كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
103

2- إن استعمال الصيغة في الوجوب المشروط هل هو حقيقة أو مجاز؟ فحينما يقال: صل إن زالت الشمس هل يكون هذا الاستعمال حقيقيا؟

قد يقال بكونه مجازيا، باعتبار أن هيئة صل موضوعة للوجوب الجامع بين الوجوب المطلق و الوجوب المشروط الذي قد يعبّر عنه- الوجوب الجامع- بالوجوب المبهم، و معه فإذا استعملت في الوجوب المشروط يكون استعمالها مجازيا، باعتبار أنه في غير ما وضعت له.

هذا و لكن الشيخ الآخوند يقول: صحيح أنها موضوعة للوجوب المبهم الجامع إلّا أن استعمالها في الوجوب المشروط بالرغم من ذلك هو حقيقي، و ذلك بعد ضمّ فكرة تعدد الدال و المدلول، بمعنى أن هيئة صل لم تستعمل في الوجوب المشروط ليكون ذلك مجازا بل في الوجوب المبهم، فالهيئة دال، و مدلولها الوجوب المبهم، و الدال الثاني هو لفظ إن زالت الشمس، و مدلوله هو القيد، و باجتماع هذين الدالين نستفيد أن مقصود المتكلم هو الوجوب المشروط، و هذا نظير قولنا: ماء الفرات، فإن كلمة ماء مستعملة في طبيعة الماء، و كلمة فرات مستعملة في معنى فرات، و باجتماعهما عرفنا أن المتكلم يقصد الماء المعروف، و كقولنا: غلام زيد، فإن كلمة غلام مستعملة في معنى الغلامية، و كلمة زيد مستعملة في ذات زيد، و باجتماعهما عرفنا أن المقصود للمتكلم هو الذات الخاصة.

إن استعمال الصيغة في الوجوب المشروط هو استعمال حقيقي بعد ضمّ فكرة تعدد الدال و المدلول، و إلّا يلزم أن يكون استعمالها مجازيا عند إرادة الوجوب المطلق أيضا، لأنها لم توضع للوجوب‏

104

المطلق بل للوجوب المبهم كما قلنا، و لا مخلص من المجازية إلّا أن نضمّ فكرة تعدد الدال و المدلول، بأن نقول: إن الصيغة مستعملة في أصل الوجوب المبهم، و الإطلاق استفدناه من قرينة الحكمة، و هذان دالان، و باجتماعهما استفدنا أن مقصود المتكلم هو الوجوب المطلق، و إذا قبلنا بهذا عند إرادة الوجوب المطلق فيلزم أن نقبله عند إرادة الوجوب المشروط أيضا. (1)

توضيح المتن:

و أما المعرفة: أي تعلّم الأحكام.

ثمّ إن هذا استثناء من الملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب المقدمة في الإطلاق و الاشتراط.

لكنه لا بالملازمة: أي لا بالوجوب الغيري.

بمجرد قيام احتمالها: كان من المناسب إضافة هذه الفقرة: و ذلك بعد العلم الإجمالي بثبوت أحكام كثيرة في الشريعة.

فافهم: تقدّم احتمال كونه إشارة إلى أحد مطلبين أو كليهما.

تذنيب لا يخفى: البحث في هذا التذنيب بكامله تافه لا داعي إليه.

على الحقيقة مطلقا: أي من دون فرق بين رأي الشيخ الأعظم و رأي المشهور.

____________

(1) غايته أن الدال الثاني في الوجوب المشروط هو دال لفظي، أعني لفظ إن زالت الشمس، و هذا بخلافه في الوجوب المطلق، فإن الدال الثاني أمر معنوي و ليس لفظيا، أعني به قرينة الحكمة، و لعلّه إلى هذا أشار بقوله فافهم.

و لعلّه إشارة إلى أن هذا البحث بكلا مطلبيه بحث غير نافع و قضاء للعمر العزيز فيما لا يستحق صرفه فيه.

105

و إن كان أمرا استقباليا عليه: أي على رأي الشيخ الأعظم.

و مجاز على المختار: هذا عدل لقوله: (فكذلك على الحقيقة).

مجاز في المشروط: أي قبل تحقق شرطه.

و أما الصيغة مع الشرط: هذا إشارة إلى المطلب الثاني، و ما قبله إشارة إلى المطلب الأوّل.

على كل حال: أي من دون فرق بين رأي الشيخ الأعظم و رأي المشهور.

كما هو الحال فيما: أي كما هو الحال على رأي الشيخ الأعظم، فإنها تكون مستعملة في الوجوب المطلق- و ليس في المبهم- من خلال ضمّ فكرة تعدد الدال و المدلول، إذ بدون ذلك يكون استعمالها مجازيا أيضا.

لا المبهم المقسم: أي كما هو الحال فيما إذا أريد منها المطلق لا بمعنى الوجوب الجامع المبهم الذي هو المقسم للوجوبين بل المطلق بالمعنى المقابل للوجوب المشروط.

فافهم: تقدّم وجهه.

خلاصة البحث:

إن الأحكام يجب تعلّمها قبل تحقق وقت ذي المقدمة من باب حكم العقل بمنجزية الاحتمال بعد الالتفات إلى العلم الإجمالي، و ليس من باب الوجوب الغيري.

و إطلاق الواجب قبل تحقق الشرط حقيقة على تقديرين و مجاز على تقدير ثالث.

و استعمال الصيغة في الوجوب المشروط حقيقة من باب تعدد الدال كاستعمالها في الوجوب المطلق، فإنه حقيقة بعد ضمّ فكرة تعدد الدال أيضا.

106

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هذا إذا لم تكن المقدمة تعلّم الأحكام، و أما فيها فلا يبعد القول بوجوبها قبل تحقق الشرط حتّى على رأي المشهور لا من باب الملازمة بل من باب أنه- بعد العلم الإجمالي بثبوت أحكام كثيرة في الشريعة- يستقل العقل بتنجّزها بمجرد احتمالها إلّا مع الفحص و اليأس عن الظفر بالدليل فيستقل بعده بالبراءة فافهم.

تذنيب: إن إطلاق الواجب على الواجب المشروط حقيقي ما دام ذلك بلحاظ حال حصول الشرط.

و أما إذا كان بلحاظ ما قبل الشرط فهو حقيقي أيضا على مختار الشيخ أيضا لفعلية الوجوب، و مجازي على المختار لعدم فعليته قبله، كما عن البهائي تصريحه بأن لفظ الواجب مجاز في المشروط قبل شرطه بعلاقة الأول أو المشارفة.

هذا في إطلاق لفظ الواجب.

و أما استعمال الصيغة مع الشرط في الوجوب المشروط- الذي هو المختار- فهو حقيقة لتعدد الدال و المدلول، بل و هكذا في الوجوب المطلق على رأي الشيخ، فإنه حقيقة لذلك أيضا.

***

107

قوله (قدّس سرّه):

«و منها تقسيمه إلى المعلّق و المنجّز ...، إلى قوله: قلت فيه ...».

(1)

التقسيم الثاني: الواجب المعلّق و الواجب المنجّز:

ذكرنا عند دخولنا في البحث عن مقدمة الواجب أن الكلام فيها يقع في البداية عن أمور، و تعرضنا في الأمر الأوّل إلى مطلبين، و في الأمر الثالث إلى تقسيم الواجب. و نحن الآن في الأمر الثالث، أي في تقسيمات الواجب، و ذكرنا التقسيم الأوّل، و هو تقسيمه إلى مطلق و مشروط، و الآن يقع الكلام في التقسيم الثاني، و هو تقسيمه إلى منجّز و معلّق.

و رائد هذا التقسيم صاحب الفصول (قدّس سرّه).

و حاصل ما ذكره: إن الوجوب إذا كان فعليا و ثابتا في الحال فزمان الواجب تارة يكون مقارنا معه و ليس متأخرا عنه، و أخرى يكون متأخرا عنه، أي يكون الواجب مقيّدا بقيد متأخر. (2)

____________

(1) الدرس 102: (10/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

(2) جاء في عبارة صاحب الفصول: إن القيد المأخوذ في الواجب المعلّق هو أمر غير مقدور، كمجي‏ء اليوم التاسع من ذي الحجة، فإنه أمر غير مقدور للإنسان، فهو لا يمكن أن يقدّمه و لا يمكن أن يؤخّره، و لكن سيأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى التعليق من الشيخ الآخوند بأن القيد لا يلزم أن يكون أمرا غير مقدور فانتظر ذلك.

108

و الأوّل هو المنجّز، و الثاني هو المعلّق.

و من هذا نعرف أن المنجّز و المعلّق يشتركان في شي‏ء و يختلفان في شي‏ء آخر.

أما جهة الاشتراك فهي أن كليهما يكون الوجوب فيهما فعليا و مطلقا، أي يكون الوجوب ثابتا في الحال.

و أما جهة الاختلاف فهي أن زمان الواجب مقارن مع زمان الوجوب في المنجّز و متأخر عنه في المعلّق.

مثال المنجّز: معرفة اللّه عزّ و جلّ، فإن وجوبها ثابت الآن، و زمان الواجب هو الآن أيضا و ليس متأخرا عن زمان الوجوب.

و مثال المعلّق: الحج، فإن الإنسان إذا حصل على مقدار الاستطاعة في شهر من الأشهر ثبت عليه وجوبه من حين حصول الاستطاعة (1) رغم أن زمان الواجب متأخر، و هو التاسع من ذي الحجة، فزمان الوجوب فعلي، بينما زمان الواجب متأخر و معلّق على قيد متأخر.

و إذا سألت عن الفرق بين الواجب المشروط و الواجب المعلّق كان الجواب واضحا، ففي المشروط يفترض أن الوجوب ليس فعليا بل هو مشروط بشرط، بخلافه في المعلّق، فإن الوجوب فعلي و ليس‏

____________

(1) اختلف الفقهاء في أن الاستطاعة في أيّ زمان لو حصلت يثبت وجوب الحج، فقيل: إذا حصلت في أشهر الحج، و قيل: عند خروج القوافل، و قيل: لا يلزم هذا و لا ذاك، بل هي في أيّ زمن حصلت يثبت وجوب الحج و يلزم التحفّظ على مال الاستطاعة و عدم صرفه في مجال آخر، كشراء دار به أو الزواج أو ما شاكل ذلك إلّا إذا وقع الإنسان في الحرج لو لم يصرفه في المجال الآخر، و على هذا فزمان الوجوب فعلي بينما زمان الواجب متأخر و معلّق على مجي‏ء التاسع من ذي الحجة.

109

مشروطا، و إنما المشروط هو الواجب، فالواجب هو المشروط بمجي‏ء التاسع من ذي الحجة مثلا.

و قد عرفنا من خلال هذا أن كلا القسمين هو من أفراد الواجب المطلق، فالواجب المطلق هو إما منجّز أو معلّق.

و ما هي الثمرة لكون الوجوب فعليا و الواجب معلّقا على أمر متأخر؟ إن الثمرة تظهر في لزوم تهيئة المقدمات، فوجوب الحج مثلا ما دام فعليا فيلزم تهيئة مقدماته من تحضير الجواز و بطاقة الطائرة و ما شاكل ذلك، بينما لو لم يكن الوجوب فعليا فلا يلزم ذلك.

هذا حاصل ما أفاده صاحب الفصول.

