كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
53

ممكنا عقلا إلّا أن الشخص ما دام هو ليس متصفا بالطيران بالفعل- و إن كان طيرانه ممكنا في حدّ نفسه- فيكون توقّف كونه في السطح على ارتقاء السلم توقفا حقيقيا و مما تقتضيه العادة.

و لكن يرده أن مثل هذه المقدمة ينبغي أن تكون راجعة إلى العقلية، لأنه يستحيل عقلا الكون على السطح بدون سلّم ما دام الشخص غير طائر بالفعل و إن كان طيرانه أمرا ممكنا في حدّ نفسه. (1)

و بهذا اتضح أن المقدمة منحصرة بالعقلية لرجوع الشرعية و العادية إليها.

توضيح المتن:

كما صرح به بعض: قيل: هو سلطان العلماء.

فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر: يعني الوجوب الغيري.

و لو قيل بكفاية ...: الواو وصلية، أي حتّى لو قيل بكفاية تعدد الجهة، أي العنوان، و الضمير في معه يرجع إلى تعدد الجهة.

لأن الواجب بالوجوب الغيري لو كان: أي لو كان الوجوب الغيري ثابتا للمقدمة.

و التوسل بها: عطف تفسير على (مقدميتها). و التوسّل هو بمعنى التوصّل.

ضرورة أن الواجب بهذا الوجوب: أي الغيري.

ما كان بالحمل الشائع مقدمة: المقدمة بالحمل الشائع هو واقع المقدمة و مصداقها، و المقدمة بالحمل الأولي هو مفهوم المقدمة

____________

(1) و لكن الطيران ما دام ثبوته للإنسان أمرا ممكنا عقلا في حدّ نفسه فالتوقّف على السلّم لا يكون عقليا. و لعلّه إلى ذلك أشار بالأمر بالفهم.

54

و عنوانها، و هكذا الحال في بقية الأشياء، فحينما يقال: الإنسان بالحمل الشائع فالمقصود مصداق الإنسان، أعني زيدا و عمروا و ... و حينما يقال:

الإنسان بالحمل الأولي فالمقصود مفهومه، أعني الحيوان الناطق أو نفس مفهوم الإنسان.

اللهم إلّا أن يريد: المناسب: اللهم إلّا أن يراد.

فهي ما استحيل واقعا: الأنسب حذف الفاء، أي هي ما ... و المراد من كلمة واقعا: عقلا.

ضرورة أنه لا يكاد يكون مستحيلا ذلك ...: الأنسب: ذلك مستحيلا، أي لا يكون وجود ذي المقدمة بدون المقدمة مستحيلا شرعا إلّا إذا أخذت المقدمة قيدا في ذيها.

و إن كان فعلا واقعيا: كلمة فعلا لا بدّ من وضعها بين شريطين، و كلمة واقعيا خبر لكان، أي و إن كان التوقف واقعيا بالفعل.

خلاصة البحث:

إن الأجزاء و إن أمكن تصوير تطبيق المقدمية عليها إلّا أنه لا يمكن أن تتصف بالوجوب الغيري و إلّا يلزم اجتماع الوجوبين.

و تعدد العنوان لا يكفي، لأن عنوان المقدمة لا يمكن أن ينصب عليه الوجوب الغيري لأنه ليس بمقدمة.

و تنقسم المقدمة أيضا إلى عقلية و شرعية و عادية.

و الشرعية ترجع إلى العقلية.

و العادية بمعنى ليست بمقدمة رأسا، و بمعنى آخر ترجع إلى العقلية أيضا.

55

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه ينبغي خروج الأجزاء عن محل النزاع رغم مقدميتها، لأنها لمّا كانت عين الكل المأمور به ذاتا و إن كانت مغايرة له اعتبارا فهي متصفة بالوجوب النفسي، و معه لا يمكن أن تتصف بالوجوب الغيري لامتناع اجتماع المثلين حتّى بناء على كفاية تعدد العنوان في اجتماع الأمر و النهي، فإن الوجوب الغيري لا يمكن أن ينصب على عنوان المقدمة، لأنه ليس بمقدمة و إنما ينصب على المقدمة بالحمل الشائع.

و بهذا يبطل توهم اتصاف كل جزء بالوجوبين، فباعتبار كونه ضمن الكل واجب نفسي، و باعتبار كونه مقدمة واجب غيري، اللهم إلّا أن يراد أن فيه ملاك الوجوبين و إن كان واجبا بوجوب واحد نفسي لسبقه فتأمل.

هذا في المقدمة الداخلية.

و أما المقدمة الخارجية فذكر لها أقسام و أطيل في تحديدها الكلام إلّا أنه غير مهم في المقام.

التقسيم الثاني: قسمت المقدمة باعتبار إلى العقلية و الشرعية و العادية.

فالعقلية هي ما استحيل وجود ذي المقدمة بدونها عقلا.

و الشرعية هي ما استحيل وجود ذي المقدمة بدونها شرعا.

و لكن لا يخفى رجوعها إلى العقلية، لأنه لا يستحيل ذلك شرعا إلّا إذا أخذت قيدا فيه، و واضح أن استحالة وجود المقيّد بدون قيده عقلي.

56

و العادية إن أريد بها ما يكون التوقف عليها بحسب العادة، أي يمكن تحقق ذيها بدونها و لكن العادة جرت على الإتيان به بواسطتها فهي و إن لم تكن راجعة إلى العقلية إلّا أنه لا ينبغي توهم دخولها في محل النزاع.

و إن أريد بها ما يكون التوقف عليها واقعيا- كنصب السلّم للصعود على السطح، فإن التوقف عليه هو لاقتضاء العادة و إلّا فالطيران ممكن عقلا- فهي راجعة إلى العقلية، لأن غير الطائر بالفعل يستحيل عقلا كونه على السطح بدون مثل السلّم رغم إمكان طيرانه ذاتا فافهم.

***

57

قوله (قدّس سرّه):

«و منها تقسيمها إلى مقدمة الوجود ...، إلى قوله:

و منها تقسيمها ...».

(1)

مقدمة الوجود و الوجوب و الصحة و العلم:

التقسيم الثالث: قسمت المقدمة باعتبار آخر إلى مقدمة الوجود- و يصطلح عليها أيضا بمقدمة الواجب-، و مقدمة الصحة، و مقدمة الوجوب، و مقدمة العلم.

هذه أقسام أربعة للمقدمة.

أما القسم الأوّل: فهو كركوب الطائرة إلى مكّة المكرمة لأداء الحج مثلا، فإن ذلك مقدمة لوجود الحج الواجب.

و هذا القسم هو القدر المتيقن من محل النزاع في الوجوب الغيري، فحينما وقع النزاع في أن مقدمة الواجب هل هي واجبة بالوجوب الغيري أو لا فالقدر المتيقن من ذلك هو المقدمة المذكورة. (2)

و أما القسم الثاني: فهو كالوضوء، فإنه مقدمة لتحقق الصلاة الصحيحة، و من دونه لا تقع الصلاة صحيحة.

و قد ذكر (قدّس سرّه) أن هذا القسم من المقدمة يرجع إلى مقدمة

____________

(1) الدرس 94: (26/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

(2) و كان من المناسب للشيخ الآخوند الإشارة إلى ذلك، و لكنه لم يشر إليه، و كأن ذلك لوضوح كونه القدر المتيقن من محل النزاع.

58

الوجود، لأن العبادة الصحيحة هي الواجبة، و الواجبة هي الصحيحة، و الوضوء الذي هو مقدمة للعبادة الصحيحة هو مقدمة للواجب، فمقدمة الصحة ترجع دائما إلى مقدمة وجود الواجب.

إن قلت: إن هذا وجيه بناء على وضع أسامي العبادات لخصوص العبادات الصحيحة، و أما بناء على الأعم فلا ترادف بين المسمى بالصلاة و بين الواجب، و ربّ شي‏ء يكون مقدمة لتحقق اسم الصلاة من دون أن يكون مقدمة لتحقق الواجب، لأن تحقق الاسم- بناء على الأعم- لا يلازم تحقق الواجب.

قلت: هذا صحيح، و لكن المقدمة التي نبحث عنها ليست هي مقدمة المسمى بل مقدمة الواجب، و واضح أن الواجب هو الصحيح، و الصحيح هو الواجب.

و أما القسم الثالث: فهو كالاستطاعة، حيث يتوقف عليها وجوب الحج، فقبلها لا وجوب للحج، و إنما يتحقق بها.

و ينبغي اخراج هذا القسم من محل النزاع، بمعنى أنه لا يتصف بالوجوب الغيري جزما، فإن الوجوب النفسي للحج ما دام مشروطا بالاستطاعة فلا يمكن أن يترشح وجوب غيري من ذلك الوجوب النفسي عليها، لأن الوجوب الغيري المنصبّ عليها إما أن يفترض أنه ينصبّ عليها قبل تحققها أو بعد فرض تحققها، و كلاهما باطل.

أما الأوّل فلأنه قبل تحقق الاستطاعة لا وجوب نفسي للحج ليترشح منه وجوب غيري عليها.

و أما الثاني فلأنه بعد تحقق الاستطاعة لا معنى لترشح الوجوب الغيري عليها و يكون لغوا و بلا فائدة، لأن طلبها بعد تحققها هو من قبيل طلب تحصيل ما هو حاصل.

59

و أما القسم الرابع: فهو كغسل شي‏ء من فوق المرفق في باب الوضوء لكي يحصل العلم بتحقق غسل اليد بالمقدار الواجب.

و هذا القسم ينبغي اخراجه من محل النزاع أيضا، للجزم بعدم اتصافه بالوجوب الغيري، فإن غسل المقدار الواجب- و هو من المرفق إلى رءوس الأصابع- لا يتوقف تحققه على غسل شي‏ء من فوق المرفق كي يجب بالوجوب الغيري، نعم العلم بغسل المقدار الواجب يتوقف على غسل شي‏ء من فوق المرفق، و تحصيل العلم المذكور و إن كان واجبا إلّا أنه ليس من باب الوجوب الغيري للمقدمة- لما قلناه من عدم توقّف غسل اليد بالمقدار الواجب على غسل مقدار فوق المرفق كما هو واضح- بل من باب حكم العقل بأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، أي بعد العلم باشتغال الذمة بغسل اليد بالمقدار الواجب يحكم العقل بلزوم العلم بفراغها، و ذلك لا يحصل إلّا بغسل شي‏ء زائد من فوق المرفق، لتنجّز التكليف بسبب العلم، فيلزم تحصيل الأمن من العقوبة، و ذلك لا يتحقّق إلّا بغسل المقدار الزائد المذكور.

و بكلمة أخرى: إن وجوب غسل المقدار الزائد المذكور هو حكم إرشادي للعقل من باب تحصيل الأمن من العقوبة و ليس حكما مولويا من باب الوجوب الغيري لفرض عدم توقف غسل المقدار الواجب لليد على غسل المقدار الزائد المذكور.

