كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج2

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
589 /
403

من الكلي مقارنا لارتفاع الفرد الأوّل أو عند ثبوته، و هو لا يجري ما لم يكن الثاني المشكوك من المراتب القوية أو الضعيفة للأوّل، و واضح أنّ الوجوب و الاستحباب و إن كانا متفاوتين عقلا بالشدة و الضعف إلّا أنّهما عرفا متباينان، و نظر العرف هو المتّبع في هذا الباب.

***

404

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

405

الفصل التاسع: الوجوب التخييري‏

406

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

407

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: إذا تعلق الأمر بأحد الشيئين ...، إلى قوله: بقي الكلام في أنّه هل ...».

(1)

حقيقة الوجوب التخييري:

الوجوب تارة يكون تعيينيا، و أخرى يكون تخييريا.

مثال الأوّل: وجوب الصلوات اليومية، فإنّ وجوبها متعلّق بالصلوات اليومية بخصوصها.

و مثال الثاني: خصال الكفارة.

أمّا حقيقة الوجوب التعييني فليس فيها إجمال.

و أمّا حقيقة الوجوب التخييري فتشتمل على شي‏ء من الغموض و الإجمال، فالوجوب هل هو متعلّق بكل خصلة من خصال الكفارة أو هو متعلّق بإحدى الخصال من دون تعيين؟ و في هذا المجال توجد أقوال أربعة:

1- إنّ الوجوب متعلّق بكل خصلة من خصال الكفارة، فهو متعلّق بالعتق و بالإطعام و بالصيام، فكل واحد من الثلاثة متعلّق للوجوب، إلّا أنّ الوجوب المذكور هو وجوب بكيفية خاصة، و هذه الكيفية الخاصة و إن كانت مجهولة لنا من حيث الماهية، فلا نعرف ماهية ذلك‏

____________

(1) الدرس 148: (24/ محرم/ 1426 ه).

408

الوجوب ما هي إلّا أنّه نعرفها بواسطة آثارها، فالوجوب المذكور هو كيفية خاصة تشتمل على آثار ثلاثة: عدم جواز ترك أيّ واحدة من الخصال الثلاث إلّا إلى البدل، أعني الخصلة الأخرى، و الامتثال يحصل بفعل أيّ واحدة من الخصال الثلاث، و العصيان لا يتحقق إلّا بترك الجميع.

و نصطلح على الوجوب بالكيفية المذكورة بالوجوب التخييري.

إذن بناء على هذا القول تكون كل خصلة واجبة بالوجوب الخاص الذي نصطلح عليه بالوجوب التخييري الذي له آثار ثلاثة.

2- إنّ الوجوب متعلّق بخصلة واحدة غير معينة، أي هو متعلّق بالفرد غير المعين.

3- إنّ الوجوب متعلّق بكل خصلة وجوبا تعيينيا إلّا أنّه يسقط بفعل الخصلة الأخرى.

4- إنّ الوجوب متعلّق بالخصلة المعينة عند اللّه سبحانه الذي يعلم بأن المكلف سوف يختارها.

هذه هي الأقوال في المسألة.

هذا و المناسب التفصيل، و يمكن عدّ ذلك قولا خامسا في المسألة، و حاصله: إنّ الغرض- أو بالأحرى المصلحة و الملاك- في مثال الكفارة تارة يكون واحدا، و يفترض تحققه بكل واحد من الخصال الثلاث، فيمكن أن يحصل بهذه الخصلة أو بتلك أو بتلك، و أخرى يفترض أنّ الغرض متعدد بعدد الخصال، فهناك غرض يحصل بالعتق، كما أنّ هناك غرضا آخر يحصل بالإطعام، و غرضا ثالثا يحصل بالصيام،

409

إلّا أنّ هذه الأغراض الثلاثة هي أغراض متنافية، بمعنى أنّه إذا أوجدنا العتق مثلا و تحقق غرضه فلا يمكن إيجاد الإطعام و تحصيل غرضه. (1)

فعلى الأوّل- الذي يفترض فيه كون الغرض واحدا- يلزم أن يكون الوجوب متعلّقا بالجامع بين الخصال الثلاث و ليس بكل واحد منها، لأنّ الغرض ما دام واحدا فلا يمكن أن يحصل بكل واحد من الخصال بما هي متعددة و إلّا يلزم صدور الواحد من الكثير، و هو خلف قاعدة الواحد لا يصدر إلّا من واحد، فيلزم أن يكون الغرض الواحد صادرا من الثلاث بما هي واحد، أي يلزم أن يكون صادرا من الجامع بينها، و أعني بالجامع عنوان أحدها، فالغرض يتحقق بأحد الثلاث، و بالتالي يلزم أن يكون الوجوب منصبّا على الجامع المذكور، فهناك وجوب واحد منصب على الجامع، أعني أحدها.

أمّا لما ذا كان الواحد لا يصدر إلّا من واحد؟ ذلك باعتبار أنّه يلزم وجود سنخية و تشابه بين العلة و المعلول، إذ لو لا ذلك يلزم إمكان صدور كل شي‏ء من كل شي‏ء، أي يلزم إمكان صدور البرودة من النار مثلا، و لأجل اعتبار السنخية المذكورة يلزم عدم إمكان صدور الواحد من الكثير، فإن الواحد لا يسانخ الكثير بما هو كثير، و إنّما الواحد يسانخ الكثير بما هو واحد.

و إذا ثبت أنّ الوجوب متعلّق بالواحد، أعني الجامع، و هو عنوان أحدها فيلزم أن يكون التخيير بين الأفراد تخييرا عقليا، أي إن الوجوب‏

____________

(1) و إنما فرضت كذلك لأنّه إذا أمكن تحصيل جميعها فيلزم كون الوجوب الثابت لكل خصلة وجوبا تعيينيا لا يسقط بفعل الخصلة الأخرى و ليس تخييريا.

410

الشرعي منصبّ على واحد، و هو الجامع، غايته يحكم العقل بالتخيير بين الأفراد، باعتبار أنّها مصاديق لذلك الجامع الواحد، و بالتالي سوف يثبت أنّ النص حينما ذكر الخصال الثلاث فهو لم يذكرها من باب أنّها المتعلّق للوجوب الشرعي، بل من باب أنّها مصاديق لذلك الجامع الواحد الذي انصبّ عليه الوجوب الشرعي.

هذا كله على الأوّل، أي بناء على كون الغرض واحدا.

و على الثاني- الذي يفترض فيه وجود أغراض متعددة بعدد الأفراد و لكنها متنافية- يكون المناسب اختيار القول الأوّل من الأقوال الأربعة المتقدمة، أي يكون المناسب ثبوت الوجوب لكل فرد وجوبا تخييريا الذي لا نعرفه بماهيته و إنما نعرفه بآثاره الثلاثة.

إنّ المناسب هو اختيار القول الأوّل دون الأقوال الثلاثة الأخرى، فإنها بأجمعها قابلة للمناقشة.

أمّا القول الثاني- الذي يقول بوجوب الواحد غير المعيّن- فباعتبار أنّ الواحد غير المعيّن لا مصداق له في الخارج ليثبت له الوجوب، فإن كل ما يوجد في الخارج هو معيّن و لا يتصوّر تحقّق غير المعيّن في الخارج.

