كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
453

المقصد الثاني: مادة النهي و صيغته:

الظاهر أنّ النهي بمادته و صيغته مثل الأمر بمادته و صيغته في الدلالة على الطلب- إلّا أنّ المتعلّق في أحدهما الوجود و في الآخر العدم- فيعتبر فيه ما استظهرنا اعتباره فيه بلا تفاوت أصلا.

نعم يختص النهي بخلاف، و هو أنّ متعلّق الطلب فيه هل هو الكف أو الترك؟ و الظاهر هو الثاني.

و توهم أنّ الترك ليس بمقدور لأنّه أزلي، و معه لا يصح تعلق الطلب به فاسد، فإنّ الترك مقدور أيضا و إلّا لم يكن الفعل مقدورا أيضا.

و العدم و إن كان أزليا إلّا أنّ الطلب ليس متعلّقا بإحداثه بل بإبقائه، و معه فلا إشكال.

***

454

قوله (قدّس سرّه):

«ثمّ إنه لا دلالة لصيغته على الدوام ...، إلى قوله: فصل: اختلفوا في جواز ...».

(1)

دلالة النهي على الدوام:

وقع الكلام في أنّ النهي هل يدل على الدوام و التكرار كما وقع نظير هذا الكلام في صيغة الأمر، (2) و نقول هنا كما قلناه هناك، و هو أنّ المرة و التكرار خارجان من مدلول الأمر و النهي، و إنما هما معا متعلّقان بالطبيعة، فالأمر يدل على طلب وجود الطبيعة، و النهي على طلب ترك الطبيعة، فهما من ناحية المدلول الوضعي ليسا مختلفين، نعم هناك اختلاف بينهما في قضية أخرى خارجة عن المدلول الوضعي، و هي أنّ العقل بعد ما يطّلع على أنّ المطلوب في الأمر وجود الطبيعة يحكم بكفاية الفرد الواحد، لأن الطبيعة تتحقّق بالفرد الواحد، و حينما يطّلع على أنّ المطلوب في النهي ترك الطبيعة يحكم بلزوم ترك جميع الأفراد.

إنّ الاختلاف بينهما هو من هذه الناحية و ليس من ناحية أنّ الأمر وضع للمرة و النهي للتكرار.

إذن الدوام و التكرار إنما نستفيده من حكم العقل و لكن نستدرك و نقول: إنّ حكم العقل لا يثبت الدوام و التكرار إلّا إذا فرض كون‏

____________

(1) الدرس 153: (2/ صفر/ 1426 ه).

(2) لاحظ المبحث الثامن من الفصل الثاني المرتبط بصيغة الأمر (ص 117) من الكفاية.

455

الطبيعة- مطلقة- أي لم تقيّد بقيد معيّن- و كان النهي مطلقا أيضا، أي لم يحدّد بفترة زمنية محدّدة، أمّا إذا كانت الطبيعة مقيّدة بأن قيل مثلا: لا تأكل الرمان الحامض فالعقل في مثله لا يحكم بلزوم ترك جميع أفراد الرمان بل خصوص أفراد الحامض، و هكذا لو قيل: لا تأكل الرمان إلى فترة كذا فلا يستفاد لزوم الترك على طول خط الزمان و امتداده.

و لك أن تقول: إنّ النهي يقتضي ترك الطبيعة، فإن كانت مطلقة فيحكم العقل بلزوم ترك جميع الأفراد، و إن كانت مقيّدة فيحكم بلزوم ترك جميع أفراد المقيّد لا جميع أفراد المطلق.

ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) بعد هذا إلى مطلب آخر، و هو أنّه لو خالف المكلف النهي و أكل الرمان مرة فهل يلزمه مواصلة الترك بعد فترة المخالفة؟ و هل يبقى النهي ملاحقا له أو يكون ساكتا و مجملا من هذه الناحية؟

و الجواب: إنّ النهي مجمل من هذه الناحية، و لا بدّ من الرجوع إلى دليل خاص.

نعم ربما يقال: إنّ الدليل الخاص موجود، و هو إطلاق المتعلّق، حيث لم يقل: لا تأكل الرمان أكلا مقيّدا بما إذا لم تحصل المخالفة، إنّ هذا الإطلاق يدل على أنّ المطلوب بالنهي ترك الرمان حتّى بعد فرض تحقّق المخالفة.

و نلفت النظر إلى أنّ الإطلاق النافع هو هذا الإطلاق الذي يمكن أن نعبّر عنه بالإطلاق الأحوالي، و أما الإطلاق الزماني فليس نافعا، لأنّه أقصى ما يقتضي هو بقاء النهي في اليوم الأوّل و في اليوم الثاني و في اليوم الثالث و هكذا، و هذا ليس نافعا، و إنما النافع إثبات بقاء النهي بعد فرض تحقق المخالفة.

456

نعم قد نأخذ اليوم مرآة إلى المخالفة، فنقول يوم المخالفة، فنستعمل كلمة اليوم و نقصد به المخالفة و نقول: إنّ مقتضى الإطلاق الزماني بقاء النهي إلى ما بعد يوم المخالفة، و لكن هذا في الحقيقة تمسك بالإطلاق الأحوالي و ليس تمسكا بالإطلاق الزماني، فالإطلاق النافع إذن هو الإطلاق الأحوالي دون الإطلاق الزماني.

***

457

الفصل الثاني: مبحث اجتماع الأمر و النهي‏

458

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

459

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: اختلفوا في جواز اجتماع الأمر و النهي ...، إلى قوله: الثاني: الفرق بين ...».

مبحث اجتماع الأمر و النهي:

هذا المبحث هو من الأبحاث الأصولية المهمة و المطوّلة و المعقدة.

و حاصله: إنّه إذا كان لدينا موجود واحد و كان له عنوانان فهل يجوز اجتماع الأمر و النهي فيه بعد فرض تعدّد العنوانين أو لا يجوز، باعتبار أنّ وجوده واحد؟

مثال ذلك: إنّ الإنسان إذا دخل الأرض المغصوبة و حلّ عليه وقت الصلاة فإذا أراد أن يتحرك بالركوع و السجود لأجل الصلاة فالحركات التي تصدر منه هي موجود واحد و لكنها متّصفة بعنوانين: عنوان الصلاة و عنوان الغصب، فتلك الحركات هي صلاة و هي في نفس الوقت غصب، فإذا نظرنا إلى حيثية الوجود الواحد فالمناسب الحكم بالامتناع، و أمّا إذا نظرنا إلى حيثية العنوانين فالمناسب الحكم بالجواز.

إذن النزاع وقع في أنّه هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في الموجود الواحد الذي له عنوانان أو لا؟ و الآراء ثلاثة:

1- الجواز مطلقا.

2- الامتناع مطلقا.

3- التفصيل، فيجوز عقلا و يمتنع عرفا. و ربما ينسب هذا التفصيل إلى المحقق الأردبيلي (قدّس سرّه).

460

و قبل أن نواصل الموضوع نود الإشارة إلى شي‏ء لم يسلّط عليه الشيخ الخراساني الأضواء، و هو أنّ عنوان البحث لا يوضّح المقصود بشكل جيد، فالعنوان يوحي بشي‏ء بينما المقصود شي‏ء آخر، و هذا نظير ما جاء في باب المفاهيم، ففي مبحث مفهوم الشرط مثلا ربما يعبّرون هكذا: هل مفهوم الشرط حجة؟ إنّ هذا التعبير يوحي بأنّ الشرط له مفهوم جزما و لكن الخلاف وقع في أنّه حجة أو لا، بينما هذا ليس هو المقصود، و إنما المقصود أنّ الشرط هل له ظهور في المفهوم أو لا، فإذا قيل: إذا بلغ الماء قدر كر فلا ينجسه شي‏ء مثلا فهل هو ظاهر في أنّه إذا لم يبلغ كرا فينجس، إنّ النزاع هو في ثبوت هذا الظهور في المفهوم و عدمه، لا أنّ هناك نزاعا في حجية هذا الظهور، كلا، إنّ الظهور إذا كان ثابتا فلا إشكال في حجيته.

و مقامنا يشبه هذا، فإنّ العنوان يوحي أنّ النزاع وقع في أنّ الشي‏ء الواحد هل يجوز اجتماع حكمين فيه- بعد فرض تعدد العنوان- أو لا، و الحال أنّ النزاع بهذا الشكل واضح الوهن، فإن الشي‏ء الواحد لا يمكن بالضرورة توجّه حكمين إليه حتّى مع فرض تعدد عناوينه، و إنما المقصود أنّ الأحكام هل تتعلق بالعناوين أو بالمعنونات؟ و على تقدير التعلق بالمعنونات فهل تتعدد بتعدد العناوين؟ إنّه على تقدير التعلّق بالعناوين يلزم الحكم بالجواز، إذ الحركات في الأرض المغصوبة تشتمل على عنوانين، و الأمر يتعلّق بعنوان الصلاة، و النهي يتعلق بعنوان الغصب، و هكذا يلزم الحكم بالجواز لو قلنا: إنّ الأحكام تتعلّق بالمعنونات و لكنها تتعدد بتعدد العناوين، فالموجود في الأرض المغصوبة حركتان- و إن كان بصرنا قاصرا عن النظر إليها و الاحساس بها- حركة صلاتية و حركة غصبية.

إذن القائل بالجواز إنما يقول به من جهة أنّه يرى تعلّق الأحكام‏

461

بالعناوين أو يراها متعلّقة بالمعنونات و هي متعددة بتعدد العناوين بينما القائل بالامتناع يقول به من جهة أنّه يرى تعلّق الأحكام بالمعنونات، و هي لا تتعدد بتعدد العناوين.

و عليه فواقع النزاع شي‏ء بينما العنوان يوحي شيئا آخر. (1)

و باتضاح هذا نعود إلى صلب الموضوع.

يقول (قدّس سرّه): إنّه قبل الدخول في صميم البحث لا بدّ من تقديم أمور:

الأمر الأوّل: المقصود من الواحد:

ما هو المقصود من كلمة الواحد؟ ربما يتوهم أنّ المقصود هو الواحد الشخصي، أي ما كان وجوده وجودا واحدا شخصيا، نظير الحركة الخاصة الجزئية في الأرض المغصوبة، فإنها وجود جزئي خاص، إنّه قد يتصوّر هذا، و لكنه باطل بل المقصود من الواحد كل وجود واحد سواء كان وجودا لشي‏ء شخصي أو وجودا لشي‏ء كلي الذي هو النوع أو الجنس، فالحركة الكلية في الأرض الكلية المغصوبة هي وجود واحد أيضا و تكون داخلة في محل النزاع و مشمولة لكلمة الواحد.

إذن المقصود من الواحد هو الوجود الواحد الذي له عنوانان سواء أ كان ذلك الوجود الواحد أمرا جزئيا أم أمرا كليا.

