتاب، لكن لا بدّ بذكر مشاهيرهم.

فمنهم شيخ الإسلام، و علم الأعلام، إمام عصره، الشيخ فخر الدين المصري، كان أبوه كاتب لنائب صفد، فغاب و استنابه، فرأى أمورا لا تعجبه، فانقطع عن المباشرة، فطلبه و تهدّده، و كان صغير السّنّ فهمّ بالهرب، فقدم والده و عاتبه، و قال: يا بني و ما الذي جرى لك فإنّ الكتّاب يعاقبون و لا يتأثّرون، فقال: إن باشرت عوقبت، ثمّ خرج من ساعته، و جاء إلى حلقة الشيخ نجم الدين فلزمه، فوجد فيه مخايل النّجابة، فأكرمه فاشتغل عنده حتّى برع، و كان قد تزرع، ثمّ طاف‏

193

البلاد، و اجتمع بالأطواد، و بالغ في الاجتهاد حتّى صار من الأطواد، و اجتمعت به في المدينة الشريفة، و سألته عن مسائل لطيفة، فمرّ في الجواب كمرّ السّحاب، كان من قوّة اجتهاده في الاشتغال، يسهر الليل كلّه، و إن طال، فإذا حصل له ملال قام و مشى و قال:

يا ليل طل أو لا تطل‏* * * لا بدّ لي أن أسهرك‏

مذ صار عندي قمري‏* * * فلست أرعى قمرك‏

و كان في الحفظ (من) الأبرار، حفظ الحاجبية في سبعة أيام، و كان إذا ذكر الدّرس ألحقه في جزء فيه‏ (*) الكلام، و لو أردنا حصر صفاته و ذكر مصنّفاته و تلامذته و أصحابه، و الذي أنشأ من أهل العلم و طلّابه لأدّى ذلك إلى الاسهاب المخرج عن مقصود وجودي.

و منهم أحد المشايخ الأئمّة الأعلام الشيخ بهاء الدين ابن الإمام المعروف المشهد بدمشق المحروسة، أخذ عن الشيخ نجم الدين، و هو من أجلّ أصحابه المتّقين و الشيوخ العالمين، ثمّ برع وفاق و رحل إلى الآفاق و أخذ عن الأطواد ثمّ قطن بدمشق للاجتهاد فصار من مشايخها المشهورين في حياة الأئمّة المذكورين و تولى نظر الحسبة الشريفة بالشام و غيرها من الوظائف العظام، و له تعاليق و مصنّفات و تلاميذ و أصحاب.

و منهم صاحب المواهب، كثير المناقب، الجامع للغرائب، الشيخ شمس الدين بن محمد ابن أبي طالب، المعروف بشيخ الرّبوة، كان من أصحابه الخصيصين، و ندمائه الملازمين، و هو من الأفاضل المفننين كثيف ملى‏ء علما و فهما، و أعين عليه بالخلوات ففتح عليه بجملة من المصنّفات، زادت على مائة مصنّف في أمور مهمّات.

____________

(*) العبارة مطموسة بالأصل و القراءة ترجيحية.

194

و منهم صاحب الذّكاء و الفطنة، و المكارم و الحشمة، القاضي زين الدين بن حلاوات صاحب التسهيل و المروءات، كان تاجرا من أصحاب الثّروات، فصحب الشيخ نجم الدين، فتخرّج به سنين، حتّى صار من فضلاء الموقعين، زرعه الشيخ نجم الدين فقلعه و ثبّته، فانتزعه، و دخل في النّواب، و جعل بينه و بينهم سورا من الذّهب، ليس له باب، باطنه الغدر، و ظاهره العتاب، فوفّق اللّه الشيخ إلى الصّواب، و عجّل له الرّاحة في الدنيا و السلامة في المآب، و جمع خاطره فأفاد المسلمين و نفع.

و منهم علم الأجواد و الأخيار، و بقيّة السّلف الأبرار، و محلل المشكلات عند الاضرار، الشيخ برهان الدين خطيب جامع الجوكندار، من أصحابه و إخوانه، و أصهاره، و أنصاره، و أعوانه محيي الليل بالقيام، و معفر الوجه في الظّلام، كثير الاستغفار، فتحققت أنّه من الأخيار، و حضرته عند الموت فقال: رأيت الساعة منزلتي في الجنّة، أنا رائح إلى رحمة العزيز الغفّار، ثم تشهّد، و مات من ساعته تغمّده اللّه برحمته.

