كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
153

خلاصة البحث:

و يمكن مناقشة الوجه الثاني بأن العمل الآخر ليس مخالفا للأصل و إنما المخالف له هو التقييد لا غير.

و لعلّ منشأ التوهم قياس المطلق على العام، و هو غير صحيح.

نعم ما ذكر يتم إذا كان القيد واردا في كلام منفصل.

ثمّ ذكر أن الواجب ينقسم باعتبار إلى نفسي و غيري، فالغيري ما وجب للتوصل به إلى واجب آخر بخلاف النفسي.

و أشكل بأنه يلزم أن تصير جميع الواجبات النفسية غيرية لأنها وجبت لأجل واجب آخر، و هو الفائدة المترتبة عليها، و قد يجاب بأن تلك الفوائد غير مقدورة، و يمكن ردّه بأن القدرة على السبب قدرة على المسبب.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أما عن الثاني فالتقييد و إن كان خلاف الأصل إلّا أن ما يترتب على تقييد الهيئة- و هو عدم انعقاد الإطلاق في المادة- ليس مخالفا للأصل، لأن كون التقييد خلاف الأصل ليس إلّا لكونه مخالفا للظهور المنعقد للمطلق ببركة مقدمات الحكمة فإذا لم تجر المقدمات و لم ينعقد ظهور في الإطلاق فلا تلزم المخالفة للأصل.

و كأنه توهّم أن إطلاق المطلق كعموم العام ثابت و رفع اليد عن العمل به تارة لأجل التقييد و أخرى بالعمل المبطل للعمل به، و هو فاسد كما أوضحنا.

نعم إذا كان التقييد بمنفصل و دار الأمر بين رجوع القيد إلى المادة أو الهيئة فللتوهّم المذكور مجال لانعقاد الإطلاق للمطلق فتأمل.

154

التقسيم الثالث: الواجب النفسي و الواجب الغيري:

إن إيجاب الواجب لا بدّ أن يكون لداع، و الداعي إذا كان هو التوصل إلى واجب آخر فالواجب غيري، و إلّا فهو نفسي سواء أ كان محبوبا بنفسه- كالمعرفة باللّه سبحانه- أم بما له من الفائدة المترتبة عليه كأكثر الواجبات.

هذا و قد يشكل بأن الفائدة المترتبة حيث إنها لازمة- و إلّا لما دعت إلى إيجاب ذي الفائدة- فيلزم أن تصير جميع الواجبات النفسية غيرية.

إن قلت: إن تلك الفائدة ليست مقدورة- لأنها من الخواص المترتبة على الأفعال- و بالتالي لا تكون واجبة.

قلت: إنها مقدورة بأسبابها، فإن القدرة على السبب قدرة على المسبب و إلّا لما صحّ وقوع مثل التطهير و التمليك و الزواج موردا للتكليف.

***

155

قوله (قدّس سرّه):

«فالأولى أن يقال ...، إلى قوله: و اتصاف الفعل بالمطلوبية».

(1)

دفع الإشكال عن التعريف:

ذكرنا فيما سبق أنه قد أشكل على تعريف الواجب النفسي و الغيري بأن لازمه صيرورة جميع الواجبات النفسية غيرية، إذ ما من واجب نفسي إلّا و قد وجب لأجل فائدة يجب تحصيلها.

و تقدّم أيضا جواب مرفوض عن الإشكال المذكور.

و قد تصدّى الشيخ الآخوند بعد هذا للجواب قائلا: إننا إذا لاحظنا الواجب النفسي كالصلاة مثلا وجدناه متصفا بوصفين، فهو متّصف بكونه معنونا بعنوان حسن و محبوب، و هو متّصف أيضا بكونه موصلا إلى الفائدة الواجبة، و لكن حينما أوجبه اللّه سبحانه لم يلحظ الوصف الثاني بل لاحظ الوصف الأوّل، أي لم يلحظ كونه محصّلا للفائدة الواجبة بل لاحظ كونه معنونا بعنوان حسن، و بهذا الاعتبار سوف لا يصدق عليه أنه وجب لأجل تحصيل واجب آخر بل وجب لتعنونه بالعنوان الحسن في نفسه. (2)

____________

(1) الدرس 109: (19/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

(2) يمكن أن يورد عليه بأن الصلاة ليست معنونة بعنوان حسن بقطع النظر عن الفائدة المترتبة عليها، فإن العنوان الحسن الصادق عليها ليس هو إلّا مثل أنها قربان كل تقي أو معراج المؤمن أو أنها تنهى عن الفحشاء، و واضح أن كل هذه هي آثار و فوائد مترتبة عليها، و معه فلا يوجد وصفان أحدهما مستقل عن الآخر بل أحدهما يرجع إلى الآخر.

156

و هكذا لو لاحظنا الواجب الغيري كالوضوء مثلا وجدناه متصفا بوصفين، فهو متصف بكونه معنونا بعنوان حسن لأنه في نفسه نور، و هو متصف بكونه موصلا إلى الصلاة الواجبة، و حينما أوجبه اللّه سبحانه لم يوجبه لكونه معنونا بالعنوان الحسن في نفسه بل لكونه محصّلا و موصلا إلى الواجب، و بذلك يصدق عليه تعريف الواجب الغيري، أي إنه وجب لتحصيل واجب آخر.

هكذا ذكر (قدّس سرّه).

ثمّ قال: لا يبعد أن من عرّف الواجب النفسي بأنه ما وجب لنفسه يقصد هذا المعنى، أي ما وجب لتعنونه بالعنوان الحسن في نفسه، و هكذا حينما عرّف الواجب الغيري بأنه ما وجب لغيره يقصد هذا المعنى، أي ما وجب لأجل تحصيل واجب آخر، و معه فلا يشكل عليه بأنه يلزم صيرورة جميع الواجبات النفسية غيرية- باعتبار أن الصلاة مثلا وجبت لأجل الفائدة الواجبة- إذ يقال في ردّ ذلك بأن مثل الصلاة و إن ترتبت عليها فائدة واجبة إلّا أنه حينما أوجبها اللّه سبحانه أوجبها لتعنونها بالعنوان الحسن و ليس لتحصيل الفائدة الواجبة. (1)

____________

(1) و لكن تقدّم أن العنوان الحسن لا يحصل إلّا بسبب تلك الفائدة و إلّا فهو ليس شيئا مستقلا في مقابلها، و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالتأمل.

و لعلّ الأنسب في الجواب أن يقال: إن الواجب الذي اشتغلت به ذمة المكلف هو الصلاة مثلا دون فائدتها المترتبة عليها، فإنها لم تشتغل بها ذمة المكلف، و لذا لو ترك- المكلف- الصلاة لا يستحق عقابين: عقاب على ترك الصلاة و عقاب على ترك الفائدة، و ذلك منبّه واضح على عدم كون الفائدة واجبة و مما اشتغلت بها الذمة.

و بناء على هذا فلا يصدق على الصلاة أنها وجبت لواجب آخر، فإن الفائدة ليست واجبا آخر اشتغلت به ذمة المكلف.

157

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك مطلبا آخر، و هو أن المولى لو أوجب شيئا معينا و شكّ في أنه واجب غيري أو نفسي، كما لو أمر بكنس المسجد و لم يدر أنه أمر به كمقدمة للدرس حتّى يلزم عدم وجوبه فيما لو كان الدرس معطّلا أو أنه أمر به كواجب نفسي يلزم وجوبه حتّى مع فرض تعطيل الدرس ففي مثل هذه الحالة ما ذا يحكم؟

أجاب (قدّس سرّه) بأن مقتضى إطلاق صيغة (اكنس) كون الوجوب نفسيا، إذ الوجوب الغيري يشتمل على مئونة ثبوتية زائدة، و هي أنه يجب إن وجب ذو المقدمة، و عدم المئونة الإثباتية الزائدة- حيث لم يقل المولى: اكنس إن كان درس- يدل على عدمها ثبوتا، و بالتالي يدل على أن وجوب الكنس نفسي لا غيري.

هكذا ذكر الشيخ الآخوند.

إلّا أن الشيخ الأعظم ذكر أن إطلاق هيئة (اكنس) لا يمكن أن يستفاد منه كون الوجوب نفسيا لأن مفاد الهيئة هو الطلب الخاص الجزئي- أعني الطلب القائم في القلب و الإرادة الجزئية الثابتة فيه- و ليس هو مفهوم الطلب، و حيث إن الطلب الخاص القائم في القلب لا يمكن تقييده بالشرط باعتبار عدم قابلية الجزئي للتقييد فلا يمكن أن يستكشف آنذاك من إطلاق الصيغة كون الطلب نفسيا، فإن ذلك يتم فيما لو أمكن تقييد الصيغة و لم تقيّد، أما إذا لم يمكن تقييدها رأسا لكون مفادها جزئيا فلا يمكن أن يستكشف من إطلاقها كون الوجوب نفسيا.

أما كيف نثبت أن مفاد الصيغة هو الطلب الجزئي القائم بالقلب و ليس هو مفهوم الطلب؟ ذلك باعتبار أن الكنس في المثال السابق يصحّ وصفه بكونه مطلوبا للمولى، و من الواضح أن الشي‏ء لا يتصف بكونه‏

158

مطلوبا إلّا بتعلّق واقع الطلب به، أعني الطلب الجزئي الحقيقي القائم بالقلب، و لا يتصف به لمجرد مفهوم الطلب، إذ لو قلنا إلى جنب كلمة الكنس مائة مرة أو ألف مرة طلب، طلب، طلب ... لم يصر الكنس بذلك متصفا بكونه مطلوبا. و هذا مطلب ينبغي أن يكون واضحا.

هذا ما ذكره الشيخ الأعظم.

و أشكل عليه الشيخ الآخوند بأن مفاد الهيئة على ما تقدّم في مبحث الوضع هو الطلب الكلي، أي مفهوم الطلب دون الطلب الخاص الجزئي القائم في القلب، فإن الطلب القائم في القلب أمر حقيقي و صفة تكوينية حقيقية- من قبيل الشجاعة و الجود و ...- لا يمكن إنشاؤها بالصيغة، فإن الصفات التكوينية الحقيقية لا يمكن إيجادها بالإنشاء و الاعتبار كما لا يمكن إيجاد أي صفة حقيقية نفسية أخرى بالإنشاء.

و بكلمة أخرى: الطلب الحقيقي القائم في النفس ليس هو المنشأ بالصيغة و إنما هو سبب لإنشاء مفهوم الطلب بالصيغة، فإن السبب لذلك تارة يكون هو الطلب الحقيقي و أخرى يكون شيئا آخر كالتهديد و الامتحان مثلا.

توضيح المتن:

الأثر المترتب عليه: أي على الواجب النفسي، و هو الصلاة مثلا.

و إن كان لازما: أي واجبا.

إلّا أن ذا الأثر: و هو الواجب النفسي كالصلاة مثلا.

بما هو كذلك: أي بما هو متعنون بالعنوان الحسن.

لأمر مطلوب: و هو الفائدة.

