كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
453

أن يظهر الحكم أو استمراره: الأوّل هو في النسخ قبل وقت العمل، و الثاني هو في النسخ بعد وقت العمل.

لعلّه يكون أمر إبراهيم: التعبير بلعلّ هو من جهة احتمال أن يكون إبراهيم مأمورا من البداية بالمقدمات دون الذبح نفسه حتّى يقال بأن إبراهيم لم يكن عالما بكون الأمر بالذبح مؤقتا و محدّدا.

و لو كان قبل حضور ...: هذا بيان للإطلاق، و التقدير: أي و لو كان ...

لعدم لزوم البداء ...: بفتح الباء و ليس بكسرها. و البداء المحال هو ما كان بمعنى ظهور ما خفي، و هو الذي يستلزم تغيّر الإرادة مع اتحاد الفعل ذاتا و عنوانا، بخلاف البداء، بمعنى إظهار ما أخفى فإنه لا محذور فيه. و قوله: (و جهة) أي و عنوانا.

و إلّا لزم: المناسب: و لا لزوم ... ثمّ إن هذا تعليل لعدم لزوم الإشكال الثاني، و ما قبله إشارة إلى عدم لزوم الإشكال الأوّل.

فإن الفعل ...: هذا تقرير و توضيح للإشكال. و قوله: (و ذلك ...) توضيح لدفع الإشكال. و قوله: (موجبة للأمر به)، أي بنحو الاستمرار.

و لم يكن الأمر بالفعل ...: هذا توضيح لاندفاع الإشكال الثاني، و ما قبله توضيح لاندفاع الإشكال الأوّل.

خلاصة البحث:

إن النسخ قبل وقت العمل ممكن لأنه بحسب الحقيقة و الواقع ليس رفعا للحكم المستمر بل بيان لكونه محدودا بوقت معيّن، و هو بهذا المعنى كما يمكن بعد وقت العمل كذلك يمكن قبله.

كما أنه بناء على هذا المعنى للنسخ يندفع الإشكالان الموردان عليه.

454

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

بحث عن النسخ:

و لا بأس بصرف الكلام إلى ما هو نخبة القول في النسخ.

اعلم أن النسخ و إن كان رفع الحكم الثابت إثباتا إلّا أنه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتا و إنما اقتضت الحكمة إظهار دوامه أو أصل إنشائه رغم أنه في الواقع ليس كذلك.

و معه فلا بأس به و لو قبل وقت العمل لعدم لزوم البداء المستحيل الموجب لتغيّر الإرادة مع اتحاد الفعل ذاتا و عنوانا و لا لزوم امتناع النسخ أو الحكم المنسوخ- فإن الفعل إن كان مشتملا على مصلحة موجبة للأمر به مستمرا امتنع نسخه و إلّا امتنع الأمر به- و ذلك لأن الفعل أو دوامه ليس متعلّقا للإرادة حتّى يلزم التغيير فيها، كما أنه لم يكن الأمر بالفعل من جهة كونه مشتملا على مصلحة و إنما كان أصل الإنشاء أو إظهار الدوام لحكمة و مصلحة.

***

455

قوله (قدّس سرّه):

«و أما البداء في التكوينيات ...، إلى قوله:

المقصد الخامس».

(1)

مبحث حول البداء:

البداء و النسخ شي‏ء واحد، فكلاهما رفع إلّا أن النسخ رفع للأحكام الشرعية بينما البداء رفع للأمور التكوينية، فنزول العذاب على قوم يونس مثلا أمر تكويني فإذا رفع بعد ذلك بسبب توبتهم كان ذلك بداء.

و فيما سبق قد بحث المصنف (قدّس سرّه) عن النسخ بشكل موجز و الآن يبحث عن البداء بشكل موجز أيضا.

و حاصل ما ذكره أنه قد جاءت روايات كثيرة تؤكّد نسبة البداء إلى اللّه سبحانه، من قبيل: «ما عبد اللّه بشي‏ء مثل البداء»، (2) «ما عظّم اللّه بمثل البداء»، (3) «ما بعث اللّه نبيا حتّى يقرّ بالبداء»، (4) «ما بعث اللّه نبيا حتّى يأخذ عليه ثلاث خصال: الاقرار بالعبودية، و خلع الأنداد، و أن اللّه يقدّم‏

____________

(1) الدرس 233: (17/ شوال/ 1426 ه).

(2) الكافي 1: 146/ 1.

(3) الكافي 1: 146/ ذيل الحديث 1.

(4) الكافي 1: 148/ 15.

456

ما يشاء و يؤخّر ما يشاء»، (1) «لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه»، (2) إلى غير ذلك.

و ما ذا يقصد من لفظ البداء الوارد في هذه الروايات الكثيرة؟ فهل يقصد به معناه المعروف، و هو ظهور ما خفي؟ كلا، إنه لا يقصد هذا جزما، كيف و لازم ذلك جهله تعالى عن ذلك علوا كبيرا؟! و إنما المقصود به إظهار ما أخفاه، فإن القضاء الإلهي هو على نحوين: قضاء حتمي و قضاء معلّق، و النفس المباركة للنبي أو الولي إذا اتصلت بعالم القضاء الحتمي المعبّر عنه بعالم أمّ الكتاب‏ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ فسوف تتطلع على التقادير الإلهية الحتمية و لكنه أحيانا قد تتصل بعالم القضاء المعلّق المعبّر عنه بلوح المحو و الإثبات‏ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ‏ (3) فتطّلع على التقدير الإلهي و يأخذ النبي أو الولي بالإخبار عنه من دون أن يتم الاطلاع على كونه معلّقا على شرط معيّن، فإذا حصل ذلك الشرط فيرتفع ذلك التقدير الإلهي و يتضح للناس شي‏ء كان قد خفي عليهم و يعبّر آنذاك بالبداء و الحال أن ذلك في واقعه ليس ببداء بل هو إبداء، أي هو إظهار لمطلب كان قد اخفي على الناس.

و إذا قلت: لما ذا سمّي إذن بالبداء و الحال هو إبداء؟

قلت: لمشابهته و قربه للبداء.

عود على بدء:

إلى هنا فرغنا من النسخ و البداء و نعود الآن إلى موضوعنا السابق، و هو دوران أمر الخاص بين النسخ و التخصيص.

____________

(1) الكافي 1: 147/ 3.

(2) الكافي 1: 148/ 12.

(3) الرعد: 39.

457

و قد ذكرنا أنه لو تقدّم العام فالخاص المتأخر يدور أمره بين أن يكون مخصّصا أو ناسخا.

هذه حالة.

و هناك حالة ثانية، و هي أن يتقدّم الخاص و يتأخر العام، فإن الأمر يدور بين أن يكون الخاص مخصّصا أو يكون العام ناسخا.

و قد يقال: ما هي الثمرة للدوران بين التخصيص و النسخ؟ ففي الحالة الأولى مثلا إذا ورد الخاص المتأخر و قال: لا تكرم الفقير الفاسق فالفاسق لا يجوز إكرامه سواء فرض أن الخاص مخصّص أو ناسخ، و لا فرق من هذه الناحية، فما هي ثمرة هذا البحث؟

و في مجال الجواب عن هذا نقول: انه في الحالة الأولى لو كان الخاص المتأخر- لا تكرم الفقير الفاسق- مخصّصا فسوف يكون الفقير الفاسق خارجا من حكم العام- أي من وجوب إكرام الفقير- بلحاظ جميع الأوقات، فلا يجوز إكرام الفاسق الفقير في أي وقت من الأوقات، و هذا بخلافه بناء على النسخ، حيث يجب إكرام الفقير الفاسق إلى أن يصدر الخاص، فإذا صدر فيرتفع آنذاك وجوب الإكرام.

إذن في الفترة المتخللة بين صدور العام إلى حين صدور الخاص يجب إكرام الفقير الفاسق، و إنما يرتفع عنه عند صدور الخاص المتأخر.

هذا في الحالة الأولى.

و أما في الحالة الثانية فالخاص المتقدّم إذا كان مخصّصا فالفقير الفاسق لا يجوز إكرامه في جميع الأوقات، و من هذه الناحية لا فرق بين الحالة الأولى و الحالة الثانية.

458

و أما إذا بني على النسخ فالفقير الفاسق لا يجوز إكرامه إلى حين صدور العام.

إذن بناء على التخصيص لا يوجد فرق بين الحالة الأولى و الحالة الثانية، ففي كلتيهما لا يجوز إكرام الفقير الفاسق في جميع الأوقات، و الفرق يظهر بناء على النسخ، ففي الحالة الأولى يجب إكرام الفقير الفاسق في الفترة المتخللة إلى أن يصدر الخاص فيحرم الإكرام، بينما في الحالة الثانية لا يجوز إكرام الفقير الفاسق في الفترة المتخللة إلى أن يصدر العام فيجب آنذاك إكرامه. (1)

____________

(1) توضيح يرتبط بالبداء:

فكرة البداء قد وقعت محلا للخلاف، فاليهود مثلا ذهبوا إلى استحالته و قالوا: إن القضاء الإلهي إذا تقرر و ثبت فلا يمكن تبديله و انعقاد المشيئة الإلهية بخلافه.

و ممن أنكر فكرة البداء العامة و شنّعوا على الشيعة بقولهم بإمكان البداء.

و قد تابع الشيعة في قولهم بإمكان البداء أئمّتهم من أهل البيت (عليهم السّلام)، حيث جاءت الروايات الكثيرة التي تؤكّد الفكرة المذكورة.

و توجد في المقام تساؤلات ثلاثة هي:

1- ما هو الأساس الذي تقوم عليه فكرة البداء؟

2- هل فكرة البداء تستلزم الجهل على اللّه سبحانه؟

3- لما ذا التأكيد الشديد من قبل أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) على فكرة البداء حتّى قيل: «ما عبد اللّه بشي‏ء مثل البداء» (الكافي 1: 146/ 1)، «ما عظّم اللّه بمثل البداء»؟ (الكافي 1: 146/ ذيل الحديث 1).

أما بالنسبة إلى السؤال الأوّل: فجوابه أن فكرة البداء تقوم على أساس أن جميع العالم هو تحت قبضة اللّه سبحانه و إرادته و مشيته، فلو فرض أن القضاء الإلهي عند جريانه و انعقاده على شي‏ء لا يمكن طرو أي تغيير عليه فذلك يعني أن العالم خارج عن اختيار اللّه سبحانه في مرحلة البقاء. و من هنا ردّ عزّ و جلّ على اليهود- حينما قالوا بعدم إمكان طرو التغيير على القضاء الإلهي- بقوله: وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ (المائدة: 64).-

459

____________

- و في الحديث: «قالت اليهود: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ يعنون أن اللّه قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئا فقال اللّه عزّ و جلّ: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا». (بحار الأنوار 4: 96).

و في حديث آخر: «ردّ اللّه عليهم فقال: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ أي يقدّم و يؤخّر، و يزيد و ينقص، و له البداء و المشيئة». (بحار الأنوار 4: 98).

