كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
303

قوله (قدّس سرّه):

«فصل الأمر بالشي‏ء ...، إلى قوله: و هو توهم فاسد ...».

(1) هذا هو المبحث المعروف بمبحث الضد، و هو مبحث عميق و دقيق. و حاصله: إن الأمر بشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده العام أو الخاص أو لا؟

و المراد من الضد هنا ليس خصوص الضد بالمعنى المنطقي بل مطلق المنافي الشامل للنقيض و الضد المنطقي.

فمثلا نقيض الإزالة هو ترك الإزالة، و ضدها المنطقي- الذي هو الأمر الوجودي- هو الصلاة مثلا.

و يصطلح على النقيض بالضد العام، و على الضد المنطقي بالضد الخاص.

و قد وقع البحث عن أن الأمر بالإزالة مثلا هل يقتضي النهي عن تركها؟ و هل يقتضي النهي عن الصلاة مثلا أو لا؟

فهناك إذن تساؤلان، أحدهما يرتبط بالضد العام و الآخر بالضد الخاص.

و الأقوال في ذلك متعددة كما سوف نبيّن.

و قبل الدخول في صميم البحث نذكر أمورا.

____________

(1) الدرس 132: (2/ ذي القعدة/ 1425 ه).

304

الأمر الأوّل:

و يحتوي هذا الأمر على نقطتين:

الأولى: إن المراد من الاقتضاء هو ما يشمل الاقتضاء بنحو العينية أو بنحو التلازم أو بنحو التضمن.

أما الاقتضاء بنحو العينية فهو كأن يقال: إن الأمر بشي‏ء عين النهي عن ضده العام، فالأمر بالإزالة مثلا هو نهي عن تركها، و الاقتضاء في مثل ذلك هو اقتضاء بنحو العينية. (1)

و أما الاقتضاء بنحو التلازم فهو كأن يقال: إن الأمر بشي‏ء يلازم النهي عن ضده الخاص، فالأمر بالإزالة يلازم النهي عن الصلاة مثلا أما من جهة أن فعل الصلاة يلازم ترك الإزالة، و حيث إن ترك الإزالة محرّم فيلزم أن يكون فعل الصلاة محرّما و منهيا عنه أيضا، و أما من جهة أن ترك الصلاة مقدمة للإزالة فإذا كانت الإزالة واجبة فيلزم أن يكون ترك الصلاة واجبا أيضا، و بالتالي يلزم حرمة فعل الصلاة.

و يصطلح على الأوّل بمسلك التلازم، و على الثاني بمسلك المقدمية. (2)

و أما الاقتضاء بنحو التضمن فهو كأن يقال: إن الأمر بالإزالة يتضمن النهي عن ترك الإزالة، إذ الوجوب أمر مركب من طلب الشي‏ء و النهي عن تركه، فالنهي عن الترك مدلول تضمني لوجوب الشي‏ء.

و بالجملة المقصود من الاقتضاء هو ما يعم الأنحاء الثلاثة المذكورة.

____________

(1) و لا يتصوّر الاقتضاء بنحو العينية في الضد الخاص و ينحصر بالضد العام.

(2) و قد اطلق في عبارة المتن على مجموع هذين المسلكين بمسلك التلازم.

ثمّ لا يخفى أن الاقتضاء بنحو التلازم لا يتصوّر إلّا في الضد الخاص.

305

الثانية: إن المراد من الضد في علم الأصول ليس الضد بالمعنى المنطقي، بل مطلق المنافي الشامل للنقيض و الضد بالمعنى المنطقي.

الأمر الثاني:

إن القائلين باقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضده الخاص استندوا إلى البرهان التالي المركّب من المقدمات التالية:

1- إن ترك أحد الضدين مقدمة لوجود الضد الآخر، فترك الصلاة مقدمة لوجود الإزالة مثلا.

2- إن مقدمة الواجب واجبة.

و يترتب على هذا أن يكون الأمر بالإزالة مقتضيا للأمر بترك الصلاة.

ثمّ يضاف إلى ذلك مقدمة ثالثة:

3- إن الأمر بشي‏ء يقتضي النهي عن ضده العام.

و يترتب على هذا أن يكون الأمر بترك الصلاة مقتضيا للنهي عن النقيض و هو ترك ترك الصلاة، أعني فعل الصلاة فيكون فعل النقيض منهيا عنه، و هو المطلوب.

و المهم في هذا البرهان كما ترى هو المقدمة الأولى، أي إن عدم أحد الضدين مقدمة لوجود الضد الآخر، و من هنا كان من المناسب تسليط الأضواء على هذه المقدمة و البحث عن أن ترك أحد الضدين هل هو مقدمة لوجود الضد الآخر أو لا؟

و في هذا المجال نقول: استدل على مقدمية عدم أحد الضدين لوجود الضد الثاني بما يلي: (1)

____________

(1) الاقتضاء بنحو التضمن لا يتصوّر إلّا في الضد العام.

306

إن كل واحد من الضدين إذا لاحظناه بالقياس إلى الآخر وجدنا أن بينهما ممانعة و معاندة، فكل ضد مانع من وجود الضد الآخر.

ثمّ نضيف إلى ذلك مقدمة أخرى، و هي أن عدم المانع هو من جملة مقدمات وجود الشي‏ء.

فيثبت بعد هذا إن عدم كل ضد هو بمثابة عدم المانع من وجود الضد الآخر، و بالتالي يكون عدم كل ضد مقدمة لوجود الضد الآخر.

توضيح المتن:

من جهة التلازم: أي إن الملازمة هي إما من جهة مسلك الملازمة أو من جهة مسلك المقدمية.

و قضيتها: أي مقتضى المعاندة بين الوجودين أن يكون وجود كل واحد من الضدين مانعا من وجود الضد الآخر.

و من الواضح أن عدم المانع من المقدمات: أي فيثبت أن عدم كل ضد هو مقدمة لوجود الضد الآخر.

خلاصة البحث:

مبحث الاقتضاء يحتاج إلى بيان أمور.

و الأمر الأوّل يشتمل على نقطتين:

الأولى: إن المراد من الاقتضاء يعم الأنحاء الثلاثة.

الثانية: إن المراد من الضد ما يشمل النقيض.

و الأمر الثاني إن القائل بالاقتضاء في الضد الخاص حيث إنه يستند إلى فكرة المقدمية فمن الجدير البحث عن أن عدم كل واحد من الضدين هل هو مقدمة لوجود الضد الآخر أو لا؟

307

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

فصل: مبحث الضد:

وقع البحث عن أن الأمر بشي‏ء هل يقتضي النهي عن ضده؟ فيه أقوال.

و تحقيق الحال يتوقف على بيان أمور.

الأمر الأوّل: المراد من الاقتضاء يعمّ الاقتضاء بنحو العينية أو الجزئية أو اللزوم، أما من جهة التلازم أو من جهة المقدمية.

و المراد من الضد مطلق المنافي وجوديا كان أو عدميا.

الأمر الثاني: إن البحث و إن كان عن الاقتضاء بأحد الأنحاء الثلاثة إلّا أن عمدة القائل بالاقتضاء في الضد الخاص لما ذهب إليه لأجل المقدمية فمن الجدير البحث عن ذلك.

قد يستدل على مقدمية عدم أحد الضدين لوجود الآخر بأن كل ضد مانع من وجود الآخر، و عدم المانع حيث إنه من جملة المقدمات فيثبت المطلوب.

***

308

قوله (قدّس سرّه):

«و هو توهم فاسد و ذلك لأن المعاندة ...، إلى قوله: إن قلت ...».

(1)

الجواب عن دليل المقدمية:

أجاب (قدّس سرّه) عن البرهان المتقدم لإثبات المقدمية بجوابين:

1- و هذا الجواب وجداني، و حاصله: إن أقصى ما يقتضيه التضاد بين الشيئين هو امتناع اجتماعهما في الوجود لا كون عدم أحدهما مقدمة لوجود الآخر، فالتضاد بين الصلاة و الإزالة مثلا يقتضي امتناع اجتماعهما في وقت واحد و لا يقتضي أن يكون عدم الصلاة مقدمة لوجود الإزالة.

أما لما ذا لا يقتضي ذلك؟ إنه من جهة وجود كمال الملاءمة بينهما، و من الواضح أن شدة الملاءمة بين شيئين تدل على وحدة رتبتهما، و بالتالي تدل على عدم المقدمية، إذ لازم المقدمية اختلاف الرتبة.

فعدم الصلاة و وجود الإزالة توجد بينهما ملائمة كاملة، و لازم الملاءمة الكاملة هذه أن لا يكون عدم الصلاة مقدمة لوجود الإزالة، إذ المقدمية تدل على أن عدم الصلاة سابق على وجود الإزالة، فإن رتبة المقدمة سابقة على رتبة ذي المقدمة، و هذا السبق في الرتبة يتنافى و الملاءمة الكاملة.

و هذا كما هو الحال في النقيضين، فإن بينهما منافرة تامة، و لكن هل يحتمل أحد أن عدم أحد النقيضين مقدمة لوجود النقيض الآخر؟ كلا إنه باطل،

____________

(1) الدرس 133: (5/ ذي القعدة/ 1425 ه).

309

إذ هل عدم هذا بخصوصه يكون مقدمة لوجود ذاك؟ و هو باطل، فإنه بلا مرجح، أو عدم ذاك بخصوصه يكون مقدمة لوجود هذا؟ و هو باطل أيضا، لأنه بلا مرجح، أو أن عدم كل منهما يكون مقدمة لوجود الآخر؟ و هذا باطل أيضا، إذ يلزم أن يكون عدمهما معا ثابتا في رتبة واحدة، أي يلزم ارتفاع كلا النقيضين في الرتبة الواحدة، و النقيضيان لا يمكن ارتفاعهما.

و بالجملة: إن شدة الملاءمة بين عدم الصلاة و الإزالة تقتضي أن تكون رتبتهما واحدة، و بالتالي تقتضي نفي المقدمية، إذ لازم المقدمية اختلاف الرتبة. (1)

2- و هذا جواب برهاني، و حاصله: إن وجود أحد الضدين لو كان موقوفا على عدم الضد الآخر، من باب توقّف الشي‏ء على عدم مانعة فيلزم توقّف عدم كل واحد من الضدين على وجود الضد الآخر، من باب توقّف عدم الشي‏ء على وجود مانعة، فإن المانعية حسب الفرض هي من كلا الجانبين، فكما أن هذا مانع لذاك كذلك ذاك مانع لهذا، فلو كان وجود الضد الثاني موقوفا على عدم الضد الأوّل، من باب توقّف الشي‏ء على عدم مانعة يلزم توقف عدم الضد الأوّل على وجود الضد الثاني، من باب توقف عدم الممنوع على وجود المانع، و بالتالي يلزم الدور، أي يلزم توقف وجود الضد على وجود نفسه، أو يلزم توقّف عدم الضد على عدم نفسه.

