كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
53

مقدمات الحكمة في المدخول، و ذلك بالاستعانة ببديل، و هو أن يدّعى أن نفس وضع كل لإفادة العموم هو بنفسه كاف لإثبات أن المراد من المدخول هو المطلق، و نستغني بذلك عن إجراء مقدمات الحكمة فيه.

و هكذا الحال يدّعى بالنسبة إلى النهي فيقال: إن نفس وضع النهي لإفادة العموم هو بنفسه كاف لإثبات أن المراد من المدخول طبيعي الغصب بلا حاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة فيه.

ثمّ بعد هذا أفاد (قدّس سرّه) مطلبا جانبيا، و هو أنه لو استعمل المدخول في المقيّد و قيل مثلا: أكرم كل عالم عادل فلا تلزم المجازية في كلمة كل و لا في المدخول، أعني كلمة عالم.

أما إنه لا تلزم المجازية في كلمة كل فلأنها موضوعة لاستيعاب ما يراد من المدخول، و المفروض أنها استعملت في ذلك.

و أما إنه لا تلزم المجازية في المدخول فللاستعانة بفكرة تعدّد الدال و المدلول، أي إنه يوجد لدينا دالان: العالم و العادل، و كلمة عالم استعملت في طبيعي العالم و ليس في المقيّد ليكون استعمالها مجازا، و كلمة عادل استعملت في وصف العدالة، و باجتماعهما فهمنا أن مراد المتكلم واقعا هو الحصة، أعني العالم العادل، لا أن كلمة عالم استعملت ابتداء في المقيّد ليكون استعمالها مجازا.

توضيح المتن:

و كيف كان ...: أي سواء فرض أن خروج المجمع- بناء على الامتناع و تقديم النهي- من خطاب صل حكمي و ملاكي معا أم حكمي فقط.

فلا بدّ في ترجيح أحد الحكمين: أي بناء على الامتناع.

54

كدلالة الأمر: في بعض النسخ: لدلالة الأمر، و الصواب: كدلالة الأمر.

بالإطلاق بمقدمات الحكمة: لعلّ الانسب: بالإطلاق و مقدمات الحكمة.

بالالتزام: أي بالالتزام العقلي بالبيان الآتي.

في بعض أفراد الغصب حقيقة: نعم و هو حقيقة كما ذكرنا مسبقا و ليس هو واضح الفساد.

من جهة أن وقوع ...: و ذكرنا أن الظاهر أن هذا لا يستلزم المجازية أيضا عند الاستعمال في المقيّد.

في حيّز النفي أو النهي: النفي مصداق للإخبار، كقولك: فلان لا يغصب، و النهي مصداق للإنشاء، كقولك: يا فلان لا تغصب.

ضرورة عدم الانتهاء عنها: أي عن الطبيعة، و هذا في النهي، و قوله:

(أو انتفاؤها) ناظر إلى النفي.

قلت: دلالتهما: المناسب: و التحقيق ... إذ لم تتقدّم جملة إن قلت سابقا.

ثمّ إن ضمير دلالتهما يرجع إلى النهي و النفي.

المستفاد منهما كذلك: أي ظاهرا.

فيختلف سعة: أي فيختلف العموم سعة و ضيقا.

و لا يكاد يستظهر ذلك: أي كون المراد الطبيعة مطلقة.

مع عدم دلالته عليه: الصواب: مع عدم دلالة خاصة عليه.

و ذلك لا ينافي: أي إن الاحتياج إلى مقدمات الحكمة لا ينافي كون النهي أو النفي موضوعا للعموم، فإنه موضوع لعموم ما يراد من المتعلّق.

إذ الفرض ...: أي إن المفروض من دون إجراء مقدمات الحكمة عدم الدلالة على كون المدخول هو المطلق أو المقيّد.

55

لا فيه: أي مثل لفظ كل.

و لا فيه: أي و لا في المدخول.

فتدبر: لعلّه إشارة إلى إشكال و جواب.

أما الإشكال فهو أنه بعد جريان مقدمات الحكمة في المدخول و ثبوت أن المقصود منه هو المطلق لا تعود حاجة إلى الاستعانة بكلمة كل.

و أما الجواب فهو أن لون العموم المستفاد من كلمة كل غير لون العموم المستفاد من إطلاق المدخول، فكلمة كل ترى العموم من خلال اللفظ و الظهور اللفظي بينما مقدمات الحكمة لا ترى العموم كذلك.

خلاصة البحث:

بناء على الامتناع يلزم إعمال المرجحات لتقديم أحد الحكمين، و المشهور تقديم النهي لوجوه ثلاثة.

أحدها: إن النهي يدل على الاستيعاب بخلاف الأمر، فإنه يدل على البدلية، و أجيب بأن الدلالة في كليهما بمقدمات الحكمة فلا ترجيح، و اجيب بأن دلالة النهي ليست بالإطلاق و إلّا لم يكن الاستعمال في الحصة مجازا بل بسبب حكم العقل.

و رأي الشيخ الخراساني في المسألة أن استفادة العموم من النهي هو بسبب ضم الوضع إلى مقدمات الحكمة، فالنهي موضوع لإفادة عموم ما يراد من المدخول فلا بدّ من إثبات الإطلاق في المدخول بمقدمات الحكمة حتّى يستوعب النهي جميع أفراد المدخول المطلق اللهم إلّا أن يقال: إن نفس النهي حيث يدل على الاستيعاب فهو يكفي لإثبات الإطلاق في المدخول بلا حاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة.

56

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

مرجحات النهي على الامتناع:

ثمّ إنه بناء على الامتناع لا بدّ لترجيح أحد الحكمين من مرجّح، و قد ذكروا لترجيح النهي وجوها نشير إلى ثلاثة منها:

الوجه الأوّل: إن النهي أقوى دلالة، لاستلزامه انتفاء جميع الأفراد بخلاف الأمر، فإنه يدل على البدلية.

و أورد عليه بأن ذلك من جهة إطلاق متعلقه بقرينة الحكمة كدلالة الأمر على الاجتزاء بأي فرد كان.

و أورد على هذا الايراد بأن استفادة العموم من النهي إذا كانت بمقدمات الحكمة فيلزم أن يكون استعمال لا تغصب مثلا في بعض أفراد الغصب حقيقيا، و هو فاسد، بل الدلالة هي من جهة أن وقوع الطبيعة في حيز النهي تقتضي عقلا سريان الحكم إلى جميع الأفراد، ضرورة أن عدمها لا يتحقق إلّا بعدم جميع أفرادها.

هذا ما قيل.

و التحقيق أن يقال: إن دلالة النهي على الاستيعاب و إن كان ظاهرة إلّا أنه يدل على استيعاب ما يراد من المتعلّق، و عليه فهو لا يستوعب جميع الأفراد إلّا إذا أريد منه الطبيعة المطلقة، و هو لا يمكن إثباته عند عدم الدلالة الخاصة إلّا بمقدمات الحكمة، اللهم إلّا أن يقال: إن في دلالته على الاستيعاب دلالة على أن المراد من المتعلّق هو المطلق، كما ربما يدّعى ذلك في مثل كل رجل فيقال: إن لفظ كل يدل على استيعاب جميع أفراد الرجل بلا حاجة إلى إثبات أن المدخول مطلق‏

57

بقرينة الحكمة بل يكفي إرادة معناه- الطبيعة المهملة- في دلالته على الاستيعاب و إن كان لا تلزم المجازية لو أريد الخاص بالقرينة لا في نفس كل، لدلالته على استيعاب ما يراد من المدخول، و لا في نفس المدخول إذا كان بنحو تعدّد الدال و المدلول، لعدم استعماله إلّا في المعنى الموضوع له، و الخصوصية تكون مستفادة من دال آخر فتدبر.

***

58

قوله (قدّس سرّه):

«و منها الاستقراء ...، إلى قوله: الأمر الثالث».

(1)

الوجه الثاني:

الوجه الثالث الذي يمكن ذكره لتقديم الحرمة على الوجوب هو التمسك بفكرة الاستقراء، فإنه لو تتبعنا الموارد التي يدور الأمر فيها بين الوجوب و الحرمة لوجدنا أن الشريعة تقدّم الحرمة على الوجوب. و في هذا المجال نذكر المثالين التاليين:

1- أيّام الاستظهار التي يدور فيها أمر الصلاة بين الوجوب و الحرمة، حيث قدّم الشرع جانب الحرمة.

و المراد من أيّام الاستظهار الأيّام التي تتعقّب أيّام العادة، فلو فرض أن عادة المرأة في الحيض كانت سبعة أيّام مثلا، و في اليوم السابع انقطع الدم و اغتسلت، و لكنه في اليوم الثامن رأت الدم من جديد، ما ذا يحكم على الدم المذكور؟ إنه إذا تجاوز اليوم العاشر حكم على الزائد بالاستحاضة، و أما إذا لم يتجاوزه حكم على المجموع الواقع في العشرة بالحيض. و هذا واضح، و لكن المرأة ما ذا تفعل؟ إنها لا تدري هل يستمر الدم إلى ما بعد العشرة حتّى تجب عليها الصلاة أو لا يستمر حتّى تحرم عليها، فأمر الصلاة على هذا دائر بين الوجوب و الحرمة، و الشرع قدّم جانب الحرمة و حكم على المرأة بحرمة الصلاة.