و أما بالنسبة إلى السؤال الثاني: فالبداء لو كان يقصد به ظهور ما خفي لزم الجهل على اللّه سبحانه، و لكنه يتحتّم أن نفسّره بغير هذا، أي بإظهار ما أخفاه، فقد يخفي سبحانه أن القضاء معلّق على أن لا يتحقّق شي‏ء معيّن فإذا اتضح التعليق و ارتفاع القضاء سمي ذلك بالبداء تسامحا، فإنه حقيقة إبداء لا بداء.

و للتوضيح أكثر نقول: إن القضاء الإلهي على نحوين: حتمي لا يقبل التغيير و معلّق يقبل ذلك. و قد أشار القرآن الكريم إلى هذين النحوين بقوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ، و هو إشارة إلى الأوّل، وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ و هو إشارة إلى الثاني.

و البداء لا يقع في القضاء الإلهي الحتمي، فإنه لا يقبل التغيير حسب الفرض و إنما يقع في الثاني.

و قد جاء في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنه قال: «لو لا آية في كتاب اللّه لأخبرتكم بما كان و بما يكون و بما هو كائن إلى يوم القيامة، و هي هذه الآية:

يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ». (بحار الأنوار 4: 97).

و بعد هذا فمن الغريب التشنيع على الشيعة بأنهم يقولون بالبداء بمعنى ظهور ما خفي، فلاحظ كلام الرازي في هذا المجال.

حيث ذكر عند تفسير آية (39) من سورة الرعد ما نصه: (المسألة الخامسة: قالت الرافضة: البداء جائز على اللّه تعالى، و هو أن يعتقد شيئا ثمّ يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، و تمسكوا فيه بقوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ.

و اعلم أن هذا باطل، لأن علم اللّه من لوازم ذاته المخصوصة، و ما كان كذلك كان دخول التغيير و التبدل فيه محالا).-

460

توضيح المتن:

بغير ذاك المعنى: أي بغير المعنى المستحيل، و هو ظهور ما خفي، و ذلك المعنى الغير هو إظهار ما أخفى.

و مجمله أن ...: لا يخفى أنه (قدّس سرّه) قد أكثر في الألفاظ و العبائر بلا حاجة إلى ذلك، فإن المعنى الذي يريد (قدّس سرّه) بيانه هو أقل من الألفاظ التي ذكرها.

مع علمه بأنه ...: أي مع علم النبي و الولي.

لما أشير إليه ...: أي في مبحث النسخ.

عارفا على الكائنات: المناسب: عارفا بالكائنات.

نعم مع ذلك: أي مع كونه قد يطّلع على ما كان و يكون.

ربما يوحى إليه حكم ...: لا معنى للتعرّض إلى ايحاء الحكم، إذ أن كلامنا هو في البداء الذي يكون في الأمور التكوينية و ليس كلامنا في النسخ الذي يكون في الأحكام الشرعية.

____________

- ثمّ إنه باتضاح هذا يتضح معنى البداء في قضية إسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السّلام) و السيد محمّد بن الإمام الهادي (عليهما السّلام)، فإن مما توارثه الشيعة و كان من الأمور الواضحة بينهم هو أن الإمامة تنتقل إلى الولد الأكبر للإمام السابق، فلما توفي إسماعيل اعتقد البعض أنه لم يمت لأنه الإمام (عليه السّلام) و كان قد خفي عليهم أن ذلك مشروط بعدم موت الولد الأكبر في حياة أبيه، و هكذا بالنسبة إلى السيد محمّد (عليه السّلام)، فإن الشيعة- أعزّهم اللّه تعالى- كانوا يتصوّرون أنه هو الإمام لأنه الولد الأكبر، فمعنى بدا للّه سبحانه في أمر السيد محمّد هو أنه أظهر ما كان قد أخفاه.

و أما بالنسبة إلى السؤال الثالث: فالتأكيد على فكرة البداء ينشأ من ابتناء بعض الأسس و الثوابت الإسلاميّة عليها، فمثلا فكرة الدعاء و الصدقة و صلة الرحم هي من الأفكار الأساسية في الإسلام، و إذا أنكرنا إمكان البداء فلا معنى للدعاء، إذ لا يمكن حصول التغيير بعد انعقاد القضاء الإلهي، و هكذا لا معنى لدفع الصدقة لدفع البلاء، أو لزيادة العمر بسبب صلة الرحم.

461

في الاستمرار و الدوام ...: هذا ناظر إلى النسخ بعد وقت العمل، و ما قبله ناظر إلى النسخ قبله.

كما أنه قد يؤمر وحيا: كان من المناسب الاقتصار على الإشارة إلى هذا، فإنه الذي يرتبط بالبداء الخاص بالأمور التكوينية.

في هذا الاخبار: أي بوقوع العذاب أو غيره.

أو ذاك الإظهار: أي إظهار استمرار الحكم أو أصل انشائه.

و يبدي ما خفي ثانيا: أي يبدي ثانيا ما كان قد أخفاه.

لكمال شباهة إبدائه تعالى كذلك: أي بمعنى إظهار ما أخفى.

ثمّ لا يخفى ثبوت ...: هذا عود على بدء، و هو بيان لثمرة الدوران بين التخصيص و النسخ.

ضرورة أنه على التخصيص: هذا إشارة إلى الحالة الأولى.

رأسا: أي في جميع الأوقات.

و على النسخ على ارتفاع حكمه: أي ارتفاع حكم العام- و هو وجوب إكرام كل فقير- عن الخاص من حين صدور الخاص.

و أما إذا دار بينهما ...: هذا إشارة إلى الحالة الثانية.

و على النسخ كان محكوما به ...: أي كان الخاص- و هو الفقير الفاسق- محكوما بحكم العام، يعني وجوب الإكرام من حين صدور العام المتأخر.

خلاصة البحث:

إن البداء قد دلت عليه روايات كثيرة و لا بدّ من تفسيره بالإبداء، أي إظهار ما اخفي، و إلّا فهو بمعنى ظهور ما خفي مستحيل في حقه تعالى.

462

ثمّ إن الثمرة في الدوران بين التخصيص و النسخ لا تظهر بناء على التخصيص و إنما تظهر بناء على النسخ، ففي الفترة المتخللة يجب في الحالة الأولى إكرام الفقير الفاسق و يرتفع الوجوب عند صدور الخاص، بينما في الحالة الثانية لا يجوز إكرامه إلى أن يصدر العام فيجب.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

بحث عن البداء:

و أما البداء بغير المعنى المستحيل فهو مما دلّت عليه الروايات المتواترة.

و إجماله أنه قد تتعلّق مشيته تعالى بإظهار ثبوت ما يمحوه لحكمة داعية إلى إظهاره، و النبي أو الولي إذا أخبر عنه ربما لا يكون مطّلعا على كونه معلّقا يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ، فثبوت البداء له سبحانه هو بمعنى أنه يظهر ما أخفاه. و إنما نسب إليه تعالى البداء مع أنه في الحقيقة الإبداء لكمال شباهة إبداءه تعالى بالبداء في حقّ غيره.

عود على بدء:

ثمّ لا يخفى ثبوت الثمرة بين التخصيص و النسخ، فإذا كان الخاص متأخرا يبنى بناء على كونه مخصّصا على خروجه عن حكم العام رأسا، و بناء على كونه ناسخا يبنى على عدم خروجه عنه إلى أن يصدر الخاص نفسه. و إذا كان الخاص متقدّما فالحكم على التخصيص كذلك، و على النسخ يشمله حكم العام من حين صدور العام نفسه.

***

463

المقصد الخامس: المطلق و المقيّد و المجمل و المبيّن‏

464

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

465

قوله (قدّس سرّه):

«المقصد الخامس ...، إلى قوله: و منها علم الجنس ...».

(1)

المطلق و المقيّد:

عرّف المطلق بأنه ما دلّ على شائع في جنسه، فلفظ رقبة في قولك: أعتق رقبة مثلا يدل على رقبة واحدة شائعة في جنس الرقبة، أي المطلوب رقبة واحدة غير معيّنة في جنس الرقبة، إن مثل هذا هو المطلق.

و قد اشكل على هذا التعريف صاحب الفصول و قال: إنه ليس بطارد للأغيار و لا بشامل لجميع أفراده.

أما أنه ليس بطارد للأغيار فذلك كما في كلمة أي في مثل قولك:

أعتق أي رقبة، فإنها تدل على فرد شائع أيضا و لكنها ليست مصداقا للمطلق بل هي مصداق للعموم، لأنها تدل على الفرد الشائع بسبب الوضع، أي إن كلمة أي هي موضوعة لإفادة العموم البدلي.

و أما أنه ليس بشامل لجميع أفراده فذلك كما في كلمة البيع في مثل قوله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ، فإنها مصداق للمطلق و لكنها لا تدل على فرد شائع بل على الاستغراق، فالذي امضي شرعا هو جميع أفراد البيع.

هذا ما اشكل به على التعريف المذكور.

و لكن تقدّم في أكثر من مورد أن مثل هذه التعاريف تعاريف لفظية يقصد بها شرح الاسم، من قبيل سعدانة نبات، و السناء دواء،

____________

(1) الدرس 234: (18/ شوال/ 1426 ه).

466

و ليست هي حدودا، و من الواضح أن الإشكال بعدم الاطراد أو بعدم الانعكاس يختص بالتعاريف الحقيقية، أي التي يقصد بها بيان الحقيقة لا مجرد توضيح اللفظ من خلال تبديله بلفظ آخر.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أن الأولى ترك التعرّض إلى التعريف و الانشغال ببيان معاني بعض الألفاظ التي هي من المطلق أو من غيره.

اسم جنس:

وقع الكلام في المعنى الموضوع له في باب أسماء الأجناس.

و في البداية لا بدّ أن نعرف ما ذا يقصد من اسم الجنس. إن المقصود من الجنس كل طبيعة من الطبائع، فالماء طبيعة، و الإنسان طبيعة، و الحيوان طبيعة، و هكذا، و الألفاظ الدالة على هذه الطبائع هي عبارة أخرى عن أسماء الأجناس.

و باتضاح هذا نقول: هل اسم الجنس مثل رجل موضوع للطبيعة بشرط العموم و السريان أو أنه موضوع للطبيعة الملحوظة بنحو اللابشرط من ناحية الطول و القصر مثلا، و من ناحية العلم و الجهل، و هكذا؟

الصحيح أن اسم الجنس موضوع لذات الطبيعة من دون ملاحظة أي شي‏ء معها، فلا شرط السريان و العموم ملحوظ و لا اللابشرط ملحوظ.