نعم مفهوم الواحد غير المعيّن يمكن تصوّره في الذهن إلّا أنّه لا يمكن تعلّق الوجوب به أيضا، إذ لا معنى لتعلّق الوجوب بمفهوم لا يمكن تحقّق مصداق له في الخارج.

هذا و يحتمل أن يكون مقصود صاحب هذا القول الثاني شيئا آخر، أي لا يقصد تعلّق الوجوب بمصداق الواحد غير المعين و لا بمفهومه، بل خانه التعبير، و هو يقصد أن يقول: إنّ الوجوب متعلّق بالجامع، أي إنه متعلّق بأحد الخصال الثلاث.

411

إنّه يحتمل أن يكون مقصوده تعلّق الوجوب بالجامع، و هو ما كنّا نختاره في حالة كون الغرض واحدا، فإنّه قلنا: إنّ المناسب بناء على وحدة الغرض تعلّق الوجوب بالجامع، إنّه نحتمل أن يكون صاحب القول الثاني يقصد هذا و لكنه خانه التعبير.

و إذا كان هذا هو مقصوده فهو شي‏ء وجيه و معقول. (1)

هذا بالنسبة إلى القول الثاني.

و أمّا القول الثالث- أعني تعلّق الوجوب التعييني بكل خصلة مع سقوطه بفعل الخصلة الأخرى- (2) فهو قابل للمناقشة أيضا، باعتبار أنّ الغرض في كل خصلة إذا كان قابلا للاستيفاء و التحصيل من دون تناف فالمناسب وجوب كل خصلة وجوبا تعيينا من دون سقوطه بفعل الخصلة الأخرى، و إذا لم يكن قابلا للاستيفاء فالمناسب وجوب كل خصلة وجوبا تخييريا- كما اخترناه- لا تعيينيا مع السقوط بفعل الأخرى. (3)

و أمّا القول الرابع- و هو تعلّق الوجوب بغير المعيّن- فباعتبار أنّ الخصلة الأخرى ما دامت ذات غرض خاص بها كالخصلة الأولى فلما ذا اختصاص الوجوب بالخصلة الأولى؟ إنّه أمر مرفوض، بل يلزم ثبوت الوجوب لكل واحدة من الخصلتين، غايته بنحو الوجوب التخييري؟

____________

(1) و كان من المناسب إضافة ما يلي: إنّه إذا كان يقصد ذلك فهو وجيه و إن كان مرفوضا، باعتبار أنّ المناسب مع فرض تعدد الغرض ثبوت وجوبين، فهذا واجب بالوجوب التخييري، و ذاك الآخر واجب بالوجوب التخييري، لا أنّ الوجوب يكون ثابتا للجامع، فإنه إنّما يكون مقبولا على تقدير وحدة الغرض لا في حالة تعدّده.

(2) قد أخّر (قدّس سرّه) هذا القول و جعله رابعا، و لكنه على خلاف الترتيب السابق.

(3) بعض نسخ الكفاية لا تشتمل على مناقشة هذا القول و حذف منها فلا بدّ من الالتفات إلى ذلك، و المناسب أن يكون مذكورا.

412

توضيح المتن:

بأحد الشيئين أو الأشياء: المناسب: بأحد شيئين أو أشياء.

بمعنى عدم جواز تركه إلّا إلى بدل: كان من المناسب ذكر الأثرين الآخرين هنا، و ستأتي الإشارة إلى مجموع الآثار الثلاثة فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

أقوال: أي أقوال أربعة.

بملاك أنّه هناك: أي بنكتة أنّه هناك.

ثمّ إنه قد فرض (قدّس سرّه) إنّ عدد الخصال اثنان و نحن قد فرضناها ثلاثا، و هو غير مهم.

هو الجامع بينهما: و هو أحدهما.

و ذلك لوضوح: هذا تعليل لقوله: كان الواجب في الحقيقة هو الجامع بينهما.

ثمّ إن المراد من الواحد الغرض الواحد.

و إن كان بملاك: هذا عطف و عدل لقوله: إن كان الأمر بأحد الشيئين.

بنحو من الوجوب يستكشف عنه تبعاته: المناسب: بنحو وجوب تكشف عنه آثاره.

ثمّ إنه كان المناسب أيضا أن يعبّر هكذا: كان المناسب القول الأوّل، أي كان كل واحد واجبا بنحو ...

فلا وجه في مثله: أي بناء على تعدد الغرض يكون المناسب القول الأوّل، و لا وجه بناء عليه للقول الثاني، أي كون الواجب هو أحدهما لا بعينه مصداقا و لا مفهوما.

413

إلّا أن يرجع إلى ما ذكرناه: العبارة تشتمل على تعقيد، و المناسب:

إلّا أن يكون مقصوده تعلق الوجوب بالجامع الذي ذكرناه في حالة وحدة الغرض.

و لا أحدهما معينا: أي لا وجه في مثله للقول بكون الواجب هو أحدهما معينا.

في أنّه واف بالغرض، فتدبر: توجد عبارة ساقطة في بعض النسخ بين كلمة بالغرض و كلمة فتدبر، و هي: و لا كل واحد منهما تعيينا مع السقوط بفعل أحدهما، بداهة عدم السقوط مع إمكان استيفاء ما في كل منهما من الغرض، و عدم جواز الإيجاب كذلك مع عدم إمكانه.

فتدبر: لعلّه إشارة إلى احتمال أن يكون مقصود القائل بالسقوط بفعل الآخر هو وجوب كل خصلة مشروطا بعدم الإتيان بالأخرى، و معه فلا يرد عليه الإشكال المتقدم.

خلاصة البحث:

هناك أقوال أربعة في حقيقة الوجوب التخييري، و المناسب التفصيل بين حالة وجود غرض واحد فيجب الجامع- لقاعدة الواحد- دون الأفراد، و بين حالة وجود أغراض بعدد الأفراد فيتعيّن القول الأوّل لورود الإشكال على الثلاثة الباقية.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

حقيقة الوجوب التخييري:

إذا تعلّق الأمر بأحد شيئين- أو أشياء- ففي وجوب كل واحد على التخيير- بمعنى عدم جواز تركه إلّا إلى الآخر- أو وجوب‏

414

الواحد لا بعينه، أو وجوب كل واحد تعيينا مع السقوط بفعل الآخر، أو وجوب المعيّن عند اللّه أقوال أربعة.

و التحقيق أن يقال: إنّ الغرض: إن كان واحدا فالواجب في الحقيقة هو الجامع- و يكون التخيير بحسب الواقع عقليا لا شرعيا- لأن الواحد لا يصدر من الاثنين بما هما اثنان ما لم يكن بينهما جامع، لاعتبار نحو من السنخية بين العلة و المعلول.

و عليه فجعلهما متعلّقين للخطاب الشرعي لبيان أنّ الواجب هو الجامع بين هذين الاثنين.

و إن كان متعددا- مع تنافيه في مقام التحصيل- فيتعيّن القول الأوّل، أي وجوب كل واحد بنحو وجوب تكشف عنه آثاره، من عدم جواز تركه إلّا إلى الآخر، و ترتب الثواب على فعل الواحد، و العقاب على ترك الجميع.

و لا وجه للأقوال الثلاثة الأخرى.

أمّا الثاني فلعدم الوجه في تعلّق الوجوب بمصداق الواحد لا بعينه و لا بمفهومه. و لعلّ المقصود تعلّقه بالجامع.

