كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
353

قوله (قدّس سرّه):

«إن قلت: فرق بين الاجتماع ...، إلى قوله: نعم إذا كانت موسّعة ...».

(1)

دفاع عن فكرة الترتّب:

عرفنا فيما سبق أنّ الشيخ الخراساني قد أشكل على فكرة الترتب بأن محذور طلب الضدين وارد عليها و لا يندفع من خلالها، و مسألة سوء الاختيار ليس لها تأثير في هذا المجال، و الآن يقول: إنّه ربما يقال: إنّ محذور المطاردة- أي المنافاة- يختص بحالة ما إذا كان الأمران ثابتين بنحو العرضية، كما لو قيل:

أزل و صل من دون أن يقيّد أحدهما بعصيان الآخر، إنّه في هذه الحالة تثبت المطاردة و المنافاة، إذ أنّ أزل يقول: تجب الإزالة و لا تفعل الصلاة، بينما صل يقول: تجب الصلاة و لا تفعل الإزالة فتحصل المنافاة، و هذا بخلاف ما إذا كان صل مقيّدا بما إذا فرض عصيان أزل، فإنّه في هذه الحالة لا يقول صل: لا تزل، و إنما يقول: إن فرض أنّك عصيت أزل فصل و لكني لا أقول لك: يلزمك عصيان أزل.

إذن: بعد إدخال فكرة الترتّب في البين لا يصير صل مطاردا و نافيا لأزل، و بذلك يحصل التلاؤم بين الأمرين و يمكن توجههما إلى المكلف.

هذا حاصل ما يمكن أن يقال في مقام الدفاع عن فكرة الترتّب.

____________

(1) الدرس 141: (16/ ذي القعدة/ 1425 ه).

354

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بجوابين:

1- إنّ أمر صل يبقى مطاردا لأمر أزل، لأن ملاك المطاردة و ضابطها اجتماع مطلبين:

أ- أن يكون كلا الأمرين فعليا.

ب- أن يكون متعلّق الأمرين متضادين.

و هذان المطلبان متحققان في المقام، فإن أمر صل و أمر أزل فعليان، و متعلّقهما متضاد، فيلزم أن يكون صل مطاردا لأزل. (1)

نعم في حالة الإتيان بالإزالة حيث إنه لا وجود لصل فلا يكون مطاردا لأزل، و لكن هذا لا يعني عدم تحقق المطاردة في حالة عدم الاشتغال بالإزالة، فإنّه في الحالة المذكورة يكون صل موجودا و فعليا، و بذلك يكون مطاردا لأزل.

هذا حاصل الجواب الأوّل.

2- إنّه لو تنزلنا و سلّمنا عدم مطاردة صل لأزل فنقول: إنّ هذا لا يكفي لحلّ المشكلة، إذ أقصى ما تصنعه فكرة الترتّب رفع مطاردة صل لأزل و لكن يبقى أزل مطاردا لصل، أي إنه عند عدم الاشتغال بالإزالة يكون كلا الأمرين ثابتا و يكون أزل مطاردا لصل و يقول يلزم عصيان الأمر بالصلاة، و هذا المقدار يكفي لتحقق المطاردة و المنافاة، نظير ما إذا فرضنا وجود شخصين، أحدهما مسالم للآخر إلّا أنّ الآخر ليس مسالما

____________

(1) يمكن للقائل بفكرة الترتّب أن يقول: إنّ ملاك المطاردة و المنافاة ليس اجتماع المطلبين المذكورين فقط بل يلزم وجود مطلب ثالث، و هو أن لا يكون الأمر بالمهم مقيّدا بعصيان الأمر بالأهم و إلّا لم يكن مطاردا له.

355

للأوّل، فإنّه في مثل ذلك لا يمكن اجتماعهما في مكان واحد، إذ يبقى الآخر مانعا للأوّل من الحضور في مكان واحد.

ثمّ بعد هذا أخذ (قدّس سرّه) بالإشكال على نفسه قائلا:

إن قلت: إذا لم تكن فكرة الترتّب رافعة لمحذور طلب الضدين فما رأيك فيما وقع عرفا، فإنّا إذا رجعنا إلى أوساطنا العرفية لاحظنا أنّ فكرة الترتّب واقعة، كما هو الحال في مثال المعلّم الذي تقدّم سابقا، فالأب يقول لولده: اذهب إلى المعلّم فإن عصيت فاجلس في البيت، و اقرأ القرآن الكريم، و لا تلعب مع الصبيان، فالأب لا يتنازل عن طلب الذهاب إلى المعلّم عند فرض جلوس الابن في البيت و قراءته للقرآن، بل يبقى مريدا لذلك، و هذا معناه تحقق كلا الطلبين بالفعل و لكن بنحو الترتّب.

و كما في قول ربّ الأسرة لأهله: اطبخوا لنا هذه الأكلة المعيّنة و لكن إذا عصيتم و تكاسلتم لمشقتها فاطبخوا تلك الأكلة الأخرى، فلو فرض أنّ الأهل طبخوا الأكلة الأخرى فهذا لا يعني تنازل الأب عن إرادته للأكلة الأولى بل يبقى طالبا و مريدا لها، و لذا يبقى عبوس الوجه سيّئ الأخلاق، و هذا معناه اجتماع كلا الطلبين و لكن بنحو الترتّب.

قلت: إنّه في هذه الموارد نلتزم بأحد شيئين:

1- إما أن نفترض أنّ الآمر يتنازل عن الأمر الأوّل و يوجّه الأمر الثاني عند تنازله الكامل عن الأمر الأوّل.

2- أو نفترض أنّ الأمر الثاني ليس مولويا بل هو إرشادي، أي إرشاد إلى أنّ المهم باق على المحبوبية رغم مزاحمته بالأهم، و لو أتى به‏

356

المكلف حصل على الثواب، و يزول بسببه مقدار من العقاب الثابت على مخالفة الأمر بالأهم. (1)

ثمّ بعد ذلك تعرّض (قدّس سرّه) إلى إشكال آخر على فكرة الترتّب، فهو فيما سبق أشكل على فكرة الترتّب بأن محذور طلب الضدين لا يرتفع بأخذها بعين الاعتبار، و الآن يشكل عليها بأن لازمها استحقاق المكلف لعقابين عند تركه للأهم و المهم معا، و الالتزام بذلك مشكل، إذ الجمع بين الضدين أمر غير ممكن فكيف يعاقب المكلف على مطلب لا يمكنه، و من هنا حينما كنّا نورد بهذا الإشكال على أستاذنا الميرزا محمّد حسن الشيرازي (قدّس سرّه)- حينما كان في صدد تصحيح فكرة الترتّب- لم يجب على ما ببالنا بالالتزام باستحقاق تعدّد العقاب. (2)

و من خلال هذا كله اتضح أنّ الصلاة لا يمكن تصحيحها بالأمر الترتّبي و ينحصر تصحيحها بالملاك، فلو دخل المكلف المسجد و رأى فيه نجاسة و تماهل و لم يشتغل بالإزالة و أخذ بالصلاة فلا يمكن تصحيح صلاته إلّا بالملاك.

توضيح المتن:

في عرض واحد: أي من دون ترتّب.

____________

(1) كلا الالتزامين واضح التأمل، فالأمر الأوّل لم يحصل التنازل عنه، كيف و نحن نشعر بالوجدان ببقاء طلبنا و حبنا للأهم حالة الاشتغال بالمهم، كما أنّه لا مجال لاحتمال كون الأمر بالمهم إرشاديا بل هو مولوي.

(2) لا محذور في الالتزام بتعدّد العقاب، فإن المكلف حيث خالف الأمر الأوّل فيستحق عقابا، و حيث خالف الأمر الثاني فيستحق عقابا آخر، و هو لا يعاقب على أنّه لم لم يجمع بين الضدين بل على مخالفته للأمرين.

357

و الاجتماع كذلك: أي بنحو الترتّب.

في الأوّل: أي بنحو العرضية.

فإنه يكون على تقدير: أي فإن الأمر بالمهم يكون ثابتا على تقدير عدم الإتيان بالأهم، و المولى لا يريد غير الأهم على تقدير الإتيان بالأهم، أي لا يريد الصلاة على تقدير الإتيان بالإزالة، و أمر صل لا يقول حين الإتيان بالإزالة: تلزمك الصلاة، بل لا وجود له رأسا.

و عدم عصيان أمره: أي الأمر بالأهم.

كيف لا يطارده ...: أي كيف لا يطارد الأمر بالأهم الأمر بالمهم بل أنّ الأمر بالمهم يطارد الأمر بالأهم، و هل أنّ مطاردة الأمر بالمهم للأمر بالأهم إلّا باجتماع مطلبين: الفعلية و المنافاة بين المتعلّقين؟

و عدم إرادة ...: الواو استينافية، أي إن عدم إرادة المهم على تقدير الإتيان بالأهم لا يوجب عدم طرد الأمر بالمهم لطلب الأهم بعد فرض تحقق الأمر بالمهم حين تحقق موضوعه، أي حين عدم الاشتغال بالأهم و عصيان أمره- الأهم- فإنه يلزم اجتماع كلا الأمرين في حالة عدم الإتيان بالأهم، حيث إن المتعلّقين متضادان فيلزم تحقق المطاردة، أي مطاردة الأمر بالمهم للأمر بالأهم.

مع أنّه يكفي الطرد: هذا إشارة إلى الجواب الثاني.