____________

(1) الدرس 183: (28/ ربيع الأوّل/ 1426 ه).

59

هذا ما ذكره القمي. (1)

و هو في واقعه يرجع إلى المناقشة في الصغرى دون الكبرى، أي هو يسلّم بقاعدة أن دفع المفسدة ... و لكنه يناقش كون المقام مصداقا لذلك، بل هو مصداق للدوران بين المفسدتين.

و ذكر الشيخ الخراساني في ردّه أن الواجب لا ينشأ من مفسدة في تركه بل هو دائما ينشأ من مصلحة في فعله، (2) و هكذا الحرام لا ينشأ إلّا من مفسدة في فعله و لا ينشأ من مصلحة في تركه. (3)

ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) بعد ذلك هو للجواب عن الوجه الثاني، و قد أجاب بأربعة أجوبة.

1- إن قاعدة دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة هي تامة في بعض الموارد و ليس دائما، فإن المناسب ملاحظة درجة المصلحة و درجة المفسدة، فربما تكون المصلحة أكبر بكثير من المفسدة- كما لو فرض أن فعل الجهاد أو الصلاة توقّف على فعل محرم صغير كاجتياز المغصوب بمقدار شبر- فيلزم فعل الواجب و ترجيح المصلحة لا ترك الواجب و التضحية به لأجل عدم ارتكاب المحرّم الصغير.

هذا بلحاظ الأمثلة الشرعية.

و أما بلحاظ الأمثلة العرفية فمن الواضح أن العاقل يذهب إلى المكان الذي يتضرر فيه بمقدار قليل ما دام يستفيد من ذهابه إليه فوائد كبيرة معنوية و مادية.

____________

(1) قوانين الأصول 1: 153/ قانون اجتماع الأمر و النهي.

(2) و إلّا كان المناسب تحريم الترك لا إيجاب الفعل.

(3) و إلّا كان المناسب إيجاب الترك لا تحريم الفعل.

60

2- إنه مع التنزّل عما سبق نقول: إن قاعدة دفع المفسدة ... أجنبية عن المقام، فإنها ناظرة إلى حالة وجود شيئين، أحدهما واجب، و الآخر حرام، و دار الأمر بين ارتكاب هذا و ترك ذاك فهنا يمكن دعوى تمامية القاعدة و إن العقلاء يرجّحون ترك المفسدة على جلب المصلحة، بينما مقامنا ليس كذلك، فإنه ليس عندنا شيئان، بل لدينا شي‏ء واحد، و هو الحركة في الأرض المغصوبة لا ندري أن المناسب ثبوت التحريم له أو الوجوب، و من الواضح أن الترجيح في مثل هذا المورد هو فعل المشرّع، أي فعل اللّه سبحانه و ليس فعلنا و أمرا راجعا إلينا. (1)

3- إنه مع التنزّل عمّا سبق نقول: إن القاعدة المذكورة تنفع لو حصل قطع بالأولوية دون ما إذا حصل ظن بها، فإنه ليس بحجة، و من الواضح أن غاية ما يحصل عادة هو الظن بالأولوية دون القطع.

و بكلمة أخرى: إن ترجيح النهي على الأمر يحتاج إلى قطع بالأولوية، فإنه الحجة دون الظن، فإن مجرد الظن بالأولوية لا يكفي لإعمال الترجيح.

4- إنه مع التنزل عمّا سبق نقول: إن إعمال القاعدة المذكورة وجيه لو فرض عدم وجود مرجّح يرجح أحد الطرفين في مقابل الآخر، فإنه عند عدم وجود المرجّح يقع المكلف في حيرة من أمره فيحتاج إلى ما يرفع حيرته، فتتقدّم آنذاك قاعدة دفع المفسدة ... و تحتم عليه تقديم جانب النهي، أما إذا فرض وجود المرجح لأحد الطرفين في مقابل الآخر فلا يعيش المكلف في حيرة، و بالتالي لا يحتاج إلى إعمال قاعدة إن دفع المفسدة ...

____________

(1) ما ذكره (قدّس سرّه) و إن كان وجيها، و لكن يمكن أن يقال: إن من حقّنا أن نبقى ملاحقين للمشرّع و نقول له: إن المناسب لك أن تقدّم أنت النهي على الأمر لأن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، فأنت أيها المشرّع عليك مراعاة القاعدة المذكورة في مقام الترجيح.

61

و مقصودنا من المرجّح هو مثل أصل البراءة أو أصل الاشتغال، فإنه إذا جرى لنفي أحد الطرفين أو إثباته أخذنا به و ترتفع الحيرة آنذاك و لا نعود بحاجة إلى إعمال القاعدة.

و المثال لحالة عدم وجود المرجّح: ما إذا فرضنا دوران الأمر بين المحذورين، كما إذا فرض أن الشخص علم أنه حلف إما على شرب ماء البرتقال أو على ترك شربه، أي إن الأمر كان دائرا بين حرمة شربه و وجوب شربه، و في مثله لا يمكن أن يجري أصل البراءة و لا أصل الاشتغال.

أما أن أصل البراءة لا يجري فلأن جريانه في أحدهما لنفيه أمر بلا مرجح، و جريانه في كليهما يتنافى و العلم الإجمالي بثبوت أحدهما.

و أما أن أصل الاشتغال لا يجري فلأن تطبيقه على أحدهما دون الآخر بلا مجرح، و تطبيقه على كليهما أمر غير ممكن، لأن لازمه طلب الجمع بين النقيضين.

هذا كله في مثال حالة عدم وجود المرجّح.

و أما حالة وجوده فهي مقامنا، فإن الأمر في الحركة في الدار المغصوبة دائر بين أن تكون واجبة أو تكون محرّمة، و الحرمة يمكن إجراء أصل البراءة لنفيها و تأمين المكلف من ناحيتها، و هذا بخلاف الوجوب فإنه لا يجري أصل البراءة بلحاظه.

و الوجه في عدم جريان البراءة لنفي الوجوب هو أن الوجوب الذي يراد نفيه بأصل البراءة هل هو الوجوب التخييري للصلاة أو هو الوجوب التعييني، و كلاهما ليس بممكن.

أما الوجوب التخييري فلأن المكلف يقطع بكون الصلاة واجبة في حقه بنحو التخيير بلحاظ الأمكنة و بلحاظ الأزمنة، و من الواضح أن‏

62

الأصل يجري عند الشك دون حالة القطع، و عليه فهو لا يشك في الوجوب التخييري للصلاة حتّى يجري الأصل لنفيه؟

و أما الوجوب التعييني فلأنه لا يحتمل أن تكون الصلاة هذه بالخصوص- أعني الصلاة في المغصوب- واجبة عليه بنحو التعيين حتّى ينفى ذلك بأصل البراءة، بل هو يجزم بعدم الوجوب المذكور، و معه لا معنى لإجراء الأصل لأنه فرع الشك.

و بالجملة: الوجوب التعييني لا يحتمل ثبوته كي ينفى بأصل البراءة، و الوجوب التخييري يجزم بثبوته فما معنى إجراء البراءة لنفيه؟

و قد يخطر إلى الذهن هذا الاقتراح، و هو إجراء البراءة لنفي الوجوب التخييري الشامل لهذه الصلاة، فيقال هكذا: إني أشك في ثبوت وجوب تخييري وسيع شامل لهذا الفرد، أعني الصلاة في المغصوب، فتجري البراءة لنفي هذا الوجوب الوسيع.

و الجواب: أن أصل البراءة شرّع للمنة على العباد و التوسعة عليهم، فهو لا يجري إلّا إذا أوجب التوسعة، و من الواضح أن إجراء البراءة عن الوجوب التخييري بالنحو المذكور يوجب التضييق على العباد، لأن لازمه عدم الاكتفاء بأداء الصلاة في المغصوب و يتعيّن أداؤها في غيره.

و إذا قبلنا أن البراءة لا تجري لنفي الوجوب فتجري لنفي الحرمة من دون معارض، و إذا جرت لنفي الحرمة من دون معارضة أمكن للمكلف أن يأتي بالصلاة صحيحة، و ذلك لوجود الملاك و تحقّق قصد القربة، فإن صحة العبادة تحتاج إلى هذين الركنين، و هما متوفران.

أما أن الملاك متوفر فلأن ذلك هو المفروض على مبنى الشيخ‏

63

الخراساني، لأنه ذكر فيما سبق أن المورد لا يكون من باب الاجتماع إلّا إذا تحقق كلا الملاكين في المجمع.

و أما أن قصد القربة متحقّق فلأنه بعد جريان البراءة لنفي الحرمة لا يعود مانع يمنع من قصد القربة بالصلاة.

إذن عرفنا لحدّ الآن: إن قاعدة دفع المفسدة ... تجري إذا كان المكلف يعيش الحيرة، و مع جريان البراءة لنفي احتمال الحرمة- من دون معارضة بالبراءة لنفي الوجوب- ترتفع الحيرة حيث يكون بإمكان المكلف الإتيان بالصلاة صحيحة بعد وجود الملاك و تحقق قصد القربة.