و منهم القاضي الفاضل الرئيس الكامل زين الدين عمر بن داود اليثني بديع الصّفات، كثير الافادات، متشابه كالأعلام، و إفاداته كالغمام، و كلماته كالحسام، صحب الشيخ نجم الدين، فبرع في أقرب حين، ثمّ رحل و قد تمكّن من الفضيلة أيّ تمكين، فوصل إلى الدّيار المصرية، فأوى إلى الظّلال العليّة، و خدم ابن فضل اللّه صاحب دواوين الانشاء بالممالك الإسلامية، فجبره و أكرمه و رفعه و قدّمه، و صار ممّن يشار إليه و يعوّل في المهمّات عليه، و لكنّه كالمطلب يؤمل فيرقب ثمّ يكون كالدب لا يجلب و لا يركب، و كل من أصحابه عليه يعتب، إلّا أنّه عديم الأذى صبور على القذى.

و من أخصّاء أصحابه و أعزّ أحبابه و أولى الناس به صاحب الفضائل المعروفة و اللطائف الموصوفة، الشيخ صلاح الدين ابن أيبك الصّفدي،

195

شيخ الأدب في عصره، و إمام البلاغة فى دهره و سلطان الشّعراء في زمانه، و قدوة الإنشاء في أوانه، تخرّج بالشيخ نجم الدين المشار إليه فكان يفتخر به و يثني عليه، و لمّا رأى ندره، أمره بالهجرة فهاجر إلى القاهرة، و كان بها من العلماء نجوم زاهرة كأبي حيّان المغربي، و ابن سيّد الناس اليعمري، و قاضي القضاة جلال الدين العجمي، فأخذ عنهم، و اقتبس منهم، ثمّ أقبل على التّصنيف، و تدرّب في التّأليف، ثمّ رغب في الشام، فتحوّل إليه، و أقام و تنقّل في الوظائف الكبار، فعمل كتابة السّر بحلب، ثمّ وكالة بيت المال المعمور بالشام، فشاع ذكره و سار، ثمّ جدّ في التّصنيف في الليل و النّهار، و رحل إليه الناس، و قصدوه من الأمصار، فصنّف كتبا أغرب فيها و أبدع في معانيها، فمنها «جنان الجناس» و منها «كتاب نصرة المباير على المثل السّائر» و منها «كتاب جلوة المحاضرة في خلوة المذاكرة» و منها «كتاب المجاراة و المجاذاة» في مجلّدين، و منها «كتاب غيث الأدب» في أربعة مجلّدات، و منها كتاب «الكشف و التّنبيه على الوصف و التّشبيه»، و منها كتاب «الرّوض الباسم»، و منها كتاب «غوامض الصّحاح»، و منها «كتاب حلى النّواهد على ما في الصّحاح من الشّواهد» في خمسة مجلّدات، و منها: «كتاب نفوذ السّهم فيما وقع للجوهري من الوهم» في مجلّدين، و منها «كتاب نكت المعميان في نكت العميان»، في مجلّدين، و منها «كتاب طرد السّبع عن سرد السّبع»، في أربعة مجلّدات، و منها كتاب «زهر الخمائل في ذكر الأوائل»، و منها «كتاب توسيع التّوشيح» و منها «كتاب التاريخ الكبير» في ستين مجلّدا، و «التاريخ الصغير» في اثني عشر مجلّدا، و منها «كتاب التّذكرة» في سبعة و أربعين مجلّدا و منها «كتاب المقترح في المصطلح»، و منها «كتاب حقيقة المجاز»، و غير ذلك من المصنّفات التي يطول ذكرها.

و الشيخ نجم الدين بن جماعة من التّلامذة و المحبّين.