و الشيخ الأعظم حينما تعرّض إلى هذا التقسيم أخذ بالتحامل عليه و إنكاره، و الوجه في ذلك واضح، فإن روح الواجب المعلّق عبارة أخرى عن الواجب المشروط بتفسيره، إنهما واحد و لا فرق بينهما، و بالتالي لا معنى لجعله فردا من أفراد الواجب المطلق- كما صنع صاحب الفصول- و مقابلا للواجب المشروط، بل هو عين الواجب المشروط و ليس مقابلا له.

و نتمكن من خلال هذا الخروج بهذه النتيجة: إن الشيخ الأعظم لم ينكر حقيقة الواجب المعلّق، كيف و هي عين الواجب المشروط بتفسيره، و المفروض أن الواجب المنجّز يقبله و لا يرفضه، فيبقى شي‏ء واحد هو الذي ينكره، و هو الواجب المشروط بتفسير المشهور، أنه يتعيّن أن يكون إنكاره لهذا لا غير.

و الشيخ الآخوند يعلّق بدوره على الشيخ الأعظم و يقول له: إنك حيث عرفت فيما سبق أن تفسير المشهور للواجب المشروط أمر صحيح و في محله فإنكارك على صاحب الفصول لا يكون وجيها.

110

و بكلمة أخرى: نقول للشيخ الأعظم: إنك إما أن تنكر حقيقة الواجب المنجّز أو حقيقة الواجب المعلّق، أو حقيقة الواجب المشروط بتفسير المشهور، و الكل باطل.

أما الأوّل فلأن حقيقة الواجب المنجّز أمر مسلّم عند الجميع.

و أما الثاني فلأن حقيقة الواجب المعلّق عين حقيقة الواجب المشروط بتفسير الشيخ.

و أما الثالث- الذي هو المتعين- فلا معنى لإنكاره، إذ قد أثبتنا سابقا أنه لا محذور في رجوع القيود إلى مفاد الهيئة خلافا للشيخ، حيث ادعى أن البرهان و الوجدان يقتضيان رجوع جميع القيود إلى مفاد المادة دون الهيئة.

و بعد أن فرغ الشيخ الآخوند من هذا أخذ هو بالتصدي في الإشكال على الشيخ صاحب الفصول.

و هذا يعني أن الإشكال الأوّل على صاحب الفصول هو من قبل الشيخ الأعظم، و الإشكال الثاني هو من قبل الشيخ الآخوند، و إذا ضممنا إلى ذلك إشكالين آخرين صار المجموع أربعة إشكالات.

إذن الآن نتعرض إلى الإشكال الثاني الذي هو للشيخ الآخوند، و حاصله:

إن كل تقسيم لا بدّ و أن تكون له ثمرة و إلّا كثرت التقسيمات بلا جدوى، من قبيل تقسيم الواجب إلى كونه إما صلاة أو غيرها، و ككونه إما بدنيّا أو ماليا، إن مثل هذه التقسيمات هل تراها صحيحة؟ كلا، لأنها بلا فائدة، و تقسيم الواجب إلى معلّق و منجّز هو كذلك، أي بلا فائدة، لأن الفائدة المتصوّرة، و هي لزوم تهيئة المقدمات هي من آثار فعلية الوجوب و كونه مطلقا بقطع النظر عن كون الواجب منجّزا أو معلّقا، فالتقسيم إلى المنجّز و المعلّق يعود بلا فائدة، فجواز

111

السفر يلزم تهيئته من الآن، لأن وجوب الحج ثابت من الآن و فعلي مطلق، و ليس لكون الواجب معلّقا. (1)

ثمّ تعرض (قدّس سرّه) بعد ذلك إلى الإشكال الثالث الذي هو لبعض الأعلام، (2) و حاصله: إن الوجوب في عالم التشريع توازيه الإرادة في عالم التكوين، فكلاهما إرادة، غايته ذاك إرادة تشريعية، و هذه إرادة تكوينية، و من الواضح أنه لو رجعنا إلى الإرادة لم نجد من الوجيه أن تكون الإرادة فعلية من الآن بينما المراد يكون متأخرا، كلا، إنه بلا معنى، بل الإرادة متى ما كانت ثابتة الآن فالمراد يلزم ثبوته الآن أيضا، و إذا قبلنا هذا في الإرادة فيلزم أن نسرّيه إلى الطلب أيضا لأنه إرادة أيضا- غايته هو إرادة تشريعية- فلا يمكن ثبوت الطلب الآن و يكون المطلوب متأخرا و أمرا مستقبلا.

توضيح المتن:

و منها تقسيمه إلى المعلق و المنجز: تقدم التقسيم الأوّل للواجب فيما سبق فلاحظ.

إلى ما يتعلق وجوبه: أي وجوب الشي‏ء أو وجوب الواجب.

____________

(1) يمكن أن يقال: إن صاحب الفصول لم يجعل وجوب تهيئة المقدمات ثمرة لكون الواجب معلّقا لا منجزا، أي هو لم يذكر ذلك كثمرة بين الواجب المعلّق و الواجب المنجّز، و إنما ذكر ذلك كثمرة بين الواجب المشروط و الواجب المعلق، أي أراد أن يقول: إن وجوب الحج إذا كان مشروطا بمجي‏ء اليوم التاسع من ذي الحجة فلا يلزم تهيئة المقدمات من الآن، أما إذا كان الوجوب فعليا و الواجب معلّقا على ذلك فيلزم تهيئة المقدمات، و معه فلا يرد إشكال عليه، و لعلّه إلى هذا أشار بالأمر بالفهم.

(2) قيل: هو المحقق النهاوندي صاحب كتاب تشريح الأصول، و قيل: هو السيد محمّد الفشاركي الاصفهاني.

112

ثمّ إنه كان من المناسب إضافة قيد بالفعل، أي هكذا: يتعلق وجوبه بالمكلف بالفعل.

و قوله: (و لا يتوقف حصوله) بمعنى و لا يتوقف حصول الواجب.

على أمر غير مقدور: سيأتي إن شاء اللّه تعالى الاعتراض على التقييد بقيد غير المقدور.

كالمعرفة: أي معرفة اللّه أو معرفة أصول الدين أو الأعم من أصول الدين و الأحكام الشرعية.

لا يخفى أن شيخنا العلامة: هذا شروع في الإشكال الأوّل من الإشكالات الأربعة على صاحب الفصول.

و قد أطال الشيخ الآخوند في بيان الإشكال الأوّل و كان بإمكانه اختصاره بحذف كثير من الأمور الجانبية التي تعرّض إليها.

و جعل الشرط لزوما: أي قال: (يلزم رجوع الشرط إلى المادة).

ثبوتا و إثباتا: الأوّل إشارة إلى الوجدان، و الثاني إشارة إلى دليله الأوّل.

القواعد العربية: المقصود هو الظهور، فإن ظاهر كل جملة شرطية رجوع القيد فيها إلى الوجوب دون الواجب.

و ظاهر المشهور: أي إن الشيخ الأعظم ادّعى شيئا هو على خلاف ظاهر الجملة الشرطية و على خلاف ظاهر المشهور.

كما يشهد به: أي يشهد بكون المشهور يرى رجوع القيود إلى الهيئة. و وجه الشاهد: إن الشيخ البهائي قد تقدّم منه سابقا أنه قال: إن إطلاق كلمة الواجب على الواجب المشروط قبل تحقق شرطه هو مجاز بعلاقة الأول أو المشارفة، و هذا لازمه أن الوجوب ليس فعليا قبل تحقق الشرط، و أن الشرط يعود إلى نفس الوجوب و إلّا لما كان استعمال كلمة

113

الواجب مجازا، و حيث إن الشيخ البهائي يمثّل المشهور فيثبت أن المشهور يرى رجوع القيود إلى مفاد الهيئة.

أنكر عن ...: المناسب: أنكر على. و هذا جواب قوله: (حيث اختار في الواجب ...).

إن المعلّق بما فسره: أي صاحب الفصول.

على ذلك: أي على البيان المتقدم. و المناسب حذفه.

لإنكاره عليه: أي لإنكار الشيخ الأعظم على صاحب الفصول.

نعم يمكن أن يقال ...: هذا إشارة إلى الإشكال الثاني- و هو للشيخ الآخوند- على صاحب الفصول.

و خصوصيته ...: هذا مبتدأ، و خبره لا توجبه ...

و إلّا لكثرت تقسيماته لكثرة الخصوصيات: هذه الجملة معترضة يناسب وضعها بين شريطين.

و لا اختلاف فيه: هذا راجع إلى قوله: (ما لم توجب الاختلاف في المهم)، أي و لا اختلاف في الأثر المهم.

فافهم: تقدم توضيحه.

ثمّ إنه ربما حكي ...: هذا شروع في الإشكال الثالث على صاحب الفصول.

خلاصة البحث:

التقسيم الثاني للواجب هو تقسيمه إلى معلّق و منجّز، و هما متفقان في كون الوجوب فيهما فعليا و مختلفان في تأخر زمان الواجب و عدمه.

و قد اشكل عليه بأربعة إشكالات: الأوّل للشيخ الأعظم، و الثاني للشيخ الآخوند، و الثالث لبعض الأعلام، و يأتي الرابع إن شاء اللّه تعالى.

114

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

التقسيم الثاني: المنجز و المعلّق:

ينقسم الواجب باعتبار إلى معلّق و منجّز، قال في الفصول: إنه ينقسم باعتبار آخر إلى ما يتعلق وجوبه بالمكلف [بالفعل‏] و لا يتوقف حصوله على أمر غير مقدور، كالمعرفة، و ليسمّ منجّزا، و إلى ما يتعلق وجوبه به [بالفعل‏] و يتوقف حصوله على أمر غير مقدور، و ليسمّ معلّقا، كالحج، فإن وجوبه يتعلق بالمكلف من أوّل زمن الاستطاعة أو خروج الرفقة و يتوقف فعله على مجي‏ء وقته، و هو غير مقدور له.

و الفرق بين هذا النوع و بين الواجب المشروط أن التوقف هناك للوجوب و هنا للفعل. انتهى كلامه رفع مقامه.

و لا يخفى أن شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه حيث اختار في الواجب المشروط ذاك المعنى أنكر على الفصول هذا التقسيم، ضرورة أن المعلّق يكون هو المشروط بتفسيره، حيث لا يوجد معنى معقول آخر للمعلق كي يكون مقابلا للمشروط.

و من هنا يتضح أنه في الحقيقة انكر الواجب المشروط بالمعنى المشهور لا المعلّق بتفسير صاحب الفصول، و حيث عرفت إمكان رجوع الشرط إلى الهيئة فلا مجال لإنكاره عليه.

نعم يمكن أن يشكل على التقسيم المذكور بأنه بكلا قسميه هو من المطلق. و خصوصية كونه حاليا أو استقباليا لا توجبه ما لم توجب الاختلاف في المهم- و إلّا لكثرت تقسيماته لكثرة الخصوصيات- و لا اختلاف فيه، فإن ما رتّبه عليه من وجوب المقدمة فعلا إنما هو أثر لإطلاق وجوبه و حاليته لا من استقبالية الواجب فافهم.

115

ثمّ إنه ربما حكي عن بعض أهل النظر من أهل العصر إشكال في الواجب المعلّق، و هو أن الطلب و الإيجاب يوازي الإرادة التكوينية المحركة للعضلات، و كما هي لا يمكن أن تنفك عن المراد يلزم أن يكون هو كذلك.