و قد تسأل: إذا كان المقصود هكذا فلما ذا ذكرت كلمة الواحد؟

و ما الحاجة إليها؟ و ما ذا يراد الاحتراز عنه بذكرها؟ إنّه يراد بذكرها

____________

(1) نلفت النظر إلى أنّه لم يرد دليل على أنّ من أحد شرائط صحة الصلاة عدم غصبية المكان، و إنما الفقهاء ذكروا ذلك من باب امتناع اجتماع الأمر و النهي، فإن شرائط الصلاة على نحوين، فبعضها استفيدت شرطيته من ورود نص خاص و بعضها من باب امتناع اجتماع الأمر و النهي.

462

الاحتراز عن الشيئين الذين لا يكون وجودهما واحدا، كالسجود للّه سبحانه و السجود للصنم، فإنهما وجودان مختلفان إلّا أنّه يجمعهما مفهوم واحد و لفظ واحد، و هو مفهوم السجود.

أنّه يراد بكلمة الواحد الاحتراز عن مثل ذلك و ليس عن الوجود الواحد للأمر الكلي.

توضيح المتن:

و من ذلك يظهر ...: أي من اقتضاء النهي ترك الطبيعة الذي لا يتحقق عقلا إلّا بترك جميع أفرادها.

من دلالة: أي من دليل.

من هذه الجهة: أي إطلاقه من جهة تحقق المخالفة و عدمه.

من سائر الجهات: أي إطلاقه من جهة الزمان مثلا، فإنه ينفع لإثبات التعميم بلحاظ الأزمنة و لا ينفع لإثبات التعميم بلحاظ ما بعد المخالفة.

و مندرجا تحت ...: هذا عطف تفسير على سابقه.

كالصلاة في المغصوب: المناسب: كالحركة الكلية المنطبق عليها عنوان الصلاة و الغصب.

لا لإخراج: عطف على قوله: (لإخراج ما ...).

خلاصة البحث:

لا دلالة للنهي على الدوام و التكرار بل على طلب ترك الطبيعة، نعم العقل يحكم بعدم تحقّق ترك الطبيعة إلّا بترك جميع أفرادها.

و لا دلالة للنهي على طلب الترك بعد فرض تحقّق المخالفة، و إنما يلزم الرجوع إلى إطلاق المتعلّق من هذه الناحية لو كان ثابتا.

463

و المراد من الواحد في مبحث اجتماع الأمر و النهي هو الوجود الواحد و إن لم يكن شخصيا للاحتراز عن الوجودين الذين يشملهما مفهوم واحد.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هل يدل النهي على الدوام:

ثمّ إنه لا دلالة لصيغة النهي على الدوام و التكرار كما في الأمر، نعم هما مختلفان في حكم العقل حتّى عند فرض تعلقهما بطبيعة واحدة، ضرورة أنّ وجودها عقلا يكون بوجود فرد واحد، و عدمها بعدم الجميع.

و عليه فالدوام في النهي لا يثبت إلّا إذا كان متعلّقه طبيعة غير مقيدة بزمان أو حال كما هو واضح.

ثمّ إنه لا دلالة للنهي على إرادة الترك لو خولف، بل لا بدّ من دليل و لو كان إطلاق المتعلّق من هذه الجهة لا من سائر الجهات.

فصل: مبحث اجتماع الأمر و النهي:

اختلف في جواز اجتماع الأمر و النهي في واحد على أقوال، ثالثها: جوازه عقلا و امتناعه عرفا.

و قبل الخوض في المقصود تقدم أمور:

الأوّل: المراد بالواحد مطلق الوجود الواحد الذي له عنوانان و إن كان كليا، كالحركة الكلية المنطبق عليها عنوان الغصب و الصلاة.

و إنما ذكر لإخراج ما إذا تعدّد وجود متعلّق الأمر و النهي و إن جمعهما مفهوم واحد، كالسجود للّه تعالى و السجود للصنم مثلا، لا لإخراج الواحد الجنسي أو النوعي، كالحركة و السكون الكليين المعنونين بالصلاتية و الغصبية.

***

464

قوله (قدّس سرّه):

«الثاني: الفرق بين هذه المسألة ...، إلى قوله:

الثالث: إنّه حيث ...».

(1)

الأمر الثاني: الفرق بين المسألتين:

هذا هو الأمر الثاني من الأمور التي قدّمها (قدّس سرّه) قبل الدخول في صميم البحث.

و حاصله: ما هو الفرق بين مسألتنا هذه و مسألة النهي عن العبادة أو المعاملة؟ فإنّه كما يوجد في مسألتنا أمر و نهي كذلك يوجد في تلك المسألة أمر و نهي، إذ العبادة لا تكون عبادة إلّا بعد تعلّق الأمر بها فإذا فرض ثبوت النهي يلزم بذلك وجود الأمر و النهي في العبادة.

و أجاب (قدّس سرّه) بذكر ثلاثة فروق، أوّلها هو الذي يختاره، و ثانيها هو لصاحب الفصول، و الثالث لم ينسبه إلى قائل معين.

و الفروق الثلاثة هي:

1- ما يختاره هو (قدّس سرّه)، و حاصله: إنّ الفرق بين العلوم- و هكذا بين المسائل- على ما تقدم في أوائل الكتاب هو من حيث الجهة، فعلم النحو و علم الصرف مثلا هما علمان رغم أنّ موضوعهما واحد، و هو الكلمة، و ما ذاك إلّا لأنّ جهة البحث عن الكلمة في علم النحو تختلف‏

____________

(1) الدرس 154: (3/ صفر/ 1426 ه).

465

عنها في علم الصرف، و هكذا الحال نقول في مقامنا، فإنّ جهة البحث في مسألتنا تختلف عن جهة البحث في تلك المسألة، ففي مسألتنا نبحث عن هذه الجهة، و هي أنّه مع فرض وحدة الوجود و تعدد العنوان هل يسري الأمر إلى متعلّق النهي، و النهي إلى متعلّق الأمر- و وجه السراية أنّ المعنون ما دام هو الوجود الواحد فيلزم سراية كل منهما إلى متعلّق الآخر حتّى مع فرض تعدّد العنوان- أو لا يلزم، باعتبار أنّ متعلّق الأحكام هو العناوين، و هي متعددة.

إنّ جهة البحث هي هذه، أي تحقق السراية و اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد بسبب وحدة المعنون، و عدم تحققها بسبب تعدّد العنوان، و هذا بخلافه في المسألة الأخرى، فإنّ البحث ليس عن السراية بل هو عن جهة أخرى، و هي أنّ النهي المتعلّق بالعبادة هل يقتضي فسادها، و من الواضح إنّ هذه الجهة تغاير تماما تلك الجهة.

نعم مسألتنا ربما تنقّح موضوعا و مصداقا لتلك المسألة، و ذلك فيما إذا بني في مسألتنا على الامتناع- أي قيل بأن المتعلّق هو الوجود الخارجي الذي هو واحد- فإن لازم الامتناع ثبوت أحد الحكمين لا كليهما، إذ الوجود الواحد لا يتحمّل إلّا حكما واحدا، و ذلك الحكم الواحد لو فرض أنّه النهي فيلزم كون المورد من مصاديق النهي عن العبادة فيما إذا فرض كون المورد عبادة، إلّا أنّ هذا كله لا يعني أن مسألتنا و تلك المسألة واحدة بل هما مسألتان، غايته أنّ مسألتنا تحقّق مصداقا لموضوع تلك المسألة، ففي مثال الصلاة في المغصوب يلزم- بناء على الامتناع و تقديم النهي- أنّ تكون الصلاة منهيا عنها، و بالتالي أن يكون المورد من مصاديق النهي عن العبادة.

2- ما ذكره صاحب الفصول، و هو التفرقة على أساس الموضوع،

466

فموضوع تلك المسألة يغاير موضوع هذه المسألة، فإنّه في مسألتنا يفرض وجود أمر متعلّق بالصلاة و نهي متعلّق بالغصب، و من الواضح أنّ طبيعة الصلاة تغاير طبيعة الغصب، فهما طبيعتان و ماهيتان مختلفتان، فمفهوم هذه غير مفهوم ذاك و إن كانت النسبة بينهما بلحاظ عالم المصداق هي نسبة العموم و الخصوص من وجه- إذ ربما تتحقّق الصلاة بدون غصب، و الغصب من دون صلاة، و ربما يجتمعان- و ربما تكون النسبة هي العموم و الخصوص المطلق، كما في الحركة و التداني في قولك: تحرّك و لا تتدان، فإن كل تدان هو حركة، و ليس كل حركة هي تدان.

و بالجملة: متعلّق الأمر يغاير متعلّق النهي في مسألتنا، و هذا بخلافه في تلك المسألة، فإن المتعلّق واحد، كما هو الحال في النهي عن الصلاة في الحمّام، فإن الأمر متعلّق بالصلاة، و النهي متعلّق بالصلاة أيضا، غايته الأمر متعلّق بالصلاة من دون قيد، و النهي متعلّق بحصة من الصلاة، و هي الصلاة في الحمّام.

و باختصار: المتعلّق في مسألتنا متغاير بخلافه في مسألة النهي عن العبادة.

هكذا ذكر صاحب الفصول.

و يرده: إنّ المهم كما ذكرنا هو التغاير من حيث الجهة، فهي إن تغايرت صحّ عقد مسألتين حتّى مع فرض وحدة الموضوع- كما هو الحال في علم النحو و الصرف، فإنّ موضوعهما واحد، و هو الكلمة، إلّا أنّه لمّا تغايرت جهة البحث صحّ عقد مسألتين- و إن لم تتغاير لم يصح عقد مسألتين رغم اختلاف الموضوع.

3- إنّ الفرق هو أنّ البحث في مسألتنا عقلي فيقال: هل العقل يحكم بجواز اجتماع الأمر و النهي أو يحكم بالامتناع، و هذا بخلافه في تلك المسألة، فإن البحث فيها لفظي، فيقال: هل لفظ النهي يدل على الفساد أو لا؟

467

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بجوابين:

أ- إنّ كون البحث هنا عقليا و هناك لفظيا لا يبرّر عقد مسألتين، بل المناسب مع فرض وحدة الجهة عقد مسألة واحدة يبحث فيها مرة بحثا عقليا و أخرى بحثا لفظيا، فيقال هكذا: الأمر و النهي لا يجوز اجتماعهما عقلا، و النهي لا يدل على الفساد مثلا.

هذا مع فرض وحدة الجهة.

و أما مع تعددها فالمناسب عقد مسألتين حتّى مع فرض كون البحث عقليا في كلتيهما أو لفظيا في كلتيهما.