و يصطلح على الطبيعة التي لم يلحظ معها أي شي‏ء بالماهية المهملة أو الماهية بنحو اللابشرط المقسمي. (1)

____________

(1) الذي هو يقابل اللابشرط القسمي. و الفرق بينهما أن الماهية تارة تلحظ بشرط العلم مثلا، و أخرى بشرط عدم الجهل مثلا، و ثالثة لا بشرط من حيث العلم و الجهل. و يصطلح على الأولى بالماهية بشرط شي‏ء، و على الثانية بالماهية بشرط لا، و على الثالثة بالماهية بنحو اللابشرط القسمي، فإن هذا اللابشرط هو قسم كالقسمين الآخرين. و هناك حالة رابعة، و هي أن تلحظ ذات الطبيعة من دون لحاظ أي شي‏ء معها، و يصطلح عليها بالماهية اللابشرط المقسمي في مقابل اللابشرط القسمي.

467

و ما هو الدليل على وضع أسماء الأجناس للطبائع دون أن يلحظ معها شي‏ء؟ إن الدليل هو الوجدان، فأنت حينما تسمع لفظ رجل مثلا لا تفهم منه إلّا طبيعة الرجل دون أي شي‏ء إضافي.

بل إن الاحتمالين الآخرين يلزم منهما محذور، و بالتالي يلزم الحكم ببطلانهما.

أما أن الاحتمال الأوّل- الوضع للطبيعة الملحوظة بنحو الشمول و العموم- باطل فلأنه و إن كان هو الرأي السائد قبل سلطان العلماء (1) و لكنه مرفوض للزوم محذورين، و هما:

1- إن اللحاظ وجود ذهني، (2) فإذا كانت الطبيعة مقيّدة به يلزم أن تصير ذهنية، و بالتالي يلزم أن تكون أسماء الأجناس موضوعة للمعاني الذهنية، و من ثمّ يلزم عدم صحة حملها على الأفراد الخارجية إلّا بالتجريد من قيد اللحاظ؛ و لازمه المجازية التي لا نشعر بها بالوجدان.

2- إنه يلزم عدم صحة حمل اسم الجنس على الفرد إلّا بالتجريد من اللحاظ، أي يلزم عدم صحة قولك: هذه رقبة إلّا بتجريد معنى الرقبة من الشياع و العموم، فإن المعنى بشرط العموم لا يمكن صدقه على الفرد، و بالتالي يلزم أن نشعر بالمجازية، و الحال نحن لا نشعر بها بالوجدان.

هذا كله بالنسبة إلى بطلان الاحتمال الأوّل.

و أما أن الاحتمال الثاني- الوضع للطبيعة الملحوظة لا بشرط من حيث العوارض- باطل فلنفس ما أشرنا إليه مسبقا من أن اللحاظ هو

____________

(1) و هو الذي له حاشية على كتاب معالم الدين و الروضة البهية.

(2) فيقال: لاحظت هذا الشي‏ء بمعنى تصوّرته و وجد في ذهني، فوجود الشي‏ء في الذهن هو عبارة أخرى عن لحاظه.

468

وجود ذهني فلو كانت أسماء الأجناس موضوعة للمعاني المقيّدة باللحاظ يلزم أن تصير جميع المعاني ذهنية، و بالتالي يلزم عدم صحة الحمل في قولنا: (هذا رجل) إلّا بتجريد مثل لفظ رجل من اللحاظ، و من ثمّ يلزم أن نشعر بالمجازية، و الحال نحن لا نشعر بها بالوجدان.

توضيح المتن:

أو الانعكاس: أي و بعدم الانعكاس يعني عدم الشمول لأفراده.

في غير مقام: أي في أكثر من مقام واحد، منها بداية المقصد الرابع عند التعرّض لتعريف العموم.

أو غيرها: أي و غيرها من الألفاظ التي لا يصطلح عليها بلفظ المطلق، كعلم الجنس مثلا.

من أسماء الكليات: فإن الطبائع لا تكون إلّا كلية، غايته قد تكون من الجواهر، مثل رجل، أو من الاعراض، مثل سواد و بياض، و قد تكون من العرضيات، مثل الملكية و الزوجية.

بل العرضيات: الفرق بين العرض و العرضي في علم المعقول أن الأوّل يراد به نفس البياض مثلا، و الثاني يراد به المشتق، أعني الأبيض مثلا.

هذا و لكن الشيخ الخراساني له اصطلاح خاص به، فيقصد من العرض خصوص العرض الذي له وجود حقيقي، و من العرضي العرض الاعتباري، كالملكية و الزوجية مثلا.

بما هي هي: أي بما هي طبيعة من دون لحاظ أي شي‏ء معها، و هي التي يصطلح عليها بالماهية المهملة أو المبهمة.

حتّى لحاظ أنها كذلك: أي مبهمة و بلا شرط.

469

الذي هو المعنى ...: صفة للملحوظ لا لغير.

و لا الملحوظ معه: ما سبق إشارة إلى الاحتمال الأوّل، و هذا إشارة إلى الاحتمال الثاني. ثمّ إن هذا عطف على الملحوظ معه شي‏ء.

الذي هو الماهية ...: صفة لقوله: (الملحوظ معه ...).

و ذلك لوضوح ...: هذا شروع في ردّ الاحتمال الأوّل. و هو إشارة إلى المحذور الثاني، و لعلّ المحذور الأوّل لم يشر إليه هنا لعدم الحاجة إليه بعد أن كنّا نملك المحذور الثاني.

مع بداهة ...: أي و الحال أن من البديهي ...

و إن كان يعمّ ...: أي و إن كان يعمّ كل فرد- عند اجتماعه مع بقية الأفراد- إما بنحو البدلية أو بنحو الشمولية.

و كذا المفهوم اللابشرط القسمي: هذا شروع في ردّ الاحتمال الثاني.

فإنه كلي عقلي: المناسب: فإنه معنى ذهني، إذ الكلي العقلي مصطلح منطقي يقصد به الطبيعة المقيّدة بالكلية.

صدقه و انطباقه: يعني حمله. و ضمير عليها راجع إلى الأفراد.

بداهة أن مناطه: يعني الصدق بمعنى الحمل. و المقصود بداهة أن مناط الحمل اتحاد المحمول مع الموضوع في الوجود الخارجي، و الحال أن الفرد الخارجي لا يمكن أن يتحد مع المعنى الذهني.

خلاصة البحث:

عرّف المطلق بما تقدّم، و اشكل على التعريف بأنه ليس بمطّرد و لا بمنعكس، و لكن هذا الإشكال ليس بصحيح لكون التعريف المذكور لفظيا و ليس حقيقيا.

470

و اسم الجنس موضوع لذات الطبيعة من دون إضافة أي قيد معها و ليس موضوعا للطبيعة بشرط العموم و إلّا يلزم إشكال عدم إمكان الصدق على الفرد، و لا للطبيعة بنحو اللابشرط من جميع العوارض و إلّا يلزم محذور عدم إمكان حمل أسماء الأجناس على الأفراد لعدم الاتحاد بينهما.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

المقصد الخامس: المطلق و المقيّد و المجمل و المبين:

فصل: تعريف المطلق:

عرّف المطلق بأنه ما دلّ على شائع في جنسه. و اشكل عليه بعدم الاطّراد و الانعكاس، و اطيل في النقض و الإبرام و لكن ذكرنا في أكثر من مورد على أن مثله شرح الاسم، و هو يجوز فيه عدم الاطّراد و الانعكاس.

و الأولى الاعراض عن ذلك و بيان معاني بعض الألفاظ التي هي من المطلق أو من غيره.

اسم الجنس:

اسم الجنس- كإنسان و رجل و فرس و حيوان و سواد و بياض و غير ذلك من أسماء الطبائع الكلية سواء أ كانت من الجواهر أم الأعراض بل العرضيات- موضوع للطبيعة من دون لحاظ أي شرط معها، و ليست موضوعة للطبيعة ملحوظة بشرط العموم و لا لها ملحوظة بنحو اللابشرط القسمي.

أما بطلان الأوّل فلوضوح صدقها بلا عناية التجريد، و الحال أن المفهوم بشرط العموم لا يمكن حمله على الفرد و إن كان يعمه بنحو البدلية أو الاستيعاب.

و أما بطلان الثاني فلأن المقيّد بالأمر الذهني ذهني لا يمكن حمله على الأفراد، إذ شرط الحمل الاتحاد الخارجي.

471

قوله (قدّس سرّه):

«و منها علم الجنس ...، إلى قوله: و أما دلالة الجمع المعرف باللام على العموم ...».

(1)

علم الجنس:

ذكر أهل العربية أن علم الجنس موضوع للطبيعة بما هي متميّزة، بخلاف اسم الجنس فإنه موضوع للطبيعة من دون أخذ التميّز بعين الاعتبار.

و توضيح ذلك: إن كل طبيعة لا إشكال في تميّزها في عالم الذهن عن الطبيعة الأخرى، فطبيعة الإنسان مثلا في عالم الذهن تغاير طبيعة الشجر، فهما طبيعتان متغايرتان، و إحداهما متميّزة عن الأخرى، و لكنه في مقام وضع الألفاظ تارة يوضع اللفظ للطبيعة بما هي متميّزة في عالم الذهن بحيث يكون لحاظها متميزة في الذهن مأخوذا قيدا في المعنى الموضوع له، و هذا هو علم الجنس، و أخرى لا يؤخذ قيدا، و هذا هو اسم الجنس، فمثلا كلمة أسد و أسامة هما واحد، فكلاهما موضوعان للحيوان المفترس إلّا أن لفظ أسد موضوع للطبيعة المتميّزة من دون أخذ لحاظ التميّز قيدا في المعنى الموضوع له بينما لفظ أسامة موضوع للطبيعة بما هي ملحوظة متميزة عن غيرها من الطبائع.

و لأجل أخذ لحاظ التميّز قيدا في المعنى الموضوع له في علم الجنس صار معرفة و عدّ من أفراد المعرفة، بخلاف ذلك في اسم الجنس، فإنه حيث لم يؤخذ لحاظ التميّز قيدا في معناه لم يكن من أفراد المعرفة.

____________

(1) الدرس 235: (19/ شوال/ 1426 ه).

472

هكذا قالوا.

و لكن الصحيح أن لحاظ التميّز لم يؤخذ قيدا في علم الجنس، إذ لو كان مأخوذا قيدا يلزم أن يصير معناه من الأمور الذهنية، لأن اللحاظ حيث إنه وجود ذهني و المقيّد بالأمر الذهني ذهني يلزم أن يصير المعنى الموضوع له في لفظ أسامة أمرا ذهنيا، و بالتالي يلزم محذوران:

1- عدم صحة حمل علم الجنس على الأفراد إلّا بالتجريد من قيد لحاظ التميّز، فلا يصح أن تقول: هذا أسامة إلّا بتجريده عن قيد اللحاظ، و بالتالي تلزم المجازية، و الحال نحن لا نشعر بها بالوجدان.

و إذا قال قائل: لنلتزم بالتجريد عن قيد اللحاظ في القضايا الحملية، مثل هذا أسامة.