و أمّا الثالث فلبداهة عدم السقوط مع إمكان استيفاء الغرض الثابت في كل واحد، و عدم جواز الإيجاب كذلك مع عدم إمكانه، فتدبر.

و أمّا الرابع فلعدم الوجه في إيجاب أحدهما معيّنا بعد كون الآخر مثله.

***

415

قوله (قدّس سرّه):

«بقي الكلام في أنّه ...، إلى قوله: فصل في الواجب الكفائي».

(1)

هل يمكن التخيير بين الأقل و الأكثر؟

التخيير تارة يكون بين المتباينين و أخرى بين الأقل و الأكثر.

مثال الأوّل: التخيير بين خصال الكفارة.

و مثال الثاني: التخيير بين التسبيحة الواحدة و التسبيحات الثلاث في الركعتين الأخيرتين من الصلاة.

و هناك شبهة تقول: لا يمكن عقلا و لا شرعا التخيير بين الأقل و الأكثر، لأن الأقل متى ما حصل تحقّق به امتثال الوجوب، و كان الزائد آنذاك أمرا مستحبا أو مباحا و ليس واجبا لفرض تحقّق الواجب بالأقل.

و لك أن تقول: إذا تحقّق الأقل فقد سقط الأمر، و مع سقوطه لا يمكن فرض كون الأكثر واجبا.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأن هذا وجيه لو لم نفترض أنّ الغرض لا يتحقق إلّا بالأقل بحدّه أو بالأكثر بحدّه، أمّا إذا افترضنا أنّه لا يتحقق إلّا بالتسبيحة الواحدة بقيد الوحدة أو بالثلاث بقيد الثلاث مثلا و لا يتحقّق بحصول التسبيحة الواحدة كيفما اتفق- كما لو حصلت ضمن تسبيحتين- إنّه لو افترضنا هكذا فمن‏

____________

(1) الدرس 149: (26/ محرم/ 1426 ه).

416

الوجيه التخيير بين الأقل و الأكثر، فيقال: إمّا أن تأتي بتسبيحة واحدة أو بثلاث، يعني و لا تكفي الثنتان.

إذن التخيير بين الأقل و الأكثر وجيه بعد إدخال مسألة بشرط شي‏ء و بشرط لا في الحساب، أي بعد تعلّق الوجوب أمّا بالتسبيحة الواحدة بشرط عدم ضمّ تسبيحة أخرى إليها أو بشرط ضم ثنتين إليها، إنّه على هذا يكون الغرض حاصلا أمّا بالأقل بحدّه أو بالأكثر بحدّه، و لا يتحقّق بالأقل إذا لم يكن بحدّه، كما لو كان- الأقل- متحققا ضمن الثنتين.

و مثال آخر لذلك: ما إذا كان للمولى غرض في رسم خط، و كان ذلك الغرض لا يتحقّق إلّا برسم خط طوله (10 سم) أو بخط طوله (15 سم)، إنّه في مثله يكون التخيير بين رسم القصير و الطويل أمرا وجيها.

إن قلت: إنّ هذا وجيه لو لم يكن للأقل وجود مستقل و مغاير لوجود الأكثر، أما إذا كان له وجود مستقل فالتخيير لا يكون وجيها، كما هو الحال في مثال التسبيحات، فإن التسبيحة الواحدة لها وجود مستقل مغاير لوجود التسبيحات الثلاث فإذا تحققت الواحدة سقط الأمر و لا وجه لوجوب الأكثر، و كما في مثال الخط لو فرض أنّ الشخص رسم الأقل و وقف عن سحب يده قليلا ثمّ سحبها إلى الأكثر، إنّه في هذين المثالين لا يمكن التخيير بين الأقل و الأكثر لأن الأمر يسقط بتحقق الأقل فالأكثر لا يمكن أن يكون واجبا، و إنما يمكن لو لم يكن للأقل وجود مستقل، كما لو رسم الشخص الخط و لم يقف عند الأقل بل استمر بسرعة إلى الأكثر.

قلت: إنّه بعد إدخال فكرة بشرط شي‏ء و بشرط لا، يكون التخيير بين الأقل و الأكثر معقولا حتّى مع فرض وجود مستقل للأقل، فإن الآتي‏

417

بالتسبيحة الواحدة لا يسقط الأمر عنه إلّا بشرط أن لا يأتي بعد ذلك بالزيادة فإذا أتى بعد ذلك بالتسبيحة الثانية انكشف أن الأمر لم يسقط عنه و يكون الأكثر هو الواجب. (1)

ثمّ إنه بعد ما صار التخيير بين الأقل و الأكثر معقولا- أي عند أخذ فكرة بشرط شي‏ء و بشرط لا، بعين الاعتبار- نسأل: هل التخيير بين الأقل و الأكثر يكون عقليا أو شرعيا؟

و الجواب يتضح من خلال ما سبق، فإن الغرض إمّا أن يكون واحدا أو يكون متعددا.

فإن كان واحدا يلزم أن يكون الواجب هو الجامع، إذ الغرض الواحد لا يمكن أن يصدر من الأقل و الأكثر- لأن ذلك خلف قاعدة

____________

(1) هاهنا توضيحان ينبغي الالتفات إليهما:

1- إنّه نفهم من كلام الشيخ الخراساني (قدّس سرّه) إنّ التخيير لا يمكن بين التسبيحة الواحدة و الثنتين، لعدم وجود حدّ متوسط بينهما حتّى يمكن تصوّر كون الغرض مترتبا على الأقل بحدّه أو الأكثر بحدّه، و من هنا نشعر بالوجدان أنّه لا يمكن أن يقال: تجب عليك إما التسبيحة الواحدة أو الثنتان، بل في مثل ذلك يلزم أن تكون الواحدة هي الواجبة و الزيادة مستحبة.

إذن التخيير بين الأقل و الأكثر إنما يتصوّر لو كان هناك شي‏ء متوسط بين الأقل و الأكثر، إذ آنذاك يمكن إدخال فكرة بشرط شي‏ء و بشرط لا، و أما إذا لم يكن هناك حدّ متوسط فلا يمكن إدخال الفكرة المذكورة، و بالتالي لا يمكن التخيير.

2- إنّه نفهم من الشيخ الخراساني أنّه قبل بالشبهة و يراها تامة و مقبولة، حيث إنه استعان بفكرة بشرط شي‏ء و بشرط لا، و من الواضح أنّه بعد أخذ هذا بعين الاعتبار يتحوّل المورد إلى المتباينين، فإن الأقل بشرط شي‏ء يباين الأقل بشرط لا.

و بالجملة: بعد الاستعانة بالفكرة المذكورة يتحوّل المورد إلى التخيير بين المتباينين و لا يبقى مشمولا للأقل و الأكثر.

418

الواحد لا يصدر إلّا من واحد- بل يلزم أن يصدر من الجامع، أي من أحدهما و يكون هو الواجب، و بالتالي يكون التخيير بين فرديه عقليا.

و إن كان متعددا فيلزم أن يكون كل واحد منهما واجبا بالوجوب التخييري، و بالتالي يكون التخيير شرعيا.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك: إنّ هذا كله لو كان الغرض يترتّب على الأقل بحدّه و على الأكثر بحدّه، أمّا لو كان يترتب على الأقل كيفما اتفق فالواجب يكون هو الأقل فقط، و الزائد لا يكون واجبا بل يكون مستحبا أو مباحا أو حراما حسب اختلاف الموارد.