و منهم صاحب العلم و الدين، و التّوكّل و اللطف المتين، الخطيب‏

196

برهان الدين أخو الشيخ نجم الدين، الفاضل النّحرير، و الفقيه الكبير، تخرّج بأخيه الشيخ نجم الدين، و اكتسب من أبيه الشيخ كمال الدين، ثمّ رحل إلى مصر، فلقي أعيانا، ثمّ إلى الشام فاشتغل بها زمانا، و جوّد في القراءة و تنمّق في الكتابة حتّى صار له خط كالدّر الثّمين و لزم ابن البصبص سبع سنين، و كان مع فضله الجسيم ألطف من النّسيم، ما سبق بسلام قط، و يمشي الحيط الحيط، و الشّط الشّط، إن رأى صحبة جاء و اقترب، و إن رأى فتنة ذهب و هرب، عاش بالكفاف و القناعة، و لم يكشف لأحد قناعه، في عزّ و جلالة، و خرج من الدنيا لا عليه و لا له، و للشيخ نجم الدين ما لا يحصى من المريدين كشيخنا الرّسّام، و غيره من الأعلام السّادات الأماثل و صدور المحافل.

و منهم الرئيس الأكبر، و السّراج الأنور، ذي الحظ الأوفر، أحد علماء المسلمين القاضي جلال الدين النّهاوندي العجمي، أدرك الأطواد، و ألحق بالآباء و الأولاد، صاحب كيس و ظرف، و تواضع و لطف، اشتغل ببلاد العجم، فلمّا نبل و نجم توجّه إلى الشام للاجتماع بالأعلام، فوصف للملك الظّاهر لمّا فتح صفد، ففوّض إليه القضاء، و منحه بالصفد، فسار فيها أحسن السّير، و عمّر أهلها بالجبر و الخير، حتّى أتاه اليقين و لحق برب العالمين.

و كان ولده قاضي القضاة شرف الدين، قد اشتهر بين المتصرّفين، فقام معه لأنّ هذين البيتين واحد عن يقين، فسار على سير والده، و كانت حركاته كحركات والده و أسعد، فأقام دهرا طويلا، و لم يدّخر كثيرا، و لا قليلا، فغمر رعيته بالإحسان، حتّى أتاه الحدثان، ثمّ ذهب و كأنّه ما كان.

ثمّ نشأ له ولدان: أحدهما الشيخ علاء الدين ناظر الحسبة الشريفة، و وكالة بيت مال المسلمين، و عمّر طويلا، و لم يخلّف كثيرا و لا قليلا، كان يؤثر الانقطاع، و ينفر عن الاجتماع، و يرضى بالقليل، و لا يظهر منه‏

197

إلا الجميل، إن اضطر صبر، و إن منح شكر، ففاز بالرّاحة و السلامة و سلم من الحسرة و النّدامة.

و الثاني: القاضي بدر الدين، كان ذا أدب و حكمة، و ثروة و نعمة، و رئاسة و حشمة، و مات قبل أخيه، فكل ما جمعه تصرّف فيه، و كانت وفاته شهيدا بالطّاعون الكبير، و انقرض هذا البيت الخطير، رحمة اللّه عليهم أجمعين، فلقد كانوا أهل مكارم، وجود و رحمة في هذا الوجود.

و منهم صاحب العلم المبين، و الورع و الدين، القاضي شرف الدين، الحاكم بالنّاصرة، ذو الفضائل المتكاثرة، صحب الأكابر الأئمّة، حتّى صار من علماء هذه الأمّة، و اجتهد في طلب الحال، حتّى صار من أهل الثروة و المال، ثمّ نشأ له أولاد رؤساء أجواد علماء أعلام.

و منهم قاضي القضاة شمس الدين، ذو الحشمة و الدين، صاحب الصّدق و المعروف و الخير المألوف، يقضي على القذا، و يؤذى فيحتمل الأذى، قام في قضاء القضاة بصفد دهرا طويلا، فأفاض على الرّعيّة خيرا جزيلا، و سار فيهم سيرة مرضيّة حتّى أتته المنيّة، فوجد من جملة ما خلف من التّراث و الحاضر من الميراث خمسة آلاف دينار مصرية، و من الدراهم عشرة آلاف بندقية، إلى غير ذلك من الجاموس العديد، و الغنم المديد، فظنّ ولده أنّ ذلك لا يفنى و لا يبيد، فلم يلبث إلّا مدّة يسيرة، ثمّ مات، فظهرت عليه ديون كثيرة فأبيع جميع موجوده فلم يف بما عليه، فيا تعب من لم يقنع بما رزقه اللّه، و فوّض الأمر إليه.