أجبناه أن الالتزام بالمجازية و التجريد أمر مخالف للوجدان، فإننا لا نشعر بأيّ مجازية في مثل القضايا المذكورة.

2- إن لازم ذلك محذور اللغوية، إذ ما معنى أخذ قيد جزء في المعنى الموضوع له ما دام يلزم الغاءه دائما؟ إن مثل هذا لا يتناسب مع حكمة الحكيم.

يبقى شي‏ء، و هو أن علم الجنس إذا كان موضوعا لذات الطبيعة كاسم الجنس من دون أخذ التعيّن الذهني بعين الاعتبار فكيف صار معرفة و عدّ من أفرادها؟

و الجواب: إن التعريف في علم الجنس لفظي، أي يتعامل معه لفظا معاملة المعرفة- رغم أنه معنى ليس معرفة- كما هو الحال في التأنيث اللفظي، فكما أن لفظ بئر و ذراع و دار مثلا يتعامل معها لفظا معاملة المؤنث كذلك مثل لفظ أسامة يتعامل معه لفظا معاملة المعرفة.

473

المفرد المعرف باللام:

و من جملة الألفاظ التي وقع الكلام في تحديد معناها: المعرّف باللام، كالبيع و الرجل و الماء ...

و اللام تارة تكون جنسية، و أخرى استغراقية، و ثالثة عهدية.

و العهد ذو أنحاء ثلاثة: ذهني و ذكري و خارجي.

و هل اللام موضوعة لهذه الأنحاء الثلاثة بنحو الاشتراك اللفظي أو بنحو الاشتراك المعنوي؟ كل واحد منهما محتمل، فيحتمل وضع اللام بثلاثة أوضاع، فتارة وضعت للعهد الذهني و أخرى للذكري و ثالثة للخارجي، و هذا نتيجته الاشتراك اللفظي، و يحتمل وضعها للجامع المشترك، و هو أصل العهد، و هذه الثلاثة مصاديق للمعنى الواحد المذكور، و هذا نتيجته الاشتراك المعنوي.

ثمّ إنه باتضاح هذا نشير إلى نقطتين:

1- إننا ذكرنا أن أقسام اللام ثلاثة: جنسية، و استغراقية، و عهدية.

و مدخول اللام في هذه الأقسام الثلاثة له معنى واحد- لا أنه وضع بأوضاع متعددة لكل واحد منها حتّى يلزم الاشتراك اللفظي و لا لواحد منها دون البقية حتّى يلزم الحقيقة و المجاز- (1) و ذلك المعنى الواحد هو الطبيعة، و أما الجنسية و الاستغراقية و العهدية فهي خصوصيات مستفادة من القرائن الخارجية أو من نفس اللام، بنحو تعدد الدال و المدلول، فاللام دال، و مدلولها هو الجنسية مثلا، و المدخول دال أيضا و مدلوله هو الطبيعة، فالمدخول إذن في الجميع يدل على معنى واحد، و هو الطبيعة، و الخصوصيات الثلاث تستفاد من دال آخر، و هو اللام أو القرائن الخارجية.

____________

(1) فالاستعمال في ذلك المعنى الواحد الموضوع له يكون حقيقة، و في البقية مجازا.

474

2- المعروف بين أهل العربية أن اللام تدل على التعريف و التعيّن- و لذلك عدّوا المعرّف باللام من جملة أقسام المعارف- فهي تعريفية جنسية أو تعريفية استغراقية أو تعريفية عهدية. (1)

و الشيخ المصنف ناقش و قال: إنه لو أخذنا لام الجنس من باب المثال نجد أنه لا معنى لكونها مفيدة للتعريف و التعيّن إلّا أنها تشير إلى الجنس و الطبيعة المعهودة إشارة ذهنية، و لازم ذلك صيرورة المعنى المستعمل فيه أمرا ذهنيا- فإن المقيّد بالأمر الذهني ذهني- و من ثمّ يلزم عدم إمكان حمله على الأفراد الخارجية إلّا بالتجريد من قيد الإشارة الذهنية، و لازم ذلك المجازية في مثل زيد الرجل أو الرجل زيد.

و إذا قال قائل: لنلتزم بالتجريد و المجازية فأي محذور في ذلك؟ أجبنا:

أ- إن لازم ذلك الشعور بالمجازية في الاستعمالات العرفية، و الحال نحن لا نشعر بها. و من ادعى الشعور بها قد تعسّف و خالف وجدانه.

ب- إنه يلزم محذور اللغوية، إذ ما الفائدة في وضع اللفظ لقيد يلزم الغاؤه دائما؟! إن هذا لا يصدر من الحكيم.

إذن اللام لا تفيد التعريف و التعيين من دون فرق بين لام الجنس و الاستغراق و العهد.

____________

(1) نعم استثنى أهل العربية من ذلك لام العهد الذهني فقالوا: هي لا تفيد التعريف و التعيّن. هكذا نقل عنهم الشيخ الخراساني.

و على تقدير صحة هذه النسبة يمكن أن يناقش و يقال: إن لام العهد الذهني تفيد التعيّن و التعريف أيضا، فهناك فرد واحد معيّن معهود بين الطرفين في الذهن، و باللام يراد الإشارة إليه، فحينما يقال مثلا: قال الشيخ (قدّس سرّه) فاللام تشير إلى الشيخ المعهود ذهنا، و هو الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) مثلا.

475

و عليه فما ذا يكون دورها إذا لم تكن مفيدة للتعريف و التعيين؟ أجاب بأن اللام دائما هي للتزيين و التجميل من قبيل اللام الداخلة على اسم حسن و حسين، حيث تقول: الحسن و الحسين، فإن هذه اللام لا يقصد بها التعريف- لكون الاسمين المذكورين علمين و معرفتين بقطع النظر عن اللام- بل التزيين.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك أن استفادة الخصوصيات- أي الجنسية و الاستغراقية و العهدية- هي لا تتم إلّا من قبل القرائن الخارجية حتّى لو قلنا بوضع اللام للتعريف، فإن وضعها له لا يغنينا عن تلك القرائن، لأنها موضوعة لكلي التعريف الجامع بين الأنحاء الثلاثة. و إذا كانت الخصوصيات مستفادة من القرائن فلا تعود حاجة لدعوى وضع اللام للتعريف لفرض الحاجة إلى القرائن على كل حال، هذا إذا لم يكن وضعها للتعريف مخلّا فكيف إذا كان مخلّا كما أوضحنا، حيث يلزم صيرورة المعاني ذهنية، و بالتالي لا يمكن الحمل على الأفراد الخارجية.

توضيح المتن:

لأنه على المشهور كلي عقلي: عرفت فيما سبق أن التعبير بالكلي العقلي يشتمل على المسامحة، و المناسب: لأنه أمر ذهني.

مع صحة حمله عليها: أي و الحال أنه يصح حمله على الأفراد بدون تجريد و مجازية.

و كلمة صدقه هي بمعنى الحمل، أي و قد عرفت أنه لا يصح حمله عليها.

ضرورة أن التصرف: أي و احتمال عدم المحذور في الالتزام بالتصرف في المحمول- أي في كلمة أسامة في قولنا: هذا أسامة- و ذلك بالغاء القيد هو تعسف، أي مخالف للحق و الوجدان، فإن الاستعمالات العرفية ليست كذلك.

476

مع أن وضعه ...: هذا إشارة إلى المحذور الثاني، و ما قبله إشارة إلى المحذور الأوّل.

و يشير (قدّس سرّه) بكلمة خصوص في قوله: خصوص معنى إلى خصوصية لحاظ التميّز و الإشارة الذهنية.

بأقسامه: أي بأقسام العهد الثلاثة.

على نحو الاشتراك بينها: أي بين أقسام العهد الثلاثة كما أوضحنا المطلب كذلك سابقا.

هذا و يحتمل رجوع الضمير إلى الخمسة بإضافة الجنسية و الاستغراقية أيضا.

و الظاهر أن الخصوصية ...: هذا إشارة إلى النقطة الأولى.

لا باستعمال المدخول: المناسب: لا بوضع المدخول.

ليلزم فيه المجاز: أي الحقيقة و المجاز.

و المعروف أن ...: إشارة إلى النقطة الثانية.

في غير العهد الذهني: بل و في العهد الذهني أيضا على ما ذكرنا.

بأنه لا تعيّن ...: أي لا معنى للتعيّن في تعريف الجنس مثلا.

و معه لا فائدة: ظاهره الإشارة إلى لزوم محذور اللغوية، و لا وجه لذكره هنا بعد ذكره له ثانية بعد قليل بقوله: هذا مضافا إلى أن الوضع لما لا حاجة إليه ...

مع أن التأويل: أي و الحال أن دعوى إمكان الالتزام بالتجريد في القضايا المتعارفة أمر لا يخلو من تعسف، أي مخالفة للوجدان.

كان لغوا: هذا خبر أن الوضع، و المناسب حذف لفظ كان.

و لو قيل بإفادة اللام ...: الواو وصلية.

477

خلاصة البحث:

علم الجنس لم يوضع للطبيعة الملحوظة متميّزة و إلّا يلزم محذوران: عدم صحة الحمل على الأفراد الخارجية إلّا بالتجريد الموجب للمجازية، و اللغوية. و الصحيح أن التعريف فيه لفظي.

و المفرد المعرّف باللام ليس موضوعا للطبيعة بقيد الخصوصيات الثلاث أو الخمس بل لذات الطبيعة، و هي مستفادة من اللام أو قرائن المقام.

و المعروف بين أهل العربية أن اللام تفيد التعريف و التعيّن و لكنه باطل و إلّا يلزم المحذوران المتقدمان في علم الجنس.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

علم الجنس:

و المشهور بين أهل العربية أنه موضوع للطبيعة بما هي متعينة بالتعيّن الذهني- و لذا عدّ من المعارف- لا للطبيعة بما هي هي.

و التحقيق أنه موضوع للطبيعة بما هي هي كاسم الجنس، و التعريف فيه لفظي، كالتأنيث اللفظي، و إلّا لم يصح حمله على الأفراد إلّا مع التجريد و المجازية، و بناء القضايا المتعارفة ليس على ذلك. على أن الوضع لمعنى مقيّد بقيد يلزم تجريده عنه عند الاستعمال لا يصدر من جاهل فضلا عن الواضع الحكيم.

المفرد المعرف باللام:

و المشهور أنه على أقسام: المعرّف بلام الجنس أو الاستغراق أو العهد بأقسامه على نحو الاشتراك بينها لفظا أو معنى.

478

و الظاهر أن الخصوصية في كل واحد من الأقسام هو من جهة اللام أو قرائن المقام لا من نفس المدخول ليلزم الاشتراك أو الحقيقة و المجاز.

و المعروف أن اللام موضوعة للتعريف و التعيّن في غير العهد الذهني.

و يردّه: إنه لا تعيّن في مثل تعريف الجنس إلّا الإشارة إلى المعنى المتميّز بنفسه، و لازمه المحذوران المتقدمان في علم الجنس.