في أنه لكونه: أي في أنه وجب لكونه ...

159

جلّ الواجبات: أي النفسية.

التي هي خارجة عن حقيقتها: و ما دامت خارجة عن حقيقتها فيصدق أن الواجبات النفسية وجبت لغيرها.

فتأمل: تقدمت الإشارة إلى ذلك.

فالتحقيق أن الهيئة: مثل هيئة اكنس.

لما يعمها: الصواب: لما يعمهما.

فإنه لو كان شرطا لغيره: أي لو كان مثل الكنس شرطا للدرس مثلا و مقدمة له.

و أما ما قيل: القائل هو الشيخ الأعظم.

بعد كون مفادها الأفراد: أي أفراد الطلب.

ففيه أن مفاد الهيئة: هذا جواب قوله: (و أما ما قيل ...).

كما عرفت تحقيقه في وضع الحروف: لم يتقدم هذا هناك.

و لا يكاد يكون فرد الطلب الحقيقي: المناسب حذف كلمة فرد.

ثمّ إن اسم يكون ضمير مستتر يرجع إلى مفاد الهيئة، و كلمة فرد خبر يكون.

و الذي يكون بالحمل الشائع طلبا: هذا عطف تفسير على الطلب الحقيقي، فإن الطلب بالحمل الشائع ليس إلّا الطلب الحقيقي القائم بالقلب.

إنشاؤه بها: أي بالصيغة.

من الصفات الخارجية: أي الحقيقية التكوينية.

الناشئة من الأسباب الخاصة: أي إن الطلب الحقيقي ليس سببه هو الإنشاء بالصيغة بل أن سببه أشياء أخر من المصالح و النكات الخاصة.

160

نعم ربما يكون ...: أي نعم ربما يكون الطلب الحقيقي هو السبب لإنشاء مفهوم الطلب، و قد يكون السبب لإنشاء مفهوم الطلب أشياء أخر.

خلاصة البحث:

الأولى في الجواب عن الإشكال المورد على تعريف الواجب النفسي و الغيري أن يقال: إن الواجب النفسي وجب لتعنونه بالعنوان الحسن و ليس لكونه محصّلا للفائدة الواجبة.

و في حالة الشك في واجب أنه نفسي أو غيري فمقتضى إطلاق الهيئة أنه نفسي لأن الغيري يحتاج إلى مئونة ثبوتية و إثباتية أكبر.

و خالف الشيخ مدعيا أن مفاد الهيئة هو الطلب الخاص الذي لا يقبل التقييد و ليس مفهوم الطلب للمنبّه الذي ذكره.

و أجاب الشيخ الآخوند بأن مفاد الهيئة هو مفهوم الطلب لأن الطلب الحقيقي لا يقبل الإنشاء.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و الأولى أن يقال: إن الواجب النفسي معنون بعنوان حسن في نفسه و مقدمة للأثر المترتب عليه، و قد وجب للأوّل دون الثاني، بخلاف الواجب الغيري فإنه وجب للثاني رغم أنه قد يكون معنونا بعنوان حسن.

و لعلّ هذا مراد من فسّرهما بما أمر به لنفسه و ما أمر به لأجل غيره فلا يتوجّه عليه الاعتراض بلزوم صيرورة الواجبات النفسية غيرية لوجوبها للغايات الخارجة عن حقيقتها فتأمل.

ثمّ إنه إذا شكّ في واجب أنه نفسي أو غيري فمقتضى إطلاق الهيئة كونه نفسيا لحاجة الغيري إلى بيان أكبر.

161

و قيل بعدم إمكان الاستناد إلى ذلك لكون مفاد الهيئة الأفراد التي لا يعقل فيها التقييد و ليس مفهوم الطلب، إذ لا شك في اتصاف الفعل بالمطلوبية بالطلب المستفاد من الأمر، و واضح أن الموجب لذلك تعلّق واقع الطلب لا مفهومه.

و فيه: إن مفاد الهيئة هو مفهوم الطلب لا الطلب الحقيقي و إلّا لما صحّ إنشاؤه بالصيغة لأنه من الصفات الحقيقية الناشئة من أسبابها الخاصة دون الإنشاء، نعم ربما يكون هو السبب لإنشائه أحيانا.

***

162

قوله (قدّس سرّه):

«و اتصاف الفعل بالمطلوبية ...، إلى قوله:

تذنيبان».

(1)

مناقشة كلام للشيخ الأعظم:

ذكرنا فيما سبق أن الشيخ الأعظم ذكر أن إطلاق الهيئة لا يمكن التمسك به لإثبات النفسية، بدعوى أن مفادها هو الطلب الخاص الجزئي القائم بالنفس، و هو لكونه جزئيا لا يمكن التمسك بإطلاقه، و استدل على كونه جزئيا بأن الشي‏ء يتصف بكونه مطلوبا بمجرد تعلق الصيغة به، و ذلك يدل على أن مفادها الطلب الحقيقي القائم بالقلب لا مفهوم الطلب، إذ به- مفهوم الطلب- لا يصدق عنوان المطلوب و إنما يصدق بتعلق الطلب الحقيقي.

و في بحثنا هذا يريد الشيخ الآخوند الردّ على هذا الشاهد الذي تمسك به الشيخ الأعظم، و حاصل ما ذكره: أنه حين صدور صيغة اكنس مثلا يتصف الكنس بالمطلوبية جزما، و هذا شي‏ء صحيح، إلّا أنه يتصف بكلتا المطلوبتين: أي هو مطلوب بالمطلوبية الحقيقية، و هو أيضا مطلوب بالطلب الانشائي.

أما أنه مطلوب بالطلب الحقيقي القلبي فواضح باعتبار أنه يوجد في القلب طلب حقيقي متعلّق بالكنس.

و أما أنه مطلوب بالطلب الانشائي فواضح أيضا، لأن الوجود

____________

(1) الدرس 110: (20/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

163

الانشائي لكل شي‏ء ليس إلّا عبارة عن قصد حصول مفهومه بما يدل عليه، فالدال على الطلب هو الصيغة أو كلمة الطلب فإذا قصد إيجاد مفهوم الطلب بكلمة اطلب أو بالصيغة تحقق بذلك الوجود الانشائي للطلب، و حيث إنه في المقام قد قصد إيجاد طلب الكنس من خلال صيغة اكنس فالطلب الانشائي للكنس يكون متحققا.

و إذا سلّمنا باجتماع المطلوبيتين و صدقهما على الكنس فلا يثبت أن مفاد هيئة اكنس هو الطلب الحقيقي، إذ لعلّه اتصف الكنس بالمطلوبية الحقيقية بسبب وجود الطلب الحقيقي في النفس و اتصف بالمطلوبية الانشائية بسبب تعلّق صيغة اكنس به، و بناء على هذا يكون مفاد هيئة اكنس هو مفهوم الطلب لا الطلب الحقيقي.

نعم لو فرض أن الكنس متصف بالمطلوبية الحقيقية فقط دون المطلوبية الانشائية لكان ما ذكره الشيخ الأعظم من الشاهد وجيها و لكن المفروض أنه متصف بكلتا المطلوبتين.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك: إنه لعلّ منشأ اعتقاد الشيخ الأعظم كون مفاد الهيئة الطلب الحقيقي هو ما طرق سمعه المبارك من كون مفاد الهيئة هو الطلب، و حيث إن كلمة الطلب لم تقيّد بالانشائي فتصوّر كون المراد منها هو الطلب الحقيقي، و لكن هذا غير صحيح و قد حصل بذلك خلط بين المفهوم و المصداق، فتخيل أن مفاد الهيئة هو مصداق الطلب- أعني الطلب الحقيقي- و الحال أن مفادها هو مفهوم الطلب، و إنما لم يقيّد بالانشائي- أي لم يقل: إن مفاد الهيئة هو الطلب الانشائي بل أطلق و قيل: إن مفادها هو الطلب- لوضوح المطلب، إذ كيف يحتمل أن مفاد الهيئة هو الطلب الحقيقي؟

و إلى هنا أنهى (قدّس سرّه) حديثه مع الشيخ الأعظم و رجع بعد هذا إلى صلب‏

164

الموضوع، و هو أنه لو أمر المولى بواجب و شك في كونه نفسيا أو غيريا فمقتضى إطلاق الهيئة كونه نفسيا كما تقدم، و الآن نعود إلى هذا المطلب و نقول: إنه إذا كان للصيغة إطلاق تمسكنا به، و أما إذا لم يكن لها ذلك- كما إذا لم يكن وجوب الكنس ثابتا بدليل لفظي أو لم يكن المتكلم في مقام البيان من هذه الناحية- فيلزم الرجوع إلى الأصول العملية فإنه عند تعذّر الأصل اللفظي يلزم الرجوع إلى الأصل العملي، و هل هو يقتضي البراءة أو الاحتياط؟ (1) إن ذلك يختلف باختلاف الموارد، لأن الدرس أو الصلاة أو ما شاكل ذلك مما يحتمل كون الكنس مقدمة له تارة يفترض وجوبه الفعلي و أخرى يفترض تعطيل الدرس و نحوه.

فعلى تقدير ثبوت الدرس و نحوه فوجوب الكنس يكون معلوما و يجزم به المكلف و لا يكون مشكوكا، لأنه إن كان واجبا غيريا فالمفروض أن ذا المقدمة معلوم الثبوت، و إن كان نفسيا فوجوبه ثابت أيضا، فهو على كلا التقديرين يكون واجبا، أي هو معلوم الوجوب بنحو العلم الإجمالي إما من جهة كونه واجبا غيريا أو من جهة كونه واجبا نفسيا، و بعد العلم بتعلّق الوجوب به لا يضرّ التردد و الشك في سبب الوجوب و جهته.

و أما على تقدير عدم ثبوت الدرس فيكون وجوب الكنس مشكوكا- لاحتمال أنه غيري، و المفروض أن ذا المقدمة معطّل- فيتمسك بالبراءة لنفي وجوبه.

إذن لا بدّ من التفصيل، فعلى التقدير الأول تجري أصالة الاشتغال، و على التقدير الثاني يتمسك بالبراءة.

____________

(1) أصالة الاحتياط و الاشتغال شي‏ء واحد و ليسا أصلين كما هو واضح.

165

توضيح المتن:

و اتصاف الفعل: المراد من الفعل في مثالنا السابق هو الكنس.

و عطف الإرادة الحقيقية على المطلوبية الواقعية تفسيري.

الداعية إلى ...: المناسب وضع هذه العبارة بين شريطين فإنها معترضة، أي من بداية (الداعية) و إلى ما بعد قوله: (مراده الواقعي).

و المقصود بهذه الجملة المعترضة الإشارة إلى أن الطلب الحقيقي القائم بالقلب هو الداعي إلى إنشاء الطلب بالصيغة، فالمتكلم ينشأ الطلب بالصيغة و يقول: اكنس لأجل ثبوت الطلب الحقيقي في قلبه للكنس.