***

116

قوله (قدّس سرّه):

«قلت: فيه أن الإرادة ...، إلى قوله: و ربما أشكل على المعلق ...».

(1)

جوابان عن الإشكال الثالث: [أي اشكال بعض الأعلام‏]

هذا جواب عن الإشكال الثالث، و هو في الحقيقة جوابان، أحدهما جواب عن المقيس عليه، و ثانيهما جواب عن المقيس. و الجوابان هما:

الجواب الأوّل: و هذا الجواب هو- كما قلنا- جواب عن المقيس عليه، أي عن الإرادة التكوينية، و حاصله: إننا لا نسلم أن الإرادة لا يتأخر المراد عنها، بل ما أكثر ما تكون الإرادة ثابتة بالفعل و المراد يكون متأخرا، فالإنسان الذي يريد الحج بعد أيام مثلا تكون إرادته ثابتة بالفعل، أي في اليوم السابع من ذي الحجة مثلا بينما المراد متأخر، و هو الحج في اليوم التاسع.

و الدليل على ثبوت الإرادة بالفعل قبل اليوم التاسع أن الإنسان ينشغل بالمقدمات فيهيئ جميع ما يحتاج إليه أثناء الحج، فلو لم تكن الإرادة ثابتة بالفعل قبلا فلما ذا ينشغل بتهيئة المقدمات بل لما ذا جاء إلى مكّة و يلبث فيها.

و لعلّ الذي أوجب توهم صاحب هذا الإشكال عدم إمكان تأخر المراد عن الإرادة هو ما سمعه في تعريف الإرادة، حيث قيل: هي الشوق الأكيد المحرّك للعضلات فتخيّل أن المراد هو التحريك إلى نفس المراد

____________

(1) الدرس 103: (11/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

117

و ذاته، كما تخيّل أن المقصود هو التحريك الفعلي نحوه، إن لازم هذين التخيلين هو عدم إمكان تأخر المراد عن الإرادة، إذ التحريك الفعلي المتعلّق بنفس المراد كيف ينفك عن المراد؟ و كيف يتأخر المراد عنه؟

هذا و لكن الصحيح بطلان كلا التوهمين فليس المقصود التحريك نحو المراد بخصوصه بل نحو الأعم من المراد أو مقدماته، و ما دام الأمر هكذا فيمكن أن تكون الإرادة ثابتة الآن و يكون المراد متأخرا و الشخص المريد يكون مشغولا بالمقدمات، فشوقه يحركه نحو فعل المقدمات لا نحو فعل المراد الذي هو متأخر.

هذا بالنسبة إلى التوهم الأوّل و قد اتضح أنه باطل.

كما أن التوهم الثاني باطل فالتحريك لا يراد منه التحريك الفعلي بل التحريك الشأني، بمعنى أن الإرادة هي الشوق الأكيد الذي بلغ حدا عاليا بدرجة يمكن أن يحرّك العضلات نحو المراد و له قابلية ذلك و إن كان ربما لا يكون محرّكا بالفعل، كما إذا فرض أن المراد متأخر و ليست له مقدمات.

الجواب الثاني: إنه لو تنزلنا و سلمنا أن الإرادة لا يمكن أن يتأخر المراد عنها فنقول: إنه رغم ذلك يمكن أن يتأخر المطلوب عن الطلب بل يلزم أن يتأخر عنه لا أنه فقط يجوز ذلك.

و الوجه في جواز تأخر المطلوب عن الطلب بل لزومه هو أن الغرض من إصدار الطلب إحداث الداعي للمكلف لإيجاد الفعل، فلو قال المولى: صل، فالمقصود من الأمر المذكور إحداث الداعي للمكلف نحو الصلاة، و من الواضح أن الداعي إنما يتحقق بعد تصوّر الصلاة و تصوّر ما يترتب على فعلها من الثواب و على تركها من العقاب، و ذلك يحتاج إلى مضيّ فترة.

118

نعم تلك الفترة ربما تكون قصيرة بمقدار ثانية مثلا، و لكن من الواضح أن العقل- الذي هو الحاكم في باب الاستحالة و الإمكان- لا يفرّق بين كون الفترة طويلة أو قصيرة، فمع الاستحالة لا يجوز الفاصل حتّى لو كان بمقدار ثانية، و مع الإمكان يجوز الفاصل حتّى لو كان بمقدار سنة.

توضيح المتن:

قلت فيه ...: المناسب: و يرد عليه، فإن التعبير المذكور موهم لوجود إن قلت سابقا.

ثمّ إن هذا هو الجواب الأوّل، و هو جواب عن المقيس عليه.

بعيدة المسافة و كثيرة المئونة: المناسب: بعيد المسافة و كثير المئونة.

لا يكاد يحمله على التحمل إلّا ذلك: أي إلّا وجود الإرادة بالفعل.

و قد غفل ...: هذا ردّ على التوهم الأوّل، أي ردّ على توهم أن المراد هو تحريك العضلات المتعلّق بنفس المراد لا الأعم منه و من مقدماته.

كحركة نفس العضلات: أي فيما إذا كان المراد نفس حركة العضلات.

فحركة العضلات تكون أعم من أن تكون ...: العبارة واضحة الارتباك، و التعبير الصحيح هكذا: أعم من أن تكون نحو نفس المقصود أو نحو مقدمته.

و الجامع أن يكون نحو المقصود: لعلّ هذا التعبير مختص بالثاني، و المناسب: و الجامع أن يكون نحو نفس المقصود أو مقدماته.

بل مرادهم ...: هذا ردّ على التوهم الثاني، أي ردّ على توهم أن المقصود من التحريك هو التحريك الفعلي و الحال أن المقصود هو التحريك الشأني. ثمّ إن التعبير بكلمة بل لا نرى له وجها، و المناسب: هذا مضافا ...

119

أو تمهيد مقدمة: المناسب الواو بدل أو، و أنسب من ذلك حذف العبارة المذكورة رأسا.

ضرورة أن شوقه ...: هذا دفع لتوهم عدم وجود شوق في الصورة المذكورة. و منه يتضح أن المعلل محذوف و مقدّر لا وجود له في العبارة، و التقدير: لا تتوهم أن الإرادة ليست ثابتة في هذه الحالة ضرورة ...

هذا مع أنه لا يكاد ...: هذا هو الجواب الثاني عن أصل الإشكال، و هو ناظر إلى المقيس.

بأن يتصوره ...: الظاهر أن المناسب: و هو لا يحدث إلّا بأن يتصوره ...

خلاصة البحث:

أجاب عن الإشكال الثالث بجوابين: جواب بلحاظ المقيس عليه، حيث بيّن أن الوجدان قاض بإمكان تأخر المراد عن الإرادة، ثمّ بيّن منشأ توهم عدم الإمكان و أنه تعريف الإرادة ثمّ دفع بدفعين، ثمّ ذكر بعد ذلك الجواب الثاني الذي هو بلحاظ المقيس.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و يرده:

أوّلا: إن الإرادة يمكن أن تتعلّق بأمر استقبالي، ضرورة أن تحمّل المشاق في تحصيل المقدمات فيما إذا كان المقصود كثير المئونة ليس إلّا لأجل تعلّق الإرادة به بالفعل.

و لعلّ الذي أوقعه فيما ذكر تعريف الإرادة بالشوق المؤكد المحرّك للعضلات و توهم أن تحريكها نحو المتأخر أمر غير ممكن.

120

و لكنه غفل عن كون المقصود التحريك نحو نفس المراد أو مقدماته.

كما أنه غفل عن عدم كون المقصود التحريك الفعلي بل الشأني، أي بيان مرتبة الشوق الذي يكون إرادة و إن لم يكن تحريك فعلا، كما لو كان المراد استقباليا ليس له مقدمات.

ثانيا: إن الطلب لا يكاد يتعلق إلّا بأمر متأخر ضرورة أنه لإحداث الداعي، و هو بحاجة إلى تصوّر الشي‏ء و ما لفعله من الثواب و تركه من العقاب، و هو لا يتحقق إلّا بعد الطلب بفترة.

و التفاوت بطول الزمان و قصره لا مدخلية له في ملاك الاستحالة و الإمكان في نظر العقل الذي هو الحاكم في هذا المجال.

***

121

قوله (قدّس سرّه):

«و ربما أشكل على المعلّق ...، إلى قوله: ثمّ لا وجه لتخصيص المعلّق ...».

(1)

جواب الإشكال الرابع: [على الواجب المعلق‏]

هذا إشارة إلى الإشكال الرابع من الإشكالات الأربعة على الواجب المعلّق. و حاصله: إن شرط توجيه التكليف إلى شي‏ء القدرة عليه، فإنه من دونها لا يصح التكليف، و لذا عدّ من الشرائط العامة لثبوته القدرة على متعلّقه.

و باتضاح هذا نقول: إن المكلف في الواجب المعلّق لا قدرة له على فعل الواجب حين توجّه الوجوب إليه، ففي الحج مثلا يتوجه الوجوب إلى المكلف الآن- أي حين تحقق الاستطاعة- و الحال أنه لا قدرة له على فعل الحج الآن و إنما يقدر عليه فيما بعد، أي في اليوم التاسع من ذي الحجة.

إذن المكلف في الواجب المعلّق لا قدرة له حين توجّه الوجوب إليه على فعل الواجب، و معه فكيف يثبت الوجوب في حقه؟

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأن القدرة على الفعل و إن كانت شرطا في صحة توجّه التكليف إلّا أن القدرة اللازمة هي القدرة حين أداء الواجب‏

____________

(1) الدرس 104: (12/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

122

لا حين توجّه الوجوب، و المفروض في مقامنا أن المكلف له القدرة على فعل الحج في وقته المقرّر، و معه يصحّ توجّه الوجوب إليه حين الاستطاعة.

يبقى شي‏ء، و هو أنه لم يشر (قدّس سرّه) إلى مستند الدعوى المذكورة بل ذكرها من دون دليل، و لعلّ ذلك لوضوحه، و حاصله: إن الحاكم باشتراط القدرة في متعلّق التكليف ليس هو إلّا العقل، و إذا رجعنا إليه وجدناه يعتبر القدرة حين أداء الواجب و لو لم تكن ثابتة حين توجّه التكليف، فإذا كانت القدرة متحققة حين الأداء كفى ذلك و لو لم تكن ثابتة حين توجّه التكليف، و أما إذا انعكس الأمر- بأن كانت ثابتة حين توجّه التكليف و ليست ثابتة حين الأداء- فلا يكفي ذلك.

و هذا مطلب واضح، و تأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه تعالى من قبل الشيخ الآخوند نفسه في بعض الأبحاث.

ثمّ إنه نلفت النظر إلى أن القدرة حينما قلنا هي معتبرة في زمان الواجب فالمقصود أنها معتبرة بنحو الشرط المتأخر، أي إن وجوب الحج مثلا ثابت الآن مشروطا بالقدرة على فعل الحج في وقته المقرّر الذي هو وقت متأخر، فإذا فرض ثبوت القدرة في الوقت المتأخر في علم اللّه سبحانه كشف ذلك عن ثبوت الوجوب و توجّهه منذ البداية، و إذا لم تكن ثابتة في علمه تعالى فلا وجوب منذ البداية.