و الظاهر أن اللام مطلقا هي للتزيين كما في الحسن و الحسين.

ثمّ إن استفادة الخصوصيات هو بالقرائن التي لا بدّ منها حتّى لو قيل بإفادة اللام للإشارة إلى المعنى، و معه فلا حاجة إلى الإشارة لو لم تكن مخلة فكيف إذا كانت كذلك.

***

479

قوله (قدّس سرّه):

«و أما دلالة الجمع المعرف باللام ...، إلى قوله:

إذا عرفت ذلك ...».

(1)

إشكال و جواب:

ذكرنا فيما سبق أن اللام لا تدل على التعيين و التعريف و إلّا يلزم المحذوران السابقان.

و قد يشكل على هذا و يقال: إن اللام إذا لم تدل على التعيين فكيف دلّ الجمع المعرف باللام على العموم؟ إنه لا وجه لدلالته على ذلك إلّا اللام، و لا وجه لدلالتها إلّا أنها تدل على التعيين، فإنها لمّا دلت على التعيين فلازم دلالتها عليه دلالتها على العموم، إذ لا توجد مرتبة متعيّنة تصلح الإشارة إليها من خلال اللام إلّا المرتبة الوسيعة الشاملة لجميع الأفراد.

فلو قيل: أكرم الفقراء مثلا استفدنا العموم جزما و ما ذاك إلّا من جهة اللام، حيث تدل على التعيّن، و بما أنه لا مرتبة متعيّنة إلّا المرتبة العالية المستغرقة لجميع الأفراد فيثبت بذلك أن المرتبة المذكورة هي المرادة للمتكلم.

هذا حاصل الإشكال.

و أما الجواب فهو:

1- إن كون اللام تدل على التعيين لا يصلح أن يكون سببا لاستفادة العموم من الجمع المحلى بها، إذ المرتبة المتعيّنة لا تنحصر بالمرتبة العالية

____________

(1) الدرس 236: (20/ شوال/ 1426 ه).

480

المستغرقة لجميع الأفراد بل المرتبة الدانية التي هي عبارة عن الثلاثة متعيّنة أيضا، فكون اللام مفيدة للتعيين لا يصلح أن يكون وجها للدلالة على العموم.

و إذا سألت و قلت: إذن من أين نشأت الدلالة على العموم إذا لم تكن مستندة إلى التعيين الذي تدل عليه اللام؟ أمكن الجواب بأن ذلك مستفاد من وضع اللام و مدخولها لإفادة العموم، فالعموم لم يستند إلى اللام وحدها و لا إلى المدخول وحده، بل إلى المجموع المركب، فإن المجموع المذكور موضوع لإفادة العموم.

2- إنه لو تنزّلنا و سلّمنا استفادة العموم من اللام وحدها و ليس من المجموع المركب فيمكن أن ندعي أنه مستفاد من اللام من دون توسيط فكرة التعيين.

إنه يمكن أن ندعي أن اللام قد وضعها الواضع لإفادة العموم من دون توسيط فكرة التعيين، فهو قد قال مثلا: وضعت اللام لتدل على عموم مدخولها من دون أن تؤخذ فكرة التعيين بعين الاعتبار، و بناء عليه يكون التعريف الثابت بسبب اللام تعريفا لفظيا و ليس حقيقيا.

النكرة:

و نذكر للنكرة- التي هي اسم الجنس نفسه، غايته بإضافة التنوين، أي تنوين التنكير- مثالين:

1- كلمة رجل في قوله تعالى: وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، (1) و هي تدل على إرادة المتكلم لرجل معيّن في الواقع و لكنه مجهول لدى‏

____________

(1) القصص: 20.

و في (يس: 20) وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى‏. و المراد به في هذه الآية- على ما قيل- هو حبيب النجار مؤمن آل ياسين.

481

المخاطب، و كان هذا الرجل حزقيل مؤمن آل فرعون الذي كان يعيش في القصر الملكي لفرعون و كان يكتم إيمانه.

2- كلمة رجل في قولك: جئني برجل، و هي تدل على الطبيعة المقيّدة بالوحدة، أي جئني بطبيعة الرجل ضمن واحد من أفرادها.

هذا و لكن صاحب الفصول ذكر أن للنكرة معنى آخر، و هو الفرد المردّد، و مثّل لذلك بالمثال الثاني- أي بمثال جئني برجل- و قال: إن المقصود منه جئني برجل مردّد بين الرجال.

هذا ما أفاده.

و الإشكال عليه واضح، فإن الشخص المأمور إذا أتى بزيد مثلا عدّ ممتثلا، و الحال أنه- زيد- هو هو و ليس هو أو غيره، فلو كانت كلمة رجل موضوعة للفرد المردّد يلزم عدم حصول الامتثال بالإتيان بالفرد المعيّن، و هو باطل جزما، فيثبت بذلك أن مفاد كلمة رجل ليس هو الفرد المردّد و إنما هو الطبيعة المقيّدة بالوحدة التي هي معنى كلي يصدق على أي فرد واحد أتي به.

توضيح المتن:

مع عدم دلالة المدخول عليه: فإن المدخول بقطع النظر عن اللام لا يدل على العموم جزما.

فلا دلالة فيها على أنها تكون لأجل: المناسب حذف هذه العبارة لعدم الحاجة إليها، على أن ضمير فيها يرجع إلى الدلالة و هو ركيك، و الأولى التعبير هكذا: فليس لدلالة اللام ...

حيث لا تعيّن ...: هذا تتميم لتوضيح الإشكال و تقريبه.

و ذلك لتعيّن المرتبة الأخرى: هذا هو الجواب الأوّل عن الإشكال.

482

ثمّ إنه يمكن أن يقال: ما معنى أن المرتبة العالية متعيّنة حتّى يجيب المصنف بأن المرتبة الدانية متعيّنة أيضا؟ أ و ليس كل مرتبة متعيّنة في نفسها أيضا، فالمائة- إذا فرض أنها المرتبة العالية- كما هي متعيّنة كذلك مرتبة (99) و مرتبة (98)، و هكذا فالكل متعيّن، لا أن المتعيّن خصوص المرتبة العالية وحدها أو بإضافة المرتبة الدانية.

و إذا قيل: إن بقية المراتب لا يتميّز فيها الداخل و الخارج بخلافه في المرتبة العالية، فإنه يتميّز الداخل، و هو الجميع.

قلنا: هذا التعيّن صحيح في المرتبة العالية و لكنه ليس بصحيح في المرتبة الدانية، فإنه لا تعيّن فيها للداخل و الخارج، فالإشكال على هذا وارد على الشيخ المصنف و لا مناص منه.

وضعه كذلك لذلك: أي وضع المدخول بمجموعه- المركّب من نفس المدخول و اللام- للعموم.

ليكون به: المناسب بها لرجوع الضمير إلى اللام، و هكذا بالنسبة إلى بقية الضمائر الآتية.

عليه إليه: أي على العموم إلى اللام.

ثمّ إن قوله: (و إن أبيت ...) إشارة إلى الجواب الثاني.

فلا يكون بسببه: أي بسبب اللام تعريف إلّا لفظا حيث لم يرد التعيين.

و لو بنحو تعدد الدال ...: فالنكرة تدل على الطبيعة، و التنوين يدل على إرادة الخصوصية، و معه فلا تلزم المجازية في مثل لفظ رجل الذي هو اسم جنس موضوع للطبيعة.

فيكون حصة: أي المفهوم منها و معناها.

لا فردا مرددا: أي كما يقوله صاحب الفصول.

أي ما بالحمل الشائع: أي مصداق النكرة.

483

خلاصة البحث:

إن اللام لا تدل على التعيين. و العموم المستفاد من الجمع المحلى باللام ليس بسبب دلالتها على التعيين المنحصر مصداقه بالمرتبة العالية بل لوضع المدخول بمجموعه المركّب منه و من اللام لإفادة العموم و إلّا فالمرتبة العالية متعيّنة أيضا. و إن أبيت فقل: إن اللام وضعت لإفادة العموم بلا أخذ عنصر التعيين بعين الاعتبار.

ثمّ إن النكرة تدل إما على الفرد المعيّن واقعا المجهول عند المخاطب أو على الطبيعة المقيّدة بالوحدة و لا تدل على الفرد المردد، فإن كل فرد يراد الامتثال به- عند الأمر بمثل جئني برجل- متعيّن و ليس مردّدا، أي هو هو، لا هو أو غيره.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أما دلالة الجمع المحلى باللام فليس لكون اللام تدل على التعيين الذي لا مصداق له إلّا المرتبة المستغرقة، كيف و المرتبة الأخرى- أقل مراتب الجمع- متعيّنة أيضا، بل لوضعه بمجموعه لذلك، لا لدلالة اللام على التعيين. و مع التنزّل فلا محيص عن دلالتها على العموم بلا توسيط فكرة التعيين، و معه لا يكون بسببها إلا التعريف لفظا.

النكرة:

مثال النكرة كلمة رجل في‏ وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ أو في جئني برجل.

و المفهوم منها في الأوّل- و لو بنحو تعدد الدال و المدلول- الفرد المعيّن في الواقع المجهول لدى المخاطب، و في الثاني الطبيعة بقيد

484

الوحدة الذي هو كلي ينطبق على كثيرين لا فردا مرددا، فمدلولها أحد هذين دون المردّد، لبداهة صدق رجل على كل من جي‏ء به مع أنه هو هو لا هو أو غيره، و معه لا بدّ أن يكون مفاد النكرة الواقعة في متعلّق الأمر هو الطبيعي المقيّد بالوحدة الذي هو كلي قابل للانطباق.

***

485

قوله (قدّس سرّه):

«إذا عرفت ذلك فالظاهر صحة إطلاق ...، إلى قوله: ثمّ لا يخفى عليك أن المراد ...».

(1)

أي قسم هو المطلق؟

عرفنا فيما سبق معاني كل من الأقسام الأربعة المتقدمة، أعني اسم الجنس، و علم الجنس، و المحلّى باللام، و النكرة.

و الآن نريد أن نعرف أن أي واحد من هذه الأربعة يصح عدّه من المطلق؟ إنه يصحّ ذلك في اسم الجنس و النكرة بالمعنى الثاني، فاسم الجنس- مثل ماء و هواء و إنسان و شجر و حجر و ... هو مصداق للمطلق جزما، و هكذا النكرة بالمعنى الثاني- التي مدلولها الطبيعة ضمن فرد واحد أيّ فرد كان- هي مصداق للمطلق أيضا. (2)

و لكن ما المقصود من مصطلح المطلق في علم الأصول؟ الظاهر أنه لا يقصد منه إلّا المعنى اللغوي، ففي اللغة يقال: دابة مطلقة بمعنى أنها ليست مقيّدة بحبل أو غيره، هكذا بحسب اللغة، و نفس هذا المعنى هو المقصود في علم الأصول، فإن المراد من المطلق ما يقابل المقيّد.