هذا و قد تقول: إن مقامنا هو من صغريات الشك في الجزئية أو الشرطية، فالمكلف إذا شك في أن السورة جزء واجب للصلاة أو لا فشكه هذا شك في الجزئية، و إذا شك في أن الطمأنينة شرط في الصلاة أو لا فشكه هذا شك في الشرطية، (1) إن الشك في مقامنا شك في الجزئية

____________

(1) و يصطلح على الشك في الجزئية و الشرطية بالدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين. و وجه التسمية بذلك واضح، فإن المكلف حينما يشك في جزئية السورة هو يشك في الحقيقية في أن أجزاء الصلاة عشرة أو تسعة مثلا، فهو بهذا الاعتبار شك بين الأقل و الأكثر.

و أما وجه التعبير بالارتباطيين فلأن السورة لو كانت جزءا واقعا و لكن لم يأت بها المكلف لا يتحقّق منه الامتثال أبدا، لا أنه يتحقّق منه بمقدار تسعة أجزاء و يكون عاصيا بمقدار جزء واحد، كلا، إن الامتثال لا يقبل التبعيض بلحاظ الأجزاء، و هذا بخلاف ما لو شك في أنه مشغول الذمة بعشر صلوات أو تسعة مثلا، فلو أدّى تسعة و كان واقعا مشغول الذمة بعشرة تحقّق الامتثال منه بمقدار تسعة و عصيان بلحاظ صلاة واحدة، فالامتثال ليس مترابطا بخلافه هناك.

و هناك كلام وقع بين الأصوليين و تأتي الإشارة إليه في الجزء الثاني من الكفاية إن شاء اللّه تعالى، و هو أنه في مورد الشك في الجزئية أو الشرطية هل الأصل يقتضي البراءة عن الجزئية- أو الشرطية المشكوكة- أو أنه يقتضي الاشتغال.

64

أو الشرطية، فإنه حينما نشك في ثبوت حرمة الغصب- أي تقدّم النهي- فذلك يعني الشك في أن اباحة المكان شرط في صحة الصلاة أو لا، فإن كانت حرمة الغصب ثابتة فذلك يعني أن الاباحة شرط و إلّا فلا.

و إذا قبلنا أن مقامنا مصداق للشك في الشرطية فيترتّب على ذلك أنه إذا قلنا في تلك المسألة بجريان البراءة فنجري البراءة في مقامنا أيضا، و إذا قلنا بالاشتغال فيلزم أن نقول في مقامنا بالاشتغال أيضا.

و بالجملة: بعد التسليم بأن مسألتنا مصداق لتلك المسألة نحكم في مسألتنا بنفس ما نحكم به في تلك المسألة، فإن حكمنا هناك بالبراءة حكمنا في مسألتنا بذلك، و إن حكمنا بالاشتغال حكمنا به في مسألتنا أيضا.

و في هذا الصدد يعلّق الشيخ الخراساني و يقول: إنه حتّى لو قلنا هناك بالاشتغال ففي مقامنا نقول بالبراءة دون الاشتغال.

و الوجه في ذلك: إنه في تلك المسألة قد نقول بالاشتغال، و ذلك بتقريب أن البراءة حينما تنفي الجزئية المشكوكة فهي لا تنفيها واقعا و إنما تنفيها ظاهرا، و لازم ذلك أن من المحتمل أن تكون ثابتة واقعا، و مع احتمال ثبوتها واقعا فالعقل ربما يحكم بالاشتغال، لأن الاشتغال اليقيني بالصلاة يستدعي الفراغ اليقيني، و هو لا يتحقّق إلّا بإتيان جميع العشرة، و لا يكتفى بالتسعة من دون السورة لأنه على تقدير وجوبها لا يتحقّق امتثال بمقدار تسعة بل لا يتحقق امتثال رأسا.

هذا في تلك المسألة.

و أما في مسألتنا فالبراءة إذا جرت حكمنا بصحة الصلاة بنحو الجزم، و ذلك لأن شرطية اباحة المكان في باب الصلاة ليس ناشئة من ورود رواية خاصة في هذا المجال، كلا إنه لا توجد حتّى رواية ضعيفة

65

تدل على ذلك، و إنما ذلك ناشئ من تحريم الغصب على المكلف حيث قال (صلى اللّه عليه و آله): «لا يحلّ دم امرئ مسلم و لا ماله إلّا بطيبة نفسه»، (1) فالتصرف في أملاك الناس بدون إذنهم إذا كان محرّما فلازم ذلك اشتراط صحة الصلاة باباحة المكان، فشرطية الاباحة في الصلاة هي مستندة إلى حرمة الغصب، فإذا رفعنا الحرمة بأصالة البراءة لا يعود موجب للتوقّف في صحة الصلاة، لأن منشأ شرطية الاباحة هو حرمة الغصب فإذا رفعنا الحرمة التي هي منشأ انتزاع الشرطية فقد ارتفعت الشرطية، و بذلك يحكم بصحة الصلاة لوجود الملاك و تحقّق قصد القربة.

ثمّ استدرك (قدّس سرّه) بعد ذلك و قال: نعم لو بنينا على المبنى التالي، و هو أن الصلاة في المغصوب مثلا تشتمل على المفسدة و المصلحة معا، و نحن نحتمل أن مفسدتها أغلب و أقوى من مصلحتها، و هذه المفسدة الغالبة المحتملة توجب مبغوضيتها لدى المولى رغم عدم إحراز تلك الغلبة، و بالتالي توجب امتناع التقرّب بها إلى المولى، إنه لو بنينا على هذا المبنى و قلنا إن المفسدة التي نحتمل ثبوتها و غلبتها واقعا تمنع من قصد التقرّب فلا يمكن بناء على هذا إجراء البراءة في مسألتنا بل يجري أصل الاشتغال‏ (2) حتّى لو بنينا في مسألة الشك في الجزئية و الشرطية على البراءة، و ذلك لأننا نحتمل في الصلاة التي نريد أن نأتي بها في المغصوب مفسدة غالبة على مصلحتها، و بالتالي تكون تلك المفسدة الغالبة سببا لمبغوضيتها و امتناع قصد التقرّب بها.

____________

(1) وسائل الشيعة 5: 120/ الباب 3 من أبواب مكان المصلي/ الحديث 1.

(2) لا يخفى أن لازم إجراء أصل الاشتغال الخروج من الأرض المغصوبة و أداء الصلاة خارج الغصب.

66

أما لما ذا يجري أصل الاشتغال في مسألتنا حتّى لو بني على جريان البراءة في تلك المسألة؟ ذلك باعتبار أنه في تلك المسألة إذا شككنا في شرطية الطمأنينة مثلا فيمكن أن يقال بجريان البراءة، باعتبار أن الشك في اعتبار الطمأنينة شك في أصل التكليف، إذ المكلف يعلم بوجوب تسعة أجزاء و شرائط عليه و يشك في اعتبار الشرط العاشر- أعني الطمأنينة- فيمكن إجراء البراءة لنفي الشرطية المشكوكة، و هذا بخلافه في مسألتنا، فإن اعتبار قصد القربة في صحة العبادة أمر جزمي و لا يوجد شك في وجوبه لتجري البراءة لنفيه و إنما يشك في تحقّقه من جهة احتمال ثبوت المفسدة الغالبة الموجبة للمبغوضية، فالشك في مسألتنا ليس شكا في أصل التكليف بل شك في تحقّق ما تعلّق التكليف به جزما، فالقربة معتبرة جزما في صحة العبادة و لكن يشك في تحققها من جهة احتمال المفسدة الغالبة الموجبة للمبغوضية، و في مثله يحكم العقل بالاشتغال، لأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني. (1)

____________

(1) لا يخفى أن عبارة الشيخ الآخوند في المقام تشتمل على مطلبين لعلّ بينهما شيئا من التنافي، فهو ذكر أنه مع المفسدة الغالبة المحتملة الموجبة للمبغوضية لا يمكن قصد التقرّب، ثمّ ذكر أنه بناء على ذلك يجري أصل الاشتغال.

و وجه التنافي: أنه مع المفسدة الغالبة المحتملة الموجبة للمبغوضية إذا بنينا على عدم إمكان قصد القربة فلا معنى لإجراء أصل الاشتغال، إذ جريان الأصل فرع الشك، و في المقام لا شك بل يجزم بعدم إمكان قصد القربة لفرض أن المفسدة الغالبة محتملة واقعا و هي توجب المبغوضية التي لا يمكن معها التقرّب.

ثمّ إنه توجد قضية أخرى يجدر الالتفات إليها، و هي أنه قد يقال: إن احتمال غلبة المفسدة إنما يوجب المبغوضية و امتناع التقرّب فيما إذا لم تحتمل غلبة المصلحة أيضا و إلّا فلا يصير احتمال غلبة المفسدة مانعا من التقرّب.

و الأمر بالتأمل المذكور في آخر العبارة إشارة إلى هذا المطلب، كما أشار في الهامش نفسه (قدّس سرّه) إلى ذلك.

67

توضيح المتن:

بأنه مطلقا ممنوع: التعبير المذكور موهم، و المقصود أورد بأن الدوران بين الوجوب و الحرمة ليس مطلقا هو من الدوران بين المفسدة و المصلحة بل ربما يكون بين المفسدتين. و قد ذكرنا فيما سبق أن مناقشة القمي ليست في أصل القاعدة بل في كون المقام صغرى لها.