فإنه على هذا الحال: أي على تقدير عصيان الأمر بالأهم يكون الأمر بالأهم طاردا للأمر بالضد المهم كما كان يطارده في غير هذا الحال، أي في حال الاشتغال بالأهم، و عليه فلا يكون للأمر بالمهم مجال بعد فرض وجود الأمر بالأهم.

بمجال: الأنسب حذف الباء و إلّا تبقى كلمة يكون بدون اسم.

358

فيما وقع كذلك: أي بنحو الترتّب.

بعد التجاوز عن الأمر به: أي بالأهم.

فيذهب بها: أي بالمثوبة.

كالأمر به: أي بالأهم.

خلاصة البحث:

قد يقال في الدفاع عن فكرة الترتّب بأن الأمر بالمهم لا يطارد الأمر بالأهم.

و جوابه: إنّ المطاردة موجودة لفعلية الأمرين و تضاد متعلّقيهما، على أنّه تكفي المطاردة من جانب واحد أيضا.

و الاستشهاد على إمكان الترتّب و وقوعه بالأمثلة العرفية مدفوع بلزوم الالتزام إمّا بحصول التنازل عن الأمر بالأهم حين توجّه الأمر بالمهم أو بحمل الأمر بالمهم على الإرشاد.

و يرد على فكرة الترتّب مضافا إلى محذور الأمر بالضدين لزوم تعدد العقاب.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

إن قلت: فرق بين اجتماع الطلبين بنحو العرضية و اجتماعهما بنحو الترتّب، ففي الأوّل يطارد كل منهما الآخر، بخلافه في الثاني، فإن الطلب بالمهم لا يطارد الطلب بالأهم، إذ هو ثابت في حالة عدم الإتيان بالأهم و لا يريد غيره على تقدير الإتيان به.

قلت: بل يطارده بعد فعليته و تضادّ المتعلّقين.

359

نعم على تقدير الإتيان بالأهم و إن كان هو لا يريد غيره إلّا أنّ ذلك لا يوجب عدم مطاردته بعد فعليته لطلبه- الأهم- في حالة عدم الإتيان به.

على أنّه تكفي المطاردة من طرف الأمر بالأهم.

إن قلت: ما رأيك في الأوامر الترتبية الواقعة في العرفيات؟

قلت: إما أن يكون الأمر بالمهم بعد سقوط الأمر بالأهم أو يكون إرشادا إلى بقاء المحبوبية في المهم و استحقاق الثواب عليه الموجب لسقوط مقدار من العقاب على مخالفة الأمر بالأهم.

ثمّ إنه يرد على فكرة الترتّب أنّ لازمها استحقاق عقابين في صورة مخالفة الأمرين، و لا أظن الالتزام به لكونه عقابا على غير المقدور، و لذا لم يلتزم به سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) على ما ببالي حينما كان بصدد تصحيح الفكرة و كنّا نورد عليه بذلك.

و بذلك ظهر عدم إمكان تصحيح الضد العبادي عند المزاحمة إلّا بالملاك.

***

360

قوله (قدّس سرّه):

«نعم فيما إذا كانت موسعة ...، إلى قوله: ثمّ لا يخفى أنّه بناء ...».

(1)

طريق ثالث:

اتضح من خلال ما سبق وجود طريقين لتصحيح الصلاة- حين مزاحمتها بالإزالة- أحدهما: الملاك، و ثانيهما: الأمر الترتّبي، و لم يرتض (قدّس سرّه) الطريق الثاني و حصر طريق التصحيح بالأوّل.

و الآن يذكر (قدّس سرّه) طريقا ثالثا.

و حاصله أن يقال: لو فرض أنّ إزالة النجاسة كانت بحاجة إلى خمس دقائق مثلا و كان وقت الصلاة وسيعا فحينئذ يبقى الأمر بالصلاة ثابتا بلحاظ الأفراد الأخرى التي لم تزاحم بالإزالة، أي يبقى متعلّقا بالطبيعة بلحاظ أفرادها الأخرى غير المزاحمة.

و إذا سلّمنا بهذا فنقول: إنّ بإمكان المكلف الإتيان بالفرد المزاحم بقصد امتثال أمر الطبيعة، فلو دخل المكلف المسجد و رأى نجاسة فبإمكانه أن يصلي قاصدا بذلك امتثال أمر الطبيعة.

و نحن و إن كنّا لا نحتاج في تصحيح العبادة إلى الأمر بل يكفينا الملاك و لكن نقول لمن يرى توقّف الصحة على الأمر: إنّ الأمر

____________

(1) الدرس 142: (19/ ذي القعدة/ 1425 ه).

361

موجود، و يمكنك قصد امتثاله، و ذلك بأن تقصد امتثال الأمر المتعلّق بالطبيعة.

و قد تشكل قائلا: إنّ الفرد الذي نأتي به و إن كان مصداقا لطبيعة الصلاة إلّا أنّه ليس مصداقا لها بما هي مأمور بها، و معه فكيف نأتي بالفرد بقصد أمر الطبيعة بعد عدم كونه مصداقا لها- الطبيعة- بما هي مأمور بها؟

و الجواب: إنّ الفرد المزاحم بالإزالة لمّا كان كبقية الأفراد من ناحية الوفاء بالملاك- أعني المحبوبية و المصلحة- فيمكن الإتيان به بقصد أمر الطبيعة.

نعم لو فرض أنّه لم يكن وافيا بالملاك- بأن فرض أنّ خروجه عن الطبيعة المأمور بها لم يكن لأجل المزاحمة بالإزالة بل لأجل التخصيص، أي لأجل ورود دليل خاص أخرج الفرد المذكور من الطبيعة المأمور بها- فلا يمكن الإتيان به بقصد امتثال أمر الطبيعة، لعدم الجزم باشتماله على الملاك آنذاك و لكن الأمر ليس كذلك، فإنه واف بالملاك جزما، و إنما لم يؤمر به لأجل المانع، و هو المزاحمة بالإزالة. (1)

____________

(1) تقدّم الإشكال في ذلك، حيث قلنا: إنّ الجزم بوجود الملاك بعد فرض عدم وجود الأمر صعب، إذ عند وجود المانع- أعني المزاحمة بالإزالة- فكما يحتمل أن يكون عدم الأمر لأجل وجود المانع مع وجود المقتضي كذلك يحتمل أن يكون لعدم وجود المقتضي رأسا، إنّ كلا منهما محتمل، و معه فلا يمكن الجزم بوجود الملاك. و هذا مطلب ستأتي الإشارة إليه منه (قدّس سرّه) أيضا فانتظر.

و بقطع النظر عن هذا يمكن الإشكال ثانيا بأنه كيف يمكن الإتيان بفرد بقصد امتثال الأمر المتوجّه إلى فرد آخر غيره؟ إنّه أمر غريب حقا و لا معنى له حتّى مع افتراض اشتمال الفرد الأوّل على الملاك.-

362

و هذا مطلب واضح بناء على تعلّق الأمر بالطبيعة، و نفس الشي‏ء نقوله بناء على تعلّق الأمر بالأفراد، غايته أنّه أخفى قليلا، باعتبار أنّ الفرد المزاحم مصداق للطبيعة المأمور بها، غايته هو فرد لها بما هي طبيعة و ليس بما هي مأمور بها، و هذا بخلافه بناء على التعلّق بالأفراد، فإن الفرد المزاحم بالإزالة ليس مصداقا للفرد المأمور به حتّى بما هو فرد، إذ الفرد لا يكون مصداقا للفرد الآخر و إنما هو مصداق للطبيعة.

____________

- و هو غريب حتّى بناء على تعلّق الأمر بالطبائع، إذ لا معنى للإتيان بفرد بقصد امتثال الأمر المتعلّق بالطبيعة بعد فرض أنّ الطبيعة لا تشمل الفرد بما هي مأمور بها. و مجرد اشتمال الفرد على الملاك لا يكفي لتصحيح ذلك و لرفع الغرابة.

نعم هناك رأي للشيخ النائيني يقول: إنّ الجامع بين المقدور و غير المقدور مقدور، فطبيعي الإتيان بالقلم مثلا ممكن و مقدور ما دام الإتيان ببعض أفراده مقدورا حتّى مع فرض تعذّر الإتيان ببعض أفراده الأخرى، و بالتالي يمكن للمولى أن يقول: ائتني بالقلم بحيث يوجّه الأمر إلى طبيعي الإتيان بالقلم حتّى مع فرض تعذّر الإتيان ببعض أفراده.

و مثال آخر على ذلك: يمكن أن يقول المولى أيضا: يجب عليك إما أن تكتب الدرس أو تطير إلى السماء، بحيث يكون الوجوب متعلّقا بالجامع، أعني أحدهما، إنّه أمر ممكن رغم عدم إمكان أحد الفردين، و هو الطيران إلى السماء.

إنّه بناء على هذا المبنى تكون الطبيعة الشاملة للفرد المزاحم مقدورة، و بالتالي يمكن توجيه الأمر إليها و يكون الفرد المزاحم مصداقا للطبيعة بما هي مأمور بها، و يمكن آنذاك الإتيان بالفرد المزاحم باعتبار كونه مصداقا للطبيعة المأمور بها لا أنّه مصداق للطبيعة بما هي طبيعة.

و بالجملة: مجرد كون الفرد المزاحم مصداقا للطبيعة بما هي طبيعة لا يكفي بل لا بدّ من كونه مصداقا لها بما هي مأمور بها، و بناء على مبنى الشيخ النائيني يكون الفرد المزاحم كذلك، و يمكن الإتيان به بقصد امتثال الأمر المتعلّق بالطبيعة لأنه فرد منها بما هي مأمور بها.

