كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
253

إن هذا هو الذي دعا الأصوليين إلى البحث عن ثمرة وجوب المقدمة.

و في هذا المجال ذكر الشيخ الخراساني: إننا ذكرنا في بداية الكتاب أن ضابط المسألة الأصولية هو أن يكون مضمونها واقعا في طريق استنباط الحكم الشرعي، و مسألتنا هي من هذا القبيل، فإنه لو قلنا بثبوت الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته و ضممنا إلى ذلك كون السفر مقدمة للحج مثلا فيثبت بذلك وجوب السفر شرعا.

إذن لو قلنا بالملازمة فسوف تقع الملازمة المذكورة في طريق الاستنباط، أي استنباط وجوب المقدمة شرعا. (1)

ثمّ بعد ذلك تعرّض (قدّس سرّه) إلى ثمرات ثلاث ذكرت في المسألة، (2) و هي:

1- لو نذر شخص الإتيان بواجب من الواجبات فبناء على وجوب المقدمة شرعا يحصل الوفاء لو اتي بمقدمة واجب بخلاف ما إذا بني على العدم فإنه لا يحصل الوفاء و البرء بفعلها.

____________

(1) و لكن يمكن أن يقال في مناقشة ذلك: إن الوجوب الشرعي للمقدمة لا تترتّب عليه ثمرة عملية حتّى يصلح أن يكون هو النتيجة، فإن المسألة الأصولية يلزم أن تقع في طريق استنباط حكم شرعي له أهميته، بينما وجوب المقدمة ليس كذلك، إذ المكلف لو ترك امتثاله فلا تترتب على ذلك عقوبة، و لذا لو ترك شخص الحج فيعاقب لما ذا تركت الحج و ليس لما ذا تركت مقدماته، و لا يتعدد العقاب بعدد المقدمات.

(2) و ستأتي ثمرة رابعة فيما بعد، و بذلك يكون عدد الثمرات خمسا، الأولى للمصنف، و الأربع نقلها عن الغير.

254

2- لو ترك المكلف واجبا فرض وجود مقدمات متعددة له فبناء على وجوب المقدمة يحصل الإصرار على فعل الصغائر، و بالتالي يحصل الفسق، بينما لا يحصل ذلك على تقدير عدم الوجوب. (1)

3- بناء على وجوب المقدمة يلزم عدم جواز أخذ الأجرة عليها لعدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات بينما بناء على عدم الوجوب يلزم جواز أخذ الأجرة على فعلها.

هذه ثمرات ثلاث ذكرت في المسألة.

و أجاب (قدّس سرّه) عنها بجوابين: أحدهما عام للجميع و لا يختص بواحدة دون أخرى، و الآخر تفصيلي، أي جواب عن كل واحدة بخصوصها.

أما الجواب العام فهو أن المسألة الأصولية يلزم أن تكون واقعة في طريق استنباط الحكم الشرعي دون موضوعه، فإن كل مسألة هي تتركب من جزءين: حكم و موضوع، فقولنا يجب الوفاء بالنذر مسألة، و الحكم فيها هو الوجوب، و الموضوع هو الوفاء بالنذر، فالوفاء بالنذر إذن ليس حكما شرعيا بل موضوع للحكم الشرعي.

و هكذا قولنا: يحرم الفسق أو الإصرار على الصغائر هو مسألة، و الحكم هو الحرمة، و الموضوع هو الفسق أو الإصرار على الصغائر.

و هكذا قولنا: يحرم أخذ الأجرة على الواجب مسألة مركبة من حكم هو الحرمة، و موضوع هو أخذ الأجرة على الواجب.

____________

(1) لا بدّ أن نفترض أن الواجب هو من الصغائر و إلّا كان تركه تركا للكبيرة و يتحقق الفسق بلا حاجة إلى أخذ ترك المقدمات في الحساب. و ينبغي أن يكون واضحا أن كل واحدة من المقدمات هو من قبيل الصغائر.

255

و بناء على هذا يتضح أن الثمرات الثلاث المذكورة قابلة للمناقشة، فإنها لا توصلنا إلى حكم شرعي بل إلى موضوعه، و ضابط المسألة الأصولية وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي دون موضوعه.

ففي الثمرة الأولى إذا قلنا بوجوب المقدمة يثبت الوفاء بالنذر عند الإتيان بمقدمة الواجب، و الوفاء كما قلنا هو موضوع و ليس حكما شرعيا، فإن الحكم الشرعي هو وجوب الوفاء الذي نستفيده من قوله تعالى: وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ. (1)

و في الثمرة الثانية إذا قلنا بوجوب المقدمة يثبت تحقق الإصرار على الصغائر لا حرمة الإصرار، و الإصرار موضوع و ليس حكما، فإن الحكم هو الحرمة.

و في الثمرة الثالثة إذا قلنا بوجوب المقدمة يثبت أن أخذ الأجرة على المقدمة هو أخذ لها على الواجب و لا تثبت الحرمة، و الأخذ المذكور موضوع و ليس حكما، فإن الحكم هو الحرمة.

هذا كله في الجواب العام.

و حصيلته: إنه بناء على وجوب المقدمة نصل في الثمرات الثلاث المذكورة إلى موضوع الحكم الشرعي و ليس إلى الحكم الشرعي نفسه.

و أما الجواب التفصيلي فهو:

أما بالنسبة إلى الثمرة الأولى: فذكر في ردّها أن الوفاء و عدمه يتبعان قصد الناذر، فإذا كان قاصدا الإتيان بواجب نفسي شرعي فالوفاء لا يحصل بفعل المقدمة حتّى لو بني على وجوبها الشرعي، لأن وجوبها غيري لا نفسي. (2)

____________

(1) الحج: 29.

(2) هناك شق آخر، و هو أن يقصد الناذر الإتيان بواجب شرعي أعم من كون وجوبه الشرعي نفسيا أو غيريا، فإنه بناء على هذا لا يرد ما أفاده (قدّس سرّه).

256

و إذا كان قاصدا الإتيان بواجب أعم من كون وجوبه شرعيا أو عقليا فيلزم تحقق الوفاء حتّى لو بني على عدم وجوب المقدمة شرعا، إذ الوجوب العقلي بمعنى اللابدية العقلية ثابت لها جزما.

و أما بالنسبة إلى الثمرة الثانية: فذكر في ردّها أن الواجب إذا كان له عشر مقدمات مثلا فبترك إحدى المقدمات يصير الإتيان بالواجب أمرا غير مقدور، و بالتالي يسقط وجوبه، و من ثمّ يسقط وجوب باقي المقدمات و لا يتحقق الإصرار على الصغائر. (1)

توضيح المتن:

كما عرفت: أي في أوّل الكتاب عند تعريف علم الأصول، حيث قال: (و يؤيد ذلك تعريف الأصول بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية).

إلّا أن تكون نتيجتها: أي مضمونها.

في طريق الاجتهاد: الاجتهاد و الاستنباط يراد بهما شي‏ء واحد.

حكم فرعي: الحكم الفرعي و الحكم الفقهي يراد بهما شي‏ء واحد.

كما لو قيل: أي فإنه لو قيل ...

فإنه بضميمة مقدمة: الأولى حذف لفظ مقدمة.

يستنتج أنه: أي الشي‏ء، و هو السفر مثلا.

____________

(1) يمكن أن يقال: إن سقوط الواجب عن الوجوب أمر مسلّم إلّا أن السقوط المذكور حيث إنه سقوط عصياني، و هكذا بالنسبة إلى المقدمات حيث إن سقوط الوجوب عنها بسبب العصيان فلا يزول بذلك عنوان الإصرار على الصغائر لعدم زوال عنوان الذنب بالسقوط العصياني.

257

ثمّ لا يخفى أنه بضم الملازمة يستنتج أن المقدمة يستلزم وجوب ذي المقدمة وجوبها، و ليست النتيجة هي وجوبها.

و منه قد انقدح: أي من أن ثمرة المسألة الأصولية هي الحصول على حكم شرعي. و هذا هو الجواب العام.

إنه ليس منها: أي من الثمرة.

مثل برّ النذر: البرّ و البرء و الوفاء شي‏ء واحد.

و حصول الفسق: عطف على برّ النذر.

بترك واجب واحد: يلزم فرضه من الصغائر.

و عدم جواز: عطف على برّ النذر.

مع أن البرء: هذا جواب تفصيلي خاص عن الثمرة الأولى.

كما هو المنصرف: أي إن المنصرف من نذر الإتيان بواجب هو الإتيان بواجب نفسي.

لو قصد ما ...: أي لو قصد الوجوب الأعم من الشرعي و العقلي حتّى لو قيل بعدم الملازمة.

و لا يكاد يحصل ...: هذا جواب تفصيلي عن الثمرة الثانية.

غير عديدة: المناسب حذف كلمة غير إلّا أن يكن المقصود لا يمكن عدّها لكثرتها.

خلاصة البحث:

تظهر ثمرة القول بوجوب المقدمة فيما إذا قيل بالملازمة، فإنه بضم ذلك إلى صغرى كون السفر مثلا مقدمة يثبت وجوبه.

و أما الثمرات الثلاث فيردها أنها توصل إلى موضوع الحكم‏

258

الشرعي و ليس إلى نفسه، و يلزم في المسألة الأصولية أن تكون موصلة إلى الحكم الشرعي نفسه.

و يمكن أن يجاب عن الأولى بأن الوفاء يتبع قصد الناذر.

و عن الثانية بأن الإصرار و الفسق لا يتحققان بعد سقوط وجوب الواجب بترك أوّل مقدمة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

تذنيب: بيان الثمرة:

يلزم في المسألة الأصولية أن يكون مضمونها واقعا في طريق استنباط الحكم الشرعي، كما لو قلنا في مسألتنا بالملازمة فإنه يثبت بعد ضم مقدمية الشي‏ء وجوبه.

و منه يتضح أنه ليس منها مثل:

1- برّ النذر بإتيان المقدمة عند نذر فعل واجب.

2- و لا حصول الفسق بالإصرار عند ترك واجب بمقدماته.

3- و لا عدم جواز أخذ الأجرة على المقدمة.

هذا مع أن البرّ و عدمه يتبعان قصد الناذر، فلا برّ بإتيان المقدمة لو قصد الوجوب النفسي و لو قيل بالملازمة، و يحصل لو قصد ما يعمّ المقدمة و لو قيل بعدمها.