ب- إنّ البحث في تلك المسألة ليس لفظيا دائما، إذ ربما لا يكون النهي مستفادا من اللفظ بل من الإجماع مثلا.

توضيح المتن:

الوجه و العنوان: العطف بينهما تفسيري.

غائلة: أي مشكلة. و المقصود إنّ الوجود الواحد إذا كان ذا عنوان واحد فلا إشكال في عدم إمكان اجتماع الأمر و النهي فيه و لكن إذا تعدد عنوان ذلك الوجود الواحد فهل تبقى المشكلة على حالها؟

بل يكون حاله حاله: أي حال الوجود الواحد ذي العنوانين حال الوجود الواحد ذي العنوان الواحد.

و أما ما أفاده في الفصول: هذا شروع في بيان الفرق الثاني.

إنّ الفرق بين المقام: لا يخفى أنّ صاحب الفصول قد ذكر هذا البحث في مسألة النهي عن العبادة لا في مسألة اجتماع الأمر و النهي، بخلاف الشيخ الخراساني فإنه عكس، فذكر هذا في مسألتنا، أي مسألة اجتماع الأمر و النهي، و لم يذكره في مسألة النهي عن العبادة التي تأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

468

و هو أنّ الأمر و النهي ...: هذا تفسير من صاحب الفصول للمقام المتقدم.

أمّا في المعاملات فظاهر: و ذلك لعدم وجود الأمر فيها.

ثمّ لا يخفى أنّ هذه الجملة و ما بعدها خبر لأنّ في قوله: ثمّ اعلم أنّ الفرق بين ...

و إن كان بينهما عموم مطلق: الداعي إلى ذكر هذا هو الرد على المحقق القمي، حيث اشترط في مسألتنا أن تكون النسبة هي العموم و الخصوص من وجه كالغصب و الصلاة.

فاسد: جواب قوله: (و أما ما أفاده في الفصول ...).

و المناسب: ففاسد.

و معه لا حاجة: أي و مع اختلاف الجهات لا حاجة إلى تعدّد الموضوعات.

و من هنا انقدح ...: هذا إشارة إلى الفرق الثالث.

خلاصة البحث:

هناك فروق ثلاثة بين المسألتين: الفرق على أساس الجهة، و الفرق على أساس تغاير الموضوع، و الفرق على أساس كون البحث في مسألتنا عقليا و في تلك لفظيا، و الصحيح هو الأوّل.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الثاني:

الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي عن العبادة هو من حيث جهة البحث، ففي مسألتنا يبحث عن أن تعدّد العنوان هل يوجب تعدّد متعلّق الأمر و النهي، و بالتالي لا يلزم اجتماعهما في شي‏ء واحد أو لا

469

يوجبه، و هذا بخلافه في تلك المسألة، فإن البحث هو عن اقتضاء النهي للفساد.

نعم لو قيل في مسألتنا بالامتناع و ترجيح جانب النهي تحققت صغرى لتلك المسألة.

هذا هو الفارق الصحيح.

و أفاد في الفصول: إنّ الفرق بلحاظ باب المعاملات ظاهر، و أما في العبادات فمتعلّق الأمر و النهي في مسألتنا طبيعتان متغايرتان و إن كان بينهما عموم مطلق، بينما في تلك يكون المتعلّق واحدا و الاختلاف هو بالإطلاق و التقييد.

و لكنه فاسد، فإنّ تعدّد الموضوع من دون تعدّد الجهة لا يبرّر عقد مسألتين، و مع تعدّدها يجدر عقد مسألتين حتّى مع اتحاد الموضوع.

و منه يتضح فساد الفرق بأنّ النزاع هنا عقلي و هناك في دلالة النهي لفظا، إذ يرد عليه أنّ مجرد ذلك لا يوجب عقد مسألتين بل يلزم التفصيل في المسألة الواحدة، هذا مضافا إلى عدم اختصاص تلك بدلالة اللفظ.

***

470

قوله (قدّس سرّه):

«الثالث: إنّه حيث كان نتيجة ...، إلى قوله:

الرابع: إنّه قد ظهر ...».

(1)

الأمر الثالث: مسألة الاجتماع أصولية:

هل مسألتنا أصولية أو من المبادئ الأحكامية أو من المبادئ التصديقية أو من المسائل الكلامية أو من المسائل الفرعية؟ (2) أجاب (قدّس سرّه): إنّ ملاك الأمور الأربعة الأخرى و إن كان ثابتا في مسألتنا إلّا أنّه لا يعني ذلك أنّها ليست أصولية حينما تذكر في علم الأصول بل هي منه- و لم تذكر فيه تطفّلا- لاشتمالها على ملاك المسألة الأصولية و إن صحّ عقدها كلامية في علم الكلام، و فقهية في علم الفقه و هكذا.

إذن ملاك المسألة الأصولية ما دام متوفرا في مسألتنا فيلزم عدّها أصولية رغم توفّر ملاك الأمور الأربعة الأخرى فيها.

و للتوضيح نقول:

1- إنّ ملاك المسألة الأصولية هو أن يقع مضمونها في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلي، فكل ما يقع في طريق الاستنباط فهو أصولي.

و هذا الملاك ثابت في مسألتنا، لأنّه إذا قلنا بالجواز- الذي هو عبارة أخرى عن تعلّق الأحكام بالعناوين، أي إن الأمر متعلّق بعنوان‏

____________

(1) الدرس 155: (4/ صفر/ 1426 ه).

(2) المسألة الفرعية و المسألة الفقهية مصطلحان مترادفان.

471

الصلاة و النهي بعنوان الغصب- فيلزم الحكم بصحة الصلاة، إذ العمل المأتي به خارجا لم يتوجّه إليه النهي حتّى يقع فاسدا، و إنما النهي تعلّق بالعنوان، و هذا بخلاف ما إذا بني على الامتناع- أي تعلّق الأمر و النهي بالوجود الخارجي الذي هو واحد- فإنّه يلزم الحكم بالفساد إذا فرض تقديم النهي، و بالصحة إذا فرض تقديم الأمر.

و عليه فالحكم بالصحة ثابت على تقديرين، بينما الحكم بالفساد ثابت على تقدير واحد.

2- إنّ ملاك المبادئ الأحكامية هو البحث عمّا يرتبط بأحوال الحكم الشرعي، فحينما يقال: هل يلزم في الحكم الشرعي أن يكون متعلّقه مقدورا، فهذا بحث عن حالة من حالات الحكم الشرعي، و هكذا حينما يقال: هل وجوب الشي‏ء يستلزم وجوب مقدمته أو أنّ وجوب الشي‏ء هل يستلزم حرمة ضده.

و هذا الملاك ثابت في مسألتنا أيضا، لأنه يبحث فيها عن حال الوجوب و أنّه يمكن أن يجتمع مع الحرمة أو لا.

3- إنّ ملاك المبادئ التصديقية هو أن تكون القضية سببا للتصديق بقضية أخرى و مبدأ لذلك، كما هو الحال في الصغرى و الكبرى في كل قياس، فإنهما سبب للتصديق بالنتيجة، فقولك: العالم متغير، و كل متغير حادث، مبدأ للتصديق بالنتيجة، و هي أنّ العالم حادث.

و هذا الملاك ثابت في مسألتنا أيضا، لأنّه إذا بنينا على الامتناع فسوف نصدّق بتحقّق التعارض بين صلّ و لا تغصب، بخلاف ما إذا بنينا على الجواز فإنّه سوف نصدّق بتحقّق التزاحم، إذ معنى الامتناع أنّ الأحكام تتعلّق بالوجود الخارجي للشي‏ء، و حيث إنه واحد فلا يمكن أن يثبت كلاهما و يتحقق بينهما

472

التعارض، فإنّ الشي‏ء الواحد لا يتحمّل إلّا حكما واحدا، و هذا بخلاف الجواز، فإن معناه إنّ متعلّق الأحكام هو العناوين، فالوجوب متعلّق بعنوان الصلاة، و النهي بعنوان الغصب، و لم يجتمعا في شي‏ء واحد ليتحقق بينهما تعارض، نعم لا يمكن امتثالهما معا من دون عصيان- لفرض أنّ باب المكان المغصوب مغلق و لا يمكن فتحه لأداء الصلاة خارجه و إلّا لم يتحقق التزاحم أيضا- إذ الإتيان بالصلاة خارجا لا يمكن أن يتحقق إلّا بعصيان النهي عن الغصب، و كلما كان امتثال أحد الحكمين ملازما لعصيان الآخر فيطلق عليه عنوان التزاحم.

و بالجملة: الحكم في مسألتنا بالامتناع مبدأ للتصديق بالتعارض، و الحكم بالجواز مبدأ للتصديق بالتزاحم.

4- إنّ ملاك المسائل الكلامية هو البحث عن أحوال المبدأ- أي اللّه سبحانه- و المعاد، فكل قضية تبحث عن أحوال المبدأ أو المعاد فهي كلامية.

و هذا الملاك ثابت في مسألتنا أيضا، لأنّه يبحث عن أنّه إذا شرّع اللّه سبحانه الوجوب لشي‏ء فهل يمكن أنّ يشرّع الحرمة و يثبتها له، إنّ هذا بحث عن حال اللّه سبحانه و أنّه يجوز له هذا أو لا.

5- إنّ ملاك المسألة الفرعية هو البحث عن فعل المكلف من حيث الحرمة و الوجوب و الصحة و الفساد و غير ذلك من الأحكام، فقولنا: شرب الخمر حرام مثلا مسألة فرعية لأن الشرب فعل للمكلف و قد أثبتنا له الحرمة.

و هذا الملاك ثابت في مسألتنا أيضا، لأنّه يبحث عن صحة الصلاة- أو غيرها من العبادات- إذا اجتمعت مع المحرّم كالغصب أو غيره. (1)

____________

(1) لا يخفى أنّه في مسألتنا لا يبحث عن صحة العمل و فساده حتّى يكون بحثا فقهيا و إنما عن جواز الاجتماع و عدمه، و هو ليس بحثا فقهيا.

473

و من كل هذا نخرج بهذه النتيجة: إنّ مسألتنا ما دام قد عقدت في علم الأصول- و المفروض أنّ فيها ملاك المسألة الأصولية- فينبغي عدّها أصولية و إن صحّ عقدها في علم الكلام كلامية، و في علم الفقه فقهية (1) و هكذا، إذ لا محذور في أن تكون مسألة واحدة صالحة للدخول تحت علمين، كما هو الحال في مسألة الأمر ظاهر في الوجوب، فإنّ الجهة الخاصة المبحوثة في المسألة المذكورة- و هي الظهور في الوجوب- حيث تحقّق غرض الأصولي و اللغوي فيصحّ عدّها من مسائل علم الأصول و مسائل اللغة، فباعتبار أنّها تحقّق غرض اللغوي- و هو التعرّف على معاني الألفاظ- يصح عدّها مسألة لغوية، و باعتبار أنّها تحقّق غرض الأصولي يصحّ عدّها أصولية. (2)

توضيح المتن:

كانت المسألة: الأولى حذف كلمة المسألة.

