رحلة سبستياني‏ - ج1

- جوزبة سباستيني المزيد...
136 /
55

الفصل الحادي و العشرون السفر الى بغداد

منذ اشهر عديدة و انا اقاسي آلاما مبرحة بسبب مرض في خصري، ظهر عندما كنت في مسقط فبدأت بمعالجته هنا [في البصرة]. ثم توقفت عن المعالجة خوفا من ان اصبح اتعس حالا، و كان الحر شديدا، و قد استغرب من هذا الحر خادمنا ابلحد نفسه‏ (1) [و هو من سكان البلاد].

صعدنا الى السفينة في 16 آب «1658» و معنا كل من اسكندر و يوسف خادمينا، و قد اطلقنا عليهما اسمين فرنجيين و هما الكسندرو و كارلو.

و لما كان التونيون يسيرون ضد التيار، فان دانكنا كان يتقدم ببطء، و بعد ان عبرنا القرنة و كوي‏Coi و المدينتين‏due Medine و التركية؟ الساقيةSaghe قدمنا في اليوم السادس الى الجزائر،Gezzael فالتقينا هناك بالفرنسيين و الجنود الذين تركوا البصرة منذ شهر، فاتوا للحال للسلام علينا و استقبلونا بفرح عظيم، و اخذوا يرددون علينا كيف مات قبل ايام اكبر الجنود سنا في الساقية و دفن هناك ....

يكثر نصارى مار يوحنا في اطراف الجزائرGezzael و قد اظهروا نحونا لطفا كبيرا. و قد توغلنا في نهر الفرات فمررنا بالشالوشية(Salucia) و كوت معمرCutimarmer و مسافرMusafar و اخيرا العرجةArge (2) و هذه قرية لا

____________

(1) ان هذه التسمة مختزلة من «عبد الاحد»، و الاسم نصراني حديث، وجد حسب اعتقادنا على اثر دخول الرهبان الدومنيكيين الى الشرق، و هو تعريب اسم دومينيكوDomenico .

(2) كوت معمر قرية بين سوق الشيوخ و الناصرية على ساحل الفرات من جهة الشامية،-

56

بأس بها، يسكنها عدد من الصابئين، و قد اعطونا مقدارا من الحليب، و كانوا يشيرون الى واحد منهم كان قد اعتنق الاسلام قبل مدة، فلما شعر بان الكلام يدور عليه استشاط غضبا فاخذ يصرخ و يسب و رفع قبضته مهددا.

بعد ان عبرنا قرية العرجة تحرش بنا بعض الاعراب نحو منتصف الليل، و لما كنا على استعداد لمناجزتهم، فانهم لم يتمكنوا من مباغتتنا او ان يلحقوا بنا اذية. كما استطعنا النجاة من خطر اخر اشد، فقد مر بنا اسد هائج، و كاد ان يهجم علينا اما الخطر الاقوى فكان القيظ الشديد ...

وصلنا الى السماوةSamauat و هي قرية كبيرة، فمكثنا فيها يومين، و حدث هناك ان ربان دانكنا غضب على غلام كان يداعبه، و في سورة غضبه كاد ان يقضي عليهما اذ رماهما من الدانك، لا لشي‏ء الا ليتخلص من دفع الرسوم عنهما .. و كان الربان يعاقر الخمرة فتجده ثملا معظم الوقت ..

بعد تركنا السماوة مررنا و نحن في النهر في مناطق تكثر عليها الخيام، و في التاسع من شهر ايلول، شاهدنا في احدى الخيام، صبايا عربيات و هن يرقصن. و كان الرقص يجري بأن تقف الفتيات اثنتين اثنتين، تقوم الواحدة واقفة فوق كتفي رفيقتها و كان شعر رؤوسهن منثورا، و فيه زينة «حلي؟» كثيرة.

اما ثيابهن فقد كانت بسيطة و طويلة و لها اكمام عريضة، و كن يقفن و يتراقصن و يغنين فرحات جذلات و يؤدين العابا جميلة، و كان ذلك بمناسبة الاحتفال بعيد الاضحية الذي يدوم ثلاثة ايام. ففي هذا اليوم يقوم الاتراك «المسلمون» بنحر الاغنام و الكباش في المدينة (المنورة)، اما الايرانيون فانهم ينحرون الابل.

و بعد ان يضحوا، يدخلون لزيارة قبر النبي و التبرك به.

كان احد الركاب الفرنسيين قد اصيب بالزحار (الديزنطري) منذ بضعة ايام. و قد ناولناه الادوية التي كانت في حوزتنا في ظروف كهذه، لكنه لم‏

____________

اما العرجاء او العرجة فتقع شمالي الناصرية بنحو ثلاثة كيلو مترات (يعقوب سركيس: مباحث عراقية 2/ 374، علي الشرقي: الجزائر في مجلة لغة العرب 4 (1927) ص 526- 530.

57

يستفد كثيرا، فانهارت صحته بالاكثر، و اخذ يدنو من شفا الموت، فاستسلم الرجل لمصيره و استعد بهدوء كبير ... و كان علينا ان نهتم بامتعته، فقد جرت العادة «في تلك البلاد» ان يرث الباشا او الشابندر (1) او الامير اموال المسافرين المتوفين. فهم يدعون بانهم اسياد الاخرين و كل شي‏ء يعود اليهم.

استدعينا الربان، و بعد ان لاطفناه بالكلام، اقترح علينا «حلا للمشكل» ان ندعو المسافرين المسلمين، قبل أن يموت الفرنسي، فيقر امامهم بانه كان قبطانا فرنسيا تاه في الهند، و لذا فليس له امتعة خاصة به، الا ثيابه و عشرين عباسية (2) فقط، ثم يعرضها امامهم. و قبل ان نجري بالفعل ما أقترحه علينا الربان، وضعنا امتعة الرجل عند مساعده الذي كان فقيرا و محتاجا.

في اليوم الثاني عشر من ايلول «1658» وصلنا الى الرماحيةRomaia ... فازدادت آلام الفرنسي و ساءت صحته، فدعا زميله و مساعده فاعتذر اليه عن سيئاته نحوه، و ترك له برضاه كل ما كان له من امتعة و اذ كنا نتلو الصلوات من اجله اسلم روحه ...

كان صاحبنا هذا شابا لا يزيد عمره عن 22 سنة، و كان تقيا فاضلا، و هو من نبلاء مقاطعة بريتانا «في فرنسا» ... ذهب رباننا ليحيط القاضي علما بوفاة الرجل، فارسل للحال من يتأكد الخبر و يفحص الجثة و يضع جردا لامتعة المتوفى، فلما علم ان ليس للميت ارثا يذكر، و اطلع على وصيته بشهادة المسلمين الحاضرين، قفل راجعا الى محله، تاركا الارث للملازم الذي اضطر فيما بعد ان يقاسم القبطان تلك الامتعة.

____________

(1) الشابندر او الشاهبندر هو المسؤول عن الموانى‏ء، و هو حسب سبستياني موظف الكمرك.

(2) من النقود التي كانت منتشرة في العراق، و نسبتها الى الشاه عباس الكبير (1588- 1629) «و غالبها من فضة و نحاس قليل منها كان من ذهب» العزاوي: تاريخ النقود العراقية ص 171، ذكرها الرحالة تيفنو ج 3 ص 212 و 213 و ذلك سنة 1664 فقال: «العباسي يعادل شاهين و نصف شاهي» (سركيس مباحث 2/ 173- 174).

58

بعد ان وارينا الميت الثرى، و تلونا على روحه الصلاة، طلبنا من القبطان ان يزودنا بخيول تحملنا الى بغداد، كما كنا قد اتفقنا، لكنه اصر ان نكمل السفر الى بغداد بقارب صغير، لان تكاليف القارب ارخص بكثير. و قد اعدت الطلب بإلحاح، لان الايام كانت تمضي بسرعة، و كنت لا ازال اعاني من الالم لاصابتي بالزحار، لان مياه الفرات لم تكن توافقني، لكن الرجل عنيد في قوله، فسلمنا امرنا لله و بقينا على مضض.

ذهبنا من الرماحية الى الكوفة (؟)Cufcus فسمعنا هناك ان الاسود هجمت في الليلة السابقة على القرية فافترست بقرة، لكن الاهالي اتهموا النواتي بسرقتها. فاتخذوا من ذلك حجة ليهجموا علينا. فنشب شجار كدنا نذهب ضحية له، ثم هدأ الطرفان في الآخر.

التقينا قبل ايام و نحن في الفرات، برجل داخل سلة مطلية بالقار (القفة)، و معه حمامتان و كان متجها نحو الجنوب في طريق البصرة، و قد ارسل للاستفسار عن سفينتنا، فصعد اليها و كتب بطاقتين، ربطهما تحت جناحي الحمامتين و اطلقهما فحلقتا قليلا فوقنا، ثم اسرعتا في الطيران الى الامام، لتصلا الى عشيهما حيث تركتا الافراخ و هناك يأخذهما صاحبهما فيطلع على الخبر الذي يريد معرفته.

ذهبنا من الكوفة الى الحلة(ILe) و كنا نسير بمحاذاة شاطى‏ء جميل يقوم عليه نخيل كثير و المنطقة مأهولة بالسكان، لكن الذباب كان كثيرا و لم يدعنا ننام، فقد كان يهجم علينا، و يتسلل تحت اغطيتنا و ألحفتنا و داخل ملابسنا.

تقع بابل الاثرية الشهيرة هنا في الحلة، و هذا القول يستنتج من دراسة الموقع على الفرات، و كل القرائن تدل على ذلك، كاعتدال الهواء و نقاء الدم و قرب البرج: ذاك البرج الذي يطلق عليه اسم برج (نمرودNembrod بالرغم من ان البعض يزعم ان بابل هي تلك الاطلال الواقعة بالقرب من بغداد) (1) و الاثار التي تشاهد هنا عظيمة.

____________

(1) لعله يشير الى اثار عقرقوف؟

59

لقد لقينا احتراما في مراكز الكمرك التي مررنا بها. و قد كنا نقول للموظفين بانّا من جماعة طوبجي باشي اعني قائد المدفعية في دمشق و بغداد، و هو مسيحي من كريت، يكن له القوم احتراما عميقا و يهابون جانبه في مختلف انحاء البلاد. كان هذا الرجل في الجيش العثماني مع شخص آخر اسمه جيوفاني البندقي، في الحرب التي خاضها العثمانيون لاسترجاع بغداد (1) و قد عقد لهم اكليل النصر، و يرجع الفضل الاكبر في النصر الى المدفع، فجازى السلطان جيوفاني، خير مجازاة ثم ميخائيل ايضا، و اقتطع لهما قرى كثيرة.

لم نذهب لمشاهدة البرج بسبب وقاحة كارلو، و لان تلك الجهات كانت مليئة بالاعراب، و قد هجموا قبل ايام على قافلة مرت من هناك فضربوا افرادها بقساوة ضارية و قتلوا بعضهم و كان رئيس قطاع الطرق ابن شيخ تلك المنطقة، فاضطررنا إلى البقاء في تلك البقعة يومين بانتظار قافلة من الايرانيين العائدين من الزيارةGezzara حيث ذهبوا للتبرك في جسد احد اوليائهم‏ (2).

حاول رباننا بمختلف الوسائل و الحيل، ان يبتز دراهمنا، و كان يتمنى ان لا يترك لنا شيئا، لولا خوفه من ميخائيل طوبجي اذ كان يعتقد انه في بغداد، و كنا قد لمحنا اثناء حديثنا، اننا كتبنا اليه، بواسطة الانكليز، نخبره باننا على متن هذه السفينة.

خرجنا من الحلة مساء فعبرنا الفرات على جسر من القوارب، و قد امضى الغلامان ليلتهما في المدينة، فقلقنا عليهما، لكنهما عادا مع تباشير الصباح، فعاودنا السفر، و بعد نحو خمسة عشر ميلا من المدينة لاحظنا اعرابا يتجمعون و يتمركزون على مسافة ليهاجمونا. و للحال اتخذنا نحن ايضا مواقع للدفاع، دون ان نتوقف عن السير، بل بالعكس، فقد اسرعنا في سيرنا، فلما لاحظوا كثرة عددنا، و انطلت عليهم حيلة التجأنا اليها، و هي، اننا وضعنا بين‏

____________

(1) انظر الملحق رقم (12).