و الإصرار لا يحصل، إذ بترك أوّل مقدمة يسقط التكليف بالواجب فلا يكون ترك سائر المقدمات حراما.

***

259

قوله (قدّس سرّه):

«و أخذ الأجرة على الواجب ...، إلى قوله: و ثانيا لا يكاد ...».

(1)

أخذ الأجرة على الواجب:

و أما بالنسبة إلى الثمرة الثالثة: فذكر في ردّها أن أخذ الأجرة على الواجبات أمر جائز و لا محذور فيه.

و الوجه في ذلك: (2) إن الواجب إما توصلي أو عبادي.

أما التوصلي: فلا مانع من أخذ الأجرة عليه، إذ المانع إما قصد القربة، و المفروض عدم اعتباره، و إما حيثية الوجوب بنفسها، و هي ليست مانعة إلّا إذا فرض أن المطلوب هو وجوده المجاني- كما في تغسيل الميت و تكفينه و دفنه- و أما إذا كان وجوده المطلق الأعم من المجاني و غيره هو المطلوب فلا محذور في أخذ الأجرة عليه، و هذا كما هو الحال في غالب الواجبات التوصلية الكفائية، كما في الطبابة و الخبازة و ... فإنه يجب على الناس أن يصير بعضهم أطباء، و بعضهم يمتهن الخبازة و هكذا، إذ بدون ذلك لا ينتظم أمر الحياة.

و الواجب في هذه المهن ليس المجانية بل تصدّي الإنسان لها و لو بأخذ الأجرة، و قد نتمكن أن نقول أكثر: إنه يلزم أخذ الأجرة في أمثالها،

____________

(1) الدرس 125: (22/ شوال/ 1425 ه).

(2) هذا البحث فقهي و إنما ذكره الشيخ الخراساني هنا استطرادا.

260

إذ لو لم يأخذ الطبيب من المرضى أجرا فعلى من سوف يعيش، و بالتالي لا يعود داع لمن يراجعه للعلاج إلى العمل، إذ هذا لا يأخذ منه أجرة و لا ذاك فيلزم اختلال عجلة الحياة.

و بالجملة: يجوز أخذ الأجرة في الواجبات التوصلية ما دام المطلوب فيها أصل وجودها الأعم من المجاني و غيره و إنما لا يجوز ذلك في خصوص ما يطلب وجوده المجاني.

هذا في الواجب التوصلي.

و أما العبادي: فلا مانع من أخذ الأجرة عليه أيضا، فيمكن أن تقول لشخص: صل صلاة الظهر و أنا أدفع إليك دينارا، لأن المانع إما حيثية قصد القربة أو حيثية كون المعاملة سفهية.

و تقريب السفهية أن شرط صحة الإجارة و أي معاملة أخرى عود نفع ما إلى المتعاملين و إلّا كانت لغوا و سفها، و دليل صحة المعاملات لا يمضي المعاملات السفهية، و بناء على هذا إذا قلت لشخص: صل صلاة الظهر عن نفسك و أنا أدفع لك كذا فما ذا أنتفع أنا؟ إن المنتفع هو و لا يعود إليّ نفع فتكون المعاملة باطلة.

و بالجملة: المانع من صحة الإجارة على العبادة ليس إلّا حيثية قصد القربة أو حيثية السفهية، و كلاهما لا يصلح مانعا.

أما الأوّل: فلإمكان دفعه من خلال فكرة الداعي إلى الداعي، (1) فيقال: إن الداعي إلى إتيان المكلف بالصلاة ليس هو الأجرة، بل قصد

____________

(1) فكرة الداعي إلى الداعي هي من الأفكار الجميلة و الظريفة، و ربما تظهر أيضا من صاحب الحدائق 11: 52؛ و السيد اليزدي في العروة الوثقى 3: 78/ مسألة 2 من صلاة الاستئجار/ طبعة مؤسسة النشر الإسلامي.

261

القربة و لكن الذي دعاه إلى قصد القربة هو الأجرة، فالأجرة هي الداعي إلى الداعي.

و بكلمة أخرى: إن الأجرة لا تدفع على ذات الصلاة لتقع باطلة بل على الصلاة بقصد القربة.

و هذه الفكرة لا بدّ من قبولها و إلّا فكيف نأتي بصلاة الرزق و صلاة نزول المطر و غير ذلك، فإنه لو لا هذه الفكرة يلزم بطلان الصلوات المذكورة، إذ الداعي إلى الإتيان بها هو توسعة الرزق و نحو ذلك لا القربة، و لا جواب إلّا أن يقال: إني آتي بالصلاة بقصد القربة و لكن الذي دعاني إلى قصد القربة هو طلب توسعة الرزق.

بل لو لا قبول فكرة الداعي يلزم بطلان جميع عباداتنا، فالصلاة التي نأتي بها خمس مرات في كل يوم إنما نأتي بها فرارا من النار أو طمعا في الجنّة و إلّا فلا يحتمل إنّا نأتي بها لأنه سبحانه أهل للعبادة، و معه فكيف نصحّحها؟ إنه لا تصحيح لها إلّا بفكرة الداعي إلى الداعي، أي إنا نأتي بالصلاة بقصد القربة، و الداعي إلى قصد القربة هو الفرار من النار.

و بالجملة العبادية لا تنافي أخذ الأجرة بعد ملاحظة فكرة الداعي إلى الداعي.

و أما الثاني: فلإمكان دفعه بأنّا نفترض وجود الفائدة في المعاملة، كما إذا كان الشخص يدفع الأجرة لا لأجل أن يصلي الثاني عن نفسه بل لأجل أن يأتي بها عن والد الدافع مثلا، فإنه بذلك تعود الفائدة إليه حيث يحصل تفريغ ذمته أو تفريغ ذمة والده.

ثمّ إنه بعد الفراغ من الثمرات الثلاث المذكورة أخذ (قدّس سرّه) ببيان الثمرة الرابعة، و هي على ما قيل للشيخ الوحيد البهبهاني.

262

و حاصلها: إنه لو فرضنا وجود مقدمة محرّمة، كركوب الطائرة المغصوبة إلى الحج فإذا قلنا بوجوب المقدمة يلزم اجتماع الأمر و النهي في المقدمة.

أما النهي فباعتبار أنه قد فرضنا حرمتها.

و أما الأمر فلفرض القول بوجوب المقدمة.

و بعد هذا الاجتماع نقول: إن بني على الجواز- بتقريب أن الأمر متعلّق بعنوان و النهي بعنوان آخر، فالأمر متعلّق بعنوان المقدمة، و النهي متعلّق بعنوان الغصب، و مع تعدد العنوان يجوز توجيه الأمر و النهي معا- فيلزم تحقق الإطاعة و الثواب من جهة و العصيان و العقاب من جهة أخرى.

و إن بني على الامتناع- بدعوى أن تعدد العنوان لا يكفي لتوجيه الأمر و النهي، فإن الأحكام تتعلق بالمعنون دون العنوان، و حيث إن المعنون واحد فلا يمكن توجيه الأمر و النهي إليه معا- يلزم أن يكون الثابت هو أحدهما، أي إما الأمر و إما النهي و لا يمكن ثبوتهما معا.

هذا كله بناء على وجوب المقدمة.

و أما بناء على عدم الوجوب يكون الثابت هو الحرمة لأجل الغصب فقط من دون تحقق الأمر.

هذا حاصل الثمرة المذكورة.

و أجاب عنها (قدّس سرّه) بثلاثة أجوبة.

الجواب الأوّل: إن المورد المذكور ليس هو من موارد اجتماع الأمر و النهي، بل من موارد النهي عن العبادة أو المعاملة.

و الوجه في ذلك: إن اللازم في اجتماع الأمر و النهي وجود عنوانين، يتعلق بأحدهما الأمر و بالآخر النهي، كما هو الحال في الصلاة في الدار المغصوبة مثلا،

263

فإن الأمر متعلّق بعنوان الصلاة و النهي بعنوان الغصب، و هذا بخلاف المقام، فإن عنوان المقدمة لا يصلح أن يكون متعلّقا للأمر، إذ الوجوب الغيري ينصبّ على واقع المقدمة و ليس على عنوانها، فإن عنوانها ليس مما يتوقف عليه الواجب كي يصير واجبا بالوجوب الغيري و إنما الذي يتوقف عليه الواجب هو واقع المقدمة، أي ركوب الطائرة مثلا، فإن الحج موقوف عليه- ركوب الطائرة- و ليس على عنوان مقدميته.

و هذا كله بخلاف مورد النهي عن العبادة أو المعاملة، فإنه يوجد عنوان واحد يكون متعلّقا للأمر و النهي معا، كما هو الحال في الصلاة في الحمام، فإن الأمر متعلّق بعنوان الصلاة، و النهي متعلّق بعنوان الصلاة في الحمام، أي بالصلاة الخاصة، و لم يتعلق بحيثية الكون في الحمام، فإن الحيثية المذكورة محبوبة لا مبغوضة، فالإنسان بدخوله في الحمام يصير نظيفا، و هذا أمر مطلوب في الشرع.

إذن الأمر متعلّق بعنوان الصلاة و النهي متعلّق بعنوان الصلاة في الحمام، و هما عنوان واحد، غايته أن الثاني أضيق من الأوّل لا أنه مغاير له.

و بالجملة: حيث إنه في مقامنا لا يوجد عنوانان، بل عنوان واحد فلا يكون من مصاديق اجتماع الأمر و النهي بل من النهي عن العبادة أو المعاملة.

توضيح المتن:

وجوده المطلق: أي الأعم من المجاني و مع الأجرة.

غاية الأمر يعتبر فيها: أي في الإجارة على العبادة. و هذا إشارة إلى الحيثية الثانية التي يحتمل مانعيتها من صحة الإجارة على العبادة.

و ربما يجعل ...: هذا إشارة إلى الثمرة الرابعة.

264

فيبتني: أي اجتماع الوجوب و الحرمة في المقدمة.

بخلاف ما لو قيل بعدمها: أي بعدم الملازمة فإنه تكون الحرمة هي الثابتة فقط.

لما أشرنا إليه غير مرة: قد تقدم ذلك (ص 141) من الكفاية في الأمر الثاني عند تقسيم المقدمة إلى داخلية و خارجية.

مبتنية عليه: المناسب: كي يكون مبنيا عليه، أي لا يكون موردنا من باب الاجتماع كي يكون- موردنا- مبنيا عليه، أي على باب الاجتماع.