____________

(1) الدرس 237: (23/ شوال/ 1426 ه).

(2) و لم يذكر (قدّس سرّه) علم الجنس، و المعرّف باللام، و النكرة بالمعنى الأوّل، و لعلّ ذلك باعتبار أن الأوّل في رأيه هو نفس اسم الجنس و التعريف لفظي، و أما الثاني فباعتبار أن المدخول هو اسم الجنس، و اللام هي للتزيين و ليست للتعريف، و أما الثالث فباعتبار أنه مع إرادة الفرد لا يكون اللفظ مطلقا.

486

إذن اسم الجنس و النكرة بالمعنى الثاني هما مطلق و من مصاديقه.

نعم لو بنينا على الرأي المعروف قبل سلطان العلماء- الذي يقول بأن المطلق موضوع للطبيعة بقيد الإرسال و العموم- فلا يصح أن نقول:

إن اسم الجنس و النكرة بالمعنى الثاني هما مصداق للمطلق، فإن معناهما هو ذات الطبيعة لا الطبيعة بقيد الإرسال و العموم.

هذا و لكن الكلام في صحة النسبة المذكورة، فإنها غير ثابتة.

و على تقدير صدقها يلزم بناء عليها عدم إمكان تقييد الألفاظ المطلقة، لأن ذكر القيد يتنافى مع قيد الإرسال و العموم المأخوذ فيها، فيلزم أن لا يصح قولنا:

أعتق رقبة مؤمنة مثلا، لأن الرقبة تدل على الطبيعة المقيّدة بالإرسال و الشيوع، و هذا لا يجتمع مع التقييد بقيد المؤمنة.

كما أن لازم هذا الرأي صيرورة جمع موارد التقييد من مصاديق المجاز، إذ لا يمكن التقييد بقيد المؤمنة مثلا إلّا بالغاء قيد الإرسال و العموم الذي لازمه استعمال اللفظ في غير معناه الموضوع له، و هذا بخلافه على الرأي السائد من زمان سلطان العلماء فإنه لا يلزم من التقييد المجاز و ذلك بعد الالتفات إلى فكرة تعدّد الدال و المدلول، فلفظ الرقبة مثلا يكون مستعملا في معناه، أعني طبيعي الرقبة، و لفظ مؤمنة يكون مستعملا في إفادة الإيمان، و باجتماعهما يفهم أن المراد الواقعي للمتكلم هو الرقبة المؤمنة، لا أن لفظ رقبة قد استعمل في الرقبة المؤمنة حتّى تلزم المجازية.

أجل لو فرض أن شخصا رام أن يستعمل لفظ الرقبة لا في طبيعي الرقبة بل في خصوص الرقبة المؤمنة و جعل قيد مؤمنة قرينة على ذلك لزم صيرورة الاستعمال مجازيا من دون فرق بين الرأيين، كما لا فرق بين أن يكون القيد قد ذكر بنحو القيد المتصل أو بنحو القيد المنفصل.

487

مقدمات الحكمة:

عرفنا فيما سبق أن الرأي المشهور قبل سلطان العلماء هو أن الألفاظ المطلقة موضوعة للطبائع بقيد الإرسال و العموم، و بناء على هذا يكون الإطلاق مدلولا وضعيا، أي إنه مأخوذ في المعنى الموضوع له و لا نحتاج بالتالي إلى التشبّث بفكرة مقدمات الحكمة.

و أما على الرأي المشهور من زمان سلطان العلماء فنحتاج في إثبات الإطلاق إلى التشبّث بمقدمات الحكمة، لأن اللفظ لا يدل إلّا على ذات الطبيعة التي هي كما تصدق على المطلق تصدق على المقيّد أيضا، و الطريق لإثبات إرادة المتكلم للإطلاق هو مقدمات الحكمة.

و ما هو عدد مقدمات الحكمة؟ ذكر الشيخ المصنف أنها ثلاث هي:

1- أن يكون المتكلم في مقام البيان و ليس في مقام الإهمال أو الإجمال و إلّا فلا يلزم من عدم إرادته للإطلاق إخلال بغرضه.

2- عدم وجود ما يدل على التعيين من قرينة أو انصراف و إلّا كان الاعتماد على ما يقتضيه التعيين.

3- عدم وجود قدر متيقن في مقام التخاطب و إلّا فلا يلزم الإخلال بالغرض لو كان القدر المتيقن هو تمام المراد.

أما ما هو القدر المتيقن في مقام التخاطب؟ و ما هو الفرق بينه و بين القدر المتيقن من الخارج؟ إن الفارق هو أن القدر المتيقن تارة يثبت بقطع النظر عن الخطاب، و أخرى يثبت لاقتضاء نفس الخطاب ذلك.

مثال الأوّل: أكرم رجلا، فإن القدر المتيقن من الرجل الذي يريده المتكلم هو الرجل العالم التقي الفقير العادل الجامع لجميع صفات‏

488

الكمال، فإنه لا يحتمل أن الآمر لا يكتفي بإكرام مثل هذا، بأن لا يريد إكرامه و إنما يريد إكرام غيره، إن مثل هذا أمر غير محتمل.

و القدر المتيقن المذكور لا يضرّ بانعقاد الإطلاق، إذ ما من مطلق إلّا و له قدر متيقن من الخارج فلو كان يضرّ بانعقاد الإطلاق يلزم أن لا يتحقّق الإطلاق في أي مطلق من المطلقات.

و مثال الثاني: صحيحة زرارة التي سأل- زرارة- فيها الإمام الصادق (عليه السّلام) و قال:

رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الإقامة، قال: «يمضي».

قلت: رجل شكّ في الإقامة و قد كبّر، قال: «يمضي».

قلت: رجل شكّ في التكبير و قد قرأ، قال: «يمضي».

قلت: شكّ في القراءة و قد ركع، قال: «يمضي».

قلت: شكّ في الركوع و قد سجد، قال: «يمضي في صلاته».

ثمّ قال: «يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء». (1)

إن الإمام (عليه السّلام) أعطى قاعدة كلية، و هي أن من شكّ في الجزء السابق و قد دخل في اللاحق فيبني على تحقّق المشكوك و يمضي في عمله، و هو ما يصطلح عليه بقاعدة التجاوز. و القدر المتيقن من هذه القاعدة باب الصلاة، و هذا التيقن لم يحصل من الخارج، إذ لا ميزة للصلاة في مقابل الحج، و إنما هو بسبب نفس الخطاب، فإن الحوار سؤالا و جوابا ناظر إلى باب الصلاة، إنه من هذه الجهة صارت الصلاة قدرا متيقنا.

____________

(1) وسائل الشيعة 8: 237/ الباب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة/ الحديث 1.

489

و قد اختلف الأعلام في أن هذا النحو من القدر المتيقن هل يمنع من انعقاد الإطلاق أو لا؟ و الشيخ المصنف ذهب إلى أنه يمنع- خلافا لغيره- و استدل على ذلك بأن اللازم على المتكلم بيان ما هو تمام مراده واقعا و لا يلزم أن يبيّن أن هذا هو تمام مرادي بل يكفي بيان واقع تمام المراد بلا حاجة إلى بيان أنه تمام المراد، إنه إذا قبلنا بهذا فنقول: إذا كان المقدار المتيقن في مقام التخاطب هو تمام المراد للمتكلم فلا يلزم من ذلك الإخلال بغرضه، فلو كان باب الصلاة هو تمام مراده من دون أن تعمّ القاعدة باب الحج مثلا فلا يمكن أن يشكل عليه و يقال له: إنك حيث لم تقيّد عبارتك بخصوص باب الصلاة فقد أخللت ببيان تمام مرادك، إذ يتمكن أن يدافع عن نفسه و يجيب: إني قد اعتمدت في بيان أن باب الصلاة بخصوصه هو تمام مرادي على كون ذلك هو القدر المتيقن في مقام التخاطب، فنفس كون باب الصلاة هو القدر المتيقن في مقام التخاطب يصلح أن يكون عذرا لي في عدم التصريح بالقيد. نعم لو كان الواجب عليّ بيان تمام المراد بعنوان أنه تمام المراد فلا يكفي الاتكال على القدر المتيقن في مقام التخاطب بل يلزم التصريح بأن هذا هو تمام المراد من خلال ذكر القرينة الخاصة الدالة على ذلك. (1)

هذه هي مقدمات الحكمة، و لو تمت يلزم أن يكون مراد المتكلم واقعا هو الإطلاق و إلّا كان مخلا بغرضه، و إذا لم تتم فذلك يعني إما أنه‏

____________

(1) أمر (قدّس سرّه) في آخر كلامه بالفهم و قال: فافهم، و قد شرح هو مراده من ذلك و قال: إنه يمكن أن يقال: إنه حتّى لو بنينا على لزوم بيان تمام المراد بلسان أنه تمام المراد فوجود القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع من انعقاد الإطلاق لأنه إذا بيّن القدر المتيقن و لم يبيّن أن غيره من الأفراد مراد فذلك عرفا بنفسه بيان لكونه تمام المراد.

490

في مقام الإهمال أو أنه استند إلى القرينة أو أنه اعتمد على القدر المتيقن في بيان تمام مراده، و على التقادير الثلاثة لا يلزم الإخلال بالغرض.

توضيح المتن:

إذا عرفت ذلك: أي المعنى الموضوع له في الأقسام الأربعة المتقدّمة.

ثمّ إن كلمة إطلاق هي بمعنى استعمال. و ضمير عندهم يرجع إلى الأصوليين.

نعم لو صحّ ما نسب ...: هذا استدراك من حكمه المتقدّم بصحّة إطلاق المطلق عندهم حقيقة على اسم الجنس و النكرة بالمعنى الثاني.

و المقصود من المشهور هو المشهور قبل سلطان العلماء.

ما أريد منه ...: و هو اسم الجنس حيث إنه يراد منه الجنس، و النكرة بالمعنى الثاني حيث إنه يراد منها الحصة.

ثمّ إنه لا يخفى ما في العبارة من التطويل، و المناسب: نعم لو صحّ ما نسب إلى المشهور من كون المطلق موضوعا لما قيّد بالإرسال لم يصح إطلاقه عليهما.

و لا يخفى أن المطلق ...: هذا إشارة إلى مطلب آخر و لا يرتبط بالسابق، و قد أوضحنا ذلك أثناء شرح المطلب.

ثمّ إن قوله: بهذا المعنى يعني بما قيّد بالإرسال.

و هذا بخلافه بالمعنيين: أي بمعنى الجنس و الحصة فإنهما قابلان للتقييد لعدم انثلامهما بسببه.

ثمّ إن المناسب أن يعبّر هكذا: و هذا بخلافه على التفسير الآخر فإنه- المطلق- قابل له لعدم تحقّق انثلام بسببه.

491

و عليه لا يستلزم ...: أي بناء على معنى اسم الجنس و النكرة، و هو الطبيعة.