و الخلاصة من كل هذا: إن المقدمة الوجودية هي القدر المتيقن من حريم النزاع، و مقدمة الصحة راجعة إلى مقدمة الوجود، و مقدمة الوجوب و مقدمة العلم لا يمكن أن تتصفا بالوجوب الغيري.

***

60

قوله (قدّس سرّه):

«و منها تقسيمها إلى المتقدم ...، إلى قوله: أما الأوّل فكون أحدهما ...».

المقدمة المقارنة و المتأخرة و المتقدمة:

التقسيم الرابع: قسمت المقدمة باعتبار آخر إلى المتقدمة و المتأخرة و المقارنة.

مثال ذلك: الغسل الليلي للمستحاضة، فإنه إن جعل شرطا لصحة اليوم المتقدم كان شرطا متأخرا، و إن جعل شرطا لصحة اليوم الآتي كان شرطا متقدما.

و هناك إشكال معروف في أصل إمكان الشرط المتأخر، و حاصله:

إن الشرط هو جزء من أجزاء العلة التامة، فإنها تتركب من المقتضي و الشرط و عدم المانع، و هذا مطلب واضح، و هناك مطلب واضح آخر، و هو أن العلة لا يجوز أن تتأخر عن المعلول بل يلزم أن تتقدّم بجميع أجزائها أو بالأحرى أن تكون مقارنة.

إنه بناء على هاتين المقدمتين يرد الإشكال- على الشرط المتأخر في باب الشرعيات- بأنه كيف يكون الغسل الليلي شرطا لصحة الصوم المتقدم و الحال أن الشرط جزء من أجزاء العلة التامة، و هي لا يمكن أن تتأخر عن المعلول، و هل يمكن تقدّم الاحراق و تأخر النار؟ إنه أمر واضح الاستحالة.

هذا هو الإشكال المعروف في باب الشرط المتأخر.

و الشيخ الآخوند يقول معلّقا في هذا المقام: إن الإشكال لا يختص بالشرط المتأخر بل يمكن توسعته للشرط المتقدم أيضا، فإن العلة كما لا

61

يجوز أن تتأخر عن المعلول لا يجوز أن تتقدم بل يلزم أن تكون مقارنة، و الحال نحن نرى في بعض الموارد تقدّم العلة.

مثال ذلك: الوصية و السلم و الصرف.

أما الوصية فالإنسان قد يوصي قبل وفاته ببعض أمواله إلى بعض الناس، و الملكية تحصل بعد الوفاة، و سببها هو الوصية الحاصلة قبل الوفاة، فالشرط أو المقتضي للملكية قد تقدّم بينما نفس الملكية هي متأخرة إلى ما بعد الوفاة.

و أما السلم و الصرف فالملكية فيهما تتوقف على التقابض و لا تحصل بمجرد العقد، فيكون المشروط- و هو الملكية- متأخرا بينما الشرط أو المقتضي- و هو العقد- يكون متقدما و منعدما حين حصول المشروط.

بل إن الإشكال يأتي في العقود المتعارفة بلا حاجة إلى ملاحظة خصوص الوصية أو السلم أو الصرف، فإذا قال البائع: بعتك الكتاب مثلا بدينار و قال المشتري: قبلت، فالملكية تحصل مقارنة لتاء قبلت بينما الأجزاء السابقة على التاء هي متقدمة على الملكية و منعدمة حين تحققها.

الجواب عن الإشكال:

و في مقام الجواب عن إشكال الشرط المتأخر و الشرط المتقدم ذكر (قدّس سرّه) أن الشرط المتقدم و المتأخر هو على أشكال ثلاثة:

فتارة يكون شرطا للحكم التكليفي، أعني الوجوب مثلا.

و أخرى يكون شرطا للحكم الوضعي، أعني الملكية مثلا.

و ثالثة يكون شرطا للمأمور به، أعني الواجب.

62

أما الأوّل- شرط الحكم التكليفي- فتارة يكون شرطا متقدما و أخرى يكون شرطا متأخرا.

مثال الأوّل: الاستطاعة، فإنها شرط لوجوب الحج، و هي شرط متقدم.

و مثال الثاني: وجوب الركعة الأولى في باب الصلاة، فإنه مشروط ببقاء الحياة إلى آخر الصلاة، فلو مات المصلي في الركعة الرابعة كشف ذلك عن عدم ثبوت الوجوب من البداية للركعة الأولى.

و هكذا بالنسبة إلى الحج، فإن وجوب الجزء الأوّل منه مشروط ببقاء الحياة إلى آخر جزء منه، فلو مات الحاج في آخر جزء منه كشف ذلك عن عدم ثبوت الوجوب من البداية للجزء الأوّل.

و أما الثاني- شرط الملكية التي هي حكم وضعي- فهو شرط متقدم تارة و شرط متأخر أخرى.

مثال الأوّل: عقد الصرف و السلم و الوصية بالنسبة إلى الملكية المتأخرة.

و مثال الثاني: إجازة عقد الفضولي بناء على الكشف، فإن الاجازة شرط متأخر لتحقق الملكية المتقدمة.

و أما الثالث- شرط المأمور به- فهو شرط متقدم تارة و شرط متأخر أخرى.

مثال الأوّل: الغسل الليلي للمستحاضة بناء على أنه شرط لصوم اليوم الآتي.

و مثال الثاني: الغسل الليلي للمستحاضة بناء على أنه شرط لصوم اليوم المتقدم.

63

توضيح المتن:

و لو على القول بكون الأسامي: أي أسامي العبادات أو الأعم.

المسمى بأحدها: أي بأحد أسماء العبادات.

لا مولويا من باب الملازمة: ضرورة عدم الملازمة.

و ترشح الوجوب عليها: عطف تفسير على الملازمة.

و حيث إنها كانت من أجزاء العلة: هذا شروع في بيان الإشكال المعروف في الشرط المتأخر.

و لا بدّ من تقدمها: المناسب تقارنها.

في صحة صوم المستحاضة: أي صوم اليوم المتقدم.

على الكشف كذلك: أي عند بعض.

حين تأثره: الصواب: حين تأثيره.

خلاصة البحث:

تنقسم المقدمة باعتبار ثالث إلى مقدمة وجود، و صحة، و وجوب، و علم.

و الأولى هي القدر المتيقن من محل النزاع.

و الثانية راجعة إلى مقدمة الوجود.

و الثالثة و الرابعة لا يمكن أن تتصفا بالوجوب الغيري.

و تنقسم المقدمة أيضا باعتبار رابع إلى متقدمة و متأخرة و مقارنة.

و قد اشكل على المتأخرة بالإشكال المعروف و لكنه لا يختص بها بل يعم المتقدمة أيضا.

64

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

التقسيم الثالث: تنقسم المقدمة باعتبار آخر إلى مقدمة وجود، و مقدمة صحة، و مقدمة وجوب، و مقدمة علم.

و الأولى هي محل النزاع.

و أما الثانية فهي ترجع إلى الأولى و لو على القول بكون الأسامي موضوعة للأعم، ضرورة أن الكلام في مقدمة الواجب لا في مقدمة المسمى كما لا يخفى.

و أما الثالثة فلا يمكن ترشح الوجوب الغيري عليها من الوجوب النفسي بعد كونه مشروطا بها.

و أما الرابعة فالعقل و إن استقل بوجوبها إلّا أنه ليس من باب الوجوب الغيري، لعدم التوقف، بل من باب الإرشاد إلى لزوم تحصيل الفراغ اليقيني بعد الاشتغال اليقيني.

التقسيم الرابع: تنقسم المقدمة باعتبار آخر إلى المتقدمة و المقارنة و المتأخرة.

و قد أشكل على المتأخرة- كالأغسال الليلية المعتبرة في صحة صوم المستحاضة عند بعض و الاجازة في صحة العقد على الكشف- باعتبار أن الشرط هو من أجزاء العلة، و هي يلزم تقدّمها بأجمعها على المعلول.

و يمكن تعميم الإشكال إلى المتقدمة، كالعقد في الوصية و الصرف و السلم، بل كل عقد بالنسبة إلى غالب أجزاءه لتصرّمها حين تأثيره، و الحال يلزم مقارنتها معه زمانا.

65

و عليه فليس إشكال انخرام القاعدة العقلية مختصا بالشرط المتأخر في الشرعيات كما اشتهر في الألسن.

و في الجواب نقول: إن المتقدم أو المتأخر تارة يكون شرطا للحكم التكليفي، و أخرى شرطا للحكم الوضعي، و ثالثة شرطا للمأمور به.

***

66

قوله (قدّس سرّه):

«أما الأوّل ...، إلى قوله: و لا يخفى أنها بجميع أقسامها ...».

(1)

الجواب عن الإشكال:

أما الجواب عن الشكل الأوّل- أعني الشرط المتقدم و المتأخر للتكليف- فيمكن أن يقال: إن الشرط ليس هو نفس الاستطاعة ليقال هي متقدمة و لا بقاء الحياة في الركعة الرابعة ليقال هو أمر متأخر و إنما الشرط هو اللحاظ و التصوّر، فالمولى حينما يريد جعل الوجوب على الحج مثلا لا بدّ من وجود مصلحة في متعلّقه، و المصلحة قد تكون في الشي‏ء المقرون بأمر متأخر أو بأمر متقدم، و حينما يلحظ المولى ذلك المتقدم أو ذلك المتأخر يجعل الوجوب، فالشرط هو لحاظ الاستطاعة و تصوّرها، و من الواضح أن اللحاظ هو أمر مقارن دائما لجعل الوجوب، و التقدّم و التأخر هو في متعلّقه.

و بكلمة أخرى: كما أنه في الشرط المقارن يكون الشرط هو التصوّر، أي تصوّر الأمر المقارن فكذلك الحال في المتقدّم و المتأخر يكون الشرط هو التصور. (2)

____________

(1) الدرس 95: (27/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

(2) لا يخفى أن هذا الجواب يحلّ المشكلة على مستوى عالم الجعل، أي إنه في عالم الإنشاء حينما يريد المولى إنشاء الوجوب للحج يتصور الاستطاعة المتقدمة، و يكون-

67

و أما الجواب عن الشكل الثاني- أعني الشرط المتقدّم و المتأخر للحكم الوضعي- فهو نفس الجواب المتقدم دون أي اختلاف، فشرط تحقق الملكية السابقة ليس هو نفس الاجازة المتأخّرة بل هو تصورها، فالحاكم بالملكية في باب الفضولي- الذي هو الشارع أو العقلاء- يتصوّر الاجازة المتأخرة ثمّ يحكم بالملكية، و التصوّر أمر مقارن للحكم بالملكية.