____________

(1) لا نسلّم اقتضاء الملاءمة الكاملة لوحدة الرتبة، فالعلة و المعلول توجد بينهما ملائمة تامة و لكن رغم هذا هما مختلفان من حيث الرتبة، فرتبة العلة مقدّمة على رتبة المعلول.

أما لما ذا لم تقتض الملاءمة التامة وحدة الرتبة؟ ذلك باعتبار أن الملاءمة التامة هي باعتبار الوجود الخارجي، فعدم الصلاة و الإزالة هما متلائمان بلحاظ الوجود الخارجي، و هذا لا ينافي سبق هذا لذلك من حيث الرتبة.

310

و بالجملة الجواب الثاني على برهان المقدمية هو أنه بناء على المقدمية يلزم الدور.

و أجاب المحقق الخونساري عن محذور الدور (1) بأن التوقف من جانب الوجود توقف فعلي بينما من جانب العدم هو توقف تقديري، فوجود الإزالة يتوقف على عدم الصلاة توقفا فعليا بينما توقّف عدم الصلاة على وجود الإزالة هو توقف تقديري، أي إن عدم الصلاة إنما يتوقف على الإزالة فيما لو فرض أن المقتضي لوجود الصلاة كان ثابتا، أما إذا لم يكن ثابتا فعدم الصلاة يكون مستندا إلى عدم المقتضي و ليس إلى وجود المانع، و هذه قضية واضحة، فإن عدم الشي‏ء عند عدم مقتضيه يكون مستندا إلى عدم المقتضي و ليس إلى وجود المانع، فعند عدم وجود النار يكون عدم الاحتراق مستندا إلى عدم النار و ليس إلى وجود الرطوبة.

و إذا سلمنا بهذا نقول: إن المكلف عند فرض اشتغاله بالإزالة يلزم أن نفترض تحقق المقتضي- أعني الإرادة- للإزالة، و إلّا فكيف وجدت من دون تحقق مقتضيها، و إذا كانت إرادة الإزالة متحققة فلا يمكن أن يكون المكلف مريدا للصلاة، إذ لا يمكن للشخص في آن واحد أن يكون مريدا لكلا الضدين، بل إما أن يكون مريدا لهذا الضد فقط أو يكون مريدا لذلك الضد فقط.

إذن عند افتراض تحقق الإزالة لا يمكن تحقق إرادة الصلاة، و بالتالي يكون عدم الصلاة مستندا إلى عدم المقتضي و ليس إلى وجود المانع، و هو الإزالة.

____________

(1) المحقق الخونساري هو الآقا حسين الخونساري نجل الآقا جمال الخونساري المحشّي المعروف على الروضة البهية. و قد كان الآقا حسين صاحب يد طولى في الفقه و في الفلسفة، و له كتاب باسم شرح الدروس.

311

و هذا يعني أن وجود الإزالة موقوف على عدم الصلاة إلّا أن عدم الصلاة ليس موقوفا على وجود الإزالة. (1)

توضيح المتن:

و ذلك لأن المعاندة ...: هذا إشارة إلى الجواب الأوّل، و قوله:

(كيف و لو اقتضى التضاد ...) إشارة إلى الجواب الثاني.

إلّا عدم اجتماعها في التحقق: أي و لا تقتضي مقدمية عدم أحدهما لوجود الضد الآخر.

و حيث لا منافاة أصلا: كان المناسب حذف الواو، أي بأن تصاغ العبارة

____________

(1) نحن قد أوضحنا عدم تحقق المقتضي للصلاة بأن المقتضي لكل ضد هو الإرادة، و لا يمكن للشخص عند إرادته لأحد الضدين تحقق الإرادة منه للضد الآخر، و إذا افترضنا تحقق الإزالة فيلزم تحقق إرادتها في نفس المكلف، و مع تحقق إرادتها لا يمكن تحقق إرادة الصلاة.

هكذا أوضحنا المطلب.

إلّا أن الخونساري أوضحه بشكل آخر يشتمل على التطويل و الغموض، و حاصله: إنه عند تحقق الإزالة ينكشف أن الإرادة الأزلية للّه سبحانه قد تعلقت بها، فاللّه سبحانه أرادها فأرادها المكلف بسبب ذلك، و لو لا تعلّق إرادة اللّه سبحانه بها لم يردها المكلف، و هذا بخلاف الصلاة، فإنه لمّا لم تتحقق فينكشف أن اللّه سبحانه لم يردها، فعدمها ناشئ من عدم إرادة المكلف الناشئ- أي عدم إرادة المكلف- من عدم إرادة اللّه الأزلية.

إذن عدم الصلاة يستند دائما إلى عدم تحقق الإرادة الأزلية و ينتهي إلى ذلك و لا يستند إلى وجود المانع.

و لكن هذا- مضافا إلى أنه قد يشمّ منه رائحة الجبر- تطويل و تكلّف بلا داع، و كان المناسب التمسك بما أشرنا إليه من أنه عند تحقق أحد الضدين لا يمكن أن يكون الضد الآخر مرادا لعدم إمكان إرادة الضدين في آن واحد.

312

هكذا: و ذلك لأن المعاندة و المنافرة بين شيئين لا تقتضي إلّا عدم اجتماعهما في التحقق دون المقدمية حيث لا منافاة ... فإن قوله: (حيث لا منافاة) تعليل إلى عدم اقتضاء التنافر بين شيئين لمقدمية عدم كل منهما لوجود الآخر.

بين أحد العينين ...: أي بين الإزالة و عدم الصلاة.

و على هذا فالمقصود من كلمة الآخر هو الصلاة، و نقيض الآخر هو عدم الصلاة.

و بديله: بديل الشي‏ء و نقيضه سيّان، فإن نقيض الشي‏ء بديل له، إذ المحل لا يخلو من أحد النقيضين، فكل نقيض بديل للنقيض الآخر.

كان أحد العينين ...: هذا جواب قوله: (و حيث لا منافاة ...).

ثمّ إنه كان الأنسب اختصار العبارة هكذا: و حيث لا منافاة أصلا بين أحد العينين و نقيض الآخر بل بينهما كمال الملاءمة كانا في مرتبة واحدة من دون مقدمية.

من دون أن يكون في البين ...: أي من دون أن يكون عدم الصلاة مقدمة للإزالة و سابقا عليها.

فكما أن قضية المنافاة ...: هذا توضيح للمطلب.

لا تقتضي تقدّم ...: فإن المتقدّم إما ارتفاع هذا النقيض، و إما ارتفاع ذاك، و إما ارتفاع كليهما، و الأولان باطلان، للزوم الترجيح بلا مرجح، و الأخير واضح البطلان، لأنه يلزم منه ارتفاع النقيضين في الرتبة الواحدة.

بداهة ثبوت المانعية في الطرفين: قد يشكل أنه بناء على هذا يلزم أن يكون الإحراق موقوفا على عدم الرطوبة، و عدم الرطوبة على الإحراق.

و جوابه: إن المانعية في ذلك ليست من الطرفين، بل من طرف واحد، و هو خصوص الرطوبة، فيلزم أن يكون الإحراق موقوفا على عدم الرطوبة دون‏

313

العكس، و هذا بخلافه في المقام، فإن المانعية هي من كلا الطرفين، فكما أن الصلاة مانعة من الإزالة كذلك العكس، و كما أن وجود الشي‏ء موقوف على عدم مانعة كذلك عدم الشي‏ء موقوف على وجود مانعة.

و كون المطاردة من الجانبين: عطف تفسير على سابقه.

و ما قيل: القائل هو المحقق الخونساري كما ذكرنا.

مع شراشر: أي مع سائر.

غير عدم وجود ضده: فإن عدم الصلاة إنما يستند إلى الإزالة فيما إذا كان المقتضي للصلاة و جميع شرائط وجودها متحققا- أي ما عدا شرط واحد، فإن من جملة شرائط تحقق الصلاة هو عدم الإزالة، و نحن قد افترضنا أن هذا الشرط غير متحقق، أي افترضنا تحقق الإزالة لكي يستند عدم الصلاة إليها- فإنه آنذاك يستند عدم الصلاة إلى وجود الإزالة.

و لعلّه كان محالا: أي إنه مع تحقق الإزالة يكون تحقق المقتضي للصلاة مستحيلا. و إنما ذكر كلمة لعل و لم يجزم باستحالة وجود المقتضي للصلاة لأنه يكفيه إبداء احتمال الاستحالة في إبطال الاستدلال.

لأجل انتهاء: إنما عبّر بانتهاء لأن عدم إرادة المكلف تنتهي إلى عدم الإرادة الأزلية.

خلاصة البحث:

أجاب (قدّس سرّه) عن برهان المقدمية بجوابين:

وجداني: و هو أن التضاد يقتضي عدم إمكان الاجتماع وجودا دون المقدمية، لكمال الملاءمة بين عدم أحد الضدين و وجود الآخر.

و برهاني: و هو أنه بناء على المقدمية يلزم الدور.

314

و أشكل على الدور بأنه إنما يلزم لو كان التوقف من كلا الجانبين فعليّا، و لكنه ليس كذلك.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و هو فاسد، فإن المعاندة تقتضي عدم الاجتماع دون المقدمية، لكمال الملاءمة بين عدم كل ضد و وجود الآخر، كما هو الحال في المتناقضين، فإن المنافاة بينهما لا تقتضي مقدمية عدم كل منهما لوجود الآخر.

هذا مضافا إلى أن التضاد لو اقتضى توقّف وجود الشي‏ء على عدم ضده من باب توقف الشي‏ء على عدم مانعة لاقتضى توقف عدم الضد على وجود الشي‏ء توقف عدم الشي‏ء على مانعة، بداهة ثبوت المانعية من الطرفين فيلزم الدور.

و ما قيل في التفصي عن هذا الدور- (1) من أن التوقف من طرف الوجود فعلي بخلافه من طرف العدم فإنه تقديري لتوقفه على ثبوت المقتضي و الشرائط غير عدم وجود ضده، و وجود المقتضي محال لانتهاء عدم الضد مع وجود الآخر إلى عدم تعلّق الإرادة الأزلية به و تعلقها بالآخر فيكون العدم مستندا دائما إلى عدم المقتضي دون وجود المانع فلا يلزم الدور.

***

____________

(1) الجملة المعترضة سيأتي إغلاقها في الدرس اللاحق.

315

قوله (قدّس سرّه):

«إن قلت ...، إلى قوله: و المنع عن صلوحه لذلك ...».

(1)

تكملة كلام المحقق الخونساري و مناقشته:

اتضح مما سبق أن عدم الصلاة لا يمكن أن يكون مستندا إلى وجود الإزالة حتّى يلزم الدور، لأن عدم الصلاة إنما هو لعدم المقتضي، أي لعدم تحقق إرادة الصلاة، إذ لا يمكن إرادة الضدين في وقت واحد.