ثمّ إن هذا إشارة إلى عدم لزوم المجاز من التقييد بناء على الرأي المتأخر و لزومه على الرأي المتقدّم.

إرادة معنى لفظه: و هو الطبيعة.

و قوله: بذلك المعنى، أي بالمعنى المشهور قبل سلطان العلماء.

و وجه المجازية لزوم الغاء قيد الإرسال و العموم.

نعم لو أريد ...: أي نعم لو أريد من نفس لفظ المطلق- كلفظ رقبة- المعنى المقيّد يلزم المجاز. و قوله: مطلقا يعني على كلا الرأيين.

كسائر الطوارئ: المناسب: كالتقييد يكون ... فإن الطوارئ ليست متعدّدة بل هي منحصرة بالتقييد.

و هي تتوقف: أي قرينة الحكمة.

الإهمال أو الإجمال: ربما يكون الفرق بين الإهمال و الإجمال هو أنه في الثاني يتعلّق الغرض بإجمال المطلب و إبهامه على الشخص السامع بينما في الأوّل لا غرض للمتكلم في إبهام الأمر على السامع و إنما هو بالفعل في مقام بيان أصل وجوب الصلاة مثلا، و أما أجزاؤها فليس هو في مقام بيانها كما أنه لا غرض له في إجمالها و إبهامها.

و ربما يفرّق بينهما بأنه في الإجمال يفترض أن المتكلم عالم بالخصوصيات و لكنه الآن ليس في مقام بيانها بينما في الإهمال لا يكون عالما بالخصوصيات، ففي كلتا الحالتين يكون المتكلم في مقام بيان ثبوت الحكم للطبيعة و لكنه في إحداهما يفترض العلم بالخصوصيات و في الأخرى لا علم بها، فالطبيب مثلا قد يأمر المريض و يقول له: لا بدّ لك من استعمال الدواء و هو يعلم بالخصوصيات التي لا بدّ من مراعاتها

492

بينما الإنسان العادي غير الطبيب قد يقول لغيره: لا بدّ لك من استعمال الدواء و هو لا يعلم بالخصوصيات التي لا بدّ من مراعاتها، و الأوّل إجمال من الطبيب و الثاني إهمال من الإنسان غير الطبيب.

فإنه غير مؤثر ...: أي لا يمنع وجوده من انعقاد الإطلاق، و إذا لم يقصده المتكلم و قصد المقيّد واقعا كان مخلّا بغرضه.

كما هو الفرض: أي إن الفرض كونه في مقام البيان.

فإنه فيما تحققت: أي إذا تحققت هذه المقدمات الثلاث يلزم أن يكون مراد المتكلم واقعا هو الإطلاق و إلّا كان مخلّا ببيان غرضه، و بدون تماميتها لا يكون مخلّا بغرضه.

فإن الغرض ...: أي فإن اللازم في حقّ المتكلم هو أن ...

كي أخل: المناسب: كي يلزم الإخلال ببيانه.

فافهم: تقدّم أن الشيخ المصنف نفسه قد أوضحه.

خلاصة البحث:

إن عنوان المطلق أو الإطلاق يصحّ إطلاقه على اسم الجنس و النكرة بالمعنى الثاني. نعم بناء على رأي المشهور قبل السلطان لا يصحّ ذلك.

و المطلق بالمعنى المعروف قبل السلطان لا يمكن تقييده إلّا بالتجريد فتلزم المجازية بخلافه على المعنى المعروف بعده فإنه يصح تقييده بلا لزوم المجازية.

ثمّ إنه بناء على الرأي المشهور قبل السلطان لا يحتاج انعقاد الإطلاق إلى مقدمات الحكمة بينما على الرأي الآخر يحتاج إليها، و هي ثلاث.

493

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه إذا عرفت معاني هذه الأربعة فنقول: الظاهر صحة إطلاق المطلق عندهم على اسم الجنس و النكرة بالمعنى الثاني كما يصح لغة.

و لا يبعد أن يكون جريهم في هذا الاستعمال على وفق اللغة من دون أن يكون لهم فيه اصطلاح على خلافها.

نعم لا يصح إطلاقه عليهما بناء على ما نسب إلى المشهور من وضع المطلق لما قيّد بالإرسال إلّا أن الكلام في صحة النسبة.

و المطلق بهذا المعنى لا يقبل التقييد لمنافاته للخصوصية المأخوذة فيه، بخلافه بالمعنى الآخر فإنه قابل لذلك لعدم لزوم المنافاة.

كما أنه بناء على المعنى الآخر لا يلزم من التقييد المجازية في المطلق لإمكان إرادة معنى لفظه منه و إرادة القيد من القرينة و إنما يلزم ذلك بناء على المعنى المشهور.

نعم لو اريد من لفظه المعنى المقيّد تلزم المجازية مطلقا كان التقييد بمتصل أو منفصل.

فصل: مقدمات الحكمة:

قد ظهر لك أنه لا دلالة وضعا لمثل لفظ رجل إلّا على الماهية المبهمة و أن الشياع كالتقييد خارج عن الموضوع له، و معه لا بدّ في الدلالة عليه من قرينة الحكمة التي تتوقف على ثلاث مقدمات هي:

1- كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد لا الإهمال أو الإجمال.

2- انتفاء ما يوجب التعيين.

494

3- انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب و لا يضرّ وجوده بلحاظ الخارج.

و لو تمت يتعيّن إرادة الإطلاق و إلّا يلزم الإخلال بالغرض حيث إنه لم ينبّه و هو بصدد البيان، و إذا لم تتم فلا يلزم الإخلال، إذ مع انتفاء الأولى يكون في مقام الإهمال أو الإجمال، و مع انتفاء الثانية يكون البيان بواسطة القرينة، و مع انتفاء الثالثة لا إخلال بالغرض لو كان المتيقن تمام مراده، فإن اللازم أن يكون بصدد بيان تمامه و قد بيّنه لا بصدد أنه تمامه كي يلزم الإخلال ببيانه فافهم.

***

495

قوله (قدّس سرّه):

«ثمّ لا يخفى عليك أن المراد بكونه ...، إلى قوله: فصل إذا ورد مطلق و مقيد ...».

(1)

ما ذا يقصد من مقام البيان؟

هذا إشارة إلى مطلب جديد لا ربط له بمسألة القدر المتيقن. و حاصله: إنه ما ذا يراد من لزوم كون المتكلم في مقام البيان؟ فهل يراد لزوم كونه في مقام بيان المراد الجدي أو لزوم كونه في مقام بيان المراد الاستعمالي؟

و لتوضيح المقصود و الثمرة نقول: إنه يوجد لدينا مطلق يقول:

أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ و يوجد مقيّد له منفصل يستثني البيع الربوي. و هذا واضح، و السؤال أنه لو فرض الشكّ في استثناء بيوع أخرى كالبيع بغير العربية أو بغير الماضي أو ما شاكل ذلك فهل يجوز التمسك بإطلاق‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ لإثبات حلية البيوع المذكورة؟

و سبب طرح التساؤل المذكور أن شرط التمسك بالإطلاق كون المتكلم في مقام البيان، و يمكن أن يدعى أن مجي‏ء المقيّد المنفصل الذي استثنى البيع الربوي يدل على أن المتكلم ليس في مقام البيان و إلّا فلما ذا لم يستثن بنحو متصل البيع الربوي، إن عدم استثنائه و تأخيره إلى ما بعد يدل على أن المتكلم ليس في مقام بيان تمام مراده، و معه فلا يصح التمسك بالإطلاق بلحاظ موارد الشكّ الأخرى.

____________

(1) الدرس 238 و 239: (24 و 26/ شوال/ 1426 ه).

496

هكذا قد يشكل.

و يمكن الجواب بأن هذا يتم لو كان المراد من البيان هو بيان المراد الجدي، فإنه بناء عليه يكون ورود المقيّد المنفصل كاشفا عن عدم كون المتكلم في مقام بيان مراده الجدي، أما إذا فسّرناه ببيان المراد الاستعمالي- أي يبيّن المتكلم مراده الاستعمالي، و هو الإطلاق رغم عدم كونه مرادا جديا له ليتمسك به المكلف كقاعدة عامة و حكم كلي يأخذ به في موارد الشكّ- فلا يلزم الإشكال، فإن ورود المقيّد المنفصل لا يكشف عن عدم كون المتكلم في مقام بيان مراده الاستعمالي.

و لك أن تقول: إن المراد من البيان في مقامنا ليس كالمراد من البيان في قاعدة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن المقصود فيها هو البيان الجدي، أي يقبح تأخير بيان المراد الجدي عن وقت الحاجة، و هذا بخلاف البيان في مقامنا، فإن المقصود منه بيان المراد الاستعمالي.

و أما النكرة بالمعنى الثاني:

كل ما ذكرناه إلى الآن ناظر إلى اسم الجنس، فهو بحاجة في إثبات إرادة الإطلاق منه إلى إجراء مقدمات الحكمة، و الأمر نفسه يعمّ النكرة بالمعنى الثاني، فإن مفادها كمفاد اسم الجنس ليس إلّا الطبيعة التي كما تتحقّق ضمن المطلق تتحقّق ضمن المقيّد أيضا، غايته أن النكرة بالمعنى الثاني تشتمل على تنوين التنكير بخلاف اسم الجنس، فالفارق هو هذا و إلّا فالموضوع له في كليهما هو الطبيعة.

أجل النكرة موضوعة للطبيعة الموجودة ضمن فرد واحد (1) بينما اسم الجنس موضوع للطبيعة من دون ملاحظة وجودها ضمن فرد واحد.

____________

(1) طبيعي المقصود من الواحد هو الواحد المهمل من حيث خصوصياته و حالاته.

497

و إذا سلّمنا بوضع النكرة للطبيعة أيضا فنحتاج لإثبات إطلاقها إلى إجراء مقدمات الحكمة كما احتجنا إلى ذلك في اسم الجنس.

إذن اسم الجنس و النكرة بالمعنى الثاني يشتركان في الحاجة لإثبات الإطلاق إلى إجراء مقدمات الحكمة.

كيف نثبت كون المتكلم في مقام البيان؟

عرفنا أن المقدمة الأولى من مقدمات الحكمة هي كون المتكلم في مقام البيان و ليس في مقام الإهمال و الإجمال، و الآن نسأل: كيف نثبت أن المتكلم هو في مقام البيان و الحال نحن لم نطّلع على ما في قلبه، فلعله قلبا هو قاصد للبيان و لعلّه ليس كذلك فالطريق للإثبات ما هو؟

و في هذا المجال يمكن أن نجيب و نقول: إن الأصل الأولي في كل متكلم هو أن يكون في مقام البيان إلّا أن يثبت ببعض القرائن أنه ليس كذلك. و مستند هذا الأصل هو سيرة العقلاء و أهل المحاورة، فإنه نلاحظ بالوجدان أن سيرتهم قد انعقدت على التمسك بالمطلقات ما دام لا قرينة على تقييدها، و هذا يعني أنهم يبنون على كون المتكلّم هو في مقام البيان ما دام لا يلوح من القرائن الخلاف.