و قد تقدّم في مبحث الشرط المتأخر أنه كالشرط المقارن ممكن دون أي محذور.

***

123

قوله (قدّس سرّه):

«ثمّ لا وجه لتخصيص المعلّق ...، إلى قوله: تنبيه».

تعميم الواجب المعلّق:

ذكرنا فيما سبق أن صاحب الفصول ذكر أن الواجب المعلّق هو ما كان الوجوب فيه فعليا بينما الواجب يكون معلّقا على أمر متأخر غير مقدور، و ذكرنا أنه سيأتي من الشيخ الآخوند التعليق على هذا القيد، و هذا هو مورد التعليق.

و حاصل ما ذكره: إنه لا يلزم في القيد- الذي فرض تعليق الواجب عليه- أن يكون أمرا غير مقدور، بل المهم أن يكون أمرا متأخرا سواء كان غير مقدور أو كان مقدورا، فإن الأمر من هذه الناحية ليس بمهم. (1)

و على تقدير كونه مقدورا لا فرق أيضا بين كونه مأخوذا قيدا في الواجب بنحو يترشح عليه الوجوب أو بنحو لا يترشح عليه. (2)

مثال ذلك: الاستطاعة، فإن تحصيلها يكون في كثير من الأحيان مقدورا فإذا أخذت في الواجب بنحو لا يترشح عليها الوجوب- بأن قيل هكذا: يجب من الآن الحج المقيّد بتحقق الاستطاعة اتفاقا و صدفة- أو بنحو يترشح عليها- بأن قيل هكذا: يجب من الآن الحج المقيد بالاستطاعة- كان الحج واجبا معلّقا آنذاك، لأن الوجوب فيه فعلي بينما الواجب أخذ مقيّدا بأمر متأخر مقدور.

____________

(1) قيل: إن صاحب الفصول قد عمّم أيضا بعد ذلك في آخر كلامه.

(2) الموجود في بعض النسخ هكذا: على نحو لا يكون موردا للتكليف و يترشح عليه الوجوب من الواجب لعدم تفاوت ...

و المناسب التعميم، إذ لا وجه للتخصيص بحالة عدم ترشح التكليف.

124

و الوجه في التعميم من هذه الناحية هو أن الأثر الذي يراد تحقيقه من خلال الواجب المعلّق ليس إلّا توجيه إثبات الوجوب للمقدمات قبل زمان الواجب، أي توجيه إثبات الوجوب لركوب الطائرة مثلا قبل مجي‏ء اليوم التاسع من ذي الحجة، فإن زمان الحج ما دام هو في اليوم التاسع فكيف يجب ركوب الطائرة قبل ذلك؟ إنه بناء على فكرة الواجب المعلّق تنحلّ هذه المشكلة، فيقال: إن وجوب الحج هو فعلي قبل اليوم التاسع و ليس مقيّدا بمجيئه و إنما المقيّد بذلك هو زمان الواجب، و ما دام الحج واجبا قبل اليوم التاسع فوجوب ركوب الطائرة قبل اليوم التاسع يكون أمرا وجيها أيضا.

و من الواضح أن حلّ المشكلة بهذا الشكل لا يتوقف على أن يكون القيد أمرا غير مقدور بل المهم أن يكون أمرا متأخرا من دون فرق بين أن يكون مقدورا أو لا.

و بكلمة أخرى: إنه يوجد فرق بين أن يكون وجوب الحج وجوبا معلقا و بين أن يكون وجوبا مشروطا، فإذا كان معلّقا فالمشكلة تزول لأن الوجوب يكون فعليا قبل مجي‏ء اليوم التاسع، و المقيّد باليوم التاسع يكون هو الواجب دون الوجوب، و هذا بخلافه بناء على الوجوب المشروط، فإن نفس وجوب الحج يكون مقيّدا بمجي‏ء اليوم التاسع فتكون المشكلة باقية، إذ لا يتولّد وجوب الحج آنذاك إلّا بعد مجي‏ء اليوم التاسع.

ثمّ استدرك (قدّس سرّه) بعد ذلك و قال: إن المشكلة يمكن أن تكون مرتفعة حتّى بناء على الوجوب المشروط و لا يتوقف ارتفاعها على فكرة الواجب المعلق.

أما كيف تنحل بناء على الوجوب المشروط أيضا؟ ذلك بأن يجعل مجي‏ء اليوم التاسع شرطا متأخرا لا شرطا مقارنا، أي بأن يكون‏

125

الوجوب ثابتا في الزمن المتقدم بشرط مجي‏ء اليوم التاسع و المكلف باق على قيد الحياة و القدرة، فيقال للمكلف في شهر شوال مثلا إذا فرض تحقق الاستطاعة فيه: يجب عليك الآن الحج إن فرض أنك باق حيا قادرا إلى اليوم التاسع من ذي الحجة، فإذا فرض أنه في علم اللّه سبحانه كان باقيا على قيد الحياة و القدرة فيثبت عليه وجوب الحج في شهر شوال، و هذا بخلاف ما إذا كان مأخوذا بنحو الشرط المقارن فإن وجوب الحج لا يثبت آنذاك إلّا بعد مجي‏ء اليوم التاسع و مقارنا له.

إذن المشكلة تكون مرتفعة على تقديرين، و باقية على تقدير ثالث.

أما التقديران اللذان تنحل المشكلة بناء عليهما فهما ما إذا بني على الواجب المعلّق، و ما إذا بني على الواجب المشروط بنحو الشرط المتأخر.

و أما التقدير الذي لا تنحل المشكلة بناء عليه فهو ما إذا بني على الواجب المشروط بنحو الشرط المقارن.

توضيح المتن:

من غير انخرام للقاعدة العقلية: و هي أن العلة لا يجوز أن تتأخر عن المعلول بل يلزم أن تكون مقارنة.

لعدم تفاوت فيما يهمه: أي فيما يهمّ الواجب المعلّق، أي الأثر المهم المطلوب منه.

و قد بيّن الأثر المهم المطلوب من الواجب المعلّق بقوله: (من وجوب تحصيل المقدمات ...).

من وجوب تحصيل المقدمات التي لا يقدر عليها ...: و يصطلح عليها بالمقدمات المفوّتة، فإن ركوب الطائرة في ظهر اليوم التاسع‏

126

لإدراك الحج أمر غير ممكن، بل يلزم ركوب الطائرة قبل ظهر اليوم المذكور، و من ترك ذلك قبل ظهر التاسع يفوته إدراك الحج، فركوب الطائرة قبل ظهر التاسع مقدمة يفوت بتركها الحج.

و قد شكّلت المقدمات المفوتة مشكلة عويصة في علم الأصول، إذ كيف يجب ركوب الطائرة قبل ظهر اليوم التاسع و الحال أن زمان الواجب هو ظهر التاسع، و فكرة الواجب المعلّق جاءت لحلّ هذه المشكلة، فقيل: إن وجوب الحج ثابت قبل اليوم التاسع، أي من حين تحقق الاستطاعة، و المعلّق على مجي‏ء اليوم التاسع هو الواجب دون الوجوب.

على المعلّق دون المشروط: متعلّق بوجوب تحصيل، أي إن الفائدة المهمة المترتبة على الواجب المعلّق هي وجوب تحصيل المقدمات المفوّتة بناء على الواجب المعلّق و عدم وجوب تحصيلها بناء على الواجب المشروط.

لثبوت الوجوب الحالي فيه: المناسب: عليه، بدل فيه، أي لثبوت وجوب الحج فعلا بناء على الواجب المعلّق، فيترشح منه الوجوب الغيري على المقدمات المفوّتة بخلافه على المشروط لعدم ثبوت الوجوب بناء عليه إلّا بعد تحقق الشرط.

بناء على الملازمة: أي بناء على ثبوت الوجوب الغيري للمقدمات.

دونه: أي دون المشروط، فإنه بناء عليه لا يكون وجوب للحج ثابتا بالفعل، أي قبل الشرط.

نعم لو كان الشرط ...: هذا استدراك و بيان أن مشكلة المقدمات المفوّتة تنحل أيضا بناء على الوجوب المشروط بعد أخذ الشرط بنحو الشرط المتأخر.

127

و فرض وجوده: أي و فرض أن الشرط موجود و متحقق في علم اللّه سبحانه.

حاليا أيضا: أي كما هو حالي على الواجب المعلّق.

إلّا كونه مرتبطا: أي و ليس الفرق بين الوجوب المشروط و المعلّق حين أخذ الشرط بنحو الشرط المتأخر إلّا كون الوجوب المشروط مرتبطا بذاته بالشرط بخلافه على المعلّق فإن ذات الوجوب ليست مرتبطة بالشرط و إن كان الواجب منوطا بالشرط.

خلاصة البحث:

اشكل رابعا على الواجب المعلق بعدم تحقق القدرة فيه و الحال هي شرط في باب التكليف.

و اجيب بأن اللازم هو القدرة في زمان الواجب و هي متحققة لا في زمان الوجوب.

ثمّ اشير إلى أن الواجب المعلّق لا يلزم أن يكون معلّقا على أمر متأخر غير مقدور بل يجوز أن يكون مقدورا لعدم الفرق من هذه الناحية.

ثمّ اشير إلى أن مشكلة المقدمات المفوّتة لا يتوقف حلّها على فكرة الواجب المعلّق بل يمكن أن تنحل بفكرة الواجب المشروط أيضا فيما إذا أخذ الشرط بنحو الشرط المتأخر.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و اشكل أيضا على الواجب المعلّق بعدم تحقق القدرة على الفعل حال التكليف بناء عليه و الحال هي من الشرائط العامة.

128

و فيه: إن الشرط هو القدرة في زمان الواجب لا زمان الوجوب، غايته هي شرط متأخر، و قد عرفت أنه كالمقارن.

ثمّ إنه لا وجه لتخصيص المعلّق بما يتوقف حصوله على أمر غير مقدور بل ينبغي تعميمه إلى الأمر المقدور المتأخر أيضا، لأن الأثر المهم المترتب على الواجب المعلّق- و هو وجوب تحصيل المقدمات التي لا يقدر عليها زمان الواجب- لا يختلف من هذه الناحية، فالوجوب يترشح على المقدمة على المعلّق لكونه حاليا بخلافه على المشروط فإنه لا يتولّد إلّا بعد الشرط.

نعم لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر و فرض وجوده كان الوجوب المشروط به حاليا أيضا فيكون وجوب المقدمات الوجودية للواجب حاليا أيضا، و ليس الفرق بينه و بين المعلّق حينئذ إلّا كون الوجوب المشروط مرتبطا بالشرط بخلاف المعلّق فإن الواجب معلّق عليه دون الوجوب.

***

129

قوله (قدّس سرّه):

«تنبيه قد انقدح من مطاوي ...، إلى قوله: إن قلت ...».

(1)

حلّ آخر لمشكلة المقدمات المفوّتة:

هذا التنبيه معقود لبيان أن مشكلة المقدمات المفوّتة لا يتوقف حلّها على فكرة الواجب المعلّق و لا على فكرة الواجب المشروط بتفسير الشيخ الأعظم.

و هذا المطلب قد اتضح من خلال البحث السابق، فإنه في أواخره قد أشار إلى ذلك، و لكنه في هذا التنبيه يريد أن يسلّط الأضواء على ذلك بشكل كامل.