توضيح المتن:

إذا وجد كان هو الواجب ...: المناسب صياغة العبارة هكذا: فإن الأقل إذا وجد- و لو ضمن الأكثر- كان هو الواجب لا محالة.

لكنه ليس كذلك: هذا جواب الشبهة المشار إليها بقوله: (ربما يقال ...).

يكون مثله: أي مثل الأقل.

بما لا يعمّه: أي بما لا يعمّ الأكثر، أي و معه كيف يجوز تخصيص الوجوب بالأقل و عدم ثبوته للأكثر.

هبه: أي هب الإمكان.

فإنه مع الفرض: أي مع فرض أخذ الأقل إما بشرط الزائد و إما بشرط عدم الزائد.

و معه كان مترتبا: أي مع فرض الانضمام يكون الواجب ثابتا للأكثر بتمامه.

و بالجملة إذا كان كل واحد ...: هذا شروع في توضيح أنّ التخيير بين الأقل و الأكثر بعد فرض إمكانه هل هو عقلي أو شرعي.

419

على ما عرفت: أي بقوله سابقا في الكفاية (ص 226): كان كل واحد واجبا بنحو من الوجوب يستكشف عنه تبعاته.

و غيره مستحبا: أي و غير الواجب الذي هو قد يكون مستحبا أو مباحا أو محرّما، فالغير قد يكون مستحبا، كالأذكار الزائدة في الصلاة، و قد يكون محرّما، كالقران بين السورتين، و قد يكون مباحا.

خلاصة البحث:

ربما يتوهّم أنّ التخيير بين الأقل و الأكثر ليس ممكنا، لأنه بتحقّق الأقل يتحقّق الواجب و يكون الزائد ليس واجبا.

و أجاب بأنه بعد إدخال فكرة بشرط شي‏ء و بشرط لا، يكون التخيير معقولا، من دون فرق بين أن لا يكون للأقل وجود مستقل أو يكون.

و التخيير يكون عقليا إذا كان الغرض واحدا، و شرعيا إذا كان متعددا.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

التخيير بين الأقل و الأكثر:

ثمّ إنه ربما يقال بعدم إمكان التخيير بين الأقل و الأكثر، إذ الأقل إذا وجد- و لو في الأكثر- كان هو الواجب لحصول الغرض به، و الزائد لا يكون واجبا.

و يمكن الجواب بأن الغرض إذا كان قائما بالأقل بحدّه و بالأكثر بحدّه- كرسم خط يكون الغرض منه مترتبا على الطويل إذا رسم بما له من الحدّ و على القصير بما له من الحدّ- فلا محيص عن التخيير بينهما، إذ تخصيص الأقل بالوجوب آنذاك بلا وجه بعد كون الأكثر مثله.

420

إن قلت: هذا وجيه إذا لم يكن للأقل وجود مستقل ضمن الأكثر- كالخط الطويل إذا رسم دفعة بلا تخلّل سكون في البين- و إلّا حصل به الغرض، و معه يكون الزائد زائدا على الواجب.

قلت: لا يختلف الحال بذلك، فإنه مع الفرض المذكور لا يترتّب الغرض على الأقل إذا انضم إليه الزائد، و إنما يترتّب عليه بشرط عدم الانضمام، و معه يكون مترتّبا على الأكثر بتمامه.

ثمّ إن الغرض إذا كان واحدا فالواجب يكون هو الجامع، و التخيير بينهما يكون عقليا، و إذا كان متعددا فالتخيير شرعي على ما عرفت.

هذا كله إذا كان الغرض مترتبا على الأقل بحدّه و إلّا لم يكن الأكثر واجبا و عدلا للأقل بل يكون مجمعا للواجب و غيره من المستحب أو غيره حسب اختلاف الموارد.

***

421

الفصل العاشر: الوجوب الكفائي‏

422

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

423

قوله (قدّس سرّه):

«فصل في الوجوب الكفائي ...، إلى قوله: فصل لا يخفى ...».

(1) الوجوب الكفائي:

الوجوب الكفائي يقابل الوجوب العيني، و كما قد وقع الخلاف في حقيقة الوجوب التخييري كذلك وقع الخلاف في حقيقة الوجوب الكفائي من حيث إنه يتعلق بجميع المكلفين أو يتعلق ببعضهم؟

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه): إنّ الوجوب في الواجب الكفائي يتعلّق بالجميع، فوجوب الصلاة على الميت مثلا متعلّق بالجميع و ليس خاصا ببعض.

ثمّ ذكر بعد ذلك: إنّ الوجوب الكفائي يشتمل على آثار ثلاثة:

1- إنّه لو أخل الجميع بامتثاله عوقبوا جميعا، فإذا ترك الميت بلا صلاة عليه مثلا عوقب الجميع. و النكتة في ذلك واضحة، فإنّه بعد توجّه التكليف إلى الجميع يلزم استحقاق الجميع للعقاب.

2- إنّه لو أتى البعض بالواجب و امتثله سقط الوجوب عن البقية.

و النكتة في ذلك واضحة أيضا، فإنّ ذلك لازم وجود غرض واحد

____________

(1) الدرس 150: (27/ محرم/ 1426 ه).

424

يتحقق بفعل صلاة واحدة مثلا صادرة أمّا من شخص واحد أو من جميع المكلفين، فإنّه بعد كون الغرض كذلك يلزم السقوط بفعل البعض.

3- إنّه لو أتى الجميع بالواجب- بأن صلى جميع الناس على الميت مثلا- كان الجميع ممتثلا و مثابا و سقط الغرض بفعلهم جميعا، و لا يكون الامتثال و الثواب و سقوط الغرض متحققا بفعل بعضهم فإنّه بلا مرجح.

و لك أن تقول: إنّ ذلك هو مقتضى اجتماع العلل المتعددة على معلول واحد، حيث تتحول إلى علل ناقصة و يكون المجموع علة واحدة تامة، كما هو الحال في النار الواحدة، فإنها إذا كانت تسخّن الماء عند مضي ساعة فعند اجتماع نيران متعددة فسوف يسخن في فترة أقل و يكون المجموع علة واحدة تامة.

إذن من خلال هذا يتضح أنّ الوجوب الكفائي هو سنخ وجوب و كيفية خاصة يتعلق بجميع المكلفين، و له آثار ثلاثة.

***

425

الفصل الحادي عشر: الواجب المؤقّت‏

426

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

427

قوله (قدّس سرّه):

«فصل لا يخفى و إن كان الزمان ...، إلى قوله:

ثمّ إنه لا دلالة للأمر بالوقت ...».

الموسع و المضيق:

لا إشكال في أنّ كل واجب من الواجبات يحتاج إلى مقدار من الوقت ليقع فيه إلّا أنّ الوقت الذي يحتاج إليه تارة يؤخذ في لسان الدليل و يجعل الواجب محدّدا بذلك الوقت، و أخرى لا يؤخذ كذلك.

مثال الأوّل: الصلوات اليومية، حيث حدّد بعضها في لسان الدليل بما بين الزوال و الغروب‏ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ. (1)

و مثال الثاني: الصلاة على الميت، فإنّها تجب بعد الموت و لكن لم تحدّد بوقت معين من جهة الشرع.

