كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
203

إذن الغرض الذي من أجله وجبت المقدمة هو التمكّن و ليس تحقق ذي المقدمة.

و قد تسأل: ما هو الميزان في معرفة الغرض؟ أي كيف نعرف أن الغرض من إيجاب المقدمة هو التمكّن و ليس هو تحقق ذي المقدمة؟

و الجواب: إن الميزان هو أن نلاحظ الأثر الذي يترتب بعد فعل الشي‏ء، و ذلك الأثر هو الغرض، فمثلا لو فعل المكلف الصلاة بحدودها الشرعية ترتّب على ذلك الانتهاء عن الفحشاء و المنكر، فيكون ذلك هو الغرض الذي لأجله وجبت الصلاة.

و إذا لاحظنا المكلف عند فعله للمقدمات وجدنا إن ما يترتب على ذلك هو التمكّن، فالذي يترتب على فعل المقدمة هو التمكن من ذيها، و ليس هو تحققه، فإن التحقق ليس أثرا لفعل جميع المقدمات فضلا عن كونه أثرا لكل واحدة منها، فإذا فعل المكلف جميع مقدمات الحج مثلا من تهيئة بطاقة الطائرة و الجواز و غير ذلك فلا يترتب على ذلك تحقق ذي المقدمة بنحو جزمي و حتمي، بل يبقى هو مختارا في فعل الحج و عدمه، و غالب الواجبات الشرعية و العرفية كما نعرف هو من قبيل الأفعال المباشرية التي يبقى المكلف فيها مختارا بعد فعل المقدمات.

نعم إذا كان الواجب من قبيل الأفعال التسبيبية فيلزم بعد تحقق المقدمات تحقق ذي المقدمة و لكن هذا نادر كما قلنا.

و يمكن أن نوضّح ما أفاده الشيخ الآخوند في مناقشة صاحب الفصول بأنه ذكر ثلاث مقدمات في هذا المجال، هي:

الأولى: لا يؤخذ في الواجب أي قيد من القيود إلّا ما كان دخيلا في الغرض الذي من أجله وجب.

204

الثانية: إن الميزان في معرفة الغرض ملاحظة الأثر المترتّب على وجود الشي‏ء.

الثالثة: إن الأثر لكل مقدمة، بل و لجميع المقدمات هو التمكّن دون تحقق ذي المقدمة، فإنه أثر لسوء الاختيار و حسنه و ليس لنفس المقدمة.

ثمّ ذكر الشيخ الآخوند بعد هذا: إن لازم ما اختاره صاحب الفصول من وجوب خصوص المقدمة الموصلة كون المقدمة الواجبة هي خصوص العلة التامة، و المقدمات في باب الأفعال المباشرية حيث إنها ليست علة تامة فلا تكون واجبة، كما أنه في باب الأفعال التوليدية التسبيبية يلزم أن يكون الواجب هو مجموع المقدمات لا كل واحدة منها، فإن الذي يترتب عليه ذو المقدمة بنحو حتمي هو مجموع المقدمات دون كل واحدة منها.

ثمّ أشار (قدّس سرّه) بعد ذلك إلى إشكال و جواب ذكرهما بلسان إن قلت قلت.

أما الإشكال فهو: إن العلة التامة لا تنحصر بباب الأفعال التوليدية بل تجري في الأفعال المباشرية أيضا، فالفعل المباشري يلزم أن تكون له علة تامة أيضا، إذا الشي‏ء ما لم تتحقق علته التامة لا يمكن أن يوجد، فشرط وجود الشي‏ء تحقق علته التامة.

و أما الجواب فحاصله: صحيح أن الفعل المباشري لا يمكن أن يوجد إلّا بعد تحقق علته التامة، و لكن نقول: إن الجزء الأخير للعلة التامة هو اختيار الفعل بما له- الاختيار- من مقدمة، و هي الإرادة، فالإرادة هي جزء أخير من العلة التامة لوجود الشي‏ء، و حيث إن الإرادة ليست اختيارية- إذ اختيارية الأفعال هي بسبق الإرادة، فلو كانت الإرادة اختيارية يلزم أن تكون مسبوقة بإرادة أخرى،

205

و بالتالي يلزم التسلسل‏ (1)- فلا يمكن توجّه الوجوب الغيري إلى العلة التامة بمجموع أجزائها، إذ بعض تلك الأجزاء- و هو الإرادة- ليس اختياريا، و البعض الآخر و إن كان اختياريا و لكنه ليس علة تامة ليتعلق به الوجوب.

توضيح المتن:

ترتب ذي المقدمة عليها ...: أي ترتب ذي المقدمة على المقدمة في وقوعها- المقدمة- على صفة الوجوب الغيري.

في غرضه: أي في الغرض من الواجب الذي دعا إلى إيجاد الواجب و صار باعثا على طلب الواجب.

و ليس الغرض من المقدمة ...: أي ليس الغرض من إيجاب المقدمة إلّا حصول التمكّن الذي لولاه لما أمكن حصول ذي المقدمة.

و لا يخفى أن هذا مضافا إلى كونه تطويلا بلا طائل لا يخلو من حزازة في التعبير، فإن التمكن لا يصح التعبير عنه بما ذكر.

إلّا ما يترتب عليه ...: أي إلّا ما يترتب على الشي‏ء من الأثر و الفائدة المترتبين على ذلك الشي‏ء.

____________

(1) هذا مطلب قد تقدّم من الشيخ الآخوند في بعض المباحث السابقة و تأتي الإشارة أيضا إن شاء اللّه تعالى في الجزء الثاني من الكفاية في مبحث التجري، و هو يرجع إلى مقدمتين:

الأولى: إن ميزان اختيارية الأفعال سبقها بالإرادة. و هذا ما بنى عليه الفلاسفة و ارتضاه الشيخ الآخوند.

الثانية: إن الإرادة لو كانت اختيارية يلزم سبقها بإرادة أخرى، و بالتالي يلزم التسلسل.

و هذه المقدمة الثانية يمكن مناقشتها بأن اختيارية الأفعال و إن كان بسبق الإرادة إلّا أن اختيارية الإرادة هي بنفسها، كما هو الحال في النور، فإن الأشياء تصير منيرة بالنور، و أما نفس النور فهو منير بنفسه.

206

و لا يترتب على المقدمة إلّا ذلك ...: أي إلّا التمكّن، و لا تفاوت في الأثر المذكور- و هو التمكن- بين المقدمة التي يحصل بعدها الواجب و غيرها، و لا محالة يترتب التمكّن على كلا قسمي المقدمة.

و أنه لا محالة يترتب عليهما: عطف تفسير على سابقه.

في غالب الواجبات: أي الأفعال المباشرية.

فكيف يكون اختيار إتيانه: المناسب حذف كلمة اختيار، أي كيف يكون تحقق ذي المقدمة غرضا من إيجاب كل مقدمة، و الحال أنه لا يترتب على تمامها فضلا عن كل واحدة منها.

و من هنا قد انقدح ...: باعتبار أن القائل بالمقدمة الموصلة لا بدّ و أن يرى أن الغرض من إيجاب المقدمة هو الايصال، و معلوم هو لا يكون غرضا إلّا في الأفعال التوليدية.

إلّا أن مبادئ اختيار ...: أي إن مقدمة الاختيار- و هي الإرادة- هي من أجزاء العلة التامة.

خلاصة البحث:

ترد على صاحب الفصول مناقشتان، أولاهما أن الغرض من إيجاب المقدمة حيث إنه التمكّن دون تحقق ذيها فيكون المأخوذ في المقدمة الواجبة هو التمكّن، و هو متوفر في جميع المقدمات.

و أما تحقق ذيها فليس دخيلا في الغرض لعدم ترتبه على مجموع المقدمات فضلا عن كل واحدة.

و يلزم على رأي صاحب الفصول وجوب خصوص العلة التامة، أعني مجموع المقدمات في الفعل التوليدي فقط.

و إذا قيل: إن الفعل المباشري يلزم وجود علة تامة له أيضا.

207

قلنا: نعم، و لكن حيث إن الجزء الأخير ليس اختياريا فلا يمكن تعلّق الوجوب بها، لأن المركّب من الاختياري و غيره هو بحكم غير الاختياري.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أما عدم اعتبار ترتّب ذي المقدمة عليها في وقوعها على صفة الوجوب:

1- فلأنه لا يعتبر في الواجب إلّا ما له دخل في الغرض الداعي إلى إيجابه، و ليس الغرض من المقدمة إلّا التمكّن، فإن الغرض هو ما يترتّب على الشي‏ء من الأثر، و لا يترتّب على المقدمة إلّا ذلك، من دون فرق بين الموصلة و غيرها، و لا يعقل أن يكون ترتّب الواجب هو الغرض، لأنه ليس أثرا لتمام المقدمات فضلا عن كل واحدة في الأفعال المباشرية، التي هي الغالب في الواجبات، فإن الواجب غالبا فعل اختياري يختاره المكلف بعد تمام المقدمات تارة و قد لا يختاره أخرى.

نعم إذا كان الواجب من الأفعال التوليدية فهو يترتّب حتما على تمام المقدمات لعدم تخلّف المعلول عن علته.

و منه يتضح أن القول بالمقدمة الموصلة يستلزم تخصيص الوجوب بالعلة التامة في خصوص الواجبات التوليدية.

إن قلت: ما من واجب إلّا و له علة تامة، ضرورة استحالة وجود الممكن بدونها، فالتخصيص بالواجبات التوليدية بلا مخصص.

قلت: نعم، و إن استحال صدور الممكن بلا علة، إلّا أن الجزء الأخير من العلة التامة- و هو الإرادة- لا يمكن أن يتصف بالوجوب لعدم كونه اختياريا و إلّا يلزم التسلسل.

***

208

قوله (قدّس سرّه):

«و لأنه لو كان معتبرا فيه الترتب ...، إلى قوله:

انتهى موضع الحاجة ...».

(1)

المناقشة: [الثانية]

حاصل ما ذكره (قدّس سرّه) في المناقشة الثانية: إنه لا إشكال في أن الآتي بالمقدمة يسقط عنه الأمر الغيري بمجرد الإتيان بها بلا انتظار لتحقق ذي المقدمة، فالسفر إلى الحج مثلا يسقط وجوبه الغيري عند ركوب الطائرة و الوصول إلى مكّة المكرمة بلا انتظار لتحقق الحج.

و هذا السقوط ليس إلّا لأجل الموافقة، فإن مسقطات الأمر ثلاثة:

الموافقة، و العصيان، و فوات الموضوع، فمثلا الأمر بالصلاة يسقط عند امتثاله أو عند عصيانه إلى أن يخرج الوقت، حيث يسقط الأمر بالأداء، و هكذا مثل الأمر بغسل الميت و دفنه فإنه كما يسقط بامتثاله كذلك يسقط بما إذا جاء السيل و أخذ الميت معه.