و لا يخفى ما فيه فإن الواجب ...: ما ذكره مجرد دعوى كان من المناسب دعمها بالدليل، و قد ذكرنا نحن فيما سبق دعمها بوجهين.

و لكن يرد عليه: أي على أصل التوجيه بأن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة. و الايرادات أربعة كما ذكرنا.

فإنه فيما إذا دار ...: أي فإن قانون دفع المفسدة أولى يتمّ ...

فيما لو حصل القطع: أي بالأولوية دون ما إذا حصل الظن، و واضح أنه لا يحصل عادة قطع بها.

كما في محل الاجتماع: أي كما في المجمع، و هو الصلاة في الغصب بناء على الامتناع، فإن الحرمة المشكوكة تجري البراءة عنها بلا معارضة.

إن قلت: كيف تجري البراءة عن حرمة الغصب؟ و هل يحتمل أن لا يكون حراما؟

قلت: إن المفروض أننا نتكلم على الامتناع، أي افتراض أن الموجود واحد لا يتحمّل حكمين معا بل أحدهما، فأما الحرمة ثابتة دون الوجوب أو بالعكس، و عليه فثبوت حرمة الغصب بلحاظ المجمع أمر مشكوك فتجري البراءة عنه.

فيحكم بصحته: أي لتوفّر الملاك و قصد القربة بالبيان الذي أشرنا إليه.

و لو قيل بقاعدة الاشتغال في الشك ...: أي الذي مقامنا مصداق له،

68

فإن الشك في مقامنا شك في شرطية الاباحة، أي اباحة مكان الصلاة، إذ لا نصّ يدل على حرمة الغصب لفقد أي رواية تدل على ذلك، و إنما نقول بلزوم اباحة مكان المصلي باعتبار أن الغصب في حدّ نفسه هو من المحرمات، و حيث إننا نشك في المقام في ثبوت حرمة الغصب فذلك يعني أننا نشك في ثبوت شرطية اباحة المكان.

فإنه لا مانع عقلا: أي فإنه لا مانع من الحكم بالصحة إلّا فعلية حرمة الغصب المرتفعة بالبراءة النقلية و العقلية.

فتأمل: تقدّم وجه الأمر بالتأمل.

خلاصة البحث:

و ثاني وجوه ترجيح النهي على الأمر أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة.

و أجاب القمي بأن الدوران بين الواجب و الحرام ربما يكون دورانا بين مفسدتين لا بين مصلحة و مفسدة.

و يردّه: إن الوجوب لا ينشأ إلّا عن مصلحة في الفعل لا عن مفسدة في الترك، و النهي لا ينشأ إلّا عن مفسدة في الفعل لا عن مصلحة في الترك.

و الصحيح الاجابة بما يلي: إن جلب المصلحة ربما يكون أحيانا هو الأولى، و إن القاعدة أجنبية عن المقام، و إن غاية ما يحصل عادة هو الظن بالأولوية دون القطع، و إن القاعدة تتم عند عدم مرجّح لأحد الطرفين- كالدوران بين الوجوب و التحريم التعيينيين- لا مثل مقامنا الذي تجري فيه البراءة عن الحرمة من دون معارضة بالبراءة عن الوجوب، و بالتالي يحكم بصحة الصلاة لوجود الملاك و تحقّق القربة

69

حتّى لو حكم في مسألة الشك في الشرطية بالاشتغال، إذ بإجراء البراءة هناك عن شرطية الطمأنينة مثلا يبقى احتمال شرطيتها واقعا الموجب لحكم العقل بالاشتغال، بخلاف المقام الذي يشك فيه في شرطية اباحة المكان، فإنه بنفي حرمة الغصب بأصل البراءة تنتفي الشرطية المذكورة.

نعم بناء على أن المفسدة الغالبة واقعا توجب المبغوضية فيحكم في المقام ببطلان الصلاة، لعدم إمكان قصد القربة و لا تجري البراءة و إن جرت في مسألة الشرطية، لأنه في مقامنا يشك في تحقّق ما هو معتبر جزما، بينما هناك يشك في أصل الاعتبار.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الوجه الثاني:

إن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.

و أورد في القوانين بأن في ترك الواجب المعيّن مفسدة أيضا.

و فيه: إن الواجب و لو كان معيّنا ليس إلّا لمصلحة في فعله من دون أن تكون مفسدة في تركه، كما أن الحرام ليس إلّا لمفسدة في فعله بلا مصلحة في تركه.

و الصحيح الايراد عليه بالوجوه الأربعة التالية:

1- إن الأولوية ربما تكون بالعكس، كما تشهد به مقايسة بعض المحرمات مع ترك بعض الواجبات خصوصا مثل الصلاة و ما يتلو تلوها.

2- و لو سلّم فهو أجنبي عن المقام، فإن مورد القاعدة ما إذا دار الأمر بين الواجب و الحرام.

3- و لو سلّم فالنافع هو القطع بالأولوية دون الظن.

70

4- و لو سلم فالقاعدة تجري إذا لم يكن مرجّح لأحد الطرفين من أصل براءة أو اشتغال- كما في الدوران بين الوجوب و الحرمة التعيينيين- دون ما إذا كان- كما في المقام- لجريان البراءة عن حرمة المجمع فيحكم بصحته و لو قيل بالاشتغال في مسألة الشك في الجزئية و الشرطية، إذ منشأ الشك في الشرطية في المقام هو احتمال فعلية الحرمة، و هي مرفوعة بالبراءة عقلا و نقلا.

نعم لو قيل بأن المفسدة الواقعية الغالبة مؤثّرة في المبغوضية و لو لم تكن محرزة فاصالة البراءة لا تجدي في المقام حتّى لو قيل بها هناك، لعدم تأتّي القربة بناء على المبنى المذكور فتأمل.

***

71

قوله (قدّس سرّه):

«و منها الاستقراء ...، إلى قوله: الأمر الثالث».

(1)

الوجه الثالث:

الوجه الثالث الذي يمكن ذكره لتقديم الحرمة على الوجوب هو التمسك بفكرة الاستقراء، فإنه لو تتبعنا الموارد التي يدور الأمر فيها بين الوجوب و الحرمة لوجدنا أن الشريعة تقدّم الحرمة على الوجوب. و في هذا المجال نذكر المثالين التاليين:

1- أيّام الاستظهار التي يدور فيها أمر الصلاة بين الوجوب و الحرمة، حيث قدّم الشرع جانب الحرمة.

و المراد من أيّام الاستظهار الأيّام التي تتعقّب أيّام العادة، فلو فرض أن عادة المرأة في الحيض كانت سبعة أيّام مثلا، و في اليوم السابع انقطع الدم و اغتسلت، و لكنه في اليوم الثامن رأت الدم من جديد، ما ذا يحكم على الدم المذكور؟ إنه إذا تجاوز اليوم العاشر حكم على الزائد بالاستحاضة، و أما إذا لم يتجاوزه حكم على المجموع الواقع في العشرة بالحيض. و هذا واضح، و لكن المرأة ما ذا تفعل؟ إنها لا تدري هل يستمر الدم إلى ما بعد العشرة حتّى تجب عليها الصلاة أو لا يستمر حتّى تحرم عليها، فأمر الصلاة على هذا دائر بين الوجوب و الحرمة، و الشرع قدّم جانب الحرمة و حكم على المرأة بحرمة الصلاة.

____________

(1) الدرس 183: (28/ ربيع الأوّل/ 1426 ه).

72

و بهذا يثبت مطلوبنا، و هو أنه عند دوران أمر الشي‏ء بين الحرمة و الوجوب يقدّم الشرع جانب الحرمة.

2- إذا كان لدى المكلف اناءان، يوجد في أحدهما ماء متنجس، و في الآخر ماء طاهر، و لكنه لا يميّز الطاهر من المتنجس، إنه في هذه الحالة ما ذا يفعل؟ إن الماء في الاناء الأوّل إذا كان طاهرا فالوضوء منه واجب و إذا كان متنجسا فالوضوء منه محرّم، و هكذا الحال بالنسبة إلى الاناء الثاني، فأمر الوضوء على هذا يدور بين الوجوب و الحرمة، و في هذا المجال حكم الإمام الصادق (عليه السّلام) على ما دلت عليه موثقة سماعة بلزوم اهراقهما و التيمم، (1) و بهذا يثبت مطلوبنا أيضا، فإنه عند دوران أمر الوضوء بين الوجوب و الحرمة حكم الشرع بتقديم الحرمة.

إذن مقتضى الاستقراء أنه متى ما دار الأمر بين احتمال الوجوب و الحرمة حكم الشرع بتقديم جانب الحرمة.

هذا حاصل المرجّح الثالث.

و ناقشه الشيخ الخراساني بثلاث مناقشات:

1- إن التمسك بالاستقراء باطل في حدّ نفسه، لأن الناقص منه لا يفيد إلّا الظن، و التام منه و إن أفاد العلم إلّا أنه لا يمكن تحقّقه، لأن المورد المبحوث عنه هو من أحد الأفراد، و المفروض أن حكمه مشكوك، فلعلّ الشرع لا يقدّم فيه جانب الحرمة، أي إنه في المجمع لعلّه لا يقدّم الشرع احتمال الحرمة بل يقدّم احتمال الوجوب.