363

و للتوضيح أكثر نقول: إنّه سيأتي بعد محاضرة أو محاضرتين إن شاء اللّه تعالى أنّه يوجد احتمالان في كيفية تعلّق الأوامر، فحينما يقال مثلا: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ... (1) فالأمر المذكور هل هو متعلّق بالصلاة الخاصة التي أتي بها التي تكون في هذا البيت و في ساعة كذا و على سجادة كذا و ... أو أنّه متعلّق بطبيعة الصلاة الكلية بقطع النظر عن المشخّصات الفردية المذكورة، و الأوّل يصطلح عليه بتعلّق الأوامر بالأفراد بينما الثاني يصطلح عليه بتعلّق الأوامر بالطبائع، و على الأوّل تكون المشخّصات الخاصة جزء من المطلوب، بينما على الثاني تكون خارجة عن المطلوب.

و الشيخ الخراساني يقول: إنّ الفكرة التي ذكرناها سابقا- و هي الإتيان بالفرد المزاحم بقصد الأمر المتعلّق بالطبيعة- تجري حتّى بناء على تعلّق الأوامر بالأفراد، فيأتي المكلف بهذا الفرد المزاحم بقصد امتثال أمر الفرد الآخر، إنّه لا ضير فيه بعد اشتمال الفرد المزاحم على الملاك، نعم تطبيق الفكرة المذكورة بناء على تعلّق الاحكام بالطبائع أوضح، لما أشرنا إليه سابقا من أنّ الفرد ليس مصداقا للفرد الآخر حتّى بقطع النظر عن تعلّق الأمر، و هذا بخلافه بناء على التعلّق بالطبائع، فإن الفرد المزاحم مصداق للطبيعة المأمور بها، غايته بما هي طبيعة لا بما هي مأمور بها. (2)

____________

(1) الإسراء: 78.

(2) لا يخفى أنّ الفرق المذكور و إن كان ثابتا- أي إن الفرد ليس مصداقا للفرد الآخر حتّى لو لوحظ بما هو فرد بينما هو مصداق للطبيعة بما هي طبيعة- لكنه ليس فارقا و مؤثّرا، بل الموردان من حيث الخفاء و الوضوح هما بدرجة واحدة، و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالتأمل.

364

توضيح المتن:

نعم فيما إذا كانت موسعة: أي العبادة، كالصلاة في مثالنا.

ثمّ إنه كان من المناسب الإشارة إلى أنّ هذا طريق ثالث لتصحيح العبادة المزاحمة غير الملاك و غير الأمر الترتبي.

مزاحمة بالأهم: أعني الإزالة في المثال.

في بعض الوقت: بأن كانت الإزالة لا تحتاج إلى جميع وقت الصلاة بل كان يمكن تحقيقها في فترة قليلة كخمس دقائق مثلا على ما ذكرنا سابقا.

حيث كان الأمر بها: أي بطبيعة الصلاة في المثال.

بخروج ما ...: أي بسبب خروج الفرد المزاحم من الطبيعة.

من أفرادها: تفسير لما زاحمه.

وافيا بغرضها: أي بملاكها، و هو المحبوبية.

كان عقلا مثله: أي كان الفرد المزاحم مثل الفرد غير المزاحم في إمكان الإتيان به في مقام الامتثال، و بتعبير آخر كان مثله في إمكان الإتيان بالفرد المزاحم بداعي أمر الطبيعة بلا تفاوت بينهما في نظر العقل أصلا.

و بهذا يتضح أن قوله: (و الإتيان به بداعي ذلك الأمر) عطف تفسير على قوله: (الإتيان به في مقام الامتثال).

و دعوى ...: هذا مبتدأ، خبره فاسدة.

و ما زوحم منها ...: أي و معلوم أن الفرد المزاحم- من الطبيعة- بالأهم هو و إن كان من أفراد الطبيعة لكنه ...

إنما يوجب ذلك: أي عدم إمكان الإتيان به بقصد امتثال أمر الطبيعة.

365

بما هي كذلك تخصيصا: أي بما هي مأمور بها بسبب التخصيص، أي دلالة الدليل الخاص على أن الفرد المزاحم لم يتعلق به أمر الطبيعة و خارج عن الأمر المتعلّق بالطبيعة.

فإنه معها: أي مع المزاحمة.

بما يعمه: أي بما يعمّ الفرد المزاحم.

عقلا: مرتبط بقوله: (لعدم إمكان).

و على كل حال: المناسب بدل ذلك: و بالجملة، لأن ظاهر التعبير المذكور يوحي بكون المقصود: و على أي حال سواء قلنا باشتمال الفرد المزاحم على الملاك أم لا، و هذا يضرّنا و ليس نافعا لنا.

و إطاعة الأمر بها: أي بالطبيعة.

فكذلك: أي يجوز الإتيان بالفرد المزاحم بقصد امتثال الأمر المتعلّق بالفرد الآخر.

خلاصة البحث:

هناك طريق ثالث لتصحيح العبادة المزاحمة بالأهم، و هو الإتيان بالفرد المزاحم بقصد أمر الطبيعة، فإن ذلك وجيه عقلا بعد اشتمال الفرد على الملاك كبقية الأفراد.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

نعم يوجد طريق ثالث لتصحيح العبادة المزاحمة فيما إذا كانت مزاحمة في بعض الوقت، و هو الإتيان بالمزاحم بداعي أمر الطبيعة، فإنه و إن خرج منها بما هي مأمور بها إلّا أنّه يمكن الإتيان به بداعي الأمر المذكور لكونه وافيا بالغرض كالباقي تحتها.

366

و دعوى أنّ الأمر لا يدعو إلّا إلى أفراد الطبيعة المأمور بها، و المزاحم و إن كان من أفرادها إلّا أنه ليس منها بما هي مأمور بها.

فاسدة، فإن ذلك وجيه لو كان خروجه منها بما هي كذلك تخصيصا لا مزاحمة، و إلّا فالأمر لا يعمّ الفرد المذكور لا لقصور فيه ملاكا بل للمزاحمة.

و بالجملة: لا يرى العقل تفاوتا بين الفرد المزاحم و غيره في جواز الإتيان به بقصد امتثال أمر الطبيعة.

هذا بناء على تعلّق الأوامر بالطبائع.

و أما بناء على تعلّقها بالأفراد فكذلك و إن كان جريانه أخفى فتأمل.

***

367

قوله (قدّس سرّه):

«ثمّ لا يخفى أنه بناء ...، إلى قوله: فصل لا يجوز ...».

(1)

الإمكان يلازم الوقوع:

ذكرنا فيما سبق أن الشيخ الخراساني أشكل بإشكالين على فكرة الترتب: لزوم طلب الضدين، و استحقاق عقوبتين.

و هناك إشكال ثالث قد يذكر في هذا المجال، و هو أنّ أصحاب فكرة الترتّب لم يبرزوا أكثر من أنّ فكرة الترتّب فكرة ممكنة و إن الأمر بالضد بنحو الترتب أمر ممكن، و من الواضح أنّ مجرد الإمكان لا يكفي لتصحيح العبادة المزاحمة و إنما الذي يصحّحها وقوع الأمر الترتّبي دون مجرد إمكانه.

و هذا الإشكال مدفوع بما أشار إليه (قدّس سرّه) من أنّ الإمكان في خصوص المقام يلازم الوقوع.

و الوجه في ذلك: إنّ المفروض في فكرة الترتب وجود أمرين‏

____________

(1) الدرس 143: (20/ ذي القعدة/ 1425 ه).

عطّلنا الدرس من يوم الاثنين إلى ما بعد عطلة محرم الحرام إن شاء اللّه تعالى لأجل أن يذهب الطلبة إلى مدنهم و يحرضوا الناس على الانتخابات، أي انتخاب أعضاء المجلس الوطني في (30/ كانون الثاني/ 2005 م) الذين وظيفتهم كتابة الدستور الدائمي للعراق.

368

مطلقين، و هذا كما في الصلاة و الإزالة، فإن الصلاة يوجد فيها أمر مطلق، كقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ...، (1) إنه مطلق، أي ليس مقيّدا بعدم الاشتغال بالإزالة، أي لم يقل: صل إن لم تشتغل بالإزالة، و هكذا الإزالة يوجد فيها أمر مطلق، أي لم يقيّد بعدم الاشتغال بالصلاة.

إنّ مثل هذين الأمرين المطلقين مفروض في المقام، فإذا فرض اجتماعهما في وقت واحد اتفاقا و صدفة- كما إذا تنجس المسجد عند دخول وقت الصلاة- فنقول آنذاك: إنّ ثبوت هذا بنحو مطلق و ثبوت ذاك بنحو مطلق حيث إنه غير ممكن فيتعيّن المصير إلى المرتبة الممكنة، و هي ثبوتهما بنحو الترتّب، إن الثبوت بالنحو المذكور إذا بنينا على إمكانه- أي قلنا بإمكان الترتّب- فيتعيّن المصير إليه، إذ إعمال أي دليل بالمقدار الممكن أمر لازم، و لا نحتاج بعد هذا إلى ورود دليل خاص يدل على ثبوت الأمر بالصلاة بنحو مقيّد بعصيان الأمر بالإزالة، فإنه بعد إمكان ثبوت الأمر بالنحو المذكور يتعيّن حمل الدليلين عليه.

و بالجملة: إنّه بناء على توقّف صحة العبادة على الأمر و عدم الاكتفاء بالملاك فبالإمكان تصحيحها من خلال الأمر الترتبي، و لا نحتاج في إثبات وقوعه إلى قيام دليل خاص بل يكفي مجرد إمكانه في إثبات وقوعه. (2)

____________

(1) الإسراء: 78.