(2) في النص يتكلم عن احد «انبيائهم»، و هذا خطأ.

60

بندقية و اخرى عصا طويلة تظهر من بعيد و كانها بندقية، خافوا منا، فمررنا على مسافة رمية بندقية دون ان يتحركوا.

قضينا نهارا و ليلة في خان جميل جدا، كالذي يشاهد في فارس، و هناك ابتعنا ما يروي عطشنا، خاصة مشروبا حارا حلو المذاق، كان جزيل الفائدة للمعدة.

امتطينا خيولنا منذ الصباح الباكر، و سرنا بسرعة، دون التوقف في الخانات التي مررنا بها.

و لما قاربنا بغداد التقينا بعسكري انكشاري كان سفيها و قحا، فدفع له قبطاننا الرسوم المفروضة علينا، و عندما بلغنا الجسر، اذا بانكشاريين يهمون بالقبض علينا، معتقدين اننا قادمون من حلب: فقد كانوا ينتظرون بعض الفرنسيين القادمين من تلك الجهات ليلقوا القبض عليهم حال وصولهم بامر الوالي نفسه، لكن قبطاننا افهمهم حقيقة امرنا، فدخلنا الى المدينة، و بعد ان فحص رجال الكمرك امتعتنا، ذهبنا الى بيت الكبوشيين، الذين استقبلونا بحب و ترحاب.

61

الفصل الثاني و العشرون كلمة عن النساطرة

لم يكن قد مضى زمن طويل منذ ان تبوأ وال جديد مدينة بغداد و هو صهر السلطان‏ (1). و حدث ذلك على اثر مضي الوالي السابق‏ (2)، الذي كان، و الحق يقال، يكن للاباء الكبوشيين احتراما و تقديرا، و ما ان قدم الباشا الجديد، حتى ذهب بعض ضعاف النفوس المتحاملين على الاباء فوشوا بهم‏

____________

(1) كان والي بغداد آنذاك محمد باشا الخاصكي الذي تعين في نهاية سنة 1656 (1067 ه)، و كان فيما مضى واليا على مصر و دمشق. و بقي في بغداد الى اواخر صيف 1659 (1070 ه) و هو الذي تربى تحت رعاية السلطان و في كنفة « (كلشن خلفا ص 251) لكنه لم يكن صهر السلطان بحصر المعنى كما يذكر سبستياني.

و الخاصكي «استملك بعض كنائس النصارى المجاورة لمساجد المسلمين ...

و اتخذ منها مسجدا و معبدا لاهل الهداية» (المرجع نفسه ص 255).

قال العزاوي «في ايام هذا الوزير كان بعض الرهبان بنى كنيسة بقرب مرقد الشيخ محمد الازهري ... في حين ان النصارى لم يبنوا في بغداد من ابتداء عمارتها ديرا (كذا) فلما سمع الوزير بذلك خرب الكنيسة و بنى موضعها جامعا ... و عرف بجامع محمد باشا السلحدار ثم شاع باسم (جامع الخاصكي) ..» تاريخ العراق بين احتلالين 5/ ص 64 راجع ايضا رزوق عيسى: كنائس النصارى في بغداد في نشرة الاحد 4 (1925) ص 679- 681 حيث قال «في سنة 1631 م اشترى الاب جوست الكبوشي الباريزي دارا في الزوراء و اتخذها مسكنا و مصلى يقيم هو و جماعته فيها فروضهم الدينية و في عام 1637 م سجلت الدار باسم ملك فرنسا لويس الثالث عشر (و كان مجاورا لدير الرهبان) قبر الشيخ محمد الازهري ...»

(2) الباشا السابق هو محمد باشا الابيض (اق محمد باشا) 1065- 1067 ه (1654- 1656 م).

62

عنده، فاضطهدهم و وضع يده على ديرهم، و هدم بيعتهم، و اقام مكانها مسجدا، ثم كبلهم بالحديد و اوقفهم «امرهم بالاقامة الجبرية» في بيت احد المسيحيين و منعهم من الخروج، فعاشوا فترة من الزمن حياة تعيسة، و قاسوا الامرين، لكن «الباشا» بعد ان بحث عن الحقيقة، ظهرت له براءتهم و بانت نقاوة سيرتهم، فاشترى بيتا جديدا، احسن من السابق، و جعل من الطابق الارضي معبدا و سلمهم اياه، فعادوا الى البيت فرحين.

و لما كانت بغداد مركزا لاتباع نسطور (1)، فلا بد من ان انوه عنهم بكلمة (2) ... و لا يزال اتباعه الى يومنا هذا، و لو ان عددهم ليس كبيرا في هذه المدينة، لكنهم كثيرون في اطراف الموصل، اذ يبلغ عددهم هناك نحو اربعين الف ...

ان الاكليروس و العلمانيين الانقياء يتناولون القربان بايديهم، و يشربون من الكأس ايضا، اما سائر المؤمنين، فانهم يتناولون القربان من يد القسيس، بعد ان يبلل الخبز بالخمر ...

ينتخبون اساقفتهم و بطاركتهم من بين الرهبان فقط، و يقوم البطريرك على اثر تعيينه من قبل سلفه بشرط ان يكون قد امتنع كليا عن اكل اللحم.

يعتبرون انفسهم كاثوليك فيطلقون هذه الكنية عليهم، و يلقبون أنفسهم بالبابليين، و يقولون بانهم يؤمنون بكل ما علمه الحواريون. يعيشون في جهل مطبق ...

لهم بطريرك يقيم في القوش‏Alcus بالقرب من الموصل ...

زارنا كثيرون من اتباع الوالي و عبيدة (بينهم عدد كبير من اصل نصراني) فواحد من مالطة، و الاخر من باليرمو و الثالث من سيراكوزه (ايطالية) او من اسبانيا و فرنسا ... و اظهروا لطفا كبيرا نحونا ...

____________

(1) هو بطريرك القسطنطينية (428- 430) له مذهب ديني خاص لا يوافقه الكاثوليك عليه.

(2) يذكر المؤلف شيئا عن حياة نسطور و بعض تعاليمه الايمانية التي لا حاجة بنا اليها.

63

ناولت «القربان» الى نساء عديدات من اهل البلد، و لهن عادة التقرب و هن واقفات، اذ يعتبرون الوقوف علامة اكرام و تبجيل.

لا حظت عادة اخرى عن الاتراك انهم يحيون باليد اليسرى! ...

لقد ظهر لي ان الامبراطورية العثمانية كلها في حالة من الفوضى لا تحسد عليها، فانتصارات اهل البندقية المتتالية، اولئك الذين اصبح لهم قوة كبيرة يحسب لها الف حساب، من جهة اخرى كان حسن باشا (1) والي حلب واغا التركمان قد اعلنا العصيان و اتفقا مع والي دمشق و القدس، و مع رؤساء اخرين، فجمعوا جيشا عرمرما مؤلفا من جنود مدربين، و زحفوا على اسطنبول مهددين قاعدة المملكة بالخراب. عندئذ اصدر الباب العالي امرا الى جميع الولاة (الباشوات) ليجمعوا عساكرهم لمجابهة ذلك الجيش، و أن يجتهدوا ليحولوا دون اتفاق اولئك «العصاة» مع الشاه الايراني، اذ كانوا يعتقدون «هناك في الباب العالي» بوجود اتفاق بين المتمردين و العاهل الايراني. و كان مرتضى باشا قد وصل الى حدود الموصل على راس جيش قوامه ثلاثة عشر الف جندي، دون نظام، و كان جيش الثوار من الطراز نفسه، و كانوا «اعني جنود مرتضى» يهاجمون القرى الآمنة و المسافرين، و القوافل ايضا، فيسلبون و يقتلون.

ان هذه الاحوال المضطربة حملتني على ترك طريق ما بين النهرين و السير في طريق الصحراء مع دليل و برفقة جنود و خادمين اثنين، بصحبة القس الياس‏ (2)، الذي كان نسطوريا فتكثلك، و هو ابن اخي بطريرك تلك الطائفة (3) و قد

____________

(1) «كان قد تمرد حسن اباظة باشا في الاناضول و استشرى فساده، فصدرت الاوامر الى مرتضى باشا بالسفر الى هناك لقمع الفتنة، و الحق به بعض الميرميران و القواد من العساكر، و لما وصل قرب قونية عبأ قواته و هجم على العدو قبل ان يعد العدة و يهيى‏ء جنوده للحرب، و بعد كر و فر و طعن و ضرب دارت الدائرة عليه و ارتد مخذولا نحو جهة حلب .. ثم جمع اشتاته، وراح يستعد لا عادة الكرة ثم سار نحو خصمه ..» كلشن خلفا ص 257.

(2) بخصوص القس الياس انظر الملحق رقم (13).

(3) انظر الملحق (14).

64

اخبرني القسيس انه يقصد السفر الى روما للتبرك، و لاجل امور خاصة به، و قد اوصتني عليه امه بدموع غزيرة كما اوصانا عليه اخوته و الاباء و الكبوشيون.

اتخذنا لنا دليلا يعرف الطريق، ندفع له ثلاثة و ثلاثين قرشا، ثم اشترينا الخيول و أعددنا ضروريات الطريق، و قبل ان نبدأ السفر انتشر خبر مفاده، ان الباشا امر بالقبض على الافرنج القادمين من حلب، فتخوف «الشاطر» اعني الدليل و عدل عن السفر، فوجدنا دليلا ثانيا، ندفع له اربعين قرشا، و هذا بدوره غير فكره و امتنع عن السفر. فاضطررنا إلى الانتظار ريثما يصل الافرنج مع القافلة القادمة، فما ان دخلوا بغداد حتى تم القاء القبض عليهم وزجوا في اسطبل احد الاغوات الكبار.

كان هؤلاء الافرنج الماركيز درفيل‏Dereville ، و رفيقه المدعو ميركانتي‏Merchanti و كانوا يقولون انهم في طريقهم الى الهند عن طريق البصرة، و لم يكن معهم من المال الا اليسير، اضافة الى ساعة، يقدر ثمنها بثمانين قرشا، و بعض الاسلحة و مجموعة من الرسائل. فصادرت السلطة هذه الاشياء كلها للحال، لكن هؤلاء كانوا اوسع حيلة و ابعد نظرا اذ كانوا يتوقعون هذه الاحداث، لذلك كانوا قد وضعوا الاغراض المهمة و الثمينة امانة عند بعد الارمن الذين كانوا معهم في القافلة، و قد قدم هؤلاء- الارمن- شهادة حسنة بحق الافرنج اثناء الاستجواب.

ارسل الوالي في طلب رئيس الاباء الكبوشيين و امره ان يترجم بكل امانة تلك الرسائل المصادرة الى اللغة التركية، كما امر ان يحضر معه مملوكه الفرنسي عمر. فتعاونا لتكميل ارادة الباشا، لكنهما اتفقا على ان يغضا النظر عن كل ما في الرسائل من امور قد تثير الشكوك، و لم يكن في بغداد غيرهما من يتقن اللغة الفرنسية، لكن الوالي كان قد عرف بان أحد الافرنج هو سفير البندقية الى شاه ايران جاء بمهمة خاصة و هي ان يحثه على مهاجمة بغداد، لذلك قرر ان لا يطلق سراحهم، بل وضعهم في مكان ارحب و انظف من الاسطبل! و سمح لعبيده الافرنج بان يذهبوا لزيارتهم و يقدموا لهم المساعدة اثناء الطعام للاطلاع على اشياء كثيرة.