____________

(1) و نص الموثقة: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل معه اناءان، فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره، قال: «يهريقهما جميعا و يتيمم» وسائل الشيعة 1: 151/ الباب 8 من أبواب الماء المطلق/ الحديث 2.

73

2- إنه مع التنزّل و التسليم بحجية الاستقراء الناقص نقول: إن الاستقراء لا يتحقّق بمثالين، بل لا بدّ من الاستشهاد بأمثلة أكثر.

3- إنه مع التنزّل و تسليم أن الاستقراء الناقص يتحقّق بمثالين نقول: إن المثالين المذكورين لا يصحّ الاستشهاد بهما في نفسهما.

و نتحدّث أوّلا عن المثال الأوّل، ثمّ عن المثال الثاني.

المثال الأوّل:

أما بالنسبة إلى المثال الأوّل فيمكن أن نذكر له مناقشتين:

أ- إن أمر الصلاة في أيّام الاستظهار و إن كان دائرا بين الوجوب و الحرمة إلّا أن حكم الشرع بالحرمة لعلّه ليس من جهة تقديم الحرمة على الوجوب عند الدوران بينهما، بل ذلك من جهة وجود نكتة ترجّح احتمالها، و تلك النكتة هي قاعدة الإمكان أو الاستصحاب.

و المراد بقاعدة الإمكان التي ذهب إليها بعض الفقهاء هو أن كل دم أمكن أن يكون حيضا شرعا- بأن كان لا يقل عن ثلاثة أيّام و يفصل بينه و بين الدم السابق أقل الطهر- يحكم عليه بالحيضية، و حيث إن الدم الذي تراه المرأة بعد أيّام العادة يمكن أن يكون حيضا فيحكم عليه بذلك، و بالتالي يحكم على الصلاة بالحرمة.

و أما الاستصحاب فالمقصود منه واضح، فإن الدم كان قبلا حيضا، و الآن- أي بعد أيّام العادة و قبل انتهاء العشرة- يشك في بقاءه على الحيضية فيحكم عليه بها. (1)

____________

(1) نعم هناك إشكال يذكر عادة في باب الاستصحاب، و هو أن الدم أيّام العادة يغاير الدم بعد تجاوز أيّامها لأنه من الموجودات السيّالة التدريجيّة غير القارة، و مع التغاير بين الدمين كيف يقال: هذا الدم كان حيضا و الآن كذلك، و الحال أن ذلك الدم غير هذا الدم؟-

74

إذن الحكم على الصلاة بالحرمة في أيّام الاستظهار لعلّه من جهة قاعدة الإمكان أو الاستصحاب و ليس من جهة أن الحرمة مقدمة على الوجوب عند اجتماع احتمالهما.

ب- إن المورد ليس من موارد دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة في حدّ نفسه لأنه إنما يكون من موارد الدوران المذكور فيما إذا بني على أن الصلاة محرّمة على الحائض حرمة ذاتية لا ترتبط بقصد التشريع، أما إذا بني على أن حرمتها تشريعية- بمعنى أنه تكون حراما لو قصد بفعلها التشريع- فلا تكون محرّمة في أيّام الاستظهار و لا يكون أمرها دائرا بين الوجوب و الحرمة بل بين الوجوب و الاباحة، لأن الدم إذا كان استحاضة فالصلاة واجبة و إذا كان حيضا فهي ليس محرّمة في حدّ ذاتها و إنما تكون محرّمة لو قصد بها التشريع، و حيث إن المرأة إذا أرادت أن تؤدي الصلاة أيّام الاستظهار تؤديها بقصد الرجاء، أي بقصد احتمال أن لا يكون الدم حيضا فلا يكون قصد التشريع متحقّقا، و بالتالي لا تكون محرّمة بل مباحة، فالأمر إذن في الصلاة دائر بين الوجوب و الاباحة و ليس بين الوجوب و الحرمة.

المثال الثاني:

و أما المثال الثاني فنفس المناقشة الثانية التي أشرنا إليها في (ب) تأتي فيه، أي نقول: إن الوضوء بالماء النجس يمكن أن لا يكون محرّما بحرمة ذاتية بل بحرمة تشريعية، و في مثال الإناءين حيث إن المكلف‏

____________

- و اجيب في محله أن الدم و إن كان من الموجودات السيّالة التدريجيّة إلّا أنه لقلة الفواصل بين أجزاءه يعدّ في نظر العرف موجودا واحدا متصلا و تصحّ الإشارة إليه بأنه كان سابقا حيضا و الآن يشك في ذلك فتستصحب حيضيته.

75

حينما يريد الوضوء بالماء الأوّل لا يقصد التشريع بل يتوضأ منه لاحتمال كونه ماء طاهرا- و هكذا الحال إذا أراد الوضوء من الاناء الثاني- فلا يكون أمره دائرا بين الوجوب و الحرمة بل بين الوجوب و الاباحة.

إن قلت: إذا كان الأمر كذلك فلما ذا يلزم اهراقهما و التيمم، بل المناسب التوضؤ بكل منهما، فيتوضأ بالماء الأوّل أوّلا، ثمّ بعد ذلك يتوضأ بالماء الثاني، و يقطع آنذاك بتحقّق الوضوء الصحيح جزما؟

و الجواب: إن ذلك إما من باب التعبّد المحض لأجل النص الخاص، أعني موثقة سماعة، و لو لا التعبّد كانت القاعدة تقتضي لزوم التوضؤ مرة بهذا و مرة بذاك، أو هو من باب الحكم بنجاسة الأعضاء بمقتضى الاستصحاب.

توضيح ذلك: إن المكلف حينما يصبّ من الماء الأوّل على يده فهو لا يعلم بحصول التنجس لها و لكن حينما يصبّ الماء الثاني عليها، و هو بعد باق قبل أن ينفصل عنها يحصل العلم تفصيلا بأنها متنجسة الآن، لأنه إذا كان الماء الثاني هو النجس فحصول التنجس لها واضح، و إذا كان الماء الأوّل هو النجس فاليد الآن نجسة أيضا، لأنه إنما تطهر بإصابة الماء الثاني الطاهر فيما إذا انفصل عنها، أما إذا لم ينفصل و كان بعد باقيا عليها فلا يحكم بحصول الطهارة، إذ شرط حصولها انفصال ماء الغسالة.

إذن قبل انفصال ماء الغسالة المأخوذ من الاناء الثاني يعلم تفصيلا بنجاسة اليد، ثمّ إذا أريق الماء بعد ذلك و انفصل ماء الغسالة فسوف يحصل الشك في زوال تلك النجاسة المعلومة تفصيلا و يحكم باستصحابها.

نعم لو كان الماء الثاني كرا بحيث تحصل الطهارة بمجرد إصابته بلا حاجة إلى انفصال ماء الغسالة و لا تعدّد الغسل فلا يحصل آنذاك علم تفصيلي‏

76

بنجاسة اليد عند إصابة الماء الثاني لها. نعم يحصل للشخص علم إجمالي بأن يده قد تنجست حتما إما عند إصابتها للماء الأوّل أو عند إصابتها للماء الثاني، إن هذا شي‏ء صحيح، و لكن ذلك لا يصحح جريان استصحابها، إذ الشخص كما يعلم بأن يده قد تنجست إما عند ملاقاة اليد للاناء الأوّل أو عند الملاقاة للاناء الثاني كذلك يعلم بأنها كانت طاهرة إما عند الملاقاة للاناء الأوّل أو عند الملاقاة للاناء الثاني، و لأجل المعارضة المذكورة بين استصحاب النجاسة و استصحاب الطهارة تصل النوبة إلى قاعدة الطهارة.

و بالجملة: إذا كان الاناء الثاني أقل من كر- كما هو المفروض في موثقة سماعة، فإن لفظ الاناء يطلق عادة على الأقل من كر- فالماء الموجود فيه متى ما أصاب اليد و كان بعد موجودا عليها و لم ينفصل فيحصل العلم تفصيلا بتنجسها، ثمّ إذا اريق و انفصلت الغسالة يحصل الشك في زوال التنجس فيستصحب بقاء النجاسة. و موثقة سماعة حينما حكمت بلزوم اهراق الماءين و التيمم فلعله من هذه الناحية، أي لأجل أن أعضاء الوضوء محكومة بالنجاسة بمقتضى الاستصحاب، (1) و نحن نعرف أن طهارة الأعضاء شرط في صحة الصلاة، فنكتة لزوم الاهراق هي هذه و ليس لأجل بطلان الوضوء.

توضيح المتن:

و فيه أنه لا دليل ...: هذا إشارة إلى المناقشة الأولى.

و لو سلّم فهو لا يكاد ...: هذا إشارة إلى المناقشة الثانية.

و لو سلّم فليس ...: هذا إشارة إلى المناقشة الثالثة.

____________

(1) و غسل الأعضاء بعد ذلك بماء ثالث أمر غير ممكن لأن المفروض أن الموجود اناءان لا ثلاثة.

77

لأن حرمة الصلاة فيها: أي في أيّام الاستظهار.

ثمّ إنه كان المناسب إبداء الاحتمال دون الجزم فيعبّر هكذا: لأن حرمة الصلاة فيها يحتمل أن تكون لقاعدة الإمكان ...