و أما الجواب عن الشكل الثالث- أعني الشرط المتقدّم و المتأخر للمأمور به- فمحصله أن الشرط ليس هو نفس الغسل المتأخر أو المتقدم و إنما هو سبق الصوم بالغسل أو لحوقه به اللذان هما نحو إضافة خاصة، فإن الإضافة الخاصة قد تحصّل للشي‏ء وجها خاصا يكون به حسنا، و الإضافة مقارنة دائما، فصوم هذا اليوم مثلا يصدق عليه من الآن أنه مسبوق بالغسل أو ملحوق به، فصفة السبق و اللحوق بالغسل تكون ثابتة الآن للصوم و لا يكون تحققها موقوفا على مجي‏ء الزمان المتأخر أو ملاحظة الزمن المتقدم.

و من خلال هذا كله اتضح أن روح الجواب في جميع الأشكال الثلاثة واحدة، غايته جعل الشرط في الأولين هو التصوّر، و في الأخير هو الإضافة الخاصة. (1)

____________

- التصور هو الشرط، و لكن تبقى المشكلة بلحاظ عالم الفعلية، فوجوب الحج كيف يصير فعليا من خلال الاستطاعة المتقدمة التي هي ربما تكون معدومة حين الوجوب الفعلي للحج، بناء على أن وجوب الحج يصير فعليا في أيام الحج ما دامت الاستطاعة قد حصلت قبلا.

(1) و الوجه في هذا الاختلاف أنه في الأخير لا معنى لجعل التصوّر هو الشرط، إذ المأمور به عبارة عن مصداق الواجب، و المناسب كون الواجب عبارة عن الحصة الخاصة، و هي الصوم المسبوق أو الملحوق أو المقارن للغسل، و لا معنى لجعل الشرط هو التصوّر،-

68

توضيح المتن:

فكون أحدهما: يعني المتقدم و المتأخر لشرط التكليف. و الضمير في له يرجع إلى التكليف.

ليس إلّا أن للحاظه ...: العبارة الأبسط أن يقال: ليس إلّا أن لحاظه- و تصوّره- شرط للتكليف.

بما هو كذلك: أي بما هو أمر اختياري.

تصور الشي‏ء: المراد من الشي‏ء هو الحج في المثال المتقدم، و أطرافه عبارة عن الأمر المتقدم و المقارن و المتأخر.

لأجل دخل لحاظه في حصوله: أي في حصول الطلب و الأمر.

كان مقارنا ...: أي سواء كان مقارنا له أو لم يكن مقارنا، و في حالة عدم المقارنة سواء كان متقدما أم متأخرا.

و كذا الحال في شرائط الوضع: هذا شروع في الثاني، أي شرط الحكم الوضعي، كالملكية مثلا.

و قوله مطلقا قد فسّره بقوله: (و لو كان مقارنا).

في الحكم به: أي في الحكم بالوضع و صحة انتزاع الوضع لدى الحاكم بالوضع. و المراد من الوضع هو الحكم الوضعي، أي الملكية مثلا.

____________

- و هذا بخلافه في الأولين، فإن الملحوظ هو عالم الجعل، و المناسب له أخذ التصوّر شرطا، فإن المولى في عالم الجعل ينشأ الوجوب أو الملكية بعد تصوّر الأمر المتقدم أو المتأخر أو المقارن.

و نلفت النظر إلى أن الشيخ الآخوند قد أطال في كلامه و ألفاظه، و المعنى الذي أراد بيانه أقل بكثير من الألفاظ التي استعان بها، و الغريب أنه قال في آخر كلامه: إن هذا خلاصة ما بسطناه في بعض فوائدنا.

69

ثمّ إن الحاكم بالملكية هو الشارع أو العقلاء.

و أما الثاني: المناسب: و أما الثالث، و لكنه عبّر بذلك باعتبار أن الثاني قد ألحقه بالأوّل.

ليس إلّا ما يحصّل: بالتشديد. و كان المناسب هكذا: ليس إلّا ما يحصل لذات المأمور به بالإضافة إليه وجه و عنوان.

به يكون حسنا أو متعلّقا للغرض: الأوّل على رأي العدلي القائل بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و الحسن و القبح، و الثاني هو على رأي الأشعري المنكر لذلك.

بحيث لولاها: أي لو لا تلك الإضافة لما كان حسنا أو متعلّقا للغرض.

و اختلاف ...: مبتدأ، و خبره قوله: (مما لا شبهة فيه). و عطف الاعتبارات على الوجوه تفسيري. و المراد من الإضافات هي مثل سبق الغسل و اللحوق به، أي إن الحسن يختلف باختلاف الوجوه، و هي تختلف باختلاف الإضافات.

ربما توجب ذلك أيضا: أي ربما توجب الحسن و اختلاف متعلّق الغرض.

فلو لا حدوث المتأخر: أي لو لا حدوث الغسل المتأخر في ظرفه لما كان للصوم المتقدم تلك ...

و لذلك اطلق عليه ...: أي لكون الإضافة إلى المتقدّم و المتأخر توجب حسنا اطلق اسم الشرط على المتقدم و المتأخر كإطلاقه على المقارن.

و قد حقق في محله أنه: أي إن الحسن يختلف بالوجوه، و الوجوه تختلف باختلاف الإضافات.

إن إطلاقه عليه فيه: أي إن إطلاق الشرط على المتأخر في شرط المأمور به.

70

كما كان في الحكم: أي إن الشرط ليس نفس الغسل بل الإضافة، أي سبق الغسل أو تأخره كما هو الحال في الشكلين الأولين، أي شرط الحكم التكليفي و شرط الحكم الوضعي، فإن الشرط لم يكن نفس الاستطاعة و الاجازة بل تصوّر ذلك.

سائر الأطراف و الحدود: مثل الموضوع و المحمول. و عطف الحدود على الأطراف تفسيري.

خلاصة البحث:

إن الشرط في الأوّلين هو تصوّر الاستطاعة و الاجازة مثلا لا نفسهما، و التصوّر أمر مقارن.

و الشرط في الثالث هو الإضافة الخاصة- التي هي مقارنة أيضا- أعني مثل سبق الغسل و تأخره.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

أما الأوّل فالشرط فيه هو تصوّر الأمر المتأخر و المتقدم لا نفسهما، فإنه به يحصل للآمر الداعي إلى الأمر، كما هو الحال في المقارن، و التصوّر أمر مقارن للجعل.

و أما الثاني فالأمر فيه كذلك.

و أما الثالث فالشرط فيه هو الإضافة الخاصة، أعني مثل السبق بالغسل أو اللحوق به، فإنه بها يختلف الشي‏ء حسنا و قبحا، و الإضافة أمر مقارن أيضا.

***

71

قوله (قدّس سرّه):

«و لا يخفى أنها بجميع أقسامها ...، إلى قوله:

الأمر الثالث».

(1)

دخول جميع الأقسام في حريم النزاع:

بعد اتضاح أن المقدمة تنقسم إلى المقارنة و المتأخرة و المتقدمة أخذ هنا ببيان أن جميعها داخل في حريم النزاع، فالقائل بوجوب مقدمة الواجب بالوجوب الغيري لا يخصّ ذلك بالمقدمة المقارنة أو المتقدمة بل ينبغي له تعميم ذلك للمقدمة المتأخرة، فالغسل الليلي للمستحاضة واجب عليها بحيث لو لم تأت به وقع صومها باطلا، لأن الوجوب لم ينصبّ على مطلق الصوم بل على الصوم المقيّد بالإضافة الخاصة، أعني الملحوق بالغسل فإذا لم تأت المرأة بالغسل ليلا لم يكن صومها السابق مصداقا للواجب.

و بكلمة أخرى: إن شرط المأمور به بعد أن كان راجعا إلى الإضافة الخاصة، أعني اللحوق بالغسل فوجوب الصوم يكون منصبّا على الصوم الملحوق بالغسل فإذا لم يتحقق الغسل في وقته لم يتحقق مصداق الواجب.

و نلفت النظر إلى أن المقصود من دخول جميع أقسام المقدمة في محل النزاع هو أن شرط المأمور به يدخل في محل النزاع و يتصف بالوجوب الغيري من غير فرق بين كونه شرطا مقارنا أو متقدما أو

____________

(1) الدرس 96: (28/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

72

متأخرا، و أما شرائط الحكم التكليفي و شرائط الحكم الوضعي فهي خارجة عن حريم النزاع، و إنما لم يذكر ذلك لوضوح المطلب.

أما شرائط الحكم التكليفي فمثالها الاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، إنها شرط لأصل الوجوب، أي هي مقدمة وجوبية، و قد أوضح (قدّس سرّه) فيما تقدم أن مقدمة الوجوب خارجة عن محل النزاع و لا يمكن أن تتصف بالوجوب الغيري.

و أما شرائط الحكم الوضعي فمثالها الاجازة المتأخرة التي هي شرط لتحقق الملكية المتقدمة في عقد الفضولي، و هي من الواضح لا يمكن أن تتصف بالوجوب الغيري، إذ لا وجوب نفسي في مثل الملكية ليترشح منه وجوب غيري إلى مقدماته التي منها الاجازة.

إذن الذي يمكن اتصافه بالوجوب الغيري هو شرائط المأمور به فقط، غايته من دون فرق بين المقارنة و المتقدمة و المتأخرة.

و بهذا نكون قد أنهينا الحديث في التقسيم الرابع من أقسام المقدمة.

***

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر الثالث في تقسيمات الواجب ...، إلى قوله: أما امتناع كونه من قيود الهيئة».

الأمر الثالث: تقسيمات الواجب:

حينما دخل (قدّس سرّه) فيما سبق في مبحث مقدمة الواجب ذكر أنه لا بدّ من تقديم جملة من الأمور. و تحدّثنا إلى الآن في الأمر الأوّل و الثاني، و كان الأمر الأوّل يتضمن بيان نقطتين أشرنا إليهما، و الأمر الثاني يتضمن تقسيمات أربعة لمقدمة الواجب.

73

و الآن يقع الكلام في الأمر الثالث، و هو يتضمن بيان تقسيمات الواجب، أعني نفس الواجب دون مقدمته.

و في هذا المجال يمكن أن تذكر للواجب عدة تقسيمات هي:

التقسيم الأوّل: الواجب المطلق و المشروط:

ينقسم الواجب باعتبار من الاعتبارات إلى واجب مطلق و واجب مشروط، فوجوب الحج مثلا مشروط بالاستطاعة و لكنه مطلق من حيث كون الشخص رجلا أو امرأة.

و قد عرّف الواجب المطلق و المشروط بعدة تعريفات اشكل عليها بعدم الطرد تارة و بعدم العكس أخرى، أي اشكل عليها بأنها غير طاردة للأغيار و بأنها غير جامعة لأفرادها.

فمثلا عرّف الواجب المشروط بأنه ما كان وجوبه موقوفا على ما توقّف عليه وجوده، كالحج مثلا فإن وجوبه مشروط بالاستطاعة، و وجود حج الإسلام مشروط بالاستطاعة أيضا، فإذا لم يكن الشخص مستطيعا لم يكن حجه مصداقا لحج الإسلام كما أنه لا يكون واجبا.