ما هو بالحمل الشائع: أي مصداق المقدمة و واقعها الخارجي.

فيكون على الملازمة: أي فيكون المورد بناء على وجوب المقدمة من ...

و المعاملة: المقصود من المعاملة غير العبادة فيشمل مثل ركوب الطائرة.

خلاصة البحث:

يرد على الثمرة الثالثة إن أخذ الأجرة على الواجب أمر جائز.

أما في التوصلي فلعدم اعتبار قصد القربة فيه، و حيثية الوجوب لا تمنع ما دام الواجب هو الوجود الأعم من المجاني و غيره.

و أما في العبادي فلأن ما يحتمل كونه مانعا إما القربة، و ذلك يمكن دفعه بفكرة الداعي إلى الداعي، أو حيثية السفه، و هي يمكن دفعها بفرض وجود منفعة عائدة إلى الباذل، كما لو كانت الإجارة على الصلاة عن الميت.

ثمّ إنه توجد ثمرة رابعة تظهر فيما إذا كانت المقدمة محرمة، فبناء على وجوب المقدمة تصير المقدمة من موارد الاجتماع بخلاف ما إذا لم يقل بوجوبها.

265

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أخذ الأجرة على الواجب لا بأس به إذا كان توصليا ما دام إيجابه لم يكن مجانا، بل كان وجوده المطلق مطلوبا، كالصناعات الواجبة كفاية التي يختل لولاها معاش العباد، بل ربما يجب أخذ الأجرة عليها لذلك.

و إذا كان عباديا فيجوز أخذ الأجرة و لكن لا على نفس الإتيان به كي ينافي عباديته بل على الإتيان به بداعي القربة فيكون أخذ الأجرة من قبيل الداعي إلى الداعي.

نعم يلزم فرض وجود منفعة عائدة إلى المستأجر- ككل معاملة- كي لا تكون سفهية.

و ربما تذكر ثمرة رابعة، و هي اجتماع الوجوب و الحرمة فيما إذا كانت المقدمة محرّمة في نفسها فإنه يلزم ذلك على الملازمة و يبتني الأمر على جواز الاجتماع و عدمه، بخلاف ما لو لم يبن على الملازمة.

و فيه:

الجواب الأول على الثمرة الرابعة:

أوّلا: إن المورد ليس من باب الاجتماع لما أشرنا إليه غير مرة من أن الواجب هو المقدمة بالحمل الشائع لا بالحمل الأوّلي، أعني عنوان المقدمة.

و على هذا فالمورد بناء على الملازمة من باب النهي عن العبادة أو المعاملة.

***

266

قوله (قدّس سرّه):

«و ثانيا لا يكاد يلزم ...، إلى قوله: في تأسيس الأصل».

(1)

الجواب الثاني و الثالث على الثمرة الرابعة:

الجواب الثاني: إنه بقطع النظر عمّا تقدّم يمكن أن يقال: إن المورد ليس من موارد الاجتماع، بل الثابت دائما إما هو الأمر فقط من دون نهي أو هو النهي من دون أمر.

و الوجه في ذلك: إنه إما أن نفترض وجود طائرة ثانية مباحة مثلا إلى الحج أو نفترض انحصار الطائرة بخصوص المغصوبة.

فعلى الأوّل يلزم توجّه الوجوب الغيري و تعلّقه بخصوص الطائرة المباحة، و الطائرة المغصوبة يلزم تعلّق الحرمة بها من دون وجوب غيري، إذ يوجد مانع من ثبوته لها، و هو الحرمة، فإن المقدمة إنما تتصف بالوجوب الغيري فيما إذا فرض عدم المانع منه، أما مع فرض تحققه فلا تتصف به، و الحرمة مانعة.

إذن الطائرة المباحة تتصف بالوجوب الغيري بدون حرمة، و الطائرة المغصوبة تتصف بالحرمة بدون وجوب غيري، فلم يلزم على هذا تحقق الاجتماع.

____________

(1) الدرس 126: (23/ شوال/ 1425 ه).

267

و على الثاني تحصل مزاحمة و منافاة بين الوجوب النفسي للحج و بين حرمة الغصب، و لا يمكن أن يثبتا معا بل الثابت أحدهما، فإن كان الأقوى هو الوجوب فيكون باقيا و ترتفع حرمة الغصب، و بالتالي يتصف ركوب الطائرة المغصوبة بالوجوب الغيري بدون الحرمة، و إن كان الأقوى هو الحرمة فتثبت الحرمة لركوب الطائرة المغصوبة بدون الوجوب الغيري، لفرض انتفاء الوجوب النفسي للحج، و بانتفائه يلزم انتفاء الوجوب الغيري. (1)

الجواب الثالث: إنه مع التنزل عما سبق و فرض أن المورد هو من موارد الاجتماع فنقول: إنه لا ثمرة عملية لإدخاله في مورد الاجتماع، و المهم هو الثمرة العملية و إلّا فمجرد الإدخال في مورد الاجتماع لا يصلح أن يكون ثمرة.

إذن فرق هذا الجواب عن الجوابين السابقين أنه فيما سبق كان يدّعى أن المورد ليس من موارد الاجتماع إما لأن العنوان واحد أو لأنه يوجد أمر بلا نهي، أو نهي بلا أمر، و هذا بخلافه في هذا الجواب فإنه يراد أن يقال: لنفرض أن مقامنا هو من باب الاجتماع إلّا أن مجرد هذا لا يكفي أن يكون ثمرة لعدم ترتّب أثر عملي عليه.

____________

(1) نقل الشيخ المشكيني المحشّي على الكفاية عن أستاذه أنه قد شطب في النسخة المصحّحة على هذا الجواب.

و لعلّ ذلك هو الأنسب، إذ ما ذكر هو من نتائج كون المورد من موارد الاجتماع لا أنه يمنع منه، و إلّا فما ذكر يردّ على جميع موارد الاجتماع، ففي الصلاة في المغصوب يقال: إنه بناء على الامتناع تقع المضادة بين الحكمين فإما أن يبقى هذا بدون ذاك أو بالعكس فلا يتحقق الاجتماع.

268

أما لما ذا لا يترتب أثر عملي؟ ذلك لأن المقدمة إما توصلية أو تعبدية.

فإن كانت توصلية- من قبيل ركوب الطائرة لأجل الحج- فباعتبار أن المطلوب منها هو التوصّل إلى ذي المقدمة، و التوصل يحصل سواء قلنا بوجوبها أم لا، و على تقدير وجوبها سواء قلنا بجواز الاجتماع أو بامتناعه.

إذن تحقق التوصّل لا يتأثر بما إذا قلنا بوجوب المقدمة و عدمه و ما إذا قلنا بالجواز أو بالامتناع.

هذا كله إذا كانت المقدمة توصلية.

و أما إذا كانت تعبدية- و ينحصر ذلك بالطهارات الثلاث فيما إذا كانت بالماء المغصوب أو التراب المغصوب، إذ لا توجد مقدمة تعبدية غيرها- فباعتبار أنه إما أن نكون من القائلين بجواز الاجتماع- أي إنه يوجد عنوانان، بأحدهما يتعلق الأمر، و بالآخر النهي- أو نكون من القائلين بالامتناع.

فإن كنّا من القائلين بالجواز- بأن كان التحريم متعلّقا بعنوان الغصب و الأمر بعنوان الوضوء- فيلزم وقوع الوضوء مثلا صحيحا حتّى إذا لم يكن واجبا بالوجوب الغيري لكفاية استحبابه النفسي في وقوعه صحيحا.

و إن كنّا من القائلين بالامتناع- بمعنى أنه لا يوجد شيئان بل شي‏ء واحد يفترض تعلّق الأمر و النهي به- فيلزم وقوع الوضوء باطلا حتّى إذا كان واجبا بالوجوب الغيري، لأن وجود الحرمة يمنع من إمكان التقرب بالاستحباب النفسي.

أما لما ذا فرضنا وجود الحرمة و لم نفترض كون الموجود هو الأمر فباعتبار أن الوحيد البهبهاني هو قد فرض كون المقدمة محرّمة مضافا إلى أن واقع الأمر يملي ذلك، فإن حرمة الغصب أهم من الوضوء بالمغصوب لوجود البدل له، و هو التيمم.

269

و بالجملة: إنّ فرض ثبوت الوجوب الغيري للمقدمة لا يحقّق ثمرة عملية حتّى مع دخول المورد في باب الاجتماع. نعم لو كان غرضه بيان دخول المورد في باب الاجتماع- أي بناء على وجوب المقدمة- حتّى مع فرض عدم الثمرة العملية فما ذكرناه لا يرد عليه و لكن ذلك لا معنى له في نفسه. (1)

توضيح المتن:

الانحصار به: أي بالمحرّم.

و فيها أما ...: أي و في صورة الانحصار أما ...

و أما لا حرمة لها لذلك: أي لأجل المزاحمة.

و لو لم نقل بجواز الاجتماع: المناسب: و لو لم نقل بوجوب المقدمة، و على تقدير الوجوب سواء قيل بالجواز أم بالامتناع لأن التقرب يحصل بالاستحباب النفسي، و وجود الحرمة النفسية لا يمنع من التقرب لفرض تعدد متعلّقهما.

و هذا بخلافه بناء على الامتناع، فإن المتعلّق حيث إنه واحد فمع فرض ثبوت الحرمة لا يمكن التقرب بالاستحباب النفسي.

و عدم جواز التوصّل: المناسب: و لا يمكن التوصّل بها ...

____________

(1) لا يخفى أن نتيجة هذا كله إن ثبوت الوجوب الغيري لا ثمرة عملية له، و هو و إن كان وجيها و لكن لازمه بطلان الثمرة التي ذكرها هو (قدّس سرّه)، فإنه ذكر سابقا إن الثمرة تظهر في أنه بناء على الملازمة و ضمّ كون الشي‏ء مقدمة للواجب يثبت أن المقدمة واجبة شرعا، إنه يرد عليه ما أوردناه عليه سابقا من أن هذا الوجوب حيث إنه لا أثر عملي له فلا يصلح أن يكون ثمرة لمسألتنا.

270

خلاصة البحث:

أورد على الثمرة الرابعة بثلاثة أجوبة:

أحدهما: إنه لوحدة العنوان في المقام يكون ذلك من مصاديق النهي عن العبادة أو المعاملة لا من مصاديق الاجتماع.