لا لأجل تغليب جانب الحرمة: فإن المدّعى أنه لو دار الأمر بين الحرمة و الوجوب فمع قطع النظر عن وجود قاعدة خاصة تقتضي تقديم أحدهما نقول بتقدّم الحرمة، و المفروض في المقام وجود القاعدة الخاصة الموجبة لتقديم الحرمة.

و إلّا فهو خارج عن محل الكلام: حيث يكون الدوران آنذاك بين الوجوب و الاباحة لا بين الوجوب و الحرمة.

و من هنا انقدح: هذا شروع في الردّ على المثال الثاني، أي من أن الحرمة يمكن أن تكون تشريعية و ليست ذاتية.

و الضمير في منه يرجع إلى المقام.

فيما لو توضئ منهما احتياطا: أي برجاء أن يكون هو الماء الطاهر.

و لو كذلك: أي احتياطا.

و عدم استعمال مطهّر ...: عطف على القطع، أي للقطع بحصول النجاسة مع عدم العلم باستعمال مطهّر بعده، أي بعد الغسل بالماء الثاني لفرض أنه لا يوجد ماء ثالث.

و لو طهّر بالثانية: الواو وصلية، أي حتّى لو فرض أن الشخص قد طهّر بالاناء الثانية المواضع التي أصابها الماء الأوّل.

بلا حاجة إلى التعدد: كما لو كان الاناء الثاني كرا أو كان كلاهما كرا يعلم بنجاسة أحدهما إجمالا.

78

أو انفصال الغسالة: المناسب: الواو بدل أو.

لا يعلم تفصيلا: المناسب: فسوف لا يعلم تفصيلا ...

و لا مجال لاستصحابها: أي و لكن لا مجال لاستصحاب النجاسة لمعارضته باستصحاب الطهارة.

بل كانت قاعدة الطهارة محكّمة: هذا مع قطع النظر عن الموثقة و إلّا فقد يقال بشمولها لما إذا كان أحد الإناءين كرا و إن كان ذلك ربما يضعّف بظهور لفظ الاناء في كونه أقل من كر.

خلاصة البحث:

ثالث المرجحات هو التمسك بالاستقراء، حيث رجّح احتمال الحرمة في أيّام الاستظهار و في مثال الإناءين.

و لكن ذلك قابل للرّدّ بثلاث مناقشات: عدم حجية الاستقراء، لأن الناقص لا يفيد إلّا الظن، و التام لا يمكن تحققه، و مع التنزّل فالاستقراء الناقص لا يتحقّق بمثالين، و مع التنزّل فالمثالان أجنبيان عن المقام.

أما الأوّل فلاحتمال أن الحكم بحرمة الصلاة هو من جهة قاعدة الإمكان أو الاستصحاب، مضافا إلى احتمال أن تكون الحرمة تشريعية، فلا دوران بين الحرمة و الوجوب، بل بين الوجوب و الاباحة.

و أما الثاني فلاحتمال أن الحرمة تشريعية، فلا دوران بين الحرمة و الوجوب، بل بين الوجوب و الاباحة.

و الموثقة إنما حكمت بلزوم الاراقة إما تعبّدا أو لأجل نجاسة الأعضاء الثابتة بمقتضى استصحاب النجاسة المعلومة بالتفصيل عند إصابة الماء الثاني لليد قبل انفصاله عنها.

79

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الوجه الثالث: الاستقراء، فإنه يقتضي ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب، كحرمة الصلاة في أيّام الاستظهار، و عدم جواز الوضوء من الإناءين المشتبهين.

و فيه: إنه لا دليل على اعتبار الاستقراء ما لم يفد القطع.

و لو سلّم فهو لا يكاد يثبت بهذا المقدار.

و لو سلّم فليست حرمة الصلاة و لا عدم جواز الوضوء مرتبطين بالمقام.

أما حرمة الصلاة فلاحتمال أن تكون لقاعدة الإمكان أو الاستصحاب و ليس لتغليب جانب الحرمة، كما هو المدعى.

هذا لو قيل بحرمتها الذاتية في أيّام الحيض و إلّا فهي خارجة عن محل الكلام.

و أما الوضوء من الإناءين فقد اتضح الحال فيه، فإن حرمة الوضوء من الماء النجس تشريعية، و لا تشريع فيما لو توضئ منهما احتياطا، و عدم جواز الوضوء منهما كذلك تعبّدي أو من جهة نجاسة الأعضاء بحكم الاستصحاب للقطع بحصولها حال ملاقاة الماء الثاني- أما بسببها أو بسبب ملاقاة الماء الأوّل- مع عدم استعمال مطهّر بعده حتّى لو طهّر بالثاني مواضع ملاقاة الأوّل.

نعم لو كانت تطهر- على تقدير نجاستها- بمجرد الملاقاة بلا حاجة إلى تعدّد و انفصال الغسالة فلا يحصل العلم بنجاستها تفصيلا و إن علمت إجمالا إما بملاقاة الأوّل أو الثاني، و لكن لا مجال لاستصحابها، بل أن قاعدة الطهارة هي المحكّمة.

***

80

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر الثالث ...، إلى قوله: فصل».

(1)

التنبيه الثالث: حكم الاضافات:

في هذا التنبيه الأخير يشير (قدّس سرّه) إلى هذا لمطلب، و هو: أنه تقدّم سابقا أن المورد لا يكون من باب الاجتماع إلّا إذا افترض أن لدينا موجودا واحدا يشتمل على عنوانين يتعلّق بأحدهما الوجوب، و بالآخر الحرمة بناء على كفاية تعدّد العنوان في تعلّق الحكمين.

و في هذا التنبيه يراد أن يقال: إن العنوان لو كان واحدا و لم يكن متعددا و لكن كانت الإضافة متعددة فهل يكفي ذلك؟ فلو قيل: يجب إكرام العالم و يحرم إكرام الفاسق نلاحظ أن الإكرام عنوان واحد قد تعلّق به الوجوب و التحريم، و لكنه تارة نجده قد أضيف إلى العالم، و أخرى إلى الفاسق، و هذا الاختلاف في الإضافة هل يكفي و يكون كتعدد العنوان أو لا؟ نعم يكفي لأنه بتعدّد الاضافة يتعدّد مركز الوجوب و التحريم، و مركز المفسدة و المصلحة كما يتعدّد باختلاف العنوان.

و من خلال هذا يتضح أن المثال المذكور- أعني يجب إكرام العالم و يحرم إكرام الفاسق- هو مصداق لباب اجتماع الأمر و النهي و ليس مصداقا لباب التعارض.

و بناء على هذا سوف يتضح الخلاف بين رأي الشيخ الخراساني‏

____________

(1) الدرس 184 و 185: (29 و 30/ ربيع الأوّل/ 1426 ه).

81

و رأي المشهور، فالمشهور يرى أن المثال المذكور هو من مصاديق باب التعارض، حيث يذكرون أن التعارض تارة يكون بنحو التباين، و أخرى بنحو العموم و الخصوص من وجه، و يمثّلون للثاني بالمثال المتقدم، بينما الشيخ الخراساني يرى أنه من مصاديق باب الاجتماع.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) في تكملة حديثه: إن الصحيح أن المثال المتقدم هو من باب الاجتماع، و المشهور حينما عدّه من باب التعارض لا بدّ أن يكون ذلك إما من جهة أن كلا الملاكين للحكمين ليس موجودا بل أحدهما موجود دون الآخر، و قد ذكرنا فيما سبق أنه متى ما أحرزنا انتفاء أحد الملاكين فيتحقّق بين الدليلين التعارض لعلمنا الإجمالي بكذب أحدهما لانتفاء ملاكه، هكذا نقول، أو نقول: إن عدّه من باب التعارض هو من جهة أنهم يبنون على امتناع الاجتماع دون الجواز. (1)

***

____________

(1) هذا غريب، فإنه تقدم سابقا في الأمر الثاني انه بناء على الامتناع يتحقق التزاحم الملاكي دون التعارض. قال (قدّس سرّه) ص 273: «الأمر الثاني: قد مرّ في بعض المقدمات انه لا تعارض بين مثل خطاب صل و خطاب لا تغصب على الامتناع ...

بل إنما هو من باب تزاحم المؤثرين ...».

82

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

83

الفصل الثالث: اقتضاء النهي للفساد

84

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

85

قوله (قدّس سرّه):

«فصل في أن النهي عن الشي‏ء ...، إلى قوله:

الرابع».

مبحث اقتضاء النهي للفساد:

هذا شروع في المبحث المعروف بأن النهي عن العبادة أو المعاملة هل يقتضي فسادهما؟ و قبل الدخول في صميم البحث لا بدّ من تقديم أمور:

الأمر الأوّل:

الفرق بين هذه المسألة و المسألة السابقة واضح، فإن الجنبة المبحوثة في احدى المسألتين تغاير الجنبة المبحوثة في المسألة الأخرى، ففي مسألتنا هذه يبحث هل النهي يدل على الفساد و يلازمه أو لا، بينما في مسألة اجتماع الأمر و النهي يبحث هل تعدّد العنوان يرفع مشكلة اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد أو لا.