هذا ما أفاده الخونساري.

ثمّ أضاف قائلا:

إن قلت: إنما لا يمكن وجود المقتضي لكلا الضدين في آن واحد فيما لو فرضنا كون الشخص واحدا، فالشخص الواحد لا يمكن أن يريد الضدين معا في آن واحد، أما إذا افترضنا وجود شخصين يريد كل منهما ضدا فيمكن ذلك من دون محذور، كما لو كان أحد الشخصين يريد حركة جسم معين و يريد شخص آخر سكون ذلك الجسم فإنه في مثل ذلك يلزم الدور، إذ وجود الضد يكون موقوفا على عدم الآخر، و عدم الآخر يكون مستندا إلى وجود الأوّل.

قلت: إنه في الصورة المذكورة يكون المقتضي متحققا لأحد الضدين‏

____________

(1) الدرس 134: (6/ ذي القعدة/ 1425 ه).

316

فقط و ليس لكليهما، فإن المقتضي ليس هو الإرادة بمجردها و إنما هو الإرادة القوية و الغالبة، و على هذا فصاحب الإرادة الضعيفة لا يكون المقتضي بلحاظه متحققا، و بالتالي لا يكون المقتضي متحققا بلحاظ كلا الضدين بل لأحدهما.

و لعلّك تتساءل قائلا: إنه عند فرض عدم المقتضي للشي‏ء مع فرض تحقق مانعة لم لا يسند عدم الشي‏ء إلى الاثنين معا؟ أي لم لا يسند إلى عدم المقتضي و وجود المانع معا؟ بتقريب إن الشي‏ء إذا كانت له علة مركبة من عدة أجزاء فعند فقدانها لا وجه لإسناد العدم إلى بعض الأجزاء بالخصوص، لأنه بلا مرجح بل إلى جميعها، فعند عدم الصلاة يصح إسناد العدم المذكور إلى عدم المقتضي و إلى وجود المانع- أعني الإزالة- و بذلك يلزم عود الدور.

و الجواب: إن رتبة المقتضي حيث إنها أسبق من رتبة المانع- إذ المانع إنما يمنع من تأثير المقتضي، فلا بدّ من فرض وجود المقتضي أوّلا حتّى يأتي دور المانع ليمنع المقتضي من التأثير في الأثر، فالرطوبة تمنع النار من التأثير في الإحراق، فلا بدّ من فرض النار أوّلا و تأثيرها في الإحراق ثمّ يأتي دور الرطوبة لتمنع النار من التأثير في الإحراق- فعدم الشي‏ء يلزم أن يكون مستندا إلى الأسبق، و هو عدم المقتضي، فإن وجود المانع يكون مسبوقا بعدم المقتضي، و من الواضح إن الشي‏ء يسند دائما إلى أسبق العلل. نعم في فرض عرضية العلل و عدم أسبقية شي‏ء منها يصح إسناده إلى جميعها.

و بالجملة: يلزم التفرقة بين الأجزاء العرضية التي لا سبق لبعضها على بعض و بين الأجزاء التي يسبق بعضها بعضا، و فكرة الانتساب إلى الجميع تصحّ في الأوّل دون الثاني، و مقامنا من الثاني.

و إلى هنا ينتهي كلام الخونساري.

317

و من الآن يشرع الشيخ الخراساني في الجواب.

و لكن قبل أن نشرع في الجواب نلخّص ما تقدم فيما يلي: ذكر الشيخ الخراساني جوابين على برهان المقدمية، و في الجواب الثاني ذكر أنه يلزم الدور بناء على المقدمية، ثمّ ذكر إشكال الخونساري القائل بعدم لزوم الدور، حيث إن التوقف من أحد الجانبين فعلي و من الآخر تقديري، و الدور إنما يلزم لو كان التوقف من كلا الجانبين فعليا.

هذا حصيلة ما تقدم.

و أما جواب الشيخ الخراساني فهو أن اسم الدور و إن ارتفع، و لفظه كمصطلح و إن زال إلّا أن المشكلة باقية على حالها.

و لتوضيح ذلك نقول: إنه لا يمكن أن يكون زيد متوقفا على عمرو بالفعل، و عمرو متوقفا على زيد بالفعل، حيث يلزم أن يكون زيد متوقفا على نفسه بالفعل.

و هناك صورة أخرى، و هي أن يكون زيد متوقفا على عمرو بالفعل، و أما عمرو فهو ليس متوقفا بالفعل على زيد و لكنه صالح لأن يتوقف على زيد، إن مثل هذه الصورة هل هي ممكنة؟ كلا، لأن لازمها أن يكن زيد صالحا للتوقف على نفسه، و من الواضح إن الشي‏ء كما لا يمكن أن يتوقف على نفسه بالفعل كذلك لا يمكن أن يكون صالحا للتوقف على نفسه، إذ لازم ذلك أن يكون الشي‏ء صالحا لكونه علة لنفسه.

إذن الدور كمصطلح و إن كان يصدق في الصورة الأولى فقط دون الثانية إلّا أن محذور الاستحالة ثابت في الصورة الثانية كما هو ثابت في الأولى.

318

و باتضاح هذا نرجع إلى مقامنا و نقول: إن وجود الإزالة لمّا كان متوقفا بالفعل على عدم الصلاة فلا يمكن أن يكون عدم الصلاة صالحا للتوقف على الإزالة.

أما لما ذا لا يمكن ذلك؟ لأن لازمه أن تكون الإزالة صالحة للتوقف على نفسها، إذ الإزالة متوقفة على عدم الصلاة، و عدم الصلاة صالح للتوقف على الإزالة.

و بالجملة: إن الدور كمصطلح و إن ارتفع من خلال كون التوقف من الجانب الآخر تقديريّا و ليس فعليا إلّا أن مشكلة صلاحية توقف الشي‏ء على نفسه باقية.

توضيح المتن:

إن قلت: هذا من تتمة كلام الخونساري كما أوضحنا.

هذا إذا لوحظا: أي إذا لوحظ الضدان منتهيين إلى إرادة شخص واحد.

فالعدم لا محالة يكون ...: أي و بذلك يلزم الدور.

مستند: أي عدم الضد.

و هي مما ...: أي إن القدرة و القوة و الغلبة دخيلة في تحقق المقتضي.

و لا يكاد يكون: أي المراد. و كلمة يكون بمعنى يوجد.

بدونها: أي بدون الغلبة و القوة.

لا إلى وجود الضد: هذا عطف على عدم القدرة، أي قلت: هاهنا أيضا مستند إلى عدم قدرة المغلوب منهما و ليس إلى وجود الضد.

لكونه مسبوقا بعدم قدرته: أي لكون وجود الضد مسبوقا بعدم قدرة المغلوب.

319

ثمّ إن هذه العبارة إشارة إلى جواب التساؤل الذي أشرنا إليه فيما سبق بجملة: و لعلّك تتساءل قائلا.

غير سديد: هذا خبر لقوله: (و ما قيل). و من المناسب فتح شريط قبل قوله: (من إن التوقف من طرف الوجود)، و غلقه بعد قوله: (كما لا يخفى).

إلّا أن غائلة: أي مشكلة. و تقدير العبارة هكذا: إلّا أن غائلة لزوم توقف الإزالة على عدم الصلاة الذي يصلح- أي عدم الصلاة- أن يتوقف على الإزالة هي على حالها لاستحالة أن تكون الإزالة- التي هي صالحة لأن يتوقف عليها عدم الصلاة- موقوفة توقفا فعليا على عدم الصلاة، ضرورة أنه لو كانت الإزالة في مرتبة يصلح لأن يستند إليها عدم الصلاة فلا يصح أن تستند الإزالة و تتوقف فعلا على عدم الصلاة.

أقول: العبارة المذكورة غريبة في تركيبها، و لا توصل بيسر إلى ما تقصد بيانه، و المناسب هكذا: إلّا أن المحذور باق، فإن عدم الضد ما دام يصلح لأن يتوقف على الضد الآخر فلا يمكن للضد الآخر أن يتوقف عليه بالفعل و إلّا يلزم صلاحية توقّف الشي‏ء على نفسه و كونه علة لنفسه.

خلاصة البحث:

قد يقال: إن المقتضي للضدين يمكن تحققه فيما إذا افترضنا وجود شخصين.

و اجيب بأن المقتضي هو الإرادة القوية دون مطلق الإرادة.

و بعد أن أنهى الخونساري كلامه أجابه الخراساني بأن اسم الدور و إن ارتفع إلّا أن محذور صلاحية توقّف الشي‏ء على نفسه باق.

320

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

إن قلت: هذا إذا لوحظ الضدان منتهيين إلى إرادة شخص واحد، و أما إذا كان كل منهما متعلّقا لإرادة شخص فأراد شخص حركة شي‏ء و أراد الآخر سكونه فيكون المقتضي لكل منهما حينئذ موجودا، و بالتالي يكون عدم الضد مستندا إلى وجود المانع.

قلت: عدم الضد هنا يستند إلى عدم غلبة الإرادة، و هي لا بدّ منها في وجود المراد و ليس إلى وجود الضد لكونه مسبوقا بعدم الغلبة- (1) غير سديد، فإنه و إن ارتفع بذلك اسم الدور إلّا أن المحذور باق، فإن عدم الضد ما دام يصلح أن يتوقف على الضد الآخر فلا يمكن للضد الآخر أن يتوقف عليه بالفعل و إلّا يلزم صلاحية توقّف الشي‏ء على نفسه.

***

____________

(1) الشريط هو غلق الجملة المعترضة في الدرس السابق.

321

قوله (قدّس سرّه):

«و المنع عن صلوحه لذلك ...، إلى قوله: و مما ذكرنا ظهر أنه لا فرق بين الضد الموجود ...».

(1)

تكملة الحديث عن محذور الدور:

ذكرنا أن الشيخ الخراساني ردّ على الخونساري- المانع من لزوم محذور الدور- بأن اسم الدور و إن زال إلّا أن المشكلة باقية لأن عدم الصلاة ما دام صالحا للتوقف على الإزالة فكيف تتوقف الإزالة بالفعل على عدم الصلاة.

إنه بعد اتضاح هذا يقول الشيخ الخراساني (قدّس سرّه): قد تبرز محاولة لمنع الصلاحية من الأساس، أي لمنع صلاحية توقف عدم الصلاة على الإزالة، و بالتالي حتّى لا يلزم محذور صلاحية توقّف الشي‏ء على نفسه.

أما كيف تمنع الصلاحية؟ ذلك ببيان أن التوقف من جانب العدم إذا أردنا ملاحظته وجدناه يتمثل في قضية شرطية، أي هكذا: إن وجد المقتضي للصلاة و كان ثابتا فعدمها- أي عدم الصلاة- يصلح أن يتوقّف على وجود الإزالة.

____________

(1) الدرس 135 و 136: (8 و 9/ ذي القعدة/ 1425 ه).