(2) لأجل دفع الإشكال عن فكرة الترتّب نقول: عرفنا سابقا أنّ الشيخ الخراساني قد أشكل على فكرة الترتّب بأنّها لا تدفع محذور طلب الجمع بين الضدين.

و لأهمية فكرة الترتّب- حيث يمكن للفقيه الاستعانة بها في مقام الاستنباط في موارد متعددة- تجدر الإشارة إلى إمكان دفع الإشكال المذكور، و بالتالي إمكان قبول فكرة الترتّب و الدفاع عنها.-

369

____________

- و حاصل ما يمكن ذكره في هذا المجال: إنّ المنافاة اللازمة في المقام إما أن تكون من جانب صل أو من جانب أزل، و كلتاهما يمكن دفعهما.

و قبل توضيح ذلك نشير إلى مقدمة، و حاصلها: إنّ كل حكم لا يدعو إلى تحقيق موضوعه كما لا يرفض إفناء موضوعه، فوجوب الحج مثلا- الذي موضوعه الاستطاعة- لا يدعو إلى تحقيق الاستطاعة، أي لا يقول: يلزم تحقيق الاستطاعة، كما أنّه لا يرفض إفناء الاستطاعة و إعدامها، إذ هو يقول: إنّ الاستطاعة لو كانت ثابتة فيلزم تحقيق الحج، أمّا أنّه يلزم تحقيق الاستطاعة أو لا يلزم فذلك مطلب ساكت عنه و لا تعرّض له إليه.

و باتضاح هذا نعود لإثبات عدم المنافاة و نقول:

أمّا أنّ صل لا ينافي أزل فباعتبار أنّ موضوع صل هو عدم الاشتغال بالإزالة، و بما أنّ الحكم لا يدعو إلى تحقيق موضوعه فصل بناء على هذا لا يدعو إلى عصيان الأمر بالإزالة و ترك الاشتغال بها.

و بناء على هذا التوضيح كيف يكون صل منافيا لأزل؟!

و أمّا أنّ أزل ليس منافيا لصل فلأنه- أي أزل- و إن كان يدعو إلى تحقيق الإزالة إلّا أنّ هذا عبارة أخرى عن الدعوى إلى عدم تحقيق موضوع صل، و قد ذكرنا مسبقا أنّ الحكم- أي حكم كان- لا يأبى إفناء موضوعه.

و بكلمة أخرى: إنّ أزل و إن كان يدعو إلى عدم إيجاد الصلاة إلّا أنّه يدعو إلى ذلك من خلال دعوته إلى تحقيق الإزالة، أي من خلال دعوته إلى إفناء موضوع صل، و بما أنّ صل- و أيّ حكم آخر- لا يأبى عن إفناء موضوعه فلا يكون أزل منافيا لصل لأنه يقتضي شيئا لا يرفضه صل.

إذن كل واحد من الأمرين لا ينافي الآخر، فلا هذا ينافي ذاك، و لا ذاك ينافي هذا.

و نتمكن أنّ نقول أكثر من هذا: إنّ اجتماع الأمرين الترتبيين ليس فقط لا يستلزم طلب الجمع بين الضدين، بل يقتضي عدم الجمع بين الضدين، بدليل أنّه لو فرضنا- و لو من باب أنّ فرض المحال ليس بمحال- أنّ المكلف جمع بين الضدين و أوجد الإزالة و الصلاة معا فهل يقعان على وجه المطلوبية؟ كلا، لا يكونان مطلوبين، إذ مع تحقق-

370

توضيح المتن:

و صحته: عطف تفسير على إمكان الترتب.

لوضوح أنّ المزاحمة: أي بالإزالة مثلا.

لا كذلك: أي بنحو الترتّب.

فلو قيل بلزوم الأمر: هذا إشارة إلى ما نبّهنا عليه سابقا من أنّ ثمرة فكرة الترتّب تظهر بناء على اعتبار وجود الأمر في صحة العبادة.

في هذا الحال: أي في حال المزاحمة بالإزالة.

كما إذا لم تكن هناك مضادة: أي كما إذا لم تكن مزاحمة و لم تكن في المسجد نجاسة.

ثمّ لا يخفى أنّ العبارة قاصرة عن إفادة المطلب، و كان المناسب التعليل هكذا: لوضوح أنّه بعد ثبوت الإطلاقين يلزم رفع اليد عنهما

____________

- الإزالة لا تكون الصلاة مطلوبة، و إنما تكون مطلوبة عند عدم الاشتغال بالإزالة، و هذا معناه أنّ فكرة الترتّب لا أنها فقط لا تقتضي طلب الجمع بين الضدين، بل هي تقتضي عدم الجمع بين الضدين، و تتنافى و الجمع بين الضدين.

نعم هنا شي‏ء دقيق قد يصعب الالتفات إليه لأوّل وهلة، و هو أنّه لا بدّ من التفرقة بين اجتماع الأمرين و بين طلب الجمع بين الضدين، فبناء على فكرة الترتّب يجتمع الأمران في آن واحد، فعند عدم الاشتغال بالإزالة يجتمع الأمر بالصلاة و الأمر بالإزالة، إن هذا أمر مسلّم، و لكن نحن ندّعي أن اجتماع هذين الأمرين لا ينتج طلب الجمع بين الضدين، بل أنّ الواقع على العكس من ذلك تماما، بدليل أنّ المكلف لو حقّقهما معا- و لو من باب فرض المحال- لما وقعا على صفة المطلوبية، بل كانت الإزالة هي المطلوبة فقط.

و الخلاصة: إنّه لأجل عدم التمييز بين اجتماع الأمرين و طلب الضدين تصوّر الشيخ الخراساني بطلان فكرة الترتّب، أمّا إذا ميّزنا بين هذين فلا تعود مشكلة في البين، و نحن نسلّم أنّه عند عدم الاشتغال بالإزالة يلزم اجتماع الأمرين و لكن لا يلزم من الاجتماع المذكور طلب الجمع بين الضدين.

371

بمقدار الضرورة لا أكثر، و حيث إنه بناء على إمكان الترتب يكون الممتنع اجتماعهما في عرض واحد لا كذلك فيكون الأمر بالمهم ثابتا بنحو الترتّب.

خلاصة البحث:

إنّ إمكان الأمر الترتبي يلازم وقوعه لأنه بعد وجود الأمرين و إطلاقهما يلزم العمل بهما بالمقدار الممكن.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الإمكان يلازم الوقوع:

ثمّ إن إمكان الترتب يلازم وقوعه لأن المزاحمة تقتضي امتناع اجتماع الدليلين المطلقين في عرض واحد لا كذلك، فلو قيل بلزوم الأمر في صحة العبادة وقعت صحيحة للأمر الترتّبي الثابت بعد تقييد الإطلاق بمقدار الضرورة.

***

372

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

373

الفصل السادس: أمر الآمر مع علمه بانتفاء الشرط

374

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

375

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: لا يجوز أمر الآمر ...، إلى قوله: فصل الحقّ أنّ ...».

(1)

الوجوب عند انتفاء الشرط:

هناك بحث وقع بين الأصوليين، حاصله: إنّ الوجوب لو كان مشروطا بشرط ففي حالة تحقق الشرط يمكن بلا إشكال للمولى إثبات ذلك الوجوب، و أمّا إذا كانت منتفيا فهل يمكنه إثباته أيضا؟

و لأجل أن يتضح المقصود و تتضح ثمرة البحث نذكر المثال التالي: لو فرض أنّ امرأة صامت شهر رمضان، و في يوم من الأيام تناولت قليلا من الماء عمدا و بعد ساعة أو أكثر- أي قبل الغروب- طرأ عليها الحيض فهل تلزمها الكفارة آنذاك على إفطارها السابق؟ إنّه بناء على صحة توجّه الوجوب حالة انتفاء الشرط تكون المرأة المذكورة مخاطبة بوجوب الصوم، و من ثمّ تلزمها الكفارة، و هذا بخلاف ما إذا بني على العدم، فإنه لا تلزمها الكفارة.

و قد ذكر (قدّس سرّه) أنّ أصحابنا ذهبوا إلى عدم إمكان توجّه التكليف في الحالة المذكورة، و النكتة واضحة، فإن الوجوب لما كان مشروطا

____________

(1) الدرس 144: (18/ محرم/ 1426 ه).

376

نفسه بالخلو من الحيض فعند طروه يكون الشرط معدوما، و بانعدامه يلزم انعدام المشروط، و بالتالي عدم إمكان ثبوت الوجوب.

و بكلمة أخرى: إنّ العلة التامة لتحقق الوجوب مركبة من جعل المولى- أي إنشائه و تشريعه- و تحقق الشرط، فإذا انتفى الشرط يلزم انتفاء العلة التامة- لأن المركب ينتفي بانتفاء بعض أجزاءه- و من ثمّ يلزم عدم إمكان ثبوت الوجوب، و إلّا يلزم تحقق المعلول بدون علته التامة.

هذا و لكن أكثر مخالفينا ذهبوا إلى الجواز، باعتبار أنّهم أشاعرة في باب العقائد، و الأشعرية كما نعرف حكموا بتعطيل العقل في مسألة الحسن و القبح، و يترتّب على هذا أنّ من حقّ اللّه سبحانه توجيه الوجوب رغم عدم تحقق الشرط، إذ غاية ما يلزم قبح ذلك، أي يقبح أن يوجّه المولى الوجوب إلى المكلف عند عدم تحقق شرطه، و لكن المفروض أنّ العقل لا يحكم بذلك، و المدار في الحسن و القبح هو على أمر المولى و نهيه، فإذا أمر بشي‏ء صار ذلك الشي‏ء حسنا، و إذا نهى عنه صار قبيحا.