و منهم أخوه القاضي برهان الدين، ذو الورع و الدّين، و السّكون و اللطف و الرحمة، و العطف، حسن الطريق لا يدخل فيما لا يليق، تولّى الحكم قديما بعكّا، و النّاصرة، فكانت له السّيرة الحسنة الفاخرة، ثمّ اختار الرّاحة و السلامة، و خفّة الحساب يوم القيامة، فجمع خاطره على اللّه و قنع بما عنده من فضل اللّه، فلمّا مات أخوه اختاروه و عيّنوه، فلم‏

198

يوافق و امتنع، فعظم قدره و ارتفع و كان ذلك من تمام سعادته، و كمال سيادته، فكأنّك بالدّنيا و لم تكن، و بالآخرة و لم تزل، و تولّى الخطابة بصفد، فرأى ما اختصّ به هذا البلد من النّكد، فرغب عن الخطابة رغبة فيما عند اللّه، و آثرني بها ابتغاء لوجه اللّه، رضي بالمقدور، و قنع بالميسور، و علم أن الدنيا متاع الغرور، أعانني اللّه على مكافأته، و جمعني و إيّاه في جنّاته.

و منهم الشيخ الجليل المنقطع للعبادة و التّحصيل، الشيخ شهاب الدين أحمد بن خفاجا الفقيه الشّافعي من أئمّة الدين، اشتغل بصفد، ثمّ رحل في طلب العلم إلى دمشق، فحصّل من العلوم الشّرعيّة جملا، ثمّ عاد و أقام بقرية ابنيت، عن النّاس معتزلا، يجمع و يؤلّف، و يفتي و يصنّف، و يشتغل بمن جاءه للتعليم، و يرشد من قصده للتّفهيم، و يفعل كل ذلك تبرّعا و احتسابا، و لا يطلب من الناس على ذلك جزاء و لا ثوابا، بل هو منقطع إلى اللّه، متوكّل على اللّه، يزرع بنفسه لطلب الحلال، فإذا حصل القوت، و اطمأنّت قلوب العيال، تفرّغ لعبادة ربّه، و تحصيل العلم و كتبه، و كل من جاءه لاستفتاء و اشتغال أضافه من ذلك الكسب الحلال، ثمّ يشغل من اشتغل، و يجيب من سأل، فإذا فرغ أقبل على التّصنيف، و انكبّ على التّأليف، و كان لا يأكل إلّا من طعامه، و لا يقبل شيئا مدّة أيامه، و عمّر نحو السبعين، و كان له مصنّفات كثيرة في علوم الدين، شرح «كتاب التّنبيه» و سمّاه «بالمصباح» في نحو عشرة من المجلّدات، و صنّف مختصرا في الفقه نحو مجلّدين، جمع فيه مقاصد الرّوضة بأوجز العبارات، و شرح «كتاب الأربعين النّواويّة» شرحا مطوّلا، يحوي الفوائد السّنيّة، و له غير ذلك من المصنّفات، و كلّها بحمد اللّه نافعات، و لمّا أوقفني على شرح التّنبيه سررت به و دعوت له، و كنت آنذاك شابا صغير السّن فقلت:

شعر:

199

نفدي بأنفسنا و بالأرواح‏* * * من قد غدا سببا لنيل فلاح‏

لم لا و أهل العلم تعلم أنّه‏* * * شرح الصّدور بشرحه المصباح‏

فسرّ و دعا لي، و قال: عليك بملازمة الرّوضة للنّواوي، فإنّي رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم) في منامي، في شهر رمضان، فقلت: يا رسول اللّه ما تقول في النّواوي؟ قال: نعم الرّجل النّواوي، فقلت:

صنّف كتابا و سمّاه الروضة فما تقول فيها؟ قال: هي الرّوضة كما سمّاها، ثم وقف بعد ذلك على ما علقته من شرح المنهاج، فسّر به و دعا له بالتّيسير و الإعانة، و حثّني على الاجتهاد فيه، و لمّا مات كانت له الجنازة العظيمة، لم يتخلّف عنها أحد من أعيان صفد: الأمراء، و الفقهاء، و الفقراء، و تولّيت غسله و حمله و تزاحم الأمراء على حمل جنازته، رجاء بركته، و أنا وضعته في اللحد، و كان هذا به آخر العهد، و له تلامذة به انتفعوا، و ببركته ارتفعوا.