لم ندرّس يوم الاثنين على أثر الانفجار الذي حصل بعد ظهر يوم الأحد بالقرب من بنات الحسن (عليه السّلام) و راح ضحية ذلك (52) شخصا حسب الإعلان الرسمي و ما يقرب من (200) حسب المصادر الأهلية، و على أثر ذلك عطّلنا مع جم غفير يوم الاثنين، و البعض عطّل يوم الثلاثاء و الأربعاء أيضا.

322

و التالي في هذه الشرطية هو: يصلح عدم الصلاة أن يتوقف على الإزالة.

ثمّ نقول: نحن نعرف أن صدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها، فمثل قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (1) صادق رغم كذب الطرفين، إذ لا آلهة و لا فساد.

و إذا سلّمنا بهذا فسوف يثبت أن القضية الشرطية المتقدمة و إن كانت صادقة جزما إلّا أن ذلك لا يلزم منه صدق التالي فيها، أعني صلاحية توقف عدم الصلاة على الإزالة.

إذن وجود الإزالة و إن كان موقوفا على عدم الصلاة توقفا فعليا إلّا أنه لم يثبت كون عدم الصلاة صالحا للتوقف على الإزالة، و بالتالي يرتفع الدور و ترتفع المشكلة المتقدمة التي أشار إليها الشيخ الخراساني.

و في مقام الجواب ذكر (قدّس سرّه) أن الصلاحية لا يمكن منعها و إلّا يلزم التهافت و خلف الفرض.

أما كيف يلزم التهافت و خلف الفرض؟ ذلك ببيان أنّا بعد أن سلّمنا كون الإزالة مانعة من وجود الصلاة- إذ كل ضد مانع من وجود الضد الآخر- فيلزم أن نسلّم بصلاحية توقّف عدم الصلاة على الإزالة.

فإن هذه الصلاحية هي من لوازم المانعية، فإذا سلمنا بمانعية الإزالة للصلاة فلا بدّ من التسليم بصلاحية توقّف عدم الصلاة على الإزالة.

إذن إنكار الصلاحية أمر غير ممكن، اللهم إلّا بإنكار مانعية الإزالة للصلاة، و لكن هذا غير ممكن أيضا، لأن لازمه إنكار المانعية من‏

____________

(1) الأنبياء: 22.

323

الجانب الآخر أيضا، أي إنكار مانعية الصلاة للإزالة أيضا، أي إن لازمه إنكار التوقف الفعلي من ذلك الجانب أيضا، فكما أنه يلزم إنكار التوقف بنحو الصلاحية من هذا الجانب يلزم إنكار التوقف الفعلي من الجانب الآخر، و بالتالي يلزم إنكار المانعية رأسا و إنكار التوقف من الجانبين رأسا، أي يلزم أن يكون وجود الإزالة ليس موقوفا على عدم الصلاة أو بالأحرى يلزم أن لا يكون عدم الصلاة مقدمة للإزالة، و هذا هو ما نسعى وراءه، فإنّنا من المنكرين لمقدمية عدم أحد الضدين لوجود الضد الآخر. (1)

ثمّ بعد هذا عاد الشيخ الخراساني إلى دليل المقدمية الذي ذكر سابقا و أخذ بمناقشته، فإنه لحدّ الآن لم يذكر مناقشة له، و إنما ذكر وجهين، أحدهما وجداني، و الآخر برهاني لردّ فكرة المقدمية من دون مناقشة نفس الدليل.

____________

(1) كان من المناسب له (قدّس سرّه) الجواب بشكل آخر، و ذلك بأن يقول: إن التالي في الشرطية المتقدمة ليس هو الصلاحية بل هو الفعلية، أي إن المناسب صياغة الشرطية هكذا: إن وجد المقتضي للصلاة كان عدم الصلاة موقوفا بالفعل على الإزالة لا أنه كان موقوفا بنحو الصلاحية.

و إن شئت قلت: إن الصلاحية تنتزع من صدق الشرطية التي تاليها هو الفعلية، و ليس لكون الصلاحية نفسها هي التالي.

هكذا ينبغي الجواب، و إذا لم نجب بالشكل المذكور فما ذكره (قدّس سرّه) في الجواب ليس بكاف، لأن الخصم ادعى أن الصلاحية لا يمكن الجزم بثبوتها، إذ صدق الشرطية لا يستلزم صدق طرفيها، و هو (قدّس سرّه) لم يردّ على هذا الدليل، أي سلّم إنّ صدق الشرطية لا يستلزم صدق طرفيها، و إنما أخذ في إثبات الصلاحية من طريق آخر من دون ردّ الدليل المذكور.

324

و في هذا المجال أخذ بصياغة الدليل مرة ثانية و ذكره بلسان إن قلت قلت.

أما الدليل فهو مركب من مقدمتين:

1- إنّ وجود كل ضد هو مانع من وجود الضد الآخر. و هذا أمر مسلّم و كالشمس في رائعة النهار.

2- إنّ عدم المانع هو من جملة مقدمات وجود الشي‏ء. و هذا أمر مسلّم أيضا.

و النتيجة: إنّ عدم كل ضد هو مقدمة لوجود الضد الآخر.

و أما ما ذكر من الوجهين الوجداني و البرهاني فهو أشبه بالشبهة في مقابل الأمر البديهي.

هذا بالنسبة إلى الدليل.

و أما الجواب فحاصله إنّ كلمة المانع تستعمل بمعنيين:

أحدهما: المانع في مقام الوجود، و هذا في مقامنا صادق، فإن كل ضد هو مانع من وجود الضد الآخر. و عدم المانع بهذا المعنى ليس من مقدمات وجود الشي‏ء.

ثانيهما: المانع في مقام التأثير، كما هو الحال في الرطوبة فإنها مانعة من تأثير النار في الاحراق. و عدم المانع بهذا المعنى هو من جملة المقدمات، إلّا أنّه بهذا المعنى ليس صادقا في المقام.

و للتوضيح أكثر نقول:

أما بالنسبة إلى المقدمة الأولى فنحن نسلّم أنّ وجود الصلاة مانع من الإزالة، إلّا أنّه مانع في مقام الوجود، فالصلاة تمانع الإزالة و تنافيها في مقام الوجود.

325

و التمانع بهذا المعنى و إن كان صادقا في المقام إلّا أنّ غاية ما يقتضيه هو عدم إمكان اجتماع الصلاة مع الإزالة خارجا و لا يقتضي أن يكون عدم الصلاة مقدمة للإزالة.

أما لما ذا لا يقتضي ذلك؟ إنّه لوجهين:

1- إنّ عدم الصلاة ملائم ملائمة كاملة مع الإزالة، و ذلك مما يدل على وحدة رتبتهما، و بالتالي يدل على أنّ عدم الصلاة ليس مقدمة للإزالة و إلّا كانت الرتبة مختلفة لتقدّم رتبة المقدمة على رتبة ذي المقدمة.

2- إنّ عدم الصلاة نقيض و بديل للصلاة- فإن كل نقيض بديل لنقيضه- و حيث إن كل نقيض هو في رتبة نقيضه فيكون عدم الصلاة في رتبة الصلاة.

ثمّ نضمّ إلى ذلك مقدمة أخرى، و هي أنّ الصلاة ضد للإزالة، و حيث إن الضدين هما في رتبة واحدة فتكون الصلاة في رتبة الإزالة.

و نتيجة هذا أنّ عدم الصلاة يكون في رتبة الإزالة لا أنّ الأوّل مقدمة للثاني و إلّا لم يكونا في رتبة واحدة.

هذا كله بالنسبة إلى المقدمة الأولى.

و أما المقدمة الثانية فنسلّم فيها أنّ عدم المانع هو من جملة المقدمات و لكنه بمعنى المانع الذي يمنع من تأثير المقتضي لا المانع في مقام الوجود، فالمانع الذي يمنع من تأثير المقتضي- كالرطوبة التي تمنع من تأثير النار في الإحراق- يكون عدمه مقدمة، دون المانع في مقام الوجود، فإن عدمه ليس مقدمة، و من الواضح أنّ المانع في مقام التأثير ليس صادقا في المقام، فالصلاة بالنسبة إلى الإزالة مانع في مقام الوجود و ليس في مقام التأثير حتّى يكون عدمها مقدمة.

326

نعم هناك حالة واحدة يتصور فيها المانع في مقام التأثير و لكنها ليست بلحاظ نفس الضدين بل بلحاظ مقتضيهما، فأحد المقتضيين يمكن أن يكون مانعا من تأثير المقتضي الآخر، و هذا كما لو فرض مثلا أنّ شخصا أوشك ولده و أخوه على الغرق، و هو بلا إشكال يحبّ إنقاذ كل منهما و لكنه لا يتمكن من ذلك، و حيث إن محبته لولده أشد فتكون شدة المحبة المذكورة مانعا من تأثير محبة الأخ في تحقيق إنقاذه.

توضيح المتن:

إن قلت ...: هذا ردّ لبرهان المقدمية الذي تقدّم، فإنه سابقا ذكر دليلا على مقدمية عدم أحد الضدين لوجود الضد الآخر، و كان مركبا من مقدمتين، و هو (قدّس سرّه) لم يرد عليه و لم يناقشه، و إنما ردّ على دعوى المقدمية بردّين: وجداني و برهاني، من دون أن يردّ على نفس الدليل، و الآن يريد أن يكرّر بيان الدليل بصيغة إن قلت، ثمّ يناقشه بصيغة قلت.

فليس ما ذكر: أي من الردّين الوجداني و البرهاني.

و عدم وجود أحدهما إلّا مع عدم الآخر: أي فيكون في مرتبته لا مقدّما عليه. ثمّ إن هذا إشارة إلى الوجه الأوّل لنفي المقدمية.

الذي هو بديل: هذا إشارة إلى الوجه الثاني.

ثمّ إن قوله: (الذي هو) صفة لعدم الآخر. و قوله: (وجوده) أي وجود الآخر. و قوله: (المعاند) صفة للوجود. و ضمير (له) يرجع إلى وجود الضد الآخر.

فيكون في مرتبته: أي فيكون عدم أحدهما في مرتبة وجود الآخر و ليس مقدّما عليه تقدّما طبعيا.

327

لا مقدما عليه: فإنّ عدم الصلاة لو كان مقدمة لوجود الإزالة يلزم أن يكون مقدّما عليها تقدّما طبعيا. و التقدّم الطبعي هو عبارة عن تقدّم جزء العلة على المعلول، فإن تقدّم العلة التامة على معلولها تقدّم بالعليّة، بينما تقدّم جزء العلة على المعلول تقدّم بالطبع.

و لو طبعا: الأنسب حذف كلمة و لو.

موقوفا عليه الوجود: المناسب: موقوفا على عدمه الوجود.

خلاصة البحث:

إنّ الصلاحية لا يمكن منعها و إلّا يلزم التهافت و خلف الفرض.