65

كان اثنان من الارمن، من اصدقاء الماركيز المذكور، قد هجم عليهما اعراب الصحراء، فضربوهما في الرأس و في الساعد الايسر، بالرغم من انهما كانا في عداد افراد القافلة المؤلفة من اكثر من مئة مسافر، لذا كانا يقولان لنا، انكم ان سافرتم بطريق الصحراء فستلاقون حتفكم من كل بد، و هذا ما اكده سباهي‏ (1) الوالي، و هو فرنجي الاصل من مدينة تريفزو (2)، الذي عاد من اطراف الموصل، و قد جرح جرحا مؤلما في كتفه اليمنى، و كان يردد انه متى ما تم اخضاع الاعراب، فمن الضروري التوجه لاخضاع التركمان الذي كانوا يتجولون في جهات حلب.

كان كارلو (خادمنا) سبب نفوق احسن خيولي ثم تمرض حصان آخر، و اصبح كارلو و اسكندر اكثر وقاحة مما كانا عليه من قبل. و لم نتمكن من العثور على دليل جديد، و حدث في تلك الايام ان قافلة بارحت بغداد متوجهة الى ايران، فما ان عبرت باب المدينة حتى هوجمت، و تبلبل افرادها شذر مذر، و كانت الخسارة نحو 5000 قرش اضافة الى موت بعض المسافرين! و قيل ان اللصوص هم من اتباع الوالي المقربين!

ان هذه الحوادث المتتالية حفزتنا على السفر باسرع ما يمكن في طريق الصحراء مهما كان الخطر فاجتمعنا للمشاورة، لكننا لم نصل الى قرار، و اجمعت اراء الاكثرية على العودة الى البصرة، او الذهاب الى اصفهان، فينتظر اياما احسن و فرصا مواتية في السنة القادمة، او ان نرجع من جديد الى الهند.

اخيرا، رأينا ان نقدم خدمة لله تعالى مع ما فيها من خطر على حياتنا، فقررنا ان نقوم بها.

فوجدنا دليلا يمكن الركون اليه، رغم افتقاره الى الخبرة الكافية في‏

____________

(1) لفظة تركية فارسية «سباه» تعني الجندي الخيال، و النسبة اليها سباهي، و كان الاقطاعيون يقدمون هؤلاء الجنود لخدمة مؤقتة.

(2) مدينة في ايطاليا، من ضمن مقاطعة البندقية.

66

الطرق، قبل ان يرافقنا لقاء مكافأة قدرها اربعون قرشا، فاشترينا حصانا ليحل محل الحصان النافق، و كان الحصان الثاني المريض قد تعافى، فاستعددنا للسفر، كما اشترينا خبزا و زبيبا لاكلنا، و لم ناخذ الا الاغراض الضرورية، و تركنا بقية الامتعة امانة عند الاباء الكبوشيين ليرسلوها مع اول قافلة تتجه الى حلب.

بعد اتخاذي هذا القرار، شعرت بالغم يهاجمني، كما ساورني شعور داخلي بقرب اجلي، فسيطر على الارق، و في الفترات القليلة التي كنت انام فيها، كانت الاحلام المزعجة تقضي على منامي، فكنت اراني مثخنا بالجراح في قلب الصحراء و منازعا اودع الحياة! ...

ارسلت عمر و بعض الخدم الاخرين الى درفيل (السجين الافرنجي) لا حيطه علما بسفرنا، فطلب منا ان نخبر القنصل بيكيت في حلب بما حدث له، ليهتم بكل الطرق و الوسائل من اجل اطلاق سبيله.

اما الخادم جابيلان فقد احب البقاء في خدمة الاباء الكبوشيين، فاخذنا عوضه شابا سوريا حلبي الاصل، لاننا اردنا ان يزدادد عددنا، فاشترى الرجل حصانا، و هكذا صار عددنا تسعة انفار، اعني: الاب رفيقي و انا، الجنديان، الخادمان اسكندر و كارلو، القس الياس، الشاطر (اي الدليل) و اسمه الحاج بركات (حاجي بركاتي‏Agi Paracati و الشاب السوري.

تركنا بغداد في العاشر من تشرين الاول (1658) قبل هبوط الظلام، بعد عشرين يوما من الاقامة فيها، فخرجنا من باب المدينة، و لم نلق اذية عند البوابة او عند عبورنا الجسر، نظرا لوجود شاب من بطانة الوالي اسمه مصطفى رافقنا الى الباب مع كاهنين كبوشيين، ولكن ما إن تركونا، حتى ركض في اثرنا عسكري انكشاري، لم يتجاسر على الكلام امام مودعينا، فطلب منا رسوما، فكان لا بد من ان نلبي طلبه، و كان كارلو يتبعنا عن بعد، فاقترب منه العسكري و طلب الرسوم، و اذ لم يكن معنا عندما دفعناها، فقد اداها من جديد كاملة عن الجميع! ..

67

الفصل الثالث و العشرون سفر خطر الى حلب‏

امتطينا خيولنا و سرنا طوال الليل، لكننا ضللنا الطريق، و توغلنا في ارض سبخة، ثم التقينا برعاة ارشدونا الى الطريق الصحيح، و بقينا نسير تلك الليلة و فى اليوم التالي دون التوقف للاستراحة، و كنا نتجنب الدروب المطروقة، و الاماكن المأهولة التي كنا نراها من بعيد، لنتوقى شر الاعراب فلا نعطيهم فرصة لمباغتتنا، فالمعروف عنهم، انهم ينتشرون في البادية، فاذا ما لمح احدهم المسافرين او احدى القوافل، يسرع فيخبر جماعته، فيجتمعون للاجهاز على القافلة.

و بعد ان سرنا في فيافي قاحلة لا نهاية لها، دخلنا في منطقة كلسية و عرة المسالك، لنبتعد عن قطاع الطرق، فقد نشعر بقربهم منا، بالرغم من عدم رؤيتنا لهم، و عندما اقتربنا من الفرات، توقفنا لنريح الخيول بعد تعب طويل، و اعتدنا ان نستريح مرة واحدة كل اربع و عشرين ساعة فقط، لنأكل لقمة يابسة و التمر و الزبيب، و لم نكن ننام الا نحو ساعتين من الزمن، نتناوب خلالها الحراسة ... ان الجنديين اللذين رافقانا كانا على طرفي نقيض في طباعهما، احدهما سريع الى الغضب، اما الاخر فمسكين، يفتقر الى الشخصية، يتذمر اكثر الوقت، تارة من السفر المضني و تارة من مرض خيالي يتصوره، و تارة اخرى من اخطار السفر، و لذلك كان يبكي احيانا، و يرمي نفسه على الارض فيتمرغ بالتراب و يطلب العودة، فكان يبتعد عن باقي المسافرين، رغم ما في الابتعاد عن الاخرين من اخطار، و لذلك كنا نحثه على السير، و كنا نهمز حصانه من وقت الى اخر ليسرع بالسير.

اما الشاب السوري الذي اتخذناه خادما بناء على توصية الاباء

68

الكبوشيين، فقد ظهر المسكين ناقص العقل و غريب الاطوار، فنسي انه يرافقنا من اجل تقديم الخدمة لنا، و كان في صراع متواصل مع الدليل يطلب منه بإلحاح ان يخدمه!.

في اليوم الثالث من سفرنا فقدنا ما كان معنا من الماء، فعطشت الخيول، و عند المساء مررنا بالنهر، فشربت و أكملنا المسير، و مررنا بطريق خطرة، فكنا نسير بصمت تام، فقد حرم الدليل علينا الكلام بل العطسة ايضا! و في الصباح غلبنا نعاس ثقيل فسقطنا كلنا عن خيولنا، لذلك سمح لنا المرشد ان نستريح مدة ساعة و لما امتطينا الخيول عاد النعاس يداعب اجفاننا ... و بعد مدة وصلنا الى عانة الواقعة على الفرات، و كان اليوم الرابع من سفرنا، بينما لو كنا في ركب قافلة كبيرة لما وصلنا الى هذه المدينة في اقل من عشرة ايام.

كان الحاج بركات من اهل عانة، لذلك اخذنا الى بيته، و هناك تناولنا الطعام على الطريقة العربية و كان تمرا و سمنا، و دفعنا رسوم المرور قرشين عن كل نفر اضافة الى ما دفعناه من قبل عند عبورنا النهر.

ان دليلا قادما من حلب، اخذ يروي لنا عن كثرة اللصوص و انتشارهم في الطرقات، ففكرنا باصطحاب دليل اخر اكثر جرأة و اوسع خبرة من مرشدنا. فوجدنا شابا اعرابيا مقداما، ثم قيل لنا انه خائن و هو على علاقة بقطاع الطرق، و من جهتنا فاننا و الحق يقال لم نركن اليه و لم نرتح، اذ كان يزورنا دائما و يجلس الينا، و يضرب على آلات الطرب بطريقة تثير الازعاج.

مرت ايام ثلاثة و لم نعثر على ضالتنا ... و كانت الخيول قد استراحت من تعب الطريق، فقررنا السفر، و اذ كنا في وسط المدينة (و جدير بالذكر ان مدينة عانة طويلة جدا، و تقع بين التلول من جهة و النهر من الجهة الثانية)، تصدى لنا عربي متسربل بالسواد من اعلى كتفيه الى اخمص قدميه، و على راسه عمامة حمراء، و له مسدسان على حقويه، و خنجر كبير في وسطه، فقال لنا: الى اين انتم ذاهبون؟ اتسيرون الى الموت؟ الا تعلمون ان الطرق كلها مليئة باللصوص في ارجاء الصحراء؟ اني و اللّه لولا مخافة ربي لتركتكم تسيرون الى حتفكم، لانكم و ايم الحق تستحقون الموت بسبب تهوركم،

69

لكنني اشفق عليكم، اني من اتباع الافرنج، و لذا اريد ان ارافقكم و ارشدكم في طرق سليمة، كما فعلت مع اخرين من قبلكم، و اعطوني كما ترتاؤون. و اذ كان الحاج بركات رعديدا، و قليل الخبرة في الطرق البعيدة، فقد ألح علينا كي نقبل الرجل، و اكد انه يعرفه شخصيا و انه جدير بالثقة. فاتفقنا على اثني عشر قرشا، فقادنا الرجل الى بيته، و احسن ضيافتنا، فلما حل الظلام عدنا الى الطريق كما اننا كنا نسير في النهار ايضا و تابعنا السير في الليلة التالية.

ثم علمنا اننا سنقترب من قافلة ميخائيل طوبجي الذي كان عائدا من دمشق متوجها الى بغداد، كما كان يفعل كل سنة، فيمكث هناك الى نهاية كانون الثاني‏ (1)، فتمنينا ان نراه و لذلك اخذنا ننصت في الليل الى وقع حوافر خيول قافلته، فعلمنا انه قريب، فذهبنا للقياه و تقديم احترامنا له.

كان يسير في ركابه عدد كبير من الجنود، معهم طبول و بيارق خفاقة، وراية مقدسة محمولة على جمل. فلما اخبروه بقدومنا و تعرف علينا ضرب ركبته بيمناه قائلا، وا ويلاه، اتذهبون الى نهايتكم؟ انه و اللّه تهور فظيع! لقد رأينا اليوم بأم اعيننا ستين واحدا من قطاع الطرق يعبرون الفرات، فبينت له ضرورة السفر، كما قلت له ان ثقتي بعناية اللّه عظيمة، عندئذ اطلق عيارا ناريا من بندقيته فاتى للحال ابنه «بولس اغا» و كان شابا له من العمر نحو ست عشرة سنة، فامره ان يكتب لي جوازا، يبين فيه انني من اقاربه، او بالاحرى ابن اخيه، و يشهد انه قد ارسلني الى الباب العالي، لامور مهمة، يجب ان ابحثها مع السلطان نفسه، و وقع عليها بختمه الخاص (و هو خاتمه الخاص).

عندئذ اخبرته عن اعتقال الماركيز، و طلبت منه ان يسعى لاطلاق سراحه فوعدني خيرا، ثم اردف: على ان لا يكون ذاك الشخص الذي التقى به في‏

____________

(1) ذكرنا في فصل سابق قول دي لاموت لامبيرت ان ميخائيل طوبجي هذا «يترك اراضيه الواقعة ... في طرابلس .. ليذهب الى بغداد ... و يكون سفره في ابعد الاوقات بعد 15 تشرين الاول ..» و هذا يطابق قول صاحبنا فقد لاقاه في الطريق قبل 23 تشرين الاول.