ثمّ إن الغرض من إيقاع طلب الكنس بصيغة اكنس هو بعث المكلف و تحريكه نحو الكنس الذي هو مطلوب بالطلب الحقيقي القائم بالقلب.

ثمّ إن الضمير في قوله: (إلى إيقاع طلبه) يعود إلى الفعل الذي هو الكنس في المثال، و هكذا ضمير إرادته يرجع إلى الفعل الذي هو الكنس.

و قوله: (بعثا) مفعول لأجله، أي مفعول لقوله: (الداعية)، أي إن الإرادة الحقيقة إنما تدعو إلى إيقاع طلب الكنس لأجل البعث و التحريك نحوه.

لا ينافي: خبر لقوله: (و اتصاف الفعل). أي اتصاف الفعل بالمطلوبية الحقيقة لا ينافي اتصافه بالطلب الانشائي بل هو متصف بهما معا.

و الوجود الانشائي ...: هذا بيان لكيفية اتصاف الكنس بالطلب الانشائي و توجيه ذلك.

بل كان إنشاؤه بسبب آخر: أي إنه إذا لم يكن طلب حقيقي للكنس فإنشاء طلبه لا بدّ و أن يكون لسبب آخر من امتحان و نحوه.

و لعلّ منشأ ...: أي لعلّ منشأ تصوّر الشيخ الأعظم كون مفاد الصيغة هو الطلب الحقيقي.

166

بالطلب المطلق: أي بالطلب من دون تقييد بالانشائي، فالمراد من المطلق هو عدم التقييد بالانشائي.

يصدق عليه الطلب بالحمل الشائع: هذا توضيح للطلب الحقيقي، فإن الطلب بالحمل الشائع عبارة أخرى عن الطلب الحقيقي القائم بالقلب.

من قبيل اشتباه ...: فمفاد الصيغة هو مفهوم الطلب لا مصداقه.

فالطلب الحقيقي ...: هذا بيان لأمور زائدة لا داعي إليها، أي إنه بهذا اتضح أن الطلب الحقيقي إذا لم يكن قابلا للتقييد فذلك لا يقتضي أن مفاد الهيئة لا يقبل التقييد أيضا، فإن مفاد الهيئة و الطلب الحقيقي و إن تعارف تسمية كل واحد منهما بالطلب، فيقال: مفاد الهيئة هو الطلب و يقال أيضا: الطلب الحقيقي طلب إلّا أنه رغم هذا مفاد الهيئة يمكن تقييده و إن لم يمكن تقييد الطلب الحقيقي.

و إن تعارف تسميته ...: أي تسمية مفاد الهيئة بالطلب أيضا، أي كما تعارف تسمية الطلب الحقيقي بالطلب، فكل منهما تعارف تسميته بالطلب.

و عدم تقييده: أي إن قلت: إن مفاد الهيئة إذا كان هو الطلب الانشائي فلما ذا أطلق لفظ الطلب و لم يقيّد بالانشائي حيث قيل: إن مفاد الهيئة هو الطلب و لم يذكر قيد الانشائي؟

تقييد مفاد الصيغة ...: أي تقييد صيغة اكنس بما إذا وجب الدرس و ثبت.

كما مر هاهنا: أي في الواجب المطلق و المشروط، حيث مرّ أن مفاد الهيئة يمكن تقييده بالشرط خلافا للشيخ الأعظم حيث كان يقول:

إن مفاد الهيئة جزئي لا يمكن تقييده بالشرط.

و عبّر (قدّس سرّه) بكلمة هاهنا التي هي للقريب، باعتبار أن هذا قد تقدّم كله ضمن مقدمة الواجب التي هي محل بحثنا، فإنه ضمن ذلك ذكرنا مبحث الواجب المطلق و المشروط.

167

و قد تقدم في مسألة اتحاد الطلب و الإرادة ما يجدي في المقام: حيث ذكر فيه أن مفاد الأمر و الصيغة هو الطلب الانشائي دون الطلب الحقيقي.

هذا إذا كان هناك إطلاق: هذا رجوع إلى صلب الموضوع.

فلا بدّ من الإتيان به: أي بالكنس في مورد مثالنا و تجري أصالة الاشتغال.

بما احتمل ...: أي فيما إذا كان التكليف فعليا بذلك الشي‏ء- و هو الدرس- الذي يحتمل كون الكنس شرطا و مقدمة له.

و إلّا فلا: أي و إن لم يكن التكليف بذلك الشي‏ء- أي الدرس- فعليا فتجري البراءة عن وجوب الكنس لصيرورة الشك في وجوبه شكا في أصل التكليف و بنحو الشبهة البدوية.

لصيرورة الشك فيه بدويا: مصطلح الشك البدوي مصطلح أصولي يطلق في مقابل الشك المقرون بالعلم الإجمالي.

خلاصة البحث:

إن ما استشهد به الشيخ الأعظم على كون مفاد الصيغة هو الطلب الحقيقي قابل للمناقشة لأن الفعل بعد صدور صيغة الطلب يتصف بالمطلوبيتين معا و ليس بخصوص المطلوبية الحقيقية.

ثمّ إن إطلاق الصيغة إنما يقتضي النفسية فيما لو فرض وجود إطلاق و إلّا فالاشتغال يجري على تقدير، و البراءة على تقدير آخر.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إن ما استشهد به مدفوع بأن الفعل متصف بكلتا المطلوبيتين:

الحقيقية و الانشائية، فإن الوجوب الانشائي لكل شي‏ء ليس إلّا قصد حصول مفهومه بلفظه.

168

هذا كله إذا كان للصيغة إطلاق.

و أما إذا لم يكن فالمرجع هو الأصل العملي، و هو يقتضي الاشتغال على تقدير فعلية وجوب ما يحتمل كونه ذا المقدمة للعلم بوجوب الفعل آنذاك و إن لم تعلم جهة وجوبه، و يقتضي البراءة على تقدير عدم الفعلية لكون الشك آنذاك بدويا.

***

169

قوله (قدّس سرّه):

«تذنيبان ...، إلى قوله: إشكال و دفع».

(1)

من خصائص الواجب الغيري:

حاصل ما ذكره في هذا التذنيب الإشارة إلى خصوصية من خصوصيات الواجب الغيري يمتاز بها عن الواجب النفسي، فالواجب النفسي يستحق المكلف على امتثاله الثواب و على مخالفته العقاب، بينما الواجب الغيري لا يستحق المكلف على موافقته الثواب و لا على مخالفته العقاب، فالحج مثلا إذا كانت له تسع مقدمات و امتثله المكلف بمقدماته لم يستحق على ذلك عشرة ثوابات:

ثواب واحد على الحج و ثوابات تسعة على المقدمات بل يستحق ثوابا واحدا على الحج لا غير، و هكذا لو ترك المكلف الحج بمقدماته، فإنه لا يستحق عشر عقوبات، بل عقوبة واحدة على ترك الحج.

أما لما ذا ذلك؟ إنه لحكم العقل بأن تارك الحج لا يستحق إلّا عقابا واحدا لا عشر عقوبات، و هكذا يحكم بأن الممتثل له لا يستحق إلّا ثوابا واحدا لا عشرة ثوابات، و هذا مطلب واضح و وجداني.

و لكن يبقى السؤال لما ذا يحكم العقل باستحقاق ثواب واحد أو عقاب واحد؟ ذلك باعتبار أن الثواب و العقاب هما من توابع و لوازم القرب و البعد من المولى، و من الواضح أن فعل المقدمات بما هي‏

____________

(1) الدرس 111: (23/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

170

مقدمات لا توجب قربا من المولى حتّى يستحق ثوابا عليها كما أن تركها بما هي مقدمات لا توجب بعدا حتّى يستحق عقابا عليها.

نعم إذا أتى المكلف بالمقدمات بقصد التوصل بها إلى ذي المقدمة استحق الثواب من حين شروعه فيها بالقصد المذكور و لكن لا يكون الثواب ثابتا عليها بل على نفس الواجب النفسي و يكون ثوابه زائدا، باعتبار أنه صار شاقا بسبب تلك المقدمات، و هكذا الحال عند ما يترك المكلف أوّل مقدمة- يؤدي تركها إلى ترك ذي المقدمة- يستحق العقوبة من ذلك الحين و لكن لا على نفس ترك المقدمة بل على ترك الواجب النفسي.

و على هذا يمكن حمل الروايات الواردة في فضل زيارة الإمام الحسين (عليه السّلام) الدالة على أن كل من مشى إليه كان له بكل خطوة يخطوها كذا من الثواب، (1) فالثواب و إن نسب إلى الخطوات التي هي مقدمة إلّا أنه يمكن أن يوجّه بأنه على نفس الزيارة و إنما نسب إلى الخطوات باعتبار أنها السبب في حمازة الفعل و مشقته، هكذا توجّه، أو توجّه على أن ذلك من باب التفضّل، فالثواب على نفس الخطوات من باب التفضّل على خلاف التوجيه السابق حيث كنّا نفترضه على نفس الزيارة.

***

____________

(1) ورد في بعضها: «إن كان ماشيا كتب اللّه له بكل خطوة حسنة و حطّ عنه بها سيئة»، و في بعضها الآخر: «من أتى قبر الحسين (عليه السّلام) ماشيا كتب اللّه له بكل خطوة ألف حسنة و محا عنه ألف سيئة و رفع له ألف درجة»، و في ثالث: «من أتى قبر الحسين (عليه السّلام) ماشيا كتب اللّه له بكل خطوة و بكل قدم يرفعها و يضعها عتق رقبة من ولد إسماعيل»، لاحظ وسائل الشيعة 14: 439/ الباب 41 من أبواب المزار/ الحديث 1 و 3 و 6.

171

قوله (قدّس سرّه):

«إشكال و دفع ...، إلى قوله: و قد تفصي عن الإشكال بوجهين آخرين ...».

إشكالان على الطهارات الثلاث:

المقصود بهذا بيان إشكالين واردين على الطهارات الثلاث و دفع ذلك.

و حاصل الإشكال أنه توجد للواجب الغيري خصوصيتان:

1- إن الإتيان بالواجب الغيري لا يوجب إطاعة و لا قربا و لا ثوابا. و هذا ما أشير إليه فيما سبق.

2- إن الواجب الغيري توصلي و ليس تعبديا لأن الغرض منه التوصّل إلى ذي المقدمة، و هو يتحقق من دون قصد القربة أيضا، فمن ركب الوسيلة المغصوبة إلى الحج و وصل إلى مكّة كفاه ذلك و لا يكلّف بالرجوع و الركوب من جديد في وسيلة مباحة.

و بناء على هذا يرد على الطهارات الثلاث إشكالان، فهي لمّا كانت مقدمة للصلاة يلزم عدم ترتّب الثواب على فعلها، و الحال أن من توضأ مثلا يثاب على وضوءه و يحلّ له التقرب به، فإنه نور في نفسه، و هذا خلاف الخصوصية الأولى، كما أنه لا يصحّ منه من دون قصد القربة، و هذا خلاف الخصوصية الثانية.

و هذان الإشكالان هما المعروفان بإشكال الطهارات الثلاث.