و حيث إن من يركب الطائرة و يصل إلى مكّة المكرمة يسقط عنه الأمر الغيري جزما- بلا انتظار لتحقّق الحج- و لا يحتمل أن يكون ذلك السقوط لأجل العصيان أو فوات الموضوع فيتعيّن أن يكون لأجل الموافقة، و بذلك يثبت المطلوب، أي يثبت أن الأمر الغيري متعلّق بذات المقدمة، و ليس بها بقيد الإيصال و إلّا لما تحققت الموافقة و سقوط الأمر بسببها.

____________

(1) الدرس 117: (10/ شوال/ 1425 ه).

209

إن قلت: إنه يوجد مسقط رابع، و هو الإتيان بما يكون محصّلا للغرض من دون أن يكون متعلّقا للأمر، نظير ركوب الطائرة المغصوبة و الوصول بها إلى مكّة المكرمة لأداء الحج، فإن الأمر الغيري المتعلّق بالمقدمة يسقط جزما- و لا يكلّف المكلف بالرجوع إلى بلاده و الركوب من جديد في طائرة مباحة- باعتبار تحقق الغرض، و هو الوصول إلى مكّة المكرمة، و لكن هذا السقوط ليس لأجل موافقة الأمر، إذ لا أمر بركوب المغصوب، بل لأجل تحقق الغرض بغير المأمور به.

و لعلّ مقامنا من هذا القبيل، أي إن الأمر الغيري يسقط عند وصول الطائرة المباحة إلى مكّة المكرمة قبل تحقق الحج لا من باب تحقق الموافقة حتّى يكشف ذلك عن تعلّق الأمر الغيري بذات المقدمة، بل من جهة تحقق الغرض بغير المأمور به.

قلت: إن الفعل متى ما توفرت فيه أمور ثلاثة يلزم أن يكون متعلّقا للأمر، و الأمور الثلاثة هي: كونه اختياريا، و كونه محصّلا للغرض، و عدم وجود المانع من توجّه الوجوب إليه.

و ركوب الطائرة المغصوبة حيث إنه يشتمل على المانع من توجّه الوجوب فلا يمكن تعلّق الأمر الغيري به، و هذا بخلاف ركوب الطائرة المباحة و الوصول إلى مكّة قبل أداء الحج فإنه يلزم تعلّق الأمر الغيري بالركوب المذكور، لأنه فعل اختياري للمكلف، و محصّل للغرض، و لا يوجد مانع من توجّه الوجوب إليه.

و الخلاصة: إن سقوط الأمر الغيري عند تحقق الوصول إلى مكّة قبل أداء الحج يدل على أن الأمر الغيري متعلّق بذات المقدمة، و لا يحتمل أن يكون السقوط المذكور لأجل تحقق الغرض من دون تحقق الأمر و الموافقة.

210

أدلة صاحب الفصول:

ثمّ إن صاحب الفصول استدل على مختاره بوجوه ثلاثة: (1)

1- إن الحاكم بوجوب المقدمة ليس هو إلّا العقل، و هو يرى الملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب خصوص المقدمة الموصلة لا مطلق المقدمة.

2- يجوز عقلا أن يقول المولى أريد الحج مثلا و أريد السفر الموصل و لا أريد غير الموصل، و الضرورة قاضية بجواز تصريح المولى بذلك، نعم يقبح منه أن يقول: أريد الحج و لا أريد مطلق السفر أو لا أريد السفر الموصل، و هذا كله دليل واضح على أن الملازمة ثابتة بين وجوب ذي المقدمة و وجوب خصوص المقدمة الموصلة لا أكثر.

3- إن الغرض من المقدمة ليس هو التمكّن بل الوصول إلى ذيها، و من الواضح، إن من أراد شيئا لأجل شي‏ء فهو لا يريد الشي‏ء الأوّل إلّا عند تحقق الشي‏ء الثاني، فمن يريد السفر لأجل الحج فهو لا يريد السفر إلّا عند تحقق الحج.

توضيح المتن:

و لأنه لو كان معتبرا ...: عطف على قوله: (فلأنه لا يكاد يعتبر في الواجب ...).

____________

(1) و قد ذكر (قدّس سرّه) قبل استعراض الأدلة الثلاثة: إن قيد تحقق ذي المقدمة ليس قيدا لأصل وجوب المقدمة، بل هو قيد للمقدمة الواجبة، فكما أن الوضوء مثلا ليس قيدا لأصل وجوب الصلاة- و إلّا لزم عدم ثبوت الوجوب عند عدم توضئ الشخص و إنما هو قيد للصلاة الواجبة، أي إن الصلاة لا تكون مصداقا للواجب إلّا عند توضئ الشخص- كذلك تحقق ذي المقدمة ليس قيدا لوجوب المقدمة بل لاتصاف المقدمة بكونها مصداقا للمقدمة الواجبة.

211

و الضمير في قوله: (فيه) يرجع إلى اتصاف المقدمة بالوجوب.

بحيث لا يبقى في البين: متعلّق ب (يسقط)، أي لما كان الطلب الغيري بمجرد الإتيان بالمقدمة يسقط بنحو لا يبقى في البين إلّا طلب الواجب النفسي و وجوبه، أي وجوب الواجب النفسي.

كما إذا لم تكن هذه بمقدمة ...: الأنسب حذف هذه الجملة إلى قوله: (مع أن الطلب ...) أي إنه عند الإتيان بالمقدمة يسقط الأمر الغيري و كأن الواجب النفسي لا مقدمة له رأسا أو كانت له مقدمة و لكنها حاصلة قبل تعلّق الوجوب النفسي بذي المقدمة.

و قوله: (كما إذا لم تكن هذه ...)، أي كما إذا لم يكن مثل السفر مقدمة للحج، كما لو كان الشخص من أهل مكّة مثلا أو فرض أنه لم يكن من أهل مكّة و لكنه كان قد سافر إليها قبل أن يتوجّه إليه وجوب الحج، أي قبل الاستطاعة.

قبل إيجابه: هذا تفسير لقوله: (من الأوّل)، و هناك كلمة أي مقدّرة.

مع إن الطلب: أي و الحال أن من الواضح أن الطلب لا يسقط إلّا بأحد أمور ثلاثة.

و المخالفة: عطف تفسير على العصيان.

و لا يكون الإتيان: أي و من الواضح أن الإتيان بالمقدمة- التي يسقط الأمر بها قبل الإتيان بذيها- ليس هو مصداقا إلّا للأوّل، أي للموافقة، فالأمر بالمقدمة يسقط عند الإتيان بها لأجل تحقق الموافقة و إلّا فلا يحتمل أن يكون السقوط لأجل العصيان أو انتفاء الموضوع.

في التوصليات: كالسفر إلى مكّة فإنه توصلي.

212

و مثال سقوطه بفعل الغير ما إذا حمل الشخص في الطائرة و هو نائم و استيقظ بعد وصوله إليها.

و مثال سقوطه بالمحرّم ركوب الطائرة المغصوبة.

أن يكون ما يحصل به الغرض: هذا إشارة إلى أحد الأمور الثلاثة التي عند تحققها يلزم تحقق الأمر، و أشير إلى الثاني بجملة من الفعل الاختياري، و إلى الثالث بجملة فيما لم يكن فيه مانع.

ضرورة أنه لا يكون بينهما: أي بين السفر الموصل إلى الحج مثلا و السفر غير الموصل.

فكيف يكون أحدهما: و هو الموصل.

دون الآخر: أي غير الموصل.

من قبيل شرط الوجود لها: أي من قبيل شرط وجود الواجب.

و قوله: لها، أي للمقدمة.

بعدم مطلوبيتها له مطلقا: أي بعدم مطلوبية المقدمة للمولى الحكيم. و قوله: (مطلقا)، أي سواء أ كانت موصلة أم لا.

بمجرد حصول شي‏ء: المناسب لمجرد حصول شي‏ء. و أنسب من ذلك حذف كلمة مجرد، أي يكون التعبير هكذا: و صريح الوجدان قاض بأن من يريد شيئا لشي‏ء آخر ...

خلاصة البحث:

و المناقشة الثانية هي أن الأمر الغيري يسقط بمجرد الإتيان بالمقدمة و لو لم يتحقق ذوها بعد، و حيث إن هذا السقوط ليس إلّا لأجل الموافقة- و لا يحتمل كونه لأجل العصيان أو زوال الموضوع- فيتعيّن‏

213

كون الوجوب الغيري متعلّقا بذات المقدمة. و دعوى وجود مسقط رابع مرفوضة.

و استدل صاحب الفصول بوجوه ثلاثة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

2- و لأنه لو كان الترتب معتبرا لما سقط الطلب بمجرد الإتيان بها من دون انتظار لترتّب الواجب عليها، و بما أن الطلب لا يسقط إلّا بالموافقة أو العصيان أو زوال الموضوع، و المورد لا يحتمل فيه غير الموافقة فيثبت المطلوب.

إن قلت: كما يسقط بذلك يسقط بغير المأمور به أيضا فيما إذا كان يحصل به الغرض، كسقوطه في التوصليات بفعل الغير أو المحرمات.

قلت: نعم، و لكن ما يحصل به الغرض إذا كان فعلا اختياريا و لم يكن مانع لزم كونه متعلّقا للطلب. و مجرد عدم تحقق المطلوب النفسي بعد ذلك لا يوجب تفاوتا.

ثمّ إنه قد استدل صاحب الفصول على ما ذهب إليه بوجوه، حيث قال بعد بيان أن التوصل شرط للواجب دون الوجوب: الذي يدلّك على هذا، يعني الاشتراط بالتوصل:

1- إن وجوب المقدمة لمّا كان من باب الملازمة العقلية فالعقل لا يحكم بأزيد من القدر المذكور.

2- لا يأبى العقل أن يقول الحكيم: أريد الحج و أريد السفر الموصل دون غيره، و الضرورة قاضية بذلك، كما أنها قاضية بقبح‏

214

التصريح بعدم مطلوبيته مطلقا أو على تقدير الإيصال، و ذلك آية عدم الملازمة بين وجوبه و وجوب المقدمات غير الموصلة.

3- و أيضا حيث إن المطلوب بالمقدمة التوصّل فلا جرم يكون معتبرا في مطلوبيتها، و الوجدان قاض بأن من يريد شيئا لشي‏ء آخر فلا يريده إذا وقع مجردا عنه.

***

215

قوله (قدّس سرّه):

«و قد عرفت بما لا مزيد عليه ...، إلى قوله: و أما ما أفاده (قدّس سرّه) من أن ...».

(1)

مناقشة الأدلة الثلاثة لصاحب الفصول:

بعد الفراغ من الوجوه الثلاثة لصاحب الفصول‏ (2) أخذ الشيخ الآخوند بمناقشتها.