و اشكل عليه بأن وجوب صلاة الظهر مثلا عندهم هو وجوب مطلق، و الحال أن التعريف المذكور للواجب المشروط منطبق عليه، فإن الزوال شرط لوجوب الظهر و يتوقف عليه وجودها أيضا، فالصلاة التي يؤتى بها قبل الظهر ليست مصداقا لصلاة الظهر كما أنه ليست واجبة.

و بهذا يتضح أن التعريف المذكور للواجب المشروط لا يكون طاردا للأغيار، كما ان تعريف الواجب المطلق لا يكون جامعا لأفراده.

و يعلّق الشيخ الآخوند قائلا: إن هذه التعاريف هي تعاريف لفظية يقصد منها توضيح اللفظ- من قبيل سعدانة نبت و السناء دواء- و ليست‏

74

هي تعاريف حقيقية، أي ليست حدودا و لا رسوما، و معه فلا معنى للإشكال عليها بأنها غير طاردة للأغيار أو غير جامعة لأفرادها.

ثمّ أوضح (قدّس سرّه) بعد ذلك مطلبا آخر، و هو أن الظاهر أن المراد بالإطلاق و الاشتراط معناهما اللغوي و ليس لدى الأصوليين معنى آخر يغاير المعنى اللغوي، و الإطلاق في اللغة عبارة عن عدم التقييد، يقال:

هذه دابة مطلقة، أي تسرح في الأرض من دون أن تقيّد بقيد يمنعها من التصرف كيف شاءت، و الواجب المطلق لدى الأصوليين يراد به هذا المعنى، أي إن الوجوب لم يتقيد بقيد.

ثمّ أشار (قدّس سرّه) إلى مطلب ثالث، و هو أن وصف الإطلاق و الاشتراط وصفان إضافيان و ليسا حقيقيين، أي إن كل واجب إذا قسناه بالنسبة إلى شرط معين فربما يكون مطلقا من ناحيته و لكن مشروط بالقياس إلى شرط آخر، فهو مطلق بالإضافة إلى شرط معين و مشروط بالإضافة إلى شرط آخر، فالإطلاق و الاشتراط إذن وصفان إضافيان و ليسا حقيقيين، إذ لا يوجد واجب هو مطلق من جهة جميع القيود، كيف و لا يوجد واجب إلّا و هو مشروط بالشرائط العامة، أعني العقل و القدرة و نحوهما.

ثمّ بعد هذا تعرّض (قدّس سرّه) إلى مطلب رابع، و حاصله: إن الواجب المشروط ما ذا يراد منه؟ فهل يراد به ما يكون وجوبه مشروطا أو ما يكون الواجب مشروطا؟ (1)

الصحيح أن نفس الوجوب مشروط، كما هو مقتضى ظاهر كل‏

____________

(1) نفس الحكم يسمى بالوجوب أو بالحرمة، و أما ما يتعلق به الوجوب فيسمى بالواجب، فإذا قيل: صل إن زالت الشمس فمفاد هيئة صل هو الوجوب، و أما مفاد المادة فهو الواجب.

75

جملة شرطية، كقولك: أكرم زيدا إن جاءك، فإن ظاهرها أن الشرط- المجي‏ء- يعود إلى نفس الوجوب، أي إن الوجوب مشروط بالمجي‏ء لا أن الوجوب فعلي و مطلق و الاكرام مقيّد بالمجي‏ء كي يصير التقدير:

الاكرام على تقدير المجي‏ء واجب.

هذا و لكن الشيخ الأعظم قد نسب إليه أنه يرى استحالة رجوع القيود إلى مفاد الهيئة، أي إلى الوجوب، و على تقدير التنزل و افتراض إمكان ذلك يلزم أيضا رجوع القيود إلى مفاد المادة- أي إلى الواجب- و ليس إلى مفاد الهيئة لاقتضاء الوجدان و الواقع لذلك.

و على هذا فللشيخ الأعظم دعويان:

الأولى: إن مفاد الهيئة يستحيل تقييده.

الثانية: إن الوجدان و واقع الأمر يقتضي رجوع القيود إلى المادة بقطع النظر عن مسألة الاستحالة.

و لا يخفى أنه بناء على رأي الشيخ الأعظم يصير الوجوب في جميع الواجبات مطلقا و فعليا، و التعليق يكون في الواجب، فصلاة الظهر مثلا هي واجبة قبل الظهر أيضا و الزوال قيد في الصلاة، فيجب أوّل الصبح صلاة الظهر المقيدة بمجي‏ء الظهر، و في باب الحج يجب على كل إنسان من الآن الحج المقيّد بحصول الاستطاعة، فالوجوب فعلي و مطلق، و الواجب مقيّد و معلّق على حصول الاستطاعة.

توضيح المتن:

و لا يخفى أنها بجميع أقسامها: المقصود بجميع أقسام شرائط المأمور به، و أما شرائط الحكم التكليفي و شرائط الحكم الوضعي فليست داخلة في محل النزاع كما أوضحنا ذلك.

76

و بناء على الملازمة: أي بناء على ثبوت الوجوب الغيري للمقدمة.

إذ بدونه: أي بدون تحقق اللاحق.

و يكون سقوط الأمر ...: أي يكون سقوط الأمر بإتيان الصوم المشروط بالغسل المتأخر مراعى بإتيان الغسل ليلا.

في اليوم: أي السابق.

تعريفات و حدود: العطف تفسيري.

في النقض على الطرد و العكس: أي في الإشكال على الطرد- بمعنى أنها غير طاردة للأغيار- و على العكس، بمعنى أنها غير شاملة لأفرادها.

و إلّا فمشروط كذلك: أي بالإضافة إليه.

و إن كان بالقياس ...: في بعض النسخ: و إن كانا بالقياس إلى شي‏ء آخر كانا بالعكس. و الصواب ما في هذه النسخة.

ثمّ إن الظاهر أن الواجب المشروط كما أشرنا إليه نفس ...: أي قبل سطر حيث قلنا: إن كان وجوبه غير مشروط به فهو مطلق ...

ثمّ إن الظاهر سقوط كلمة أن، و المناسب هكذا: كما أشرنا إليه أن نفس ...

كما هو ظاهر الخطاب التعليقي: أي كما هو ظاهر مثل خطاب: إن جاءك زيد فأكرمه.

كما نسب ذلك إلى شيخنا العلامة: أي شيخنا الأنصاري. و التعبير كما نسب ذلك يدل على التشكيك في صحة النسبة، فإن الناسب هو مقرر بحث الشيخ الأنصاري، و هو ميرزا أبو القاسم كلانتر في الكتاب المعروف بتقريرات الشيخ أو بمطارح الأنظار، و هو كتاب حجري مطبوع.

من قيود الهيئة واقعا: أي عقلا.

77

و لزوم كونه ...: هذا إشارة إلى الدعوى الثانية، و ما قبله إشارة إلى الدعوى الأولى، و (لبا) بمعنى وجدانا.

إنه من قيود الهيئة ظاهرا: أي و إلّا فهو ثبوتا لا يمكن أن يكون من قيود الهيئة.

ثمّ إنه قد يشكل بأن رجوع القيد إلى الهيئة إذا كان ممتنعا فكيف يكون مقتضى القواعد العربية رجوعه إلى الهيئة؟ و يمكن الجواب بأن المراد من القواعد العربية هو الظهور، أي مع الاعتراف بأن مقتضى الظهور رجوع القيود إلى الهيئة.

خلاصة البحث:

إن شرط المأمور به بأقسامه الثلاثة داخل في محل النزاع.

و للواجب تقسيمات، أحدها: تقسيمه إلى المطلق و المشروط.

و قد عرّفا بتعاريف لفظية لا وجه للإشكال عليها. و المراد من الإطلاق و الاشتراط معناهما العرفي و هما من الصفات الإضافية.

و المقيّد بالشرط في الواجب المشروط هو نفس الوجوب خلافا للشيخ الأعظم حيث ادعى استحالة ذلك ثبوتا، إضافة إلى اقتضاء الوجدان الرجوع إلى المادة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و بعد اتضاح الأقسام الثلاثة المذكورة للمقدمة نقول: إن شرائط المأمور به بأجمعها داخلة في محل النزاع، فيتصف المتأخر بالوجوب الغيري كالمتقدم و المقارن و يكون سقوط الأمر بالمشروط مراعى بإتيانه، فلو لا الغسل الليلي لما صحّ صوم اليوم السابق.

78

الأمر الثالث: تقسيمات الواجب:

التقسيم الأوّل: المطلق و المشروط:

ينقسم الواجب إلى مطلق و مشروط. و قد ذكر لكل منهما تعريفات تختلف بحسب ما أخذ فيها من القيود.

و قد أطيل الكلام في الإشكال عليها و الحال هي تعاريف لفظية لشرح الاسم و ليست حدا و لا رسما.

و الظاهر أنه ليس لهم اصطلاح جديد فيهما بل يراد من كل منهما معناه العرفي.

و الظاهر أيضا أن وصفي الإطلاق و الاشتراط إضافيان لا حقيقيان، إذ لا واجب إلّا و هو مشروط على الأقل بالشرائط العامة، كالبلوغ و العقل.

و على هذا فالمناسب أن يقال: إن الواجب مع كل شي‏ء يلاحظ معه إن كان وجوبه غير مشروط به فهو مطلق بالإضافة إليه و إلّا فمشروط كذلك و إن كان بالقياس إلى شي‏ء آخر بالعكس.

ثمّ إن الظاهر أن نفس الوجوب- في الواجب المشروط- مشروط بالشرط بحيث لا وجوب حقيقة قبل حصول الشرط، كما هو ظاهر مثل خطاب:

إن جاء زيد فأكرمه، حيث يقتضي رجوع الشرط إلى مفاد الهيئة و إن وجوب الاكرام معلّق على المجي‏ء لا أن الوجوب مطلق و فعلي و الواجب- الاكرام- يكون مقيّدا بالمجي‏ء، كما هو المنسوب إلى شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه مدعيا امتناع كون الشرط من قيود الهيئة واقعا و لزوم كونه من قيود المادة لبا مع الاعتراف بأن مقتضى القواعد العربية رجوعه إلى الهيئة ظاهرا.

***

79

قوله (قدّس سرّه):

«أما امتناع كونه من قيود الهيئة ...، إلى قوله:

و أما حديث لزوم رجوع ...».

(1)

دليل الشيخ الأعظم على ما ادّعاه:

ذكرنا فيما سبق أن الشيخ الأعظم قد ادعى دعويين.