و هذا مطلب قد تقدمت الإشارة إليه في المسألة السابقة تحت عنوان الأمر الثاني، (1) و ذكرنا أن المسألتين و إن كان ربما يقال باشتراكهما في وجود الأمر و النهي فيهما إلّا أن التغاير بين العلوم، و هكذا بين المسائل حيث إنه بتغاير جهة البحث، و المفروض أنها متغايرة في مقامنا- كما أوضحنا- فلا تعود مشكلة من هذه الناحية.

____________

(1) بعد تقدّم هذا المطلب سابقا في الأمر الثاني فلا تعود حاجة إلى التكرار من جديد، فإنه بلا موجب.

86

الأمر الثاني:

هل البحث في المسألة المذكورة لفظي أو عقلي؟ قد يقال: إن البحث عقلي، لأنه في باب العبادة نبحث هل هناك ملازمة بين الحرمة و بين الفساد أو لا من دون مدخلية لكون الحرمة مدلولة للفظ، فالملازمة إن كانت ثابتة فهي ثابتة و إن لم تكن الحرمة مستفادة من اللفظ، و إن لم تكن ثابتة فتكون منتفية حتّى مع فرض وجود اللفظ الدال على الحرمة، و عليه فالبحث ينبغي أن يكون عقليا.

و هذا المطلب و إن كان وجيها إلّا أنه يوجد في المسألة رأي يقول: إنه لا ملازمة في باب المعاملة بين الحرمة و الفساد و لكن رغم ذلك يدل لفظ النهي على الفساد، إن لازم هذا الرأي أن ثبوت الفساد ليس هو من جهة الملازمة، لأنه قد افترضنا عدم تسليمه بها و يتعين أن يكون ذلك من جهة دلالة اللفظ، و لازم هذا أن نجعل النزاع نزاعا لفظيا، أي في دلالة لفظ النهي على الفساد.

و قد تقول: إذا جعلنا النزاع في دلالة اللفظ فسوف نخسر تلك الجماعة الكثيرة التي تقول في باب العبادة بثبوت الفساد لا من جهة دلالة لفظ النهي بل من جهة الملازمة بين الحرمة و الفساد.

و الجواب: إنه يمكن جعل النزاع في دلالة اللفظ من دون أن نخسر الجماعة المذكورة، و ذلك بأن تكون صياغة عنوان البحث هكذا: هل لفظ النهي يدل على الفساد و لو بالدلالة الالتزامية العقلية أو لا؟ إننا قرأنا في المنطق أن دلالة اللفظ لا تختص بالدلالة المطابقية أو التضمنية بل تعمّ الدلالة الالتزامية الناشئة من الملازمة العرفية أو العقلية، إنه بعد تعميم دلالة اللفظ إلى الدلالة الالتزامية يلزم دخول كلا الطرفين في حريم النزاع.

87

إذن مسألتنا يمكن جعل النزاع فيها لفظيا بالبيان المتقدم، و هذا بخلافه في المسألة السابقة فإنه لا يمكن جعله لفظيا، إذ النزاع فيها هو في أن تعدّد العنوان هل يكفي لرفع مشكلة اجتماع الحكمين المتنافيين في شي‏ء واحد أو لا، و من الواضح أن النزاع بهذا الشكل هو عقلي بحت، و لا مجال لربطه باللفظ.

الأمر الثالث:

و في هذا الأمر نبحث النقطتين التاليتين:

1- هل لفظ النهي في عنوان البحث يختص بالنهي التحريمي أو يعم النهي الكراهتي؟

و الجواب: إن لفظ النهي و إن كان ظاهرا في خصوص التحريمي إلّا أن ملاك البحث و روحه يعمّان الكراهتي أيضا، فإن التحريم إنما يلازم الفساد في العبادة ليس إلّا باعتبار أنه يدل على المبغوضية التي لا يمكن معها قصد التقرب، و من الواضح أن النهي الكراهتي يدل على المبغوضية أيضا- غايته بدرجة مخفّفة- فيلزم أن يكون موجبا لامتناع تحقّق التقرّب، و بالتالي يكون موجبا للفساد.

إذن ملاك البحث في باب العبادات لا يختص بالنهي التحريمي بل يعمّ الكراهتي أيضا، و معه لا وجه لتخصيص النهي في العنوان بخصوص التحريم.

لا يقال: إن الملاك و إن كان عاما للكراهتي إلّا أن عمومه له مختص بباب العبادات، فإنه فيه يمكن أن يقال: إن النهي سواء أ كان تحريميا أم كراهيا ينافي الصحة، و أما في المعاملات فالملاك ليس عاما لأنه لم يتوهم أحد أن النهي الكراهتي مناف للصحة، إذ ما أكثر المعاملات المكروهة.

88

فإنه يقال: إن الأمر و إن كان كما ذكر إلّا أنه لا يستوجب تخصيص النهي بالتحريمي بل يبقى على إطلاقه، غايته يعمّ البحث في العبادات كلا قسميه، و في المعاملات يختص بالتحريمي.

2- هل النهي في عنوان البحث يختص بالنهي النفسي أو يعمّ الغيري، أي المقدمي؟ إنه يعمّ الاثنين معا.

و الوجه في ذلك: إن النهي الغيري تارة يكون أصليا، و أخرى يكون تبعيا. (1)

فإن كان أصليا فيلزم أن يكون المولى قد أراده بإرادة مستقلة، و لازم إرادته المستقلة أن يكون قد التفت إليه بشكل مستقل، و لازم الالتفات المستقل إليه إنشاؤه باللفظ و إيجاده به، فيكون النهي نهيا لفظيا، و يدخل آنذاك في عنوان البحث، فإنه قد ذكرنا في التنبيه الثاني أن النزاع هو في دلالة لفظ النهي.

و إن كان تبعيا فهو لأجل أن إرادته تبعية لا يكون المولى ملتفتا إليه بشكل مستقل، و بالتالي لا يجعله في قالب اللفظ، و من ثمّ لا يكون مشمولا لعنوان البحث- لأنه كما قلنا هو مختص بالنهي المدلول للفظ- إلّا أنه مشمول لملاك البحث و روحه، إذ القائل بدلالة النهي على الفساد إنما يقول بذلك من جهة ملازمة الحرمة للفساد من دون مدخلية لكون الحرمة مدلولة للفظ، كما أنه لا مدخلية- خلافا للقمي صاحب القوانين- لكون التحريم موجبا لاستحقاق‏

____________

(1) تقدم في الكفاية (ص 194) أن الواجب الأصلي هو الواجب الذي يريده المولى بإرادة مستقلة بخلاف الواجب التبعي فإنه يريده بإرادة تبعية، و لازم الإرادة المستقلة التفات المولى إلى الواجب، و بالتالي إنشاؤه و صياغته باللفظ، بينما لازم الإرادة التبعية عدم الالتفات، و بالتالي عدم الإنشاء باللفظ.

89

العقوبة على مخالفته، (1) إن هذا لا وجه له و دعوى بلا موجب، بل إن الحرمة إذا كانت ملازمة للفساد فهي ملازمة له حتّى إذا كانت غيرية لا تقتضي استحقاق العقوبة على المخالفة.

ثمّ ذكره (قدّس سرّه) في نهاية الأمر المذكور أنه مما يؤكّد أن لفظ النهي في عنوان البحث يعمّ النهي الغيري و لا يختص بالنفسي أن الأعلام قد جعلوا ثمرة البحث في مسألة الاقتضاء فساد الضد إذا كان عبادة، فبناء على أن الأمر بالإزالة يقتضي النهي عن الصلاة يلزم وقوع الصلاة- التي هي ضد عبادي للإزالة- فاسدة، إنهم قالوا: إن ثمرة البحث في مسألة الاقتضاء هي فساد الضد العبادي، و من الواضح أن النهي عن الصلاة هو نهي غيري، أي بسبب أن ترك الصلاة مقدمة لوجود الإزالة، و هذا معناه أن النهي الغيري يقتضي الفساد كالنهي النفسي.

توضيح المتن:

العنوانات و الجهات: العطف تفسيري.

ضرورة أنه يوجب: أي تعدّد الإضافة.

المضاف بها: أي بتلك الإضافة. و كان بالإمكان الاستغناء عن كلمة بها.

فما يتراءى منهم: أي من المشهور.

إنما يكون بناء على الامتناع: تقدّم أنه بناء على الامتناع لا يحصل تعارض على رأي المصنف بل تزاحم ملاكي.

____________

(1) و هذا يعني ان النزاع يختص بالنهي النفسي لأنه الذي تترتّب على مخالفته عقوبة، بخلاف النهي الغيري، فإنه لا عقوبة على مخالفته، فالنهي عن شرب الخمر مثلا حيث إنه نفسي فتترتّب على مخالفته عقوبة بخلاف النهي عن ترك المقدمة، فإنه لكونه غيريا لا تترتّب على مخالفته عقوبة.

90

بوجه يأتي تفصيله: يأتي وجه دلالة النهي على الفساد (ص 294) من الكفاية.

في أن تعدّد الجهة: أي تعدّد العنوان.

التي هي مفاده فيها: أي في المعاملات، و هو متعلّق بالملازمة و ليس بكلمة مفاده.

و التعبير المناسب هكذا: مع إنكار الملازمة فيها بينه و بين الحرمة.

و فقرة (التي هي مفاده) لا حاجة إليها.