أما الوجه الأوّل- و هو أن العقل لا يحكم بالملازمة إلّا في حدود المقدمة الموصلة- فأورد عليه بإنّا لا نسلّم بأن العقل يحكم بوجوب خصوص الموصلة، بل يحكم بوجوب كل مقدمة- فيما إذا لم يكن مانع من ثبوت الوجوب لها، كما في مثال ركوب الطائرة المغصوبة- لأن نكتة الوجوب هي أنه بالمقدمة يحصل التمكّن على ذي المقدمة، و التمكّن ثابت في جميع المقدمات و لا يختص بخصوص المقيّدة بالايصال، و مع ثبوت التمكّن بلحاظ جميع المقدمات كيف يدّعي صاحب الفصول أن العقل يحكم بوجوب خصوص الموصلة؟!

و أما الوجه الثاني- و هو أنه يصح للمولى أن يقول: أريد الحج و أريد السفر الموصل دون السفر غير الموصل- فأورد عليه بإنّا لا نسلّم بصحة التصريح بذلك للحكيم بل الأمر بالعكس، فإن الضرورة قاضية

____________

(1) الدرس 118: (11/ شوال/ 1425 ه).

(2) هناك وجه رابع يأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى، و لكنه لغير صاحب الفصول.

216

بعدم جواز مثل التصريح المذكور، لأن ملاك وجوب المقدمة- و هو التمكّن- ثابت في حالة الايصال و عدمه، و لا يختص بحالة الايصال.

و بكلمة أخرى: لا تفاوت بين الموصلة و غيرها من ناحية حيثية التمكّن، فكلتاهما توجبان التمكّن على ذي المقدمة. نعم إن كان هناك فرق فهو من ناحية أخرى، أي من ناحية أن المطلوب النفسي- و هو الحج مثلا- حاصل بعد الموصلة و غير حاصل بعد غير الموصلة، و لكن هذا الفرق لا يوجب تفاوتا من ناحية ذات المقدمة، فركوب الطائرة مثلا أمر واحد و لا اختلاف فيه بين من يأتي بالحج بعد ذلك و بين من لم يأت به، فإن الشخص إذا ركب الطائرة و وصل إلى مكّة المكرمة فربما يأتي بالحج بعد ذلك لتصميمه عليه و اختياره له و توفيق اللّه سبحانه له، و ربما لا يأتي به إما لسوء اختياره أو لعدم توفيق اللّه سبحانه له بسبب طرو مرض له أو غير ذلك، و من الواضح أن الإتيان بالحج بعد ذلك و عدم الإتيان به لا يؤثّران على المقدمة- أعني ركوب الطائرة- شيئا، فواقع المقدمة واحد، سواء أتى بالحج بعد ذلك أم لا.

و بالجملة نحن لا نسلّم بصحة تصريح المولى بأني لا أريد السير غير الموصل بعد فرض أن نكتة التمكّن ثابتة فيه كثبوتها في السير الموصل. نعم يصح له أن يصرّح بشي‏ء آخر، بأن يقول: إن مطلوبي النفسي- أعني الحج- حاصل بعد هذه و غير حاصل بعد تلك، بل يصح له أن يصرّح بأكثر من هذا، بأن يقول: إن مطلوبي- من دون تقييد بالنفسي- حاصل بعد هذه و غير حاصل بعد تلك، فإن السفر لمّا كان مطلوبا غيريّا و بالتبع فيمكن أن لا يلتفت إليه المولى و بالتالي لا يلتفت إلى كونه مطلوبا غيريّا، و يمكن أن يلتفت إليه و يقول: إن مطلوبي الغيري‏

217

هو و إن حصل و لكنه غير مفيد، إذ ما الفائدة في السفر إذا لم يترتّب تحقق الحج بعده. (1)

إن قلت: لم لا نقول: إن هذه ما دامت موصلة إلى الحج فيصح للمولى أن يقول: إني أريدها و أطلبها، و تلك لمّا لم توصل فيصح أن يقول: لا أريدها و لا أطلبها، و بذلك يكون ما أفاده صاحب الفصول وجيها، فإنه ذكر أنه يصح للمولى أن يقول: أريد الموصلة و لا أريد غير الموصلة، و نحن قلنا فيما سبق: إن هذا أمر مرفوض، و الآن نقول: هو شي‏ء صحيح، فإن نفس كون هذه موصلة يوجب صحة حكم المولى بأني أريدها، و نفس كون تلك غير موصلة يوجب صحة حكم المولى بأني لا أريدها رغم أنهما تشتركان معا في حيثية التمكّن.

قلت: إن هذا وجيه لو فرض أن حيثية الإيصال و عدمها توجب اختلافا في ذات المقدمة، كما لو فرض أن إحدى الطائرتين كانت قوية و صالحة للايصال إلى مكّة المكرمة و الأخرى ليست كذلك، و لكن هذا خارج عن الفرض، إذ نحن نفترض أن الطائرة واحدة و قد ركب فيها شخصان و وصلا إلى مكّة و لكن أحدهما بحسن اختياره أو بتوفيق اللّه سبحانه أتى بالحج و الآخر بسوء اختياره أو بعدم توفيق اللّه سبحانه لم يأت به، إنه في مثل ذلك لا يوجد اختلاف في ذات المقدمة، و مع عدم الاختلاف كيف يصح للحكيم أن يقول: هذه أريدها و تلك لا أريدها؟!

توضيح المتن:

و قد عرفت بما لا مزيد عليه ...: لعلّه إشارة إلى ما ذكره في المناقشة الأولى‏

____________

(1) قد يقال: إنه إذا لم يكن في المطلوب الغيري فائدة فلازم ذلك تعلّق الطلب الغيري بخصوص المقدمة الموصلة، و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

218

بقوله: (و ليس الغرض من المقدمة إلّا حصول ما لولاه ...)، أي ليس الغرض من المقدمة إلّا التمكن الثابت في الموصلة و غيرها معا.

فيما لم يكن هناك مانع عن وجوبه: المناسب: عن وجوبها. و لعلّ المرجع متصيّد، و هو بعض مصاديق المقدمة.

محكوما فعلا: أي بالفعل، كما في ركوب المغصوب مثلا.

لثبوت مناط: تعليل لقوله: (دلّ على وجوب مطلق المقدمة).

حينئذ: أي حين فقد المانع. و المناسب حذفه لعدم الحاجة إليه.

بالمقيد بذلك: أي بالايصال من المقدمات.

و قد انقدح منه: هذا ردّ على الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة لصاحب الفصول. أي و قد اتضح من خلال ما سبق أنه ليس للآخر ...

الغير المجازف بالقول: أي غير المنحرف بأقواله عن الاستقامة.

مجازفة: أي انحراف عن الصواب؛ و هو خبر لقوله: (و إن دعوى ...).

نعم إنما يكون التفاوت بينهما: أي بين الموصلة و غيرها.

من دون دخل لها: أي للمقدمة في ترتب المطلوب و عدمه.

و جاز للآمر ...: لا نعرف إن هذا معطوف على ما ذا. و الأنسب صياغة العبارة بشكل يوحي بالاستئناف و لو من خلال الفعل المضارع، أي هكذا: و يجوز للآمر ...

كما يأتي أن وجوب المقدمة على الملازمة تبعي: هذه الجملة معترضة لا بدّ من وضعها بين شريطين.

ثمّ إن الذي يأتي هو أن وجوب المقدمة قد يكون تبعيّا و قد يكون أصليا لا أنه تبعيّ دائما.

219

جاز في ...: أي بل من حيث إن الملحوظ بالذات هو هذا المطلوب ... جاز في صورة ...

فافهم: تقدم في الهامش وجه الأمر بالفهم.

إن قلت: لعلّ التفاوت بينهما: أي بين الموصلة و غيرها.

و جواز التصريح بهما: أي بالمطلوبية و عدمها فيقول المولى: هذه أريدها و تلك لا أريدها.

و إن لم يكن بينهما تفاوت في الأثر: و هو التمكّن.

و كونها في: عطف على أن الموصلية. ثمّ إن المناسب: كلتا بدل كلا.

و عدم الإتيان به كذلك: أي و عدم الإتيان بالواجب بعد الإتيان بها بالاختيار.

خلاصة البحث:

يردّ الوجه الأوّل أن العقل يحكم بوجوب مطلق المقدمة لا خصوص الموصلة لعدم التفاوت بين الموصلة و غيرها في التمكن.

و يردّ الوجه الثاني أن الحكيم لا يصح منه الحكم بإرادة خصوص الموصلة بعد ما كانت نكتة التمكّن متوفرة في غير الموصلة أيضا.

نعم هما متفاوتتان من ناحية حصول المطلوب النفسي بعد إحداهما و عدم حصوله بعد الأخرى، و لكن هذا تفاوت في شي‏ء خارج عن ذات المقدمة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و الجواب:

أما عن الأوّل فالعقل- الحاكم بالملازمة- يحكم بوجوب مطلق المقدمة بعد ثبوت المناط فيه.

220

و أما عن الثاني فليس للحكيم التصريح بما ذكر.

و دعوى قضاء الضرورة بذلك مجازفة، كيف و الملاك ثابت في الصورتين بلا تفاوت أصلا؟!

نعم هناك تفاوت في حصول المطلوب النفسي بعد إحداهما و عدم حصوله بعد الأخرى إلّا أنه ليس لدخل لها في ذلك بل لحسن الاختيار و سوئه.

و إذا كان يجوز التصريح بشي‏ء فهو التصريح بحصول هذا المطلوب و عدمه، بل لأجل أن الملحوظ بالذات هو هذا المطلوب- و الغيري مطلوب بالتبع- فيجوز في حالة عدم حصول المطلوب النفسي التصريح بعدم حصول المطلوب أصلا لعدم الالتفات إلى ما حصل.

إن قلت: لعلّ التفاوت بالموصلية و عدمها هو الموجب لصحة التصريح بإرادة هذه دون تلك.

قلت: هذا وجيه لو كان التفاوت بالموصلية و عدمها تفاوتا في ذات المقدمة، و لكنه ليس كذلك كما هو واضح.

***

221

قوله (قدّس سرّه):

«و أما ما أفاده (قدّس سرّه) من أن مطلوبية ...، إلى قوله:

بقي شي‏ء».

(1)

تتمة مناقشة كلام صاحب الفصول:

و أما الوجه الثالث- و هو أن مطلوبية المقدمة لما كانت لأجل التوصّل فيعتبر التوصّل فيها- فأجاب عنه بأنه قد اتضح من خلال ما تقدّم أن المقدمة ليست مطلوبة لأجل التوصّل بل لأجل التمكّن، لأن ميزان الغرض على ما ذكرنا عبارة عن الأثر المترتب على الشي‏ء، و واضح أن الأثر المترتب على المقدمات هو التمكّن و إلّا فنفس ذي المقدمة قد ينفك عنها بسبب سوء الاختيار أو غيره.