ثانيها: إن المقام لا اجتماع فيه للأمر و النهي، بل إما يوجد أمر بلا نهي أو بالعكس.

ثالثها: إن ثبوت الوجوب الغيري و إدخال المقام في باب الاجتماع لا ثمرة عملية له، إذ المقدمة إن كانت توصلية فيمكن التوصّل إلى الواجب حتّى إذا لم يقل بوجوبها الغيري، و على تقدير الوجوب سواء بني على الجواز أو الامتناع.

و إن كانت تعبدية فتصح بناء على الجواز حتّى إذا لم يقل بالوجوب الغيري لإمكان التمسك بالاستحباب النفسي.

و بناء على الامتناع لا تقع صحيحة بعد فرض حرمتها حتّى إذا بني على الوجوب الغيري لعدم إمكان التقرب به أو بالاستحباب النفسي بعد فرض ثبوت الحرمة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و ثانيا: إن المورد لا يلزم فيه الاجتماع، إذ مع وجود المقدمة المباحة لا يثبت الوجوب للمحرمة، و مع عدم وجودها و الانحصار بالمحرّمة تلزم المزاحمة بين وجوب ذي المقدمة و الحرمة فإما أن ينتفي وجوب المقدمة لانتفاء وجوب ذيها و إما أن تنتفي الحرمة.

و ثالثا: إن ثبوت الوجوب الغيري و دخول المسألة في باب‏

271

الاجتماع لا أثر عملي له، فإن المقدمة المحرّمة إن كانت توصلية فيمكن التوصل بها إلى ذيها حتّى مع عدم وجوبها الغيري، و على تقدير الوجوب سواء قيل بالامتناع أو بالجواز.

***

272

قوله (قدّس سرّه):

«في تأسيس الأصل ...، إلى قوله: و لزوم التفكيك ...».

(1)

مقتضى الأصل:

كان من المناسب عقد هذا المطلب تحت عنوان الأمر السادس، فإنه مطلب مستقل في نفسه يبحث في تأسيس الأصل في المسألة.

و حاصله: إنه سوف يأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى الدليل على وجوب المقدمة، فإن تمّ حكمنا بوجوبها، و إذا لم يتم فهل نحكم بعدم وجوبها على سبيل الجزم؟ كلا، لا يمكن، لاحتمال أنها واجبة واقعا و نحن لم نتوصّل إلى ذلك، فإن عدم قيام الدليل على مجي‏ء زيد من السفر مثلا لا يستلزم عدم مجيئه واقعا، فلعلّه جاء و نحن لم نهتد إلى ذلك.

و ما دام عدم تمامية الدليل على وجوب المقدمة لا يدل على عدم وجوبها واقعا فعلى ما ذا نبني في مثل ذلك؟ فهل الأصل يقتضي وجوبها أو يقتضي عدم وجوبها؟

إنه في باب الطهارة و النجاسة إذا شككنا في نجاسة الشي‏ء واقعا فنبني على الطهارة لأصل الطهارة الذي يقول: إنك ما دمت لا تعلم‏

____________

(1) الدرس 127: (24/ شوال/ 1425 ه).

273

بالنجاسة فابن على الطهارة، و سؤالنا في المقام هل يوجد مثل هذا الأصل حتّى يمكننا من خلاله البناء على تحقق الملازمة أو عدمها؟

و في الجواب نقول: إنه لا يمكن من خلال الأصل إثبات الملازمة و لا عدمها، فلا يمكن أن نقول: إن الأصل هو عدم الملازمة.

و الوجه في ذلك إنه لا معنى للأصل المذكور إلّا الاستصحاب و إلّا فليس عندنا أصل يصحّ التمسك به بعنوان أصل عدم الملازمة إلّا ذلك، و الاستصحاب لا يجري لأنه يحتاج إلى يقين سابق و شك لا حق، و نحن لا نملك وقتا سابقا يمكن أن نشير إليه و نقول: في هذا الوقت نتيقن بثبوت الملازمة و بعد ذلك نشك في بقائها، أو نتيقن بعدم الملازمة و نشك بعد ذلك في بقائه، لأن الملازمة إن كانت ثابتة فهي ثابتة من الأزل و القدم، و إن لم تكن ثابتة فهي ليست ثابتة من الأزل، و هي ليست حادثة لنقول: هي قبل حدوثها نتيقن بعدمها و بعد ذلك نشك، كلا، إن هذا لا معنى له.

إذن استصحاب ثبوت الملازمة أو استصحاب عدم الملازمة لا يجري لفقدان اليقين السابق.

نعم نتمكن أن نجري الاستصحاب بشكل آخر، بأن نلاحظ وجوب المقدمة و نقول: إنه قبل البلوغ حيث لم يكن وجوب لذي المقدمة جزما فلا وجوب للمقدمة جزما فإذا شككنا في حدوث الوجوب بعد ذلك استصحبنا عدمه السابق.

و الفرق بين الملازمة و الوجوب، حيث لم يجر الاستصحاب في الأوّل و يجري في الثاني، هو أنه في الوجوب يوجد زمان نتمكن أن نشير إليه و نقول:

إنه نتيقن بعدم وجود الوجوب في هذا الزمان- أي قبل الإسلام مثلا- و الآن نشك، و هذا بخلافه في الملازمة فإنه لا يوجد فيها زمان من هذا القبيل.

274

و بالجملة: إن الاستصحاب لا يجري بلحاظ الملازمة و يجري بلحاظ الوجوب.

و قد تقول: إن الاستصحاب لا يجري بلحاظ الوجوب أيضا، لأن وجوب المقدمة لازم ذاتي لوجوب ذي المقدمة، كالزوجية التي هي لازم ذاتي للأربعة، و نحن نعرف أن لوازم الذات لا يمكن جعلها بالجعل البسيط و لا بالجعل التأليفي، فالزوجية مثلا لا يمكن جعلها بالجعل البسيط، أي لا يمكن إيجادها و خلقها وحدها و بشكل مستقل، لأن أي شخص إذا أراد إيجادها فإما أن يوجدها بعد فرض ثبوت الأربعة أو يوجدها بقطع النظر عن ذلك، و كلاهما باطل.

أما الأوّل فلأنه مع فرض تحقق الأربعة يلزم أن تكون الزوجية متحققة أيضا فما معنى جعلها و خلقها؟

و أما الثاني فلأنه بقطع النظر عن الأربعة لا يمكن ثبوت الزوجية و جعلها.

إنه لأجل هذا البيان اشتهر أن اللوازم الذاتية لا يمكن جعلها بالجعل البسيط و لا بالجعل التأليفي. (1)

و من هنا نسب لابن سينا أنه قال: ما جعل اللّه المشمشية للمشمش و إنما خلق اللّه المشمش.

____________

(1) و يعبر عن الجعل البسيط- الذي هو خلق الشي‏ء و إيجاده وحده- بمفاد كان التامة، و عن الجعل التأليفي- الذي هو خلق الشي‏ء و إثباته لشي‏ء آخر- بمفاد كان الناقصة، فحينما تقول: كان زيد- أي وجد- فهو مفاد كان التامة، بينما حينما تقول: كان زيد عالما فهو مفاد كان الناقصة.

و في المقام إذا كان الجاعل يخلق الزوجية و يثبتها للأربعة فهو مفاد كان الناقصة، أما إذا كان يخلق الزوجية وحدها و هكذا الأربعة وحدها فهو مفاد كان التامة.

275

و على هذا الأساس نقول: إذا سلّمنا بأن وجوب المقدمة هو من اللوازم الذاتية لوجوب ذي المقدمة فيلزم أن لا يكون مجعولا بالجعل البسيط و لا بالجعل التأليفي.

و يترتّب على هذا أن الاستصحاب لا يمكن جريانه فيه، لأن شرط جريانه في شي‏ء كون ذلك الشي‏ء مجعولا للشارع أو يكون له أثر شرعي مجعول، إذ لو لم يكن مجعولا و ليس له أثر شرعي فيكون التعبد ببقائه لغوا، فوجوب صلاة الجمعة مثلا أمر مجعول للشارع فيجري استصحاب بقائه إلى زمان الغيبة، و هكذا الخمرية مثلا لها أثر مجعول- و هو الحرمة- فيجري استصحاب بقائها، و هذا بخلاف مثل بقاء النملة على السطح مثلا، فإنه لا يجري استصحابه، لعدم كون بقاء النملة أمرا مجعولا للشارع، كما أنه ليس لذلك أثر مجعول فما فائدة الاستصحاب؟ إنه لغو.

ثمّ بعد هذا نقول: حيث إن وجوب المقدمة ليس أمرا مجعولا- لأنه لازم ذاتي، و اللوازم الذاتية لا تقبل الجعل- كما و أنه ليس له أثر مجعول، إذ أي أثر يترتب على وجوب المقدمة شرعا غير اللابدية العقلية، و مع التنزل و تسليم وجود أثر له فهو ليس بمهم- إذ لو كان له أثر فهو مثل حصول الوفاء بالنذر لو أتي بالمقدمة بناء على وجوبها- فلا يجري الاستصحاب فيه.

هكذا قد يقال.

و يمكن الجواب: بأن الزوجية و إن لم تكن مجعولة بالجعل البسيط و لا بالجعل التأليفي و لكنها ليست مجعولة كذلك بالمباشرة، و أما بالتبع فهي مجعولة، فإن من يخلق الأربعة فهو خالق لزوجيتها بالتبع، و أنت حينما تخرج من كيسك أربع برتقالات مثلا فتكون قد أخرجت من كيسك الزوجية بالتبع.

و إذا سلّمنا بكون وجوب المقدمة مجعولا بتبع جعل وجوب ذي‏

276

المقدمة فيلزم إمكان جريان الاستصحاب فيه لأنه يكفي لخروج التعبد بالاستصحاب عن اللغوية أن يكون الشي‏ء مجعولا و لو بالتبع، إذ آنذاك يكون له شي‏ء من الارتباط بالشرع فيمكن أن يتعبدنا ببقائه.

توضيح المتن:

فالأصل عدم وجوبها: أي الاستصحاب يقتضي عدم وجوبها.

و توهم عدم جريانه: أي استصحاب بقاء عدم وجوب المقدمة.

لكون وجوبها: أي وجوب المقدمة.

من قبيل لوازم الماهية: هذه جملة معترضة. و المناسب أن يكون مقصوده أن وجوب المقدمة هو من لوازم وجود وجوب ذي المقدمة لا من لوازم ماهيته بالمعنى الاصطلاحي، فإن تصوّر وجوب ذي المقدمة لا يستلزم تصوّر وجوب المقدمة.