و منهم الشيخ علي الشّوراني و قد تقدّم ذكره.

و منهم الشيخ الصالح الشّفوق النّاصح العالم العامل الورع، الزّاهد القانت العابد، المعرض عن الفاني، التّارك للأماني، الفقيه شهاب الدين أحمد القاري، لزمه دهرا، فحصل له خيرا، ثمّ انقطع و اجتهد في تحصيل الزّاد للمعاد، و إعرض عن الدنيا و أهلها، و قنع بقوت من حلّها، فهنّاه اللّه بما أعطاه، و منّ علينا بما آتاه.

و منهم حسن المقاصد، و كثير الفوائد الشيخ علاء الدين بن حامد، السّيّد الجليل، و المجتهد النّبيل العالم الفقيه، و الخيّر النّبيه، قرأ عليه كتاب التّنبيه، ثمّ بحثه و تفقه فيه، و تفنّن في العلوم الشّرعية، ثمّ برع في الفروع الفقهيّة و كتب بخطّه كثيرا، و اجتهد اجتهادا كثيرا، اشتغل اللّه على كلّ حال، فأذنت له في الفتوى من غير سؤال، و هو باق في الاجتهاد، و مستمرّ في الازدياد.

200

و ممّن ورد على صفد، و أقام فصار من أهل البلد: الإمام العلّامة و القدوة الفهّامة أحد الأئمّة الأعلام، بقيّة السّلف الكرام، ناشر العلم بهذا الإقليم، و جابر الطّلبة بخلقه العظيم، و داعيا ليلا و نهارا إلى الطّريق القويم، المجتهد سرّا و جهرا في هداية الخلق إلى الصّراط المستقيم، خلف السّلف الصالح علاء الدين علي بن محمد صالح، شيخ الإسلام المعروف بالرّسّام، كان إماما عظيما، و سيدا حليما، و خيّرا حكيما، قد استغرق لأوقاته الصالحة كلّها في مساعدة الخلق في الأمور العظيمة و حلّها، فإنّ للّه عبادا طهّرهم من الأدناس، و خلقهم لحوائج الناس، تفزع الناس إليهم في أمورهم، أولئك هم المؤمنون يوم القيامة، أتيته لوداعه عند توجّهه إلى الحج فسألته الدعاء، فقال لي: سألت شيخي ياقوت الاسكندري الدعاء عند وداعه، فقال لي: سألت شيخي أبا العبّاس المرسي الدعاء عند وداعه، فأخبرني أنّه لمّا اجتمع بأبي العبّاس الخضر بأرض برقة سألته الدعاء عند وداعه، فقال لي: صحبك اللّه اللطيف الجميل، و كان لك صاحبا في المقام و الرّحيل، قلت: في هذه الحكاية فوائد منها معرفة هذا الدعاء العظيم الموقع، و منها نقل العدل الضّابط، عن العدل الضّابط وجود الخضر و حياته، و حصول مشاهدته، و كانت له طريقة تجمع بين الشّريعة و الحقيقة، كثير الخشوع، غزير الدّموع، إذا جاءه أحد من الطّالبين، فكأنّما جاءه أمير المؤمنين، جئت يوما لزيارته و قد جاؤوا ببغلته، و هو متوجّه إلى دار العدل، فإنّه من أهل العقد و الحل، فأمر محضر البغلة فرجع، ثمّ دخل إلى بيته و لأثوابه نزع، ثمّ حمل كتابا و بساطا، و أظهر قوّة و نشاطا، فقلت: و اللّه لقد زاد الخجل ممّا حصل، فقال: صحبتك يخشى فواتها، و دار العدل كثير أوقاتها، فأثابه اللّه الجنّة، لقد حملني أعظم منة، و كانت أوقاته معمورة، و أعماله مبرورة، إن صلّى فبالخشوع يطيل السّجود و الرّكوع، و إن ذكر فمن صميم القلب، و إن آذاه أحد صبر عليه و اعتذر إليه، كأنّه صاحب الذّنب، و له تلامذة و أصحاب حصل لهم به الخير، و كتب له الثّواب.