أما الدعوى الأولى- استحالة رجوع القيد إلى مفاد الهيئة- فقد استدل عليها بأن مفاد الهيئة جزئي و خاص، و من الواضح أن الجزئي لا يقبل التقييد لأنه ضيّق في نفسه فكيف يضيّق و يقيّد ثانيا؟

أما لما ذا كان مفاد الهيئة جزئيا؟ ذلك لأن الشيخ الأعظم يبني على أن الحروف و الهيئات موضوعة بالوضع العام و الموضوع له الخاص، فحينما أراد الواضع وضع هيئة صل تصوّر طلب الحدث الذي هو معنى كلي و وضع الهيئة للأفراد الخاصة التي منها طلب حدث الصلاة القائم في نفس المشرّع، و حيث إن الطلب القائم في نفس المشرّع خاص و جزئي لم يمكن آنذاك رجوع القيد إليه.

و أما الدعوى الثانية- لزوم رجوع القيد إلى الواجب وجدانا- فلأن كل عاقل إذا توجّه و التفت إلى شي‏ء- كشراء دار مثلا- فإما أن يتعلق طلبه به أو لا.

فإن لم يتعلق طلبه به فلا حديث لنا فيه.

____________

(1) الدرس 97: (29/ ربيع الأوّل/ 1425 ه).

80

و إن تعلّق طلبه به فإما أن يتعلق به على جميع تقاديره و أحواله أو يتعلق به في حالة و تقدير خاص.

فإن تعلّق به على جميع تقاديره فلا حديث لنا فيه أيضا.

و إن تعلّق به على تقدير معيّن ككون الدار وسيعة مثلا فتارة يفترض أن القيد اختياري، و أخرى لا يكون اختياريا.

و على تقدير كونه اختياريا فتارة يكون القيد مأخوذا في الواجب بنحو لا يترشح عليه الوجوب الغيري- و ذلك بأن يؤخذ بوجوده الاتفاقي قيدا، بأن يقال هكذا: الحج على تقدير اتفاق حصول الاستطاعة واجب- و أخرى يؤخذ بنحو يترشح عليه الوجوب الغيري، كما إذا لم يؤخذ بوجوده الاتفاقي قيدا، بأن قيل هكذا: الصلاة المقيّدة بالوضوء واجبة.

ثمّ إن هذه التشقيقات تأتي من دون فرق بين القول برأي العدلية- أي تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في المتعلّق- و بين القول برأي الأشاعرة المنكرين لتبعية الاحكام لذلك، غايته على رأي العدلية ينظر إلى متعلّق المصلحة، و يقال: إن المصلحة تارة تكون في الشي‏ء المطلق و أخرى في الشي‏ء على تقدير خاص، بخلافه على رأي الأشاعرة فإنه ينظر إلى الإرادة و الغرض و يقال: تارة تكون الإرادة متعلّقة بالشي‏ء المطلق و أخرى بالشي‏ء على تقدير الخاص.

و حصيلة ما يراد أن يقال في إثبات هذه الدعوى الثانية: إننا نلاحظ بالوجدان أن القيود ترجع إلى متعلّق الطلب، فمتعلّق الطلب تارة يكون هو الدار على إطلاقها و أخرى هو الدار الوسيعة، فالسعة تلحظ قيدا في الدار و ليست قيدا للطلب، إن من يراجع وجدانه يجد صدق ما نقول.

هذا حاصل ما افيد في توجيه ما نسب إلى الشيخ الأعظم.

81

ثمّ شرع (قدّس سرّه) في الإجابة عن ذلك فقال:

أما ما ذكر في إثبات الدعوى الأولى فيرده أمران:

1- إننا ذكرنا- عند البحث عن معاني الحروف- أن الحروف و الهيئات موضوعة بالوضع العام لمعنى عام و المستعمل فيه عام، فإن خصوصية الآلية و الاستقلالية الموجبة لتشخّص المعنى و جزئيته هي من شئون الاستعمال، فإن استعمال مفهوم الابتداء تارة يكون بنحو لحاظه آلة و حالة قائمة في غيره، و أخرى بنحو لحاظه مستقلا، و كل ما يكون من متفرعات الاستعمال و شئونه لا يمكن أخذه قيدا في المعنى المستعمل فيه- فضلا عن المعنى الموضوع له- فإن ذات المعنى المستعمل فيه متقدمة على الاستعمال، فلو كان ما ينشأ من الاستعمال قد اخذ قيدا في المعنى المستعمل فيه يلزم صيرورة الشي‏ء الواحد متقدما و متأخرا في آن واحد.

و ما دام معنى الهيئات عاما فيمكن آنذاك إرجاع الشرط إليه و تقييده.

2- إنه لو تنزلنا و سلمنا أن معنى الهيئات خاص فغاية ما يلزم أن تقييده بعد إنشائه لا يكون أمرا ممكنا، أما تقييده قبل إنشائه ثمّ إنشاؤه و هو مقيّد فلا محذور فيه. نعم لا بدّ من الاستعانة بدالين: دال على أصل الطلب و دال آخر على التقييد. (1)

____________

(1) لا يخفى أن ما ذكر يتم لو كان مدلول الهيئة أمرا قابلا للتقييد في نفسه- بأن يفترض كونه في نفسه أمرا كليا- فإنه حينئذ يقال: إنه بعد انشائه و إن لم يقبل التقييد إلّا أنه قبله قابل له، و أما إذا كان مدلول الهيئة في نفسه غير قابل للتقييد، بأن كان جزئيا حقيقيا- كما هو مدعى الشيخ الأعظم- فلا يمكن التقييد حتّى قبل الإنشاء. و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

82

ثمّ إنه بهذا كله اتضح أن إرجاع القيود إلى مفاد الهيئة أمر ممكن بعد ما كان- مفاد الهيئة- أمرا كليا في نفسه.

و بكلمة أخرى: اتضح أن إنشاء الطلب المقيّد أمر ممكن.

هذا و لكن قد يشكل على إنشاء الطلب المقيّد بأنه أمر غير ممكن لأن لازمه التفكيك بين الإنشاء و المنشأ، فالإنشاء هو الآن و لكن المنشأ- و هو الطلب- لا يتحقق إلّا بعد تحقق الشرط، و هذا أشبه بالتفكيك بين الإيجاد و الوجود، فالإيجاد الآن لكن الوجود أمر متأخر، إنه شي‏ء مستحيل.

و أجاب (قدّس سرّه) عن الإشكال المذكور بأن المنشأ إذا كان هو الطلب على تقدير حصول الشرط فيلزم أن لا يتحقق الطلب قبل تحقق الشرط- أي يلزم أن لا يكون متصلا بالإنشاء بل متأخرا إلى ما بعد حصول الشرط- و إلّا فيلزم آنذاك التفكيك بين الإنشاء و المنشأ، فالتفكيك يلزم لو حصل الطلب قبل الشرط، أما تأخره إلى ما بعد حصول الشرط فلا يلزم منه التفكيك بل ذلك هو مقتضى كون الإنشاء إنشاء للطلب المقيّد بحصول الشرط.

هذا و لكن يبقى شي‏ء، و هو أنه قد يدّعى أن نفس إنشاء الطلب المقيّد أمر مستحيل، فالإنشاء لا بدّ و أن يكون للطلب المطلق و لا يمكن إنشاء الطلب المقيّد، فإن مرجع ذلك إلى كون الإنشاء هو الآن، و المنشأ أمر متأخر.

و يمكن أن يردّ بأن إنشاء الطلب على تقدير هو كالإخبار على تقدير، فكما يمكن أن يكون الإخبار مقيّدا بتقدير خاص فيقول الشخص مثلا: إن زرتني زرتك، كذلك يمكن أن يكون الإنشاء مقيّدا بتقدير خاص، فيقول الشخص: أطلب منك على تقدير الاستطاعة الحج.

83

و بكلمة أخرى: الذي لا يمكن هو تقيّد نفس الإنشاء أو نفس الإخبار، و أما تقيّد المخبر و المنشأ دون نفس الإنشاء و الإخبار فلا محذور فيه بل هو واقع بالوجدان، كما في الوصية و النذر و التدبير، و المفروض في مقامنا أن التقييد يرجع إلى الطلب المنشأ دون نفس الإنشاء.

توضيح المتن:

فلأنه لا إطلاق في الفرد الموجود ...: أي إن مفاد الهيئة جزئي، و هو الطلب الخاص القائم بنفس الشارع.

على اختلاف طواريه: هذا تفسير للإطلاق، و التقدير: أي على اختلاف طواريه.

أو على تقدير خاص: الوجدان الذي أراد الشيخ الأعظم إثباته يكفي فيه هذا المقدار، و الباقي الذي سيذكره بعد ذلك أمر زائد لا حاجة إليه في إثباته. نعم يحتاج إليه لدفع إشكال جانبي، و هو أنه إذا كانت جميع الشروط ترجع إلى الواجب فيلزم وجوب تحصيل جميع الشرائط بما في ذلك مثل الاستطاعة، فإن قيود الواجب يلزم تحصيلها.

و الجواب عن ذلك: إن الاستطاعة قد أخذت قيدا بوجودها الاتفاقي، أي الحج على تقدير اتفاق حصول الاستطاعة واجب، و من الواضح أن ما أخذ قيدا بوجوده الاتفاقي لا يلزم تحصيله كما هو واضح.

على نحو يكون موردا للتكليف: و ذلك فيما إذا لم يؤخذ بوجوده الاتفاقي قيدا.

و قد لا يكون كذلك: و ذلك فيما إذا أخذ بوجوده الاتفاقي قيدا.

هذا موافق لما أفاده بعض الأفاضل ...: أي لما جاء في مطارح الانظار.

84

فقد حققناه سابقا: الأولى حذف الهاء.

أنها وضعت لتستعمل ...: أي الأسماء.

مع أنه لو سلّم ...: هذا إشارة إلى الأمر الثاني.

فافهم: قد أشرنا إلى المقصود من الأمر بالفهم.

فإن قلت: على ذلك: هذا يرتبط بأصل المطلب، أي بقضية رجوع القيد إلى الهيئة.

و يمكن صياغة هذا كوجه ثالث للشيخ الأعظم، فالوجه الأوّل هو أن معنى الهيئة أمر جزئي لا يقبل التقييد، و الوجه الثاني هو الوجدان، و الوجه الثالث هو أن لازم رجوع القيود إلى الطلب التفكيك بين الإنشاء و المنشأ.

كما يشهد به الوجدان: كما في النذر و الوصية و التدبير، فالمكلف ينشأ الآن النذر المقيد بكذا، و ينشأ الآن الوصية المقيّدة بالموت، و ينشأ الآن عتق عبده المقيّد بما بعد الموت.

خلاصة البحث:

ذكر الشيخ الأعظم أن رجوع القيد إلى مفاد الهيئة حيث إنه جزئي فهو مستحيل.

و الوجدان يقتضي رجوعه إلى المادة بالبيان المتقدم.

و الوجه الأوّل مردود بأمرين.