و يصطلح على الأوّل بالمؤقت، و على الثاني بغير الموقت.

ثمّ إن المؤقت ينقسم إلى قسمين، إذ الوقت المحدد من جهة الشرع تارة يكون مساويا لمقدار ما يتطلبه العمل من وقت، و أخرى يكون أكثر، و أمّا الأقل فلا يمكن و إلّا يلزم التكليف بما لا يطاق.

و يصطلح على الأوّل بالمضيّق، و على الثاني بالموسع.

مثال الأوّل: الصوم، فإنه محدّد بما بين الزوال و الغروب، و هو يحتاج إلى ذلك من دون زيادة في زمانه.

____________

(1) الإسراء: 78.

428

و مثال الثاني: الصلاة اليومية كما هو واضح.

ثمّ إنه يوجد كلامان في الواجب الموسع:

1- إنّ للواجب الموسع أفرادا عرضية و أفرادا طويلة، فصلاة الظهر مثلا يجوز أن نأتي بها في البيت و في المسجد و في المدرسة، و هكذا، و هذه الأفراد يصطلح عليها بالأفراد العرضية أو الدفعية، لأنّ بعضها في عرض البعض الآخر من دون تقدّم بعضها على الآخر بالزمان، كما أنّه يجوز أن نأتي بصلاة الظهر في الساعة الأولى بعد الزوال، و هكذا في الساعة الثانية، و هكذا في الساعة الثالثة، و هكذا، و يصطلح على هذه بالأفراد الطولية، باعتبار أنّ بعضها في طول البعض الآخر أي متأخر عنه زمانا.

و التخيير بين الأفراد العرضية تخيير عقلي و لم يذكر خلاف من هذه الناحية، فالوجوب منصبّ على طبيعة الصلاة، و العقل يخيّر بين الإتيان بها في المسجد أو في البيت أو في المدرسة و لم ينصب الوجوب الشرعي على هذه الأفراد العرضية ليكون التخيير بينها تخييرا شرعيا.

و هذا مطلب واضح، و لم يقع إشكال من هذه الناحية، و إنما وقع من ناحية الأفراد العرضية، فربما يقال: إنّ التخيير بينها شرعي و ليس عقليا، بمعنى أنّ الشرع صبّ الوجوب على الأفراد الطولية بنحو التخيير، فهو حينما قال: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ ... (1) كأنّه قال: أقم الصلاة في الساعة الأولى أو في الساعة الثانية أو في الساعة الثالثة، و هكذا، فالوجوب لم ينصبّ على الطبيعة بل على الأفراد.

هذا ما قد يتوهم.

____________

(1) الإسراء: 78.

429

و أجاب (قدّس سرّه) بأنّا نشعر بالوجدان أو بالأحرى نشعر من خلال ظهور الأدلة بأنّ الوجوب منصبّ على طبيعة الصلاة المقيّدة بما بين الحدين و ليس على الأفراد، و إنما الأفراد هي مصاديق للطبيعة الواحدة التي تعلّق بها الوجوب بما في ذلك الأفراد الطولية و لا يختص ذلك بالأفراد العرضية.

2- قد يشكّك في إمكان الواجب الموسع و يقال: هو ليس بممكن، باعتبار أنّ فصل الوجوب هو المنع من الترك، و حيث إنه في الواجب الموسع يجوز الترك فيلزم أن لا يكون ممكنا، و بالتالي يلزم أن نلتزم باختصاص الوجوب أمّا بأوّل الوقت أو بآخره و ليس هو موسعا.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأن الواجب الموسع ممكن بل هو واقع- كما في الصلوات اليومية- و أنّ وقوعه أدل دليل على إمكانه.

و أما ما ذكر فيمكن ردّه بأن المنع من الترك هو فصل لخصوص الواجب المضيّق و ليس لكل واجب حتّى الموسع.

توضيح المتن:

بكل واحد: أي بكل واحد من المكلفين.

و إن سقط ...: هذا إشارة إلى الأثر الثاني، و ما قبله إشارة إلى الأثر الأوّل.

و ذلك لأنّه قضية: يحتمل أن يكون هذا تعليلا لخصوص الأثر الثاني، كما يحتمل أن يكون تعليلا لكلا الأثرين: الأوّل و الثاني.

كما أنّ الظاهر ...: هذا إشارة إلى الأثر الثالث.

كما هو قضية ...: يحتمل أن يكون هذا تعليلا لخصوص قوله: (و سقوط الغرض بفعل الكل)، كما يحتمل أن يكون تعليلا للكل، أي لتحقق الامتثال بفعل الجميع، و استحقاقهم المثوبة، و سقوط الغرض بفعل الكل.

430

و لا يذهب عليك ...: هذا إشارة إلى الكلام الأوّل.

إنّ الموسع كلي: الأنسب تبديل كلمة كلي بالطبيعة، أي إن الواجب الموسع هو الطبيعة التي لها أفراد عرضية و أفراد طولية.

ضرورة أنّ نسبتها: تعليل لكون التخيير بين الأفراد الطولية عقليا.

نسبتها إلى الواجب: و هو الطبيعة، أي ضرورة أنّ نسبة الأفراد الطولية إلى متعلّق الوجوب نسبة الأفراد إلى الطبيعة، فالواجب هو الطبيعة، و الأفراد الطولية هي أفراد الطبيعة الواجبة.

أفراد الطبائع إليها: أي إلى الطبائع.

و وقوع الموسع ...: هذا إشارة إلى الكلام الثاني.

التسويلات: أي التشكيكات.

خلاصة البحث:

إنّ الواجب الكفائي هو كيفية خاصة من الوجوب تشتمل على آثار ثلاثة.

و الواجب إمّا مؤقت أو غيره، و الموقت إمّا موسع أو مضيّق، و التخيير بين الأفراد الطولية للموسع عقلي لا شرعي، و الإشكال في إمكان الواجب الموسع ضعيف.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الواجب الكفائي:

الواجب الكفائي سنخ وجوب له آثار ثلاثة:

تعلّقه بالجميع الذي لازمه أنّهم لو أخلوا بامتثاله عوقبوا جميعا.

431

و سقوطه عن الباقي لو أتى به البعض لأنّه مقتضى وجود غرض واحد يتحقق بفعل واحد صادر من الكل أو البعض.

و امتثال الجميع لو أتوا به دفعة و استحقاقهم للثواب و سقوط الغرض بفعلهم، كما هو مقتضى توارد العلل المتعددة على معلول واحد.

الموقت و غيره و الموسّع و المضيق:

الزمان لا بدّ منه عقلا في كل واجب، إلّا أنّه تارة يؤخذ فيه شرعا فيكون مؤقتا، و أخرى لا يؤخذ فيه فيكون غير مؤقت.

و الزمان في المؤقت إن كان بمقدار ما يتطلبه فعل الواجب فهو مضيّق، و إن كان أوسع منه فموسّع.

و الموسّع هو الطبيعة التي يكون لها أفراد دفعية تارة و تدريجية أخرى، و التخيير بين التدريجية كالتخيير بين الدفعية عقلي.

و لا وجه لتوهّم كون التخيير بين الأفراد الطولية شرعيا بعد ما كانت نسبتها إلى الواجب نسبة الأفراد إلى الطبيعة الواجبة.