و برهان المقدمية مركّب من مقدمتين، و الأولى يمكن ردّها بأن الضد مانع وجودي و ليس في مقام التأثير، و الثانية بأن المقدمة هو عدم المانع في مقام التأثير لا في مقام الوجود.

و المانع في مقام التأثير لا يتصوّر بين نفس الضدين بل بين مقتضيهما.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و لا يصحّ منع الصلاحية- بتقريب أنّ التوقف من جانب العدم يرجع إلى قضية شرطية هي: لو كان المقتضي للضد موجودا فيصلح أن يتوقف عدمه على الضد الآخر، و صدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها- فإنّ ذلك مساوق لمنع مانعية الضد، و هو يوجب رفع التوقّف رأسا من البين، إذ لا منشأ لتوهم توقف وجود الضد على عدم الآخر إلّا توهم مانعية الضد و صلاحيته لها.

إن قلت: التمانع بين الضدين واضح، و كذا مقدمية عدم المانع، و ليس ما ذكر إلّا شبهة في مقابل بديهية.

328

قلت: المانع الوجودي لا شبهة في تحققه و لكنه لا يقتضي إلّا امتناع الاجتماع دون مقدمية عدم أحدهما لوجود الآخر لشدة الملاءمة بينهما كما تقدم.

على أنّ عدم الضد لمّا كان بديل وجود الضد و في رتبته، و كان الضد معاندا للضد الآخر و في رتبته فيلزم أن يكون عدم الضد في رتبة وجود الآخر.

و أما المانع من التأثير فعدمه و إن كان مقدمة و لكنه ليس بصادق في المقام.

نعم مقتضي أحد الضدين قد يكون مانعا من تأثير مقتضي الآخر، كمحبة الولد الغريق، فإنّ شدتها تمنع من تأثير محبة الأخ الغريق في إنقاذه عند المزاحمة.

***

329

قوله (قدّس سرّه):

«و مما ذكرنا ظهر ...، إلى قوله: الأمر الثالث».

(1)

التفصيل بين الضد الموجود و المعدوم:

عرفنا من خلال ما سبق أنّ عدم الضد ليس مقدمة لوجود الضد الآخر، فترك الصلاة مثلا ليس مقدمة لوجود الإزالة، و ذلك لوجهين، أحدهما وجداني، و ثانيهما برهاني.

و الآن يتعرض (قدّس سرّه) إلى تفصيل منسوب إلى المحقق الخونساري و ربما يظهر من الشيخ الأعظم الميل إليه.

و حاصل ذلك: إنّ مثل الصلاة تارة يفترض أنها موجودة، و في مثل ذلك يتوقف وجود الإزالة على عدم الصلاة، و أخرى يفترض أنها غير موجودة، و في مثله لا يتوقف وجود الإزالة على عدم الصلاة.

إذن الضد- كالصلاة مثلا- إن كان موجودا فيتوقف وجود الضد الآخر على عدمه و إلّا فلا.

و يذكر الشيخ الخراساني في ردّه ما حاصله: إنّه من خلال الردين السابقين: الوجداني و البرهاني يتضح بطلان التفصيل المذكور، فإن الردين المذكورين لا يتوقفان على فرض كون الضد موجودا بل يعمان حالة عدمه أيضا.

____________

(1) الدرس 137: (12/ ذي القعدة/ 1425 ه).

330

و قد ذكر الردّ الوجداني بعبارة يمكن أن ترجع إلى بيانين أشرنا اليهما فيما سبق:

1- إنّ عدم الصلاة حيث إنه ملائم ملائمة تامة للإزالة فيلزم أن تكون رتبتهما واحدة.

2- إنّ عدم الصلاة حيث إنه نقيض للصلاة و بديل لها فيكون في رتبتها- فإن كل نقيض متحد في الرتبة مع نقيضه الآخر- و الصلاة بما أنّها ضد للإزالة- و الضدان هما في رتبة واحدة- فيلزم أن يكون عدم الصلاة في رتبة الإزالة.

الردّ على مسلك التلازم:

ذكرنا فيما سبق أنّ إثبات اقتضاء الأمر بالإزالة للنهي عن الصلاة يمكن أن يبيّن ببيانين، أحدهما يصطلح عليه بمسلك المقدمية، و ثانيهما بمسلك التلازم.

أما مسلك المقدمية فحاصله: إنّ عدم الصلاة لما كان مقدمة للإزالة فالأمر بالإزالة يكون مستلزما للأمر بمقدمته، أي يكون أمرا بترك الصلاة، و مع تعلّق الأمر بترك الصلاة يكون فعل الصلاة منهيّا عنه و محرّما.

و أما مسلك التلازم فحاصله أنّ ترك الصلاة لمّا كان ملازما لفعل الإزالة فالأمر بالإزالة يكون مقتضيا للأمر بترك الصلاة لوحدة المتلازمين في الحكم.

و باتضاح هذين المسلكين نقول: إنّه لحدّ الآن كان كلامنا في المسلك الأوّل، و قد اتضح بطلانه لبطلان فكرة المقدمية.

و أما المسلك الثاني فيرده أنّ المتلازمين لا يلزم اتفاقهما في الحكم بل يلزم عدم اختلافهما في الحكم لا أكثر، فاستقبال القبلة أثناء

331

التخلي مثلا يستلزم كون اليمين إلى جانب المغرب و اليسار إلى جانب المشرق و ... و هل يحتمل أن تكون حرمة الاستقبال موجبة لحرمة الملازمات المذكورة بحيث يكون المرتكب لمحرّم واحد مرتكبا لمحرّمات و عقوبات متعددة؟ إنّه أمر غير محتمل.

و هذا يعني أنّ ثبوت الحرمة للاستقبال لا تستدعي ثبوت الحرمة لما يلازمه.

نعم يلزم أن لا يحكم على الملازم بحكم آخر من وجوب أو إباحة أو غيرهما لعدم إمكان امتثالهما آنذاك.

و قد تقول: إذا لم يكن الملازم محكوما بحكم موافق و لا بحكم مخالف فبما ذا يكون محكوما؟

و الجواب: إنّه يكون خاليا من الحكم رأسا، فترك الصلاة مثلا لا يكون محكوما بحكم غير الحكم الثابت قبل المزاحمة بالإزالة.

إن قلت: أ و لسنا نؤمن بأن للشريعة في كل واقعة حكما، و لا يمكن خلو أي واقعة من الحكم؟

قلت: هذا أمر صحيح و نحن نؤمن بهذه القاعدة، و لكن نقول: إنّ المقصود من القاعدة المذكورة هو أن كل واقعة لا تخلو من الحكم الواقعي، فالإزالة مثلا محكومة واقعا بالوجوب، و الصلاة محكومة بذلك أيضا، فترك الصلاة أمر غير جائز لأنه ترك للواجب و لكن الذي نريد أن نقوله هو: إنّ ترك الصلاة بسبب ملازمته للإزالة لا يصير واجبا، أي لا يصير محكوما بحكم آخر غير الحكم الثابت له سابقا، فترك الصلاة كان محكوما سابقا بعدم الجواز من باب أنّه ترك للواجب و الآن هو محكوم‏

332

بذلك أيضا من دون أن يتغير حكمه الواقعي الثابت سابقا لا أنّه ليس له حكم أصلا. (1)

توضيح المتن:

و مما ذكرنا ظهر ...: أي من الوجهين لنفي المقدمية.

ثمّ إنه كان المناسب ذكر التفصيل أوّلا ثمّ ذكر الردّ عليه.

في أنّ عدمه الملائم ...: أي إن عدم الضد- أي عدم الصلاة- الملائم للإزالة، المناقض ذلك العدم لوجود الصلاة، المعاند ذلك الوجود- أي وجود الصلاة- لذاك الشي‏ء، أعني الإزالة.

و كان المناسب حذف الضمير في كلمة لوجوده، أي بأن يعبّر هكذا: المناقض للوجود، إذ الهاء لا يمكن أن ترجع إلّا إلى العدم، أي المناقض لوجود العدم، و هو ركيك.

ثمّ إن قوله: (لا بدّ أن يجامع ...) خبر لقوله: (إنّ عدمه ...) أي إن عدم الصلاة الملائم للإزالة لا بدّ و أن يجتمع مع الإزالة بلا سبق له عليها.

ثمّ إن العبارة ربما يظهر منها الإشارة بمجموعها إلى بيان واحد لا بيانين و لكنّا اضطررنا إلى جعلها مشيرة إلى بيانين لأنه لو كان مقصودها البيان الأوّل فقط فلا تعود حاجة لقوله: (المناقض لوجوده ...) بل يكون‏

____________

(1) لا يخفى أنه بناء على ما أفاده (قدّس سرّه) يلزم أن المكلف لو دخل المسجد و رأى نجاسة و قد دخل وقت الصلاة أن يكون مأمورا بالإزالة و الصلاة معا، و هذا لازمه الأمر بالضدين و هو مستحيل، و هو لا يبني (قدّس سرّه) على إمكان الترتّب حتّى يكون الأمر بهما بنحو الترتب.

نعم يمكن الالتزام بكون الأمر بالإزالة أمرا واقعيا فعليا بينما الأمر بالصلاة يكون أمرا واقعيا ليس بفعلي.

333

كل ذلك زائدا، و يكفي أن يقول: إنّ عدمه الملائم للشي‏ء لا بدّ أن يجامع ... و يكون المتبقى زائدا.

بل قد عرفت ما يقتضي ...: أي من خلال محذور الدور.

فقد ظهر ...: أي و من خلال هذا كله اتضح أنّه لا يمكن الحكم بحرمة الصلاة مثلا بواسطة مسلك المقدمية.

في الوجود: متعلّق بالمتلازمين، و قوله: (في الحكم) متعلّق باختلاف.

فعلا: أي بسبب الملازمة للإزالة.

و عدم خلو: هذا مبتدأ، و خبره قوله: (فهو إنما ...).

و كان المناسب حذف الفاء من فهو، فإنها لا تدخل على الخبر.

لا الفعلي: أي الثابت بسبب المزاحمة بالإزالة.

فلا حرمة ...: أي فلا حرمة للضد من جهة مسلك التلازم أيضا.

بل على ما هو ...: المناسب: بل هو على ما عليه من الحكم الواقعي لو لا الابتلاء بالمضادة للواجب الفعلي.

خلاصة البحث:

إنّ التفصيل بين الضد الوجودي و الضد العدمي مردود بنفس الردين السابقين.

و قد اتضح عدم الحرمة من جهة مسلك المقدمية.

و أما مسلك التلازم فهو باطل لأن الملازم لا يلزم أن يكون محكوما بحكم ملازمه.

نعم يلزم أن لا يحكم عليه بحكم مخالف، فيكون خاليا من الحكم رأسا.