غير مجعولة: الصواب: غير مجعول.

و لا أثر آخر: المناسب حذف كلمة آخر.

و لو كان ...: و هو كما قلنا مثل حصول الوفاء بالنذر لو اتي بالمقدمة بناء على الوجوب.

مدفوع: خبر و توهم.

غير مجعول بالذات: أي بالمباشرة و الاستقلال.

و يتبع: المناسب: و بتبع. و هو عطف تفسير لقوله: (بالعرض).

خلاصة البحث:

إن الأصل بلحاظ الملازمة لا يجري لعدم اليقين السابق، و بلحاظ الوجوب يجري استصحاب عدمه لكونه أمرا حادثا مسبوقا بالعدم بخلاف الملازمة.

277

و الإشكال بكون الوجوب الغيري لازما ذاتيا لوجوب ذي المقدمة فلا يكون مجعولا و لا أثرا مجعولا له فلا يجري استصحابه مدفوع بكفاية كونه مجعولا بالتبع.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

لا أصل بلحاظ الملازمة لكونها أزلية وجودا و عدما و إنما يجري بلحاظ الوجوب الغيري لكونه حادثا بحدوث وجوب ذي المقدمة فيكون مسبوقا بالعدم.

و توهم عدم جريانه لكونه لازما ذاتيا لوجوب ذي المقدمة- و اللوازم الذاتية ليست مجعولة بالجعل البسيط الذي هو مفاد كان التامة و لا بالجعل التأليفي الذي هو مفاد كان الناقصة- و لا أثر مجعولا مترتبا عليه، و لو كان فهو ليس بمهم.

مدفوع بكفاية كونه مجعولا بتبع جعل وجوب ذي المقدمة.

***

278

قوله (قدّس سرّه):

«و لزوم التفكيك ...، إلى قوله: و لا بأس بذكر الاستدلال ...».

(1)

الدليل على وجوب المقدمة:

عرفنا خلال ما مضى أن الأصل لا يمكن إجراؤه بلحاظ الملازمة و يمكن إجراؤه بلحاظ الوجوب.

و قد يشكل على هذا بأن استصحاب عدم وجوب المقدمة إذا جرى و ثبت عند فرض تحقق وجوب ذي المقدمة عدم وجوب المقدمة- كما لو فرض أن الشخص استطاع للحج، فإنه يجب عليه الحج جزما، و لكن المقدمة بمقتضى الاستصحاب ليست واجبة- فذلك يعني عدم وجود الملازمة بين الوجوبين و إلّا فكيف ثبت وجوب ذي المقدمة من دون وجوب المقدمة.

و بالتالي سوف يثبت وجود أصل ينفي الملازمة، و ذلك هو استصحاب عدم وجوب المقدمة بالبيان المتقدم.

و الجواب: إنه من خلال الأصل المذكور تنتفي الملازمة في مرحلة الظاهر و الفعلية لا أنها تنتفي بلحاظ الواقع، إذ بحسب الواقع نحتمل ثبوت الملازمة، و من الواضح أن المهم هو إثبات حال الملازمة بلحاظ الواقع.

____________

(1) الدرس 128: (28/ شوال/ 1425 ه).

279

نعم لو فرض أن المطلوب إثبات حال الملازمة بلحاظ الواقع و بلحاظ الظاهر معا أمكن التمسك بالأصل المذكور لنفي الملازمة و إبطالها في مرحلة الظاهر، و يثبت بذلك نصف المطلوب.

إذا عرفت ما ذكرنا نقول:

ذكر (قدّس سرّه) في بداية البحث عن وجوب المقدمة أنه ينبغي تقدم أمور، و قد ذكر أربعة أمور، ثمّ بعد ذلك ذكر بعض المباحث الأخرى، و الآن قد فرغ من ذلك و يريد الدخول في صميم البحث عن وجوب المقدمة، أي يريد (قدّس سرّه) البحث عن أن مقدمة الواجب هل هي واجبة أو لا؟ (1)

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه): أن مقدمة الواجب واجبة من دون تفصيل. و ذكر أن القوم قد استدلوا بوجوه متعددة لا تخلو من الخلل، و سننقل بعض تلك الوجوه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى. (2)

ثمّ قال: و الأوجه في مقام الاستدلال على وجوب المقدمة التمسك بالوجهين التاليين:

1- الوجدان، فإنه قاض بأن من يريد شيئا يريد مقدماته أيضا، بل ربما يوجّه الطلب إلى المقدمات- لو التفت إليها- و يقول: اذهب إلى السوق و اشتر اللحم منه.

و دعوى أن الطلب المذكور- اذهب إلى السوق- طلب إرشادي و ليس مولويا أمر مرفوض، بل هو مولوي، إذ لازم الإرشادية أن يكون المقصود هكذا:

____________

(1) من الملفت للنظر في هذا المبحث أن المقدمة صارت أكبر من ذي المقدمة، إذ المقدمة قد اشتملت على أمور أربعة و أبحاث أخرى بينما البحث عن ذي المقدمة الذي هو بحث في الصميم بحث قصير.

(2) و هو دليل أبي الحسن البصري الآتي فيما بعد.

280

إذا أردت شراء اللحم فلا بدّ من الذهاب إلى السوق و بدون الذهاب إليه لا يمكن شراء اللحم، و مثل هذا مخالف للظاهر جزما.

و بكلمة أخرى: نحن نشعر بأن الطلب في كلتا الجملتين- اذهب إلى السوق، و اشتر اللحم- على نسق واحد و ليس بينهما تغاير، و حيث إنه في جملة اشتر اللحم هو طلب مولوي فيلزم أن يكون مولويا أيضا بلحاظ جملة اذهب إلى السوق.

2- ما ينسب إلى السيد المجدد الشيرازي، و قد تمسك به الشيخ الخراساني كمؤيّد للمطلب، ثمّ ترقّى و قال: بل هو من أوضح البرهان عليه.

و حاصله: إن الأمر الغيري قد تعلّق بالفعل ببعض المقدمات، فبعض المقدمات هي واجبة شرعا و بعضها واجب لدى العرف.

مثال ما وجب شرعا: الطهارات الثلاث، فإنه قد تعلّق بها الأمر الغيري في مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .... (1)

و مثال ما وجب عرفا: الأمر بالذهاب إلى السوق لشراء اللحم.

و إذا ثبت تعلّق الوجوب بهذه المقدمات ثبت تعلّقه بغيرها، لأن الملاك هو المقدمية، و هي ثابتة في الجميع، على أن حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لا يجوز واحد.

إن قلت: لعلّ هذه وجبت من باب أنها شرط شرعي، فالوضوء شرط شرعا للصلاة، و لعلّه من هذه الجهة قد تعلّق به الوجوب الغيري، و البعض قد فصّل بين الشرط الشرعي فقال بوجوبه و بين غيره فلا يجب، و فصّل بعض آخر بين السبب و غيره، فالمقدمة إذا كانت سببية- كالعقد

____________

(1) المائدة: 6.

281

بالنسبة إلى تحقق الملكية، فإن العقد سبب و علة للملكية، بمعنى أنه إذا تحقق تحققت هي حتما- تجب بخلاف ما إذا لم تكن كذلك.

قلت: يأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى بطلان جميع هذه التفاصيل.

توضيح المتن:

و لزوم التفكيك ...: هذه العبارة بيان للإشكال. و الإشكال يمكن أن يبيّن ببيانين، أحدهما أشرنا إليه سابقا، و البيان الثاني هو أن استصحاب عدم وجوب المقدمة لا يجري لأن لازمه عدم وجوب المقدمة مع فرض وجوب ذي المقدمة، أي لازمه العلم بعدم الملازمة، و هو ينافي احتمال الملازمة، فإن كل واحد منّا يحتمل بالوجدان ثبوت الملازمة بين الوجوبين.

إذن: بما أنّا نحتمل الملازمة فلا يمكن إجراء الاستصحاب لأن لازمه العلم بعدم الملازمة.

و جوابه: إن الملازمة المحتملة هي الملازمة الواقعية، و احتمالها لا ينافي العلم بعدم الملازمة ظاهرا. نعم لو كانت الملازمة المحتملة هي الواقعية و الظاهرية لم يجر الاستصحاب.

و توجد في عبارة الكفاية نسختان، إحداهما تلتئم مع البيان الأوّل، و الأخرى تلتئم مع هذا البيان كما سنوضح.

لا محالة: متعلّق بقوله: (و لزوم التفكيك).

لأصالة عدم: تعليل لكيفية لزوم التفكيك.

لا ينافي الملازمة: خبر لقوله: (و توهم ...).

لصحّ التمسك ...: هذا على البيان الأوّل. و في بعض النسخ: لما صحّ التمسك بالأصل، و هو يلتئم مع البيان الثاني.

282

إذا عرفت ما ذكرنا: أي من بداية البحث عن وجوب المقدمة.

بواحد خال: أي بدليل واحد خال ...

و الأولى إحالة ...: هذا إشارة إلى الوجه الأوّل من الوجهين على وجوب المقدمة.

لو التفت إليها: بل هو يريدها حتّى لو لم يلتفت إليها، غاية الأمر لو التفت إليها يريدها بإرادة تفصيلية بينما لو لم يلتفت إليها يريدها بإرادة إجمالية.

و كان الأنسب لدفع هذا الإشكال التعبير هكذا: حيث إنه أقوى شاهد على أن الإنسان إذا أراد شيئا له مقدمات أراد تلك المقدمات بحيث ربما يجعلها في قالب الطلب- لو التفت إليها- مثله.

بعثا مولويا: أي و ليس طلب المقدمة طلبا إرشاديا.

و إنه حيث تعلقت ...: عطف على قوله: (إن الطلب المنشأ).

و إنه يكون مقدمة له: عطف تفسير على سابقه.

إلّا إذا كان ...: أي إلّا إذا كان في المقدمة مناط الأمر الغيري، و إذا كان فيها أمر غيري كان في مثلها من المقدمات أمر غيري أيضا- لأن حكم الأمثال واحد- فيصح تعلّق الأمر الغيري بمثلها أيضا لتحقق ملاك- أي مناط- الأمر الغيري في مثلها من المقدمات الأخرى.