ثمّ إنه جاءت في كلام صاحب الفصول فيما سبق عبارة يقول فيها: إن صريح الوجدان قاض بأن من يريد شيئا لأجل شي‏ء آخر فهو لا يريد الشي‏ء الأوّل إذا انفك عن الثاني، فالسفر إذا كان يريده المولى لأجل الحج فهو لا يريده إذا انفك عن الحج. و هنا يعلّق الشيخ الآخوند بتعليقين:

الأوّل: إننا لا نسلّم أن السفر إذا كان مرادا لأجل الحج فهو لا يكون مطلوبا بالطلب الغيري إذا انفك عن الحج، بل الصحيح أنه يبقى مطلوبا بالطلب‏

____________

(1) الدرس 119: (14/ شوال/ 1425 ه).

222

الغيري حتّى مع عدم تحقق الحج، إذ لو لم يبق الطلب الغيري فلازم ذلك أن يصير ذو المقدمة- أعني الحج- مقدمة لتحقق الواجب الغيري، و بالتالي يكون مطلوبا بالطلب الغيري و ينقلب الواجب النفسي إلى واجب غيري.

و لك أن تقول: سوف تنقلب الملازمة، فبينما كانت سابقا بين الواجب النفسي و الواجب الغيري بحيث يترشح وجوب الثاني من الأوّل تصبح الآن بين الواجب الغيري و الواجب النفسي بحيث يترشح وجوب النفسي من الغيري.

و لا يبعد حصول الخلط بين الحيثية التعليلية و الحيثية التقييدية (1) فتصوّر صاحب الفصول أن ذا المقدمة حيثية تقييدية، أي هو مأخوذ كجزء في موضوع الوجوب الغيري بحيث يكون الوجوب الغيري منصبّا على المقدمة المقيّدة بتحقق ذيها، بينما الصحيح أن ذا المقدمة مأخوذ

____________

(1) الفرق بين الحيثيتين هو أن الوصف تارة يؤخذ كجزء ثان في موضوع الحكم حيث يكون الحكم منصبا على جزءين: الموصوف و الوصف معا، و أخرى يكون منصبا على ذات الموصوف فقط، و دور الوصف دور العلة لتوجّه الحكم إلى ذات الموصوف، و الوصف في الحالة الأولى حيثية تقييدية، و في الحالة الثانية حيثية تعليلية.

مثال ذلك: أكرم الرجل العالم، فتارة يكون موضوع وجوب الاكرام هو الرجل+ العالمية، و أخرى هو ذات الرجل، و دور العالمية دور العلة لتوجّه وجوب الاكرام إلى ذات الرجل.

و يترتّب على هذا أن الشخص لو شككنا في بقاء علمه فهل يجوز استصحاب بقاء وجوب اكرامه؟ إنه بناء على أخذ العلم بنحو الحيثية التقييدية لا يمكن جريان الاستصحاب لأن شرط جريانه إحراز بقاء الموضوع، و لا يجوز ذلك بعد أخذ العالمية جزء الموضوع، و هذا بخلافه بناء على أخذه بنحو الحيثية التعليلية فإنه يجري، لأن الموضوع لوجوب الاكرام هو ذات الشخص التي هي باقية و لا تختلف باختلاف الأوصاف و الحيثيات التعليلية.

223

بنحو الحيثية التعليلية، أي إن موضوع الوجوب الغيري بتمامه هو ذات المقدمة من دون مدخلية لذيها فيه.

الثاني: إنه قد تقدم أن المقدمة لم تطلب بالطلب الغيري لأجل التوصّل، بل لأجل التمكّن.

وجه رابع:

ثمّ إنه يوجد وجه رابع- ربما ينسب إلى السيد اليزدي صاحب العروة الوثقى- يستدل به على وجوب خصوص المقدمة الموصلة.

و حاصله: أنه يمكن للمولى أن ينهى بنحو التحريم عن جميع المقدمات إلّا الموصلة فيثبت لها الوجوب، فيقول هكذا: تحرم جميع المقدمات غير الموصلة إلى الحج و تجب خصوص الموصلة. و صحة هذا دليل على وجوب خصوص الموصلة و إلّا فكيف صحّ تحريم كل مقدمة ما عداها. (1)

و أجاب عنه الشيخ الآخوند بجوابين:

الأوّل: إنه لو سلمنا إمكان النهي عن جميع المقدمات عدا الموصلة- و سيأتي في الجواب الثاني عدم إمكان ذلك- فنقول: إن غير الموصلة و إن كانت لا تتصف بالوجوب إلّا أن عدم الاتصاف ليس لأجل عدم المقتضي بل لأجل وجود المانع، و هو التحريم، و لو لا المانع لاتصفت بالوجوب، و كلامنا هو في حالة عدم وجود المانع، و هذا الوجه لا يثبت عدم وجوب المقدمة في هذه الحالة.

____________

(1) فرق هذا الوجه عن الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة التي ذكرها صاحب الفصول أنه في الوجه الثاني فرض أن المولى لا يحرّم المقدمة غير الموصلة و إنما يقول: لا أريدها بمعنى لا أوجّه طلبا إليها، و هذا بخلافه في هذا الوجه، فإن المفروض تحريم غير الموصلة.

224

الثاني: لا نسلّم إمكان تحريم جميع المقدمات عدا الموصلة للزوم محذور عدم عصيان تارك ذي المقدمة، فالشخص التارك للحج مثلا عمدا يلزم أن لا يكون معاقبا، لأن صحة عقابه فرع توجّه الأمر بالحج إليه، و هو فرع إمكان فعل المقدمة- أي السير-، و إمكان ذلك موقوف على عدم حرمتها، و هو فرع الإتيان بالحج، و إلّا لم تكن موصلة، و بالتالي تكون محرمة، و هذا يعني أن المكلف قبل فعله للحج لا يكون هناك أمر متوجه إليه، و بالتالي لا يكون عاصيا لو ترك الحج.

و لك أن تبدل المحذور المذكور بصيغة أخرى ربما تكون قريبة من الصيغة الأولى من حيث الروح، و حاصلها أنه يلزم أن يكون الأمر بالحج أمرا بتحصيل الحاصل، إذ الأمر إنما يتوجّه إلى الحج مثلا حينما يكون مقدورا للمكلف، و ذلك فرع إمكان مقدمته، و هو فرع الإتيان بالحج- و إلّا لم تكن موصلة، و بالتالي تكون محرمة- و مع الإتيان به يكون الأمر به أمرا بتحصيل ما هو حاصل.

توضيح المتن:

بمقدمات أخرى: أي إن مقدمة الفعل هو اختياره، و الاختيار موقوف على مقدمات، و هي الإرادة بما لها من مقدمات.

و لا داعي إلى هذا التطويل الذي هو بلا طائل.

مثل ذا: أي مثل هذا، و هو ترتب ذي المقدمة غاية لمطلوبية المقدمة.

و صريح الوجدان: هذا ردّ على العبارة المتقدمة لصاحب الفصول، أعني قوله: و صريح الوجدان قاض بأن من ...

بسبب عدم حصول سائر: أي جميع ما له دخل في حصول الغاية.

225

يلزم أن يكون وجودها ...: أي يلزم أن يكون وجود الغاية- الحج- مقدمة لوقوع ذي الغاية- السير- على نحو تكون الملازمة بين وجوب ذي الغاية بالوجوب الغيري و وجوب الغاية.

كسائر قيوده: أي سائر قيود ذي الغاية لو كانت له قيود.

فلا يكون وقوعه على ...: هذا نتيجة ما تقدم، أي إن النتيجة أن وقوع ذي الغاية على صفة المطلوبية الغيرية لا يتوقف على حصول الغاية.

و لعلّ منشأ توهمه: أي توهم صاحب الفصول في اعتبار ترتب ذي المقدمة في اتصاف المقدمة بالمطلوبية.

خلطه بين ...: فإن الغاية علة لطلب المقدمة لا حيثية تقييدية حتّى يلزم كون الطلب الغيري متعلّقا بالمقدمة الحاصل معها الغاية.

هذا مع ما ...: هذا إشارة إلى التعليق الثاني.

إنما هو حصول ما ...: الأنسب إنما هو حصول التمكّن.

ثمّ إنه لا شهادة ...: هذا إشارة إلى الوجه الرابع. و المقصود لا شهادة على اعتبار وجوب خصوص المقدمة الموصلة.

لو سلّم: و سيأتي وجه عدم التسليم في الجواب الثاني.

الواجب منها: أي من المقدمات.

مع أن في صحة ...: هذا إشارة إلى الجواب الثاني. و المناسب: مع أن في صحة المنع منها أو عنها، أي مع أن في صحة المنع عن المقدمات كذلك، أي إلّا فيما ترتب عليها الواجب.

و بالجملة: هذا و إن لم يكن نفس السابق من حيث الصورة و الصياغة اللفظية لكنه يقرب منه من حيث الروح.

226

خلاصة البحث:

أجاب (قدّس سرّه) عن الوجه الثاني بأن المقدمة مطلوبة لأجل التمكّن دون التوصّل.

و أجاب عن قوله: (و صريح الوجدان ...) بجوابين:

أحدهما: إن الوجدان قاض بالعكس، أي إن الشي‏ء الثاني إذا تخلّف فالأوّل يبقى على المطلوبية الغيرية و إلّا يلزم انقلاب الواجب النفسي إلى واجب غيري.

و ثانيهما: إنه تقدم أن المقدمة مطلوبة لأجل التمكن دون التوصّل.

و أجاب عن الوجه الرابع بجوابين:

أحدهما: إن المقدمة غير الموصلة إنما لا تتصف بالوجوب الغيري في الحالة المذكورة لأجل التحريم لا لعدم المقتضي.

ثانيهما: إنه لا يمكن تحريم غير الموصل و إلّا يلزم أن لا يكون ترك ذي المقدمة عصيانا أو يلزم محذور كون الأمر بذي المقدمة أمرا بتحصيل الحاصل.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أما عن الثالث فقد تقدّم أن المقدمة مطلوبة للتمكّن- لأنه الأثر المترتب عليها- دون التوصّل لأنه ليس من آثارها بل مما يترتب عليها أحيانا بالاختيار، و لا يمكن أن يكون مثل ذا غاية لمطلوبيتها.

و صريح الوجدان قاض بأن ما أريد لغاية و تجرّد عنها يقع على المطلوبية الغيرية و إلّا كان وجودها مقدمة للمقدمة و مطلوبا بالطلب الغيري بنحو تكون الملازمة بين وجوب المقدمة بالوجوب الغيري و وجوب ذي المقدمة.

227

و لعلّ منشأ توهمه خلطه بين الجهة التقييدية و التعليلية.