و إرجاع القيود إلى أصل الطلب لا محذور فيه لعدم لزوم محذور التفكيك بين الإنشاء و المنشأ.

85

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

أما أنه يمتنع رجوع الشرط إلى الهيئة فلأن مفادها جزئي، و هو الطلب الخاص.

و أما لزوم كونه راجعا إلى المادة لبّا فلأن العاقل إذا التفت إلى شي‏ء فإما أن يتعلق طلبه به أو لا، و لا كلام على الثاني، و على الأوّل إما أن يكون ذلك الشي‏ء متعلّقا للطلب على جميع التقادير أو على تقدير خاص، و ذلك التقدير إما أن يكون من الأمور الاختيارية أو لا، و إذا كان اختياريا قد يكون مأخوذا بنحو لا يتعلّق به التكليف و قد يكون مأخوذا بنحو يتعلّق به.

هذا ما أفاده بعض الأفاضل المقرر لبحثه بأدنى تفاوت.

و يرد الأوّل: إن مفاد الهيئة- على ما تقدم- كلي، لعموم الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه.

و لو سلم أنه جزئي فتقييده ممتنع لو انشأ أوّلا غير مقيّد لا ما إذا انشأ من الأوّل مقيّدا، غايته بدالين، فافهم.

فإن قلت: رجوع القيد إلى الهيئة ممتنع لأنه يلزم منه تفكيك الإنشاء عن المنشأ، حيث لا طلب قبل حصول الشرط.

قلت: إذا كان المنشأ الطلب على تقدير فلا بدّ أن لا يكون طلب قبل حصوله و إلّا لتخلف عن انشائه.

و إنشاء أمر على تقدير كالإخبار به ممكن كما يشهد به الوجدان.

***

86

قوله (قدّس سرّه):

«و أما حديث لزوم رجوع الشرط ...، إلى قوله:

فإن قلت: فما فائدة ...».

(1)

الردّ على دليل الشيخ الأعظم:

ذكرنا فيما سبق أن الشيخ الأعظم قد ادعى رجوع القيود إلى المادة دون الهيئة إما من جهة أن مفاد الهيئة خاص لا يقبل التقييد أو من جهة قضاء الوجدان بذلك.

أما دعوى أن مفاد الهيئة جزئي لا يقبل التقييد فقد أجاب عنها الشيخ الآخوند بجوابين.

و أما دعوى قضاء الوجدان بذلك فهو ما يريد الجواب عنه الآن، و حاصل ما ذكره: إن القيد و إن كان يرجع إلى المتعلّق لبّا و لكن قد يكون الشي‏ء أحيانا واجدا للمصلحة التامة إلّا أنه يوجد مانع يمنع من تعلّق الطلب الفعلي به، و هذا المانع يرتفع عند حصول شرط معين فإنه في مثله لا بدّ و أن يكون الطلب الصادر طلبا مشروطا، كما إذا فرض أن شخصا كان بحاجة ماسة إلى شراء ثلاجة للتبريد و كانت المصلحة تامة في ذلك إلّا أنه كان يمنعه ضعف الكهرباء من إصدار الطلب المطلق ففي مثل ذلك يصدر طلبا مشروطا بحصول تحسّن في الطاقة الكهربائية- و طبيعي عند حصول التحسّن يزول المانع- فالمتعلّق الذي يتعلق به‏

____________

(1) الدرس 98 و 99: (2 و 3/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

87

الطلب لا يكون مشروطا بشرط لفرض أن المصلحة فيه تامة و إنما الشرط يكون مأخوذا في جانب نفس الطلب، فالطلب الصادر يكون مشروطا بشرط يزول عند تحققه المانع.

و هذا واضح بناء على تبعية الأحكام للمصالح الثابتة في نفس الأحكام لا في المتعلّقات، فإنه بناء عليه يمكن أن يفترض أن المصلحة تقتضي عدم الطلب المطلق و إنما تقتضي الطلب المشروط بشرط يزول عند تحققه المانع.

و أما بناء على تبعية الأحكام للمصالح الثابتة في المتعلّقات فالأمر واضح أيضا لأن الأحكام و إن كانت تابعة للمصالح في المتعلّقات إلّا أن الأحكام التابعة للمصالح في المتعلّقات هي الأحكام الواقعية الانشائية، و أما الأحكام الفعلية فهي ليست تابعة للمصلحة في المتعلّق بل للمصلحة في نفسها. فمثلا شرب التتن و إن كانت المصلحة الثابتة فيه تقتضي التحريم إلّا أن الحكم الفعلي ليس تابعا لهذه المصلحة بل يحكم بحليته للمصلحة في نفس الحلية. و إذا كان الحكم الفعلي تابعا للمصلحة القائمة به فيقال حينئذ: إن المصلحة قد تقتضي إصدار الحكم الفعلي معلّقا على شرط لا مطلقا.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) لانفكاك الحكم الواقعي الانشائي عن الحكم الفعلي ثلاثة موارد:

1- موارد الأصول و الأمارات القائمة على خلاف الواقع، فإن الحكم الواقعي فيها لا يكون فعليا، إذ لو كان فعليا يلزم اجتماع حكمين فعليين مختلفين في حقّ المكلف، هما: الحكم الواقعي، و مؤدى الأصل و الأمارة.

88

2- بعض الأحكام في صدر الشريعة، فإن مصلحة تدريجية الأحكام تقتضي عدم بيان بعض الأحكام الواقعية في صدر الشريعة فيكون بذلك الحكم الواقعي في تلك الموارد باقيا على الانشائية بينما الحكم الفعلي يكون شيئا آخر.

3- بعض الأحكام التي يمكن أن تكون باقية على الانشائية إلى زمان ظهور الإمام الحجة أرواحنا له الفداء، و هو يظهرها بعد ذلك كما دلت عليه بعض الأخبار التي سنشير إليها.

لا يقال: إن زمان ظهور الإمام (عليه السّلام) هو زمان ثبوت تلك الأحكام لا زمان فعليتها.

فإنه يقال: إن هذا باطل لأنه لو كان زمان ظهور الإمام (عليه السّلام) هو زمان ثبوت الأحكام فلازم ذلك أن يكون الثابت قبل ذلك شيئا آخر، و هذا الشي‏ء الآخر ارتفع في زمان ظهور الإمام الحجة (عليه السّلام) و ثبت شي‏ء آخر غيره، و بالتالي ذلك يعني أن الأحكام ليست مستمرة إلى يوم القيامة بل منقطعة إلى ظهور الإمام (عليه السّلام)، و هو مناف لقاعدة حلال محمّد (صلى اللّه عليه و آله) حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة التي هي مستفادة من بعض الأخبار التي سنشير إليها. (1)

____________

(1) ما ذكره (قدّس سرّه) في الجواب تطويل بلا طائل، إذ بإمكانه الجواب بأن الوجدان لا يقتضي إرجاع القيود إلى المادة دائما، بل ربما ترجع إلى نفس الطلب، كما في طلب الشخص لاستعمال الدواء، فإن نفس طلبه و إرادته مقيدان بالمرض لا أنهما مطلقان و المراد هو المقيّد، و هكذا إرادة العنّين للزواج، فإن نفس إرادته للزواج مقيّدة بزوال المرض، و الأمثلة على هذا المنوال كثيرة.

89

توضيح المتن:

بحسب ما فيه من المصلحة أو غيرها: أي بحسب ما فيه من المصلحة على رأي العدلي أو غيرها على رأي الأشعري.

كما يمكن أن يبعث ...: الأنسب: فكما يمكن ... لتكون الفاء واقعة في جواب إذا، و المقصود أن العاقل إذا توجّه إلى شي‏ء فكما يمكن أن يطلبه طلبا فعليا مطلقا فيما إذا لم يكن هناك مانع كذلك يمكن أن يطلبه معلّقا على شرط فيما إذا كان هناك مانع يزول عند تحقق الشرط.

لا مطلقا و لو متعلّقا ...: كلمة مطلقا إشارة إلى الطلب المطلق، أي لا يصحّ الطلب المطلق حتّى مع افتراض تعلقه بالشي‏ء المقيّد، لأن المفروض أن المصلحة تامة في ذلك الشي‏ء فلا معنى لملاحظته مقيّدا بذلك التقدير، بل يلزم أخذ الطلب مقيّدا بذلك التقدير.

و من هذا يتضح أن قوله: (و لو متعلّقا ...) هو بيان لإطلاق النفي و ليس بيانا للإطلاق المنفي.

مع أن حلال محمّد ...: هذا ما أشرنا إليه بلسان لا يقال ...

ثمّ إن قاعدة حلال محمّد (صلى اللّه عليه و آله) حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة قد أشير إليها في حديث زرارة: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الحلال و الحرام فقال: «حلال محمّد حلال أبدا إلى يوم القيامة، و حرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة». (1)

شمس الهداية: أي الإمام الحجة أرواحنا فداه.

____________

(1) الكافي 1: 58/ ح 19؛ و قريب من ذلك ورد في الكافي أيضا 2: 17/ ذيل الحديث 2.

90

كما يظهر من الأخبار ...: لعلّه إشارة إلى مثل الحديث الوارد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «... لو قام قائمنا أعطاه اللّه السيماء فيأمر بالكافر فيؤخذ بنواصيهم و أقدامهم ثمّ يخبط بالسيف خبطا». (1)

و الحديث الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «لن تذهب الدنيا حتّى يخرج رجل منّا أهل البيت يحكم بحكم داود و آل داود لا يسأل الناس البينة». (2)

و الحديث الثالث: «لو قد قام القائم لحكم بثلاث لم يحكم بها أحد قبله: يقتل الشيخ الزاني، و يقتل مانع الزكاة، و يورّث الأخ أخاه في الأظلة». (3)

و قد قيل: إن الأظلة هو عالم الأشباح و الأرواح قبل هذا العالم.

خلاصة البحث:

إن القيد يمكن أن يرجع لبّا و وجدانا إلى الطلب نفسه فيما إذا كانت المصلحة في المتعلّق تامة و كان يمنع من توجّه الطلب الفعلي إليه مانع يزول عند تحقق الشرط.

هذا بناء على تبعية الأحكام لمصالح فيها.

و أما بناء على تبعيتها لمصالح في المتعلّق فيتم الجواب المذكور أيضا، لأن التبعية المذكورة تامة في الحكم الواقعي دون الحكم الفعلي، و ربما يتخلّف الحكم الواقعي عن الحكم الفعلي، و ذلك في موارد ثلاثة.

____________

(1) بحار الأنوار 52: 320/ ح 26.

(2) بحار الأنوار 52: 319/ ح 21- 25.

(3) بحار الأنوار 52: 309/ ح 2.