و أجاب الشيخ الآخوند عن ذلك بأن الوضوء مثلا هو في نفسه مستحب و عبادة و نور بقطع النظر عن كونه مقدمة للصلاة، و الوجوب الغيري قد تعلّق به بعد فرض كونه في نفسه كذلك، فالعبادية و الثواب لم‏

172

يحصلا بسبب تعلّق الأمر الغيري به و إنما حصلا من جهة أنه في نفسه هو كذلك.

هذا و قد يورد إشكال على الجواب المذكور، و حاصله أن عبادية الوضوء و الثواب عليه لو كانا ناشئين من جهة استحبابه النفسي و رجحانه الذاتي فيلزم لحصول العبادية و الثواب قصد ذلك الاستحباب النفسي، و الحال أن من قصد الوجوب الغيري كفاه ذلك في صحته و إن لم يقصد استحبابه النفسي.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأن الاكتفاء بقصد الوجوب الغيري هو من جهة أن قصد الوجوب الغيري يدعو إلى المقدمة التي هي مستحبة بالاستحباب النفسي فهو بالتالي يدعو إلى الاستحباب النفسي و يكون قصده قصدا له. (1)

توضيح المتن:

لا ريب في استحقاق ...: قد يقال: إنه لا وجه للتعبير بقوله: لا ريب في استحقاق الثواب على امتثال الأمر النفسي بعد ذهاب البعض إلى عدم استحقاقه على فعل الواجب.

عقلا: قيد لاستحقاق الثواب و العقاب، فإن الحاكم في باب الاستحقاق هو العقل.

____________

(1) هذا يتم لو كان المكلف ملتفتا و لو إجمالا إلى استحباب الوضوء نفسا كي يكون قصد الوجوب الغيري قصدا للاستحباب المذكور، و الحال أن المكلف قد لا يكون ملتفتا إلى ذلك رأسا. و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

و لعلّه إشارة إلى أن لازم الجواب المذكور كفاية قصد الأمر الغيري على نحو التوصيف مع كون الغاية شيئا آخر- كأن يقول: آتي بالوضوء المأمور به بالأمر الغيري لأجل التبريد- كما سيورد ذلك على جواب الشيخ الأعظم الآتي بعد هذا.

173

و إن كان التحقيق: المناسب: و التحقيق.

بما هو موافقة و مخالفة: أي بما هو موافقة و مخالفة للوجوب الغيري و إن كان قد يستحقهما بما هو موافقة و مخالفة للأمر النفسي.

و لم يأت بواحدة: التعبير موهم، و المقصود لم يأت بأي مقدمة من مقدماته.

و أتاه بما له: المناسب: و أتى به بما له ...

نعم لا بأس باستحقاق العقوبة على المخالفة: أي على مخالفة الواجب النفسي. و قوله: عند ترك المقدمة: أي من دون انتظار مجي‏ء زمان الواجب.

و بزيادة المثوبة على الموافقة: أي على موافقة الواجب النفسي.

بما هي مقدمات له: و أما لو أتى بها صدفة لا من جهة مقدميتها فلا يصدق على ذي المقدمة أنه شاق و ذو حمازة.

على المقدمات: المناسب: على بعض المقدمات.

و ذلك لبداهة ...: هذا على ما شرحنا تعليل إلى قوله: ضرورة استقلال العقل بعدم الاستحقاق ...

و المناسب على هذا وصله به و عدم الفصل بجملة نعم لا بأس باستحقاق العقوبة ...

هذا و يحتمل أن يكون تعليلا لقوله: و عليه ينزّل ما ورد ...

و لعلّ الأوّل أنسب من حيث المعنى، و الثاني من حيث العبارة.

من تبعات القرب و البعد: المناسب: من توابع أو لوازم ... فإن التبعة هي المظلمة.

أما الأوّل: أي الإشكال.

174

هذا مضافا: كان المناسب ذكر الخصوصيتين أوّلا ثمّ التعرّض بعد ذلك للإشكالين الواردين في باب الطهارات الثلاث.

و قد اعتبر في صحتها إتيانها: الضمير يرجع إلى الطهارات الثلاث.

و أما الثاني: أي الدفع.

و غاياتها: أي غايات الطهارات الثلاث، أعني مثل الصلاة.

إلى ما هو كذلك: أي عبادة.

لا حيث: كلمة لا زائدة.

فافهم: قد تقدمت الإشارة إلى وجهه.

خلاصة البحث:

إن من خصوصيات الواجب الغيري عدم كونه موجبا للعقوبة و الثواب لحكم العقل بذلك باعتبار أنه لا يوجب قربا و لا بعدا، و الثواب و العقاب يدوران مدار القرب و البعد.

كما أن للواجب الغيري خصوصية أخرى، و هو أنه توصلي.

و ترتّب على هاتين الخصوصيتين إشكالان في باب الطهارات الثلاث.

و يمكن الجواب عنهما بفكرة الاستحباب النفسي.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

تذنيبان:

الأوّل: يترتب عقلا على امتثال الأمر النفسي استحقاق الثواب و على عصيانه استحقاق العقاب، بخلاف الأمر الغيري فإن امتثاله و عصيانه بما هما امتثال و عصيان له لا يوجبان ذلك، لحكم العقل بعدم استحقاق الآتي بالواجب بما له من مقدمات إلّا لثواب واحد، و عدم‏

175

استحقاق العاصي إلّا لعقاب واحد، لبداهة أن موافقته و مخالفته بما هما موافقة و مخالفة له لا توجبان قربا و لا بعدا، و هما من لوازم ذلك كما هو واضح.

نعم لا بأس باستحقاق العقوبة على مخالفة الواجب النفسي عند ترك المقدمة، و بزيادة المثوبة على موافقته فيما لو أتى بالمقدمات بما هي مقدمات له حيث يصير أفضل الأعمال لكونه أحمزها.

و على ذلك ينزّل ما ورد من الثواب على بعض المقدمات أو على التفضّل.

إشكال و دفع:

أما الإشكال فهو إن للأمر الغيري خصوصيتين، إحداهما قد تقدمت، و ثانيتهما أنه توصلي.

و بناء على هذا يشكل الأمر في الطهارات الثلاث لترتب الثواب و الإطاعة و القرب عليها، كما أنه يلزم الإتيان بها بقصد القربة.

و أما الدفع فهو إنها مستحبة في نفسها، و ذو المقدمة متوقف عليها بما هي كذلك، و ترتب الثواب و اعتبار قصد القربة هو لأجل كونها في نفسها كذلك لا لاقتضاء الأمر الغيري لذلك.

و الاكتفاء بقصد أمرها الغيري هو لأجل أنه يدعو إلى ما هو كذلك حيث إنه لا يدعو إلّا إلى ما هو المقدمة، فافهم.

***

176

قوله (قدّس سرّه):

«و قد تفصي عن الإشكال ...، إلى قوله: الثاني:

إنه قد انقدح ...».

(1)

جواب الشيخ الأعظم عن إشكال الطهارات الثلاث:

بعد أن أجاب (قدّس سرّه) عن إشكال الطهارات الثلاث بما سبق أخذ بالتعرّض إلى الأجوبة الثلاثة للشيخ الأعظم التي ذكرها في هذا المجال، و هي:

1- إن من المحتمل أن تكون المقدمة للصلاة ليست هي الغسلات و المسحات بمجردها بل هي ذلك بإضافة عنوان راجح، فالمجموع من ذات الوضوء+ العنوان الراجح هو المقدمة للصلاة مثلا، و حيث إن العنوان الراجح المذكور لا يعرفه المكلف كي يقصده أوجب اللّه سبحانه عليه قصد الوجوب الغيري، فإنه- الوجوب الغيري- لتعلقه بالمقدمة يكون من قصده قاصدا للمقدمة التي جزؤها العنوان الراجح، و بالتالي يكون قاصدا لذلك العنوان الراجح بالتبع و بشكل قهري.

إذن لزوم قصد الوجوب الغيري لم ينشأ من جهة كونه- الوجوب الغيري- وجوبا تعبديا و إنما هو ناشئ من كون قصده قصدا لذلك العنوان الراجح الذي هو مبهم لدى المكلف. (2)

____________

(1) الدرس 112: (24/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

(2) قد يشكل على الجواب المذكور بأن دعوى تقوّم المقدمة بجزءين، أحدهما العنوان الراجح مجرد احتمال لا شاهد عليه، فكيف يصلح مثل هذا جوابا عن الإشكال؟-

177

هذا حاصل الجواب الأوّل.

و ناقشه الشيخ الآخوند بمناقشتين:

أ- إن قصد العنوان الراجح يمكن أن يتحقق بقصد الوجوب الغيري بجعله وصفا لا غاية، بأن يقول المكلف هكذا: آتي بالوضوء الواجب بالوجوب الغيري بقصد التبريد، و الحال أن هذا لا يكفي جزما، و هذا يدل على أن الغرض من قصد الوجوب الغيري ليس هو التوصّل إلى قصد ذلك العنوان الراجح.

ب- إن ما ذكر من الجواب لا يحل إشكال ترتب الثواب على الطهارات الثلاث، فإنه بهذا المقدار لا ينحل إشكال الثواب. (1)

2- إن الغرض من الأمر النفسي المتعلّق بالصلاة مثلا سنخ غرض لا يتحقق إلّا بقصد الأمر النفسي المتعلّق بالصلاة و الأمر الغيري المتعلّق بالوضوء، أي كما أنه لا يتحقق من دون قصد الأمر النفسي المتعلّق بالصلاة كذلك لا يتحقق من دون قصد الوجوب الغيري المتعلّق بالوضوء.

إذن لزوم قصد الوجوب الغيري هو من هذه الجهة، أي من جهة أن الغرض من الصلاة سنخ غرض لا يتحقق إلّا بقصد الوجوب الغيري و ليس لأجل اقتضاء الوجوب الغيري بنفسه لذلك، و معه فلا يلزم الإشكال.

____________

- و يمكن دفع ذلك بأن مجرد إبداء الاحتمال في مثل المقام كاف لدفع الإشكال، إذ الإشكال كان يقول: إن الطهارات الثلاث لما ذا يلزم قصد وجوبها الغيري و الحال أن الوجوب الغيري توصلي؟ و واضح أن مثل هذا الإشكال يندفع بمجرد إبراز احتمال أن يكون اعتبار قصد الوجوب الغيري لأجل أن يتحقق به قصد العنوان الراجح.

(1) قيل: إن هذا الجواب الأوّل قد ذكره الشيخ الأعظم لدفع خصوص إشكال العبادية، و أما إشكال ترتب الثواب فذكر له جوابا آخر.

178

هذا حاصل الجواب الثاني.

و أجاب عنه الشيخ الآخوند بنفس المناقشة الثانية المذكورة للجواب الأوّل السابق، أي إنه لا يدفع إشكال الثواب كما هو واضح.

3- إن المقدمة في باب الطهارات الثلاث سنخ مقدمة خاصة، فهي مركبة من ذات الوضوء و قصد الأمر الغيري، و ليست المقدمة هي ذات الوضوء ليرد الإشكال بأنه لما ذا يلزم قصد الأمر الغيري.