هذا و لكن يرد على ما أفاده أن المقصود من هذا الوجه الثاني ما ذا؟ فهل المقصود إثبات إمكان تعلّق الوجوب الغيري بباقي المقدمات أو فعليّة تعلقه به، و الإمكان مسلّم، و لا حاجة إلى إثباته بهذا الوجه، و الفعلية لا تثبت بمجرد ثبوت الفعلية في موارد أخرى، فإن الفعلية في مورد لا تلازم الفعلية في بقية الموارد.

و التفصيل بين ...: أي و بهذا ثبت وجوب مطلق المقدمة، إذ التفصيل باطل كما سيأتي.

283

خلاصة البحث:

إن الأصل بلحاظ نفي الوجوب الغيري يجري و لا يثبت بذلك انتفاء الملازمة في مرحلة الواقع، بل في مرحلة الظاهر.

و يمكن الاستدلال على وجوب المقدمة بوجهين: الوجدان، و فعلية تعلّق الطلب الغيري ببعض المقدمات.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه بالأصل المذكور و إن ثبت التفكيك بين الوجوبين إلّا أنه لا يثبت انتفاء الملازمة واقعا، بل انتفاؤها ظاهرا. نعم لو كانت الملازمة المدعاة شاملة لمرحلة الفعلية كان ذلك دليلا على انتفائها.

هذا كله في مقدمة البحث عن مقدمة الواجب.

و بعد هذا نقول: قد تصدّى غير واحد لإقامة البرهان على الملازمة و لكنه لم يسلم شي‏ء من ذلك من الخلل، و الأولى:

1- التمسك بالوجدان، فإن من أراد شيئا أراد مقدماته، و ربما يجعلها في قالب الطلب مثله- لو التفت إليها- و يقول: ادخل السوق و اشتر اللحم مثلا، و الطلب في كليهما مولوي.

2- و يؤيّد الوجدان، بل يدل على المطلب وجود بعض الأوامر الغيرية في الشرعيات و العرفيات، فإن تعلّق الأمر فيها هو بملاك المقدمية الثابت في غيرها فيلزم ثبوته في الغير أيضا.

و التفصيل بين السبب و غيره، و الشرط الشرعي و غيره باطل كما سيأتي.

***

284

قوله (قدّس سرّه):

«و لا بأس بذكر الاستدلال ...، إلى قوله: و أما التفصيل ...».

(1)

دليل أبي الحسن البصري على وجوب المقدمة:

بعد أن ذكر (قدّس سرّه) دليله على وجوب المقدمة، و هو الوجهان السابقان، أخذ الآن بذكر دليل القوم على ذلك، و هم قد ذكروا عدة أدلة في هذا المجال إلّا أن الدليل المهم هو ما ذكره أبو الحسن البصري، و الأدلة الأخرى راجعة إليه و تريد بيان نفس مضمونه، و سوف نوضّح ذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

أما دليل البصري‏ (2) فهو مركب من مقدمتين:

1- لو لم تكن المقدمة واجبة لجاز تركها، فالسفر إلى الحج مثلا إذا لم يكن واجبا يلزم جواز تركه.

2- و حينئذ فإما أن يبقى الواجب على وجوبه فيلزم التكليف بما لا يطاق، و إما أن لا يبقى على وجوبه فيلزم سقوط الوجوب من دون امتثال، و كلاهما باطل.

فالمكلف إذا لم يسافر إلى الحج فإما أن يبقى الحج على وجوبه، و هذا

____________

(1) الدرس 129: (29/ شوال/ 1425 ه).

(2) و هو ما نقله الفاضل المقداد في شرحه على الباب الحادي عشر، فإنه في مقام الاستدلال على وجوب المقدمة ذكر هذا الدليل.

285

تكليف بما لا يطاق- إذ كيف يكون الحج واجبا و المكلف بعد في وطنه لم يسافر إلى مكّة المكرمة؟ إنه حقا تكليف بما لا يطاق- أو يسقط وجوبه، و هذا غير مقبول أيضا، إذ كيف يسقط وجوب الحج بعد فرض عدم امتثاله؟ إنه لو كان هذا مقبولا فلما ذا يتعب المؤمنون أنفسهم و يذهبون إلى مكّة، بل يقال لهم:

ليبق كل واحد منكم في بلده و لا يسافر و يسقط عنه وجوب الحج آنذاك؟ إن هذا واضح البطلان، فإن وجوب الحج مطلق من ناحية السفر و ليس مقيّدا بتحققه- نعم هو مقيّد بالاستطاعة- إذ لو كان مقيّدا بتحققه يلزم ما ذكرناه، و يلزم بالأحرى أن يصير وجوب الحج الذي هو مطلق من حيث السفر مشروطا بتحقق السفر.

و عليه يتعيّن أن يكون السفر واجبا حتّى لا يلزم المحذوران المذكوران.

هذا حاصل الدليل المذكور.

و قبل أن يذكر الشيخ الخراساني الجواب عنه ذكر أنه لا بدّ من إدخال اصلاحين عليه:

أ- إنه ذكر في المقدمة الأولى أن السفر إذا لم يجب لجاز تركه، و لا بدّ أن يكون المقصود من الجواز ليس هو الإباحة لوضوح بطلان ذلك، فالسفر إذا لم يكن واجبا لا يلزم أن يكون مباحا، بل بالإمكان أن يكون مكروها أو مستحبا.

إذن يتعين أن نفسّر الجواز بالجواز بالمعنى الأعم، أي بعدم المنع شرعا، الذي له أفراد ثلاثة هي: الإباحة بالمعنى الأخص، و الكراهة، و الاستحباب.

ب- إنه ذكر في المقدمة الثانية كلمة (و حينئذ)، و لا بدّ أن يكون المقصود و حين تحقق ترك المقدمة، أي ترك السفر، و ليس المقصود

286

و حين جواز ترك المقدمة، فإن جواز ترك السفر من دون تركه بالفعل لا يوجب المحذورين المتقدمين، فالمكلف إذا جاز له ترك السفر و لكنه لم يتركه، بل أتى به فلا يلزم محذور التكليف بما لا يطاق و لا محذور سقوط الوجوب بلا مبرر.

و بعد هذين الاصلاحين أخذ (قدّس سرّه) بالجواب و ذكر ما حاصله: إنه ذكر في المقدمة الأولى أن السفر إذا لم يجب لجاز تركه- أي لم يمنع من تركه شرعا- و نحن نسأل ما ذا يراد من جواز الترك فهل المقصود لجاز تركه شرعا فقط أو أن المقصود لجاز تركه شرعا و عقلا؟

فإن كان المقصود هو الأوّل فنلتزم آنذاك بالمحذور الثاني، أو بالأحرى لا نرى محذورا في الالتزام به، إذ مع جواز ترك السفر شرعا و عدم المنع منه يبقى حكم العقل بلزوم الإتيان به على حاله، فالعقل يحكم بضرورة الإتيان به حتّى يدرك الحج، و مع حكم العقل المذكور لو فرض أن المكلف ترك السفر إلى أن حلّ وقت الحج و لم يمكنه الذهاب كان عاصيا و كان سقوط وجوب الحج سقوطا بسبب العصيان، إذ كان يمكنه أداء الحج و لكنه عجّز نفسه بسوء اختياره، و الالتزام بسقوط الأمر بسبب العصيان أمر لا محذور فيه، و إنما المحذور في سقوطه بلا مبرر، و لذا قيل: إن الحكم يسقط بالامتثال مرة و بالعصيان أخرى.

هذا إذا كان المقصود هو الأوّل.

و إن كان المقصود هو الثاني فلا نسلّم بالمقدمة الأولى، أي لا نسلّم أنه لو لم تجب المقدمة لم يكن منع من تركها شرعا و لا عقلا، بل ندّعي وجود منع من تركها عقلا و إن لم يكن منع شرعا، فإن العقل يحكم بضرورة الإتيان بها لكي لا يتحقق ترك الواجب، فهو يرشد إلى وجوبها.

287

توضيح المتن:

الذي هو كالأصل لغيره: أي ذكرت أدلة أخرى لكنها راجعة إلى دليل البصري، مثل: إنه لو لم تجب المقدمة لجاز التصريح بجواز تركها، و حيث إنه باطل فيتعين وجوبها، و غير ذلك.

مما ذكره ...: تفسير لغيره.

و إلّا خرج الواجب ...: أي لسقط وجوبه بلا مبرر، فإن وجوب الحج ليس مشروطا بتحقق السفر اتفاقا و صدفة كما هو واضح، فلو سقط عند ترك السفر بسوء الاختيار يلزم أن يكون- وجوب الحج- مشروطا بتحقق السفر، و الحال إنّا قد فرضناه مطلقا من ناحيته.

و فيه بعد ...: جملة بعد إصلاحه إلى قوله: (الشرطية الثانية معترضة)، و التقدير: و فيه ما لا يخفى بعد إصلاحه ...

من التالي في الشرطية الأولى: أي ما عبّرنا عنه بالمقدمة الأولى، فإنها شرطية، مقدّمها لو لم تجب المقدمة، و التالي لجاز تركها، أي لا بدّ و أن يكون المقصود من جواز الترك عدم المنع شرعا دون الإباحة بالمعنى الأخص.

و إرادة الترك ...: هذا هو الإصلاح الثاني.

عمّا أضيف إليه الظرف: الظرف هو كلمة حين، و هي مضاف، و المضاف إليه لا بدّ أن يكون هو الترك لا جواز الترك.

لا يكاد يتوهم: المناسب إضافة كلمة معه.

صدق القضية الشرطية الثانية: المناسب: لا يكاد يتوهم لزوم أحد المحذورين.

فإن الترك ...: هذا هو الجواب عن الدليل.

288

ثمّ لا يخفى أن مضمون الجواب أوضح من عبارة المتن بكثير.

أحد الشرطين: المناسب: أحد المحذورين. و قوله: (و لا يلزم ...) عطف تفسير.

فإنه و إن لم يبق له وجوب معه: أي مع الترك.

إلّا أنه كان ذلك: المناسب: إلّا أن ذلك.

أن لا يكون محكوما ...: بأن لا يكون وجوب غيري و لا أي حكم آخر شرعا.

خلاصة البحث:

استدل على وجوب المقدمة بأنه لو لم تجب لجاز تركها، و حينئذ يلزم أحد محذورين.

و لا بدّ من ادخال اصلاحين في البداية.