70

دمشق فأتعبه كثيرا، و قد ادعى انه ذاهب الى ايران لامور خاصة به، و قد نصحه بالعدول عن السفر، ثم عاد اليه عشية سفره، و اذ لم يلتق به في البيت، فقد كتب على جدار بيته «لا تكمل الطريق فسينفضح امرك»، ثم قال لي أمورا عديدة لا اتمكن من نشرها، و روى لنا عن جيش حسن باشا العظيم، و عن اعتقال سفير فرنسا في اسطنبول و عن احداث اخرى، انتشرت فيما بعد في العالم كله، و بعد ان ابدينا شكرنا الجزيل لحسن ملاقاته و كرم ضيافته ودعناه بسلام، و قد اوصى بنا كثيرا الى المرشدين، فعاودنا السفر و هو بدوره اكمل طريقه.

وصلنا في منتصف النهار الى بعض الخيام، فاذا بامارات الضعف و الجبن تظهر على دليلنا الجديد، ذاك الفارس المغوار، و اسمه رجب‏Recepe اذ قرر تركنا! و لما ابتعدنا عن تلك الخيام، رأينا خمسة اشخاص يركضون نحونا، و قد اطلقوا لخيولهم العنان، فتولانا الخوف، و شككنا في امرهم، لكننا فهمنا من احدهم انهم عبيد و قد وجدوا فرصة مؤاتية لاسترجاع حريتهم فهربوا!

ظهرت عن اليمن (؟)Sciaras و عن اليسار (؟)Masciati ثم (؟)Zaban و هي قرى صغيرة تقوم في وسط البطحاء. اما نحن فقد اهملنا طريق‏Masuati بالرغم من انه الدرب المسلوك عادة، لكن الامان فيه قليل، و سرنا في طريق تقودنا الى النهر، و قد لمحنا عن بعد ظلال (رجال؟) و للحال اطلق رجب الشجاع حصانه للريح دون ان ينبس ببنت شفة، فلم نسر في اثره ...

و عملنا بموجب خطة اقترحها علينا الحاج بركات، اذ اكملنا السير بعد ان استعددنا للقتال، و قررنا عدم الافتراق الواحد عن الاخر، و في حالة الهجوم، علينا ان ننزل حالا الى الارض، و نستغل الخيل كموانع للدفاع، فنمسك اعنتها باليد اليسرى، و نحارب باليمنى. و بينما كنا نضع هذه الخطة، كنا نستحث الخيل و نبتعد شيئا فشيئا دون ان نظهر ضعفا، فتلاشت الظلال عن نظرنا، و ابتعد الاعراب عنا، و بعد سويعات رأينا ذاك الجندي المقدام (رجب) مختبئا بين الادغال فظهر للعيان ضعفه و بانت خيانته، لكنه بدأ يدافع عن نفسه ملفقا

71

الاكاذيب، مدعيا بانه سبقنا ليجد اماكن حصينة، و ليطلع على عدد المهاجمين و جنسيهم (اي الى أي قبيلة ينتمون). و قد اخذ الخدم يضحكون و يستهزئون من الفارس العظيم، فحاولنا جهدنا تهدئتهم، خوفا من نشوب العراك فيما بينهم.

عند حلول المساء، اقترح القس الياس، انه ليس من باب الفطنة ان نعرض جواز السفر الذي زودني به ميخائيل طوبجي، فالرجل مشهور و معروف عند الجميع بانه نصراني، و قد كتب في الجواز اني ابن اخيه، و هكذا اعلن عن نصرانيتي، و قد يستنتج قراؤه ان كل افراد القافلة نصارى، فتكون العاقبة و خيمة، و كان الدليلان من رأي القس الياس، ثم اقترحوا ان يقال- عند الحاجة- باني تتري‏ (1) مرسل باسم والي بغداد السلطان، لقد قرروا كل ذلك دون علمي، و على اثر قرارهم، ذهب الجندي مرافقنا الى خيام غريبة ليعلن عن قرب وصولنا، ففرشوا الابسطة وصفوا الوسائد لنتكى‏ء عليها، و استقبلونا و الحق يقال باحترام بالغ، و بعد سويعات قدموا لنا خبزا مصنوعا من القمح كبير الحجم، لكنه كان ملوثا بالفحم و الرماد، و وضعوا امامنا شاة مطبوخة في وعاء كبير من الطين.

كنا في حالة من الجوع لا توصف، و كان اليوم نهار السبت، فاردت الامتناع عن تناول الطعام‏ (2)، لكني خفت ان يعطي صيامي مجالا للشك عند الاعراب، فطلبت منهم شيئا من اللبن، مدعيا باني و زميلي الاخر نشعر بألم في المعدة، فاحضروا اللبن في الحال مع دهن حار، فاكلنا، و سمحت لمرافقينا المسيحيين ان يتناولوا اللحم ... و عند شروق الشمس سافرنا من هناك، فوصلنا في اليوم التالي الى بلدة كبيرة يحيطها سور، اسمها الديرDer

____________

(1) التتر او التتار تعني سعاة البريد، و يكتبها البعض «ططر»، و كانوا يستخدمون لنقل البريد في ارجاء الامبراطورية و اشتهروا بسرعة الجري.

(2) ان قانون الرهبان الكرمليين القديم يحرم عليهم اكل اللحم. خاصة يوم السبت، تعبدا و تقربا.

72

فذهبنا الى مضارب البدو ... فاستقبلونا بحرارة، و اجلسوني في صدر ديوانهم ... و اجتمع القوم بنا ... و كان الجميع ينهضون و ينحنون امامي كلما نهضت او هممت بالدخول الى احدى الغرف ... ان بساطتهم تثير الاعجاب العميق.

كاد هذا المجلس الطيب ان يتحول الى مأساة مريرة، عندما وصل رجال يهود، فاخذوا يتفحصوننا جيدا، ثم صرحوا باننا من الافرنجة، لكن الدليلين انكرا ذلك، اما الجندي فقد انتهز الفرصة لعله يجني ربحا دنيئا، فاقنع الحاج بركات و هكذا اعترفا بالحقيقة الى حارس الديوان، و انتشر الخبر بين الجالسين كانتشار النار في الهشيم، فاذا بشاب يرتدي جبة من الحرير الاطلس قام في وسط المجلس و بيده هراوة غليظة، و قال انه شاهبندر البلدة، و لذا فهو يطالب بالرسوم (... و بعد اخذ ورد ...) ارضيناهم بقرش عن كل واحد من المرافقين ... ثم ما لبثت ان رأيتهم يتقاسمون المبلغ ...

تمرض احسن حصان كان عندنا، و كان متعبا و جريحا، و لما اردنا تبديل نعاله، طلبوا قرشا لكل مسمار ... و كانت مؤونتنا قد نفدت ... اما المملوكان فكانا في نقاش مستمر، و قد اراد كارلو التخلي عنا ... و قد فحص احد الاشخاص الخبيرين بالخيول حصاننا المريض فقال ان السير السريع يفيده ... و بعد ان اشترينا زادا لنا، و علفا لحيواناتنا، و بعد ان هدأت الحال بين خدامنا، قررنا السفر، و قد تقدم رجل من اهل المنطقة ليرافقنا في السفر الى حلب، و كان مزودا بالسلاح، فبعد ان اتفق مع دليلنا، تركنا بلدة الدير في مساء اليوم الثالث من وصولنا، فجبنا الفيافي طوال الليل، و لم نسترح الا في فترات قصيرة، حتى وصلنا الى منطقة هي اخطر المناطق في بلاد العرب كلها، و هناك كان خيالنا يصور لنا وجود اللصوص في كل خطوة و وراء كل اكمة! ...

خلال اسفاري في آسيا، في طريق الذهاب و بطريق الاياب، لم تمطر السماء ابدا، و حدث في ذلك اليوم ان تلبدت السماء بالغيوم، و انهمر المطر علينا مدرارا ... فصرنا نسير في وسط الوحول، و في منتصف النهار توقفنا

73

قرب ابار عميقة الغور، كان ماؤها اجاجا، يشوبه طعم الكبريت، و في اخر النهار، وجدنا بئرا ماؤها عذب.

كثيرا ما كنا نسير في دروب مطروقة من القوافل، لذا اخذنا نهتم بمراقبة النجوم ... و كنا بحاجة ماسة الى الماء ... انقضى يوم اخر، و كنا نسير في الطريق المؤدي الى عين طيبةTaiba و هي موطن ابينا المعظم ايليا (1) (حسبما يؤكد بعض المؤرخين). فاقترح الجندي علي ان نتزود هناك بالطعام. ولكننا لم نتوقف لان تلك البقعة كانت مليئة باللصوص، و لان دراهمنا كانت قليلة، فاكملنا مسيرتنا ... مضينا الى قرية سيبيلاSibilla و هناك لحق بنا السوري دون حصان، و اخبرنا قائلا بان حصانه لم يعد يتمكن من مواصلة السير، و استضافنا شيخ القرية معتقدا اننا تتر فاحسن و فادتنا، و ارسل الشيخ رجاله ليحضروا حصان السوري، ثم سرنا من هناك، بعد ان ابقينا الحصان العليل عند الشيخ كي يعالجه، كما بقي عندهم اسكندر و الشاب السوري كي يستريحا هما ايضا من تعب الطريق، على ان يلحقا قافلتنا متى ما تعافى الحصان ليكملا طريقهما الى حلب ... و قد مررنا بقرى عديدة، و في منتصف اليوم التالي بانت مدينة حلب من بعيد، فغمر قلوبنا فرح لا يوصف و رفعنا نشيد الشكر لله، و اكملنا طريقنا الى باب المدينة فدخلناها مغتبطين.

و عند وصولنا الى محلة الافرنج‏ (2) سقط احد الجنود عن حصانه، و بقيت رجله متعلقة بالركاب، فجره الحصان بضعة امتار فوق ارض حجرية صلبة، و بالرغم من الحادث الخطر فقد قام الرجل سالما و لم تحدث له‏

____________

(1) احد انبياء العهد القديم، له ذكر في الكتاب المقدس، ولد في المائة العاشرة قبل المسيح، و عاش على عهد اخيه الملك و ازابيل، و قاوم العبادات الوثنية متحملا الاضطهاد، و اصله من (تشبة) و ليس طيبة، و لذا سمي في المراجع الكنسية الكلدانية و ايليا التشبيثي» (انستاس الكرملي: مختصر ترجمة مار الياس الحي) في نشرة الاحد 5 (1926) عدد 14 ص 448 و في الاعداد التالية ص 474 و 496.

(2) يطلق على هذه المحلة اسم «الجديدة» و كانت غالبية سكانها من الافرنجة و المسيحيين.

74

كسور، فكانت معجزة من السماء! اما الحاج بركات فلما رأى نفسه قد وصل سالما الى حلب قرر ان يكمل نذرا كان قد قطعه على نفسه، و هو توزيع لحم كبش على الفقراء مع كمية من الرز، فاسرع ليكمل نذره.

75

الفصل الرابع و العشرون مكوثنا في حلب، و اخبار متفرقة (*)

ما ان بلغ خبر وصولنا الى الاب برونو (1)Bruno ، حتى خف لاستقبالنا مع لفيف الرهبان الاخرين، و خرجوا للقيانا الى ظاهر المدينة.

و ارسل القنصل الفرنسي بيكيت ممثلا عنه ليبلغنا تحياته، و قد انتظرنا مجي الشاهبندر ليفحص امتعتنا، فتأخر قليلا، و عندما وصل، استغرب لقلة اغراضنا و تفاهتها، و ساورته الشكوك في أمرنا خاصة بعد ان علم اننا كنا في الهند، فاخذ يضغط علينا بمختلف الطرق ...

صباح اليوم الذي وصلنا فيه الى حلب، سافر ثلاثة كهنة من رهبانيتنا الكرملية مع اثنين كبوشيين الى ايران، برفقة قافلة متوجهة الى الموصل ...