و لكن يبقى أن المولى كيف يتوصّل إلى الأمر بهذا المركب؟ إنه يتمكن من خلال الاستعانة بأمرين، فيأمر أوّلا بذات الوضوء ثمّ يأمر ثانيا بقصد الأمر الغيري أي بقصد الأمر الأوّل المتعلّق بذات الوضوء.

إذن لزوم قصد الوجوب الغيري هو من هذه الناحية، أي لأجل أن المقدمة في ذاتها عبارة عن الوضوء بقصد الوجوب الغيري و ليس لأجل اقتضاء الوجوب الغيري لذلك.

هذا حاصل الجواب الثالث. (1)

____________

(1) لا يخفى أن الشيخ الآخوند ذكر في البداية أنه قد تفصي عن الإشكال بوجهين، ثمّ بعد ذلك ذكر الوجه الثالث، و كان المناسب أن يقول: قد تفصي بثلاثة وجوه.

ثمّ إن الجواب الثالث لم يذكره الشيخ الآخوند بشكل واضح و كامل، فإنه اقتصر على بيان أنه يتوصل إلى المقدمة من خلال أمرين من دون أن يبيّن أوّلا: إن المقدمة هي في ذاتها مركبة من جزءين، أحدهما قصد الوجوب الغيري.

هذا و يمكن أن يقال أيضا: إن الجواب الثالث لا يختلف في روحه عن الجواب الثاني سوى أن الجواب الثاني كان يفترض أن الغرض من الأمر النفسي متقوّم بقصد الوجوب الغيري و متوقف عليه بينما الجواب الثالث يفترض أن المقدمة في ذاتها متقوّمة بقصد الوجوب الغيري، و هذا المقدار لا يجعل الفارق بينهما جوهريا.

179

و ناقشه الشيخ الآخوند بمناقشتين:

أ- إن الأمر الأوّل حيث إنه غيري و لا يحتمل كونه نفسيا فيلزم أن يكون متعلّقا بالمقدمة، فإن الأمر الغيري لا يتعلق إلّا بالمقدمة، و حيث إن ذات الوضوء وحده ليس مقدمة- و إنما المقدمة هو المجموع المركب- فكيف يتعلق الأمر الغيري بذلك، أي بذات الوضوء.

ب- إنه يرد على فكرة الاستعانة بأمرين نفس ما أورد في باب التعبدي و التوصلي، (1) فإنه ذكر هناك أنه قد يستعان للتوصّل إلى أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر بفكرة الأمرين، فأحد الأمرين متعلّق بذات الصلاة، و الآخر بالإتيان بها بقصد امتثال الأمر الأوّل، و قد أشكل الشيخ الآخوند هناك على الفكرة المذكورة بأن المكلف إن أتى بذات الصلاة من دون قصد الامتثال فإن كان يسقط الأمر الأوّل- الذي فرض تعلقه بذات الصلاة- فلا يعود مجال لامتثال الأمر الثاني و يكون تشريعه لغوا، و إن كان لا يسقط فلا وجه لذلك سوى توقف الغرض على ذلك، و معه يحكم العقل بلزوم قصد الامتثال لأجل أن يتحقق الغرض من دون حاجة إلى الاستعانة بفكرة الأمرين، و نفس هذا الذي ذكر هناك يرد هنا أيضا فيقال: إن المكلف إذا أتى بذات الوضوء من دون قصد الوجوب الغيري فإن كان الأمر الأوّل يسقط بذلك فلا يعود بالإمكان امتثال الأمر الثاني و يكون تشريعه لغوا، و إن كان لا يسقط بذلك فلا وجه له سوى توقف تحقق الغرض على ذلك فيحكم العقل بلزوم قصده بلا حاجة إلى فكرة تعدد الأمرين.

____________

(1) لاحظ ذلك في متن كفاية الأصول (ص 111) حسب الطبعة المحشاة بحواشي الشيخ المشكيني.

180

توضيح المتن:

و قد تفصي عن الإشكال بوجهين آخرين: أي غير الوجه المتقدم عن الشيخ الآخوند. و المتفصي هو الشيخ الأعظم، و كان المناسب التعبير بثلاثة وجوه.

إن الحركات الخاصة: يعني الغسلات و المسحات في مثل الوضوء.

ربما لا تكون محصّلة لما هو المقصود ...: أي إن الغسلات و المسحات ربما لا تكون محصّلة لذلك العنوان الراجح الذي هو مقصود من وراءها و الذي تكون المقدمة مقدمة بتوسّطه، فإن المقدمة هي الغسلات و المسحات+ العنوان الراجح.

ثمّ إن التعبير بكلمة ربما إشارة إلى كفاية إبداء احتمال اعتبار ذلك العنوان الراجح.

الذي يكون: الصحيح: الذي تكون.

ثمّ إن قوله: (و موقوفا عليها) عطف تفسير على مقدمة.

و مرآتا لها: أي للمقدمة التي جزؤها العنوان الراجح.

بالإتيان كذلك: أي على نحو العبادية.

الذي تكون: أي تلك الحركات الخاصة.

مضافا إلى أن ذلك ...: أي مضافا إلى أن كون المقدمة هي الحركات+ العنوان الراجح لا يقتضي الإتيان بالطهارات بنحو يكون الأمر الغيري غاية بل يجوز أن يكون وصفا، إذ به تتحقق الإشارة إلى ذلك العنوان الراجح.

و على هذا فالضمير في كلمة بها يرجع إلى الطهارات.

بل كان الداعي: المناسب: بأن يكون الداعي ...

الموصوفة بكونها مأمورا بها: أي بالأمر الغيري.

181

غير واف: المناسب: إنه غير واف، أي و فيه مضافا إلى ما سبق أنه غير ...

إن الغرض من الأمر النفسي بغاياتها: أي إن الغرض من الأمر النفسي المتعلّق بغايات الطهارات التي هي مثل الصلاة.

بدون قصد التقرب بموافقته: أي بموافقة الأمر النفسي المتعلّق بالغايات، أعني الأمر بالصلاة مثلا.

ما لم يؤت بها كذلك: أي ما لم يؤت بالطهارات بقصد الأمر الغيري.

أيضا بقصد: أي كما أن ذلك الغرض يتوقف على الإتيان بالغايات- كالصلاة- بقصد أمرها النفسي كذلك يتوقف على الإتيان بالطهارات بقصد أمرها الغيري.

و فيه أيضا أنه ...: المناسب: و فيه أنه غير واف أيضا بدفع ...، أي كما أن الجواب السابق غير واف بدفع إشكال الثواب كذلك هذا الجواب.

و أما ما ربما قيل ...: أي إنه قد يجاب بنفس ما ذكر في باب التعبدي و التوصلي في مقام تصحيح و توجيه اعتبار قصد الامتثال في الصلاة حيث التزم بفكرة تعدد الأمر، فالأمر الأوّل متعلّق بذات الصلاة و الأمر الثاني بقصد امتثال الأمر الأوّل، و نفس هذا البيان قد يسحب إلى المقام.

فمن أين يجي‏ء طلب آخر: أي غير الطلب النفسي المتعلّق بالصلاة مثلا. و الضمير في بذاتها يرجع إلى الطهارات.

هذا مع أن في هذا ...: هذا إشارة إلى المناقشة الثانية.

خلاصة البحث:

أجاب الشيخ الأعظم عن إشكال الطهارات الثلاث بأجوبة ثلاثة، ففي الأوّل ذكر أن المقدمة هي ذات الوضوء+ العنوان الراجح، و إن‏

182

لزوم قصد الوجوب الغيري هو لأجل قصد ذلك العنوان الراجح، و في الثاني ذكر أن الغرض من الأمر النفسي سنخ غرض يتوقف على ذلك، و في الثالث ذكر أن ذات المقدمة سنخ مقدمة متقوّمة بذلك.

و أجيب عن الأوّل بجوابين، و عن الثاني بجواب واحد، و عن الثالث بجوابين.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و قد أجيب عن الإشكال أيضا بأجوبة ثلاثة:

1- ربما لا تكون الحركات الخاصة بمجردها هي المقدمة بل باضافة عنوان راجح، و لأجل عدم معرفته لا بدّ من إتيانها بقصد الأمر الغيري لكونه لا يدعو إلّا إلى ما هو الموقوف عليه، فالإتيان بالطهارات بقصد أمرها هو لأجل إحراز ذلك العنوان لا لأجل أن الأمر المقدمي يقتضي ذلك.

و فيه: مضافا إلى إمكان الإشارة إلى العنوان الراجح من خلال أخذ قصد الأمر الغيري وصفا لا غاية، بأن يأتي المكلف بالحركات المأمور بها بالأمر الغيري لأجل داع آخر غير أمرها، أنه غير واف بدفع إشكال الثواب.

2- إن لزوم قصد الأمر الغيري في الطهارات هو لأجل أن الغرض من الأمر النفسي بذي المقدمة لا يحصل إلّا بذلك، فكما لا يتحقق بدون قصد الأمر النفسي بذي المقدمة كذلك لا يتحقق بدون قصد الأمر الغيري بالمقدمة.

و فيه: إنه غير واف أيضا بدفع إشكال الثواب.

183

3- التمسك بفكرة تعدد الأمر التي ذكرت في باب التعبدي و التوصلي لتصحيح اعتبار قصد الامتثال، بأن يكون أحد الأمرين متعلّقا بذات الفعل، و ثانيهما بإتيانه بداعي امتثال الأوّل.

و فيه: إن ذات الطهارات إذا لم تكن مقدمة فكيف يتعلق بها الأمر الأوّل الذي هو من سنخ الأمر الغيري، هذا مضافا إلى أنه يرد هنا نفس ما أورد هناك.

***

184

قوله (قدّس سرّه):

«الثاني: إنه قد انقدح ...، إلى قوله: الأمر الرابع».

(1)

هل يلزم قصد التوصل بالمقدمة؟

هذا هو التذنيب الثاني، و محصّله: إن المكلف لو أراد الوضوء مثلا فهل يلزمه أن يقصد به التوصّل إلى الصلاة و نحوها من الغايات أو يكفي لصحته و وقوعه بنحو العبادية الإتيان به قربة إلى اللّه سبحانه حتّى و لو لم يقصد به الصلاة و نحوها؟

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه) أن الجواب عن السؤال المذكور يختلف باختلاف كيفية توجيه عبادية الطهارات الثلاث حسبما أشير إليه في التذنيب السابق.

فبناء على الجواب الذي تبنّاه هو- أي الشيخ الآخوند (قدّس سرّه)- و الذي كان يقول فيه: إن عبادية الطهارات الثلاث ناشئة من ذاتها، أي هي مستحبة في ذاتها بالاستحباب النفسي، إنه بناء على هذا لا حاجة في وقوع الوضوء- و هكذا الغسل و التيمم- صحيحا إلى قصد التوصّل به إلى الصلاة و نحوها، بل يكفي الإتيان به بقصد القربة لا أكثر، لأن المفروض أنه عبادة و مستحب في ذاته بالاستحباب النفسي.