هذا مضافا إلى ما عرفت من كون الغاية هو التمكّن لا حصول ذي المقدمة.

ثمّ إنه لا شهادة على الاعتبار بصحة المنع عن غير الموصلة، لأن الوجوب و إن اختص بالموصلة آنذاك و لكنه للنهي عن غيرها لا لقصور مقتضي الوجوب في غيرها.

هذا مع أن في صحة المنع عن غير الموصلة نظرا حيث يلزم أن لا يكون ترك الواجب عصيانا لعدم التمكن شرعا منه بعد اختصاص جواز مقدمته بحالة الإتيان به.

و بالجملة: يلزم أن يكون الأمر بالواجب طلبا لتحصيل الحاصل لاختصاص الوجوب بصورة الإتيان، لانحصار جواز المقدمة بها.

***

228

قوله (قدّس سرّه):

«بقي شي‏ء، و هو أن ثمرة ...، إلى قوله: و ربما أورد على تفريع ...».

(1)

ثمرة وجوب خصوص الموصلة:

بعد الفراغ عن أدلة وجوب مطلق المقدمة و أدلة وجوب خصوص المقدمة الموصلة و مناقشة ذلك يقع الكلام عن الثمرة المترتّبة على وجوب مطلق المقدمة أو وجوب خصوص المقدمة الموصلة.

و وجه الحاجة إلى هذا البحث هو أن المكلف لا يعرف من البداية أن هذه المقدمة موصلة أو غير موصلة، و إنما يعرف ذلك بعد أن ينهى المقدمة و يصل إلى مكّة المكرمة مثلا، و آنذاك إن ترتّب الحج كانت المقدمة موصلة و إلّا فلا، و عليه فما الفائدة من طرح هذا البحث بعد ما كان المكلف ملزما منذ البداية بسلوك المقدمة و لا يعرف أنها موصلة أو لا إلّا بعد ذلك؟

و في هذا المجال توجد صيغتان للثمرة، إحداهما لم يذكرها صاحب الفصول و إنما تبرّع بها الشيخ الخراساني، و الأخرى قد ذكرها صاحب الفصول، و لكن الشيخ الخراساني لم يذكر كلتا الصيغتين بل الأولى فقط التي قد تبرّع بها.

____________

(1) الدرس 120: (15/ شوال/ 1425 ه).

229

ثمّ بعد ذلك ذكر إشكالا من قبل الشيخ الأعظم على الثمرة و لكنه إشكال على الصيغة الثانية التي لم يذكرها.

و بهذا يتضح أنه قد حصل نحو من الالتباس و الخفاء، فالصيغة المذكورة هي الأولى، و الإشكال هو على الثانية التي لم يذكرها.

و هذه قضية مهمة ينبغي الالتفات إليها من البداية.

الصيغة الأولى:

أما الصيغة الأولى للثمرة فهي أن المكلف لو دخل المسجد مثلا و رأى فيه نجاسة و لكنه لم يأخذ بالإزالة بل أخذ بالصلاة مع فرض سعة وقتها ففي مثل ذلك لا إشكال في تحقق العصيان بترك امتثال الأمر الفوري بالإزالة و لكن هل تقع الصلاة صحيحة؟ إن الثمرة تظهر هنا.

فبناء على وجوب مطلق المقدمة تقع فاسدة، لأن ترك أحد الضدين لمّا كان مقدمة لوجود الضد الآخر فترك الصلاة يكون مقدمة للإزالة، و ما دام مقدمة فيقع واجبا لوجوب مقدمة الواجب، و إذا وجب ترك الصلاة حرم نقيضه، و هو نفس الصلاة، فتقع الصلاة منهيا عنها، و مع النهي عنها تقع فاسدة لاقتضاء النهي عن العبادة فسادها.

و هذه الثمرة كما ترى تتوقف على مقدمات أربع هي:

1- إن ترك أحد الضدين مقدمة لوجود الضد الآخر. و هذا ما يأتي الحديث عنه في مبحث الضد إن شاء اللّه تعالى.

2- إن ترك أحد الضدين ما دام مقدمة يكون واجبا لوجوب مقدمة الواجب.

3- إنه إذا وجب ترك أحد الضدين حرم ضده أو نقيضه، لأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن النقيض.

230

4- إنه مع النهي عن النقيض- أعني الصلاة مثلا- يقع فاسدا، لأن النهي عن العبادة يقتضي فسادها.

هذا كله بناء على وجوب مطلق المقدمة، و قد اتضح أن العبادة تقع فاسدة عند مزاحمتها بالضد الآخر الأهم.

و أما بناء على وجوب خصوص المقدمة الموصلة فتقع العبادة صحيحة، لأن ترك الصلاة و إن كان مقدمة للإزالة إلّا أن الواجب هو الموصلة، أي الترك الموصل إلى الإزالة، و من الواضح أن المكلف ما دام يشتغل بالصلاة فلا يمكنه الإتيان بالإزالة، و بالتالي لا يكون ترك الصلاة واجبا لأنه لا يمكن الوصول به إلى الإزالة، لما فرضنا من أنه مع الاشتغال بالصلاة لا يمكن تحقق الإزالة. (1)

الصيغة الثانية:

و هذه الصيغة هي التي ذكرها صاحب الفصول، و حاصلها: إن ترك الصلاة

____________

(1) و لكن تقدّم أن الايصال مأخوذ بنحو قيد الواجب دون قيد الوجوب، فترك الصلاة و إن كان لا يصدق عليه أنه موصل إلى الإزالة- لفرض عدم إمكان تحقق الإزالة عند الاشتغال بالصلاة- و لكن هذا لا يعني عدم تعلّق الوجوب بالترك الموصل، فالوجوب للترك الموصل ثابت، غايته لا يكون مصداق المقدمة الواجبة صادقا بالفعل.

و مع التسليم بتعلق الوجوب بالترك الموصل يقع النقيض- أعني الصلاة- محرّما.

و إن شئت قلت بصيغة أو روح أخرى: إنه مع الاشتغال بالصلاة و إن لم يمكن تحقّق الإزالة و لكن هذا لا يعني عدم إمكان تحقق الترك الموصل، بل يمكن ذلك، بأن يترك المكلف صلاته التي هو مشتغل بها و يمارس الإزالة، فالترك الموصل يمكن تحققه.

و لعلّه لهذا لم يذكر صاحب الفصول الصيغة المذكورة للثمرة.

و بهذا يتضح أن الإشكال على الثمرة المذكورة اثنان:

الأوّل: إن الوجوب متعلّق بالترك الموصل رغم عدم إمكان تحقق الترك الموصل.

الثاني: إن الترك الموصل يمكن تحققه، و ذلك بترك الصلاة و الاشتغال بالإزالة.

231

مقدمة للإزالة، و هذه مقدمة مسلّمة، و إذا كان ترك الصلاة مقدمة وجب الترك الموصل للإزالة، و بالتالي حرم نقيض الترك الموصل.

و لكن السؤال ما هو نقيض الترك الموصل؟ إنه هو ترك الترك الموصل و ليس نفس الصلاة.

و ما دامت نفس الصلاة ليست نقيضا للترك الموصل فلا تقع- الصلاة- منهيا عنها، و بالتالي لا تقع فاسدة.

أما لما ذا لا تكون الصلاة هي النقيض للترك الموصل؟ ذلك باعتبار أنها لو كانت هي النقيض فيلزم عدم إمكان ارتفاعهما، لأن النقيضين لا يمكن ارتفاعهما، و الحال أن ارتفاعهما ممكن، و ذلك في الترك المطلق- أي غير الموصل للإزالة- كما إذا ترك المكلف الصلاة من دون اشتغال بالإزالة، بأن نام أو اشتغل بالأكل أو ما شاكل ذلك، فإنه في مثله لا يكون الترك الموصل متحققا، كما لا تكون الصلاة متحققة، بل المتحقق هو الترك المطلق، و هذا بنفسه يدل على أن نقيض الترك الموصل ليس نفس الصلاة و إلّا لم يرتفعا في الترك المطلق.

و ما دامت الصلاة ليست نقيضا للترك الموصل فلا وجه للنهي عنها، و بالتالي فسادها بل تقع صحيحة.

توضيح المتن:

هو تصحيح العبادة: أي الصلاة التي يتوقف على تركها فعل الواجب، أعني الإزالة.

بناء على كون ترك الضد: أي ترك الصلاة مما يتوقف عليه فعل ضده، أعني الإزالة.

232

ثمّ إنه ورد في بعض النسخ: (مما يتوقف على فعل ضده)، و الصواب: مما يتوقف عليه فعل ضده.

ثمّ إن ضمير ضده يرجع إلى الضد، و المراد منه الإزالة، فإنها ضد للصلاة التي يجب تركها.

فإن تركها على هذا القول: أي فإن ترك العبادة- أعني الصلاة- على القول بوجوب خصوص الموصلة.

بل فيما يترتب عليه الضد الواجب: أعني الإزالة.

مع ذلك: أي على هذا الفرض، و هو فرض الاشتغال بالصلاة الذي لا يمكن معه تحقيق الإزالة، و بالتالي لا يكون ترك الصلاة موصلا إلى الإزالة.

خلاصة البحث:

توجد ثمرتان للبحث المذكور، إحداهما أشار إليها الشيخ الخراساني و لم يشر إليها صاحب الفصول، و الثانية أشار إليها صاحب الفصول و لم يشر إليها الشيخ الخراساني، و هناك إشكال أورده الشيخ الأعظم على الثمرة الثانية التي لم يذكرها الشيخ الخراساني.

و الأولى هي أنه مع الاشتغال بالصلاة لا يمكن تحقق الإزالة، و بالتالي لا يكون ترك الصلاة موصلا، و من ثمّ لا يجب، و إذا لم يجب لم تحرم الصلاة.

و الثانية هي أن ترك الصلاة الموصل و إن كان واجبا إلّا أن نقيضه ليس هو نفس الصلاة- لتحرم و تفسد- و إلّا لم يرتفعا بل هو ترك الترك الموصل.

233

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمرة القول بالمقدمة الموصلة:

إن ثمرة ذلك تصحيح العبادة التي يتوقف على تركها فعل الواجب- بناء على كون ترك الضد مما يتوقف عليه فعل الضد الآخر- فإن تركها على هذا القول لا يكون مطلقا واجبا ليكون فعلها محرّما فتكون فاسدة بل فيما إذا ترتّب الواجب، و مع الإتيان بها لا يمكن الترتب فلا يكون تركها آنذاك واجبا، و بالتالي لا يكون فعلها منهيا و لا فاسدا.

بينما بناء على وجوب مطلق المقدمة يكون تركها واجبا فيقع الفعل محرما، و بالتالي فاسدا.

***

234

قوله (قدّس سرّه):

«و أورد على تفريع هذه الثمرة ...، إلى قوله:

و منها تقسيمه ...».