لا من مباديها: الظاهر عود الضمير إلى المسائل الأصولية، و حيث إن هذا لا معنى له فيتعيّن حذف الضمير، أي هكذا: لا من المبادئ الأحكامية.

ضرورة أنّ: تعليل لقوله: (كانت المسألة من المسائل الأصولية).

و المقصود: أنّ مجرد ذلك لا يوجب كون مسألتنا من تلك الأمور الأربعة بعد ما كان في مسألتنا ملاك المسألة الأصولية، حيث يمكن عقدها بسبب هذا الملاك في علم الأصول بنحو تكون من مسائله، و لا مجال مع‏

____________

(1) لا يخفى أنّ عبارة الشيخ الخراساني في المتن توحي مرة بأنّه يدعي أنّ مسألتنا لا يصحّ عدّها إلّا أصولية بينما توحي أخرى أنّها صالحة لعدّها من الأمور الأربعة الأخرى لتوفّر ملاكاتها فيها.

(2) نلفت النظر إلى أنّ هذا الأمر الثالث بتمامه لا فائدة فيه.

474

وجود ملاك المسألة الأصولية فيها لتوهّم أنّها قد عقدت في علم الأصول و هي ليست منه.

و إن عقدت كلامية ...: ظاهر هذا جواز كونها غير أصولية بينما ظاهر أوّل كلامه أنّها لا تكون غير أصولية.

يبحث فيها عن جهة خاصة: يعني المحمول، و هو مثل الظهور في الوجوب في قولنا: الأمر ظاهر في الوجوب.

لانطباق جهتين عامتين: و هما الغرضان من العلمين.

خلاصة البحث:

إنّ مسألتنا أصولية لاشتمالها على ملاك المسألة الأصولية و إن أمكن عدّها من الأمور الأربعة الأخرى لاشتمالها على ملاكاتها.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الثالث: إنّ نتيجة هذه المسألة حيث تقع في طريق الاستنباط فهي أصولية و ليست من المبادئ الأحكامية و لا التصديقية و لا من المسائل الكلامية و لا الفرعية و إن كانت فيها جهاتها، إذ أن مجرد ذلك لا يوجب كونها منها ما دام فيها ملاك المسألة الأصولية حيث يمكن عدّها آنذاك من الأصول و لا يكون ذكرها فيه تطفلا و إن صحّ عقدها كلامية في الكلام، و فرعية في الفقه و هكذا، و قد عرفت في أوّل الكتاب أنّه لا ضير في كون مسألة واحدة داخلة في علمين لارتباطها بغرضيهما.

***

475

قوله (قدّس سرّه):

«الرابع: إنه قد ظهر ...، إلى قوله: الخامس: لا يخفى أن ملاك النزاع ...».

(1)

الأمر الرابع: البحث في مسألتنا عقلي:

هل البحث في مسألتنا عقلي أو لفظي؟ المناسب أن يكون عقليا- كما اتضح ذلك من خلال الأمر الثاني- فإن البحث فيه هو عن كفاية تعدّد العنوان في رفع الإشكال و عدمها، و معلوم أن البحث من هذه الزاوية عقلي و لا ربط له بالألفاظ.

هذا و لكن قد يتوهم كون البحث لفظيا لوجهين:

1- إنه قد جاء في عنوان البحث لفظ الأمر و النهي فقيل هكذا:

هل يجوز اجتماع الأمر و النهي، و بما أن المقصود من الأمر خصوص اللفظ الدال على الوجوب، و من النهي خصوص اللفظ الدال على التحريم فيثبت بذلك كون النزاع لفظيا و إلّا لما خصّص بالأمر و النهي الخاصين بمقولة اللفظ.

و أجاب عن ذلك بأن كلمة الأمر و إن كانت بحسب الاصطلاح أو اللغة تطلق على خصوص اللفظ الدال على الطلب إلّا أن المقصود منها في المقام هو ذات الطلب سواء أ كان قد

____________

(1) الدرس 156: (5/ صفر/ 1426 ه).

476

أنشأ باللفظ أم لا، غايته بما أن الطلب يكون غالبا باللفظ فلذلك عبر بكلمة الأمر و النهي. (1)

2- قد نسب إلى المحقق الأردبيلي أنه فصّل و قال: يجوز الاجتماع عقلا و لا يجوز عرفا، فإن تعبيره بعدم الجواز عرفا يدل على أن النزاع لفظي و إلّا فما معنى تحكيم العرف و حكمه بعدم الجواز؟

و الجواب: إن المقصود من التفصيل المذكور لا بدّ أن يكون هكذا: إن العقل يرى أن الشي‏ء الذي له عنوانان هو شيئان و ليس واحدا، و من هنا يحكم بالجواز لفرض أن الشي‏ء ذا العنوانين شيئان، و هذا بخلاف العرف فإنه حيث لا يراه شيئين فلا يجوز الاجتماع عنده، إنه لا بدّ أن يكون المقصود هو ما ذكر و إلّا فلا معنى للامتناع العرفي، و هل يحتمل أن المقصود أن لفظ صل يدل على الامتناع؟! إنه أمر غير محتمل.

نعم لا بأس أن يدّعى أن صل يدل على عدم وقوع الاجتماع، بمعنى أنه حينما نسمع كلمة صل نفهم منها أن متعلّقها هو الصلاة غير المقرونة بالمحرّم، أي غير المقرونة بالغصب، فلفظ صل لا يدل على استحالة اجتماع صل و لا تغصب، إذ ذلك باطل جزما، و إنما يدل على أن متعلّقه هو الصلاة غير المقرونة بالغصب، فالاجتماع و إن كان جائزا عقلا إلّا أن لفظ صل يدل على عدم وقوع الاجتماع.

***

____________

(1) الأنسب الجواب بشكل آخر، بأن يقال: إن كون المقصود من الأمر و النهي خصوص اللفظ لا يستلزم كون النزاع لفظيا و ليس عقليا بل يبقى عقليا، فيقال هكذا: توجّه الأمر و النهي اللفظيين إلى شي‏ء واحد هل هو أمر جائز عقلا؟

477

قوله (قدّس سرّه):

«الخامس: لا يخفى أن ملاك النزاع ...، إلى قوله: السادس: إنه ربما يؤخذ ...».

الأمر الخامس: عموم محل النزاع:

هل النزاع في مسألتنا يختص بالأمر التعييني و النهي التعييني- مثل صل و لا تغصب- أو يعمّ الأمر و النهي التخييرين، مثل صل أو صم مع النهي عن الغصب أو مجالسة الأغيار، و فرض أن المكلف صلى في الأرض المغصوبة مع مجالسته للأغيار؟ (1) و الصحيح أنه يعم ذلك لوجوه ثلاثة:

1- إن نكتة النزاع و ملاكه يعمان الاثنين معا، فالأمر و النهي إذا امتنع اجتماعهما فلا يفرّق بين كونهما تعيينيين أو تخييريين و إذا جاز اجتماعهما فلا يفرّق أيضا بين كونهما تعيينيين أو تخييريين، فالتخصيص بلا موجب.

2- إن كلمة الأمر و النهي الواردة في عنوان البحث مطلقة و ليست مقيدة بما إذا كانا تعيينيين، و مقتضى إطلاقها الشمول للجميع.

3- إن الأدلة التي استدل بها على الجواز لا تختص بخصوص التعيينيين، و هكذا الأدلة التي استدل بها على الامتناع لا تختص بهما.

هذا و قد يشكل على الدليل الثاني و يقال: إن التمسك بإطلاق كلمة الأمر و النهي ليس وجيها لأنه يمكن أن يدعى انصرافها إلى خصوص التعيينيين.

____________

(1) الوجه في افتراض الغصب مقرونا بالجلوس مع الأغيار هو أن النهي التخييري لا يتحقق عصيانه إلّا بالإتيان بكلا الفردين بخلاف ذلك في الأمر التخييري، فإن امتثاله يتحقق بالإتيان بفرد واحد، فالعصيان يختلف عن الامتثال.

478

و يمكن الجواب عن ذلك بأن دعوى الانصراف إن سلّمناها فإنما نسلّمها في خصوص صيغة الأمر و ليس في مادته، فمثل صيغة صل و صم يمكن أن يدعى انصرافها إلى ذلك، و أما مادة الأمر- أعني كلمة أمر و مشتقاتها- التي هي الواردة في العنوان فليست منصرفة إلى ذلك.

على أننا لا نسلّم انصراف الصيغة إلى ذلك أيضا، أي لا نسلّم ظهورها بسبب الانصراف، و إنما هي ظاهرة في ذلك بسبب الإطلاق و مقدمات الحكمة التي هي لا تجري في المادة لوجود القرينة الخاصة، و هي الوجوه الثلاثة المتقدمة الموجبة للتعميم.

و بكلمة أخرى: نحن ربما نسلّم اقتضاء مقدمات الحكمة في الصيغة- مثل صل و لا تغصب- للظهور في خصوص التعييني، فيقال: إن صل تقتضي بموجب مقدمات الحكمة كون وجوب الصلاة وجوبا تعيينيا، إذ الوجوب التخييري يشتمل على مئونة ثبوتية زائدة و بالتالي على مئونة إثباتية زائدة، حيث يلزم أن يقال: صل أو افعل كذا، و عدم ذكر العدل يكشف عن كون الوجوب تعيينيا، إن مقدمات الحكمة و إن اقتضت في الصيغة كون الوجوب تعيينيا إلّا أنه في المادة- أعني كلمة أمر و مشتقاتها- لا يمكن تطبيقها، إذ توجد قرينة على التعميم، و هي الوجوه الثلاثة المتقدمة.

توضيح المتن:

إنه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه: كقوله في الأمر الثاني: إن الجهة المبحوث عنها هي أن تعدّد الوجه يوجب تعدّد المتعلّق أو لا.

و لا اختصاص للنزاع ...: هذا مناقشة للوجه الأوّل.

و ذهاب البعض إلى الجواز ...: هذا مناقشة للوجه الثاني.

479

بالنظر الدقيق العقلي اثنين: هكذا في بعض النسخ، و الصواب: اثنان.

و إلّا فلا يكون معنى محصلا: هكذا في بعض نسخ المتن، و الصواب: و إلّا فلا يكون معنى محصل.

غاية الأمر ...: أي إن تفسير الامتناع العرفي بدلالة اللفظ على الامتناع أمر واضح الوهن، و الذي يمكن أن يدّعى أن العقل و إن حكم بجواز الاجتماع إلّا أن العرف يفهم من اللفظ- أي لفظ صل و لا تغصب مثلا- عدم تحقق الاجتماع.