و أما بناء على الأجوبة الثلاثة للشيخ الأعظم التي كان يقول فيها بلزوم‏

____________

(1) الدرس 113: (25/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

185

قصد الوجوب الغيري- إما لأجل أن يتحقق قصد العنوان الراجح، كما هو مقتضى الجواب الأوّل، أو لأن غرض الأمر النفسي سنخ غرض يتوقف حصوله على قصد الوجوب الغيري، كما هو مقتضى الجواب الثاني، أو لأن المقدمة في ذاتها هي سنخ مقدمة متقوّمة بقصد الوجوب الغيري- فيلزم قصد التوصّل إلى الصلاة و نحوها، لأن المكلف لا يمكنه قصد امتثال الوجوب الغيري منفكا عن قصد التوصل إلى ذي المقدمة، بل ذلك القصد ملازم لهذا القصد، باعتبار أن الواجب الغيري يراد لأجل التوصل به إلى الواجب النفسي، و أما بقطع النظر عن الواجب النفسي فالواجب الغيري ليس لازما و لا مطلوبا، و من هنا لا يمكن للشخص الذي لا يريد الحج مثلا قصد امتثال الوجوب الغيري المتعلّق بركوب الطائرة، أي لا معنى لأن يقول: إني قاصد لامتثال الوجوب الغيري المتعلّق بركوب الطائرة و إن كنت لا أريد الحج، إنه لا معنى لذلك، إذ ركوب الطائرة يراد لأجل الحج و إلّا فهو بقطع النظر عن ذلك ليس بواجب.

و بالجملة: إنه بناء على الأجوبة الثلاثة للشيخ الأعظم يلزم في صحة الوضوء قصد التوصل به إلى الصلاة و نحوها، إذ قصد الوجوب الغيري المتعلّق بالوضوء لا يمكن تحققه من دون قصد التوصّل إلى الصلاة و نحوها.

بل نتمكن أن نقول أكثر من هذا: إنه يكفي لصحة الوضوء و وقوعه عبادة قصد التوصّل به إلى الصلاة و نحوها حتّى و لو لم يقصد امتثال الوجوب الغيري، أي إن من أتى بالوضوء لأجل الصلاة كفى ذلك في صحته حتّى و لو لم يقصد امتثال وجوبه الغيري، فالمقوّم إذن لصحة الوضوء هو التوصّل به إلى الصلاة و نحوها دون قصد الوجوب الغيري، و لذا لو فرض إنّا لم نبن على وجوب المقدمة بالوجوب الغيري الشرعي لوقع الوضوء رغم ذلك صحيحا فيما إذا اتي به لأجل الصلاة و نحوها.

186

هذا هو الوجه الصحيح لاعتبار قصد التوصّل في صحة الوضوء و بقية الطهارات الثلاث.

غير أن الشيخ الأعظم ذكر في توجيه ذلك شيئا آخر، حيث أفاد ما حاصله: إن الوجوب الغيري في باب المقدمة قد تعلّق بعنوان المقدمة و لم يتعلق بذاتها، فعنوان الوضوء مثلا لم يتعلق به الوجوب الغيري و إنما تعلّق بعنوان مقدميته، ثمّ ذكر ثانيا أن من أراد قصد امتثال الوجوب المتعلّق بعنوان المقدمة فيلزمه قصد عنوان المقدمة و لا يكفيه الإتيان بذات المقدمة، ثمّ ذكر ثالثا أن قصد عنوان المقدمة لا يمكن أن يتحقق من دون قصد التوصّل بالمقدمة إلى ذي المقدمة، فإن عنوان المقدمة يستبطن اعتبار التوصّل إلى ذي المقدمة.

و بتمامية هذه المقدمات يتم المطلوب، و هو أن الوضوء- الذي هو مقدمة- لا يقع صحيحا إلّا إذا قصد به التوصل إلى ذي المقدمة، كالصلاة مثلا.

هذا ما أفاده الشيخ الأعظم.

و مناقشة ذلك واضحة، حيث يقال في ردّ المقدمة الأولى: إننا لا نسلّم تعلّق الوجوب الغيري بعنوان المقدمة، كيف و عنوان المقدمة ليس مقدمة و لا يتوقف عليه الواجب و إنما هو يتوقف على واقع المقدمة و مصداقها الحقيقي الذي قد يعبّر عنه بالمقدمة بالحمل الشائع، فالصلاة مثلا متوقفة على الوضوء بعنوانه الأوّلي و ليس على عنوان مقدميته كما هو واضح، نعم عنوان المقدمية علة لترشح الوجوب الغيري على ذات المقدمة لا أنه بنفسه المصبّ للوجوب الغيري.

و باختلال المقدمة الأولى يتضح اختلال كامل البيان الذي أشار إليه.

187

توضيح المتن:

بل في الحقيقة يكون هو الملاك ...: أي قصد التوصّل إلى الصلاة و نحوها هو الملاك ...

بل و لو لم نقل بتعلق الطلب بها: أي الطلب الغيري الشرعي.

و ضمير بها يرجع إلى المقدمة التي هي الطهارات الثلاث في المقام.

لا ما توهم: هذا شروع في الردّ على الشيخ الأعظم. و المناسب حفظا لمقام الشيخ الأعظم التعبير هكذا: لا ما قيل ...

من قصد هذا العنوان: أي عنوان المقدمة.

و قصدها كذلك: أي قصد المقدمة بعنوان المقدمة.

نفس المعنونات بعناوينها الأولية: و هو كالوضوء بعنوان كونه وضوء الذي هو عنوانه الأولي.

خلاصة البحث:

صحة الوضوء على الجواب المختار لا تتوقف على قصد التوصّل به إلى ذي المقدمة لكفاية الاستحباب النفسي، و أما على الأجوبة الثلاثة فيلزم ذلك لعدم انفكاك قصد الوجوب الغيري عن قصد التوصّل.

و أما ما أفاده الشيخ الأعظم من البيان فباطل لعدم تمامية مقدمته الأولى.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الثاني: قد اتضح من خلال جوابنا عن إشكال الطهارات الثلاث أنها تقع صحيحة حتّى لو لم يقصد بها التوصّل إلى إحدى الغايات لكفاية الاستحباب النفسي.

188

و أما على الأجوبة الثلاثة فيلزم، لأن قصد الوجوب الغيري- اللازم بناء عليها- لا يمكن تحققه بدون قصد التوصّل إلى إحدى الغايات، بل هو الملاك حقيقة لوقوع المقدمة عبادة حتّى لو لم يقصد أمرها الغيري، بل و لو لم نقل بتعلق الطلب الغيري بها أصلا.

هذا هو الصحيح في توجيه اعتبار قصد التوصّل في وقوع الطهارات عبادة لا ما قيل- من أن المأمور به في باب المقدمة هو عنوان المقدمة، و لا بدّ لتحقق امتثال الأمر بالمقدمة من قصد العنوان المذكور، و هو لا يمكن بدون قصد التوصّل بها إلى ذي المقدمة- فإنه فاسد لعدم تعلق الأمر بعنوان المقدمة، فإنه ليس مقدمة، بل المقدمة واقعها بعنوانه الأوّلي، و المقدميّة علة لوجوبها.

***

189

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر الرابع ...، إلى قوله: فيقع الفعل المقدمي ...».

(1)

[الامر الرابع‏] الأقوال في وجوب المقدمة:

ذكرنا في بداية البحث عن مقدمة الواجب أنه ينبغي قبل الدخول في صميم البحث عنها بيان أمور، و إلى الآن تم بيان ثلاثة أمور، و الآن يقع الكلام في الأمر الرابع.

و هذا الأمر يتعرض إلى بيان الآراء في مقدمة الواجب، أي هل هي واجبة مطلقا أو في بعض الحالات؟ و في هذا المجال توجد أربعة آراء.

1- ما ذهب إليه صاحب المعالم، حيث ذكر أن مقدمة الواجب إنما تجب في حالة إرادة ذي المقدمة و إلّا فلا تجب، فمثلا ركوب الطائرة إنما يجب في حالة إرادة المكلف للحج و إلّا فلا يجب.

و قد أشار (قدّس سرّه)- أي صاحب المعالم- إلى ذلك في مبحث الضد من كتاب المعالم حيث ذكر أن الدليل على وجوب المقدمة (2) ليس بتام في نفسه و لكنه لو تمّ فغاية ما يدل عليه هو وجوب المقدمة في حالة إرادة المكلف لفعل ذي المقدمة.

____________

(1) الدرس 114: (26/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

(2) و الدليل الذي نقله صاحب المعالم على وجوب المقدمة هو نفس الدليل الذي سينقله الشيخ الآخوند فيما بعد إن شاء اللّه تعالى، أي (ص 201) الذي هو دليل أبي الحسن البصري.

190

هذا ما أفاده صاحب المعالم. (1)

و الجواب عن ذلك: إن الدليل على أصل وجوب المقدمة ربما تمكن المناقشة فيه كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، و هذا بخلاف تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذي المقدمة في الإطلاق و الاشتراط فإنه أمر لا تمكن المناقشة فيه و ينبغي أن يكون واضحا و مسلّما، إذ وجوب المقدمة ما دام مترشحا من وجوب ذي المقدمة فيلزم أن يكون تابعا له في الإطلاق و الاشتراط و إلّا فكيف يكون وجوب ذي المقدمة كالحج مثلا مطلقا، أي غير مشروط بإرادته بينما وجوب المقدمة مشروطا بإرادة فعل ذي المقدمة.

2- ما ذهب إليه الشيخ الأعظم من كون المقدمة الواجبة خصوص المقدمة التي قصد بها التوصّل إلى ذي المقدمة، فركوب الطائرة مثلا لا يكون مصداقا للمقدمة الواجبة إلّا إذا قصد التوصّل به إلى الحج. (2)

و فرق هذا عن رأي صاحب المعالم أنه على رأي صاحب المعالم تكون إرادة ذي المقدمة شرطا لأصل وجوب المقدمة، فمن دون إرادة ذي المقدمة لا وجوب للمقدمة، أي إن إرادة ذي المقدمة مقدمة وجوبية، و هذا بخلافه على رأي الشيخ الأعظم فإن المقدمة واجبة سواء أراد المكلف فعل ذي المقدمة أم لا، غايته إذا لم يرد ذا المقدمة فلا تكون المقدمة مصداقا للمقدمة الواجبة، نظير الوضوء فإن من لم يأت به تكون الصلاة واجبة في حقه لكنه لا تقع مصداقا للصلاة الواجبة المأمور بها. و هذا معناه أن قصد ذي المقدمة بمثابة المقدمة الوجودية.

____________

(1) معالم الدين: 74/ آخر مبحث الضد.

(2) مطارح الأنظار: 72.