91

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و يردّ الثاني أن العاقل إذا توجّه إلى شي‏ء و كانت المصلحة فيه تامة فيلزم توجيه الطلب المطلق إليه إلّا أنه قد يمنع من ذلك مانع يزول عند تحقق شرط معيّن، فلا يصحّ في مثله الطلب المطلق حتّى مع فرض توجيهه إلى الشي‏ء المعلّق، فيصحّ طلب الاكرام بعد مجي‏ء زيد مثلا، و لا يصحّ الطلب المطلق الحالي للاكرام المقيّد بالمجي‏ء.

و هذا واضح بناء على تبعية الأحكام لمصالح فيها.

و أما بناء على تبعيتها لمصالح في المتعلّق فواضح أيضا، ضرورة أن التبعية كذلك تتمّ في الأحكام الواقعية بما هي واقعية لا بما هي فعلية، و المنع من فعلية تلك الأحكام ليس بعزيز، كما في موارد الأصول و الأمارات المخالفة، و في بعض الأحكام في أوّل البعثة، بل إلى قيام القائم (عليه السّلام) كما يظهر من بعض الأخبار و الحال أن حلال محمّد (صلى اللّه عليه و آله) حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة.

***

92

قوله (قدّس سرّه):

«فإن قلت: فما فائدة الإنشاء ...، إلى قوله: و أما معرفة ...».

(1)

ما فائدة إنشاء الوجوب المشروط؟

عرفنا فيما سبق أن مشهور الأصوليين قد ذهب إلى رجوع القيود في الواجب المشروط إلى نفس الوجوب على خلاف الشيخ الأعظم حيث ذهب إلى رجوعها إلى الواجب دون الوجوب.

و ربما يدعم رأي الشيخ الأعظم- إضافة إلى ما تقدمت الإشارة إليه بعنوان الدعويين- بأنه لا فائدة في إنشاء الوجوب ما دام نفسه- أي الوجوب- مشروطا ببعض الشروط، و المناسب الانتظار إلى أن يصير الشرط فعليا و آنذاك ينشأ الوجوب الفعلي، لا أنه ينشأ قبل تحقق الشرط معلّقا عليه فإنه أمر لغو و بلا فائدة.

و بذلك يثبت أن إرجاع الشروط إلى الوجوب و إنشاءه و هو مشروط أمر لغو و بلا فائدة.

هذا ما قد يقال في هذا المجال.

و يمكن الجواب بوجهين:

1- إن المولى ربما يكون لديه مانع من إنشاء الوجوب بعد تحقق الشرط فينشأ الوجوب قبلا كي يصل إلى العبد بلا أن يحول المانع.

____________

(1) الدرس 100: (4/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

93

2- إن إنشاء الوجوب معلّقا على الشرط يشتمل على الفائدة بلا حاجة إلى فرض المانع المستقبلي، و ذلك باعتبار أن الواجد للشرط يكون الوجوب في حقه فعليا، و الفاقد له يكون الوجوب في حقه مشروطا من دون حاجة إلى إنشاء وجوبين، أحدهما في حقّ الواجد للشرط و الآخر في حقّ الفاقد بل هو إنشاء واحد يستفيد منه الاثنان. (1)

مقدمات الواجب المشروط:

عرفنا فيما سبق أن المقدمة تارة تكون وجودية و أخرى تكون وجوبية.

و قد قلنا سابقا: إنه بناء على وجوب المقدمة يجب تحصيل المقدمات الوجودية، و هذا مما لا كلام فيه و إنما الكلام في أن المقدمات الوجودية تارة تكون مقدمات للواجب المطلق، و أخرى تكون مقدمات للواجب المشروط، و السؤال: هل المتصف بالوجوب الغيري هو خصوص المقدمات الوجودية للواجب المطلق أو يعمّ ذلك المقدمات الوجودية للواجب المشروط أيضا؟ ربما يقال- و قد ينسب ذلك إلى صاحب المعالم-: إن النزاع يختص بمقدمات الواجب المطلق و لا يعم مقدمات الواجب المشروط.

هذا و لكن الصحيح أن النزاع يعمّ مقدمات الواجب المشروط أيضا، فالحج مثلا واجب مشروط بالاستطاعة، و من جملة مقدماته الوجودية ركوب الطائرة، و بناء على وجوب مقدمة الواجب يكون ذلك- ركوب الطائرة- متصفا بالوجوب الغيري رغم أنه مقدمة للواجب المشروط.

____________

(1) كان المناسب للشيخ الآخوند الجواب بأن الإشكال مبني على تصوّر أن الأحكام الشرعية مجعولة بنحو القضية الخارجية، و أما إذا قلنا بكونها مجعولة بنحو القضية الحقيقية- كما هو الصحيح- فلا محذور في إنشاء الوجوب المشروط.

94

نعم ركوب الطائرة يتصف بالوجوب الغيري مشروطا بتحقق الشرط- أعني الاستطاعة- فكما أن الوجوب النفسي للحج مشروط بالاستطاعة كذلك الوجوب الغيري لركوب الطائرة يكون مشروطا بالاستطاعة، إذ قبل تحققها لا وجوب نفسي للحج ليترشح منه الوجوب الغيري على ركوب الطائرة.

و هذا يعني أن المقدمة كما هي تابعة في أصل وجوبها للوجوب النفسي المتعلّق بالحج كذلك هي تابعة في اشتراطها له، أي كما أن الوجوب النفسي للحج مشروط بالاستطاعة كذلك الوجوب الغيري لركوب الطائرة مشروط بتحقق الاستطاعة، و هذا مطلب ينبغي أن يكون واضحا.

هذا كله في المقدمات الوجودية. (1)

و أما المقدمات الوجوبية- أي كالاستطاعة التي يتوقف أصل وجوب الحج عليها- فهي خارجة عن حريم النزاع و لا يمكن أن تتصف بالوجوب الغيري، إذ قبل تحقق الاستطاعة مثلا لا وجوب نفسي كي يترشح منه وجوب غيري عليها، و بعد فرض تحققها لا يمكن ترشح الوجوب الغيري عليها أيضا لأنه طلب لتحصيل ما هو حاصل.

هذا بناء على رأي المشهور القائل بأن أصل وجوب الحج مشروط بالاستطاعة، و أما بناء على رأي الشيخ الأعظم- الذي يرى أن‏

____________

(1) لا نرى وجها لطرح هذا البحث من أساسه، إذ كل واجب من الواجبات هو مشروط ببعض الشرائط و لا أقل بالبلوغ و العقل، و لا يوجد لدينا واجب مطلق ليقال: إن النزاع يختص بمقدماته الوجودية و لا يعم المقدمات الوجودية للواجب المشروط.

و بكلمة أخرى: إن طرح هذا البحث مبتن على أن الإطلاق و الاشتراط هما وصفان حقيقيان للواجب، أما بعد أن اختار (قدّس سرّه) أنهما وصفان إضافيان فجميع الواجبات مشروطة و لا يوجد واجب مطلق.

95

الوجوب النفسي للحج مطلق و فعلي قبل تحقق الاستطاعة أيضا- فقد يتوهم أنه يلزم تحصيلها لأنها قيد للواجب، و قيود الواجب يلزم تحصيلها، و لكن هذا التوهم باطل لأن الاستطاعة و إن أخذت قيدا في الواجب و لكنها قد أخذت بوجودها الاتفاقي قيدا له و كأنه قيل: الحج على تقدير تحقق الاستطاعة اتفاقا واجب، و معه فلا معنى لثبوت الوجوب الغيري لها بعد فرض أن وجودها الاتفاقي مأخوذ قيدا.

إذن مثل الاستطاعة لا يتصف بالوجوب الغيري حتّى على رأي الشيخ الأعظم و إنما الذي يمكن أن يتصف بالوجوب الغيري على رأي الشيخ هو المقدمات الوجودية، فمثل ركوب الطائرة يكون واجبا بالوجوب الغيري حتّى قبل تحقق الاستطاعة، فلو فرض أن الاستطاعة تتحقق في علم اللّه سبحانه بعد عشر سنوات مثلا فوجوب الحج يكون ثابتا من الآن، و لازم ذلك وجوب ركوب الطائرة من الآن أيضا، غايته بالوجوب الموسّع، و لا محذور في ذلك.

و من خلال هذا نخرج بهذه النتيجة: إن الاستطاعة لا يجب تحصيلها على رأي المشهور و لا على رأي الشيخ، و ركوب الطائرة يجب تحصيله على كلا الرأيين أيضا، غايته على رأي المشهور يجب بعد تحقق الاستطاعة، و أما على رأي الشيخ الأعظم فيجب قبل تحققها ما دامت هي تتحقق في المستقبل و لو بعد سنوات عديدة.

و سبب هذا الفرق هو أن الشيخ الأعظم يرى أن وجوب الحج ليس مشروطا بالاستطاعة بل هو ثابت من الآن ما دامت- الاستطاعة- تحصل و لو بعد سنين، و لازم ثبوته من الآن وجوب المقدمة الوجودية- ركوب الطائرة- من الآن أيضا غايته بنحو الوجوب الموسع، و هذا بخلافه على رأي المشهور، فإن الوجوب للحج يثبت بعد الاستطاعة، و بالتالي ركوب الطائرة يجب بعد تحققها.

96

و بكلمة أخرى: إن الواجب المشروط على رأي الشيخ الأعظم هو عين الواجب المعلّق على رأي صاحب الفصول‏ (1) و لا فرق بينهما، و لازم ذلك ثبوت الوجوب النفسي من الآن- أي قبل تحقق الشروط- و من ثمّ يجب تحصيل المقدمات من الآن أيضا.

توضيح المتن:

كفى فائدة له أنه يصير ...: في العبارة تطويل لا حاجة إليه، و كان الأنسب التعبير هكذا: يمكن وجود مانع بعد تحقق الشرط يمنع من إنشاء الوجوب، فينشأ من الآن ليصير فعليا بعدا بلا حاجة إلى إنشاء.

ثمّ إن قوله: (بحيث لولاه) يراد به: بحيث لو لا الإنشاء من الآن.

و قوله: (فعلا) بمعنى ما بعد تحقق الشرط.

في محل النزاع أيضا: أي كالمقدمات الوجودية للواجب المطلق.

فلا وجه لتخصيصه بمقدمات الواجب المطلق: هذه العبارة جملة معترضة يلزم وضعها بين شريطين.

____________

(1) يرى صاحب الفصول- على ما يأتي في البحث المقبل إن شاء اللّه تعالى- أن بعض الواجبات يكون فيها زمان الوجوب و زمان الواجب متعاصرين، و بعضها الآخر يكون زمان الوجوب متقدما على زمان الواجب، و قد اصطلح على الأوّل بالواجب المنجز و على الثاني بالواجب المعلّق.

مثال الأوّل: صلاة الظهر، فإن وجوبها يبتدأ بالظهر، و وقت أدائها هو عند حلول الظهر أيضا.

و مثال الثاني: الحج، فإن وجوبه يبتدأ من حين تحقق الاستطاعة بينما زمان أدائه يكون من بداية اليوم التاسع من ذي الحجة.