مكثت انا و رفيقي الكرملي و الخدام في حلب ننتظر اول سفية تمر بميناء الاسكندرونة لنعود الى بلادنا ...

كان القنصل الفرنسي رجلا غيورا هماما، مستعدا على الدوام لمد يد العون الى الجميع من اجل خير النفوس‏ (2) و قد استطاع بطريقة او باخرى‏

____________

* ليس في هذا الفصل ما يخص العراق مباشرة لكننا اقدمنا على ترجمة شي منه لانه يمس ببعض الطوائف المسيحية الموجودة في العراق.

(1) الاب برونو من الرهبنة الكرملية، فرنسي الاصل. كان دمث الاخلاق و طيب المعشر فاحبه سكان حلب على اختلاف مللهم، بحيث ان سبستياني اراد اصطحابه الى الهند فاجتمع سكان حلب من كاثوليك وارثوذكس و مسلمين و احتجوا على ذلك (الرحلة: المجلد الاول 34- 35) كذلك رباط: الوثائق الخطية 1/ 436 رحلة فرافنشنو ص 62 و قد بدأنا بترجمتها الى العربية).

(2) عن هذا الفصل راجع الملحق رقم (1).

76

اكتساب ثقة بطريرك اليعاقبة، الذي، كان مستعدا لتلبية طلبات القنصل نظرا لافضاله عليه، و لما كان كرسي حلب الاسقفي لليعاقبة شاغرا، فقد انتهز الفرصة و حث البطريرك على تعيين اسقف و هو شخص اسمه اندراوس من طائفته نفسها (لكنه كان متشبعا بالتعليم الكاثوليكي نظرا لاحتكاكه بالاباء- الكرمليين و كان رجلا ورعا)، كما طلب من البطريرك بان تجري رسامة اندراوس الاسقفية على يد بطريرك الموارنة في جبل لبنان، لان اندراوس المذكور كان موجودا هناك. فوعد البطريرك و اعطى كلمته، معتقدا انه لن يكون لوعده انعكاسات او تأثر على المدى البعيد، و ان باستطاعته ان يوقف المطران متى ما يشاء. لكن الاحداث اخذت تجري بسرعة لم يكن يتوقعها، فهرب من حلب بعد ان امر المؤمنين بان لا يستقبلوا المطران الجديد ابدا، و كان القنصل المذكور على علاقة طيبة بالباشا و قد سبق ان كسب عطفه، لذلك طلب منه ان يامر بعودة البطريرك الهارب من ملجئه و يأمره بعد وصوله ان يكتب الى الشعب ليخرج امام المطران اندراوس، و حصل على كتاب «براءة» للمطران من الوالي‏ (1)، و على كتاب اخر من الباب العالي ...

____________

(1) انظر الملحق رقم 15.

77

الفصل الخامس و العشرون إلمامة عامة عن الامبراطورية العثمانية

كانت مدينة حلب هادئة جدا، بالرغم من الثورات العديدة المنتشرة انذاك في اسيا، و كان يحكم المدينة انذاك نائب باشا (اي بالوكالة) (1)، و كانت الاضطرابات المتفشية في الامبراطورية العثمانية المنهارة مدار حديث القاصي و الداني، فالجميع يتوقعون خرابها القريب، و قد تناقلت الالسنة خبرا مفاده ان مياه النهر عندما انحسرت، ظهرت قطعة من الرخام كتب عليها بحروف قديمة ان سقوط الامبراطورية العثمانية قريب!.

عندما القي القبض على السفير في اسطنبول بتهمة التجسس لحساب اهل البندقية (2)، قيل انذك ان مفتي العاصمة الاكبر اقترح في ديوان القضاء ان يقتل جميع الافرنج القاطنين في الامبراطورية لانهم جواسيس. لكن اعضاء دار الافتاء كانوا اكثر تعقلا و دراية، فعارضوا الاقتراح، بالرغم من اقتناعهم بصحة

____________

(1) لربما يشير المؤلف الى قوناقجي علي باشا الذي وضعه السردار مرتضى باشا على حلب بعد ان سحق فتنة اباظة حسن باشا (الغزي: نهر الذهب في تاريخ حلب 3/ 287).

(2) ان المؤلف ينوه بالسفير الفرنسي دي لاهاي‏M .de la Haye و ابنه السيد دي فانتيلدMr .De Vantelet فقد اوقفا و ضربا بسبب كتاب سري كان قائد الاسطول البندقي قد ارسله الى السفير بواسطة شخص اسمه فيرمون‏Vertmont ليسلمه الى السكرتير البندقي‏Ballerino فوقعت الرسالة في يد الصدر الاعظم و كانت عاقبتها و خيمة على السفير دي لاهاي و على ابنه ...

F. Billacois: LEmpireduGrand Turevupar unsujetd uLouis XIVJ. Therenot

. 10. (1965-Paris )

78

التهمة الملصقة بالافرنج، لكنهم لا يريدون جلب نقمة عظيمة على الامبراطورية قد تكون الحرب احدى نتائجها.

لو كانت الامبراطورية العثمانية مأهولة بالسكان عامرة بهم، كما كانت عليه في عهد ملوكها، الروم، لاصبحت قوة لا تقهر، تخيف العالم كله، نظرا لاتساع رقعتها و عظمة هيبتها ... و بالرغم من تلك العظمة فان وارداتها لا تتعدى ثمانية ملايين قطعة من الذهب، و ليس بامكانها جمع جيوش كبيرة كما كانت تفعل في السابق، اما عن عدد سكانها فهو في تراجع مطرد، و معظم اراضيها غير مزروعة، و قد نقصت وارداتها كثيرا، و بالرغم من ذلك كله، فهي لا تزال تحارب البندقية ...

... تركنا حلب الى الاسكندرونة في 3 تشرين الثاني (1658) بعد ان مكثنا في الفيحاء ثمانية ايام ... صعد معنا الى السفية القس الياس، ولكن قبل ان تبحر السفينة ارسل القنصل الفرنسي في حلب في طلبه، ثم سافر فيما بعد على حسابه (حساب القنصل) الى مرسيلية ... و من هناك ذهب الى روما ...

79

الفصل السادس و العشرون الإبحار الى البندقية

اقلعت السفينة من اسكندرونة في الثامن من تشرين الثاني (...) و في الثاني عشر من كانون الاول وصلنا البندقية، فانتظرنا فترة في الميناء حتى تمكنت السفينة من الرسو ... و في الحادي و العشرين من الشهر نفسه ادخلونا المحجر الصحي القديم ... وصلنا روما في 22 من شباط (1659) و هو اليوم ذاته الذي تركنا فيه المدينة الخالدة قبل ثلاث سنوات ... و قد زرت قداسة البابا ... و قدمت باسم المطران اندراوس خضوعه للسدة الرسولية ... و قد وافق مجمع انتشار الايمان (بروبغندا) على رسامة المطران المذكور (1) ..

و قرر ان يرسل له مساعدة سنوية.

اما القس الياس فكان من جملة الفقراء على مائدة قداسة البابا (2) يوم خميس الفصح‏ (3)، و قد تأثر جدا من المثال الصالح الذي اظهره نائب المسيح، و قال انه يريد ان يذيع هذا الخبر في وسط هراطقة بلاده جميعهم و ينقله الى البطريرك عمه، و قد نال لاخيه عبد المسيح اركزيا قونيه كنيسة بغداد، و حظى ايضا بمعونة نقدية معتبرة الى بيته من المجمع المقدس المذكور (4).

____________

(1) تاريخ البراءة البابوية التي تؤيد رسامة المطران اندراوس 28 كانون الثاني سنة 1659 (راجع: عناية الرحمان ص 45، رباط ن المرجع المذكور 1/ 455).

(2) هو البابا اسكندر السابع (1655- 1667).

(3) جرت العادة ان يقوم البابا بخدمة مائدة الفقراء، او يغسل اقدامهم يوم خميس الفصح، اقتداء بما فعل السيد المسيح قبل موته. كما جاء في الانجيل الشريف (يوحنا 13/ 4- 17)

(4) لقد ترجمنا من الفصلين الاخيرين ما رايناه مفيدا، للعراق او لتاريخ الطوائف المسيحية من اهل العراق.

80

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

81

البعثة الثانية الى الهند الشرقية ملخص ما كتبه سبستياني عن العراق في المجلد الثاني من رحلته الى الهند الشرقية الكتاب الاول (ملخص الفصول الاولى)

في 7 شباط 1660 و بعد ان ودعت جميع الاصدقاء في روما، اخذت طريق نابولي، من اجل العودة الى الشرق ثانية ... في اواخر تموز رست في ميناء هذه المدينة سفينة فرنسية اسمها سان بيترو كانت وجهتها طرابلس في لبنان ... فصعدنا عليها. و في الحادي عشر من آب وصلنا طرابلس، فنزلنا الى البر في اليوم التالي ...

سافرنا الى حلب ... و عندما وصلنا الى هذه المدينة استقبلنا القنصل بيكيت و الاباء الرهبان ...

82

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

83

الفصل السابع و العشرون السفر الى ماردين ثم الموصل‏

و كان المناخ لا يزال حارا، و لذا كان من الضروري السفر ليلا و الاستراحة نهارا في ظل خيمة اشتريتها في حلب، و بعد ان عبرنا الفرات انقسمت قافلتنا الى قسمين، سار القسم الاول في طريق اورفا، بينما اتجه القسم الثاني، و هو اقل عددا، في طريق ديار بكر، و كنت انا بضمن القافلة الثانية، و قد دفعت الرسوم في البيرة ...

مررنا في تلك الليلة بالقرب من جبل قره داغ، و عند انبلاج الصبح كنا قد انتهينا من القسم الجبلي العالي فاصبحنا في سفحه الثاني، و اذا بمدينة ديار بكر تظهر على امتداد بصرنا، ان لمدينة ديار بكر اسما ثانيا عند الاقدمين و هو آمدAmid Amit . و بعد ان عثرنا على ينبوع ماء قراح بارد انزلنا الرحال و امضينا النهار كله، و عند حلول الليل انقسمت قافلتنا من جديد قبل ان ندخل المدينة، فقد دخل بعض افراد القافلة الى ديار بكر، اما القسم الثاني فكان مؤلفا من عدد صغير من الخيول و البغال، فقد اسرع في ترك اطراف المدينة قبل دفع الرسوم، و سلكنا طريقا بين الوهاد و الحفر الى ان اتينا الى تل و من هناك ألقينا نظرة عابرة على المدينة دون ان يلمحنا احد، و امضينا ذاك النهار في العراء اذ لم ننصب الخيام، لقد كان الجو حارا جدا، و عند المساء تابعنا سيرنا، و كان ظلام الليل حالكا لانعدام ضوء القمر، فمررنا بأودية و عرة المسالك، و بعد يومين او ثلاثة اقتربنا من ماردين و تقع هذه المدينة على جبل اشم، فأمضينا في جوار المدينة يومين او ثلاثة، لان مكاري القافلة كان ماردينيا. ثم ابدلنا خيولنا باخرى، لكن الخيول الجديدة لم تكن بقوة الاولى، و بعد ان تزودنا بالامتعة اللازمة، هبطنا الى سهل قوجحصار، فسرنا في طرق ملتوية وعرة

84

و منحدرة، و بنعمة من رب العالمين اننا لم نسقط من عن خيولنا اثناء الانحدار، و لما بلغنا السهل رأينا هناك قافلة و جهتها نصيبين، فسرنا في ركابها و وصلنا المدينة المذكورة بعد يومين ... و قد هطلت امطار غزيرة علينا في سفرنا ... ثم عاودنا السير.