191

3- ما ذهب إليه صاحب الفصول من كون المقدمة الواجبة هي خصوص المقدمة الموصلة، أي التي يترتب عليها بعد ذلك ذو المقدمة، فركوب الطائرة مثلا إن ترتب بعده الحج يكون واجبا سواء قصد به التوصّل إلى الحج أم لا، فقصد التوصل ليس بمهم و إنما المهم حصول ذي المقدمة بعد ذلك. (1)

4- ما اختاره المشهور، و منهم الشيخ الآخوند من كون الواجب مطلق المقدمة من دون تفصيل.

ثمّ بعد هذا أخذ الشيخ الآخوند في مناقشة رأي الشيخ الأعظم، و حاصل ما ذكره: إن الحاكم بوجوب المقدمة هو العقل، و هو إنما يحكم بذلك من جهة التوقّف و التمكّن، أي من جهة توقّف الواجب و عدم التمكن منه إلّا من خلال المقدمة، و من الواضح أن حيثية التمكّن صادقة في كل مقدمة سواء قصد بها التوصّل أم لا.

و لأجل أن النكتة هي حيثية التمكّن حكم نفس الشيخ الأعظم بأن الآتي بالمقدمة لا بقصد التوصّل إلى ذيها لا تلزمه إعادتها، فلو ركب الطائرة لا بقصد الحج و وصل إلى مكّة ثمّ أراد الحج فلا يلزمه إعادة ركوب الطائرة، و ما ذاك إلّا لأن الغرض من ركوب الطائرة هو التمكّن من الحج و قد حصل ذلك.

نعم قصد التوصّل لازم من جهة تحقيق الامتثال، أي إنه لا يصدق الشروع في امتثال الأمر بذي المقدمة إلّا عند قصد التوصّل بها إلى ذي المقدمة، فإنه آنذاك يصدق الشروع في امتثال ذي المقدمة و يصير ذو المقدمة ذا مشقة و حمازة، و بالتالي يصير الثواب عليه أكثر.

____________

(1) الفصول الغروية: 86.

192

و بالجملة قصد التوصّل معتبر لتحصيل الثواب الزائد على ذي المقدمة حيث يصير ذا حمازة و مشقة و إلّا فهو ليس بمعتبر في تحقق المقدمة الواجبة.

توضيح المتن:

بناء على الملازمة: أي بناء على وجوب مقدمة الواجب.

كما أشرنا إليه في مطاوي كلماتنا: من جملتها ما تقدم (ص 157) بقوله: (ثمّ الظاهر دخول المقدمات الوجودية للواجب المشروط ...).

مريدا للفعل المتوقف عليها: أي مريدا لذي المقدمة.

و أنت خبير ...: هذا شروع من الشيخ الآخوند في مناقشة صاحب المعالم. و الضمير في (نهوضها) يرجع إلى حجة القول بوجوب المقدمة.

و هل يعتبر في وقوعها ...: هذا شروع في بيان رأي الشيخ الأعظم و صاحب الفصول.

ثمّ إن في التعبير بقوله: (في وقوعها على صفة الوجوب) إشارة واضحة إلى أن قصد التوصل- و هكذا ترتب ذي المقدمة على المقدمة- هو شرط للواجب و ليس لأصل وجوب المقدمة.

أو لا يعتبر في وقوعها كذلك: أي على صفة الوجوب. ثمّ إن هذا إشارة إلى رأي المشهور المختار لدى الشيخ الآخوند.

أما عدم اعتبار ...: هذا شروع في مناقشة رأي الشيخ الأعظم، و ما يأتي بعد ذلك بقوله: (و أما عدم اعتبار ترتب ذي المقدمة عليها ...) هو مناقشة لرأي صاحب الفصول.

و عدم دخل قصد التوصل فيه: الواو استينافية. ثمّ إن ضمير فيه يرجع إلى التوقف. و يحتمل رجوعه إلى حكم العقل، و النتيجة واحدة.

و لذا اعترف ...: أي الشيخ الأعظم.

193

في غير المقدمات العبادية: أي في غير الطهارات الثلاث، و أما فيها فيعتبر قصد التوصل لما تقدم سابقا من عدم انفكاكه عن قصد الوجوب الغيري.

فافهم: لعلّه إشارة- و هو ما سيشير إليه الشيخ الآخوند فيما بعد- إلى أنه لا تقل: إن الاجتزاء بشي‏ء لا يلازم كونه واجبا كما هو الحال في ركوب الدابة المغصوبة إلى الحج فإنه يقال: إن ذلك لوجود المانع لا لعدم المقتضي، و في المقام، المانع مفقود، و المقتضي موجود.

فيثاب ...: أي كي يثاب.

خلاصة البحث:

توجد أربعة آراء في باب مقدمة الواجب، أحدها رأي صاحب المعالم، و هو اشتراط أصل وجوب المقدمة بإرادة ذيها، و هو مدفوع بأن التبعية بين الوجوبين في الإطلاق و الاشتراط أوضح من أصل وجوب المقدمة، و لا معنى لتسليم الثاني دون الأوّل.

و ثانيها رأي الشيخ الأعظم المعتبر لقصد التوصّل، و يرده أن تمام النكتة في حكم العقل بوجوب المقدمة هي التمكّن من ذيها، و هو ثابت سواء قصد التوصّل أم لا. نعم قصد التوصّل معتبر في زيادة الثواب على ذي المقدمة حيث يصير أحمز الأعمال عند قصد التوصّل بالمقدمة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الأمر الرابع: الآراء في باب المقدمة:

ظاهر عبارة صاحب المعالم (رحمه اللّه) في بحث الضد- و أيضا فحجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها إنما تنهض دليلا على‏

194

الوجوب في حال كون المكلف مريدا للفعل المتوقّف عليها،- إن وجوب المقدمة مشروط بإرادة ذيها.

و لكن لا شبهة في أن وجوب المقدمة- بناء على الملازمة- يتبع في الإطلاق و الاشتراط وجوب ذي المقدمة كما أشرنا إليه في مطاوي كلماتنا، بل إن نهوض حجة وجوب المقدمة على التبعية أوضح من نهوضها على أصل الوجوب.

و يظهر مما نسبه إلى شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه بعض مقرري بحثه أن الإتيان بها بداعي التوصّل معتبر في وقوعها على صفة الوجوب.

و ذهب صاحب الفصول إلى أن المعتبر في وقوعها على ذلك ترتب ذيها عليها دون القصد، فلو لم يترتب كشف ذلك عن عدم وقوعها على صفة الوجوب.

و الظاهر عدم اعتبار شي‏ء منهما.

أما عدم اعتبار قصد التوصل فلأن الحاكم بوجوب المقدمة هو العقل، و هو إنما يحكم بذلك لأجل التوقّف و التمكّن، و واضح عدم مدخلية قصد التوصّل في ذلك، و لذا اعترف بالاجتزاء بما لم يقصد به ذلك في غير المقدمات العبادية، و ما ذاك إلّا لحصول ذات الواجب فيكون تخصيص الوجوب بخصوص ما قصد به التوصّل بلا مخصص فافهم.

نعم هو معتبر في صدق كونه آخذا بامتثال ذيها الموجب لمنح ثواب أشق الأعمال.

***

195

قوله (قدّس سرّه):

«فيقع الفعل المقدمي ...، إلى قوله: و أما عدم اعتبار ترتب ذي المقدمة عليها».

(1)

الثمرة بين الأقوال:

هذا شروع في بيان الثمرة بين مختار الشيخ الآخوند و مختار الشيخ الأعظم، و حاصل ما ذكره: إن الثمرة تظهر فيما لو فرض وجود شخص مثلا أو شك على الغرق و هناك أرض مغصوبة يلزم اجتيازها لتحقيق الإنقاذ، إن الثمرة تظهر في هذا المورد، و ذلك ضمن الحالات الثلاث التالية: (2)

1- أن يفترض أن الداخل للأرض المغصوبة جاهل بوجود الغريق و دخل لأجل النزهة دون هدف آخر، إنه هنا تظهر الثمرة، فعلى رأي الشيخ الأعظم يكون الاجتياز المذكور محرّما لأنه لم يقصد به التوصّل إلى الإنقاذ، و هذا بخلافه على رأي الشيخ الآخوند فإنه واجب، لأنه مقدمة للإنقاذ فيكون واجبا رغم عدم قصد الإنقاذ، و مع ثبوت الوجوب تزول الحرمة، (3) غايته يكون المجتاز متجريا من ناحية الدخول في الأرض المغصوبة، فإنه كان يعلم بغصبها

____________

(1) الدرس 115: (27/ ربيع الثاني/ 1425 ه).

(2) سيتضح فيما بعد إن شاء اللّه تعالى ان الحالة الثالثة لا تظهر فيها الثمرة و إنما تظهر في الحالتين الأولتين.

(3) و ذلك لأن المورد هو من موارد التزاحم بين وجوب الإنقاذ و حرمة الغصب، و حيث إن إنقاذ النفس المحترمة للمؤمن أهم فتزول الحرمة و يبقى الوجوب.

196

و لم يدخل إليها لأجل الإنقاذ بل لأجل التنزّه فيكون متجريا بسبب تصوّره حرمة الدخول الذي هو في الواقع واجب لكونه مقدمة.

2- أن يفترض أن الداخل كان يعلم بوجود الغريق و لكنه لم يقصد إنقاذه بل دخل لأجل النزهة، و هنا تظهر الثمرة أيضا، إذ على رأي الشيخ الأعظم يكون الدخول محرّما لأنه لم يقصد به الإنقاذ، بينما على رأي الشيخ الآخوند يكون واجبا.

نعم في هذه الحالة لا يكون الداخل متجريا بلحاظ الدخول و إنما يكون متجريا بلحاظ أنه لم يقصد الإنقاذ الذي هو واجب، فهو متجر لأنه لم يقصد تحقيق الواجب.

أما لما ذا هو ليس متجريا بلحاظ الدخول؟ ذلك باعتبار أنه كان ملتفتا إلى كونه مقدمة للإنقاذ، و بالتالي كان ملتفتا إلى كونه واجبا و ليس محرّما فلا معنى للتجري بلحاظه، و هذا بخلافه في الحالة الأولى، فإنه لمّا لم يلتفت إلى الإنقاذ لم يلتفت إلى المقدمية، و بالتالي كان يتصوّر حرمة الدخول فيكون متجريا.

3- أن يفترض أن الداخل كان ملتفتا إلى الغريق و قد قصد إنقاذه و لكنه حينما دخل الأرض المغصوبة لم يدخلها لغرض الإنقاذ فقط بل لغرض التنزه أيضا، أي أكّد داعي التنزّه بداعي الإنقاذ، و في مثله يكون الدخول واجبا كما هو واضح، و أيضا لا يلزم التجري بلحاظ الدخول و لا بلحاظ الإنقاذ.

أما أنه يكون الدخول واجبا فلأنه مقدمة للإنقاذ.

و أما أنه لا تجري بلحاظ الدخول فواضح، للعلم بوجوبه من جهة كونه مقدمة للإنقاذ.