و قد ابتلى (قدّس سرّه) بالتطويل و بيان أمور جانبية أوجبت تشويش المطلب.

و في البداية ذكر (قدّس سرّه) أن وجوب أي مقدمة وجودية- كركوب الطائرة للحج و غسل الجنابة قبل الفجر للصوم مثلا- في وقت من الأوقات يتوقف على ثبوت وجوب ذي المقدمة و فعليته في ذلك الوقت، فإذا كان وجوب الحج ثابتا قبل اليوم التاسع من ذي الحجة كان ثبوت الوجوب لركوب الطائرة قبل اليوم التاسع أمرا مناسبا و على طبق القاعدة.

و لكن هل يلزم أن يكون وجوب الحج الثابت قبل اليوم التاسع ثابتا بنحو الواجب المعلّق حسبما كان يتصوّر صاحب الفصول؟ كلا، بل المهم أن يكون ثابتا سواء كان بنحو الواجب المشروط بالشرط المتأخر

____________

(1) الدرس 105: (13/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

130

مع فرض تحقق الشرط في وقته المقرر (1) أو بنحو الواجب المطلق المعلّق أو بنحو الواجب المطلق المنجز، إن كل هذا ليس بمهم، بل المهم كما قلنا ثبوت الوجوب النفسي للحج قبل اليوم التاسع بأيّ شكل من الأشكال. (2)

____________

(1) كما لو قال المولى: يجب عليك من حين حصول الاستطاعة الحج مشروطا- أي أصل الوجوب- بالبقاء على قيد الحياة و القدرة إلى اليوم التاسع من ذي الحجة، فإذا فرض أن الشخص كان باقيا على قيد الحياة و القدرة في علم اللّه سبحانه إلى اليوم التاسع فلازم ذلك ثبوت الوجوب منذ البداية.

و قد تسأل: إن المكلف كيف يعلم أن الشرط ثابت في علم اللّه سبحانه حتّى يكون وجوب الحج فعليا في حقه منذ البداية، و بالتالي حتّى يكون وجوب المقدمة ثابتا بالفعل في حقه منذ البداية؟

و الجواب:

أوّلا: إن بحثنا هذا ثبوتي و ليس إثباتيا، و ما دام ثبوتا يمكن فرض تحقق الشرط في وقته المقرّر فلازم ذلك إمكان ثبوت الوجوب للحج منذ البداية، و بالتالي يكون ثبوت الوجوب للمقدمات قبل زمان الواجب أمرا ممكنا دون أي محذور.

و ثانيا: إنه يوجد أصل عقلائي يمكن من خلاله إثبات تحقق الشرط في وقته المتأخر، فإن العاقل متى ما لاحظ أنه بالفعل حيّ قادر فيبني على بقاء الحياة و القدرة في المستقبل أيضا و إلّا لما بنى العاقل دارا لنفسه و لما تصدى لأي مشروع من المشاريع لاحتمال أنه يموت قبل نهايته. و في مقامنا نقول: إنه ما دام الشخص حيا قادرا قبل اليوم التاسع فلا بدّ و أن يبني على استمرار ذلك إلى المستقبل أيضا.

(2) ذكر (قدّس سرّه) مطلبا جانبيا في هذا المجال لا أرى داعيا لذكره أبدا، و حاصله: إنه مع تقدّم الوجوب النفسي قبل اليوم التاسع فالمقدمة سوف تتصف بالوجوب الغيري و يلزم تحصيلها آنذاك لعدم المحذور في ذلك حينئذ، و لكن إنما يجب تحصيلها بشرطين يرجعان في روحهما إلى شرائط ثلاثة. و الشرطان هما:

131

ثمّ أخذ (قدّس سرّه) يكرّر المطلب بشكل آخر قائلا: إذا عرفت هذا فسوف تعرف أنه يلزم ركوب الطائرة قبل مجي‏ء اليوم التاسع ما دام وجوب الحج فعليا و حاليا قبل اليوم التاسع حتّى و إن فرض أن الوجوب المذكور كان مشروطا بنحو الشرط المتأخر مع فرض تحقق الشرط في علم اللّه سبحانه في الوقت المقرر، و لا

____________

- 1- أن لا تكون المقدمة الوجودية مقدمة وجوبية في نفس الوقت و إلّا لم تجب بالوجوب الغيري، كما في الاستطاعة بالنسبة إلى حج الإسلام، فإنها مقدمة وجودية له و مقدمة وجوبية معا، و مثلها لا يمكن أن تتصف بالوجوب الغيري، إذ قبل تحقق الاستطاعة لا وجوب نفسي للحج ليترشح منه الوجوب الغيري عليها، و بعد تحققها لا معنى لترشح الوجوب الغيري عليها لأنه طلب لتحصيل ما هو حاصل.

2- أن لا تكون مأخوذة قيدا في الواجب بنحو لا يمكن ترشح الوجوب الغيري عليها. و هذا يتصور في حالتين:

أ- أن تكون مأخوذة عنوانا للمكلف، كما إذا أخذت الاستطاعة وصفا للمكلف و قيل هكذا: المستطيع يجب عليه الحج. و الوجه في عدم إمكان ترشح الوجوب الغيري عليها هو نفس ما تقدم، أي إنه قبل حصول الاستطاعة لا يكون عنوان المستطيع صادقا ليثبت له الوجوب النفسي، و بالتالي ليترشح منه الوجوب الغيري على الاستطاعة، و بعد حصولها يكون طلب تحصيلها طلبا لما هو حاصل.

ب- أن تكون مأخوذة قيدا في الواجب بوجودها الاتفاقي، كما لو قيل هكذا:

الحج المقيّد بحصول الاستطاعة اتفاقا فيما بعد واجب الآن. و الوجه في عدم إمكان ترشح الوجوب الغيري عليها هو نفس ما تقدم. هكذا ذكر (قدّس سرّه).

و لكن يمكن أن يقال: إن محذور طلب تحصيل الحاصل غير لازم في هذه الحالة، إذ مع فرض حصول الاستطاعة فيما بعد يكون وجوب الحج ثابتا الآن، و لا يلزم من وجوب تحصيل الاستطاعة طلب تحصيل الحاصل، إذ المفروض أنه لم تحصل بعد، فالصحيح تعليل عدم وجوب تحصيل الاستطاعة في هذه الحالة بلزوم محذور الخلف، لأن لزوم تحصيل الاستطاعة خلف كونها بوجودها الاتفاقي قيدا في الواجب. و لعلّه إلى ذلك أشار بقوله: فافهم.

132

محذور في ذلك، أي لا محذور في ثبوت وجوب الحج قبل اليوم التاسع لأن المكلف قادر على الإتيان بالحج في وقته المقرر من خلال قدرته على مقدمته، و هي ركوب الطائرة، و بالتالي لا محذور في أن يترشح وجوب غيري شرعي على المقدمة بعد فرض ثبوت وجوب الحج بنحو فعلي قبل اليوم التاسع، بل بإمكاننا أن نقول: إنه حتّى لو أنكرنا الوجوب الشرعي الغيري للمقدمة فالوجوب العقلي ثابت لها، لأنه إن كان هناك خلاف في ثبوت الوجوب الشرعي الغيري للمقدمة فلا خلاف في ثبوت الوجوب الغيري العقلي لها.

ثمّ قال (قدّس سرّه) بعد هذا: إنه قد اتضح من خلال هذا أن حلّ مشكلة المقدمات المفوّتة لا يتوقف على فكرة الواجب المعلّق و لا على فكرة الواجب المشروط بتفسير الشيخ، (1) بل يمكن حلّها من خلال فكرة الوجوب المشروط بنحو الشرط المتأخر كما أشرنا.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه): إنه في كل مورد ثبت وجوب الإتيان بالمقدمة قبل زمان ذي المقدمة- كالغسل الذي يلزم الإتيان به قبل الفجر في حقّ الصائم- فذلك يكشف عن سبق وجوب ذي المقدمة (2) و إن المتأخر

____________

(1) قد ذكرنا فيما سبق أن فكرة الواجب المشروط بتفسير الشيخ هي عين فكرة الواجب المعلّق و ليسا شيئين، و لعلّه لهذا عبّر الشيخ الآخوند في عبارة المتن بقوله: (أو بما يرجع إليه من جعل الشرط من قيود المادة ...) فإن قوله: أو بما يرجع إلى المعلّق إشارة إلى أن الواجب المشروط بتفسير الشيخ يرجع إلى الواجب المعلّق.

و نلفت النظر إلى أن فكرة الواجب المعلّق و فكرة الواجب المشروط بتفسير الشيخ نشأتا و ابتكرتا لحلّ مشكلة المقدمات المفوّتة.

(2) و يعبّر عن الكشف المذكور بالكشف الإني، و هو كشف المعلول عن العلة، إذ الوجوب الغيري معلول للوجوب النفسي، و سبقه عبارة أخرى عن سبق المعلول الذي هو يكشف عن سبق العلة.

133

زمان إتيانه لا زمان وجوبه. و لو فرض أن الدليل دلّ على عدم سبق وجوب الصوم قبل الفجر بل يقارن حدوث الفجر فيلزم أن نلتزم بأن وجوب الغسل الثابت قبل الفجر ليس وجوبا غيريا- لاستحالة تقدّم الوجوب الغيري على الوجوب النفسي بعد ما كان مترشحا منه- بل هو وجوب نفسي تهيئي، أي لأجل أن يتهيأ المكلف و يستعد لتوجه الوجوب النفسي إليه بالصوم حين الفجر.

توضيح المتن:

قد انقدح من مطاوي ما ذكرناه: مثل قوله سابقا: (فإن ما رتّبه عليه من وجوب المقدمة فعلا كما يأتي إنما هو من أثر إطلاق وجوبه و حاليته لا من استقبالية الواجب)، و كقوله قبل أسطر: (نعم لو كان الشرط على نحو الشرط المتأخر و فرض وجوده كان الوجوب المشروط به حاليا أيضا فيكون وجوب سائر المقدمات الوجودية للواجب أيضا حاليا).

و كونه في الحال: أي و كون وجوب المقدمة ثابتا في الحال.

و لو كان أمرا ...: أي و لو كان ذوها أمرا ...

كان وجوبه مشروطا: أي سواء كان وجوب الواجب ...

بشرط موجود: أي موجود في ظرفه سواء كان متأخرا أم متقدما أم مقارنا. و قوله: (أخذ فيه)، أي في الوجوب.

أو مطلقا: عطف على (مشروطا)، أي كان وجوبه مشروطا أو مطلقا، ثمّ على تقدير كونه مطلقا لا فرق بين كونه منجّزا أو معلّقا.

فيما إذا لم يكن ...: هذا إشارة إلى الشرائط الثلاثة، و لا داعي إلى بيانها، فإنه يوجب تشتت بيان المطلب بلا مبرر.

134

ثمّ إن المناسب: فيما إذا لم تكن، أي بالتاء، أي فيما إذا لم تكن المقدمة الوجودية مقدمة وجوبية أيضا، و العبارة موهمة، حيث توهم أن الضمير يرجع إلى الشرط و الحال يرجع إلى المقدمة الوجودية.

أو مأخوذة: عطف على مقدمة للوجوب، أي و فيما إذا لم تكن مأخوذة في الواجب ...

ثمّ إن هذا إشارة إلى الشرط الثاني.