و بالجملة: إنّ أكثر مخالفينا و إن ذهبوا إلى الجواز و لكن المختار عند أصحابنا هو العدم، إذ يلزم خلف الفرض، أي أن لا يكون ما فرضت شرطيته شرطا و لزم أن يتحقق المعلول بدون علته التامة.

ثمّ بعد ذلك ذكر (قدّس سرّه): ربما يقال: إنّه يلزم بناء على هذا أن نصير من القائلين بالجواز في المسألة، إذ الإمكان المأخوذ في عنوان البحث هو الإمكان الذاتي، و المفروض أنّنا قد انتهينا إلى أنّ توجيه الوجوب عند عدم تحقق شرطه أمر ممكن في حدّ ذاته و لكنه يمتنع وقوعه للزوم محذور تحقق المعلول بدون علته التامة.

377

و أجاب عن ذلك: إنّ الإمكان المأخوذ في عنوان البحث ليس هو الإمكان الذاتي- إذ من الواضح أنّ الممتنع في حد ذاته منحصر باجتماع النقيضين و ارتفاعهما و شريك الباري، و كل ما سوى ذلك هو ممكن في حدّ ذاته- إذ لا إشكال في إمكان توجيه الوجوب إلى المكلف عند عدم تحقق شرطه، و لا معنى لأن يحتمل أحد امتناع ذلك امتناعا ذاتيا فيتعيّن أن يكون المقصود من الإمكان المأخوذ في العنوان هو الإمكان الوقوعي، و المفروض أنّنا قلنا بعدم الإمكان الوقوعي.

ثمّ بعد هذا تعرّض إلى مطلب آخر، و هو أنّه يمكن توجيه الوجوب إلى المكلف عند عدم تحقق شرطه في حالة واحدة، و هي ما إذا كان الشرط شرطا للوجوب في مرحلته الفعلية بينما الوجوب المنشأ يكون وجوبا في مرحلته الإنشائية، فالوجوب الثابت يكون وجوبا على مستوى الإنشاء بينما الشرط المنتفي يكون شرطا للوجوب على مستوى الفعلية، إنّ مثل هذا أمر ممكن و لا محذور فيه.

و مما يدل على إمكانه وقوعه في الشرع و في العرف.

أمّا وقوعه في الشرع فكقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، (1) إنّ مثل هذا الخطاب ثابت و موجّه حتّى عند فرض عدم وجود مستطيع، فالاستطاعة شرط للوجوب الفعلي، و الوجوب الثابت قبل تحقق الشرط هو الوجوب الإنشائي. (2)

____________

(1) آل عمران: 97.

(2) و من أمثلة ذلك أيضا الحكم الواقعي في موارد خطأ الأمارة أو الأصل، فإنه حكم ثابت على مستوى الإنشاء- و إلّا يلزم عدم اشتراك الأحكام الواقعية بين الجميع- إلّا أنّه ليس فعليا لانتفاء شرط الفعلية، و هو عدم الأصل و الأمارة المخالفين.

378

و أمّا وقوعه في العرف فكحكم القانون بأنّ كل من بلغ سن الثامنة عشرة تلزمه خدمة الوطن، فالتشريع المذكور ثابت حتّى قبل تحقق بلوغ أحد سن الثامنة عشرة.

ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) بعد ذلك إلى مطلب آخر، و هو أنّه عند عدم فعلية الحكم- لفرض انتفاء شرط الفعلية- يلزم أن يكون إنشاء الحكم ليس بداعي التحريك، و حيث إن الإنشاء لا بدّ أن يكون بداعي التحريك فيلزم عدم إمكان الإنشاء رأسا، فلا يمكن للمولى إنشاء الحكم على مستوى الجعل و التشريع لانتفاء داعي التحريك.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأنّه قد تقدّم في مباحث الصيغة أنّ إنشاء الطلب كما يمكن أن يكون بداعي التحريك يمكن أن يكون بداع آخر و لا ينحصر الداعي بداعي التحريك.

ثمّ تعرض (قدّس سرّه) إلى مطلب آخر، و هو أنّه قد يقال: إنّ كلمة الأمر لا يصح إطلاقها- أي استعمالها- إلّا في مورد وجود داعي التحريك، فعند عدم وجوده لا يصح إطلاقها.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأن إطلاقها بنحو الحقيقة لا يصحّ، و أمّا بنحو المجاز فيصحّ.

ثمّ في النهاية ذكر (قدّس سرّه) إنّه من خلال هذا يتضح أمران:

1- حال ما ذكره الأعلام من النقض و الإبرام، فما ذكر في توجيه الجواز إن كان يقصد به إثبات الجواز بلحاظ الصورة الأولى فذلك أمر مرفوض، و أما إذا كان يقصد به إثبات الجواز في الصورة الثانية- أي يكون الوجوب الثابت ثابتا ببعض مراتبه بينما الشرط يكون شرطا للوجوب بمرتبة أخرى- أو كان ناظرا إلى شرط الواجب لا شرط الوجوب فذلك أمر مقبول.

379

2- إنّ بالإمكان أن يكون النزاع لفظيا و ليس حقيقيا و معنويا، فالقائل بالجواز ناظر إلى الصورة الثانية بينما القائل بعدم الجواز ناظر إلى الصورة الأولى.

توضيح المتن:

مع علمه: المناسب حذف ذلك لأن العلم لا مدخلية له من هذه الناحية.

بانتفاء شرطه: أي شرط الأمر، و المراد شرط الوجوب.

لا يكاد يكون الشي‏ء: و مصداق الشي‏ء في المقام هو الوجوب.

كما هو المفروض هاهنا: أي إن المفروض في المقام انتفاء العلة التامة، لأنّ الشرط هو من أحد أجزاء العلة التامة، و المفروض انتفاؤه.

و انحلال المركب ...: هذا مبتدأ، و خبره قوله: (مما لا يخفى). و في بعض النسخ: كما لا يخفى، و المناسب بناء عليه أن تكون كلمة انحلال مجرورة عطفا على قوله: (أنّه لا يكاد ...) أي و ضرورة انحلال ...

و كون الجواز في العنوان ...: هذا إشارة إلى المطلب الثاني من المطالب التي أشرنا إليها سابقا.

نعم لو كان ...: هذا إشارة إلى المطلب الثالث.

و من الضمير الراجع إليه: أي الهاء في قوله: (شرطه).

لكان جائزا: جواب قوله: (نعم لو كان ...).

و قد عرفت سابقا: أي في مباحث الصيغة (ص 102) من الكفاية.

ثمّ إن هذا إشارة إلى المطلب الرابع.

جدا حقيقة: هما مترادفان، و المناسب: جدا و حقيقة.

صوريا امتحانا: هما مترادفان، و المناسب: صوريا و امتحانا.

380

ثمّ إن المناسب عدم التأكيد على الداعي المذكور لأن الداعي في المقام ليس كذلك حتّى يحتاج إلى التأكيد المذكور.

ثمّ إن الداعي في المقام ربما يكون هو داعي التحريك، غايته في المستقبل، كما في مثال الحج المتقدم.

و منع كونه أمرا ...: هذا إشارة إلى المطلب الخامس.

جدا واقعا: المناسب: جدا و واقعا.

توسعا: أي مجازا.

و قد ظهر بذلك: أي بالتفصيل بين الصورتين. و هذا إشارة إلى المطلب السادس.

خلاصة البحث:

تعرّض (قدّس سرّه) إلى مطالب ستة:

1- لا يجوز توجّه الأمر إلى المكلف عند انتفاء شرطه و إلّا يلزم أن لا يكون الشرط شرطا أو تحقق المعلول بدون علته التامة، و خالف أكثر مخالفينا و قالوا بالجواز لأنهم أشاعرة في العقائد لا يعتقدون بالحسن و القبح العقليين.

2- إنّ الإمكان المذكور في العنوان هو الإمكان الوقوعي دون الذاتي فلا نكون بحسب النتيجة من القائلين بالإمكان.

3- يمكن توجيه الأمر عند انتفاء شرطه فيما إذا لوحظ اختلاف مرتبة الأمر.

4- لا يلزم أن يكون إنشاء الطلب بداعي التحريك الجدي، و معه لا يلزم محذور في المقام من هذه الناحية.

381

5- إنّ إطلاق كلمة الأمر عند عدم تحقق داعي التحريك ممكن بنحو المجاز.

6- إنّه بالتفصيل بين الصورتين يتضح شيئان.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

فصل: الأمر عند انتفاء الشرط:

لا يجوز الأمر عند انتفاء شرطه- خلافا للمنسوب إلى أكثر مخالفينا- و إلّا يلزم تحقق الشي‏ء بدون علته التامة، لأن الشرط من أجزائها.

و الجواز في العنوان ليس بمعنى الإمكان الذاتي، فإنه بعيد عن محل الخلاف بين الأعلام.

نعم لو كان المراد من الأمر مرتبة الإنشاء و من الضمير الراجع إليه مرتبة الفعلية- أي هل يجوز الأمر على مستوى الإنشاء عند انتفاء شرط الفعلية- فالمناسب الجواز، بل هو واقع في الشرع و العرف.

و قد عرفت سابقا أنّ داعي الإنشاء لا ينحصر بالتحريك الجدي.

و استعمال كلمة الأمر- عند عدم داعي التحريك الجدي- ممكن بنحو المجاز و إن لم يكن بنحو الحقيقة.