لا يخفى أن ملاك النزاع: هذا إشارة إلى الوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة.

كما هو قضية ...: هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة.

إلى النفسيين ...: ذكر النفسيين و العينيين في المقام لا حاجة إليه، و الأولى الاقتصار على التعيينيين.

في مادتهما: مادة الأمر هي عبارة عن كلمة الأمر و مشتقاتها، و مادة النهي هي كلمة النهي و مشتقاتها.

و التعسّف يراد به الحمل على معنى بلا دلالة ظاهرة.

الغير الجارية: المناسب: غير الجارية.

و كذا ما وقع في البين ...: هذا إشارة إلى الوجه الثالث.

و كذلك نهى عن ...: أي بنحو التخيير.

فصلى فيها مع مجالستهم: تقدّم الوجه في نكتة التقييد المذكور.

و نهى عن التعرف فيها كذلك: أي تعيينا.

خلاصة البحث:

مسألة اجتماع الأمر و النهي عقلية، و الوجهان اللذان قد يتمسك بهما لإثبات أنها لفظية قابلان للمناقشة.

480

و النزاع يعمّ جميع أفراد الأمر و النهي لوجوه ثلاثة، و دعوى الاختصاص للانصراف مرفوضة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الرابع: قد ظهر أن المسألة عقلية. و توهّم اختصاصها بما إذا كان الإيجاب و التحريم باللفظ للتعبير بالأمر و النهي الظاهرين في الطلب بالقول مدفوع بأن ذلك لكون الدلالة عليهما بهما غالبا.

و ذهاب البعض إلى الجواز عقلا و الامتناع عرفا ليس بمعنى دلالة اللفظ بل بدعوى أن الواحد بالنظر العقلي اثنان و بالنظر العرفي واحد ذو وجهين و إلّا فلا معنى للامتناع العرفي، نعم يمكن أن يدعى أن العقل بعد حكمه بالجواز فالعرف يفهم من اللفظ دلالته على عدم الوقوع.

الخامس: لا يختص النزاع بالوجوب و التحريم التعيينيين بل يعمّ التخييريين- كالأمر بالصلاة و الصوم تخييرا و النهي كذلك عن التصرف في الدار و المجالسة مع الأغيار، و فرض أن المكلف صلى فيها مع مجالستهم- لعموم ملاكه، و عموم ما وقع في البين من النقض و الابرام و أدلة الطرفين، و لإطلاق لفظ الأمر و النهي.

و دعوى الانصراف إلى التعيينيين في مادتهما غير خالية عن الاعتساف و إن سلّم في صيغتهما مع أنه فيها ممنوع و إن كان لا يبعد الظهور بمقدمات الحكمة التي لا تجري في المادة لما تقدّم من قرينة التعميم.

***

481

قوله (قدّس سرّه):

«السادس: إنه ربما يؤخذ ...، إلى قوله: الثامن:

إنه لا يكاد يكون ...».

(1)

الأمر السادس: قيد المندوحة:

ربما يؤخذ قيد المندوحة (2) في مسألتنا فيقال: إذا كانت توجد مندوحة فالنزاع في جواز الاجتماع و عدمه يكون وجيها، و أما إذا لم تكن مندوحة فيتعيّن الامتناع، إذ كيف يمكن توجّه الأمر و النهي معا إلى المكلف بعد افتراض عدم إمكان خروجه من المكان المغصوب؟! إنه يلزم التكليف بالمحال.

و أجاب (قدّس سرّه) بأن جهة البحث في مسألتنا لا تتأثّر بوجود المندوحة و عدم وجودها، فإنه نبحث في مسألتنا عن هذه النقطة، و هي أن تعدّد العنوان هل يكفي في رفع المشكلة أو لا؟ و من المعلوم أن هذا لا يتأثّر بوجود المندوحة أو بعدمها و لا يرتبط بذلك أبدا.

نعم إذا قلنا بجواز الاجتماع- بمعنى أن تعدّد العناوين يكفي في رفع المشكلة، باعتبار أن الأحكام تتعلّق بالعناوين- فيمكن اعتبار قيد

____________

(1) الدرس 157: (8/ صفر/ 1426 ه).

(2) المندوحة: السعة و المجال و الفسحة، فباب المكان المغصوب إذا كان مغلقا، فالمكلف لا تكون له مندوحة يتمكن معها من امتثال كلا التكليفين، بينما إذا لم يكن مغلقا تكون له المندوحة في مقام الامتثال.

482

المندوحة، فيقال: إنه لا يمكن تحقّق الاجتماع فعلا و توجّه كلا التكليفين إلى المكلف إلّا إذا افترضنا قدرته بالخروج من المكان المغصوب. و ربما نعتبر قيدا آخر، كالبلوغ و العقل، إلّا أن هذه قضية أخرى ليست هي محل بحثنا، فإن محل بحثنا هو أن تعدّد العنوان هل يكفي في رفع محذور الأمر بالضدين أو لا، و من المعلوم أن هذا لا يتأثّر بوجود المندوحة أو عدم وجودها.

و إن شئت قلت: إن كلامنا هو في التكليف المحال و ليس في التكليف بالمحال، أي إن كلامنا هو في أنه هل يمكن ثبوت كلا التكليفين- بعد فرض وجود عنوانين- أو أن ثبوتهما أمر مستحيل في نفسه و لا يكفي تعدّد العنوان؟ إن كلامنا هو في هذا، و ليس في التكليف بالمحال الذي يلزم إذا قلنا بثبوت كلا التكليفين بالفعل بعد البناء على الجواز عقلا.

الأمر السابع: عدم الارتباط بين المسألتين:

هناك مسألة قد تقدمت سابقا، و هي أن الأحكام هل تتعلق بالطبائع أو بالأفراد؟ و قد يتوهّم ارتباط مسألتنا بتلك المسألة.

و التوهّم يمكن أن يبيّن:

1- تارة بأنه بناء على التعلّق بالطبائع يمكن أن نحكم في مسألتنا بالجواز كما يمكن أن نحكم بالامتناع، و أما إذا بنينا على التّعلق بالأفراد فيتعيّن الحكم بالامتناع، إذ الفرد و الوجود الشخصي الواحد كيف يتعلق به تكليفان؟ و هذا بخلافه بناء على التعلّق بالطبائع، فإنه باختلاف ذات الطبيعتين يمكن أن نحكم بالجواز، و باعتبار اتحادهما وجودا يمكن أن نحكم بالامتناع.

483

2- و أخرى بأنه على الطبائع يتعيّن البناء في مسألتنا على الجواز- لتعدّد الطبيعتين ذاتا و حقيقة و ان اتحدتا وجودا- و على الأفراد يتعيّن البناء على الامتناع، لأن الفرد الواحد لا يتحمّل حكمين. (1)

و أجاب (قدّس سرّه) عن كلا التوهمين بأنه إما أن نبني على كفاية تعدّد العنوان في رفع المشكلة و إن اتحد المعنون وجودا، أو نبني على عدم كفاية ذلك و لزوم تعدّد المتعلّق خارجا.

فإن بني على الأوّل فيلزم الحكم بالجواز حتّى بناء على التعلّق بالأفراد، لأن الفرد و إن كان وجوده الشخصي واحدا و لكنه بالتالي يشتمل على عنوانين، فهذا الفرد الخارجي من الحركات هو بالتالي يشتمل على عنوانين، عنوان الصلاة و عنوان الغصب، و هو بالتالي فرد لهذا العنوان و فرد لذلك العنوان، فهو مجمع لكلا الفردين بعد فرض تعدّد عنوانه.

و إن بني على الثاني فيلزم الحكم بالامتناع حتّى بناء على التعلّق بالطبيعة، لأن وجود الطبيعة واحد رغم تعدّد العنوان.

و لك أن تقول: كما أن الوحدة الوجودية للطبيعتين لا تضرّ بكونهما طبيعتين بعد فرض تعدّد العنوان كذلك الوحدة الوجودية للفرد لا تضرّ بكونه فردين بعد فرض تعدّد العنوان، و لا ندري لما ذا يكفي تعدّد العنوان بناء على التعلّق بالطبيعة و لا يكفي بناء على التعلّق بالفرد؟!

____________

(1) الفرق بين البيانين هو بلحاظ الشق الأوّل فقط، إذ بناء على البيان الأوّل يمكن الحكم بالجواز و بالامتناع بناء على التعلّق بالطبيعة، بينما بناء على البيان الثاني يتعيّن على التعلّق بالطبيعة البناء على الجواز لا أنه يمكن الجواز و يمكن الامتناع.

484

توضيح المتن:

و عدم الجدوى: هذا بمثابة عطف التفسير على سابقه.

و إن تعدد الوجه: هذا بمثابة عطف التفسير على سابقه.

و لا يتفاوت في ذلك ...: أي و معلوم أنه لا يتفاوت ...

ثمّ إن المناسب في العبارة هكذا: و لا يتفاوت ذلك بوجود المندوحة و عدمه.

و لزوم التكليف ...: الواو استينافية، و هو مبتدأ، و خبره محذور آخر.

لمن يرى ...: أي للعدلي الذي يرى أن التكليف بالمحال محال، في مقابل الأشعري الذي لا يراه محالا، إذ أقصى ما يلزم من التكليف بغير المقدور هو القبح، و لكن المفروض أن العقل لا يحكم بالحسن و القبح، بل كل ما كلّف اللّه سبحانه به فهو حسن حتّى لو كان بغير المقدور.

من اعتبار أمر آخر: كالبلوغ و العقل. و التقدير: كما لا بدّ من اعتبار أمر آخر في الحكم بالجواز فعلا.

إن النزاع في الجواز ...: العبارة غامضة، و المناسب: إنه على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع يمكن النزاع في الجواز و الامتناع، و أما على القول بتعلّقها بالأفراد فيتعيّن الامتناع.

على هذا القول: متعلّق بقوله: (لزوم تعلّق).

بحسب الوجود و الإيجاد: العطف تفسيري، نعم ربما يفرّق بينهما بأن الوجود لم يلحظ فيه جنبة الصدور من الفاعل بخلاف الإيجاد.

لفردين موجودين بوجود واحد: اجتماع فردين في وجود واحد و إن كان يشكل تصوّره إلّا أن اجتماع طبيعتين في وجود واحد مشكل أيضا و إن كان الأوّل أخفى.

485

كذلك لا تضرّ ...: أي وحدة الوجود.

بما هو مصداق: أي بسبب كونه ...

و إلّا لما ...: هذا عدل لقوله: (إن كان يجدي).

كذلك وحدة ما ...: أي كذلك وحدة الفرد خارجا.