و وقوع الموسّع فضلا عن إمكانه أمر لا ريب فيه، و لا اعتناء لبعض التشكيكات كما يظهر من بعض المطولات.

***

432

قوله (قدّس سرّه):

«ثمّ إنه لا دلالة للأمر بالمؤقت ...، إلى قوله:

فصل الأمر بالأمر بشي‏ء ...».

(1)

تبعية القضاء للأداء و عدمها:

إذا تعلق الأمر بواجب مقيّد بوقت معيّن، فقيل مثلا: تجب صلاة الظهر من الزوال إلى الغروب فهل يمكن أن نستفيد من هذا الأمر وجوب القضاء خارج الوقت إذا لم يؤد داخله؟ فإن قلنا باستفادة ذلك فيصطلح عليه بأنّ وجوب القضاء تابع للأمر بالأداء أو إنّ القضاء بنفس الأمر السابق، و إن قلنا بعدم استفادة ذلك فيصطلح عليه بأن وجوب القضاء ليس تابعا للأمر بالأداء أو أنّ القضاء ليس بنفس الأمر السابق بل هو بأمر جديد.

و قد ذكر (قدّس سرّه) أنّ الأمر بالمؤقت لا يدل على لزوم القضاء بل هو مجمل من هذه الناحية و ساكت لو لم نقل بدلالته على العدم، حيث إن أخذ الوقت المعيّن و التحديد به يدل على أنّ الفعل خارج الوقت ليس بواجب، فنفس التوقيت بالوقت المعيّن يدل على عدم مطلوبية الفعل خارج الوقت.

أمّا لما ذا لا يدل الأمر بالمؤقت على وجوبه خارج الوقت؟ ذلك باعتبار أنّ الوقت يحتمل أن يكون مطلوبا بنحو وحدة المطلوب و ليس بنحو تعدّد المطلوب، أي يحتمل أن يكون المطلوب شيئا واحدا و هو

____________

(1) الدرس 151: (28/ محرم/ 1426 ه).

433

الصلاة في الوقت المعيّن لا أنّ أصل الصلاة مطلوبة و كونها في الوقت مطلوب آخر، و لأجل وجود كلا الاحتمالين- أي احتمال اعتبار الوقت بنحو تعدّد المطلوب و بنحو وحدته- صار الأمر بالموقت مجملا من هذه الناحية و لا دلالة له على وجوب القضاء خارج الوقت.

إذن الأمر بالمؤقت لا دلالة له على وجوب القضاء لأجل احتمال كون الوقت معتبرا بنحو وحدة المطلوب، نعم إذا قامت قرينة خاصة فذاك مطلب آخر، أما إذا لم تقم فيعود الأمر مجملا و يلزم آنذاك الرجوع إلى الأصول العملية، و هي تقتضي البراءة، إذ بالتالي نشك في توجّه الأمر بالقضاء، و الشك في التكليف مجرى للبراءة.

و قد يشكل و يقال: لما ذا لا نرجع إلى استصحاب بقاء الوجوب، ببيان أنّ الصلاة كانت واجبة داخل الوقت، و بعد انقضائه نشك في بقاء ذلك الوجوب السابق- إذ من المحتمل أن تكون أصل الصلاة واجبة، و فعلها في الوقت مطلوبا آخر- فنستصحب بقاءه؟

و الجواب: إنّ الوقت إذا كان ظرفا للوجوب فيمكن استصحاب بقائه، لأن معنى الظرفية أنّ الوجوب واحد، و يتيقن بثبوته في الظرف السابق و يشك في ثبوته في الظرف اللاحق- إذ الشي‏ء لا يختلف باختلاف ظرفه- فيجري استصحاب بقائه، و هذا بخلاف ما إذا كان قيدا فلا يجري استصحابه، إذ الوجوب المقيّد بما بين الزوال و الغروب يغاير الوجوب الثابت بعد الغروب، و من الواضح أنّ شرط جريان الاستصحاب وحدة المتيقن و المشكوك، و مع احتمال كون الزمان قيدا فلا يجزم بالوحدة، و بالتالي لا يمكن جريان الاستصحاب.

إذن: الأمر بالموقت لا يمكن التمسك به لإثبات وجوب القضاء و يلزم الرجوع إلى أصل البراءة دون الاستصحاب.

434

نعم هناك حالة (1) يمكن فيها التمسك بالأمر بالمؤقت لإثبات وجوب القضاء- و نكرّر يتمسك بالأمر بالمؤقت و ليس بالاستصحاب- و تلك الحالة هي ما إذا كان التقييد بالوقت قد ثبت بدليل منفصل و ليس بدليل متصل، كما لو قيل هكذا: تجب عليك الصلاة ثمّ بعد فترة قيل:

يلزمك إيقاع الصلاة ما بين الزوال و الغروب، و نفترض أنّ هذا الدليل الدال على الوقت لا يستفاد منه إلّا مدخلية الوقت بلحاظ الصلاة الكاملة التامة و لا يستفاد منه مدخليته بلحاظ أصل المطلوبية.

و بكلمة أخرى: نفترض أنّ دليل الوقت لا إطلاق له يستفاد منه مدخلية الوقت بلحاظ أصل المطلوبية و بلحاظ المطلوبية بالدرجة الكاملة، بل نفترض إجماله و إهماله من هذه الناحية و يكون القدر المتيقن منه هو المدخلية بلحاظ الصلاة ذات المرتبة الكاملة العالية، إنّه مع عدم الإطلاق لدليل الوقت يمكن أن نتمسك بدليل الواجب لو كان له إطلاق و نثبت من خلاله مطلوبية الصلاة خارج الوقت.

و هذا معناه أنّ التمسك بدليل الواجب لإثبات وجوب القضاء مشروط بشرطين:

1- ثبوت الإطلاق لدليل الواجب.

2- عدم ثبوت الإطلاق لدليل التوقيت بالوقت، إذ لو كان له إطلاق فيكون إطلاقه مقدّما على إطلاق دليل الواجب، فإن إطلاق المقيّد مقدّم على إطلاق المطلق.

____________

(1) هذه الحالة جاءت في عبارة المتن متقدمة و نحن قد أخّرناها و قدّمنا ما ذكره متأخرا لأن ذلك أولى في مقام فهم المطلب.

435

و إنما افترضنا كون دليل الوقت منفصلا لأنّه لو كان متصلا فلا يمكن آنذاك التمسك بإطلاق دليل الواجب حتّى مع إجمال دليل الوقت، لأنّ إجمال المقيّد المتصل يسري إلى دليل الواجب المطلق و يصير مجملا.

توضيح المتن:

ثمّ إنه لا دلالة ...: كان من المناسب ذكر هذا تحت عنوان مستقل، مثل تبعية القضاء للأداء.

بوجه: أي لا بالدلالة المطابقية و لا الالتزامية و لا التضمنية.

لو لم نقل بدلالته على عدم الأمر به: من باب أنّ نفس التقييد بالوقت المعيّن يدل على ذلك.

نعم لو كان التوقيت بدليل منفصل: هذا ما ذكرناه متأخرا.

لم يكن له إطلاق ...: أي و لم يكن له إطلاق يدل من خلاله على أنّ التقييد بالوقت معتبر بلحاظ أصل المطلوبية أيضا لا خصوص المطلوبية بالدرجة الكاملة العالية.