و من خلال ما سبق يتضح حال النقض و الإبرام المذكورين في كلام الأعلام، و ربما يقع به التصالح و يكون النزاع لفظيا.

***

382

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

383

الفصل السابع: تعلّق الأحكام بالطبائع‏

384

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

385

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: الحقّ إنّ الأوامر و النواهي ...، إلى قوله:

دفع وهم».

(1)

تعلّق الأحكام بالطبائع أو بالأفراد:

هناك بحث تعرّض إليه الأصوليون، و هو أنّ الأحكام هل تتعلق بالطبائع أو بالأفراد؟ فالمكلف حينما يأتي بالصلاة ربما يأتي بها في مكان معين، و في زمان معين، و على سجادة معينة، و في ملابس خاصة، و بطرز خاص من القراءة و هكذا، و أمر أقيموا الصلاة هل هو متعلّق بالصلاة المذكورة أو هو متعلّق بالصلاة الكلية؟

و الأوّل يعبّر عنه بتعلّق التكاليف بالأفراد و الثاني يعبّر عنه بتعلّق التكاليف بالطبائع.

و الفرق بين الفرد و الطبيعة رغم اتحادهما ذاتا هو أنّ المشخّصات الخاصة ملحوظة في الفرد بينما هي غير ملحوظة في الطبيعة.

إذن الطبيعة إذا لوحظت ضمن المشخّصات الخاصة الخارجية اصطلح عليها بالفرد بينما إذا لوحظت وحدها اصطلح عليها بالطبيعة.

و نلفت النظر إلى أنّه حينما نقول بتعلّق الأحكام بالطبيعة دون الفرد فلا

____________

(1) الدرس 145: (19/ محرم/ 1426 ه).

386

نقصد من ذلك تعلّقه بالطبيعة من دون ملاحظة أي قيد من القيود معها، إنّه باطل جزما، كيف و الصلاة مثلا مقيّدة بالطهارة و الستر و القبلة و الجهر بالقراءة و ما شاكل ذلك، غايته هي قيود كلية، و هذا لا يتنافى و افتراض تعلّق الوجوب بالطبيعة، فالفارق إذن بين التعلق بالطبيعة و التعلّق بالفرد هو أنّ اللوازم الجزئية الخارجية الخاصة لم تلحظ بناء على الطبيعة بينما هي ملحوظة بناء على الفرد.

و نلفت النظر أيضا إلى أنّه بناء على التعلّق بالفرد تكون اللوازم الخاصة الخارجية جزء المطلوب، و بالتالي يكون الطلب متعلّقا بشيئين، هما: الطبيعة+ اللوازم الخاصة، بينما بناء على التعلّق بالطبيعة تكون اللوازم خارجة عن المطلوب و يكون الطلب متعلّقا بشي‏ء واحد، و هو الطبيعة لا أكثر.

و باتضاح المقصود من هذا البحث نعود و نقول: الصحيح تعلّق الأحكام بالطبائع، و الوجدان أقوى شاهد على ذلك، فلو قلت لشخص: ائتني بماء لأشرب، فجاء به في قنينة خاصة قد وضعها في ظرف آخر و كان الماء معقّما من شركة معينة فهل كل هذه الخصوصيات الخاصة داخلة في متعلّق طلبك؟ كلا جزما، و إنما طلبك متعلّق بطبيعي الإتيان بالماء الصالح للشرب من دون ملاحظة هذه الخصوصيات الخاصة الخارجية.

إذن الطلب متعلّق بالطبيعة من دون ملاحظة اللوازم الخاصة، كما هو الحال في القضية الطبيعية المذكورة في المنطق، من قبيل الإنسان نوع أو الحيوان جنس، فإن الملحوظ في ذلك طبيعة الإنسان و طبيعة الحيوان.

بل و كما هو الحال في القضية المحصورة، من قبيل كل إنسان يمشي، فإنّه قيل: إنّ الحكم بالمشي منصبّ على أفراد الإنسان، فالموضوع هو أفراد الإنسان، و لكن هناك رأي آخر يقول: إنّ الموضوع هو طبيعة الإنسان بما هي مرآة للأفراد، و يكون الفرق بناء على هذا بين‏

387

القضية الطبيعية و القضية المحصورة هو أنّه في الأولى لم تلحظ الطبيعة مرآة للفرد بخلافه في الثاني.

إذن الأحكام الشرعية متعلّقة بالطبائع كتعلّق الأحكام غير الشرعية في القضية الطبيعية بالطبيعة بما هي، و في القضية المحصورة- على الرأي الثاني- بالطبيعة بما هي مرآة للأفراد.

ثمّ إنه يبقى شي‏ء، (1) و هو أنّه حينما نقول بتعلّق الطلب بالطبيعة فليس المقصود ذات الطبيعة و إنما المقصود تعلّقه بوجود الطبيعة أو بعدمها، فإن ذات الطبيعة لو قصرنا النظر عليها لا يتعلق بها الطلب، إذ ذات الطبيعة لا تتصف بأنها مطلوبة أو غير مطلوبة و إنما المتّصف بذلك هو وجودها أو عدمها.

نعم كلمة الأمر يمكن أن يقال بتعلقها بالطلب بلا حاجة إلى أخذ الوجود في البين، لأن الأمر يستبطن الوجود، إذ هو عبارة عن طلب الوجود، فلأجل استبطانه للوجود لا تعود حاجة إلى أخذ الوجود ثانية مع الطبيعة، و هذا بخلافه في الطلب- أي كلمة طلب- فإنه لا يستبطن الوجود. (2)

توضيح المتن:

و لا يخفى أنّ المراد ...: هذه هي الإشارة بنحو التلميح التي ذكرناها و التي يأتي تسليط الأضواء عليها، و المقصود دفع توهّم تعلّق الطلب بنفس الطبيعة، فإنه لا يتعلّق بها لأنها من حيث هي ليست إلّا هي لا مطلوبة و لا غير مطلوبة.

____________

(1) هذا المطلب أشار إليه (قدّس سرّه) في بداية الفصل بنحو التلميح ثمّ في آخره سلّط الأضواء عليه بشكل واضح.

(2) التفرقة المذكورة ربما تكون قابلة للتأمل، فيمكن أن يقال: إنّ كلمة الأمر لا تستبطن الوجود ككلمة الطلب. و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بقوله: (فافهم).

388

صرف الإيجاد: كلمة صرف و محض لا حاجة إليهما.

هو الطبيعة المحدودة ...: كالصلاة ذات الطهارة و القبلة و ...

على ما حقق في غير المقام: أي في المنطق.

و في مراجعة الوجدان ...: هذا شروع في إقامة الدليل على المدّعى، و هو تعلّق الأحكام بالطبائع.

و عوارضها العينية: عطف تفسير على خصوصياتها الخارجية، و عالم العين و عالم الخارج واحد.

وجودها السعي: نسبة إلى السعة، أي إن وجودها الوسيع هو تمام المطلوب.

بما هو وجودها: أي لا بما هو وجود الفرد، فإن وجود الطبيعة عين وجود الفرد.

ثمّ لا يخفى أنّ الطلب يتعلّق دائما بالوجود لا أنّه تارة يكون متعلّقا بوجود الطبيعة، و أخرى بوجود الفرد.

فانقدح بذلك: هذا تسليط الأضواء على ما تقدمت الإشارة إليه بنحو التلميح.

لخصوص الوجود: هذا من باب تقديم الصفة، أي الوجود الخاص الذي هو وجود الفرد.

فإنها كذلك: أي فإن الطبيعة بما هي هي ليست إلّا هي، أي لا مطلوبة و لا غير مطلوبة.

نعم هي كذلك: أي نعم الطبيعة بما هي من دون التقييد بالوجود تكون متعلّقة لكلمة الأمر.

فافهم: تقدمت الإشارة إلى ذلك.

389

خلاصة البحث:

إنّ الأحكام متعلّقة بالطبائع لقضاء الوجدان.

و المراد التعلّق بوجود الطبيعة و إلّا فذات الطبيعة ليست إلّا هي.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

فصل: تعلّق الاحكام بالطبائع:

الحقّ أنّ الأوامر و النواهي متعلّقة بالطبائع دون الأفراد لقضاء الوجدان بتعلّق طلب الإنسان بالطبائع من دون نظر إلى خصوصياتها الخارجية و أنّ نفس وجودها السعي تمام المطلوب و إن كان لا ينفكّ في الخارج عن الخصوصيات، كما هو الحال في القضية الطبيعية في غير الأحكام، بل و المحصورة على ما حقق في محله.

ثمّ إنه ليس المراد التعلّق بذات الطبيعة، فإنها بما هي هي ليست إلّا هي، و إنما المراد التعلّق بوجودها السعي، نعم كلمة الأمر يمكن القول بتعلّقها بالطبيعة- لا بوجودها- لأنها طلب الوجود فافهم.

كما أنّ المراد من التعلّق بالطبيعة ليس هو التعلّق بها من دون قيد رأسا، بل مع القيود الدخيلة في الغرض من دون ملاحظة اللوازم الخاصة للوجود بحيث لو كان الانفكاك عنها بأسرها ممكنا لما كان ذلك يضرّ بالمقصود.

***

390

قوله (قدّس سرّه):

«دفع وهم: لا يخفى ...، إلى قوله: فصل إذا نسخ الوجوب ...».

(1)

إشكال و جواب:

بعد أن ذكر (قدّس سرّه) فيما سبق أنّ الطلب لا يتعلّق بنفس الطبيعة- أو بنفس الفرد- بل بوجوده أورد على نفسه بأنه قد يشكل بأن الطبيعة ما دمنا قد فرضنا وجودها فلا معنى لتعلّق الطلب بها، إذ يكون ذلك من قبيل طلب تحصيل ما هو حاصل، و إذا فرضنا عدم وجودها فلازم ذلك تعلّق الطلب بذات الطبيعة و ليس بوجودها.