في اليوم التالي من سفرنا هذا، حدث ان غلاما مسيحيا يبلغ من العمر اثني عشر عاما هرب من سيده و هو احد الانكشاريين، فاضطررنا إلى التوقف، ريثما يفتش الرجل على المملوك الهارب، و شاركه في التفتيش بعض افراد القافلة، الى ان وجدوا الفتى مختبئا في حفرة مليئة بالماء الاسن، فجروه و اخذوه الى القافلة و كبلوه بالقيود، ثم انهار عليه صاحبه ضربا و رفسا، فتألمنا جدا لحاله، و لم يكن بوسعنا ان نفعل شيئا، و في ذلك اليوم لم نتقدم في سفرنا بسبب ذلك الحادث. اما في الليلة التالية فاننا قطعنا مسافة حسنة، و قد اكتشفنا عن بعد وجود ستة عشر لصا ممتطين خيولهم، فوقع الخوف في قلوب المسافرين بالرغم من ان عددهم كان اكبر من عدد اللصوص، و مع القافلة نحو خمسين انكشاريا ... و قد اقترب اللصوص منا كثيرا في الليلة التالية و كادوا ان يهاجمونا، لكننا سبقناهم في الهجوم و امطرناهم بوابل من الرصاص ... ففروا من امامنا.

كان معنا رجل موصلي اسمه نعمة اللّه، و كان يهتم بامورنا و يحافظ على امتعتنا، و عندما نركن الى النوم كان يضع الامتعة تحته خوفا عليها، لكنه تركنا في هذه البقعة و سار الى منطقة قريبة يسكنها الاكراد.

اخذنا بعد ذاك نسير في النهار خوفا من مباغتة اللصوص، و في الليل نزلنا في سهل فسيح، لكننا وجدنا ان المياه هناك لم تكن جيدة، على كل حال فان الماء الذي اخذناه في اليوم السابق لم يكن قد نفد بعد.

عندما ننام نضع اغراضنا في الوسط بيننا و بين الخيول، فننام من جهة و تربط الخيل من الجهة الثانية، و ذلك حفاظا على الامتعة، و كنا نتناوب الحراسة، و بالرغم من كل ذلك فعندما نهضنا في الصباح و قمنا لنحمل الخيل، لاحظنا ان بعض الاغراض مفقودة، فهلعت قلوبنا لا للاغراض نفسها ولكن‏

85

لان ما لنا من دراهم و رسائل رسمية و براءات مهمة كانت موزعة بين الاغراض، فاخذنا نبحث عن الاغراض المسروقة، فلا بد ان نجدها عند احد افراد القافلة، لكن جهودنا ذهبت ادراج الرياح! فتابعنا مسيرتنا و الحزن يحز في نفوسنا، ثم اخذت اتفحص الامتعة غرضا غرضا، فظهر لي ان المسروق لم يكن على جانب من الاهمية، بل هو خرج المأكولات ...

في اليوم الثالث من تشرين الاول وصلنا الموصل، و كان التعب قد اخذ منا كل مأخذ، فقد تركنا القافلة و قطعنا مسافة كبيرة بسرعة فائقة لاننا اردنا ان ندخل المدينة قبل حلول الظلام. اما الذين تأخروا مع القافلة فقد اضطروا إلى المبيت خارج السور، و قد هجم عليهم الاكراد في تلك الليلة و كبدوهم خسائر تقدر بخمسمائة قرش.

86

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

87

الفصل الثامن و العشرون مكوثنا في الموصل و سفرنا الى بغداد

نزلنا في احد خانات المدينة، و خلال المدة التي قضيناها في ام الربيعين، زارنا اكثر من مرة سليمان البنا فاكرم وفادتنا، اما سليمان فهو ذاك الرجل الذي رافقني من نابولي الى مسينة في رحلتي الاولى، و قد دعانا احيانا لتناول الطعام على مائدته. و قد طلبنا منه ان يستعلم عن الاكلاك النازلة الى بغداد في نهر دجلة، لاننا اردنا السفر باسرع وقت ممكن الى البصرة قبل انحسار المياه.

امضينا في الموصل نحو عشرة ايام، زرنا خلالها كنائس النساطرة و اليعاقبة.

دعانا الاخ الاصغر للقس الياس- الى داره- و قدم لنا بعض المبردات، و كان هذا القسيس قد رحل معي في سفرتي السابقة من بغداد الى حلب، و قدمت له مساعدات جمة في روما، و قد اراد شقيق القسيس ان يذهب بنا الى مكان قريب في جبل الكرد يسمى القوش‏ (1)Alcus (وطن النبي ناحوم‏ (2)

____________

(1) قرية تقع على بعد 26 ميلا شمالي الموصل، سكانها مسيحيون ينتسبون الى الطائفة الكلدانية.

كان كري بطريق المشرق في بغداد فترة طويلة من الزمن، و بعد خراب عاصمة العباسيين على ايدي المغول بفترة، انتقل الكري البطريركي الى مراغة، ثم تنقلوا من موضع الى آخر حسب الظروف، الى ان اتوا الى القوش نحو سنة 1436، و بعد بداية القرن السادس عشر كانوا يقيمون في دير السريان هرمز القريب من القوش (ذخيرة الاذهان 2/ 84).

(2) راجع الملحق رقم (16).

88

المعروف بالالقوشي‏Elceseo بقصد زيارة البطريرك ابن عمه‏ (1)، نظرا الى ان البطريرك السابق، و هو عمه، كان قد انتقل الى جوار ربه قبل مدة قصيرة (2)، بعد ان طعن في السن، و مات و هو على ضلاله، و ان كان القس الياس بعد رجوعه من روما قد اقنعه بغلطه و حرضه على الخضوع للحبر الاعظم، لكن تحريضه كان بلا جدوى، فقد كان البطريرك يخاف من ان يتهم بانه افرنجي.

و كان عمر البطريرك الجديد (3)، ابن اخي البطريرك المتوفى، اربعة عشر عاما، و قد رسم قبل سنة اسقفا، و في السنة السابقة لهذه كان قد سيم قسيسا، بعد ان امضى سنتين كراهب من اتباع القديس باسيلوس‏ (*). فهكذا يكون مجرى الامور، حيثما تقلد المراتب الكنسية بالوراثة في اسرة واحدة (4)، او حيث تشوب الايمان القويم شوائب فتعكر صفاءه.

و كان اخو القس الياس، و اسمه عبد اللّه، يامل بان زيارتي للبطريرك ابن عمه، قد تحركه على تقديم الطاعة للجد الاعظم‏ (5) لكن وقتي كان محدودا

____________

(1) البطريرك الجديد هو ايليا يوحنا مروجين، انتخب سنة 1660 و مات في 17 ايار 1700 (عواد: اثر قديم ص 39، تيسران- الصائب: خلاصة تاريخية ص 147).

(2) توفى البطريرك السابق في 18 حزيران 1660.

(3) راجع الملحق رقم (17).

* هذا و هم من المؤلف فالرهبان الكلدان كانوا يعيشون على طريقة او قوانين القديس انطونيوس.

(4) نصت قوانين الكنيسة الشرقية (النسطورية) منذ اقدم الازمنة على ان يقوم البطاركة بعد انتخاب قانوني (شابو: السهندوسات الشرقية ص 361 و 365 و 420 و 554 و 606- 607) و حدث في عصور الانحلال ان انتخب البطريرك طيماتاوس الثاني بالباصيدي في منتصف القرن الخامس عشر فسن قانونا حصر بموجبه المنصب البطريركي في عشيرته، و هو اول من عين خلفا له من ذوي قرابته و أسامة رئيس اساقفة لكي يخلفه بعد موته، و قد سار على هذا المنوال خلفاؤه من بعده (ذخيرة الاذهان 2/ 83).

(5) انظر الملحق رقم (18).

89

و كنت اترقب السفر في كل لحظة، لذلك رفضت السفر الى القوش، و فضلا عن ذلك فان الاب جيوفاني تاديو (1)Ctio Taddeo كان طريح الفراش فلم يسعني ان اتركه.

احتفلت الموصل في تلك الفترة باعياد يطلقون عليها اسم «الزينة» و بالتركية «دولمنا» (2) و ذلك بايقاد المشاعل خلال ليال متتالية، و بتحميل الطرقات خاصة في الاسواق «البزار» و قد امر الوالي باقامة الزينات بمناسبة استيلاء الاتراك على حصن مكين كان في يد النصارى، و لا اعلم موقع ذاك الحصن‏ (3)، لكن احد الجنود قال لي بان غاية الاحتفال كان للدعاية و لخداع الشاه الايراني بانتصارات خيالية، كي لا يهاجم المملكة من جهة ايران: لانه، اعني الحادث يفهمنا ان الدولة العثمانية تخيف في ظواهرها لا في حقيقتها، و يعرف الاتراك كيف يظهرون انفسهم اكثر مما هم في الواقع.

الكلك هو عبارة عن مجموعة من العبيدات اليابسة المعوجة، تربط حزما حزما فوق قرب منفوخة بالهواء فتسند حزم الاعواد كي لا تغطس من ثقل البضائع. و الكلك مربع الشكل، لا دفة له و لا جؤجو (مقدمة) بل يستعملون مجذافين هما بالاحرى قطعتان معوجتان من الخشب تنتهيان بلوح مسطح من الخشب ايضا، و نظرا لبساطة تكوينه، لذلك فمن ابسط الامور اعداد ثلاثة اكلاك او اربعة في مدة قصيرة من الزمن، فلكي نحث على الاسراع في تحضير الاكلاك، خرجنا من المدينة و نزلنا الى شاطى‏ء النهر يومين او ثلاثة،

____________

(1) نقل يعقوب سركيس هذا الاسم خطأ «جيوتاديو» مباحث عراقية 1/ 343.

(2) دولمنا كلمة تركية و هي دوننما و تعني الزينة، و الاصح كتابتها طوننما لانها مشتقة من طون بمعنى الثوب و اللون و الزينة (هذا التعليق للاب الكرملي وجدناه في قاموس تركي- فرنسي من كتبه الخاصة).

(3) جاء في كلشن خلفا «و في سنة 1070 كان النصر في كل الجهات حليف السلطان ... و انه بعد ما حاصر قلعة رواد تمكن من فتحها و تغلب على حاميتها، وزفت البشائر بهذا الفتح الى كل مكان و خاصة بغداد حيث اعلنت فيها الافراح ثلاثة ايام بلياليها و اقيمت فيها معالم الزينة» ص 259.

90

و في هذه الاثناء تدهورت حالة الاب جيوفاني تاديبو الصحية، و رأيته عاجزا عن السفر، فنصحته بالبقاء مع احد رفاق السفر في بيت سليمان للمعالجة، و اعطيته كمية كافية من المال، على امل تحسن حالته، فيتبعني من ثم الى الهند لكنه الح على السفر معنا.

في العاشر من تشرين الاول (1660) ركبنا الرمث، و كان محملا بالكبريت و مكتظا بالمسافرين.

فلم يكن بالامكان ان نجد مكانا للاستلقاء عليه او البسط الفراش فوقه، قبل سفرنا قدم الشاهبندر و هو موظف الكمرك، الى الموضع الذي كان فيه الكلك، فاوقفنا ليفتش الامتعة، و كان يود الرجل ان ياخذ اكبر كمية من المال فوضع مختلف العراقيل، و في الاخير ارتضى بالقليل و تركنا لشأننا.

تحرك الرمث، و بعث ثلاث ساعات من السير مع تيار النهر، مر الكلك بمنطقة حجرية فكاد ان يغرق، فاضطررنا جميعنا إلى النزول الى الماء لنخلص، و بعد محاولات شتى و مشاق كبيرة عاد الكلك الى فوق الماء، و اخذ يجري بسرعة جنونية مع التيار، و بالكاد استطعنا اللحاق به و الصعود عليه.

و كانت بعض الزقاق قد تمزقت نتيجة لذلك الارتطام فاخذ الكلك يغطس ثانية خاصة حيث كان الماء عميقا، و بدأ الماء يتسرب الى الاغراض حتى وصل الى وسط اجسامنا، فملأ الخوف قلوبنا، و بدأنا نصرخ يا يسوع و يا مريم، و كان الاخرون يصرخون يا اللّه و يا محمد، و في هذه الاثناء دفعنا التيار قريبا من حافة النهر، و بالرغم من كوننا لا نزال في وسط الماء، فقد قفزنا للحال الى اليابسة، و نشرنا ألبستنا تحت الشمس و عرضنا امتعتنا للهواء لتنشف، اما الزاد فقد تلف. و كان لنا شي‏ء من الخمر في قنينة، نظرا الى ان الخمر تفيد للتطبيب لا للسكر، فعثر احدهم على القنينة، فاخذها للحال و عرضها على الجميع قائلا: انظروا هوذا سبب هلاكنا، انه ذنب الافرنج، ورمى القنينة على صخرة فحطمها.