و هذه السيرة العقلائية هي السبب لما نراه متداولا بين مشهور الأصوليين، حيث يتمسكون بالمطلقات رغم عدم الجزم بكون الشخص المطلق- أي الذي تكلّم و أطلق كلامه- في مقام البيان فإنه لا نكتة لهذا المتداول بينهم سوى السيرة العقلائية، إذ من البعيد أنهم يبنون على كون الإطلاق مأخوذا كقيد في المعنى الموضوع له و إن كان البعض ربما ينسب إليهم ذلك غفلة عن واقع الحال، و سبب هذا التوهّم ليس إلّا أنهم- أي المشهور- يعملون بالمطلقات مع عدم إحراز كون المتكلم في مقام البيان، فتوهّم أن ذلك يكشف عن كون‏

498

الإطلاق عندهم مأخوذا كقيد في المعنى الموضوع له، و الحال أن الأمر ليس كذلك بل إن مشهور الأصوليين هم عملوا بالمطلقات- أي مع عدم إحراز كون المتكلم في مقام البيان- لأجل السيرة العقلائية التي أشرنا إليها.

الانصراف:

هل انصراف المطلق إلى بعض أفراده يمنع من انعقاد إطلاقه؟

أجاب (قدّس سرّه) بالإيجاب و أنه يمنع من ذلك في النحوين الأوّلين من الأنحاء الآتية، فإن كثرة الاستعمال التي هي سبب الانصراف قد تتفاوت درجتها، و بسبب ذلك تحصل أنحاء أربعة للانصراف هي:

1- أن يكثر استعمال المطلق في بعض أفراده إلى حدّ يوجب ظهوره فيه، فيكون لفظ المطلق ظاهرا في الفرد بسبب كثرة استعماله فيه. و في مثله لا ينعقد الإطلاق، لأن شرطه كما جاء في المقدمة الثانية انتفاء ما يوجب التعيين، و من الواضح أن الانصراف في النحو المذكور صالح لذلك.

2- أن تكون درجة الاستعمال أقل مما سبق فلا يحصل ظهور و إنما يصير الفرد بمثابة القدر المتيقن. و في مثله لا ينعقد الإطلاق أيضا، لأن شرط انعقاده انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب، و القدر المتيقن في هذا النحو هو ناشئ من مقام التخاطب، لأن كثرة الاستعمال هي التي ولّدت القدر المتيقن المذكور و ليس الخارج.

3- أن تكون درجة الاستعمال أقل مما هي عليه في النحوين الأوّلين فلا يتولّد ظهور و لا قدر متيقن و إنما يحصل انصراف بدوي- أي في بادئ النظر- يزول بالتأمل. و مثله لا يمنع من انعقاد الإطلاق كما هو واضح.

4- أن يكثر الاستعمال بدرجة أكبر مما عليه النحوان الأوّلان، و يحصل بسبب ذلك انس و ترابط بين لفظ المطلق و بين الفرد إلى حدّ

499

تحقّق الوضع التعيّني إما مع هجر المعنى الأوّل، و هو ما يصطلح عليه بالمنقول، أو من دون هجره، و هو ما يصطلح عليه بالمشترك.

و في مثله لا يبقى المطلق مطلقا و موضوعا للطبيعة حتّى يبحث هل يجوز التمسك بإطلاقه أو لا، بل يصير موضوعا للفرد كما هو واضح.

إشكال و جواب:

ثمّ إنه قد يشكل على النحو الرابع و يقال: كيف يحصل الانس بين لفظ المطلق و الفرد و يتولّد الوضع التعيّني، و الحال أن ذلك يتنافى مع ما تقدّم من الاستعانة بفكرة تعدّد الدال و المدلول، فإنه بناء عليها لا يكون لفظ المطلق مستعملا في الفرد حتّى يحصل الانس معه بسبب كثرة الاستعمال و إنما هو مستعمل في الطبيعة؟

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بجوابين:

1- إن الذي ذكرناه سابقا أن ذلك أمر ممكن لا أنه متعيّن، أي ذكرنا أن بالإمكان أن ندّعي عدم لزوم المجازية- في مورد إرادة المقيّد- ببركة فكرة تعدّد الدال و المدلول و لم نقل: إن ذلك لازم و لا يمكن الاستعمال في الفرد و المقيّد.

2- إنه لو تنزّلنا و سلّمنا باستعمال لفظ المطلق دائما في الطبيعة فيمكن أن ندّعي أنه مع هذا يمكن حصول الانس بين لفظ المطلق و بين الفرد رغم إرادة خصوصية الفرد بسبب الدال الآخر و ليس بسبب استعمال لفظ المطلق فيها.

إن بالإمكان أن يتولّد الانس بالشكل المذكور إلى حدّ لا يوجب الوضع التعيّني بل شدة الانس لا أكثر، كما هو الحال في المجاز المشهور، فإن الانس الحاصل بين اللفظ و المعنى المجازي ليس إلى حدّ يوجب الوضع التعيني، هذا

500

و لكن ربما تحصل شدة الانس بدرجة قوية توجب تحقّق الوضع التعيّني، كما هو الحال في المنقول بالغلبة، فإن كثرة الاستعمال فيه توجب درجة قوية من الانس إلى حدّ يتحقّق النقل عن المعنى الأوّل.

و الذي نريد أن نقوله بشكل واضح: إن كثرة الاستعمال قد توجب الانس الشديد إلى حدّ تحقّق الوضع التعيّني، و معه يصحّ ما ذكرناه في النحو الرابع من كون كثرة الاستعمال قد تكون إلى حدّ توجب شدة الانس إلى درجة الوضع التعيّني بنحو الاشتراك أو النقل. (1)

تنبيه:

ذكرنا أن الإطلاق لا يجوز التمسك به إلّا إذا فرض كون المتكلم في مقام البيان، و هذا شي‏ء واضح، و لكن ربما يكون للمطلق جهات متعدّدة فإذا اريد التمسك بالإطلاق بلحاظ جهة معيّنة من تلك الجهات فلا بدّ من إحراز كون المتكلم هو في مقام البيان من تلك الجهة و لا يكفي كونه في مقام البيان من جهة أخرى.

مثال ذلك قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ‏ (2) يدل على حلية

____________

(1) قد يذكر التشكيك التالي، و هو أنه كيف نتصوّر أن لفظ المطلق مستعمل في الطبيعة دون الفرد، و مع ذلك يحصل الوضع التعيني و يصير اللفظ موضوعا للفرد بنحو الاشتراك أو النقل.

و بكلمة أخرى: تحقّق وضع لفظ المطلق للفرد بنحو الوضع التعيّني فرع شدة الانس، و هي فرع كثرة استعمال اللفظ في الفرد، أما إذا استعمل في الطبيعة في الاستعمالات المتكررة الكثيرة فتصوّر حصول وضع اللفظ للفرد صعب. و لعلّه إلى هذا أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

(2) المائدة: 4.

501

أكل الحيوان الذي حصلت تذكيته من خلال إمساك الكلاب المعلّمة، و هو في مقام البيان من هذه الناحية، و لا يمكن أن يتمسك بالإطلاق من ناحية عدم لزوم غسل موضع عضّ الكلب، لأن الكلام المذكور ليس في مقام البيان من الناحية المذكورة.

إذن إذا كان المتكلم في مقام البيان من جهة معيّنة فلا يجوز التمسك بالإطلاق بلحاظ الجهة الأخرى. و نستثني من ذلك حالة وجود الملازمة العقلية أو الشرعية أو العادية.

مثال الأوّل: ما إذا قيل مثلا: لا بأس بالصلاة في دم الحيوان الذي لا يحل أكل لحمه، فإن مثل هذا هو في مقام البيان من ناحية نجاسة الدم، فالنجاسة لا تمنع من جواز الصلاة، و لكن في نفس الوقت يمكن التمسك به لنفي المانعية من ناحية أن الدم جزء من أجزاء ما لا يحل أكل لحمه، فالإطلاق يجوز التمسك به من هذه الناحية رغم أن المتكلم هو في مقام البيان من الناحية الأولى، (1) و ما ذاك إلّا من أجل لزوم محذور اللغوية عقلا، فإن ظاهر نفي الباس ثبوت الجواز الفعلي، و لازم ذلك عقلا أنه متى ما جازت الصلاة من الناحية الأولى جازت من الناحية الثانية أيضا.

و مثال الثاني: ما إذا قيل: إذا سافرت فقصّر، فإنه في مقام البيان من‏

____________

(1) لا يخفى أنه في باب الصلاة توجد مانعيتان، فكون الشي‏ء نجسا مانع يمنع من صحة الصلاة، و كذلك كون الشي‏ء جزء من أجزاء الحيوان الذي لا يحلّ أكل لحمه شرعا مانع آخر يمنع من صحة الصلاة و لو كان طاهرا، و ظاهر الدليل الذي يقول: لا بأس بالصلاة في دم ما لا يحل أكل لحمه هو نفي المانعية من ناحية النجاسة لا نفيها من ناحية المانعية الثانية إلّا أنه لأجل لزوم محذور اللغوية عقلا يحكم بنفي كلتا المانعيتين.

502

ناحية تقصير الصلاة عند تحقّق السفر و لكن رغم هذا يجوز التمسك به من ناحية الصوم أيضا للملازمة الشرعية بين قصر الصلاة و الصوم.

و مثال الثالث: ما إذا قيل: لا بأس بالصلاة في جلد الميتة، فإنه في مقام البيان من ناحية نفس الجلد و ليس في مقام البيان من ناحية بعض أجزاء الميتة الملتصقة بالجلد عادة، و لكن لأجل الملازمة العادية يمكن إثبات عدم مانعية تلك الأجزاء الملتصقة أيضا من ناحية الملازمة العادية.

توضيح المتن:

مجرد بيان ذلك: أي تمام المراد.

لتكون حجة: المناسب: ليكون حجة.

فلا يكون الظفر ...: أي و يترتّب على هذا.

و لو كان مخالفا: المناسب: فلا يكون الظفر بالمقيّد المخالف كاشفا ... و أنسب من ذلك: فلا يكون الظفر بالمقيّد كاشفا ... فإن التقييد يتحقّق بالمقيّد المخالف دون الموافق.

و صحة التمسك به ...: عطف على إطلاقه، أي و لذا لا ينثلم به صحة التمسك به. و لا يخفى أن نسبة الثلم إلى الصحة قد يكون ركيكا.

فيما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرف وجهها ...: أي فيما إذا لم تكن قرينة على التقييد.

يتمسكون بها: أي بالمطلقات.

مع عدم إحراز كون مطلقها: بكسر اللام، أي إنه اسم فاعل.

و بعد كونه ...: بضم الباء و سكون العين.

و الغفلة عن وجهه: أي مع الغفلة عن وجهه.