(1)

إشكال الشيخ الأعظم على الثمرة:

أورد الشيخ الأعظم على الثمرة الثانية بأن نقيض الترك الموصل و إن كان هو ترك الترك الموصل لا نفس الصلاة إلّا أن الصلاة لازمة للنقيض، إذ ترك الترك الموصل يتحقق أما ضمن الصلاة أو ضمن الترك المجرد، فالصلاة لازمة للنقيض، و ما دام النقيض- أعني ترك الترك الموصل- محرّما فيلزم أن يكون لازمه محرّما أيضا، لأن لازم الحرام حرام أيضا، و عليه يلزم حرمة الصلاة لأنها لازمة للنقيض المحرّم.

ثمّ قال: و إذا لم يكف لزوم الصلاة للنقيض لحرمتها، بل كانت حرمتها موقوفة على أن تكون نفس النقيض، فيلزم بناء على وجوب الترك المطلق عدم حرمة الصلاة أيضا، و بالتالي عدم وقوعها فاسدة، لأن النقيض للترك المطلق هو ترك الترك المطلق لا نفس الصلاة و إنما هي لازم لذلك، إذ ترك الترك المطلق يتحقق ضمن الصلاة، فيلزم أن لا تقع- الصلاة- فاسدة، و الحال أن صاحب الفصول يبني على حرمتها و فسادها و يسلّم بذلك بناء على وجوب مطلق المقدمة- و إلّا لم تتحقق‏

____________

(1) الدرس 121: (16/ شوال/ 1425 ه).

235

الثمرة بين الرأيين- و هذا يكشف عن كفاية لزوم الصلاة للنقيض لإثبات حرمتها و فسادها، و إذا كفى ذلك بناء على وجوب مطلق المقدمة فيلزم أن يكفي بناء على وجوب خصوص الترك الموصل.

نعم بناء على وجوب الترك الموصل يكون للنقيض- أعني ترك الترك الموصل- فردان أو لازمان، و هما الصلاة و الترك المجرد، بينما بناء على وجوب الترك المطلق يكون للنقيض- أعني ترك الترك المطلق- لازم و فرد واحد، و هو الصلاة، فالصلاة على التقدير الثاني لازم للنقيض أيضا، و لكنها لازم واحد، أي لا يوجد للنقيض لازم آخر، بينما على التقدير الأوّل تكون الصلاة أحد اللازمين لا أنها اللازم المنحصر، و لكن هذا الفرق ليس بفارق، إذ على كلا التقديرين تكون الصلاة لازم النقيض و ليست نفسه، فإذا كانت الحرمة منوطة بكون الشي‏ء نقيضا و لا يكفي كونه لازم النقيض فيلزم أن لا تثبت الحرمة و الفساد للصلاة على كلا التقديرين، و إذا كان ذلك كافيا فيلزم أن يكفي على كلا التقديرين أيضا.

هذا حاصل ما أورده الشيخ الأعظم على ثمرة صاحب الفصول.

و أجاب الشيخ الخراساني بأنه على تقدير وجوب الترك الموصل يكون النقيض هو ترك الترك الموصل، و الصلاة لا تكون لازما للنقيض، بل هي أمر مقارن اتفاقا للنقيض، و على تقدير التسليم بكونها لازم النقيض لا نسلّم بكون لازم الحرام حراما.

إذن للشيخ الخراساني على تقدير وجوب الترك الموصل دعويان:

إحداهما: إن الصلاة ليست لازما للنقيض، أي ليست لازما لترك الترك الموصل، و إنما هي مقارن اتفاقي.

236

ثانيتهما: على تقدير التسليم بكونها لازم النقيض لا نسلّم بأن لازم الحرام حرام.

و باتضاح الدعويين نقول:

أما الدعوى الأولى فوجهها: أن ترك الترك الموصل لا ينحصر تحققه بالصلاة، بل كما يمكن أن يتحقق بها يمكن أن يتحقق بالترك المجرد، و هذا يعني أن الصلاة ليست أمرا لازما لترك الترك الموصل، بل قد يتفق أن يتحقق ضمنها و ربما يتحقق ضمن الترك المجرد.

و أما الدعوى الثانية فوجهها: أنه لو سلّمنا أن الصلاة لازم لترك الترك الموصل فلا يلزم أن تكون محرّمة، فإن لازم الحرام لا يلزم أن يكون حراما، نعم يلزم أن لا يكون محكوما بالوجوب أو بالاباحة أو بغيرهما، بمعنى أنه يمكن أن يكون خاليا من الحكم رأسا، فالمهم أن لا يكون محكوما بحكم آخر- و إلّا يلزم التنافي بين حرمة أحدهما و وجوب أو إباحة الآخر- و لا يلزم أن يكون محكوما بحكمه.

فمثلا استقبال القبلة أمر محرّم، و يلازمه استدبار القبلة و كون المشرق على طرف، و المغرب على طرف آخر، فهناك ثلاثة لوازم لاستقبال القبلة، فلو كان لازم الحرام حراما يلزم ثبوت أربعة تحريمات عند استقبال القبلة، و هذا أمر غير محتمل، و هذا نفهم منه أن الاستقبال محرّم، و بقية اللوازم الثلاثة خالية من الحكم.

إذن بناء على وجوب الترك الموصل لا تكون الصلاة هي النقيض و لا تكون محرّمة، لأنها ليست لازما للنقيض، و لو كانت لازما فلازم الحرام ليس بحرام، و هكذا لازم الواجب ليس بواجب.

هذا كله على تقدير وجوب الترك الموصل.

237

و أما بناء على وجوب الترك المطلق فالصلاة تقع محرّمة و فاسدة، لأنها نفس النقيض للترك المطلق و ليست لازما له، فنقيض الترك المطلق هو نفس الصلاة لا ترك الترك المطلق.

أما لما ذا كانت الصلاة على هذا التقدير نفس النقيض و ليست لازم النقيض؟ ذلك باعتبار أن الصلاة تنافي بنفسها و تضاد ترك الصلاة، و ليس المعاند لترك الصلاة هو ترك ترك الصلاة، بل الصلاة تنافي و تناقض ترك الصلاة، و ترك الصلاة ينافي و يناقض نفس الصلاة، فكل منهما نقيض الآخر، فنقيض الإنسان مثلا هو اللاإنسان، و نقيض اللاإنسان هو نفس الإنسان و ليس هو اللالاإنسان.

و إذا قلت: إن المناطقة قالوا: إن نقيض كل شي‏ء رفعه، فيلزم أن يكون نقيض اللاإنسان هو اللالاإنسان و ليس نفس الإنسان.

قلت: إن مقصودهم من الرفع الأعم من الرافع و، فاللاإنسان إنسان هو الرافع للإنسان، و الإنسان هو المرفوع باللاإنسان، و المقصود من الرفع يشمل الإنسان الذي هو المرفوع و لا يختص باللاإنسان الذي هو الرافع للإنسان، و من هنا قال السبزواري في منظومته:

(نقيض كل رفع أو مرفوع)، أي إن نقيض كل شي‏ء هو الرفع و المرفوع، و لا يختص بالرفع.

و بالجملة: إن نقيض ترك الصلاة المطلق هو نفس الصلاة فيلزم أن تقع الصلاة محرّمة.

ثمّ قال (قدّس سرّه): و إذا تنزلنا و سلّمنا أن النقيض بمفهومه المنطقي أو الفلسفي لا يصدق على نفس الصلاة، و إنما النقيض لترك الصلاة هو ترك ترك الصلاة فنقول: إن ترك ترك الصلاة و إن كان هو النقيض‏

238

لترك الصلاة المجرد و ليس النقيض هو نفس الصلاة، و لكن يمكن أن ندّعي و نقول: هما متحدان وجودا و خارجا، أي يمكن أن ندعي أن الصلاة و ترك الترك المطلق هما متحدان خارجا، و أحدهما عين الآخر و إن كان النقيض للترك المطلق هو ترك الترك المطلق لا نفس الصلاة إلّا أنهما لما كانا متحدين خارجا فذلك يكفي لثبوت الحرمة للصلاة، فما دام ترك الترك المطلق هو النقيض و كان محرّما فيلزم أن تكون الصلاة محرّمة أيضا لأنها متحدة خارجا معه، و يلزم بالتالي أن تقع فاسدة. (1)

توضيح المتن:

إن فعل الضد: أي الصلاة مثلا.

للترك الواجب مقدمة: الترك الواجب مقدمة- بناء على المقدمة الموصلة- هو الترك الموصل إلى الإزالة.

إلّا أنه لازم لما هو من أفراد النقيض: المناسب: إلّا أنه لازم للنقيض، فإن النقيض هو ترك الترك الموصل، و الصلاة لازمة للنقيض المذكور، و ليست لازمة لأفراده.

الفعل المطلق: لا وجه لكلمة المطلق، فإن الترك يوصف بكونه تركا مطلقا دون الفعل.

____________

(1) ما أفاده (قدّس سرّه) من اتحاد ترك الترك المطلق مع الصلاة خارجا أمر غريب، فإن الصلاة أمر وجودي، و ترك الترك أمر عدمي، و كيف يتحد الوجود و العدم و يكون أحدهما عين الآخر؟ و المناسب أن يقال: إن الصلاة أمر مقارن اتفاقا لترك الترك المطلق و ليست عينه خارجا.

239

لأنه أمر وجودي: أي لأن الفعل- و هو الصلاة- أمر وجودي، و نقيض كل شي‏ء رفعه.

لمطلق الفعل: المناسب حذف كلمة المطلق.

في مطلق الترك: المناسب: في الترك المطلق.

قلت: و أنت خبير: أي و يرد على الشيخ الأعظم ...

و التعبير بكلمة قلت لا يخلو من تأمل، إذ لم يتقدم إن قلت حتّى يعبّر ب (قلت).

بما بينهما: أي نقيض الترك الموصل و الترك المجرد.

فإن الفعل في الأوّل: أي فإن الصلاة على تقدير وجوب المقدمة الموصلة.

من رفع الترك: هذا تفسير للنقيض، و المناسب التعبير بكلمة الذي، أي الذي هو رفع الترك المجتمع مع الفعل تارة و مع الترك المجرد أخرى.

محكوما فعلا: أي بالفعل.

لا أن يكون محكوما بحكمه: و ذلك بأن يكون اللازم خاليا من الحكم رأسا.

و هذا بخلاف الفعل في الثاني: هذا عدل لقوله: (فإن الفعل في الأوّل)، أي و هذا بخلاف فعل الصلاة على تقدير وجوب الترك المطلق، فإن النقيض للترك المطلق هو نفس فعل الصلاة و ليس هو ترك الترك المطلق.

لا ملازم لمعانده و منافيه: الأنسب: لا ملازم لنقيضه.