خلاصة البحث:

إن النزاع في مسألتنا ليس في لزوم التكليف بالمحال و عدمه بل في لزوم التكليف المحال و عدمه، و هو لا يرتبط بوجود المندوحة و عدمه.

و قد يتوهم أن النزاع في مسألتنا يتم على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، و أما بناء على تعلّقها بالأفراد فيتعيّن الامتناع.

و قد يتوهّم أيضا أنه على الطبائع يتعيّن الجواز، و على الأفراد يتعيّن الامتناع.

و هما مدفوعان بأن تعدّد الوجه إن كان كافيا فهو كاف حتّى بناء على التعلق بالطبائع و إن لم يكن كافيا فلا يكون كافيا حتّى بناء على التعلّق بالطبائع.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

السادس: ربما يؤخذ في محل النزاع قيد المندوحة بل ربما يقال:

أن الإطلاق هو للاتكال على الوضوح، إذ بدونها يلزم التكليف بالمحال.

و لكن التحقيق عدم اعتبارها، إذ النزاع هو في جدوى تعدّد الوجه في رفع محذور اجتماع الحكمين المتضادين و عدمها، و ذلك لا يتفاوت بوجود المندوحة و عدمه.

486

و لزوم التكليف بالمحال بدونها محذور آخر لا دخل له بهذا النزاع.

نعم لا بدّ من اعتبارها في الحكم بالجواز فعلا، بل اعتبار غيرها.

و بالجملة: لا وجه لاعتبارها إلّا اعتبار القدرة على الامتثال و عدم لزوم التكليف بالمحال، و هو غير المحذور المبحوث عنه في المقام، و هو التكليف المحال.

السابع: ربما يتوهم:

تارة بأن النزاع في الجواز و الامتناع يتم على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع، و أما على القول بتعلّقها بالأفراد فالامتناع متعيّن لامتناع تعلّق الحكمين بواحد شخصي و لو كان ذا وجهين.

و أخرى بأنه على القول بالطبائع يتعيّن الجواز لتعدد المتعلّق ذاتا و إن اتحد وجودا، و على القول بالأفراد يتعيّن الامتناع لكون المتعلّق فردا واحدا.

و أنت خبير بفساد كلا التوهمين، فإن تعدّد الوجه إذا كان مجديا لكان مجديا حتّى على التعلّق بالأفراد، لكون الفرد الواحد المعنون بعنوانين فردا لكل من الطبيعتين، و إذا لم يكن مجديا فلا يكون مجديا حتّى على القول بالطبائع لوحدة الطبيعتين وجودا.

و لك أن تقول: إن الوحدة الوجودية إذا لم تضر بتعدّد الطبيعتين لم تضر بتعدّد الفردين أيضا.

***

487

قوله (قدّس سرّه):

«الثامن: إنه لا يكاد ...، إلى قوله: التاسع: إنه قد عرفت ...».

(1)

الأمر الثامن: اعتبار وجود الملاكين: [أي إن ملاك الأمر بالصلاة و ملاك النهي عن الغصب‏]

ذكر (قدّس سرّه) أن المورد لا يكون من موارد الاجتماع إلّا إذا فرض وجود ملاك كلا الحكمين في مورد الاجتماع، أي إن ملاك الأمر بالصلاة- و هو المصلحة- لا بدّ أن لا يكون خاصا بالصلاة في الدار المباحة بل يلزم أن يعمّ الصلاة في المغصوب أيضا، و هكذا ملاك النهي عن الغصب- و هو المفسدة- يلزم أن يعمّ الغصب الصلاتي أيضا و لا يختص بالغصب غير الصلاتي.

إن مورد الاجتماع إذا كان يشتمل على كلا الملاكين فيصح أن يعدّ من موارد اجتماع الأمر و النهي و يحكم آنذاك بثبوت كلا الحكمين بناء على الجواز- لعدم المانع من ثبوتهما لفرض توفّر الملاكين و تعلّق كل حكم بكل واحد من العنوانين- و بناء على الامتناع لا يحكم بثبوت كلا الحكمين، و إنما يلزم مع فرض اقوائية أحد الملاكين ثبوت الحكم على طبق الأقوى، و مع فرض تساويهما يلزم ثبوت حكم آخر كالاباحة مثلا.

هذا مع فرض ثبوت كلا الملاكين.

____________

(1) الدرس 158: (9/ صفر/ 1426 ه).

488

و أما إذا كان أحد الملاكين ثابتا و الآخر منتفيا فلا يكون المورد مورد الاجتماع و يثبت حكم واحد، و هو الذي يكون ملاكه ثابتا، و يكون كلا الحكمين منتفيا- و تثبت آنذاك الاباحة- عند فرض انتفاء كلا الملاكين.

و بالجملة: مع ثبوت الملاكين يكون المورد مورد الاجتماع و يكون كلا الحكمين ثابتا على الجواز و أحدهما على الامتناع، و مع ثبوت أحدهما يكون أحد الحكمين ثابتا، و مع انتفائهما يكون كلا الحكمين منتفيا.

و هذا الكلام كله بلحاظ عالم الثبوت، أي إنه في علم اللّه سبحانه إذا فرض وجود كلا الملاكين كان المورد من موارد الاجتماع و إلّا لم يكن.

و أما بلحاظ عالم الأدلة- المعبّر عنه بعالم الإثبات- فما هو الموقف؟ إن الموقف هو: إن فرض أنّا أحرزنا أن ملاك أحدهما منتف حتما و ملاك الآخر يجزم بثبوته أو يحتمل ثبوته فالروايتان متعارضتان، لأن كل واحدة تقول: إن حكمي هو الثابت- و بالتالي ملاكي هو الثابت- و حكم الأخرى هو المنتفي، و مع تحقّق التعارض يلزم تطبيق أحكامه التي هي ملاحظة الأقوى سندا، و مع التساوي فالتخيير أو التساقط.

هذا إذا احرز انتفاء أحد الملاكين.

و أما إذا لم يحرز انتفاء أحدهما فمقتضى إطلاق الروايتين ثبوت كلا الحكمين، و بالتالي ثبوت كلا الملاكين، و يلزم آنذاك تطبيق حكم التزاحم الملاكي، و هو تقديم الأقوى ملاكا حتّى مع فرض كونه أضعف سندا.

489

إذن في هذه الحالة يحصل تزاحم ملاكي لا تعارض.

نعم يمكن تحقق التعارض- أي دون التزاحم الملاكي- فيما إذا كان كل من الدليلين متكفلا للحكم الفعلي، فإنه حيث لا يمكن ثبوت كلا الحكمين الفعليين فيحصل تعارض بينهما (1) إلّا إذا فرض أن العرف أمكنه الجمع، و ذلك بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي الانشائي و لو بقرينة أقوائية ملاك الحكم الآخر. (2)

توضيح المتن:

إنه لا يكاد يكون: أي المورد.

إلّا إذا كان في كل واحد ...: لا يخفى أن مسألة الاجتماع لا تختص بما إذا قيل بتبعية الأحكام للملاكات بل تعم مذهب الأشعري أيضا، فإن النزاع هو في كفاية تعدّد العنوان و عدمها، و معلوم أن ذلك لا يرتبط بمسألة تبعية الأحكام للملاكات.

ثمّ إنه قد يشكل أيضا بأن إحراز ثبوت الملاك يتم من خلال الحكم فإذا فرض توقّف كون المورد من موارد باب الاجتماع على ثبوت كلا الملاكين يلزم الدور.

و الجواب: إن هذا البحث ثبوتي، فالمقصود أنه في علم اللّه سبحانه لا يكون المورد من موارد الاجتماع إلّا إذا كان كلا الملاكين ثابتا في علم اللّه سبحانه و إن لم نعلم نحن بذلك.

____________

(1) لا بدّ أن يكون المقصود: إن التعارض يتحقق بناء على الامتناع و إلّا فعلى الجواز لا معنى لتحقق التعارض بل يثبت كلا الحكمين.

(2) ما ذكر غريب، فإن الجمع العرفي يتحقق لو كان أحد الدليلين أظهر، و معلوم أن قوة الملاك لا تولّد أظهرية في الدليل. و لعلّه إلى هذا أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالتفطن.

490

حتّى في مورد التصادق ...: هذا تفسير للإطلاق.

ثمّ إن عطف الاجتماع على التصادق تفسيري، كما هو واضح.

بكونه فعلا: أي بكون المورد بالفعل.

أو بحكم آخر غير الحكمين: و هو الاباحة مثلا.

كما يأتي تفصيله: أي في التنبيه الثاني.

مناط كذلك: أي بنحو يشمل مورد الاجتماع.

فيما لم يكن لواحد منهما: أي لم يكن ملاك لهذا و لا لذاك.

قيل بالجواز أو الامتناع: لأن القول بالجواز إنما يسوّغ الاجتماع في ظرف وجود المقتضي لهما.

من الترجيح و التخيير: كان من المناسب إضافة التساقط، لأنه مع عدم وجود مرجّح لاحدى الروايتين يحكم بالتخيير على رأي، و بالتساقط على رأي آخر.

ثمّ إن وجه إعمال المعارضة بينهما هو العلم الإجمالي بكذب إحدى الروايتين الموجب للتنافي بينهما.

و إلّا فلا تعارض في البين: أي و أما إذا لم يحرز أنه من الثاني- و ذلك إما بأن يحرز ثبوت كليهما أو يحرز ثبوت أحدهما و يشك في ثبوت الآخر أو يشك في ثبوتهما معا- فهو من باب التزاحم الملاكي، إذ مع عدم إحراز أنه من الثاني فبإطلاق الدليلين يحرز ثبوت الملاكين.

بل لا بدّ من مرجحات المقتضيات: العبارة موهمة لوجود عدة مرجحات في باب التزاحم، و الحال أنه لا يوجد إلّا مرجح واحد، و هو تقديم الأقوى ملاكا.

كما يأتي الإشارة إليها: و ذلك في التنبيه الثاني.

491

نعم لو كان كل منهما ...: أي إنه يتحقق التزاحم الملاكي دون التعارض إلّا إذا كان الدليلان متكفلين لبيان الحكم الفعلي.

لوقع بينهما التعارض: و لكن بناء على الامتناع، و أما على الجواز فلا تعارض لإمكان الاجتماع.

بملاحظة مرجحات ...: متعلّق ب (يوفّق). و المناسب: بملاحظة أهمية الملاك الآخر.

فتفطن: لعلّه إشارة إلى ما تقدّم أو أن الحمل على الاقتضائي ليس جمعا بين الحكمين، فإن الاقتضائي ليس حكما في الحقيقة.

خلاصة البحث:

لأجل كون المورد واقعا و في علم اللّه سبحانه من موارد الاجتماع يلزم افتراض ثبوت كلا الملاكين، فعلى تقدير ثبوتهما يلزم الحكم بتحقق كلا الحكمين على الجواز، و أحدهما على الامتناع.