و أما أنه لا تجري بلحاظ الإنقاذ فلفرض قصده بداع مستقل غايته‏

197

قد ضم إليه داع آخر مستقل أيضا، و هو غير مضر بعد كونهما معا استقلاليين. (1)

هذه هي الثمرة بين رأي الشيخ الآخوند و رأي الشيخ الأعظم (قدّس سرّهما).

ثمّ بعد هذا ذكر الشيخ الآخوند في مناقشة الشيخ الأعظم ما حاصله: إن التوصّل إلى ذي المقدمة بتوسط المقدمة هو من الفوائد المترتبة عليها لا أن قصد التوصّل قيد معتبر في اتصافها بالوجوب لقضاء الوجدان بأن ملاك الوجوب ثابت في كل مقدمة حتّى و لو لم يقصد بها ذلك.

و المنبّه على ثبوت الملاك في مطلق المقدمة هو أن الآتي بالمقدمة لا بقصد التوصّل بها إلى ذي المقدمة- كمن يركب الطائرة و يذهب إلى مكّة المكرمة لا للحج ثمّ يصمّم على أداء مراسيم الحج- لا يكلّف بإعادتها، و الحال أنه لو لم تكن مصداقا للواجب لم يجتزئ بها.

و الشيخ الأعظم كان ملتفتا إلى هذا فأجاب عنه بأن الاجتزاء لا يدل على كون الشي‏ء مصداقا للواجب و إلّا فركوب الوسيلة المغصوبة موجب للاجتزاء أيضا رغم أنه لا يتصف بالوجوب، كيف و هو حرام؟

و أجاب الشيخ الآخوند عن ذلك بأن عدم الاجتزاء فيما ذكر هو لوجود المانع، و هو الحرمة، فانها مانعة من اتصاف المقدمة بالوجوب، (2)

____________

(1) لا يخفى أن الحالة الثالثة المذكورة ليست موردا للثمرة، إذ على كلا الرأيين يكون الاجتياز متصفا بالوجوب لفرض أنه قد قصد به الإنقاذ فذكرها كمورد للثمرة ليس بوجيه- و إلّا لزم ذكر حالة رابعة، و هي ما إذا قصد الإنقاذ فقط من دون تأكيد بداع آخر- نعم ربما تكون الإشارة إليها من باب أن تأكيد الداعي فيها بداع آخر قد يوجب فيها شيئا من الخفاء فلذلك أشير إليها بخصوصها.

(2) قد يقال: لم لا نقول: إن اتصاف المقدمة بالوجوب مانع من ثبوت الحرمة لها كما كنّا نقول بذلك في اجتياز الأرض المغصوبة لأجل الإنقاذ؟-

198

و هذا بخلافه في مقامنا، فإن المانع مفقود، و المقتضي ثابت فيلزم اتصاف المقدمة بالوجوب.

و إن شئت قلت: كما أن المقدمة المقصود بها التوصل تتصف بالوجوب لثبوت المقتضي فيها و فقدان المانع فكذلك التي لا يقصد بها التوصل هي واجدة للمقتضي و فاقدة للمانع فيلزم أن تتصف بالوجوب.

ثمّ بعد ذلك ذكر الشيخ الآخوند أن الشيخ الأعظم قد أشكل على صاحب الفصول القائل بوجوب المقدمة الموصلة بثلاثة إشكالات كلها ترد عليه أيضا، و الإشكالات الثلاثة هي:

1- إن وجوب المقدمة هو من باب أن عدمها يوجب عدم ذيها، و من الواضح أن ترتّب ذي المقدمة و عدم ترتبه أجنبي عن ذلك.

2- إن وجوب المقدمة الموصلة يستلزم الحكم بوجوب مطلق المقدمة، لأن الأمر بالمقيّد بقيد أمر بذاته المجردة عن ذلك القيد.

3- إن الوجدان قاض بسقوط الطلب بمجرد تحقق المقدمة بلا انتظار تحقق ذيها.

و هذه الإشكالات الثلاثة ترد- كما ترى- على الشيخ الأعظم أيضا.

توضيح المتن:

فيقع الفعل المقدمي: و هو الاجتياز في المثال المتقدم، و سيأتي منه (قدّس سرّه) التمثيل به حيث يقول: (فيقع الدخول في ملك الغير ...).

____________

- فإنه يقال: إن الموردين معا هما داخلان تحت باب التزاحم، و المناسب تقديم الأهم، و حيث إن الأهم هناك هو إنقاذ النفس المحترمة فيكون الوجوب هو المقدّم على الحرمة، و هذا بخلافه هنا، فإن حرمة الغصب أهم بالقياس إلى وجوب الحج فتكون هي المقدّمة.

199

كسائر الواجبات التوصلية: أي كجميع الواجبات التوصلية التي أحدها الاجتياز.

لا على حكمه السابق ...: و الحكم السابق الثابت للاجتياز- بقطع النظر عن توقف الإنقاذ عليه- هو الحرمة.

متجريا فيه: أي في نفس الدخول و بلحاظه.

و لكنه لم يأت بها: أي بالمقدمة.

بهذا الداعي: المناسب إضافة قيد فقط.

بلا دخل له فيه: أي بلا دخل لقصد التوصل في ملاك الوجوب.

و لا يقاس ...: هذا رد على الشيخ الأعظم على ما أوضحنا.

و ذلك لأن ...: أي لا يقاس و ذلك لأن ...

على صفة الوجوب مثله: أي مثل الغير الذي قصد به التوصّل.

و إلّا لما كان يسقط ...: أي لو لم يكن المقتضي ثابتا فيه لما سقط به الوجوب ...

و انتظر لذلك تتمة توضيح: و ذلك في جواب إن قلت الثانية التي ستأتي إن شاء اللّه تعالى.

و اعتبار ترتّب ...: هذا عطف تفسير على المقدمة الموصلة.

خلاصة البحث:

تظهر الثمرة بين رأي الشيخ الأعظم و الشيخ الآخوند في ثلاث حالات كما أوضحنا.

و سقوط وجوب المقدمة في حالة عدم قصد التوصّل يدل على ثبوت ملاك الوجوب في مطلق المقدمة، و القياس على الفرد المحرم في غير محله.

200

و الإشكالات الثلاثة التي أوردها الشيخ الأعظم على صاحب الفصول ترد عليه أيضا.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و يترتّب على هذا وقوع الفعل المقدمي على صفة الوجوب- و لو لم يقصد به التوصل- لا على حكمه السابق، فالدخول في ملك الغير يقع واجبا إذا كان مقدمة لإنقاذ غريق لا حراما و إن لم يلتفت إلى المقدمية، غايته يحصل التجري بلحاظه.

و إذا فرض الالتفات يحصل التجري بلحاظ ذي المقدمة فيما إذا لم يقصد التوصّل إليه أصلا.

و أما إذا قصد منضما إلى داع آخر فلا تجري أصلا.

و بالجملة لا يكون قصد التوصل قيدا في وقوع المقدمة على صفة الوجوب لثبوت ملاكه في كل مقدمة بلا مدخلية له فيه أصلا و إلّا لما سقط الوجوب به.

و لا يقاس على ما إذا أتي بالفرد المحرم منها حيث يسقط به الوجوب مع أنه ليس بواجب.

و ذلك لأن الفرد المحرم إنما لا يتصف بالوجوب لأجل وجود المانع، و هو الحرمة بعد ثبوت المقتضي فيه، بخلاف محل كلامنا، فإن المانع مفقود و المقتضي موجود فيلزم الاتصاف بالوجوب، و انتظر لذلك تتمة توضيح.

و العجب أنه شدد النكير على القول بالمقدمة الموصلة بما يرد عليه فلاحظ.

***

201

قوله (قدّس سرّه):

«و أما عدم اعتبار ترتب ذي المقدمة عليها ...، إلى قوله: و لأنه لو كان معتبرا ...».

(1)

مناقشة فكرة المقدمة الموصلة:

تقدّم سابقا أن الآراء في مسألة مقدمة الواجب أربعة: رأي صاحب المعالم، و رأي الشيخ الأعظم، و رأي صاحب الفصول، و رأي المشهور.

و قد تقدّم الحديث عن الرأيين الأولين، و أما رأي صاحب الفصول فناقشه الشيخ الآخوند بمناقشتين.

و يجدر قبل هذا الإشارة إلى مصطلح علمي، حاصله: إن الأفعال الصادرة من الإنسان هي على نحوين، فتارة تصدر منه باختياره من دون حاجة إلى مقدمة، أو يفترض أنها تحتاج إلى مقدمة، و لكن رغم ذلك تصدر بالاختيار، كما هو الحال في شرب الماء، فإنه يصدر من الشارب باختياره، و كالإتيان بالحج، فإن الآتي بالمقدمات من تهيئة الجواز و ركوب الطائرة و ... يبقى مختارا في إتيانه بالحج، فربما يختار فعله و ربما يتركه، و مثل هذا الفعل الذي يصدر بالاختيار يصطلح عليه بالفعل المباشري.

و أخرى تصدر منه بدون اختياره، كما هو الحال في الملكية الحاصلة بعد صيغة بعت و اشتريت، فإنها تترتّب بشكل قهري بعد ذلك‏

____________

(1) الدرس 116: (9/ شوال/ 1425 ه).

202

من دون مدخلية الاختيار، و كايقاد العود و طرحه في مكان يحتوي على البنزين مثلا، فإن الاحتراق يحصل بعد ذلك بشكل قهري من دون مدخلية للاختيار.

و مثل هذا الفعل- أعني الملكية أو الاحتراق- يصطلح عليه بالفعل التسبيبي أو بالفعل التوليدي.

و على هذا الأساس يكون إيقاد العود فعلا مباشريا، لأنه صادر بالاختيار، و هكذا إجراء صيغة البيع أو فعل الحج أو شرب الماء، بينما الاحتراق و الملكية هما فعلان توليديّان أو تسبيبيان.

فالفعل المباشري إذن: هو ما يصدر بالاختيار، بينما التوليدي أو التسبيبي: هو ما يصدر بعد المقدمات من دون اختيار.

و باتضاح هذا المصطلح نعود إلى المناقشتين:

المناقشة الأولى:

و حاصل ما ذكره (قدّس سرّه) في هذه المناقشة: إن المولى لا يأخذ في الواجب أي قيد أو شرط أو جزء إلّا إذا فرض مدخلية ذلك في الغرض الذي من أجله اوجب ذلك الواجب.

فالصلاة مثلا لا يؤخذ فيها قيد الطمأنينة أو استقبال القبلة و نحو ذلك إلّا إذا فرض مدخليته في الغرض الذي من أجله تعلّق الوجوب بها.

و هذا مطلب واضح.

ثمّ أضاف (قدّس سرّه) قائلا: إنه لو أردنا تطبيق هذا على باب المقدمة وجدنا أن الغرض الذي من أجله وجبت المقدمة لا يتوقّف تحققه على تحقق ذي المقدمة بعد تحققها، فالمقدمة لم تجب لأجل أن يتحقق ذو المقدمة، بل لأجل أن يتمكن المكلف من إيجاد ذي المقدمة.