و الجواب: إن المقصود من جواز الترك إن كان هو عدم المنع شرعا فقط فسقوط وجوب الحج عند ترك السفر يكون بسبب العصيان، و السقوط المذكور لا محذور فيه، و إن كان هو عدم المنع شرعا و عقلا فلا نسلّم المقدمة الأولى.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه لا بأس بذكر دليل أبي الحسن البصري- الذي هو كالأصل لغيره من الأدلة التي ذكروها- و هو أن المقدمة لو لم تجب لجاز تركها، و حينئذ فإن بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق، و إن لم يبق يلزم سقوط الوجوب المطلق و صيرورته ليس بمطلق.

289

و فيه: أنه لا بدّ من إصلاحه أوّلا بإرادة الجواز بالمعنى الأعم- أي عدم المنع شرعا- من جواز الترك لا الإباحة الشرعية و إلّا كانت الملازمة واضحة البطلان.

و تفسير حينئذ بحين الترك لا حين جواز الترك و إلّا لم يلزم المحذوران.

و بعد هذا الإصلاح نقول: إذا فسّر جواز الترك بعدم المنع شرعا فقط فالالتزام بالمحذور الثاني لا ضير فيه، إذ هو سقوط بسبب العصيان لإمكان الإطاعة بعد حكم العقل بلزوم الإتيان بالمقدمة.

و إذا فسر بعدم المنع شرعا و عقلا فنمنع المقدمة الأولى، إذ لا يلزم من عدم الوجوب شرعا عدم المنع من الترك شرعا و عقلا، بل يمكن أن لا تكون محكومة بحكم شرعا مع الحكم عليها بالوجوب عقلا إرشادا.

***

290

قوله (قدّس سرّه):

«و أما التفصيل بين السبب و غيره ...، إلى قوله:

تتمة».

(1)

تفصيلان في مسألة وجوب المقدمة:

بعد فراغه (قدّس سرّه) من ردّ دليل البصري على وجوب المقدمة أخذ في عرض تفصيلين في المسألة:

1- التفصيل بين ما إذا كانت المقدمة سببا فتجب و بين غيرها فلا تجب، فمثلا العقد بالنسبة إلى الزوجية هو مقدمة لها بنحو السبب، أي هو سبب و علة للزوجية، فمتى ما تحقق تحققت الزوجية حتما و بشكل قهري، بخلاف السفر بالنسبة إلى الحج فإنه إذا تحقق لا يلزم تحقق الحج بل يبقى المكلف مختارا في فعل الحج و عدمه.

و الوجه في التفصيل المذكور أن الوجوب النفسي المتعلّق بالزواج- لو فرض وجوب الزواج لسبب من الأسباب- يلزم أن يكون متعلّقا بالعقد لأنه المقدور، و أما الزواج نفسه فهو ليس بمقدور.

و بكلمة أخرى: إنه بحسب ظاهر الدليل و إن كان الوجوب النفسي- و نؤكد: الوجوب النفسي- متعلّقا بالمسبب و لكن يلزم أن نصرفه إلى السبب لأنه المقدور.

____________

(1) الدرس 130: (30/ شوال/ 1425 ه).

291

و أجاب (قدّس سرّه) عنه بجوابين:

أ- إن مرجع ما ذكر إلى التفصيل في الوجوب النفسي و ليس إلى التفصيل في الوجوب الغيري، و محل كلامنا هو في الوجوب الغيري، فإن الدليل المذكور يقول: إن الوجوب النفسي المتعلّق بالمسبب يلزم صرفه إلى السبب، فهو ينتج لزوم صرف الوجوب النفسي إلى السبب دون الوجوب الغيري.

ب- إنه بقطع النظر عمّا سبق نقول: إن الوجوب النفسي المتعلّق بالمسبب لا يلزم صرفه إلى السبب، فإن المسبب مقدور أيضا، غايته بالواسطة لا أنه غير مقدور رأسا، و من الواضح أن متعلّق التكليف لا يلزم فيه أن يكون مقدورا بالمباشرة، بل يكفي أن يكون مقدورا و لو بالواسطة.

2- التفصيل بين المقدمة الشرعية- المعبّر عنها بالشرط الشرعي- فتجب و بين غيرها فلا تجب، فمثلا الوضوء مقدمة شرعية للصلاة بخلاف السفر، فإنه مقدمة عقلية أو عادية للحج، فالأولى واجبة بالوجوب الغيري بخلاف الثانية.

و الوجه في التفصيل المذكور أن المقدمة الشرعية لا يعرف كونها مقدمة شرعا إلّا من خلال الأمر الغيري، فإذا لم يأمر الشرع بالوضوء أمرا غيريا لا نعرف كونه شرطا للصلاة، فإن الطريق منحصر بذلك، بخلاف مثل السفر فإن مقدميته للحج ليست موقوفة على تعلّق الأمر الغيري به، بل نعرف ذلك من خلال العقل.

و أجاب عنه (قدّس سرّه) بجوابين:

أ- إنه ذكرنا في مبحث تقسيمات المقدمة أن المقدمة الشرعية ترجع إلى المقدمة العقلية، إذ الوضوء مثلا لا يكون مقدمة للصلاة إلّا

292

إذا صبّ الشارع الوجوب النفسي على الصلاة المقيّدة بالوضوء، و من المعلوم أنه بعد أخذ الواجب مقيّدا بقيد يحكم العقل بلزوم تحصيل ذلك القيد، فإن المقيّد لا يمكن أن يحصل إلّا بواسطة القيد.

و بعد ما كانت المقدمة الشرعية راجعة إلى العقلية فلا معنى لتعلّق الوجوب الغيري بها و إلّا يلزم تعلّقه بجميع المقدمات العقلية، و لا خصوصية لبعضها دون بعض.

إن قلت: إن وجه الخصوصية هو أن المقدمة الشرعية لا تعرف مقدميتها إلّا من خلال الشرع، أي لا يعرف كون الوجوب متعلّقا بالصلاة المقيّدة بالوضوء إلّا بعد تعلّق الأمر الغيري بالوضوء و إلّا فكيف يعرف كونه مقدمة و قيدا للصلاة الواجبة.

قلت: إننا نعرف ذلك من خلال الأمر النفسي و لا يتوقف على الأمر الغيري، فالأمر النفسي لمّا تعلّق بالصلاة المقيّدة بالوضوء عرفنا أن الوضوء مقدمة و شرط للصلاة، فالتعرّف على مقدمية الوضوء شرعا للصلاة الواجبة لا يتوقف على الأمر الغيري، بل يمكن ذلك من خلال الأمر النفسي.

ب- إنه بقطع النظر عن كل ما سبق نقول: إن المقدمية لا يمكن التعرّف عليها من خلال الأمر الغيري، أي لا يمكن أن نعرف كون الوضوء مقدمة للصلاة الواجبة من خلال الأمر الغيري و إلّا يلزم محذور الدور، إذ تعلّق الأمر الغيري بالوضوء متوقف على مقدميته فلو كانت مقدميته موقوفة على الأمر الغيري يلزم الدور.

إن قلت: على هذا من أين نعرف مقدمية الوضوء؟

293

قلت: من خلال الأمر النفسي المتعلّق بالمقيّد كما أوضحنا مسبقا. (1)

توضيح المتن:

فقد استدل على وجوب السبب: و أما الشق الثاني- و هو عدم الوجوب في غير السبب- فلم يذكره، و لعلّه لوضوحه.

المتوجه إليه: و هو الأمر النفسي. و ضمير إليه يرجع إما إلى المكلف أو إلى المسبب.

عنه إلى سببه: أي عن المسبب إلى سببه.

على التفصيل: أي في الوجوب الغيري. و هذا إشارة إلى الجواب الأوّل.

مع وضوح ...: هذا إشارة إلى الجواب الثاني.

أنه لا يكاد ...: هذا إشارة إلى الجواب الثاني، و قوله: (من رجوع ...) إشارة إلى الجواب الأوّل.

فافهم: قد تقدمت الإشارة إليه.

____________

(1) و لكن الدور لا يندفع بذلك أيضا، إذ تعلّق الأمر النفسي بالمقيّد موقوف على مقدمية الوضوء- إذ لو لا ذلك لما تعلّق بالصلاة المقيدة بل بذات الصلاة- فلو توقف تعرّف المقدمية على تعلّق الأمر النفسي بالمقيّد يلزم الدور.

و الأجدر في دفع هذا الدور و الدور السابق- الذي ذكر في الجواب الثاني- أن يقال: إن تعلّق الأمر الغيري بشي‏ء و إن كان موقوفا على مقدميته في مرحلة سابقة، و لكن هذا التوقف توقف ثبوتي، أي إنه ثبوتا و واقعا لا يتعلق الأمر الغيري إلّا بواقع المقدمة و ذاتها، بينما الذي يتوقف على الأمر الغيري هو التعرّف و العلم بانطباق المقدمة على الشي‏ء، فالأمر الغيري يتوقف على واقع المقدمة بينما الذي يتوقف على الأمر الغيري هو معرفتنا بكون الشي‏ء مقدمة، فالتوقّف من أحد الجانبين يغاير التوقّف من الجانب الآخر. و لعلّه إلى هذا أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

294

خلاصة البحث:

ذكر (قدّس سرّه) تفصيلين في المسألة، أحدهما بين المقدمة السببية و غيرها، و أجاب عنه بجوابين، و ثانيهما بين المقدمة الشرعية و غيرها، و أجاب عنه بجوابين أيضا.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه قد فصّل بين السبب و غيره، فالسبب يجب، لأن التكليف لا يتعلّق إلّا بالمقدور، و المقدور ليس إلّا السبب، و المسبب من آثاره القهرية و ليس فعلا للشخص، و معه يلزم صرف الأمر النفسي من المسبب إلى السبب.

و فيه: إن هذا تفصيل في الأمر النفسي و ليس في الأمر الغيري.

على أنه فاسد في نفسه، فإن المسبب مقدور بالواسطة، و لا يلزم في متعلّق التكليف أكثر من ذلك.

و فصّل أيضا بين الشرط الشرعي فيجب- إذ لو لا وجوبه لما كان شرطا، حيث إنه ليس مما لا بدّ منه عقلا أو عادة- و بين غيره فلا.

و فيه: مضافا إلى ما عرفت من رجوع الشرط الشرعي إلى العقلي أنه لا يكاد يتعلق الأمر الغيري إلّا بما هو مقدمة، فلو كانت مقدميته متوقفة على تعلّقه بها لدار.