و أما إثباتا فالروايتان متعارضتان متى ما أحرز انتفاء أحد الملاكين، و أما إذا لم يحرز فيلزم تحقّق كلا الحكمين و بالتالي كلا الملاكين و يكون التزاحم تزاحما ملاكيا و لا يتحقق التعارض إلّا مع تكفّل الدليلين للحكم الفعلي مع عدم إمكان حمل أحدهما على الاقتضائي بقرينة أهمية ملاك الآخر.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الثامن: لا يكون المورد من باب الاجتماع إلّا إذا كان ملاك الإيجاب و التحريم شاملا لمورد الاجتماع أيضا كي يحكم على الجواز بكلا الحكمين و على الامتناع على طبق أقوى الملاكين أو بحكم آخر إذا لم يكن أحدهما أقوى.

492

و أما إذا لم يكن الملاك كذلك فلا يكون المورد مصداقا لباب الاجتماع و يكون محكوما بأحد الحكمين إذا كان مناطه ثابتا أو لا يكون محكوما بهذا و لا بذاك فيما إذا كان الملاكان منتفيين بلا فرق بين القول بالجواز أو الامتناع.

هذا بحسب مقام الثبوت.

و أما بحسب مقام الدلالة و الإثبات فالروايتان الدالتان على الحكمين متعارضتان إذا أحرز أن الملاك من قبيل الثاني و لا بدّ من عمل المعارضة من الترجيح أو التخيير.

و إذا لم يحرز ذلك فيكون المورد من التزاحم بين المقتضيين فيرجّح الأقوى ملاكا و إن كان أضعف دليلا و لا يكون تعارض في البين إلّا إذا كانا متكفلين لبيان الحكم الفعلي و لم يمكن التوفيق بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي و لو بملاحظة أهمية ملاك الآخر فتفطن.

***

493

قوله (قدّس سرّه):

«التاسع: إنه قد عرفت ...، إلى قوله: العاشر».

(1)

الأمر التاسع: الطريق لإحراز الملاكين:

عرفنا فيما سبق أن المورد لا يكون من باب الاجتماع- ليترتب على ذلك الحكم بثبوت كلا الحكمين بناء على الجواز و ثبوت أحدهما بناء على الامتناع- إلّا إذا كان كلا الملاكين ثابتا في مورد التصادق، أي إلّا إذا كانت الصلاة في المغصوب مثلا مشتملة على المصلحة و المفسدة معا، و لكن كيف يمكن إحراز ذلك؟ يمكن توضيح ذلك بما يلي:

1- أن نحرز من خلال الإجماع أو غيره ثبوت كلا الملاكين في الصلاة الغصبية. (2)

2- أن نستعين بإطلاق الدليلين، بأن نقول: إن مقتضى إطلاق صل أن الصلاة واجبة و ذات ملاك حتّى إذا وقعت في الغصب، و هكذا مقتضى إطلاق لا تغصب أن الغصب محرّم و ذو مفسدة حتّى إذا اجتمع مع الصلاة. و لذلك حالات ثلاث:

أ- أن يكون الدليلان ناظرين إلى بيان الحكم الاقتضائي، (3) و في مثله لا

____________

(1) الدرس 159: (10/ صفر/ 1426 ه).

(2) قيام الإجماع أو غيره مجرد افتراض لا واقع خارجي له، و ذكر ذلك مجرد تشقيق أصولي.

(3) المراد من الحكم الاقتضائي بيان أن المورد يشتمل على المصلحة أو المفسدة و بالتالي له اقتضاء الوجوب أو التحريم.

494

إشكال في إمكان استكشاف الملاكين، لأن معنى الحكم الاقتضائي هو اشتمال الشي‏ء على المصلحة و المفسدة و أن فيه اقتضاء الوجوب أو التحريم. (1)

ب- أن يكون الدليلان ناظرين إلى بيان الحكم الفعلي مع فرض أننا نبني على الجواز في مسألة اجتماع الأمر و النهي، و في مثله لا إشكال في إمكان استكشاف الملاكين أيضا، لأن المفروض ثبوت كلا الحكمين، فهذا ثابت لعنوان الصلاة و ذاك لعنوان الغصب، و مع ثبوت كلا الحكمين يلزم استكشاف ثبوت الملاكين.

نعم نستثني من ذلك حالة ما إذا علم إجمالا بكذب أحد الدليلين، بأن يعلم إما هذا كاذب أو ذاك، فإنه في مثله لا يكون كلا الحكمين ثابتا بل أحدهما، و بالتالي لا يمكن استكشاف ثبوت كلا الملاكين بل أحدهما. (2)

ج- أن يكون الدليلان ناظرين إلى بيان الحكم الفعلي مع فرض أننا نبني على الامتناع، و في مثله لا يمكن استكشاف ثبوت كلا الملاكين، لأنه بناء على الامتناع يكون أحد الحكمين منتفيا، و مع انتفاءه كيف يمكن استكشاف ملاكه؟

إن قلت: إن أحد الحكمين و إن كان منتفيا إلّا أن انتفاءه ليس لعدم ثبوت مقتضيه بل لوجود المانع، فعدم ثبوت الوجوب للصلاة مثلا عند اجتماعها مع الغصب هو لوجود المانع- أعني الاقتران بالغصب- و ليس لعدم الملاك.

قلت: إن الكاشف عن الملاك ليس إلّا الحكم فإذا فرض أن الحكم معدوم فلا يمكن استكشاف الملاك لأن انعدام الحكم كما

____________

(1) و لكن هذه الحالة مجرد افتراض لا واقع خارجي له، و هي مجرد تشقيق أصولي.

(2) استثناء هذه الحالة لا حاجة إليه لوضوح الأمر من ناحيته، و إذا أريد ذكره فمن المناسب ذكره في البداية ليعم جميع الحالات الثلاث فإنه لا يختص بواحدة دون أخرى.

495

يمكن أن يكون لأجل وجود المانع مع تحقق المقتضي كذلك يمكن أن يكون لعدم الملاك رأسا.

و بناء على هذا لا يمكن أن يدعي شخص أن الصلاة مثلا هي واجدة دائما للملاك بما في ذلك حالة اجتماعها مع الغصب، غايته لم يأمر بها لوجود المانع- و هو اقترانها بالغصب- و ليس لعدم المقتضي.

و بالجملة: بناء على الامتناع يحصل تعارض بين الدليلين و يكون أحد الحكمين منتفيا، و بالتالي لا يمكن استكشاف كلا الملاكين.

نعم نستدرك من ذلك حالة ما إذا جمع العرف بين الدليلين بحمل كل منهما على الحكم الاقتضائي أو بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي و إبقاء الآخر على الحكم الفعلي، فإذا كانا متساويين في ظهور الفعلية جمع بحمل كل منهما على الحكم الاقتضائي، و إذا كان أحدهما أظهر في الحكم الفعلي جمع بحمل خصوص الظاهر على الحكم الاقتضائي و إبقاء الأظهر على الفعلية. (1)

و سواء حمل كلاهما على الحكم الاقتضائي أو حمل خصوص الظاهر على ذلك فالنتيجة المقصودة- و هي استفادة ثبوت كلا الملاكين- لا تتغير، لأنه إن حملناهما معا على الحكم الاقتضائي فالأمر واضح، لأن معنى الحكم الاقتضائي هو عبارة أخرى عن ثبوت الملاك، و إن حملنا أحدهما على ذلك فالأمر واضح أيضا، إذ الحكم الفعلي يدل على ثبوت الملاك في متعلّقه، و الحكم الاقتضائي عبارة أخرى عن ثبوت الملاك.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك تلخيصا للمطلب فقال: إنه في حالة واحدة يدخل المورد في باب الاجتماع، و في حالتين يدخل في باب التعارض و يخرج من باب الاجتماع.

____________

(1) حمل الدليلين على الاقتضائية ليس جمعا عرفيا بل هو مجرد فرض لا واقع له.

496

أما الحالة الواحدة التي يدخل فيها المورد في باب الاجتماع فهي ما إذا دل الدليل- من إجماع و غيره- على ثبوت كلا الملاكين.

و أما الحالتان اللتان يتحقق فيهما التعارض فهما:

1- إذا دلّ الدليل على انتفاء أحد الملاكين، فإنه قد ذكرنا سابقا تحقق التعارض بينهما للعلم الإجمالي بكذب أحدهما.

و التعارض في هذه الحالة يثبت من دون فرق بين أن نبني على الامتناع أو على الجواز في مسألة الاجتماع، إذ بنفس علمنا بانتفاء أحد الملاكين يحصل العلم بكذب أحد الحكمين و بالتالي يحصل التعارض بينهما حتّى لو كنّا نبني على الجواز.

2- إذا لم يدل الدليل على انتفاء أحد الحكمين و لكن كنّا نبني على الامتناع، إذ معنى الامتناع أن الأحكام متعلّقة بالوجود الخارجي، و حيث إن الموجود الخارجي واحد فلا يتحمّل كلا الحكمين بل يحصل الجزم بكذب أحدهما، و حيث لا نعرف ذلك الكاذب فيتحقق التعارض بينهما. (1)

توضيح المتن:

إنه قد عرفت: أي في الأمر السابق.

حتّى في حال الاجتماع: هذا تفسير للإطلاق.

و هو أن الإطلاق ...: هذا إشارة إلى حالة (أ).

و لو كان بصدد الحكم الفعلي ...: هذا إشارة إلى حالة (ب).

____________

(1) ينبغي أن يقيّد حصول التعارض في حالة البناء على الامتناع بما إذا كان الدليلان ناظرين إلى الحكم الفعلي، إذ لو كانا ناظرين إلى الحكم الاقتضائي أو كان أحدهما ناظرا إلى الحكم الفعلي و الآخر إلى الحكم الاقتضائي فلا محذور في صدقهما معا، و بالتالي لا يتحقق تعارض بينهما، و لعلّه لشدة وضوح المطلب لم يشر الشيخ الخراساني إليه.

497

و أما على القول بالامتناع ...: هذا إشارة إلى حالة (ج).

من غير دلالة على ثبوت المقتضي ...: هذا إشارة إلى ما ذكرناه بلسان إن قلت قلت.

لو لم يكن أحدهما أظهر: أي أظهر في الفعلية.

فهو من باب التعارض مطلقا: أي سواء قيل بالامتناع أو بالجواز.

و إلّا فعلى الامتناع: أي و إن لم يقم دليل على انتفاء أحد الملاكين فبناء على الجواز يتمسك بإطلاق الدليلين لإثبات الحكمين و من ثمّ إثبات الملاكين، و أما بناء على الامتناع فلا يمكن ذلك.

ثمّ إنه قد ذكرنا لزوم تقييد ذلك بحالة كون الدليلين بصدد بيان الحكم الفعلي دون الاقتضائي.