ارسل الكلاك في طلب قرب جديدة من الموصل، فاصلح من شأن الرمث، و هكذا اكملنا سفرنا.

91

و كان التيار يسيرنا فلم يستعمل اكلاك المجاذيف، و كنا نرتطم احيانا بضفاف النهر ... ثم وصلنا الى شلال صغير (1) و في ذلك خطر السقوط و انقلاب الكلك. فتوقفنا هناك ثم حلوا الاكلاك، و لم يبق الا كلكنا كاملا، فقام بحله ذاك الكلاك الذي كان قد حطم قنينة الخمر، و كان لا بد من الانتظار ساعات طويلة ريثما تتم عملية شد الاكلاك من جديد. اما صحة الاب تادييو فقد كانت في تدهور مستمر ... ثم تعافى و لله الحمد ...

ان الترجمان الذي اصطحبناه من حلب، تركنا في الموصل لانه رفض بيع حصانه، فعاد الى وطنه و لم نجد لنا بديلا عنه، لذا كنا نجد انفسنا في صعوبات و انعزال لاننا لا نفهم لغات تلك البلاد.

اكملنا سفرنا الى تكريت، و كان السفر صعبا و شاقا، و المناخ حار و الشمس حارقة، و لم نستطع شراء شي‏ء في تكريت الا بيضات ثلاثا و ديكا ..

و بعد ستة ايام اخرى و لربما سبعة وصلنا الى بغداد، فذهبنا الى الاباء الكبوشيين بعد ان تركنا امتعتنا في الفندق‏Alfandica اي في الكمرك، حيث استلمناها فيما بعد، بعد جدال و نقاش طويلين، و بعد ان فقدنا بعضها.

____________

(1) انظر الملحق (19).

92

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

93

الفصل التاسع و العشرون سفرنا الى البصرة بواسطة دجلة

عند وصولي الى بغداد، رأيت على شاطي‏ء النهر القس الياس، و كان يأتي كل يوم الى هناك منتظرا قدومي، فقد بلغه خبر سفري الى هذه الجهة، لقد ساعدني هو و الاباء لاحصل على دانك يتوجه الى البصرة، و قد طلبنا جواز مرور من الوالي، ولكننا لم نأخذه، لان ربان الدانك قال ان لا ضرورة له، و انه مرخص لحمل الافرنج على قاربه الى اية جهة يسافرون. و لم نتمكن من الحصول على مترجم في بغداد ليسافر معنا.

و بعد ان تزودنا بالطعام الضروري، تركنا الزوراء في 25 تشرين الاول، دون مترجم و نحن لا نعرف اللغة. فرأينا الدانك محملا بالبضائع المختلفة، مكتظا بالمسافرين حتى اننا لم نجد موضعا نجلس فيه، و بالكاد تمكنا من الجلوس بالقرب من السارية و قد توقعت المصائب في هذا الدانك، لان الاحمال كانت كثيرة، و لم تفد احتجاجات المسافرين و صراخاتهم، فقد كانوا يكدسون البضائع، و ذلك لان القبطان كان جشعا للغاية.

من الصعوبة بمكان ان اعبر عن المشقات التي لاقيتها في هذا السفر، فمن وقت الى اخر كان الدانك يجنح الى هذه الجهة او تلك او يرتطم بضفاف النهر، و في كل يوم كانت صراخات المسافرين تتعالى فتصم الاذان، و كم من مرة توقفنا لننزل البضاعة او لنحمل غيرها، او نضطر للنزول الى الماء لدفع الدانك، و الويل ثم الويل لمن يتأخر عن النزول، فان ضربات العصي تنهال على راسه، ولكن لا بد من الاعتراف بانهم كانوا يلزمون جانب الاحترام بالنسبة الينا.

اردنا التخلص من هذا الدانك، فحاولنا اول مرة عندما وصلنا الى بلدة

94

الحي، فلم نفلح، و هكذا في اماكن اخرى، و كانت نيتنا ان نستأجر دانكا صغيرا كافيا لنا، و لشخص ارمني اسمه السكندر رافقنا من بغداد، و اصله من دياربكر، لكننا لم نجد ضالتنا. ان جهلنا اللغة الحق بنا اضرارا كثيرة، و بالرغم من كل ذلك، فان الارمني و الجندي الانكشاري و رجلا مسلما تظهر على محياه سمات النبل و الوقار، قدموا لنا مساعدات جمة اكثر من مرة، و كان الرجل المسلم يحاول ان يدخل الفرح الى نفوسنا، و كان الرجل هرما و سمينا جدا، لكنه مع ذلك خفيف الظل سريع النكتة، فكنا نتفاهم بالحركات و بالايماءات و بكلمات معدودات هي خليط من التركية و الفارسية و العربية.

في الثالث عشر من تشرين الثاني وصلنا الى المجرMagger و تعتبر هذه المنطقة نهاية حدود ولاية بغداد، فكان من واجب القبطان ان يدفع رسوما عن الحمولة، و قد طلب الشاهبندر ضريبة اكثر مما يستحق، فلم يتفقا على مقدار الضريبة، و هنا تدخل احد البحارين، الذي كثيرا ما انعمنا عليه بالمساعدة، فاراد ان يظهر براعته للقبطان فاقترح عليه ان يصرح بان الحمولة طبيعية، و ان كان هنا كمية اكثر من الحمولة العادية فليتقاضى اجرها من المسافرين الافرنج، فطاب الاقتراح للربان و اخذ بالعمل بحسب هذه المشورة، فاستدعانا الشاهبندر و طلب منا جوازات السفر (عدم تعرض) و اذ لم يكن معنا، اعتمادا على وعد الربان نفسه، للشاهبندر بواسطة الحركات ان الربان نفسه لم يهتم للجوازات، فانكر الربان بكل وقاحة ما قاله في بغداد، عندئذ امر الشاهبندر بالقاء القبض علينا.

ليس بامكاني ان اشرح او ان اعبر عن شعوري في تلك اللحظة، لقد اخذت اتصور نفسي و رفاقي سجناء في ذلك الموضع البعيد، بين اعراب لا استطيع التحدث اليهم لجهلي لغتهم، فانقبض قلبي، و رأيت ابواب الخلاص مسدودة في وجهي. و اذ بواحد منهم يقترح علينا حلا للمشكلة بان ادفع عشرين قرشا، ففرحت بهذا الحل، لكن قلة ذات اليد جعلتني احتج بان الضريبة عالية، فتدخل الجنود الانكشاريون و الملا و اسكندر الارمني، و هكذا هبطت الى خمسة قروش نتيجة وساطتهم، و تظاهر اسكندر و هو يخفي ابتسامة

95

خبيثة بانه يدفع الضريبة عنا، و اخذ يقرعنا بكلمات صارمة!.

اكملنا السفر، و بعد فترة دخلنا في منطقة ولاية البصرة الجميلة فرأينا صباح احد الايام عددا كبيرا من البجع يحلق فوق رؤوسنا، فقام البعض و صوبوا النار عليه، فمنعهم بعض المسافرين المسلمين قائلين ان صيد البجع اثناء طيرانه حرام ...

ثم وصلنا الى منطقة بدأنا نشعر فيها بالمد و الجزر ... و في منتصف ليلة الحادي و العشرين من تشرين الثاني، اذ كنا نياما، تعالت صراخات النساء تشق عنان السماء، فقد كان تيار النهر جارفا، فاخذ يهز الدانك هزا قويا، فارتطم الدانك بصخور الساحل، و تحطمت من جراء الارتطام بعض قطعه، فتسربت المياه الى داخله و كادت تغرقه. فحل الخوف في نفوس الراكبين، و اخذ الربان يصرخ، و البعض يبكي و يولول بينما كان اخرون يلطمون وجوههم، و سارع اخرون إلى تخليص الامتعة، و الحق يقال ان الواحد كان يساعد الاخر من اجل النجاة، فأشعلت مصباحا كان معي و سألت الاب كوتيفريدو انكان بامكاننا انقاذ الامتعة فأومأ بالايجاب، و للحال ربطنا الامتعة بسرعة، و اذ لم اكن خبيرا بالسباحة فقد حاولت الاقتراب من الشاطى‏ء بواسطة لوح من الخشب و اخيرا رميت نفسي فسقطت على منطقة طينية فانطمرت فيها بينما غمرتني الاوحال، فحاولت التخلص بكل قواي، و بعد جهود شاقة استطعت ان اسحب نفسي فارتميت على اليابسة، و هناك وجدت شابا مسلما، اومأت اليه ان يذهب لمساعدة الاباء الاخرين، فاسرع ذاك الشاب الطيب و نزع ثيابه كلها تاركا اياها عندي، و رمى بنفسه في الماء، ثم عاد سابحا و معه الاب كوتيفريدو و هما يتعاونان في حمل الاغراض ...

صباح اليوم التالي وجدنا دانكا ... فركبنا مع اسكندر الارمني و الملا و الشاب المذكور واحد الجنود و كان اسمه قادر باشا، فأكملنا سفرنا دون خوف من الاعراب او اي شخص آخر، ثم ابدلنا الدانك في‏Amma ، و في القرنة و قد اوقفنا الشاهبندر في القرنة مدة خمس و عشرين ساعة، و اخيرا وصلنا الى البصرة بعد ايام اربعة، و كان ذلك اليوم عيد القديسة كاثرينة (اي‏

96

25 تشرين الثاني)، بعد سفر خطر جدا قاسينا منه الامرين و استغرق شهرا كاملا، و قد استقبلنا الآباء الكرمليون على الرحب و السعة و اظهروا نحونا محبة كبيرة.

97

الكتاب الثالث من المجلد الثاني‏ (*) الفصل السابع عشر ... الى البصرة

... اخيرا وصلت السفينة «المسماة» كاباريس‏Cabares نحو مطلع شهر حزيران سنة 1664 فصعدنا عليها لنعود الى البصرة ... و في المساء هبت ريح الشمال فحدثت زوبعة بحرية هائلة، فانزلت المرساة. و قد لاحظنا عند سير السفينة، ان سارية المقدمة قد انكسرت و تكاد ان تتحطم، و في هذه الحال ستجر بقية السواري، فتحدث الطامة الكبرى، لذا رأينا من الضروري ان نكمل الابحار بانتباه و حذر كبيرين، لان الرياح كانت بعكس اتجاهنا، اخيرا وصلنا الى نهر البصرة في الرابع عشر من تموز «1664» بعد اربعين يوما من سفر مضنك للغاية.

____________

* اهملنا تعريب الكتاب الثاني من المجلد الثاني لان احداثه كلها تدور في الملبار (الهند).

98

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

99

الفصل الثلاثون في البصرة

كان الحر شديدا للغاية ... لقد جعلني السفر في هذا الموسم افكر بجهنم النار ... و لم استطع الرقاد او الاخلاد الى الراحة، كما لم تفدني مختلف الوسائط التي اتخذتها من اجل التخفيف من شدة القيظ. و لما كان الاب كوتيفريدو مريضا فقد تركني و سافر، كما ان الاب جيوفاني تاديبو كان متوعك المزاج على اثر سفره في البحر، لذا كنا بامس الحاجة الى الراحة، و لهذا السبب قررت البقاء في هذه المدينة الى نهاية ايلول.

تمر في البصرة سفن كثيرة، لذا فان البحارة من مختلف المذاهب المسيحية كانوا يأتون الى كنيستنا لحضور المراسم الدينية، فكنا نقيم القداس الكبير مصحوبا بالموسيقى، و قد منحت سر التثبيت الى كثيرين خلال وجودي في هذه المدينة ...