على نحو يستحيل أن يكون: المناسب: أن تكون.

كما إذا أخذ عنوانا ...: ذكرنا أن الشرط الثاني يتصوّر في حالتين، و هذا إشارة إلى الحالة الأولى، و قوله: (أو جعل الفعل ...) إشارة إلى الحالة الثانية.

ثمّ إن المناسب: كما إذا أخذت ... أي المقدمة الوجودية.

و جعل الفعل المقيّد باتفاق حصولها ...: المناسب: باتفاق حصولها و تقدير وجودها.

و لا يخفى أن هذه الضمائر المختلّة توجب التشويش أكثر.

بلا اختيار أو باختياره: أي إن ذلك المأخوذ بوجوده الاتفاقي قيدا قد يكون مأخوذا بشرط حصوله بلا اختيار- كالاستطاعة الحاصلة بالارث- و قد يكون مأخوذا بشرط حصوله بالاختيار، كالاستطاعة الحاصلة بالتكسّب.

و لا يخفى أن بيان هذا كله لا داعي إليه لأنه يوجب التشويش.

موردا للتكليف: مفعول به ثان لجعل.

ضرورة أنه ...: شروع في بيان الوجه في عدم إمكان اتصاف المقدمة الوجودية في الحالات الثلاث المذكورة بالوجوب الغيري.

و هذا التعليل راجع إلى الشرط الأوّل.

135

و لا يخفى أن الوجه الذي أشار إليه هو واحد، و معه فلا داعي إلى تكراره مرتين و التطويل من هذه الناحية.

ثمّ إن المناسب: ضرورة أنه لو كانت ... أي بتاء التأنيث الساكنة لرجوع ذلك إلى مقدمة الوجود.

و قوله أيضا: أي كما هي مقدمة الوجود.

إلّا بعد حصوله ...: المناسب تأنيث الضمائر، أي إلّا بعد حصولها، و بعد الحصول يكون وجوبها طلب الحاصل.

كما أنه إذا أخذ ...: هذا التعليل راجع إلى الشرط الثاني بكلتا حالتيه.

ثمّ إن هذا التعليل و سابقه واحد فالتطويل من هذه الناحية لا نرى له وجها.

و المناسب أيضا تأنيث الضمائر، أي كما أنه إذا أخذت على أحد النحوين- أي الحالتين- تكون كذلك، أي يلزم محذور طلب تحصيل الحاصل، و قد أخذ في بيان المحذور و تكراره بقوله: (فلو لم ...).

و المناسب: فلو لم تحصل لما كان الفعل موردا للتكليف، و مع حصولها لا يكاد يصح تعلّقه- أي الوجوب الغيري- بها.

فافهم: قد تقدم توضيح المقصود منه.

فقد عرفت: المناسب: فسوف تعرف، و لكنه عبّر بذلك إشارة إلى أنه أمر متحقق و مفروغ عنه.

إذا لم يقدر عليه: أي على الإتيان بالمقدمة. و ذكر هذا القيد إشارة إلى كون المقدمة مقدمة مفوتة، فإن لازمها عدم إمكان فعلها في زمان الواجب، بمعنى أنه لو لم يؤت بها قبلا فات الواجب و لم يمكن إتيانها بعدا، كركوب الطائرة قبل ظهر اليوم التاسع.

136

و المراد من قوله: (بعد زمانه) بعد زمان الواجب الذي هو ذو المقدمة.

و المراد من قوله: (فيما كان وجوبه) فيما كان وجوب الواجب.

و قوله: (مطلقا) قد فسّره بقوله: (و لو كان مشروطا ...).

كان معلوم الوجود: أي يلزم أن يكون الشرط محرز الوجود في ظرفه كي يكون الوجوب ثابتا من البداية بنحو الفعلية.

ثمّ إن الطريق لإحراز تحقق الشرط في ظرفه هو الأصل العقلائي الذي تقدمت الإشارة إليه.

ضرورة فعلية ...: أي إن الشرط ما دام محققا في ظرفه فوجوب ذي المقدمة يكون فعليا من البداية و يصير منجزا لأنه مقدور من خلال تمهيد مقدمته- كركوب الطائرة مثلا- الآن.

فيترشح منه ...: أي إنه ما دام وجوب ذي المقدمة فعليا بسبب القدرة على فعل الواجب من خلال تمهيد مقدمته فلا مانع آنذاك من ترشح الوجوب الغيري الشرعي على المقدمة، كركوب الطائرة مثلا.

بل لزوم ...: كلمة لزوم مبتدأ، و خبرها جملة لا يحتاج ... أي إنه لو أنكرنا الوجوب الغيري الشرعي للمقدمة فيكفي الوجوب العقلي.

و لو لم نقل بالملازمة: أي الشرعية.

كالإتيان بسائر المقدمات: أي غير المفوّتة فإنه يلزم الإتيان بها شرعا أو عقلا في زمان الواجب قبل فعل الواجب، كشراء الهدي في اليوم العاشر مثلا.

فانقدح بذلك أنه لا ينحصر ...: هنا سلّط الأضواء بشكل واضح على ما قصد لأجله عقد هذا التنبيه.

بالتعلّق بالتعليق: المناسب: بالتعلّق بالمعلّق.

فانقدح بذلك ...: تكرار كلمة انقدح مع قلة الفاصل لا يخلو من حزازة.

137

في شهر رمضان و غيره: أي و غير شهر رمضان.

و قوله: (مما وجب ...) احتراز عمّا إذا لم يجب صوم غد، فإنه لا يجب الاغتسال قبل الفجر في مثله.

و استعد لإيجاب: المناسب: و ليستعد لإيجاب، كما ورد في نسخة.

خلاصة البحث:

إن المقدمة الوجودية يكون وجوبها فعليا قبل زمان الواجب متى ما كان وجوب الواجب فعليا قبل زمانه، و لا يلزم في فعلية وجوب الواجب قبل زمانه أن تكون بسبب كون الواجب معلّقا بل و لو كان بسبب كونه مشروطا بشرط متأخر حاصل في ظرفه، و لكن يلزم لوجوب المقدمة الوجودية شرطان أو ثلاثة.

و حلّ مشكلة المقدمات المفوّتة- بناء على هذا- لا يتوقف على فكرة الواجب المعلّق أو المشروط بتفسير الشيخ.

و متى ما كان وجوب المقدمة سابقا زمانا على زمان الواجب فيكشف ذلك عن سبق وجوب الواجب، و على تقدير قيام الدليل على عدم سبقه يلزم الالتزام بالوجوب النفسي التهيئي.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

تنبيه:

اتضح مما سبق أن المناط في فعلية وجوب المقدمة الوجودية و لزوم تحصيلها فعلية وجوب ذيها- و لو كان أمرا استقباليا- من دون فرق بين أن يكون وجوبه مطلقا- منجّزا أو معلّقا- أو مشروطا بشرط متأخر متحقق في ظرفه.

138

و وجوب المقدمة مشروط- إضافة إلى ذلك- بشرطين:

أن لا تكون مقدمة للوجوب أيضا، و إلّا فلا وجوب إلّا بعد حصولها، و بعده يكون وجوبها طلبا للحاصل.

و أن لا تكون مأخوذة في الواجب على نحو يستحيل أن تكون موردا للتكليف، و ذلك:

كما إذا أخذت عنوانا للمكلف، كالمسافر و الحاضر و المستطيع.

أو جعل الفعل المقيّد باتفاق حصولها موردا للتكليف، و إلّا لم تتصف بالوجوب الغيري لما سبق فافهم.

ثمّ إنه بعد تقدّم وجوب ذي المقدمة على زمانه يصير وجوب المقدمة فعليا بالوجوب الغيري الشرعي، و على تقدير إنكاره فبالوجوب العقلي على الأقل. و لا يلزم- بناء على هذا- تقدّم زمان وجوب المقدمة بل تقدّم زمان ذي المقدمة على زمان وجوبه، و هو لا محذور فيه.

و اتضح بهذا أن حلّ مشكلة المقدمات المفوّتة لا يتوقف على فكرة الواجب المعلّق أو بما يرجع إليه، أعني الواجب المشروط بتفسير الشيخ.

كما اتضح أنه متى ما ثبت سبق وجوب المقدمة على زمان ذيها كشف ذلك بالإن عن سبق زمان وجوبه.

و لو فرض عدم سبقه و قيام دليل على وجوبها فيلزم أن يكون وجوبا نفسيا تهيئيا.

***

139

قوله (قدّس سرّه):

«إن قلت: لو كان وجوب المقدمة ...، إلى قوله:

تتمة».

(1)

إشكال و جواب: [حول زمان وجوب المقدمة و ذيها]

ذكرنا سابقا أن الدليل إذا دلّ على فعلية وجوب المقدمة قبل زمان ذيها- كغسل الجنابة الذي دلّ الدليل الخاص على وجوبه في حقّ الصائم قبل الفجر، و كركوب الطائرة الذي يلزم قبل اليوم التاسع من ذي الحجة- فذلك يكشف عن سبق وجوب ذيها و إلّا فكيف يمكن سبق وجوب المقدمة من دون سبق وجوب ذيها.

هذا ما ذكرناه سابقا.

و قد يشكل على هذا بأن لازمه سبق وجوب بقية المقدمات بما في ذلك غير المفوّتة لا وجوب خصوص المقدمات المفوّتة، فإنه بسبق وجوب ذي المقدمة يلزم سبق وجوب جميع المقدمات لا خصوص المفوّتة، غايته وجوبا موسّعا، أي يلزم أن نلتزم في مثل الحج بوجوب شراء الهدي من حين حصول الاستطاعة، و هل يلتزم بهذا بحيث يلزم أن يستصحبه الحاج معه حين ركوبه للطائرة لو علم أنه لا يتمكن من ذلك- شراء الهدي- أيام الحج؟

____________

(1) الدرس 106 و 107: (16 و 17/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

140

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأنه لا محذور في الالتزام بمثله إلّا إذا دلّ دليل خاص على لزوم تحقق القدرة على شراء الهدي لا في أي زمان بل في زمان الحج، أي في اليوم التاسع و العاشر من ذي الحجة، إنه بناء على هذا لا يجب شراء الهدي قبل اليوم التاسع، و إذا فرض عدم القدرة على الشراء في اليوم التاسع و العاشر يسقط وجوب الحج لتعذّر بعض أجزاءه.

***

قوله (قدّس سرّه):

«تتمة ...، إلى قوله: و أما في الثاني فلأن التقييد ...».

تردّد القيد بين الرجوع إلى المادة أو إلى الهيئة:

ذكرنا فيما سبق أن القيد إذا رجع إلى الوجوب- أي إلى مفاد الهيئة- فلا يجب تحصيله، لأنه يصبح آنذاك مقدمة وجوبية، و هي لا يجب تحصيلها كما تقدم، و أما إذا رجع إلى الواجب- أي إلى مفاد المادة- فيجب تحصيله فيما إذا لم يؤخذ بوجوده الاتفاقي قيدا.

و في هذا المبحث نريد أن نقول: إنه إذا عرفنا حال القيد و أنه يرجع إلى الهيئة فلا إشكال و لا يجب تحصيله آذاك، و إذا عرفنا أنه يرجع إلى المادة فلا إشكال أيضا و يجب تحصيله آنذاك، و لكن إذا شككنا و لم ندر أنه من أي القبيلين فما هو الموقف؟

و في هذا المجال ذكر الشيخ الآخوند أنه إذا كان ظاهر الكلام‏ (1)

____________

(1) و عبّر (قدّس سرّه) عن ظهور الكلام بالقواعد العربية.