و ربما ينسب إلى صاحب الفصول أنّه ذهب إلى ذلك، أي إلى تعلّق الطلب بالطبيعة الموجودة، و بناء عليه يرد أنّ ذلك باطل لأنه يلزم منه طلب تحصيل الحاصل.

و ربما يتوهم تعلّق الطلب بذات الطبيعة و ليس بوجودها، و إنما يكون وجودها هو الهدف و الغاية من تعلّقه بذات الطبيعة، أي تعلّق الطلب بذات الطبيعة بهدف إيجادها.

و هذا التوهم باطل أيضا، لأن ذات الطبيعة بقطع النظر عن وجودها لا يمكن تعلّق الطلب بها، إذ المطلوب هو وجود الطبيعة لا ذاتها، فإن ذات الطبيعة لا تتصف بأنها مطلوبة أو غير مطلوبة و إنما المتصف بذلك هو وجودها.

____________

(1) الدرس 146: (20/ محرم/ 1426 ه).

391

إذن كلا هذين التوهمين باطل، فالطلب لا يتعلّق بالطبيعة الموجودة و لا بذات الطبيعة مع كون الوجود غاية.

و الصحيح أنّ الطلب متعلّق بوجود الطبيعة، بمعنى طلب إيجادها و جعلها موجودة، و معه لا يرد إشكال.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أنّ تعلّق الطلب بوجود الطبيعة- أي طلب إيجادها- إنما يتمّ بناء على أصالة الوجود دون أصالة الماهية.

و للتوضيح نقول: لا إشكال في أنّ كل ممكن من الممكنات هو مركّب من شيئين: من وجود و من ماهية، فإذا لاحظنا مثلا وجود الإنسان و وجود الشجر و وجود الحجر يتضح لنا وجود شي‏ء مشترك بين هذه الثلاثة، و هو الوجود، فكل هذه الثلاثة وجود، و لكن الأوّل هو وجود للإنسان، و الثاني هو وجود للشجر، و الثالث هو وجود للحجر، و الوجود الأوّل تحدّد و تميّز بكونه وجود الإنسان، و الثاني بكونه وجود الشجر، و الثالث بكونه وجود الحجر، و يصطلح على هذا الشي‏ء الذي يتحدد به الوجود بالماهية، فالماهية إذن هي ما يمتاز به وجود عن وجود آخر.

و بعد أن اتضح تركّب كل ممكن من وجود و ماهية نقول: يلزم أن يكون واضحا أنّ كلا من هذين لا يمكن أن يكون أصيلا، فلا يمكن أن يكون الوجود أصيلا، و في نفس الوقت تكون الماهية أصيلة و إلّا يلزم أن يكون كل شي‏ء واحد عبارة عن شيئين- كما هو الحال في السكر و الخل، فإنهما إذا كانا معا أصيلين فسوف لا يصدق على الشي‏ء عنوان السكنجبين، بل هو عبارة عن شيئين هما السكر و الخل- فيتعيّن إذن أن يكون أحدهما أصيلا و الآخر أمرا اعتباريا، فأما الوجود هو الأصيل و الماهية هي أمر اعتباري أو بالعكس.

392

و بعد الاتفاق على هذا وقع الاختلاف في أنّ أيّ واحد منهما هو الأصيل؟ و اختار المشاءون أنّ الأصيل هو الوجود، و الماهية مجرد اعتبار، بينما اختار الإشراقيون العكس.

و بناء على أنّ الأصيل هو الوجود تصير الآثار آثارا للوجود، فالمشي و الأكل و النوم مثلا بالنسبة إلى الإنسان هي آثار لوجوده، بينما لو قيل بأصالة الماهية فتكون آثارا لماهيته.

و قد اتضح إلى الآن: إنّ كل ممكن مركّب من وجود و ماهية، و إنّ الأصيل هو أحدهما، و المشاءون اختاروا أنّ الأصيل هو الوجود دون الماهية، و الإشراقيون اختاروا العكس.

و نضيف بعد هذا شيئا جديدا، و هو أنّه بناء على أصالة الوجود يلزم أن تكون الماهية متحققة بواسطة الوجود، بينما بناء على أصالة الماهية تكون- أي الماهية- متحققة و خارجية (1) بنفسها و ليس بسبب الوجود.

و باتضاح هذا نعود إلى صلب الموضوع و نقول: ذكر (قدّس سرّه) فيما سبق أنّ الطلب يتعلّق بوجود الطبيعة- أي طلب إيجادها- و ليس بذاتها و الآن يستدرك و يقول: هذا يتم بناء على أصالة الوجود.

و أما بناء على أصالة الماهية فلا معنى لتعلق الطلب بوجود الطبيعة، بل لا بدّ من تعلّقه بالماهية و لكن لا بذاتها- فإنها من حيث هي ليست إلّا هي لا تتصف بأنها مطلوبة- بل بخارجيتها، و ليس المقصود تعلقه بالماهية الخارجية و إلّا يلزم طلب تحصيل الحاصل بل تعلّقه بخارجيتها بمعنى جعلها خارجية بنفسها.

____________

(1) الخارجية و التحقّق شي‏ء واحد. و ليس المقصود من التحقّق التحقّق في الخارج، بل التحقّق الأعم من الوجود الخارجي و من خارجية الماهية بنفسها.

393

توضيح المتن:

و جعله بسيطا: أي و جعل الوجود جعلا بسيطا. و يحتمل عود الضمير إلى كلمة بشي‏ء المتصيدة، أي و جعل الشي‏ء جعلا بسيطا.

و الجعل البسيط عبارة عن إيجاد الشي‏ء، و يعبّر عنه بمفاد كان التامة، كقولك: كان زيد، بمعنى وجد.

و الجعل المركّب عبارة عن جعل شي‏ء لشي‏ء آخر، و يعبّر عنه بمفاد كان الناقصة، كقولك: كان زيد عالما.

كما توهم: المتوهم صاحب الفصول على ما قيل.

و قد عرفت أنّ الطبيعة ...: هذا ردّ على الاحتمال الثاني، أي ما أشار إليه بقوله: و لا جعل الطلب متعلّقا بنفس الطبيعة و قد جعل وجودها غاية لطلبها.

كي يكون: أي كي يوجد.

فيطلبها كذلك: أي بما هي بنفسها في الخارج.

لا بوجودها: عطف على بنفسها.

كما كان الأمر بالعكس على أصالة الوجود: حيث كان الطلب يتعلّق بوجود الماهية، أي ليجعلها خارجية بواسطة الوجود لا بنفسها.

خلاصة البحث:

إنّ المقصود من تعلّق الطلب بوجود الطبيعة تعلّقه بإيجادها و ليس بمعنى تعلّقه بالطبيعة الموجودة، أو بذات الطبيعة و يكون الوجود غاية.

هذا بناء على أصالة الوجود، و أما بناء على أصالة الماهية فيتعلّق الطلب بالماهية التي هي خارجية بنفسها بمعنى جعلها خارجية بنفسها.

394

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

دفع وهم:

ليس المراد من تعلّق الطلب بوجود الطبيعة أو الفرد تعلّقه بما هو صادر و ثابت في الخارج- كما توهم- و إلّا يلزم طلب الحاصل، و لا تعلّقه بنفس الطبيعة و يكون الوجود غاية، فإن الطبيعة بما هي ليست إلّا هي لا يعقل تعلّق الطلب بها، بل المراد أنّ الطالب يريد صدور الوجود و إفاضته.

هذا على أصالة الوجود.

و أما على أصالة الماهية فأيضا ليس متعلّق الطلب هو الطبيعة بما هي، بل الطبيعة التي هي خارجية بنفسها، بمعنى طلب جعلها خارجية بنفسها.

***

395

الفصل الثامن: نسخ الوجوب هل يدل على بقاء الجواز؟

396

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

397

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: إذا نسخ الوجوب فلا دلالة ...، إلى قوله: فصل إذا تعلق ...».

(1)

ما هو الحكم الثابت بعد نسخ الوجوب؟

إذا نسخ الوجوب- فقيل مثلا: نسخت وجوب التوجّه في الصلاة إلى بيت المقدس- فهل يبقى بعد ذلك الجواز بالمعنى الأعم أو الجواز بالمعنى الأخص؟ (2) المناسب العدم، فإن من المحتمل ثبوت أي واحد من الأحكام الأربعة الباقية، و لا دلالة للدليل الناسخ الذي قال: نسخت الوجوب و لا لدليل الوجوب المنسوخ على ثبوت شي‏ء من ذلك، بل لا بدّ من ورود دليل خاص يدل على ذلك.

و قد يقال: إنّ الاستصحاب يقتضي بقاء الجواز بالمعنى الأعم- و لا بدّ أن يكون المقصود بقائه ضمن الاستحباب و إلّا فبقاء الجنس بدون الفصل أمر غير ممكن- بتقريب أنّ الجواز كان ثابتا سابقا، أي حينما كان الوجوب ثابتا، و بعد أن ارتفع الوجوب نشك في بقاء ذلك الجواز- لاحتمال ثبوته ضمن الاستحباب مثلا- فنستصحب بقائه.

____________

(1) الدرس 147: (21/ محرم/ 1426 ه).

(2) الجواز بالمعنى الأعم عبارة عن جنس الجواز الصادق على الوجوب و الاستحباب و الإباحة و الكراهة.