اجتمع في ديرنا جمع كبير من اتباع القديس يوحنا، و يطلق عليهم اسم الصابئة المندائيين، و قد نقلوا اليّ تذمرهم من الاب رئيس الدير، لانه لا يسمح لهم بالدخول الى الكنيسة كما انه لا يمنح العماد لاولادهم، و كانوا يؤكدون لي بانهم نصارى.

فاجبتهم، حسنا يفعل الاب المذكور لانكم لستم نصارى ... و لذا لا يحل تعميد اطفالكم ... و لقد وجدنا بعضا منهم قد تنصروا، و كان واحد منهم اسمه ايزيدورو بانفيليو كان قد نال العماد في روما على عهد البابا انوشنسيوس العاشر ... و عاد الى وطنه (فاصبحت حياته في هذا المحيط صعبة تكتنفها الاخطار) ... لقد التقيت به اكثر من مرة فشجعته على الثبات في معتقده،

100

فوجدت ان معنوياته كانت عالية (1).

____________

(1) في تقرير كتبه الكسندر الكرملي سنة 1656 عن مبعوث رهبانيته في البصرة، قال «... في سنة 1653 تم عماد اربعة صابئين في روما، و كانوا قد ارسلوا هناك من قبل رهباننا، و بعد عودتهم الى البصرة حافظوا على الايمان المقدس، و اخذوا يساعدون الاباء في خدمة النفوس ...» (رباط: وثائق 1/ 442).

101

الفصل الواحد و الثلاثون السفر الى بغداد- اعتقالي في العمارة

بعد ان ذهب الصيف و ولى و تخلصنا من حره اللاهب، الذي لم يعطنا مجالا للاستراحة و لاسترجاع قوانا، قررنا السفر، فركبنا في العاشر من ايلول دانكا يدفع باربعة مجاذيف، و كان السفر متعبا للجسم و النفس، فقد كان رقادنا قليلا، اذ نضطر إلى التناوب في الحراسة خوفا من هجوم الاعراب او الاسود، فقد سمعنا زئيرها في احد الايام قريبا جدا منا.

في التاسع عشر من ذلك الشهر وصلنا الى الحي، فمكثنا فيها يومين، امضيناهما في غرف احد المساجد، لكننا لم نذق طعم الراحة لكثرة الذباب ...

كان من المنتظر ان يرسل قادر باشا (1) احد خدامه الى هذه البلدة يرافقنا الى بغداد، فيعد الخيول و يصرف علينا كل الضروريات، و بالرغم من أن هذا الرجل كان مرموقا و شهما، فقد نال الطمع من قلبه، فعوضا عن الخادم المنتظر، عهد بنا الى جندي انكشاري كان مسافرا الى بغداد، فصعد معنا على القارب دون اي يدفع لنا فلسا واحدا، كما ان الجندي قدم لنا خيلا من جنس ردي‏ء، كان يسوسها مكاري صغير السن قليل الخبرة لكنه سليط اللسان، و قد طلب مني، دون مقدمات، ان ادفع ثمن الحصان للحال، مدعيا ان الاتفاق «مع قادر باشا» لم ينص على هذا العدد من الخيول ... فسرنا في طريق‏

____________

(1) قادر باشا: ذكره المؤلف في الفصل السابق (الرحلة ص 218) فقال عنه (هو من الاشخاص المسلمين المرموقين (في البصرة)، قدم لنا دانكا يحملنا الى الحي، و من هناك نسافر الى بغداد بطريق البر. فيكون السفر ابدع و اكثر امنا، و ذلك لقاء 315 عباسية، و بشرط ان لا ندفع اي ضريبة اخرى».

102

بغداد ... اخيرا اخذنا قاربا و عبرنا فرعا من فروع دجلة، و بعد ان دفعنا اجرة العبور، دخلنا الى قرية صغيرة اسمها العمارة، فنزلنا في اسطبل، و هناك قدم رجال الكمرك ففحصوا امتعتنا بتدقيق كبير، فلم يجدوا شيئا يجلب الانتباه، ثم باشروا بتفتيش المسافرين الاخرين، فوجدوا عند احد الخدام تمثالا صغيرا من العاج، و لم اكن اعلم عنه شيئا، لاني كنت قد منعت الخدم منعا باتا من حمل اشياء تثير الشكوك و تجذب الانظار فما ان وجدوا التمثال حتى بانت على وجوههم امارات الاستبشار و الانتصار ... فاخذوا يهددون ... املين ان ندفع لهم فدية عالية من اجل استرجاع التمثال ... فذكرنا لهم باننا نسافر الى بغداد بحماية قادر باشا الذي يعرفونه حق المعرفة و يهابون جانبه و يخشون بطشه، و قلنا لهم اذا ما تجاسرتم و اخذتم رسوما منا، فانه سيعوضنا الواحد باثنين، لكن احتجاجاتنا كلها لم تفد شيئا و لم تزعزعهم عن عنادهم ... لقد اصروا على انتزاع شي‏ء من المال، و كان الجندي الانكشاري المرافق لنا مستعدا للكلام و تهدئة النقاش، اما لدفع المال فهو غير مستعد البتة. فاضطررت اخيرا إلى ان ادفع قطعتي عباسي ثم ثلاثا لرجال الكمرك الذين يطلق عليهم اسم (؟)Sassi ففرحوا للوهلة الاولى، ثم عادوا يلحون طالبين المزيد اي عشرين قرشا، و لم يكتفوا بهذا المبلغ بل راحوا يطلبون مئة قرش! بالحقيقة لم يكن معي الا 25 قرشا (فقد وضعت الباقي جانبا لتكملة سفري الى بغداد) فقدمت ما عندي و حاولت التملص من الورطة بمختلف الاعذار، لكنهم لم يقبلوا، و هكذا مضى الليل دون ان نرقد، لقد ملأت الكآبة نفسي بسبب هذه الجزية الظالمة، و كان الذباب يحوم حولي مثل ما حدث لنا في الحي، كما ان الخيل بحركاتها وصهيلها الدائم لم تدعني اغمض عيني.

و عند الصباح دعوت مرافقنا الانكشاري و اسمه محمد باشا، و طلبت منه ان يحل المشكلة فيدفع اقل مبلغ ممكن، و سأؤدي المبلغ الذي يتفقون عليه من عندي. فأجابني انهم لن يرضوا باقل من مئة قرش، و اعلن انه لن يدفع فلسا واحدا من عنده، و بعد هذه المداولة قرر السفر حالا الى بغداد، بينما نمكث نحن في البلدة، و سيحاول ان يجد في بغداد، حلا لمشكلتنا و يرسل‏

103

امرا عاجلا من هناك، و طلب مني تحرير رسائل الى الاباء الكبوشيين في بغداد ليساعدوه على حل المعضلة.

تبعد بغداد عن تلك البليدة نحو ثلاثة ايام، و لا بد من يوم اخر من اجل المراجعات الرسمية، اضافة الى ثلاثة ايام اخرى من اجل ارسال الامر الينا، و هذا يعني ان نمكث هنا اسبوعا، فبقينا مع الترجمان، و هو رجل مسيحي مسكين، كان صابئيا فتنصر، كما بقيت الخيول و الاحمال معنا و نحن في اسطبل قذر، تحت رحمة اناس كانوا ينظرون الينا نظرة شذراء، و يداهمنا من جهة اخرى خطر الهجوم علينا، لان اعراب البادية يمرون بتلك القرية بصورة دائمية.

اردت ابقاء العسكري معي، و دفع ما تبقى عندي من دراهم، فرفضوا، ثم طلبت السفر بنفسي الى بغداد لاسرع في التوسط و الحصول على الحل الضروري لمشكلتنا، لكن الرجال حجزوني مع الاباء الاخرين و وضعوا اليد على الاغراض، لذلك كتبت رقعة الى الاباء الكبوشيين و سلمتها الى العسكري، فامتطى حصانه و سار برفقة رجال مسلحين، اما نحن فبقينا في ألم لا ضفاف له، اذ نرى الحاضرين يضحكون علينا و يستهزئون بنا، و زاد من حزننا أننا لم نحصل على طعام.

كان من جملة المسافرين على ظهر السفينة، رجل يهودي من حلب، كان قادما من الهند الى البصرة، و كان الرجل عاقلا و مهذبا للغاية، و يظهر انه من رجال حلب المرموقين، و كنت قد سمعت ان الافرنج يلاقون صعوبات من قبل اليهود عند مرورهم بحلب، لذا حاولت كسب عطفه و التودد اليه لعله يفيدني في سفري. و على اثر هذا التقارب اخذ يكلمني عن اعماله، فاخبرني ان له اعمالا واسعة في البصرة و لذلك فانه سيمكث فيها فترة من الزمن، و طلب مني ان احمل الى بعض ذوي قرابته رزمة فيها الماس ثمين، و زودني برسائل الى جماعته في حلب فيها توصيات بحقي، لقد كان حمل تلك الرزمة خطرا كبيرا، فامتنعت من استلامها، لكن الح علي، خاصة بعد ان سبقني بالفضل و كتب رسائل التوصية، ثم قيل لي انه لا خطر علي طالما اسافر في حماية قادر

104

باشا، و هكذا قبلت باستلام الرزمة و وضعتها مع بقية الاغراض. و في اليوم السابق لوصولنا الى العمارة، ضممت الصرة في مكان اخر! لو عثر رجال الكمرك عليها لوضعوا اليد عليها من كل بد ... ان وجود هذه الرزمة معي كان يقلقني، فلو عادوا الى التفتيش فقد يعثرون عليها. و هكذا اخذت افكر بالخطر المحدق بنا، و بحالتنا التعيسة في ذلك الوسط الغريب، ثم وجدت حلا قد يخلصني من ورطتي و ذلك بتقديم خمس قطع من فئة العباسي الى رئيس البلدة «على سبيل الرشوة طبعا!» فامر رجال الكمرك بتخفيض الرسوم و الاكتفاء بثلاثين قطعة عباسية (الى جانب ما دفعناه سابقا!) فقبلوا بالاقتراح فدفعت المبلغ اليهم للحال. ثم طلبوا سبع قطع عباسية اخرى للكاتب، و قطعتين للمرافق، فظهر لي ان طلباتهم لن تنتهي، و في هذه الاثناء امتطيت حصاني و ركب رفاقي ايضا، فاسرعنا في السير. و عند وصولنا الى النهر دفعنا من جديد ضريبة اخرى سبع قطع عباسية ... ثم رأينا شابا من رجال الكمرك يركض في اثرنا، لقد كان يطلب بوقاحة ظاهرة شيئا من المال، فتابعنا السير دون ان نعبأ به، اما هو فحاول قطع الطريق علينا، فاسرعنا في السير و بعد ان ابتعدنا قليلا التفتنا الى الوراء فرأيناه يلحق بنا، ففتحنا النار و اطلقنا بعض العيارات في الهواء، فرجع على عقبيه، و اطلق ساقيه للريح، و عندما رأينا انفسنا بامان نزلنا عن خيولنا لنستريح، لاننا لم نذق طعم النوم منذ اربع ليال او خمس، و تناوبنا فترات الحراسة اثناء النوم خوفا من الاعراب ...

وصلنا الى بقعة رملية بيضاء، تحدها من جهة غابة صغيرة و من الجهة الاخرى اعني وراءنا النهر، فذهب المكاريون الى شاطى‏ء النهر ليستريحوا، اما نحن فقد انزلنا الاحمال عن الخيل، و كان ظلام الليل دامسا و لا اثر لضوء القمر، و بالرغم من ذلك فقد اكتشفنا وجود رجال يقدر عددهم بخمسة و عشرين شخصا، مسلحين بالحراب و السيوف و يحمل بعضهم الدروع و المقاصل «الطبر؟». فاخذنا نصرخ دون انقطاع «رح، رح» معتقدين ان صراخنا يؤثر فيهم او يخيفهم، ثم فكرنا بان نطلق بعض العيارات النارية، و كانوا هم ايضا يصرخون، لكننا لم نفهم معنى صراخاتهم. ثم اخذ المكاريون الذين معنا