141

يقتضي هذا أو يقتضي ذاك أخذنا به و لا إشكال، و أما إذا لم يقتض الظهور شيئا رجعنا إلى ما تقتضيه الأصول العملية، و المورد بما أنه من موارد الشك في أصل التكليف- حيث إنه بحسب النتيجة نشكّ في أن القيد يجب تحصيله أو لا- فنرجع إلى البراءة.

هذا و لكن الشيخ الأعظم اختار رجوع القيد إلى المادة، أي حكم بحسب النتيجة بلزوم تحصيله، و استند في ذلك إلى وجهين: (1)

الوجه الأوّل: إن مفاد الهيئة هو الشمولية بينما مفاد المادة هو البدلية، و كلما دار الأمر بين تقييد الشمولية أو تقييد البدلية حوفظ على الشمولية، و لازم ذلك إرجاع القيد إلى المادة.

أما لما ذا كان مقتضى الهيئة الشمولية و مقتضى المادة البدلية؟

ذلك باعتبار أنه لو قيل مثلا: أكرم زيدا إن جاءك، فكلمة أكرم لها هيئة- و هي هيئة افعل- تقتضي الوجوب، و لها مادة تدل على الاكرام، و المادة لا تدل على جميع أفراد الاكرام بنحو الشمولية، فإن طلب جميع الأفراد المذكورة طلب لأمر غير مقدور، فاكرام زيد يتحقق بدعوته إلى وليمة، و باهداء هدية إليه، و بالدعاء له، و بزيارته، و ... و لكن كل هذه الأفراد التي يصعب حصرها لا يمكن إيجادها فالمطلوب جزما هو الفرد الواحد، على أنه لو تنزلنا و سلّمنا إمكان تحقيقها جميعا فالمقصود إيجاد فرد واحد منها جزما.

إذن المطلوب من خلال المادة فرد واحد من أفراد الاكرام بنحو

____________

(1) لا يخفى أن الشيخ الأعظم على ما تقدّم يقول باستحالة عود القيد إلى مفاد الهيئة فبناء على رأيه المذكور لا دوران بين تقييد الهيئة و تقييد المادة بل يتعيّن تقييد المادة فاشتراكه في البحث المذكور لا بدّ و أن يكون على تقدير التنزّل عن مبناه.

142

البدلية إما لأن مطلوبية الجميع تكليف بغير المقدور أو للجزم الخارجي بعدم إرادة الجميع.

هذا بالنسبة إلى المادة.

و أما الهيئة فهي تدل على الطلب بنحو الشمولية، أي تدل على طلب ذلك الفرد الواحد من الاكرام من غير تقييد بحالة معينة بل في جميع الحالات، أي سواء أ كان فقيرا أم لا، و سواء أ كان عالما أم لا، و سواء في الليل أم في النهار، و سواء في الشتاء أم في الصيف، و سواء ...

الوجه الثاني: إن تقييد مفاد الهيئة يستدعي فوات إمكان الإطلاق في مفاد المادة، بخلاف تقييد مفاد المادة فإنه لا يستلزم ما ذكر، و كلما دار الأمر بين تقييدين من هذا القبيل قدّم التقييد الذي لا يستلزم التقييد الآخر.

إذن هذا الوجه مركّب من صغرى- و هي المقدمة الأولى- و من كبرى، و هي المقدمة الثانية.

أما الصغرى فالوجه فيها واضح، إذ لو قيّدت الهيئة و كان الوجوب مقيّدا بمجي‏ء زيد فالاكرام لا يمكن أن يبقى على الإطلاق، إذ لا معنى لأن يقال الوجوب مقيّد بمجي‏ء زيد إلّا أن الاكرام مطلق من حيث المجي‏ء و عدمه، إن ذلك مضحك للثكلى، بل متى ما كان الوجوب متقيّدا بالمجي‏ء فيلزم تقيّد الاكرام به أيضا أو بالأحرى عدم بقاءه على إطلاقه.

و أما الكبرى فلأن التقييد و إن لم يستلزم المجازية- و ذلك ببركة فكرة تعدد الدال و المدلول، فالهيئة تدل على طبيعي الوجوب و المادة تدل على طبيعي الاكرام، فكل منهما مستعمل في معناه الموضوع له، غايته بدال آخر أريد القيد، و باجتماع هذين الدالين نفهم أن مقصود المتكلم في نفسه إرادة الوجوب المقيّد أو الاكرام المقيّد، إذن نفس‏

143

الهيئة لم تستعمل في الوجوب المقيّد حتّى تلزم مجازيتها، و هكذا بالنسبة إلى المادة، و إنما فهم إرادة المقيّد من خلال اجتماع الدالين- إلّا أنه بالتالي أمر مخالف للظاهر، و متى ما دار الأمر بين مخالفتين للظاهر و مخالفة واحدة رجحت المخالفة الواحدة.

و قد تقول: هذا وجيه لو دار الأمر بين تقييدين و تقييد واحد و لكن المفروض في مقامنا أن تقييد الهيئة يستلزم فوات قابلية الإطلاق في المادة لا أنه يستلزم تقييدها.

و أجاب عن ذلك أنه لا فرق من هذه الناحية، فكما أن التقييد الثاني مخالف للظاهر كذلك فوات محل الإطلاق و قابليته أمر مخالف للظاهر.

هذا حاصل ما أفيد في مطارح الأنظار الذي هو تقرير درس الشيخ الأعظم. (1)

و أجاب الشيخ الآخوند عن الوجه الأوّل بما محصله: إن الشمولية بما هي شمولية لا تقتضي التقديم في مقابل البدلية، بل متى ما كانت الشمولية مستفادة من الوضع و البدلية من الإطلاق قدمت الشمولية باعتبار أن ظهورها ناشئ من الوضع، و هو أقوى من الظهور الناشئ من مقدمات الحكمة، أما إذا فرض أن كليهما ناشئ من الإطلاق و مقدمات الحكمة فلا موجب لتقديم الشمولية، إذ لا مرجّح لها بعد استنادهما معا إلى الإطلاق. و إذا رجعنا إلى مقامنا وجدنا أن الهيئة تدل بسبب الإطلاق على الشمولية و ليس بسبب الوضع- إذ الهيئة بعد عدم تقييدها بحالة معينة تدل على الشمولية- و هكذا المادة تدل بسبب إطلاقها على البدلية، فإنها لمّا لم تقيّد بفرد معين من أفراد الاكرام فتدل على مطلوبية فرد ما بنحو البدلية.

____________

(1) مطارح الأنظار: 49/ الهداية 5 من القول بوجوب المقدمة.

144

و بعد ما كانت الشمولية و البدلية مستفادتين معا من الإطلاق و مقدمات الحكمة فلا موجب لتقديم الشمولية على البدلية.

توضيح المتن:

لزم وجوب جميع مقدماتها: أي بما في ذلك غير المفوّتة، كشراء الهدي.

و ليس كذلك: المناسب حذف الفقرة المذكورة.

عدم تمكنه منها: أي من المقدمة.

من قبل سائر المقدمات: أي من ناحية سائر المقدمات، يعني غير المفوّتة.

و هي القدرة عليه: أي على الواجب.

لا القدرة ...: المناسب التعبير هكذا: لا القدرة عليه من زمان وجوبه إلى زمان الإتيان به.

و كونه موردا للتكليف: عطف تفسير على التحصيل. و قوله:

(و عدمه) عطف على وجوب التحصيل.

ثبوتا: أي واقعا.

نحو الشرط ...: لا داعي إلى بيان هذه الأمور الجزئية فإنها تفوّت على الطالب المقصد، و إذا صار البناء على ذكرها فالمناسب ذكر الشرط المتقدم أيضا فيقال هكذا: نحو الشرط المتأخر أو المقارن أو المتقدم.

و لعلّه لم يشر إلى المتقدم، باعتبار أنه مع فرض تقدمه لا معنى للشك في وجوب تحصيله، إذ قد فرض انتهاء وقته.

أو لا يجب: المناسب حذف ذلك، فإن المقصود بيان دوران أمر القيد بين رجوعه إلى الهيئة كي لا يجب تحصيله و بين رجوعه إلى المادة كي يجب تحصيله، فذكر قيد (أو لا يجب) مخلّ على هذا الأساس.

145

من القواعد العربية: المقصود من ذلك الظهور كما أشرنا سابقا.

بترجيح الإطلاق في طرف الهيئة: أي يبقى غير مقيّد.

التي يمكن أن تكون تقديرا له: أما مثل وجوب الاكرام على تقدير حرمته فهو ليس تقديرا ممكنا، إذ لازمه اجتماع الضدين.

في حالة واحدة: ففي حالة الإتيان بأحد فردي الاكرام لا يجب الفرد الثاني، و إنما يجب في حالة عدم الإتيان بالفرد الأوّل.

يوجب بطلان محل الإطلاق في المادة: أي يوجب عدم إمكان انعقاد الإطلاق في المادة.

تقييدين كذلك: أي إن أحدهما يستلزم تقييد الآخر و أما الآخر فلا يستلزمه.

فلأن التقييد و إن لم يكن مجازا: لفكرة تعدد الدال و المدلول.

و بطلان العمل به: أي بالإطلاق، و هو عطف تفسير على الأثر.

غاية الأمر أنها ...: بيان هذا ليس بمهم.

مثال مقدمات الحكمة التي تقتضي الشمولية: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏، فإن عدم التقييد ببيع معيّن يدل على امضاء جميع البيوع.

و مثال ما تقتضي البدلية: اعتق رقبة، فإن الإطلاق يقتضي إرادة رقبة ما.

و مثال ما تقتضي التعيين: إطلاق الصيغة، فإنه يقتضي كون الوجوب نفسيا تعيينيا عينيا على ما تقدم في أبحاث سابقة.

و ترجيح عموم العام ...: أي و من الواضح أن ترجيح عموم ...

كون دلالته: أي العام.

بخلاف المطلق: أي إنما هو لأجل كون دلالة العام بالوضع بخلاف المطلق فإنه بقرينة مقدمات الحكمة.

146

فلو فرض أنهما ...: أي فلو فرض أن العام و المطلق كانا من حيث الشمولية و البدلية على العكس، فالعام دلّ على البدلية- مثل كلمة أي- و المطلق دلّ على الشمولية، مثل‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ فالبدلية تكون هي المقدمة لاستنادها إلى الوضع.

خلاصة البحث:

وجوب المقدمة في زمان يكشف عن وجوب ذيها، و بالتالي يكشف عن وجوب جميع المقدمات بما في ذلك غير المفوّتة.

و إذا شك في قيد أنه يرجع إلى الهيئة أو إلى المادة أخذ بما يقتضيه الظهور إن كان و إلّا فإلى الأصل العملي.

و خالف الشيخ الأعظم و اختار رجوعه إلى المادة لوجهين؛ و يمكن مناقشة الأوّل بأن كلا من الشمولية و البدلية لما كانتا مستندتين إلى الإطلاق فلا موجب لترجيح الشمولية.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

إن قلت: إذا كان سبق وجوب المقدمة كاشفا عن سبق وجوب ذيها يلزم سبق وجوب جميع المقدمات- بما في ذلك غير المفوّتة- غايته موسعا، و بالتالي يترتب لزوم المبادرة إلى فعل جميع المقدمات لو فرض عدم التمكن منها لو لم يبادر.