و كون التقييد ...: عطف على ثبوت الوجوب، أي و لكان مقتضى إطلاقه كون الوقت معتبرا بلحاظ المطلوب التام الكامل لا أصل المطلوب.

و بالجملة التقييد بالوقت: أي في حالة كون المقيّد متصلا، و هذا هو ما ذكرناه متقدما أثناء الشرح.

مطلوبا في الجملة: فسّره بعد ذلك بقوله: و إن لم يكن بتمام المطلوب، و لعلّ الأولى أن يقول: أي و لو بأن يكون نصف المطلوب أو ثلاثة أرباعه.

436

بهذا النحو: أي بنحو تعدّد المطلوب.

إلّا فيما عرفت: و هي حالة كون دليل الوقت منفصلا.

عدم وجوبها: المناسب: عدم وجوبه.

خلاصة البحث:

الأمر بالمؤقت لا يدل على وجوب القضاء لاحتمال كون الوقت مأخوذا بنحو وحدة المطلوب، و معه يحصل الشك في وجوب القضاء فنرجع إلى البراءة دون الاستصحاب.

نعم في حالة كون التقييد بمنفصل مع عدم الإطلاق له يصح التمسك بإطلاق دليل الواجب إن كان له إطلاق.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هل القضاء بأمر جديد؟

ثمّ إنه لا دلالة للأمر بالمؤقت بوجه على الأمر به خارج الوقت- لو لم نقل بدلالته على العدم- لاحتمال كون التقييد بالوقت هو بنحو وحدة المطلوب لا تعدده، و معه يرجع إلى البراءة دون الاستصحاب.

نعم يصح التمسك بإطلاق دليل المؤقت- إن كان له إطلاق- فيما إذا كان التقييد بالوقت بدليل منفصل لا إطلاق له، و يثبت بذلك وجوب القضاء، و بالتالي يثبت كون الوقت دخيلا في المطلوب التام دون أصل المطلوبية.

***

437

الفصل الثاني عشر: الأمر بالأمر بشي‏ء

438

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

439

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: الأمر بالأمر ...، إلى قوله فصل: إذا ورد أمر بشي‏ء ...».

(1) الأمر بالأمر:

إذا أمر الأب ولده مثلا بأن يأمر الخادم بالذهاب إلى السوق فهل هذا أمر للخادم بالذهاب إلى السوق أو لا؟

و المثال الشرعي لذلك أمر الشرع الآباء بأمر أولادهم بالصلاة إذا بلغوا سبع سنين، كما جاء في صحيحة الحلبي: «مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين»، (2) فإنه إذا كان ذلك أمرا للصبيان بالصلاة يلزم أن تكون صلاتهم شرعية، و بالتالي يلزم أن يكون فصلهم في صفوف الجماعة أمرا جائزا و تصح إجارتهم على أداء العبادات عن الغير، بينما بناء على العدم لا يصح ذلك.

و قد ذكر (قدّس سرّه) في هذا المجال: إنّ الغرض من أمر الأب إن كان واقعا هو تحقّق ذهاب الخادم إلى السوق فيلزم ذهابه و يكون أمر الأب أمرا للخادم بالذهاب إلى السوق، و بالتالي يكون توسّط أمر الولد ليس إلّا من باب التبليغ، كما هو الحال في أمر اللّه سبحانه رسله و أنبياءه بتبليغ الأحكام، فإن دورهم دور التبليغ لا أكثر و يلزم العباد امتثال تلك الأحكام.

____________

(1) الدرس 152: (1/ صفر/ 1426 ه).

(2) وسائل الشيعة: الباب 3 من أبواب اعداد الفرائض/ الحديث 5.

440

هذا إذا كان الغرض متعلّقا بتحقق الذهاب إلى السوق.

و أمّا إذا كان متعلّقا بنفس إصدار الولد للأوامر- لكي يصير بذلك ذا شخصية مثلا- أو كان متعلّقا بالذهاب إلى السوق و لكن مقيّدا بإصدار الولد للأمر، مع فرض عدم إصداره للأمر فلا يجب على الخادم الذهاب إلى السوق، كما هو واضح.

و مع وجود هذين الاحتمالين و حصول التردّد لا يمكن أن نجعل الأمر بالأمر دليلا على الأمر بذلك الشي‏ء إلّا إذا فرض قيام قرينة خاصة على ذلك. (1)

***

____________

(1) يمكن أن يقال: إنّ نفس ورود الأمر في لسان الشرع يتولّد بسببه ظهور في كون المقصود من الواسطة مجرد التبليغ.

441

الفصل الثالث عشر: الأمر قبل امتثال الأمر الأوّل‏

442

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

443

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: إذا ورد أمر بشي‏ء ...، إلى قوله: المقصد الثاني ...».

الأمر بعد الأمر:

إذا صدر الأمر مرتين من دون توسّط الامتثال بينهما فهل يحمل الأمر الثاني على التأكيد أو على التأسيس؟

مثال ذلك: إذا قال المولى: كفّر إن أفطرت متعمدا، ثمّ قبل أن يمتثل المكلف قال ثانية: كفّر إن أفطرت متعمدا فهل يلزم على العبد التكفير مرتين أو تكفيه مرة واحدة؟

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه): إنّ المولى حيث لم يقيّد الكفارة و لم يقل كفّر مرة ثانية فيفهم من إطلاق الكفارة (1)- بمعنى عدم تقييدها بالمرة الثانية- أنّ المتعلّق في كلا الأمرين واحد، و هو طبيعة الكفارة، و بما أنّ الشي‏ء الواحد لا يمكن أن يتعلق به أمران تأسيسيان فيلزم أن يكون الأمر الثاني تأكيدا للأمر الأوّل.

____________

(1) و بتعبير آخر: يفهم من إطلاق المادة، فإنّ كلمة كفّر مركبة من هيئة- و هي هيئة افعل الدالة على الوجوب- و مادة، و المادة عبارة عن المصدر، و هو الكفارة، فالكفارة هي المادة، و مقتضى إطلاقها و عدم تقييدها بالمرة الثانية يفهم أنّ المتعلّق للأمر شي‏ء واحد، و هو طبيعي الكفارة.

444

و لا يشكل على هذا بأنّ مقتضى إطلاق المادة- أعني الكفارة- و إن كان هو ذلك، أي التأكيد، إلّا أن مقتضى الهيئة كون الطلب طلبا جديدا قصد به التأسيس دون التأكيد، فحينما يقال: كفّر فالمفهوم تعلّق طلب جديد بالكفارة، و هذا التأسيس المستفاد من هيئة الأمر ينافي التأكيد الذي استفدناه من إطلاق المادة.

و يمكن الجواب: إنّ الهيئة و إن اقتضت كون الطلب تأسيسيا و لكن ذلك يختص بحالة عدم سبق الهيئة بمثلها و إلّا لم يكن ظاهرها التأسيس بل التأكيد، و المفروض أنّ الهيئة في مقامنا هي مسبوقة بمثلها فلا تكون ظاهرة في التأسيس. (1)

***

____________

(1) المناسب حذف هذا البحث من أساسه لأنه لم نعثر على مثال واقعي له، و ليس له ثمرة.