خلاصة البحث:

إحراز الملاكين إن أمكن بالإجماع فهو و إلّا فبإطلاق الدليلين.

و إطلاق الدليلين له حالات ثلاث، و ذلك لأن الدليلين:

تارة يفترض أنهما بصدد الحكم الاقتضائي فيثبت الملاكان.

و أخرى يفترض أنهما بصدد الحكم الفعلي مع فرض البناء على الجواز فيثبت الملاكان إذا لم يحرز كذب أحد الدليلين.

و ثالثة يفترض أنهما بصدد الحكم الفعلي مع البناء على الامتناع، و بناء عليه لا يثبت الملاكان- لأن انتفاء أحد الحكمين كما يمكن أن يكون لوجود المانع يمكن أن يكون لفقدان المقتضي- إلّا إذا جمع العرف بحملهما على الحكم الاقتضائي أو حمل أحدهما على الاقتضائي مع إبقاء الآخر على ظهوره في الحكم الفعلي فيثبت الملاكان.

498

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الأمر التاسع: عرفت أن المورد لا يكون من باب الاجتماع إلّا مع إطلاق الملاكين، و عليه نقول: إن دلّ إجماع أو غيره على ذلك فهو، و إلّا فلا بدّ من ملاحظة إطلاق الدليلين على تفصيل، و ذلك لأنهما:

1- إن كانا بصدد الحكم الاقتضائي فيثبت الملاكان كما هو واضح.

2- و إن كانا بصدد الحكم الفعلي مع البناء على الجواز فيستكشف الملاكان إلّا مع العلم إجمالا بكذب أحدهما فيتعامل معهما معاملة المتعارضين.

3- و أما إذا بني على الامتناع فالإطلاقان متنافيان، و معه لا يمكن إحراز الملاكين- لأن انتفاء أحد الحكمين كما يمكن أن يكون للمانع يمكن أن يكون لانتفاء المقتضي- إلّا إذا وفّق بينهما بحملهما على الحكم الاقتضائي لو كانا متساويين في الظهور أو حمل خصوص الظاهر لو كان الآخر أظهر.

و بهذا تلخّص أن المورد يكون من باب الاجتماع مع فرض قيام الدليل على ثبوت الملاكين، و يكون من باب التعارض مطلقا إذا قام الدليل على انتفاء أحد الملاكين، و إذا لم يقم فبناء على خصوص الامتناع.

***

499

قوله (قدّس سرّه):

«العاشر: إنه لا إشكال ...، إلى قوله: و قد انقدح بذلك الفرق ...».

(1)

الأمر العاشر: ثمرة المسألة: [أي ما يترتب من نتائج فقهية إذا قلنا بالجواز على الاجتماع أو بالامتناع؟]

هذا الأمر يتكفل بيان الثمرة لمسألة الاجتماع، أي ما يترتب من نتائج فقهية إذا قلنا بالجواز أو بالامتناع؟ و للتوضيح نذكر الصور الخمس التالية:

1- إذا بنينا على الجواز فالصلاة في الدار المغصوبة مثلا تقع صحيحة و يحصل الامتثال بها، لأن معنى الجواز أن الأمر متعلّق بعنوان الصلاة، و النهي بعنوان الغصب، و لأجل تعدّد العنوانين لا محذور في ثبوت كلا الأمرين، و مع التسليم بثبوت الأمر بالصلاة يلزم تحقق امتثاله و سقوطه، غايته يكون المكلف عاصيا بسبب مخالفته للنهي عن الغصب. (2)

2- إذا بني على الامتناع و تقديم الأمر فالصلاة تقع صحيحة من دون تحقق عصيان النهي عن الغصب، لفرض أن الثابت هو الأمر بالصلاة فقط من دون النهي.

3- إذا بني على الامتناع و تقديم النهي و فرض أن الفعل توصلي و ليس عباديا- من قبيل الأمر بكنس الدار إذا تحقق بالمكنسة المغصوبة- فالأمر

____________

(1) الدرس 160: (11/ صفر/ 1426 ه).

(2) يمكن أن يقال بعدم صحة الصلاة لأنها قد تحقّقت خارجا مقترنة بالغصب، و اقترانها بذلك خارجا يوجب عدم صلاحيتها للتّقرب بها إلى المولى.

500

التوصلي يسقط جزما لتحقق غرضه، فإن النظافة في المثال المذكور- التي هي الغرض من الأمر بالكنس- قد تحققت، و بتحققها لا معنى لبقاء الأمر بالكنس.

إذن الأمر بالكنس يسقط و لكن نستدرك و نقول: إن الامتثال لا يتحقّق، فالعمل صحيح و يسقط الأمر من دون امتثال، لأن الامتثال فرع وجود الأمر، و المفروض أن النهي هو المقدّم دون الأمر.

4- إذا بني على الامتناع و تقديم النهي و فرض أن العمل عبادة فيقع باطلا فيما إذا كان المكلف عالما بالغصبية و حرمتها أو كان جاهلا بذلك عن تقصير، لأنه و إن كان واجدا للملاك- إذ أننا نتكلم على فرض كون المورد من مصاديق الاجتماع، و المفروض أن المورد لا يكون من موارد الاجتماع في رأي الشيخ الخراساني (قدّس سرّه) إلّا مع تحقّق كلا الملاكين- إلّا أنه لا يمكن التقرّب به بعد فرض العلم بالحرمة أو الجهل عن تقصير.

5- إذا بني على الامتناع و تقديم النهي و فرض أن العمل عبادة و كون الجهل عن قصور لا تقصير، و في مثله يحكم بصحة العمل لإمكان التقرّب بالملاك بعد كون الجهل عن قصور.

نعم في هذه الصورة يصح العمل و لكن لا يتحقق الامتثال لأنه لا يوجد أمر بعد فرض تقديم النهي، فالعمل صحيح من دون تحقّق الامتثال.

و نلفت النظر إلى أن الامتثال إنما يكون متحققا فيما إذا قلنا: إن الأحكام تابعة للملاك الأقوى واقعا و لا تتبع عنوان كون الفعل حسنا أو قبيحا عقلا، إنه بناء على تبعية الحكم للملاك الأقوى يلزم أن لا أمر في مقامنا، لأن الملاك الأقوى قد فرض أنه المفسدة، لفرض تقديم النهي، و أما بناء على تبعية الأمر

501

لكون العمل فعلا حسنا و النهي لكون العمل فعلا قبيحا فيلزم ثبوت الأمر في مقامنا دون النهي، إذ المكلف قد فرض جهله بالغصب و بحرمته عن قصور، و بعد جهله القصوري لا يكون فعله قبيحا حتّى يحرم، و ذلك بخلاف مصلحة الصلاة فإنه يعلم بها فيكون فعلها- الصلاة- حسنا و من ثمّ واجبا.

ثمّ بعد ذلك يترقى (قدّس سرّه) و يقول: إنه يمكن تحقّق الامتثال حتّى بناء على تبعية الأحكام للملاك الأقوى، و ذلك بتقريب أن الصلاة في الدار المغصوبة و إن لم يتعلّق بها أمر- لفرض أن الملاك الأقوى هو المفسدة- إلّا أن بإمكان المكلف أن يأتي بهذا الفرد من الصلاة بقصد امتثال أمر الطبيعة، فإن طبيعي الصلاة قد تعلّق به الأمر في قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ، و حيث إن هذا الفرد من الصلاة الواقع في الغصب هو كالواقع في المكان المباح من حيث الاشتمال على المصلحة فيمكن الإتيان به بقصد امتثال أمر الطبيعة بعد وفائه بالمصلحة كسائر الأفراد.

و من هنا نقول في مسألة الضد أو بالأحرى مسألة الصلاة المزاحمة بوجود النجاسة في المسجد بإمكان الحكم بصحتها حتّى لو قلنا بتوقّف صحة العبادة على قصد امتثال الأمر، و الوجه في صحتها أن بإمكان المكلف أن يتوجّه إلى الصلاة- عند وجود النجاسة في المسجد- قاصدا بها امتثال أمر الطبيعي، إذ الصلاة عند وجود النجاسة مشتملة على الملاك كالصلاة عند عدم وجودها، غايته لم يأمر بها لوجود المانع، أعني الأمر بالأهم- أي الأمر بالإزالة- و ليس لعدم المقتضي. (1)

____________

(1) هذا غريب، فإنه قد تقدّم منه في الأمر السابق أنه مع عدم تعلّق الأمر بالصلاة مثلا فلا يمكن استكشاف ثبوت الملاك فيها، إذ كما يحتمل أن يكون سقوط الأمر لوجود المانع كذلك يحتمل أن يكون لعدم المقتضي.

502

إن الصلاة في المغصوب أو عند وجود الإزالة حيث إنها مصداق لطبيعي الصلاة فيمكن الإتيان بها بقصد أمر الطبيعي. نعم طبيعي الصلاة بما هو مأمور به ليس صادقا على الفرد المذكور و لكنه بما هو طبيعي الصلاة صادق عليه.

ثمّ استدرك (قدّس سرّه) بعد ذلك و قال: إنه يمكن أن نقول بصدق الطبيعة بما هي مأمور بها على الفرد المذكور حتّى بناء على تبعية الأحكام للملاك الأقوى واقعا- و ليس لعنوان الحسن و القبيح- و ذلك فيما إذا قلنا بأن التابع للملاك الأقوى هو الحكم الفعلي دون الحكم الواقعي الانشائي.

و بكلمة أخرى: إذا كان لدينا ملاكان، أحدهما أقوى من الآخر واقعا فهل يختص الحكم الواقعي الانشائي بذي الملاك الأقوى أو أنه يثبت على طبق كليهما حكم واقعي انشائي، غايته يكون الحكم الفعلي تابعا للملاك الأقوى؟

إنه بناء على تزاحم الملاك الأقوى مع الملاك الأضعف بلحاظ الحكم الواقعي الانشائي يلزم عدم ثبوت أمر بالصلاة في الدار المغصوبة، و أما إذا قلنا بعدم تزاحمهما إلّا في الحكم الفعلي فيمكن آنذاك أن نحكم بتعلّق أمر واقعي انشائي بالصلاة- و بالتالي يمكن تحقّق الامتثال بقصده- رغم أنه قد فرضنا البناء على الامتناع و تقديم النهي.

توضيح المتن:

إنه لا إشكال في سقوط الأمر: هذا إشارة إلى الصورة الأولى.

و لو في العبادات: هذا تفسير للإطلاق.

و كذا الحال على الامتناع ...: هذا إشارة إلى الصورة الثانية.

و أما عليه و ترجيح جانب النهي: هذا إشارة إلى الصورة الثالثة.

فيسقط به: أي الإتيان بالمجمع.