334

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه قد فصّل بعض الأعلام بالتوقّف على رفع الضد الموجود دون المعدوم، و لكن بما ذكرنا اتضح بطلانه، إذ عدم الضد بعد ملائمته للضد الآخر يكون في رتبته، على أنّ عدم الضد بعد ما كان مناقضا لوجوده الذي هو ضد لوجود الضد الآخر فيلزم وحدة الرتبة من غير مقتض للسبق، بل قد عرفت ما يقتضي عدم السبق.

هذا كله في إثبات عدم حرمة الضد من جهة المقدمية.

و أما من جهة التلازم فغايته أن لا يكون أحدهما محكوما بغير ما حكم به الآخر لا أن يكون محكوما بحكمه.

و عدم خلو الواقعة من الحكم يقصد به عدم الخلو بحسب الحكم الواقعي لا الفعلي.

و عليه فلا حرمة للضد من جهة التلازم أيضا بل هو على حكمه الواقعي الثابت له لو لا الابتلاء بالضد.

***

335

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر الثالث: إنّه قيل ...، إلى قوله: الأمر الرابع ...».

(1)

الضد العام:

كل ما تقدّم كان ناظرا إلى الضد الخاص، و قلنا: إنّ الأمر بالإزالة لا يدل على حرمة الصلاة، لأن دلالته إما من خلال مسلك المقدمية أو من خلال مسلك التلازم، و كلاهما قد اتضح بطلانه.

و عليه فالأمر بالشي‏ء لا يدل على النهي عن الضد الخاص.

و أما الضد العام فقد يقال بدلالة الأمر بالشي‏ء على النهي عنه، فالأمر بالصلاة مثلا يدل على النهي عن تركها.

و قد ذهب صاحب المعالم إلى الدلالة المذكورة بنحو التضمن، بتقريب أنّ الوجوب عبارة عن طلب الفعل و النهي عن الترك، فوجوب الصلاة مثلا عبارة عن طلبها مع النهي عن تركها، فالنهي عن الترك على هذا الأساس جزء من مدلول الوجوب، و يكون بالتالي مدلولا تضمنيا.

هذا رأي صاحب المعالم.

و يمكن الجواب عن ذلك بأن الوجوب ليس أمرا مركبا بل هو أمر بسيط، أي هو عبارة عن الطلب الأكيد و بالمرتبة العالية، فإن الطلب تارة

____________

(1) الدرس 138: (13/ ذي القعدة/ 1425 ه).

336

يكون بدرجة واطئة، و هو الاستحباب، و أخرى يكون بدرجة عالية، و هو الوجوب. و قيد المنع عن الترك حينما يذكر في تعريف الوجوب لا يراد به بيان أنّ ذلك جزء من حقيقته و إنما يراد من خلاله الإشارة إلى تلك المرتبة العالية، أي يراد أن يقال: إنّ الوجوب هو الطلب الشديد بحدّ لا يجوز الترك.

إذن النهي عن الترك ليس جزء من مدلول الوجوب و إنما هو مشير إلى تلك المرتبة العالية من الطلب.

ثمّ يقول الشيخ الخراساني بعد ذلك: نعم نتمكن أن نقول: إنّ المنع من الترك هو لازم من لوازم الوجوب، فالمولى الذي يوجب الصلاة مثلا لا يرضى بالترك لو التفت إليه، فالنهي عن الترك على هذا الأساس مدلول التزامي للوجوب و ليس مدلولا تضمنيا.

ثمّ ذكر بعد ذلك: إنّه بهذا يتضح بطلان دعوى العينية القائلة بأن الأمر بشي‏ء عين النهي عن تركه و نفسه، فحينما يقول المولى: تجب الصلاة فهذا عين قولك يحرم ترك الصلاة، و أحدهما عين الآخر.

و وجه اتضاح بطلان الدعوى المذكورة: إننا ذكرنا أنّ النهي عن الترك مدلول التزامي للوجوب، و من الواضح أنّ مقتضى الدلالة الالتزامية هو التعدد و الاثنينية، و هذا يتنافى مع دعوى العينية التي تقتضي الوحدة و عدم التعدد.

إذن بعد التسليم بفكرة الدلالة الالتزامية يلزم رفض دعوى المطابقة و العينية.

نعم لا محذور في دعوى العينية بهذا المعنى، و هو أنّه حينما يقول المولى: صل، يتحقق طلب واحد، و هذا الطلب الواحد كما تصح نسبته إلى الفعل تصح نسبته إلى الترك.

337

فالعينية إذن ليست بمعنى وجود طلبين، بل بمعنى وجود طلب واحد تصح نسبته إلى الفعل تارة و إلى الترك أخرى.

ثمّ أفاد (قدّس سرّه): إنّه قد يشكل بأنّ الطلب الواحد المتعلّق بالصلاة مثلا كيف تصح نسبته إلى الترك؟ إنّه أمر غير ممكن، إذ لازمه أن يكون ترك الصلاة مطلوبا، و هذا عكس المقصود، إذ المولى بقوله: صل، يريد فعل الصلاة و لا يريد تركها، فكيف إذن يكون هناك طلب واحد منتسب إلى الفعل و إلى الترك معا.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأن المقصود من طلب الترك ليس هو طلب الترك حقيقة و إنما المراد حقيقة هو الزجر عن الترك لا طلب الترك، و نسبة الطلب إلى الترك هو بنحو المسامحة. (1)

____________

(1) و لكن بناء على هذا كيف تتوجّه دعوى العينية؟ إنّه لا يمكن توجيهها إلّا بأن نفترض وجود طلب واحد يتعلق بالفعل و بالترك، و أما إذا فرضنا تعلّقه بالفعل بمعنى الطلب و فرضنا في نفس الوقت تعلّقه بالترك بمعنى الزجر، أي الزجر عن الترك فلا يمكن أن تدّعى العينية آنذاك، إذ كيف يكون الطلب بمعنى الزجر نفس الطلب بمعنى إرادة الفعل؟ و لعلّه إلى ذلك أشار بقوله: (فافهم).

ثمّ إن دعوى دلالة الأمر على النهي عن الترك لا يمكن قبولها حتّى على مستوى الدلالة الالتزامية، إذ لو كان الأمر بشي‏ء يستلزم حكما آخر، أي بتحريم الترك فيلزم أن يكون وجوب أي شي‏ء من الأشياء منحلا إلى حكمين: وجوب الفعل و تحريم الترك، و بالتالي يلزم أن يكون المكلف حين تركه للصلاة مثلا مستحقا لعقابين، و هكذا حين تركه للصوم أو الحج أو الزكاة و ما شاكل ذلك، أحدهما على مخالفة طلب الفعل، و الآخر على مخالفة النهي عن الترك، و هذا أمر مخالف للوجدان.

إذن لا يمكن أن تدّعى دلالة الأمر بشي‏ء على النهي عن تركه بأي نحو من الدلالات.

338

توضيح المتن:

إنّه يدل ...: أي الأمر بالشي‏ء.

عبارة من: الأنسب: عبارة عن.

و يتخيل منه: أي يتخيل أنّ ذلك بيان لحقيقته و أنّها تتركب من جزءين، و الحال أنّ ذلك ليس مقصودا، و إنما المقصود تحديد الوجوب عن طريق بيان لازمه، و هو المنع من الترك.

و من هنا انقدح: أي من أنّ المنع من الترك لازم.

نعم لا بأس بها: أي بدعوى العينية.

بالعرض و المجاز: أي إن نسبة الطلب إلى الترك ليس بنحو الحقيقة و إلّا صار ترك الصلاة مطلوبا و إنما نسبته إليه بالمجاز و المسامحة، و المراد الزجر و الردع عن الترك.

خلاصة البحث:

قيل: إنّ الأمر بشي‏ء يدل بالتضمن على النهي عن الترك، بتقريب أنّ الوجوب مركّب من طلب الفعل و المنع من الترك.

و لكن الصحيح أنّ الوجوب أمر بسيط، و المنع من الترك إشارة إلى تلك المرتبة من الطلب التي تكون وجوبا.

نعم المنع من الترك مدلول التزامي لوجوب الفعل، و بذلك تبطل دعوى العينية.

هذا و يمكن قبول دعوى العينية، بمعنى وجود طلب واحد متعلّق بالفعل و متعلّق بالترك، بمعنى الزجر عنه.

339

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الأمر الثالث: قيل بدلالة الأمر بشي‏ء بالتضمن على النهي عن تركه، حيث إن الوجوب مركّب من طلب الفعل و المنع من الترك.

و فيه: إنّ الوجوب أمر بسيط عبارة عن الطلب الشديد و ليس مركبا من طلبين، نعم المنع من الترك قد يذكر كمشير إلى تلك المرتبة الشديدة من الطلب من دون أن يكون جزء من حقيقته، و إنما هو لازم له، بمعنى أنّه لو التفت الآمر إلى الترك لما رضي به و كان يبغضه.

و به يتضح بطلان دعوى العينية، ضرورة أنّ اللزوم يقتضي الاثنينية لا الاتحاد و العينية.

نعم لا بأس بها بمعنى وجود طلب واحد يكون منسوبا إلى الفعل بنحو الحقيقة و إلى الترك بالمسامحة، حيث إن المطلوب الزجر و الردع عنه، فافهم.

***

340

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر الرابع: تظهر الثمرة ...، إلى قوله:

قلت ...».

(1)

ثمرة البحث:

ما هي ثمرة البحث عن اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده؟ إنّ الثمرة النظرية واضحة، و سؤالنا هو عن الثمرة العملية.

و في هذا المجال يمكن أن نقول: إنه بناء على اقتضاء مثل الأمر بالإزالة للنهي عن الصلاة يلزم فسادها لو قلنا باقتضاء النهي عن العبادة لفسادها.

إذن الثمرة هي فساد الضد- أعني مثل الصلاة- بناء على الاقتضاء و استلزام النهي لفساد العبادة.

فبناء على اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده يلزم أن يقع الضد فاسدا- لو كان عبادة- بناء على أنّ النهي عن العبادة مفسد لها.

هذا و لكن الشيخ البهائي أنكر الثمرة قائلا: إنّ الصلاة يلزم الحكم بفسادها حتّى لو لم نقل بالاقتضاء، أي إن الفساد أمر لازم على كلا التقديرين و لا يختص بما إذا قلنا بالاقتضاء.

و الوجه في ذلك: إنّ المكلف إذا دخل المسجد و رأى فيه نجاسة فالأمر بالإزالة سوف يتوجّه إليه، و مع توجهه إليه يلزم أن لا يتوجّه إليه‏

____________

(1) الدرس 139: (14/ ذي القعدة/ 1425 ه).

341

الأمر بالصلاة و إلّا يلزم الأمر بالضدين، و مع عدم الأمر بالصلاة يلزم أن تقع فاسدة، لأن صحة العبادة موقوفة على تعلّق الأمر بها فحيث لا أمر يلزم أن تقع فاسدة.