445

المقصد الثاني: النواهي‏

1- مادة النهي و صيغته.

2- مبحث اجتماع الأمر و النهي.

3- اقتضاء النهي للفساد.

446

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

447

الفصل الأوّل: مادة النهي و صيغته‏

448

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

449

قوله (قدّس سرّه):

«المقصد الثاني ...، إلى قوله: ثمّ إنه لا دلالة لصيغته على الدوام ...».

مادة النهي و صيغته:

ذكر (قدّس سرّه) أنّ مادة النهي و صيغته تشابه مادة الأمر و صيغته، فكما أن الأمر بمادته و صيغته يدل على الطلب كذلك النهي مادة و صيغة.

و المراد من مادة الأمر كلمة الأمر و مشتقاتها، فكلمة امر و يأمر و أمر تدل على الطلب.

و المراد من صيغة الأمر صيغة افعل، مثل: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ. (1)

و المراد من مادة النهي كلمة النهي و مشتقاتها، فكلمة نهى و أنهى و نهي تدل على الطلب.

و المراد من صيغة النهي صيغة لا تفعل، مثل لا تشرب الخمر.

إنّ الأمر مادة و هيئة كما يدل على الطلب كذلك النهي مادة و هيئة، نعم متعلّق الطلب في الأمر هو الفعل بينما متعلّقه في النهي هو الترك.

و لازم هذا التشابه أنّ كل ما هو معتبر في الأمر يكون معتبرا في النهي، فكما أنّه يلزم في الأمر أن يكون الطلب صادرا من العالي و بنحو اللزوم فكذلك في النهي، فهو يدل على طلب الترك الصادر من العالي بنحو اللزوم.

____________

(1) البقرة: 43.

450

و لا يوجد بحث مستقل في باب النهي- أي غير ما تقدم في باب الأمر- إلّا بحث واحد، و هو أنّ متعلّق الطلب في باب النهي هل هو الترك أو الكف و الزجر؟

و الفارق بينهما أن الترك أمر عدمي بينما الكف أمر وجودي، فالإنسان إذا كان الخمر موضوعا أمامه و كان يرغب في شربه و لكنه يمنع نفسه من تناوله فذلك عبارة عن كفّ النفس و زجرها، أمّا إذا لم يكن أمامه أو لم يرغب في تناوله فذلك عبارة أخرى عن الترك، فأنا و أنت يصدق علينا الترك و لا يصدق علينا الكفّ.

و المناسب كون النهي عبارة عن طلب الترك لا طلب الكف، لأن مثلي و مثلك يصدق بالوجدان أنّه ممتثل لخطاب النهي عن شرب الخمر، فلو كان موضوعا لخصوص طلب الكف لم يصدق أننا ممتثلون، إذ لا خمر أمامنا و لا شوق إليه، فيلزم أن يكون موضوعا لطلب الترك.

و قد يقال: إنّه لا يمكن أن يكون موضوعا لطلب الترك، إذ الترك أمر عدمي، و هو متحقق من الأزل- أي من القدم- فترك شربنا للخمر ثابت قبل أن نخلق، و معه كيف يكون الطلب متعلّقا بالترك؟ إنّه يلزم من ذلك طلب تحصيل ما هو حاصل، فإنّ الترك متحقّق من البداية فلو كان هو المطلوب يلزم ما ذكر.

و لك أن تقول: إنّ الترك بعد كونه متحققا سابقا لا يكون طلبه طلبا لما هو مقدور، فإنه أمر متحقق، و القدرة لا يمكن تعلّقها بتحقيق ما هو متحقق.

و الجواب: إنّه نوجّه سؤالنا إلى الفعل، و نقول: هل فعل شرب الخمر أمر مقدور؟ جزما هو مقدور، و إذا كان مقدورا فيلزم من ذلك‏

451

القدرة على الترك أيضا، إذ القدرة لا يمكن تعلّقها بأحد الطرفين إلّا إذا كان الطرف الثاني مقدورا، فالفعل لا يكون مقدورا إلّا إذا كان الترك مقدورا، و أمّا إذا لم يكن مقدورا فالفعل لا يكون مقدورا أيضا بل يكون الشخص مضطرا إلى الفعل.

و أمّا ما ذكر من أنّ الترك أمر أزلي فكيف تتعلّق به القدرة فجوابه إنّ المطلوب بالنهي ليس هو إحداث العدم ليقال: إنّه أزلي، و كيف يطلب إيجاد ما هو متحقق، و إنما المطلوب به استمرار العدم و عدم خرمه بإيجاد الفعل، و معه فلا إشكال.

توضيح المتن:

لو كان الغرض حصوله: أي حصول ذلك الشي‏ء، و هو الذهاب إلى السوق في المثال المتقدم.

كما هو المتعارف في أمر الرسل بالأمر و النهي: أي بتبليغ الأوامر و النواهي.

من دون تعلّق غرضه به: أي بتحقّق ذلك الشي‏ء.

بل بعد تعلّق أمره به: أي مع فرض عدم صدور الأمر من الوسيط.

قبل امتثاله: و أما بعد امتثاله فلا إشكال في أنّه تأسيس آنذاك.

قضية إطلاق المادة: أي مقتضى عدم تقييد المادة بالمرة الثانية.

و المنساق من إطلاق الهيئة: أي المفهوم من إطلاق الهيئة. و المناسب حذف كلمة إطلاق، إذ لا معنى لها في المقام إلّا بأن تكون بمعنى الاستعمال.

و لم يذكر هناك سبب: مثل كفّر كفّر، و مثال ذكر سبب واحد ما تقدم في مثال الكفارة.

452

و كون العدم الأزلي: أي و أمّا ما أفيد في وجه الاستحالة فيرده ...

لا يوجب أن يكون كذلك: أي لا بالاختيار.

خلاصة البحث:

إنّ الأمر بالأمر- بعد كون الغرض منه ذا احتمالين- لا يدل على الأمر بالشي‏ء إلّا بقرينة.

و الأمر بعد الأمر يقتضي التأكيد بمقتضى إطلاق المادة، و لا يعارض بالتأسيس المفهوم من الهيئة، فإنه يختص بما إذا لم تسبق بمثلها.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الأمر بالأمر:

الأمر بالأمر بشي‏ء أمر به لو كان الغرض حصوله و لم يكن غرض في التوسيط إلّا تبليغ الأمر، كما هو المتعارف في أمر الأنبياء بأمر الناس و نهيهم، و أما لو لم يكن الغرض ذلك- أو كان و لكن لا مطلقا بل بعد تعلّق الأمر به- فلا يكون أمرا بذلك الشي‏ء.

و مع وجود الاحتمالين المذكورين فلا دلالة للأمر بمجرده على كونه أمرا بالشي‏ء بل لا بدّ من القرينة الخاصة.

الأمر بعد الأمر:

إذا ورد أمر بشي‏ء بعد الأمر به قبل امتثاله فهل يقتضي ذلك التكرار أو تأكيد الأمر الأوّل؟ مقتضى إطلاق المادة- و عدم التقييد بالمرة الثانية- وحدة المتعلّق الذي لازمه التأكيد لاستحالة تعلّق طلبين بالشي‏ء الواحد بنحو التأسيس.

و المنساق من الهيئة و إن كان هو التأسيس إلّا أنّ ذلك يختص بما إذا لم تسبق بمثلها.