و الجواز بالمعنى الأخص عبارة عن خصوص الإباحة.

398

و أجاب (قدّس سرّه): إنّ هذا من قبيل استصحاب الكلي من القسم الثالث، و هو لا يجري إلّا في مورد خاص ليس المقام مصداقا له.

و للتوضيح نقول: إنّ الاستصحاب تارة يكون للجزئي و أخرى للكلي.

أمّا استصحاب الجزئي فمثاله استصحاب بقاء زيد في المسجد مثلا أو استصحاب بقاء الحدث الأصغر.

و أمّا استصحاب الكلي فهو على أقسام ثلاثة:

1- أن يجزم بحدوث الكلي ضمن فرد ثمّ يشك في بقائه بسبب الشك في بقاء ذلك الفرد، كما إذا علمنا بوجود الإنسان في المسجد مثلا ضمن زيد و شككنا في بقائه بسبب الشك في بقاء زيد.

و مثاله الشرعي: ما إذا جزم بحدوث كلي الحدث ضمن الحدث الأصغر ثمّ شك في بقاء الكلي بسبب الشك في بقاء الحدث الأصغر.

و في مثله لا إشكال في استصحاب الكلي، كما لا إشكال في إمكان استصحاب الجزئي فيما إذا كان هناك أثر يترتّب على كل منهما.

و هذا يصطلح عليه باستصحاب الكلي من القسم الأوّل.

2- أن يجزم بحدوث الكلي ضمن فرد، و يفترض أنّ ذلك الفرد مردّد بين القصير و الطويل فإذا مضت فترة فسوف يشك في بقاء الكلي لاحتمال كونه حادثا ضمن الفرد القصير الذي هو مرتفع بعد تلك الفترة.

مثال ذلك: ما إذا كان في مكان معيّن حيوان له خرطوم و لا ندري هو البق أو الفيل فإنه بعد مضي شهر مثلا يحصل الشك في بقاء الكلي لاحتمال كونه حادثا ضمن البق الذي لا يصلح للبقاء طيلة الفترة المذكورة.

و مثاله الشرعي: ما إذا جزم المكلف بخروج بلل منه مردد بين البول و المني، فإنه في مثله سوف يحصل له الجزم باتصافه بكلي الحدث‏

399

فإذا توضأ فسوف يشك في بقاء الحدث الكلي لاحتمال كونه حادثا ضمن الحدث الأصغر الذي يرتفع بالوضوء.

و المعروف بين الأعلام في هذه الحالة جريان استصحاب الكلي و تترتّب آثار الكلي و لا يمكن استصحاب الفرد، أي استصحاب الحدث الأصغر بخصوصه للجزم بارتفاعه و لا الحدث الأكبر للشك في أصل حدوثه.

و يصطلح على هذا باستصحاب الكلي من القسم الثاني.

3- أن يجزم بحدوث الكلي ضمن فرد معين، و يجزم بارتفاع ذلك الفرد و لكن يحتمل حدوث فرد آخر أمّا عند ارتفاع الأوّل أو مقارنا لثبوت الفرد الأوّل، فإنّه سوف يشك في بقاء الكلي لاحتمال حدوث الفرد الثاني الذي يمكن أن يبقى ضمنه.

مثال ذلك: ما إذا علم بوجود الإنسان في المسجد ضمن زيد و علم بخروجه و لكن احتمل دخول عمرو إمّا عند خروج زيد أو قبل خروجه.

و مثاله الشرعي: ما إذا جزم المكلف بكونه محدثا بالأصغر و لكن احتمل خروج المني منه في الأثناء فإذا توضأ فسوف يشك في بقاء الحدث الكلي لاحتمال بقائه ضمن الأكبر.

و يصطلح على هذا باستصحاب الكلي من القسم الثالث.

و المعروف بين الأعلام عدم جريانه- إلّا على رأي الرجل الهمداني الذي التقى به ابن سينا في مدينة همدان- لأن الكلي حينما يتحقق فهو بالحصص، فحصة من الإنسان تكون ضمن زيد، و حصة أخرى ضمن عمرو، و حصة ثالثة ضمن بكر، و هكذا، لا أنه يتحقق بوجود واحد متحد مع الجميع.

400

و هذا معنى ما يقال من أن نسبة الطبيعي إلى أفراده نسبة الآباء إلى الأبناء لا نسبة الأب الواحد إلى الأبناء المتعددين.

و بناء على هذا يلزم عدم إمكان جريان استصحاب الكلي في القسم الثالث، لأن الموجود سابقا في المسجد هو الحصة من الإنسان ضمن زيد، و هذه الحصة قد ارتفعت جزما، و أما الحصة ضمن عمرو فنشك في أصل حدوثها.

إذن الكلي بمعنى الحصة لا يمكن استصحابه، لأن إحدى الحصتين يجزم بارتفاعها، و الأخرى يشك في أصل حدوثها.

نعم يستثنى من ذلك حالة ما إذا عدّ العرف الفرد الثاني بمثابة الاستمرار و البقاء للفرد الأوّل، كما هو الحال في السواد الشديد و السواد الضعيف، فلو جزم بحدوث كلي السواد ضمن السواد الشديد، و علم بعد ذلك بارتفاع الشدة و لكن أحتمل بقاء السواد بدرجة ضعيفة، ففي مثله يجري استصحاب كلي السواد لأن العرف لا يعدّ السواد الضعيف أمرا مغايرا للسواد الشديد بل يعدّه بقاء و استمرارا له.

و باتضاح هذا نعود إلى صلب الموضوع و نقول: إنّ الجواز الكلي لا يمكن استصحابه لأنه سابقا كان حادثا ضمن الوجوب، و المفروض أننا نجزم بنسخ الوجوب، نعم نشك في حدوث الاستحباب و لكنه لا يمكن استصحابه للشك في أصل حدوثه.

إذن: الوجوب لا يمكن استصحابه للجزم بارتفاعه، و الاستحباب لا يمكن استصحابه للشك في أصل حدوثه، و كلي الجواز لا يمكن استصحابه لأنه من قبيل استصحاب الكلي من القسم الثالث، فالجواز جنس، و هو يوجد بالحصص، و حصته في الوجوب يجزم بارتفاعها، و حصته في الاستحباب يشك في أصل حدوثها.

401

إن قلت: لم لا نقول: إنّ الوجوب و الاستحباب يختلفان بالشدة و الضعف، كالسواد الشديد و الضعيف، فالوجوب طلب شديد، و الاستحباب طلب ضعيف، و قد قلنا: إنّ استصحاب الكلي من القسم الثالث يجري في مورد اختلاف الفردين بالشدة و الضعف.

قلت: إنّ الوجوب و الاستحباب و إن كانا حسب الدقة يختلفان بالشدة و الضعف كما ذكر إلّا أنّهما عرفا أمران متباينان و متغايران، و من المعلوم أنّه في باب الاستصحاب يكون المتّبع في تحديد صدق البقاء و عدمه هو العرف دون الدقة، لأن خطاب لا تنقض اليقين بالشك خطاب عرفي صدر من إنسان عرفي إلى إنسان عرفي فيرجع في تحديد مدلوله إلى العرف. (1)

توضيح المتن:

كما لا دلالة لهما: أي كما أنّه لا دلالة لدليل الناسخ و لا لدليل المنسوخ على ثبوت غير الجواز- أي الأعم و الأخص- من الأحكام الأخرى، أعني الاستحباب و الكراهة و الحرمة.

واقعا ممكن: الظاهر أنّ كلمة واقعا قيد لارتفاع، و لكن من المحتمل رجوعها إلى كلمة ممكن.

بإحدى الدلالات: أي المطابقية و الالتزامية و التضمنية.

من دليل آخر: أي غير دليل الناسخ و دليل المنسوخ.

فرد كلي: أي فرد من الكلي.

____________

(1) كان من المناسب عدم التعرّض إلى هذا البحث من أساسه لأنه بلا ثمرة و لم نعثر له على مثال واقعي.

402

مقارنا لارتفاع: أو عند وجود الفرد الأوّل. و المقصود من الآخر هو الفرد الأوّل.

و قد حققنا في محله: المناسب: و سوف نحقّق في محله، أي في مبحث الاستصحاب، و لكن لما كان (قدّس سرّه) قد حقّق هذا المطلب قبل كتابته الكفاية عبّر بما ذكر.

إنّه باق: أي إن الثاني بقاء للأوّل لا أنّه غيره.

غير الوجوب و الاستحباب: و هكذا غير الحرمة و الكراهة.

و الشدة و الضعف: عطف تفسير على قوله: (بالمرتبة).

خلاصة البحث:

لا يمكن عند نسخ الوجوب الحكم بثبوت أحد الأحكام الأخرى بما في ذلك الجواز بالمعنى الأعم إلّا بناء على جريان استصحاب الكلي من القسم الثالث، و الصحيح أنّه لا يجري إلّا في مورد التفاوت بالشدة و الضعف، و الوجوب و الاستحباب و إن كانا بحسب الدقة مختلفين كذلك إلّا أنّهما عرفا متباينان.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

فصل: ما هو الحكم الثابت بعد نسخ الوجوب؟

إذا نسخ الوجوب فلا دلالة لدليل الناسخ و لا المنسوخ على بقاء الجواز بالمعنى الأخص، كما لا دلالة لهما على ثبوت غيرهما من الأحكام، لإمكان ثبوت كل واحد من الأحكام الأربعة الباقية.

و لا مجال لاستصحاب الجواز إلّا بناء على جريانه في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي- و هو ما إذا شك في حدوث فرد