فلو لم يكن عين ما ...: في العبارة شي‏ء من الخفاء و الإبهام، و المقصود لو لم يكن مفهوم النقيض- بما له من اصطلاح خاص- صادقا على الصلاة بل كان صادقا على ترك ترك الصلاة فنقول: إن بينهما اتحادا في الخارج.

240

لكنه متحد معه: أي لكن فعل الصلاة متحد مع النقيض الاصطلاحي- و هو ترك الترك المطلق- خارجا.

و خارجا: عطف خارجا على عينا تفسيري.

فإذا كان الترك ...: أي إذا كان ترك الصلاة واجبا- باعتبار كونه مقدمة للإزالة- فنقيضه- و هو ترك الترك- يكون محرّما، و حيث إن هذا النقيض متحد مع فعل الصلاة خارجا فتكون الحرمة الثابتة للنقيض ثابتة لفعل الصلاة أيضا.

خلاصة البحث:

أورد الشيخ الأعظم على ثمرة صاحب الفصول بأن الصلاة و إن لم تكن هي النقيض للترك الموصل لكنها لازمة له، و ذلك يكفي لثبوت الحرمة لها و إلّا لم تثبت لها بناء على وجوب الترك المطلق.

و ناقش الشيخ الخراساني ذلك بأنه على تقدير وجوب الترك الموصل تكون الصلاة أمرا مقارنا للنقيض لا لازما، بل حتّى لو كانت لازما فلا تحرم، فإن لازم الحرام لا يلزم أن يكون حراما.

و هذا بخلافه على وجوب الترك المطلق، فإن نقيضه نفس الصلاة فتحرم، و مع التنزل و تسليم أن الصلاة لا ينطبق عليها المفهوم الاصطلاحي للنقيض فلا أقل من اتحادها خارجا مع النقيض فتحرم من هذه الناحية.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و ربما أورد على هذه الثمرة بأن فعل الضد و إن لم يكن نقيضا للترك الموصل إلّا أنه لازم للنقيض، إذ نقيض الترك الموصل هو ترك‏

241

الترك الصادق على الفعل و الترك المجرد، و هذا يكفي لإثبات الحرمة للفعل و إلّا لم يحرم على تقدير وجوب الترك المطلق أيضا، لأن نقيضه هو رفعه الملازم للفعل مصداقا و ليس عينه، فكما أن هذه الملازمة تكفي لإثبات الحرمة فكذلك تكفي في المقام، غاية الأمر أن مصداق النقيض ينحصر بالفعل بناء على الترك المطلق، بينما هو فردان على الترك الموصل، و ذلك لا يوجب فرقا فيما نحن بصدده.

هذا ما أفيد.

و يمكن الجواب بوجود الفرق، فإن الفعل في الأوّل مقارن للنقيض، حيث يجتمع معه تارة و مع الترك المجرد أخرى، و حرمة الشي‏ء لا تسري إلى ما يلازمه فضلا عمّا يقارنه.

نعم يلزم أن لا يكون الملازم محكوما بحكم مخالف لا أن يكون محكوما بحكم موافق.

و هذا بخلافه على الثاني، فإن الفعل معاند و مناف بنفسه للترك المطلق لا أنه ملازم لنقيضه.

و مع تسليم عدم صدقه عليه بما له من معنى اصطلاحي فلا أقل هو متحد خارجا معه فيكون محكوما بالحرمة.

***

242

قوله (قدّس سرّه):

«و منها تقسيمه إلى الأصلي و التبعي ...، إلى قوله: ثمّ إنه إذا كان الواجب التبعي ...».

(1)

[تتمة تقسيمات الواجب‏]

[التقسيم الرابع‏] الواجب الأصلي و التبعي:

هذا تقسيم رابع للواجب، و هو تقسيمه إلى الواجب الأصلي و الواجب التبعي. (2)

و يوجد ضابطان للفرق بين القسمين المذكورين:

أحدهما: للشيخ الخراساني، و هو يعتمد على ملاحظة عالم الثبوت و الواقع، و حاصله: إنه تارة يلحظ المولى الشي‏ء بما له من مصلحة و يلتفت إليه، و من ثمّ يريده بإرادة مستقلة واقعا، و بالتالي يطلبه بطلب مستقل، و هذا هو الواجب الأصلي، و أخرى لا يلتفت إليه، و من ثمّ لا يريده بإرادة مستقلة، بل يريده تبعا لإرادة غيره، و هذا هو الواجب التبعي.

ثانيهما: ما ذكره صاحب القوانين، و هو يعتمد على ملاحظة عالم الإثبات و الدلالة، و حاصله: إنه تارة يكون الواجب قد دلّ عليه خطاب و قصد إفادته به، و هذا هو الواجب الأصلي، و أخرى لا يكون قد قصدت‏

____________

(1) الدرس 122: (17/ شوال/ 1425 ه).

(2) لا يخفى أن تقسيمات الواجب قد مرت الإشارة إليها في الأمر الثالث، و أشير هناك إلى ثلاثة تقسيمات، و كان المناسب ذكر هذا التقسيم هناك، فإنّا الآن في الأمر الرابع الذي يبحث عن الآراء في المقدمة، فذكر هذا التقسيم هنا ناشئ من السهو و الغفلة.

243

أفادته بخطاب و إنما يكون لازما لخطاب- كما في دلالة الإشارة- (1) و هذا هو الواجب التبعي.

و باتضاح هذا نقول: إنه بناء على الضابط الأوّل يصح تقسيم الواجب الغيري إلى الأصلي و التبعي، لأنه إذا كان مثل السفر ملتفتا إليه بما هو مقدمة للحج مثلا فسوف يكون متعلّقا للإرادة المستقلة و يكون واجبا أصليا، و إذا لم يلتفت إليه فلا يكون متعلّقا للإرادة المستقلة، بل يكون مرادا تبعا لإرادة الحج.

هذا في الواجب الغيري.

و أما الواجب النفسي فهو أصلي دائما و لا يتصف بالتبعية، لأن له مصلحة نفسية مستقلة، و مع وجود المصلحة المذكورة فيه كيف يغفل عنه المولى؟ بل لا بدّ و أن يلتفت إليه و يريده بإرادة مستقلة.

هذا كله على الضابط الأوّل.

و أما على الضابط الثاني فيمكن أن يتصف الواجب النفسي بالتبعية، فإنه قد لا يكون مقصودا بالإفادة بالخطاب بل يكون المقصود بالإفادة شيئا آخر و يكون هو مفادا بتبعه.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك: إنه بعد أن عرفنا وجود ضابطين فالأرجح هو الضابط الأوّل، لأنه على الثاني يلزم أن تكون بعض الواجبات لا أصلية و لا تبعية، كالواجبات المستفادة من الإجماع أو من حكم العقل أو من غيرهما من الأدلة غير اللفظية، و الحال أن الواجب لا يخلو من كونه أصليا أو تبعيا.

____________

(1) مثالها قوله تعالى: وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ (البقرة:

233)، و قوله تعالى: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (الأحقاف: 15)، فإن لازمهما كون أقل فترة الحمل ستة أشهر، و هو مطلب لم يقصد إفادته بالخطاب.

244

توضيح المتن:

في الواقع و مقام الثبوت: العطف بينهما تفسيري.

بما هو عليه: أي من المصلحة و الملاك الخاص.

كان طلبه نفسيا ...: أي سواء كان طلبه ...

لا بلحاظ ...: عطف على قوله: (بلحاظ الأصالة و التبعية ...). و هذا إشارة إلى رأي صاحب القوانين.

مقام الدلالة و الاثبات: العطف بينهما تفسيري.

فإنه يكون في هذا المقام: هذا توضيح للتفرقة الإثباتية.

و نحوها: كالمفاهيم حسب ما مثّل به صاحب القوانين نفسه. و لكن ذلك محل تأمل، فإن المفهوم في مثل الشرطية مقصود بالإفادة أيضا.

و على ذلك: أي على الضابط الأوّل الذي هو المختار في التفرقة.

و أخرى لا يكون متعلّقا لها كذلك: أي على حده.

عند عدم الالتفات إليه كذلك: أي بما هو مقدمة.

على الملازمة: أي بناء على ثبوت الملازمة بين وجوب ذي المقدمة و وجوبها.

و معها يتعلق ...: أي و مع المصلحة النفسية يتعلق الطلب- أي الإرادة- به مستقلا. و بهذا يتضح أن المناسب به بدل بها.

لكن الظاهر كما مرّ: هذا استظهار للضابط الأوّل. و قوله: (كما مرّ)، أي بقوله: (و الظاهر أن يكون ...).

و هو كما ترى: بل لا بأس بذلك كما سيتضح.

245

خلاصة البحث:

ينقسم الواجب بتقسيم رابع إلى أصلي و تبعي. و الضابط الأوّل- و هو الصحيح- يجعل المدار على الإرادة واقعا في مقام التفرقة بينهما، بينما الضابط الثاني يجعل المدار على الإفادة بالطلب.

و الواجب الغيري يتصف بالأصلية و التبعية حسب الضابط الأوّل، و الواجب النفسي لا يتصف إلّا بالأصلية، نعم على ضوء الضابط الثاني يتصف بهما معا.

و المناسب هو الضابط الأوّل و إلّا يلزم أن يكون الواجب الثابت بالإجماع أو العقل ليس أصليا و لا تبعيا.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

التقسيم الرابع للواجب:

ينقسم الواجب باعتبار إلى أصلي و تبعي. و الظاهر أن يكون ذلك بلحاظ الواقع و مقام الثبوت، فإن المولى تارة يلتفت إلى الشي‏ء بما هو عليه فتتعلق إرادته و طلبه المستقل به سواء كان نفسيا أم غيريا، و أخرى لا يلتفت إليه فتتعلّق به الإرادة تبعا لإرادة غيره لا مستقلا.

و قد يفرّق بينهما بلحاظ مقام الدلالة، إذ تارة يكون الشي‏ء مقصودا بالإفادة، و أخرى لا يكون مقصودا بها على حده إلّا أنه لازم الخطاب، كما في دلالة الإشارة و نحوها.

و بناء على الأوّل لا شبهة في انقسام الواجب الغيري إليهما، حيث يكون تارة متعلّقا للإرادة على حده عند الالتفات إليه بما هو مقدمة، و أخرى يكون مرادا تبعا.

246

و لا شبهة في اتصاف النفسي بالأصالة و لكنه لا يتصف بالتبعية، ضرورة أنه مع المصلحة النفسية تتعلق به الإرادة المستقلة.

نعم بناء على الثاني يتصف بها أيضا، ضرورة أنه قد يكون مفادا بتبع الغير.

و الظاهر هو الأوّل و إلّا لم يتصف الواجب بهما إذا لم يكن مفادا بالخطاب، و هو كما ترى.

***

247

قوله (قدّس سرّه):

«ثمّ إنه إذا كان الواجب التبعي ...، إلى قوله:

تذنيب».