و الشرطية ليست منتزعة من الوجوب الغيري، بل من الوجوب النفسي المتعلّق بما قيّد بالشرط، فافهم.

***

295

قوله (قدّس سرّه):

«تتمة: لا شبهة ...، إلى قوله: فصل الأمر بالشي‏ء ...».

(1)

مقدمة المستحب و الحرام و المكروه:

البحث فيما سبق كان عن مقدمة الواجب و الآن يقع الكلام عن مقدمة المستحب و الحرام و المكروه.

مقدمة المستحب:

أما مقدمة المستحب فحكمها حكم مقدمة الواجب، فكما أن مقدمة الواجب واجبة، باعتبار أن من أراد شيئا أراد مقدماته كذلك الحال في مقدمة المستحب، فإن من أراد المستحب أراد مقدمته، غايته أن تلك الإرادة بنحو اللزوم، و هذه بنحو الرجحان.

مقدمة الحرام:

و أما مقدمة الحرام‏ (2) فينبغي فيها التفصيل بين المقدمات التي لا يلزم عند فعلها تحقق الحرام بنحو الجزم و بين المقدمات التي يلزم تحقق الحرام عند تحققها، فالأولى ليست محرّمة، و الثانية محرّمة.

فمثلا قتل الشخص البري‏ء محرّم، و يحتاج تحققه إلى عدة مقدمات، من قبيل شراء المسدّس، و الذهاب إلى مكان ذلك الشخص،

____________

(1) الدرس 131: (1/ ذي القعدة/ 1425 ه).

(2) و الكلام في مقدمة المكروه هو الكلام في مقدمة الحرام فلا نكرّر.

296

و توجيه المسدّس إلى ذلك الشخص، و الضغط على الزناد لتنطلق الرصاصة.

و نجد فرقا بين المقدمات الثلاث الأولى و بين المقدمة الأخيرة، فتلك الثلاث لو أوجدها الشخص لا يلزم من ذلك تحقّق الحرام بل يبقى مختارا في فعل الحرام و عدمه، و مثل هذه لا يكون فعلها محرّما، إذ لا يتوقف ترك الحرام على تركها، و هذا بخلاف الأخيرة، فإنه بإيجادها يتحقق الحرام جزما، و يتوقف تركه على تركها.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك: إنه بناء على هذا لو فرض أن محرّما من المحرّمات كانت جميع مقدماته من القبيل الأوّل- أي يبقى الشخص مختارا في فعل الحرام و تركه حتّى لو فعل جميع المقدمات- فيكون فعلها جائزا و لا يحرم شي‏ء منها.

إن قلت: كيف يمكن أن يبقى الشخص على اختياره في فعل الحرام و عدمه رغم فعله لجميع مقدماته و نحن نعرف أنه ما من شي‏ء إلّا و له مقدمات يلزم بعد تحققها وجود ذلك الشي‏ء، إذ الشي‏ء لا يمكن أن يوجد إلّا إذا وصل إلى مرحلة الوجوب من ناحية علته التامة، و إذا لم تكن له علة تامة يصل بسببها إلى مرحلة الوجوب فلا يمكن أن يوجد.

و على هذا الأساس كيف يمكن أن نفترض أن الشخص رغم فعله لجميع المقدمات يبقى مختارا في فعله للحرام؟

قلت: نحن نسلّم إن الشي‏ء لا يمكن أن يوجد إلّا إذا وصل من ناحية مقدماته إلى مرحلة الوجوب و لكن نقول: إن المقدمة الأخيرة التي يلزم بعد تحققها تحقق الشي‏ء هي الإرادة التي هي مقدمة اختيار الفعل،

297

و حيث إن الإرادة ليس اختيارية (1) فلا يمكن تعلّق التحريم بها، أما غيرها

____________

(1) و ذلك لما تقدّم في أبحاث سابقة من أن الشيخ الخراساني يختار رأي الفلاسفة القائل بأن الملاك في اختيارية الفعل هو سبقه بالإرادة، فكل فعل إنما يكون اختياريا فيما إذا كان مسبوقا بالإرادة، و لازم هذا الضابط أن لا تكون الإرادة اختيارية و إلّا يلزم أن تكون مسبوقة بالإرادة، و الإرادة مسبوقة بغيرها، و هكذا حتّى يلزم التسلسل.

و لكن قد تقدّم منّا الجواب عن ذلك و قلنا: إن الملاك في اختيارية الأفعال هو سبقها بالإرادة، و أما الإرادة فيمكن أن يقال: إن اختياريتها بنفسها، كما هو الحال في النور، فإن الأشياء تصير منيرة بالنور، و أما نفس النور فنوريته بنفسه.

ثمّ إنه بعد الفراغ من هذا نطرح تساؤلين:

الأوّل: إن النحو الأوّل من مقدمات الحرام- أعني الذي لا يتوقف ترك الحرام على تركه- و إن لم يمكن الحكم بحرمته من ناحية مقدميته للحرام و لكن لم لا يحكم بحرمته من باب حرمة الإعانة على الحرام، إذ كل مقدمة هي تقع في طريق الإعانة على تحقيق الحرام؟

و الجواب: إن قاعدة حرمة الإعانة تتم فيما إذا كان الحرام صادرا من الغير، فيحرم أن اعين غيري على الحرام، و لا معنى لحرمة أن اعين نفسي على الحرام، و المفروض في المقام أن المقدمات و الحرام صادران معا مني لا أن المقدمات مني و الحرام من غيري.

على أن قاعدة حرمة الإعانة ليست تامة في نفسها، فإن المحرّم بمقتضى قوله تعالى: وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ هو التعاون على الحرام لا الإعانة على الحرام، فاشتراك جماعة في تحقيق الحرام بحيث يكون منتسبا إليه جميعهم هو التعاون، و هو المحرّم، أما أن يكون الحرام صادرا من الغير و منتسبا إليه فقط، و أنا تصدر مني المقدمة دون أن ينتسب الحرام إليّ فهو إعانة و ليس تعاونا.

الثاني: ما الفرق بين مقدمات الواجب حيث حكم بوجوبها أجمع و بين مقدمات الحرام حيث لا تحرم إلّا المقدمة الأخيرة؟

و الجواب: إن ذلك باعتبار أن المطلوب في الواجب هو الوجود، و وجود الشي‏ء يتوقف على وجود جميع مقدماته، و هذا بخلاف الحرام، فإن المطلوب فيه هو الترك، و ترك الشي‏ء لا يتوقف على ترك جميع مقدماته، بل على ترك واحدة منها.

298

من المقدمات فهو و إن كان اختياريا و لكن لا يتوقف ترك الحرام على تركه.

و بكلمة أخرى: تعلّق التحريم بما عدا الإرادة من المقدمات لا وجه له، لعدم توقّف ترك الحرام على ترك ذلك، و تعلّقه بالإرادة أمر غير ممكن أيضا لعدم كونها اختيارية.

و على هذا الأساس ننتهي إلى هذه النتيجة، و هي أن الحرام إذا كان من الأفعال المباشرية فلا يحرم شي‏ء من مقدماته، إذ الإرادة لا يمكن تعلّق التكليف بها، لعدم كونها اختيارية، و غيرها لا يتوقف ترك الحرام على تركه.

توضيح المتن:

لو قيل بالملازمة: أي إن القائل بالملازمة في مقدمة الواجب يلزم أن يكون قائلا بالملازمة في مقدمة المستحب أيضا لعدم الفرق كما أشرنا.

فلا تكاد تتصف ...: التعبير المذكور يوحي بأنه (قدّس سرّه) يختار عدم حرمة مقدمات الحرام من دون تفصيل، و الحال أنه سيتضح منه التفصيل فيما بعد.

و كان المناسب التعبير هكذا: فلا تتصف بالحرمة أو الكراهة ما يتمكن ...

فلا دخل له: المناسب رجوع الضمير إلى ترك المقدمة و ليس إلى نفس المقدمة.

فلم يترشح: المناسب: فلا يترشح. و قوله: (من طلب)، أي من طلب ترك الحرام.

نعم ما لم يتمكن: المناسب: نعم ما لا يتمكن ...

لا محالة يكون: المناسب: يكون لا محالة. أي إن قوله: (لا محالة) متعلّق بكلمة يكون.

299

فلو لم يكن للحرام ...: التعقيد في العبارة واضح، و هو أمر لا داعي إليه، و المناسب: فلو كانت جميع مقدمات الحرام يبقى مع فعلها اختيار تركه لما اتصف بالحرمة شي‏ء منها.

ثمّ إنه في بعض النسخ: فلم لم يكن ... و الصحيح: فلو لم يكن ...

لكنه لا يلزم أن يكون: التطويل و التعقيد واضحان في العبارة، و المناسب: لكنه لا يمكن تعلّق التكليف به، فالإرادة و إن كان يلزم معها صدور الفعل إلّا أنها لعدم اختياريتها- و إلّا يلزم التسلسل- لا يمكن تعلّق الحرمة بها.

خلاصة البحث:

مقدمة المستحب مستحبة لنفس نكتة وجوب مقدمة الواجب.

و مقدمة الحرام تحرم إذا لزم من وجودها فعل الحرام و إلّا فلا تحرم.

و إذا كان محرّم ما يبقى اختيار المكلف في فعله رغم إيجاده لجميع مقدماته فلا يحرم شي‏ء منها.

نعم المقدمة الأخيرة- الإرادة- و إن كان يلزم من تحققها تحقق الحرام إلّا أنها ما دامت غير اختيارية فلا تتعلق بها الحرمة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني: تتمة:

مقدمة المستحب كمقدمة الواجب فتكون مستحبة بناء على الملازمة.

و أما مقدمة المحرّم- و هكذا المكروه- فلا تحرم إذا كان لا يلزم من فعلها تحققه، و تحرم إذا كان يلزم من فعلها تحققه.

300

و على هذا فلو كانت جميع مقدمات الحرام يبقى مع فعلها اختيار تركه لما اتصف بالحرمة شي‏ء منها.

لا يقال: كيف و لا يمكن تحقق فعل إلّا عن مقدمة يلزم صدوره معها، ضرورة أن الشي‏ء ما لم يجب لا يوجد؟!

فإنه يقال: نعم و لكن المقدمة الأخيرة حيث إنها الإرادة- و هي ليست اختيارية و إلّا يلزم التسلسل- فلا يمكن تعلّق الحرمة بها.

***

301

الفصل الخامس: مبحث الضد

302

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}