إذن نحن لا نحتاج في الحكم بفساد الصلاة إلى افتراض تعلّق النهي بها بل يكفي عدم تعلّق الأمر بها.

هذا ما أفاده الشيخ البهائي.

و أجاب الشيخ الخراساني عنه بأن ما أفاده البهائي وجيه بناء على توقف صحة العبادة على تعلّق الأمر بها، فإنه حيث لا أمر بها فلا تقع صحيحة، و لكننا ننكر ذلك و لا نسلّم توقّف صحة العبادة على الأمر بها بخصوصه بل يكفي لصحتها أحد شيئين: إما الأمر بها أو ثبوت الملاك فيها، فثبوت الملاك- أعني المحبوبية- كاف في الحكم بالصحة. (1)

و بناء على هذا نقول: إنّ المكلف حينما يدخل المسجد و يرى فيه نجاسة فالأمر الذي يتوجّه إليه و إن كان هو أمر (أزل)، و مع تعلّق الأمر بالإزالة لا يتعلق الأمر بالصلاة إلّا أنّ عدم تعلّق الأمر بالصلاة ليس لعدم محبوبيتها و زوال الملاك عنها بل لوجود المانع، و هو وجود النجاسة في المسجد، إنّه لأجل وجود النجاسة و الأمر بإزالتها لم يتوجّه الأمر إلى الصلاة.

إذن عدم الأمر بالصلاة هو لوجود المانع و ليس لعدم وجود المصلحة و المحبوبية فيها.

____________

(1) و من هنا لو علمت برغبة والدك في الماء و لكنه لم يأمر به خوفا من المشقة عليك أمكنك أن تذهب به إليه و تتقرب إليه من خلاله رغم عدم وجود الأمر.

342

و بناء على هذا يلزم وقوع الصلاة صحيحة لأجل وجود الملاك، (1) و لكن هذه الصحة منوطة بعدم اقتضاء الأمر بالإزالة للنهي عن الصلاة، فبناء على عدم الاقتضاء تقع صحيحة بواسطة الملاك، و أما بناء على الاقتضاء فتقع فاسدة لعدم إمكان التقرّب آنذاك بالملاك لفرض وجود النهي.

فالثمرة على هذا الأساس تظهر في المقام، فإنه بناء على الاقتضاء تقع الصلاة فاسدة لعدم إمكان التقرّب بالملاك بينما بناء على عدم الاقتضاء تقع صحيحة لإمكان التقرّب بالملاك رغم عدم وجود الأمر. (2)

فكرة الترتّب:

هناك محاولة تقدّم بها بعض الأعلام- كالمحقق الثاني و كاشف الغطاء و الميرزا الشيرازي الكبير و غيرهم- لإثبات تعلّق الأمر بالصلاة مثلا رغم وجود الأمر بالإزالة، فالأمر بالإزالة رغم ثبوته يوجد إلى جنبه‏

____________

(1) نلفت النظر إلى أنّ الملاك على رأي العدلية هو عبارة عن المصلحة- و من هنا جاءت العبارة المشهورة التي تقول: إنّ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد في المتعلّق- بينما على رأي الأشاعرة هو شي‏ء آخر غير المصلحة، من قبيل الإرادة العبثية التي لم تنشأ من المصلحة، فالأحكام تابعة لتلك الإرادة العبثية. و لا يلزم من ذلك القبح، لإنكارهم مسألة القبح العقلي، حيث يدّعون أنّ كل ما صنعه اللّه تعالى أو أمر به فهو حسن، و كل ما نهى عنه فهو قبيح، و بقطع النظر عن نهيه و أمره و فعله لا حسن و لا قبح عقلا.

(2) نحن نسلّم أنّ المصلحة و المحبوبية كافيتان في حصول التقرّب، و لكن المشكلة كيف نحرز وجودهما في الصلاة بعد فرض عدم تعلّق الأمر بها، فإن عدم تعلّق الأمر بالصلاة عند وجود الإزالة المزاحمة كما يحتمل أن يكون لوجود المانع فقط يحتمل أن يكون لعدم المقتضي أيضا، أي يحتمل أن يكون لزوال المحبوبية عن الصلاة رأسا، و معه كيف يمكن دعوى الجزم باشتمال الصلاة على الملاك؟ و هذا مطلب واضح و يأتي منه (قدّس سرّه) في بعض الأبحاث المقبلة التنبيه عليه.

343

أمر متعلّق بالصلاة أيضا و لكنه بنحو الترتّب كما سنوضّح إن شاء اللّه تعالى.

و هذه المحاولة إنما نحتاج إليها بناء على توقّف صحة العبادة على الأمر أو قلنا: لا محرز للملاك إلّا الأمر، و أما إذا قلنا بما انتهى إليه الشيخ الخراساني في هذا الموضع، و هو أنّ صحة العبادة يكفي فيها الملاك، و هو محرز الثبوت جزما فلا نعود بحاجة إلى وجود أمر ترتّبي بالصلاة و تصير فكرة الترتّب مجرد ترف فكري بدون ترتّب فائدة عملية و إتلافا للعمر العزيز بدون مبرر.

أما ما هي تلك المحاولة؟

إنّ حاصلها: إنّه لو فرضنا وجود أمر مطلق متعلّق بشي‏ء و أمر مطلق آخر متعلّق بشي‏ء آخر، كما هو الحال في الصلاة و الإزالة، فإن الصلاة بعد دخول الوقت يوجد أمر مطلق متعلّق بها، من قبيل أمر أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ...، (1) و هذا الأمر مطلق و لم يقيّد بعدم وجود النجاسة في المسجد أو عدم الاشتغال بإزالتها، كما أنّه يوجد أمر مطلق آخر بإزالة النجاسة عن المسجد، و هو أيضا لم يقيّد بعدم حلول وقت الصلاة و توجّه وجوبها.

إنّ المكلف إذا دخل عليه وقت الصلاة و دخل المسجد و رأى فيه نجاسة فسوف يتوجّه إليه أمران: أمر بالإزالة و أمر بالصلاة، و كلاهما مطلق حسب الفرض. و الاحتمالات في هذين الأمرين متعددة:

1- أن يفترض ثبوتهما معا. و هذا مستحيل، لأنّ لازمه الأمر بالجمع بين الضدين.

____________

(1) الإسراء: 78.

344

2- أن يفترض سقوطهما معا. و هذا باطل أيضا، لأنه بلا مبرر، و الضرورات تقدّر بقدرها.

3- أن يفترض ثبوت الأمر بالإزالة- باعتبار أنّها أهم- و سقوط الأمر بالصلاة، و هذا وجيه إذا لم يمكن الاحتمال الأخير.

4- أن يفترض ثبوتهما معا، و لكن نفترض أنّ الأمر بالإزالة باق على إطلاقه بينما الأمر بالصلاة باق أيضا و لكن مقيّدا بعصيان الأمر بالإزالة. و هذا الاحتمال هو المتعيّن لو فرض إمكانه.

و يصطلح على الأمرين في هذه الحالة بالأمرين بنحو الترتّب.

إذن فكرة الترتّب تعني وجود أمرين: الأمر بالأهم مطلق بينما الأمر بالمهم ثابت بنحو الترتب على عصيان الأمر بالأهم.

و قد ادعى أصحاب فكرة الترتّب بأن هذه الفرضية الأخيرة ممكنة، و قالوا: هي واقعة في مجال العرفيات، فالأب ربما يقول لولده:

اذهب إلى المعلّم لتتعلم، و إذا عصيت فاجلس في البيت، و اقرأ القرآن الكريم، و لا تلعب مع الصبيان، فإن الأمر بالذهاب إلى المعلّم مطلق و يريد الأب ذلك حتّى عند الاشتغال بالجلوس في البيت و قراءة القرآن، بينما الأمر بالجلوس في البيت أمر ترتّبي، أي مترتّب على عصيان الأمر بالذهاب إلى المعلم.

و هذه الفكرة إذا ثبت إمكانها- و سيأتي إن شاء اللّه تعالى إنّ إمكانها يلازم وقوعها و إلّا فمن الواضح أنّ مجرد إمكانها لا ينفع- فنطبّقها على المقام و نقول: إنّه حيث يوجد لدينا أمران مطلقان: أحدهما متعلّق بالإزالة و ثانيهما متعلّق بالصلاة، و لا يمكن ثبوتهما بنحو مطلق‏

345

فنقيّد الأمر بالصلاة بعصيان الأمر بالإزالة، و يثبت- بناء على الإمكان- وجود أمر بالصلاة عند عدم الاشتغال بالإزالة، و تقع- أي الصلاة- صحيحة بسبب الأمر الترتّبي المذكور. (1)

____________

(1) هذا و يبقى شي‏ء ينبغي الالتفات إليه. و توضيحه يمكن أن يكون بأحد بيانين:

1- إننا عرفنا من خلال الأبحاث السابقة أنّ من جملة مسقطات التكليف هو العصيان، و بناء عليه يلزم عند عصيان الأمر بالإزالة سقوطه، و بعد سقوطه يتولّد الأمر بالصلاة، و على هذا لم يجتمع أمران في آن واحد، أحدهما مطلق و الآخر مقيّد، و إنما يلزم ثبوت أمر واحد، و هذا ليس مصداقا لفكرة الترتب.

2- إنّ عصيان الأمر بالإزالة إنما يتحقق بالاشتغال بالصلاة، فقبل الاشتغال بالصلاة لا عصيان للأمر بالإزالة و بالتالي لا أمر بالصلاة، و معه فكيف يشتغل المكلف بالصلاة هو بعد ليس بمأمور بها؟

إنّه لأحد هذين البيانين أو لكليهما يلزم أخذ العصيان بوجوده المتأخر شرطا، و ذلك بأن يقول المولى هكذا: أنت الآن مأمور بالصلاة إن تحقق العصيان منك فيما بعد، و ليس العصيان بوجوده المتقدم أو المقارن هو الشرط بل بوجوده المتأخر.

إنّه بناء على هذا يندفع كلا البيانين.

أما الأوّل فلأنه بعصيان الأمر بالإزالة فيما بعد لا معنى لسقوطه من الآن بل هو ثابت.

و أما الثاني فلأن الأمر بالصلاة يكون ثابتا قبل الصلاة ما دام العصيان يتحقق فيما بعد واقعا.

إذن الأمر بالمهم لا يكون مشروطا بعصيان الأمر بالأهم كيفما اتفق بل بالعصيان بنحو الشرط المتأخر.

هكذا يقال.

أو يقال: إنّ الشرط ليس هو نفس العصيان بل البناء على العصيان، و من الواضح أنّ البناء على العصيان ليس من مسقطات الأمر فلا يلزم الإشكال.

فالشرط إذن إما نفس العصيان بنحو الشرط المتأخر أو هو البناء على العصيان من دون تقييد بكونه بنحو الشرط المتأخر.