قلت: نلتزم بذلك إلّا إذا دلّ الدليل على اعتبار القدرة على المقدمة في زمان الواجب و عدم كفاية ثبوتها من زمان وجوبه.

تتمة:

قد عرفت حال القيود في وجوب التحصيل، فإن علم حال قيد فلا

147

إشكال، و أما إذا دار أمره بين رجوعه إلى الهيئة و بين رجوعه إلى المادة- بنحو يجب تحصيله- فإن كان من خلال الظهور يمكن تعيين حاله فهو و إلّا فالمرجع هو الأصول العملية.

إلّا أنه ذكر مقرر بحث الاستاذ العلامة أعلى اللّه مقامه لزوم إرجاع القيد إلى المادة لوجهين:

أحدهما: إن إطلاق الهيئة يقتضي الشمولية بينما إطلاق المادة يقتضي البدلية، و عند الدوران بينهما يلزم تقديم الشمولية و إرجاع القيد إلى المادة.

ثانيهما: إن تقييد الهيئة يوجب عدم إمكان انعقاد الإطلاق في المادة بخلاف العكس، و كلما دار الأمر بين تقييدين من هذا القبيل كان التقييد الذي لا يوجب بطلان الآخر أولى.

أما الصغرى فلأنه مع تقييد الهيئة لا يبقى مجال لإطلاق المادة لأنها لا تنفك عنه، بخلاف تقييد المادة فإن محل الحاجة إلى إطلاق الهيئة على حاله فيمكن الحكم بالوجوب على تقدير وجود القيد و عدمه.

و أما الكبرى فلأن التقييد و إن لم يكن مجازا إلّا أنه خلاف الأصل، و لا فرق بينه و بين أن يعمل عمل يشترك مع التقييد في بطلان العمل بالإطلاق.

و الجواب:

أما عن الأوّل فلأن الشمولية إنما تقتضي التقديم لو كانت بالوضع و البدلية بمقدمات الحكمة حيث إن الأولى أقوى ظهورا، أما إذا كانا معا بمقدمات الحكمة- كما في المقام- فلا وجه لتقدمها.

***

148

قوله (قدّس سرّه):

«و أما في الثاني ...، إلى قوله: و منها تقسيمه إلى النفسي و الغيري ...».

(1)

ردّ الدليل الثاني للشيخ الأعظم:

ذكرنا فيما سبق أن الشيخ الأعظم قد استدل على لزوم إرجاع القيود إلى المادة في حالة الشك بوجهين، و قد تقدم الجواب عن الوجه الأوّل.

و أما الوجه الثاني فيمكن الجواب عنه بأن التقييد و إن كان مخالفا للأصل إلّا أن الحيلولة دون انعقاد الإطلاق في المادة ليس مخالفا للأصل.

و وجه الفرق: إن التقييد إنما صار مخالفا للأصل باعتبار أنه حينما تجري مقدمات الحكمة في المطلق و ينعقد له الظهور في الإطلاق يصير التقييد مخالفا للظهور في الإطلاق، فالتقييد إذن مخالف للأصل بهذا المعنى، أي هو مخالف للظهور في الإطلاق الذي انعقد للمطلق، فالأصل عبارة أخرى عن الظهور، و التقييد مخالف للأصل، أي مخالف للظهور.

و بناء على هذا نقول: إن تقييد الهيئة الذي يوجب عدم إمكان انعقاد الإطلاق في المادة ليس مخالفا للأصل بمعنى الظهور، إذ تقييد الهيئة يمنع من أصل انعقاد الظهور للمادة في الإطلاق لا أنه ينعقد الظهور في الإطلاق للمادة أوّلا كي يصير تقييدها مخالفا للأصل بمعنى الظهور.

____________

(1) الدرس 108: (18/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

149

و بكلمة أخرى: إن تقييد الهيئة يوجب عدم جريان مقدمات الحكمة في المادة، و من ثمّ لا ينعقد لها الظهور في الإطلاق، و من الواضح أن الحيلولة دون انعقاد مقدمات الحكمة و بالتالي دون انعقاد الظهور ليس مخالفا للأصل.

و هذا مطلب ينبغي أن يكون واضحا.

و كأن الوجه في هذا التوهم- أي توهم أن العمل الذي يوجب عدم انعقاد الإطلاق هو بمثابة التقييد في المخالفة للأصل- قياس الإطلاق على العموم، فكما أن العام ثابت ظهوره في العموم بسبب الوضع و لا يحتاج إلى مقدمات الحكمة كذلك المطلق هو قد ثبت ظهوره بالوضع بلا حاجة إلى مقدمات الحكمة، و العمل الذي يحول دون انعقاد مقدمات الحكمة لا يكون مخالفا للأصل.

نعم ينبغي أن نستثني من ذلك حالة ما إذا ورد القيد في كلام منفصل عن الهيئة و المادة، فإنه في مثل هذه الحالة ينعقد الإطلاق للهيئة و المادة معا و يصير تقييد الهيئة موجبا لمخالفتين للظاهر لا مخالفة واحدة. (1)

***

____________

(1) ما أفيد يتم لو فرض أن الشيخ الأعظم كان يرى انعقاد الظهور في الإطلاق في حالة كون القيد واردا في كلام منفصل، أما إذا كان يرى أن انعقاد الظهور في الإطلاق موقوف على عدم القيد المتصل و المنفصل معا- كما ربما ينسب ذلك إليه- فلا يتم هذا الاستدراك. و لعلّه إلى هذا أشار الشيخ الآخوند بالأمر بالتأمل.

150

قوله (قدّس سرّه):

«و منها تقسيمه إلى النفسي و الغيري ...، إلى قوله: فالأولى أن يقال ...».

[التقسيم الثالث‏] الواجب النفسي و الغيري:

ذكرنا فيما سبق أن للواجب عدة تقسيمات، و التقسيم الأوّل هو تقسيمه إلى المطلق و المشروط، و التقسيم الثاني هو تقسيمه إلى المعلّق و المنجز، و هذا هو التقسيم الثالث، و هو تقسيمه إلى النفسي و الغيري.

و لتوضيح هذا التقسيم نقول: إن كل واجب من الواجبات لا بدّ و أن يكون له داع معين، و ذلك الداعي تارة يكون هو التوصّل بالواجب إلى واجب آخر، كالوضوء الذي يتوصّل به إلى الصلاة، و مثله يصطلح عليه بالواجب الغيري، و أخرى لا يكون الداعي هو التوصّل إلى واجب آخر، و يصطلح عليه بالواجب النفسي.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك مطلبا صار سببا لتوجّه الإشكال عليه، و حاصل ما ذكره أن الواجب النفسي- الذي لم يجب لأجل التوصّل إلى واجب آخر- قد يجب لأجل كونه محبوبا في نفسه و بنفسه و ليس لأجل ترتب فائدة عليه، و أخرى يجب لأجل ترتب فائدة عليه.

مثال الأوّل: معرفة اللّه سبحانه، فإنها محبوبة بنفسها و ليس لترتب فائدة عليها. (1)

____________

(1) يمكن أن يشكل بأن معرفة اللّه سبحانه قد وجبت لترتب فائدة عليها، و هي شكر المنعم، فهي قد وجبت من باب شكر المنعم لا أنها محبوبة بنفسها.

و قد يقال: إنه إذن نبدل مثال معرفة اللّه سبحانه بمثال شكر المنعم فيكون هو المحبوب بنفسه.-

151

و مثال الثاني: الصلاة، فإنها وجبت لأجل ترتب فائدة عليها، و هي الانتهاء عن الفحشاء و المنكر.

هذا ما أفاده (قدّس سرّه).

و هذا صار سببا للإشكال، و حاصله: إنه يلزم أن تكون الصلاة مثلا واجبا غيريا، لأن الفائدة المترتبة عليها- و هي الانتهاء عن الفحشاء- يلزم أن تكون واجبة و إلّا فكيف وجبت الصلاة لأجل تحصيلها إذا لم تكن واجبة، و ما دامت تلك الفائدة واجبة فسوف يصدق على الصلاة أنها قد وجبت لأجل تحصيل واجب آخر، أعني الفائدة.

و هذا الإشكال سيّال يجري بلحاظ جميع الواجبات النفسية الأخرى، فإنها لم تجب إلّا لأجل فائدة واجبة مترتبة عليها فيصدق على تلك الواجبات النفسية أنها وجبت لأجل تحصيل واجب آخر.

و ربما يجاب عنه بأن تلك الفائدة حيث إنها من اللوازم القهرية المترتبة على مثل الصلاة فتكون خارجة عن اختيار المكلف- فإن الانتهاء عن الفحشاء ليس شيئا واقعا تحت اختيار المكلف بل يترتب على الصلاة بشكل قهري- و بالتالي تكون غير مقدورة له، و من ثمّ لا تكون واجبة لأن شرط التكليف القدرة.

و الإشكال على هذا واضح، فإن تلك الفائدة و إن لم تكن مقدورة للمكلف بالمباشرة إلّا أنها مقدورة بواسطة سببها و مقدمتها، أعني الصلاة مثلا، و يكفي في القدرة على الشي‏ء القدرة على سببه و مقدمته و إلّا يلزم‏

____________

- و يمكن الجواب بأن شكر المنعم إنما صار محبوبا لأجل حصول التخلص به من النار و الدخول به إلى الجنّة، فهو أيضا ليس محبوبا بنفسه.

152

عدم صحة توجّه التكليف إلى الزواج و الطلاق و العتق و غيرها لأنها اعتبارات شرعية أو عقلائية ليست مقدورة، و إنما المقدور أسبابها، و هو عقد الزواج أو صيغة الطلاق و العتق، و كما أنه تكفي القدرة على العقد للقدرة على المسبب فكذلك الحال في المقام.

إذن علينا أن نفكّر في جواب آخر عن الإشكال.

توضيح المتن:

إلّا أن العمل الذي يوجب ...: المناسب: إلّا أن الحيلولة دون جريان مقدمات الحكمة لا يكون على خلاف الأصل، و إلّا فالعمل الذي يوجب ذلك و هو تقييد الهيئة مخالف للأصل.

كي يكون بطلان العمل به: أي بالإطلاق.

لا يكاد ينعقد له: أي للمطلق، و المراد ذات المطلق، و كان المناسب صياغة العبارة هكذا: و مع انتفاء المقدمات لا ينعقد ظهور كي يكون ذلك العمل مشاركا للتقييد في مخالفة الأصل.

و لو بقرينة الحكمة: المناسب حذف لفظة و لو.

فتأمل: تقدم وجه الأمر بالتأمل.

كان الواجب في الحقيقة: المناسب إضافة قيد النفسي، أي هكذا:

كان الواجب النفسي في الحقيقة واجبا غيريا.

لو لم يكن وجود هذه الفائدة لازما: أي واجبا.

لما دعا: أي وجود هذه الفائدة.

مثل التطهير ...: فإن المقدور هو الغسل الذي هو سبب للطهارة، و هكذا بالنسبة إلى الملكية، فإن المقدور هو العقد دون الملكية المترتبة عليه، و هكذا في بقية الأمثلة.