(1)

الشك في كون الواجب أصليا أو تبعيا:

هذا إشارة إلى مطلب جديد، و هو أنه لو شك في واجب أنه أصلي أو تبعي فهل يمكن من خلال الأصل العملي إثبات أنه تبعي؟

و قبل الجواب نشير إلى مصطلح الأصل المثبت. إنه عبارة عن الأصل الذي يراد به إثبات لازم غير شرعي لمتعلّقه، (2) أما إذا أريد إثبات نفس متعلّقه أو اثبات لازم شرعي لمتعلّقه فهو حجة و ليس أصلا مثبتا.

مثال ذلك: ما إذا شك في وجوب صلاة الجمعة زمن الغيبة و استصحب نفس الوجوب من زمن الحضور إلى زمن الغيبة لم يكن ذلك أصلا مثبتا و كان حجة، أما إذا استصحب عدم التحريم و قيل هكذا:

إنه في زمن الحضور لم تكن صلاة الجمعة محرّمة فإذا استصحب عدم التحريم إلى زمن الغيبة فيثبت بذلك أنها واجبة، إذ الحكم لصلاة الجمعة إما الحرمة أو الوجوب، فإذا لم يكن هو الحرمة فيلزم أن يكون هو الوجوب، إن هذا أصل مثبت لأن الوجوب لازم عقلي لعدم الحرمة، إذ

____________

(1) الدرس 123: (18/ شوال/ 1425 ه).

(2) و إنما سمي بالأصل المثبت- رغم أن المناسب أن يسمى بغير المثبت ما دام ليس بحجة- باعتبار أنه يراد به إثبات اللوازم غير الشرعية.

248

العقل يحكم بأن أحد الضدين إذا لم يكن ثابتا فالضد الآخر هو الثابت، و ليس ذلك لازما شرعيا، إذ لا نحتمل وجود حكم من الشارع يقول: إذا لم يكن الشي‏ء حراما فهو واجب.

و باتضاح هذا نعود إلى التساؤل السابق، و هو هل يوجد أصل يمكن الاستناد إليه لإثبات أن الواجب تبعي عند الشك في كونه أصليا أو تبعيا؟ أجاب الشيخ الأعظم بالنفي، و الصحيح أنه يوجد على تقدير دون تقدير.

توضيح ذلك: إنه تارة نفسّر الواجب التبعي بالواجب الذي ليست معه إرادة مستقلة، أي واجب+ عدم وجود إرادة مستقلة، و أخرى نفسّره بالواجب الذي تكون على طبقه إرادة تبعية، أي واجب+ وجود إرادة تبعية.

و على الأوّل- الذي يكون الواجب فيه متقوّما بأمر عدمي- يمكن إجراء الأصل لإثبات أن الواجب المشكوك تبعي، و ذلك من خلال ضم الوجدان إلى الأصل فنقول هكذا: إن المشكوك هو واجب بالوجدان، و أما عدم الإرادة المستقلة فمحرز بالأصل، أي بالاستصحاب، (1) إذ قبل الإسلام لم توجد إرادة مستقلة متعلّقة بالواجب المشكوك، لفرض أنه لا شريعة و لا تشريع قبلا فإذا شك بعد ذلك في حصول الإرادة المستقلة استصحبنا عدمها، و يثبت بذلك كلا جزئي الموضوع، أحدهما بالوجدان و الآخر بالأصل، و هذا كما هو الحال في بقية الموضوعات المركبة، كتنجّس الماء، فإن موضوعه مركّب من الملاقاة+ عدم الكرية، فإذا وجدنا ماء نشك في كونه كرا أو لا، و فرض أنه وجدنا فيه نجاسة فهل نحكم بتنجسه أو لا؟ إنه يمكن من خلال ضمّ الوجدان إلى الأصل إحراز

____________

(1) المراد من الأصل- أي أصالة عدم تعلق الإرادة المستقلة- هو الاستصحاب، لأنه لا معنى للأصل سوى الاستصحاب، و لا يوجد أصل عملي بعنوان كونه أصلا عمليا و هو لا يرجع إلى الاستصحاب إلّا مثل أصل البراءة.

249

ذلك فنقول: إن هذا الماء قد لاقته نجاسة بالوجدان، و هو ليس بكر بالاستصحاب، لأنه قبلا كان قليلا جزما- إذ كل ماء حينما ينزل من السماء و يقع على الأرض فهو في البداية قليل و ليس بكر- فإذا شك في انقلابه إلى الكرية استصحب عدمها.

و بالجملة: إنه بناء على تفسير الواجب التبعي بالواجب الذي ليس معه إرادة مستقلة يمكن بضم الأصل إلى الوجدان إثبات أنه تبعي.

هذا كله على الأوّل.

و أما على الثاني فلا يمكن إجراء الأصل لإثبات التبعية إلّا بناء على الأصل المثبت، لأن استصحاب عدم تعلق الإرادة المستقلة لا يثبت تعلّق الإرادة التبعية إلّا بالملازمة العقلية، فيقال: إن لازم عدم تعلّق تلك تعلّق هذه، لعدم خلو الواقع من تعلّق إحدى الإرادتين. (1)

____________

(1) لا يخفى أن هذا البحث- أي انقسام الواجب إلى أصلي و تبعي- هو من أساسه بلا ثمرة و ينبغي عدم التعرض إليه، لأن الاختلاف في تبيان حقيقة الشي‏ء فرع أن يكون لذلك الشي‏ء حقيقة واقعا كي يصح الاختلاف بعد ذلك في تحديدها، أما أن نضع نحن مصطلحا من عند أنفسنا ثمّ نختلف في تحديد ذلك المصطلح فلا معنى له، و هذا كما هو الحال في المقام، فإن مصطلح الواجب الأصلي و التبعي مصطلح جاء به الأصوليون و ذكروه في كتبهم، و بعد أن ذكروه أخذوا يختلفون في تحديد حقيقته، و هذا لا معنى له، إذ لا حقيقة محدّدة له واقعا كي يصح الاختلاف في تحديدها إثباتا، و هذا بخلاف مثل الواجب النفسي و الواجب الغيري، فإنّا نشعر بالوجدان بوجود نحوين من الواجب في الشريعة فبعضها مطلوب في حدّ نفسه، و بعضها الآخر مطلوب لأجل غيره، و مثل هذا يصح الاختلاف في تحديد حقيقته، و هذا بخلاف المقام، فإنه لا نشعر من خلال الوجدان بوجود نحوين من الواجبات ثبوتا حتّى يصح الاختلاف في تحديدها إثباتا، و إنما نحن ذكرنا مصطلح الواجب الأصلي و التبعي و اختلفنا بعد ذلك في كيفية تحديدهما.-

250

توضيح المتن:

ما لم تتعلق به إرادة مستقلة: أي الواجب الذي لم تتعلق ...

فبأصالة عدم تعلّق ...: ذكرنا أن الأصالة هي بمعنى الاستصحاب و إلّا فلا أصل للأصل المذكور من دون رجوعه إلى ما ذكر.

إذا فرض له أثر شرعي: و لا أثر إلّا في النذر.

كسائر الموضوعات ...: كالتنجس، فإن موضوعه متقوّم بالملاقاة و عدم الكرية.

و إن كان يلزمه: أي و إن كان ذلك الأمر الوجودي يلزم الأمر العدمي، فإن لازم كون الإرادة تبعية عدم ثبوت الإرادة المستقلة.

إلّا على القول بالأصل المثبت: بل لا يثبت حتّى بناء على حجية الأصل المثبت، لأنه كما أن الأصل عدم تعلّق الإرادة المستقلة- الذي يثبت تعلّق الإرادة التبعية- كذلك الأصل عدم تعلّق الإرادة التبعية- الذي يثبت تعلّق الإرادة المستقلة- فكل من الأصلين لا يجري للمعارضة، و بالتالي لا يثبت اللازم غير الشرعي، و لعلّه إلى ذلك أشار بالأمر بالفهم.

خلاصة البحث:

إذا شك في واجب أنه تبعي أو أصلي فبأصالة عدم تعلّق الإرادة المستقلة يثبت أنه تبعي.

____________

- إذن أصل هذا الاختلاف في كيفية تحديد الواجب الأصلي و التبعي اختلاف غير مقبول بل غير ممكن، و مع التنزل فهو لا ثمرة له، إذ لا ثمرة لكون الواجب أصليا أو تبعيا إلّا في النذر، و هل مثل ذلك يصلح عدّه ثمرة؟!

و عليه فالإشكال على ذكر هذا البحث إشكالان و ليس واحدا.

251

هذا لو فسّر التبعي بالواجب الذي لا إرادة مستقلة معه.

و أما لو فسّر بما تعلّق به إرادة تبعية فلا يمكن ذلك إلّا بناء على حجية الأصل المثبت.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه إذا شك في واجب أنه أصلي أو تبعي فبأصالة عدم تعلق الإرادة المستقلة به يثبت أنه تبعي- بناء على أنه الواجب الذي لم تتعلق به إرادة مستقلة- كسائر الموضوعات المتقوّمة بأمور عدمية.

و أما بناء على تقوّمه بالأمر الوجودي فلا يثبت إلّا على القول بالأصل المثبت، فافهم.

***

252

قوله (قدّس سرّه):

«تذنيب في بيان الثمرة ...، إلى قوله: و أخذ الأجرة على الواجب لا بأس به ...».

(1)

ما هي الثمرة للبحث عن وجوب المقدمة؟

ذكرنا فيما سبق- أي تحت عنوان بقي شي‏ء، و هو أن ثمرة القول بالمقدمة الموصلة ...- الثمرة بين وجوب خصوص الموصلة و وجوب مطلق المقدمة، و الآن نريد الرجوع إلى صلب الموضوع، حيث ذكرنا في بداية البحث عن وجوب المقدمة أنه ينبغي رسم أمور، و الآن فرغنا من الأمور الأربعة، و نريد التحدث عن ثمرة وجوب المقدمة بقطع النظر عن كونها موصلة أو لا. (2)

و الذي يدعونا إلى البحث عن الثمرة هو أنه يمكن أن يقال: لا ثمرة للبحث عن وجوب المقدمة شرعا، إذ حتّى لو لم نقل بوجوبها الشرعي نبقى ملزمين بفعلها من باب وجوبها العقلي، أي من باب حكم العقل بضرورة فعل المقدمة لمن يريد فعل ذيها، و بعد التسليم بهذه الضرورة و اللابدية العقلية لا نعود بحاجة إلى الوجوب الشرعي و يعود ثبوته و عدمه لغوا و بلا فائدة.

____________

(1) الدرس 124: (21/ شوال/ 1425 ه).

(2) كان من المناسب عقد أمر خامس لهذا البحث، و لا نرى وجها لعقده تحت عنوان تذنيب.