97

تكون في الإطلاق و الاشتراط: المناسب الاقتصار على كلمة الاشتراط و حذف كلمة الإطلاق.

بناء على وجوبها من باب الملازمة: لا حاجة إلى هذه الجملة.

و قوله من باب الملازمة بمعنى من جهة الوجوب الغيري، أي بناء على وجوب المقدمة من باب الوجوب الغيري.

و أما الشرط ...: هذا شروع في بيان حكم المقدمة الوجوبية.

فإنه جعل الشي‏ء: المراد من الشي‏ء مثل الحج، أي فإنه جعل الحج- على تقدير اتفاق حصول الاستطاعة- واجبا.

فمعه كيف: أي فمع حصول الشرط.

و هل هو إلّا طلب الحاصل: أي و قبل حصوله لا وجوب، لأن الوجوب إنما ينصبّ على ذات الواجب المقيّد باتفاق حصول الشرط، فإذا لم يتفق حصوله فلا ينصبّ الوجوب على ذات الواجب.

لأن إيجاب ذي المقدمة على ذلك: أي على رأي صاحب الفصول.

من المعلق: المناسب: بالمعلق.

خلاصة البحث:

فائدة إنشاء الوجوب المشروط تظهر في موردين.

و النزاع في وجوب المقدمة يعم المقدمات الوجودية للواجب المشروط أيضا، بخلاف المقدمات الوجوبية، فإنها خارجة عن النزاع حتّى على رأي الشيخ الأعظم.

و النزاع في وجوب المقدمة الوجودية يعمّ مقدمات الواجب المشروط حتّى بتفسير الشيخ الأعظم و لا يختص بالتفسير المشهور.

98

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

فإن قلت: فما فائدة الإنشاء إذا لم يكن المنشأ طلبا فعليا.

قلت: إنه ربما لا يكون المولى متمكنا من الإنشاء بعد تحقق الشرط فينشئه قبلا ليصير فعليا بعدا بلا حاجة إلى خطاب آخر.

هذا مع شمول الخطاب كذلك للوجوب الفعلي في حقّ الواجد للشرط و للوجوب التقديري في حقّ الفاقد.

ثمّ الظاهر دخول المقدمات الوجودية للواجب المشروط في محل النزاع أيضا و لا وجه لتخصيصه بمقدمات الواجب المطلق، غايته تكون تابعة في الاشتراط لذي المقدمة كأصل الوجوب.

و أما الشرط المعلّق عليه الوجوب فخارج عن النزاع على تفسير المشهور لكونه مقدمة وجوبية و على رأي شيخنا العلامة أيضا، فإنه أخذ بوجوده الاتفاقي شرطا، و معه كيف يتعلق به الطلب، و هل هو إلّا طلب الحاصل؟

نعم لو كان للواجب المشروط بتفسير الشيخ مقدمات وجودية لم يعلّق عليها الوجوب لتعلّق بها الطلب في الحال على تقدير اتفاق وجود الشرط في الاستقبال، لأن الوجوب فعلي و الواجب استقبالي، فإن الواجب المشروط بتفسيره عين الواجب المعلّق على رأي صاحب الفصول. (1)

***

____________

(1) قد بدأنا في اليوم التالي (5/ ربيع الثاني/ 1425 ه) أوّل درس من دروسنا، و هو خارج الفقه، و بعد الشروع بدقائق و إذا بنا نسمع أصوات الأسلحة بشكل شديد على أثر حدوث بعض الاضطرابات في النجف الأشرف فقطعنا الدرس و تركنا باقي دروسنا في ذلك اليوم. نسأل اللّه العافية في جميع أمورنا.

99

قوله (قدّس سرّه):

«و أما المعرفة فلا يبعد ...، إلى قوله: تذنيب».

(1)

توجيه استثناء المعرفة:

ذكرنا فيما سبق أن النزاع في وجوب المقدمة لا يختص بمقدمات الواجب المطلق بل يعمّ مقدمات الواجب المشروط أيضا، فالحج مثلا واجب مشروط بالاستطاعة، و من جملة مقدماته الوجودية ركوب الطائرة فيكون ركوب الطائرة متصفا بالوجوب الغيري، غايته يكون وجوبه مشروطا بتحقق الاستطاعة، أي إنه بعد تحقق الاستطاعة يثبت الوجوب الغيري لركوب الطائرة، و أما قبل ذلك فحيث لا وجوب نفسي للحج فلا وجوب غيري لركوب الطائرة أيضا، إذ الوجوب الغيري للمقدمة يترشح من الوجوب النفسي لذي المقدمة، و حيث لا وجوب نفسي قبل تحقق الشرط فلا وجوب غيري أيضا للمقدمة قبل تحقق الشرط.

إن هذا مطلب قد ذكرناه سابقا.

و نريد الآن استثناء مقدمة واحدة و نقول: إنها رغم كونها مقدمة لواجب مشروط و لكنها واجبة التحصيل قبل تحقق الشرط، و تلك المقدمة هي تعلّم الأحكام الشرعية، فصلاة الظهر مثلا تجب بعد دخول‏

____________

(1) الدرس 101: (9/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

100

الزوال و لكن تعلّم أحكامها لازم قبل الزوال، إذ فترة ما بعد الزوال لا تسع لتعلّم جميع أحكام الصلاة، و هكذا الصوم يجب تعلّم أحكامه قبل الفجر رغم أن وجوبه يبتدأ بعد الفجر، و هكذا الحج يجب تعلّم أحكامه قبل مجي‏ء أيام الحج رغم أن وجوبه- على رأي- يثبت عند مجي‏ء أيامه.

إنه في هذه الموارد و ما شاكلها يلزم تعلّم الأحكام الشرعية قبل تحقق شرط الوجوب، و من هنا وقع الكلام في توجيه وجوب المقدمة المذكورة- أعني التعلم- قبل تحقق شرط الوجوب.

و طبيعي مثل هذا الإشكال لا يرد على الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لأنه يرى أن وجوب جميع الواجبات المشروطة ثابت قبل تحقق الشرط، فالمشروط ليس هو الوجوب بل الواجب، و ما دام وجوب الصلاة و الصوم و الحج مثلا ثابتا قبل تحقق الشرط فثبوت الوجوب الغيري للتعلم يكون مناسبا و على طبق القاعدة دون أي إشكال.

إذن الإشكال يختص بناء على رأي المشهور القائل بأن نفس الوجوب- في الواجبات المشروطة- مشروط بتحقق الشرط.

و أجاب الشيخ الآخوند بما محصله: إن وجوب التعلم قبل تحقق الشرط ليس من باب المقدمة و الوجوب الغيري ليرد الإشكال بأنه ما دام لا وجوب نفسي لذي المقدمة قبل تحقق الشرط فمن أين يتولّد الوجوب الغيري للتعلّم و إنما هو من جهة أخرى، إنه من جهة العلم الإجمالي، فكل مكلف يعلم إجمالا بوجود أحكام كثيرة في الشريعة متوجهة إليه، و لا يشك في هذا أي مكلف من المكلفين، و بعد ثبوت هذا العلم الإجمالي فكل‏

101

حكم من الأحكام إذا احتمله المكلف يكون طرفا من أطراف العلم الإجمالي المذكور، و البراءة كما هو واضح لا يمكن جريانها في أطراف العلم الإجمالي، إذ جريانها في جميعها خلف العلم الإجمالي، و جريانها في بعضها دون بعض ترجيح بلا مرجح.

إذن وجوب التعلم هو من هذه الجهة، أي من جهة حكم العقل بمنجزية احتمال التكليف و عدم إمكان جريان البراءة عنه بعد فرض تحقق العلم الإجمالي بثبوت أحكام كثيرة في الشريعة، و ليس من جهة الوجوب الغيري ليرد الإشكال.

نعم لو فحص المكلف إلى درجة اطمأن بعدم توجّه التكليف إليه في مورد الشك أمكن جريان البراءة آنذاك لخروج المورد عن الطرفية للعلم الإجمالي، أما قبل الفحص عنه- و الفحص عبارة أخرى عن تعلّم الحكم و معرفته- فلا مجال لجريان البراءة. (1)

***

____________

(1) يرد على ما أفاده (قدّس سرّه) إشكالان:

1- إن ما ذكره لا يستلزم وجوب التعلّم و المعرفة بل أقصى ما يستلزم هو لزوم الاحتياط و عدم جريان البراءة، فإن العلم الإجمالي يقتضي لزوم الاحتياط و عدم جريان البراءة لا لزوم التعلم و المعرفة.

2- إن مورد احتمال التكليف إنما يكون طرفا من أطراف العلم الإجمالي فيما لو كان الشك بعد دخول الوقت أو بالأخرى بعد تحقق الشرط، أما قبل ذلك فلا احتمال للتكليف حتّى يكون المورد طرفا للعلم الإجمالي، و المفروض أننا نريد إثبات لزوم التعلّم قبل تحقق الوقت و الشرط لا بعد ذلك. و لعلّه إلى أحد هذين الإشكالين أو كليهما أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

102

قوله (قدّس سرّه):

«تذنيب ...، إلى قوله: و منها تقسيمه إلى المعلق و المنجز ...».

تذنيب:

تعرض (قدّس سرّه) في هذا التذنيب إلى مطلبين:

1- إن إطلاق كلمة الواجب على الواجب المشروط قبل تحقق شرطه هل هو حقيقة أو مجاز؟ فمثلا إطلاق كلمة الواجب على صلاة الظهر قبل دخول وقت الزوال هل هو حقيقة أو مجاز؟

و الجواب: إن الإطلاق إذا كان بلحاظ ما بعد تحقق الشرط- أي أطلق لفظ الواجب على صلاة الظهر قبل الزوال بمعنى أنها واجبة بعد الزوال و ستكون واجبة بعدا- فهو إطلاق حقيقي كما هو واضح.

و أما إذا كان الإطلاق بلحاظ الآن فهو حقيقة أيضا بناء على مبنى الشيخ الأعظم في الواجب المشروط، لأنه يرى أن الوجوب فعلي قبل تحقق الشرط أيضا، و أما على رأي المشهور فهو إطلاق مجازي بعلاقة الأول أو المشارفة، أي إنه اطلق عليه الواجب باعتبار أنه سيئول أو يشرف على أن يكون واجبا، (1) كما نقل التصريح بذلك عن الشيخ البهائي.

____________

(1) قيل: إن الفرق بينهما هو أنه في علاقة الأول توجد ذاتان، لكل واحدة حالة معينة، و لأجل بعض التشابه يطلق اسم حالة معينة على الحالة الأخرى، كما يطلق التراب على الإنسان، و الدجاجة على البيضة، و الخمر على العنب، و أما في علاقة المشارفة فالذات واحدة، و لها حالتان، و لأجل التشابه بينهما يطلق اسم حالة على الأخرى، كإطلاق المقتول على المصلوب قبل قتله.