346

إنّ هذه فكرة قال جماعة من الأعلام بإمكانها و لكن الشيخ الخراساني أنكرها وفاقا لأستاذه الشيخ الأعظم كما سنوضّح فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

توضيح المتن:

ينتج فساده: أي الضد.

و لا يخفى أنّ العبارة تشتمل على شي‏ء من الغموض، و المناسب: تظهر الثمرة في فساد الضد العبادي بناء على الاقتضاء و فساد العبادة بالنهي.

عدم الأمر به: أي بالضد.

فإنه يصح منه: المناسب: كي يصح منه.

يكون كذلك: أي محبوبا للمولى.

فإن المزاحمة على هذا: أي فإن المزاحمة بالإزالة على تقدير عدم الاقتضاء.

و عدم حدوث: عطف على بقاءه.

ثمّ إنه تصدى ...: هذا شروع في فكرة الترتّب.

بنحو الترتّب على العصيان: سيأتي (ص 220) من الكفاية إنّ إمكان الترتّب يستلزم وقوعه.

بنحو الشرط المتقدم ...: المناسب: حتّى بنحو ...

و قد أوضحنا النكتة في أخذ العصيان بنحو الشرط المتأخر و البناء على المعصية بأي نحو كان.

ثمّ إنه لا يخفى أنّ ما ذكره تطويل بلا طائل، إذ يمكن جعل الشرط هو عدم الاشتغال بامتثال الأمر بالأهم لا العصيان و لا البناء عليه، و بذلك لا نحتاج إلى فكرة الشرط المتأخر.

347

بل هو واقع كثيرا عرفا: مثّلنا لذلك بمثال اذهب إلى المعلم ... و قد جاء في حقائق الأصول: إنّ المثال المذكور قد سمعته يمثّل به الشيخ الآخوند في مجلس درسه الشريف على ما ببالي.

خلاصة البحث:

الثمرة تظهر في فساد الضد العبادي بناء على الاقتضاء بعد ضم استلزام النهي عن العبادة لفسادها.

و أنكر البهائي الثمرة بدعوى أنّ الضد فاسد حتّى بناء على عدم الاقتضاء لفرض عدم الأمر.

و أجاب الشيخ الخراساني بكفاية الملاك في صحة العبادة، و هو ثابت، لأن عدم الأمر بها هو لوجود المانع و ليس لعدم المقتضي.

ثمّ إنه بناء على توقّف صحة العبادة على الأمر قد يحاول إيجاد الأمر من خلال فكرة الترتّب، بدعوى إمكان أن يأمر المولى بكلا الضدين، بنحو يكون أمره بالأهم مطلقا و أمره بالمهم مقيّدا بعصيان الأمر بالأهم.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الأمر الرابع: تظهر الثمرة في فساد الضد العبادي بناء على الاقتضاء بعد ضم استلزام النهي عن العبادة لفسادها.

و عن البهائي إنكار الثمرة بدعوى عدم توقف الفساد على النهي بل يكفي عدم الأمر.

و فيه: إنّ صحة العبادة يكفي فيها الملاك، و هو ثابت و يمكن التقرب به بناء على عدم الاقتضاء، فإن المزاحمة لا توجب إلّا ارتفاع‏

348

الأمر مع بقاءه على الملاك و إمكان التقرب به لعدم حدوث ما يوجب مبغوضيته كما هو بناء على الاقتضاء.

فكرة الترتّب:

بناء على توقّف صحة العبادة على الأمر تصدّى جماعة من الأفاضل لتوجيه الأمر بالضد بنحو الترتّب على عصيان الأمر بالأهم بنحو الشرط المتأخر أو على البناء على المعصية، بدعوى أن لا مانع عقلا من تعلّق الأمر بالضدين كذلك، أي بأن يكون الأمر بالأهم مطلقا و الأمر بالمهم مقيّدا، بل هو واقع كثيرا عرفا.

***

349

قوله (قدّس سرّه):

«قلت: ما هو ملاك ...، إلى قوله: إن قلت ...».

(1)

مناقشة فكرة الترتّب:

عرفنا فيما سبق لمحة موجزة عن فكرة الترتّب، و حاصلها أنّه لو فرض وجود أمرين، كل واحد منهما مطلق في نفسه، و فرض أنّ كلا منهما ثابت لو لا المزاحمة بالآخر فيمكن توجههما معا إلى المكلف بنحو يكون الأمر بالأهم مطلقا بينما الأمر بالمهم يكون مقيّدا بعصيان الأمر بالأهم. (2)

هذا حاصل فكرة الترتّب.

____________

(1) الدرس 140: (15/ ذي القعدة/ 1425 ه).

(2) ينبغي الالتفات إلى أمور ثلاثة:

1- إنّ فكرة الأمر الترتّبي نحتاج إليها فيما لو كنّا نبني على توقّف صحة العبادة على الأمر أو قلنا بعدم إحراز الملاك إلّا بالأمر و إلّا فلا نحتاج إليها. و هذا ما أشرنا إليه سابقا.

2- إنّ فكرة الأمر الترتّبي لا يكون لها مجال إلّا إذا بنينا على عدم الاقتضاء، و أما إذا قلنا: إنّ الأمر بالإزالة يقتضي النهي عن الصلاة فلا يمكن تعلّق الأمر الترتبي بها و إلّا يلزم تعلّق الأمر و النهي بها في آن واحد، و هو أمر غير ممكن.

3- إنّ إمكان فكرة الأمر الترتّبي لا يكفي وحده لوقوع الصلاة صحيحة عند المزاحمة بالإزالة، و إنما يتوقّف على ثبوت الأمر الترتّبي بالفعل، و هذا ما سيأتي إثباته إن شاء اللّه تعالى.

350

و أجاب الشيخ الخراساني عن ذلك- تبعا لأستاذه الشيخ الأعظم- بأن محذور طلب الضدين لا يرتفع بإدخال فكرة الترتّب في البين، فكما أنّ حالة إطلاق كلا الأمرين و توجّه الأمر إلى الضدين بنحو العرضيّة- أي من دون تقييد أحدهما بعصيان الآخر- قضية غير ممكنة كذلك حالة تقييد الأمر بالمهم بعصيان الأمر بالأهم هي قضية غير ممكنة، إذ يلزم منها طلب الجمع بين الضدين أيضا، فإنه في مرتبة الأمر بالإزالة- التي هي متقدمة على الأمر بالصلاة برتبتين، إذ لا بدّ من فرض الأمر بالإزالة أوّلا، ثمّ فرض عصيانه ثانيا، ثمّ يأتي بعد ذلك ثالثا الأمر بالصلاة، فالأمر بالمهم متأخر بمرتبتين عن الأمر بالأهم- و إن كان لا يوجد أمر بالصلاة و لا يلزم الأمر بالضدين إلّا أنّه في مرتبة الأمر بالصلاة يلزم طلب الضدين، إذ عند عصيان الأمر بالإزالة و اشتغال المكلف بالصلاة سوف يتوجه إليه الأمر بالصلاة و الأمر بالإزالة معا.

أما الأمر بالإزالة فلفرض أنّه مطلق و لا يسقط بالعصيان البعدي، فإنّ المسقط هو العصيان الفعلي دون البعدي.

و أما الأمر بالصلاة فلفرض تحقّق موضوعه، أعني عصيان الأمر بالإزالة.

و باختصار نتمكن أن نقول: إنّه عند الاشتغال بالإزالة و إن لم يتوجّه كلا الأمرين إلى المكلف إلّا أنّه عند الاشتغال بالصلاة يلزم ذلك.

لا يقال: صحيح يلزم عند الاشتغال بالصلاة طلب الضدين إلّا أنّ ذلك قد حصل بسبب سوء الاختيار، فلو أنّ المكلف اشتغل بالإزالة لما توجّه إليه الأمر بالضدين، و لكن لمّا اختار الصلاة توجّه إليه الأمر بالضدين.

فإنه يقال: إنّ طلب الضدين إنما كان مستحيلا لأجل أنّ متعلّقه مستحيل في نفسه، فإنّ متعلّقه هو الجمع بين الضدين، و الجمع بينهما مستحيل في نفسه، و من الواضح أنّ استحالة الجمع بين الضدين لا

351

تختص بحال دون حال، أي لا تختص بحالة عدم سوء الاختيار، بل ذلك مستحيل حتّى في حالة سوء الاختيار، و لذا نرى أنّ الأمر بالضدين بنحو العرضية أمر مستحيل حتّى مع فرض تعليقه على سوء الاختيار، فلا يمكن أن يقول المولى: لا تشرب الشاي و إلّا يلزمك أن تصلي و تزيل النجاسة عن المسجد بنحو العرضية، أو لا ترتكب محرّما و إلّا يلزمك الجمع بين النقيضين.

توضيح المتن:

قلت: المناسب: و يردّ ذلك أنّ ما هو ... فإنّ التعبير المذكور يوهم وجود إن قلت متقدمة.

فإنه و إن لم يكن في رتبة طلب الأهم: و هي متقدمة على طلب المهم برتبتين كما أوضحنا.

ثمّ إن هذا التطويل لا حاجة إليه بل كان يكفيه أن يقول: إنّه عند الاشتغال بالأهم و إن لم يلزم طلب الجمع بين الضدين إلّا أنه عند الاشتغال بالمهم يلزم ذلك.

الأمر بغيره: أي بالمهم.

بمجرد المعصية فيما بعد: فإن المعصية بوجودها المتأخر هي الشرط للأمر بالمهم حسبما ذكرنا سابقا.

فلولاه: أي لو لا سوء اختياره.

ليست إلّا لأجل استحالة طلب المحال: أعني الجمع بين الضدين.

و استحالة طلبه: الواو استئنافية.

و إلّا لصحّ: أي طلب المحال.

352

خلاصة البحث:

فكرة الترتّب مرفوضة لأنّه عند الاشتغال بالمهم يلزم طلب الجمع بين الضدين و إن لم يلزم ذلك عند الاشتغال بالأهم.

و سوء الاختيار لا يرفع المحذور بعد ما كان طلب الجمع بين الضدين مستحيلا في جميع الحالات.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و يردّ ذلك: إنّ ملاك استحالة طلب الضدين في عرض واحد آت في طلبهما كذلك، فإنه يلزم في مرتبة الأمر بالمهم اجتماعهما لفعلية الأمر بالأهم- و عدم سقوطه بالمعصية المتأخرة أو بالبناء على المعصية- و فعلية الأمر بالمهم، لتحقق شرط فعليته فرضا.

لا يقال: نعم و لكنه بسوء الاختيار، فلو لا العصيان المتأخر لم يتوجّه إلّا الأمر بالأهم.

فإنه يقال: إنّ طلب الضدين مستحيل، لأنه طلب للمحال الذي لا تختص محاليته بحال دون حال، و إلّا يلزم صحة طلب الضدين بنحو العرضية فيما إذا علّق على أمر اختياري.

***