و لا ينافي ذلك: أي لا ينافي عدّ المسألة من مباحث الألفاظ أن الملازمة ...

ثمّ إن هذا ردّ على الشيخ الأعظم حيث ذكر أن النزاع هو في الملازمة لأنه في باب العبادة ادعيت الملازمة بين الفساد و بين الحرمة حتّى لو لم تكن مستفادة من اللفظ، و المدّعي لعدم الملازمة ينفيها بين الفساد و بين مطلق الحرمة أيضا، فالنزاع إذن لا يختص بحالة وجود لفظ يدل على الحرمة.

و الجواب قد تقدّم توضيحه.

ظاهر لفظ النهي: هذا إشارة إلى النقطة الأولى.

و اختصاص عموم ملاكه: هذا مبتدأ، و خبره لا يوجب التخصيص به، أي بالنهي التحريمي.

كما لا وجه لتخصيصه: هذا إشارة إلى النقطة الثانية.

لما عرفت أنه: أي محل البحث. و قد عرفنا ذلك في الأمر الثاني.

و التبعي منه: أي إن التبعي من النهي هو من جنس المعنى و ليس من جنس اللفظ.

فيما لم يكن للإرشاد إليه: أي فيما إذا لم يكن النهي للإرشاد إلى‏

91

الفساد، إذ ما يكون للإرشاد إلى الفساد يدل على الفساد بلا إشكال و يكون خارجا عن محل الكلام و إلّا يلزم خلف الفرض.

من غير دخل لاستحقاق: كان من المناسب أن يقول: من غير دخل للفظ و من غير دخل لاستحقاق العقوبة.

على مخالفته في ذلك: أي في دلالته على الفساد.

و يؤيد ذلك: المناسب أن يكون هذا تأييدا لأصل المطلب، أي لكون النهي شاملا للغيري.

فساده إذا كان عبادة: أي فساد الضد إذا كان عبادة.

خلاصة البحث:

إن تعدّد الإضافة كتعدّد العنوان لاختلاف مركز الوجوب و التحريم، و المصلحة و المفسدة بذلك.

و عدّ المشهور مثال تعدّد الإضافة مصداقا لباب التعارض مبني إما على الامتناع أو انتفاء أحد الملاكين.

و الفرق بين مسألة اقتضاء النهي للفساد و مسألة الاجتماع هو من ناحية تغاير جهة البحث.

و مسألة اقتضاء النهي للفساد ينبغي عدّها لفظية حتّى يدخل رأي القائل بالدلالة مع إنكار الملازمة.

و البحث يعمّ النهي الكراهتي أيضا لعموم ملاكه، كما أنه يعمّ النهي الغيري، و يؤيده أنهم جعلوا ثمرة القول باقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده فساده إذا كان عبادة.

92

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

التنبيه الثالث: تعدد الإضافات:

الظاهر أن تعدّد العنوان لو كان كافيا في جواز الاجتماع فتعدّد الإضافة كذلك لاختلاف المضاف بحسب المصلحة و المفسدة، و الحسن و القبح، و الوجوب و الحرمة، و عليه فمثل: أكرم العلماء و لا تكرم الفساق هو من باب الاجتماع دون التعارض إلّا مع انتفاء أحد الملاكين.

و ما يتراءى من المشهور من التعامل في المثال المتقدم معاملة التعارض مبني على الامتناع أو عدم أحد الملاكين.

فصل: مبحث اقتضاء النهي للفساد:

و ينبغي تقديم أمور:

الأوّل: الفرق بين هذه المسألة و سابقتها اختلاف جهة البحث، فالبحث في هذه في دلالة النهي على الفساد، بينما في تلك في أن تعدّد العنوان هل يكفي في رفع مشكلة اجتماع الحكمين المتضادين أو لا؟

الثاني: لا يخفى أن عدّ هذه المسألة من مباحث الألفاظ باعتبار أنه يوجد رأي يقول بدلالة النهي في المعاملات على الفساد من دون تسليم بالملازمة بينه و بين الحرمة.

و لا ينافي ذلك أن الملازمة في العبادة على تقدير ثبوتها تكون ثابتة بين الفساد و الحرمة و لو لم تكن مدلولة للصيغة، لإمكان أن يكون البحث في دلالة الصيغة بما تعمّ دلالتها الالتزامية، فلا تقاس بتلك المسألة التي لا يكون لدلالة اللفظ بها مساس.

الثالث: و هو يشتمل على:

93

1- إن ظاهر لفظ النهي و إن كان هو التحريمي إلّا أن ملاك البحث يعم التنزيهي، و معه لا وجه لتخصيص العنوان.

و اختصاص عموم الملاك بالعبادات لا يوجب الاختصاص بالتحريمي كما لا يخفى.

2- لا وجه لتخصيص النهي بالنفسي بل يعمّ الغيري، و هو واضح إذا كان أصليا، و أما إذا كان تبعيا فهو و إن كان خارجا عن عنوان البحث لاختصاصه بدلالة النهي- و التبعي هو من مقولة المعنى- إلّا أنه داخل في ملاكه، فإن دلالته على الفساد هي من جهة دلالته على الحرمة من دون مدخلية للفظ، و أيضا من غير مدخلية لاستحقاق العقوبة خلافا للقمي.

ثمّ إنه مما يؤيد عموم البحث للغيري أنهم جعلوا ثمرة النزاع في أن الأمر بشي‏ء يقتضي النهي عن ضده فساده إذا كان عبادة.

***

94

قوله (قدّس سرّه):

«الرابع ...، إلى قوله: السادس».

(1)

الأمر الرابع:

ذكرنا فيما سبق أن النهي قد يتعلّق بالعبادة و قد يتعلّق بالمعاملة.

و في هذا الأمر نريد أن نفهم ما هو المقصود من العبادة، و في الأمر الخامس نريد أن نفهم ما هو المقصود من المعاملة.

ما ذا يراد من العبادة؟

إن السبب لطرح هذا التساؤل هو الإشكال التالي الذي قد يخطر إلى الذهن، و هو أن العبادة تكون عادة متعلقة للأمر، فحينما نقول:

الصلاة عبادة فذلك يعني أنه قد تعلّق بها أمر عبادي، و بعد فرض التسليم بتعلّق الأمر بها كيف يتعلّق بها النهي؟ فصلاة الحائض مثلا إذا كانت عبادة فلازمه تعلّق الأمر بها، و بعد تعلّقه بها كيف يتعلّق بها النهي؟ و لا مجال للتشبث هنا بفكرة تعدّد العنوان التي قد يقال بكفايتها في توجّه الحكمين في مسألة اجتماع الأمر و النهي، إن هذا لا معنى له لأن العنوان هنا ليس متعددا، فالحائض إذا كان قد توجّه إليها الأمر بالصلاة و قيل لها:

أيتها الحائض صل فكيف يقال لها: لا تصل؟ إنه لأجل هذا الإشكال احتجنا إلى اعطاء تفسير جديد للعبادة.

____________

(1) الدرس 186: (1/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

95

و في هذا المجال نقول: إن المقصود من العبادة في مسألتنا هذه أحد معنيين:

1- ما يكون في ذاته عبادة، بحيث لا يحتاج في عباديته إلى تعلّق الأمر، بل هو في نفسه عبادة، كما هو الحال في السجود، فإنه في نفسه عبادة، و لذلك لا يجوز إلّا للّه سبحانه.

2- ما يكون عبادة على تقدير تعلّق الأمر به، و هذا كما هو الحال في صلاة الحائض، حيث نقول: هي عبادة قد تعلّق النهي بها، و المقصود من كونها عبادة هو أن صلاة الحائض لو كان اللّه سبحانه يأمر بها فيأمر بها كما يأمر بسائر الصلوات، أي يأمر بها أمرا عباديا و إن كان بالفعل هو لم يأمر بها.

إذن المقصود من العبادة في بحثنا هذا هو إما العبادة الذاتية أو العبادة اللولائية. (1)

هذا هو الصحيح في تفسير المقصود من العبادة في مسألتنا هذه.

هذا و لكن توجد ثلاثة تفاسير أخرى ذكرت في هذا المجال، و هي:

1- إن العبادة هي ما امر بها لأجل التعبّد بها، فكل شي‏ء أمر اللّه سبحانه به لأجل أن يتعبّد به فهو عبادة.

2- إن العبادة هي العمل الذي يعتبر في صحته الإتيان به بنية القربة.

3- إن العبادة هي العمل الذي لا يمكن حصر مصلحته و ملاكه في قضية معينة، فالصلاة مثلا عبادة حيث لا يمكن حصر مصلحتها في قضية معينة، و هذا بخلاف غسل الثوب لأجل الصلاة، فإنه يمكن حصر مصلحته في كونه مقدمة و شرطا للصلاة، فلذلك لا يكون عبادة.

____________

(1) أي لو أمر بها كان أمرها أمرا عباديا.

96

هذه تفاسير ثلاثة للعبادة، و الأوّل منسوب إلى الشيخ الأعظم بينما الأخيران منسوبان إلى القمي صاحب القوانين.

و يمكن الإشكال على هذه التفاسير الثلاثة بالإشكالين التاليين:

أ- إن هذه التفاسير تتوقّف جميعا على افتراض وجود الأمر الفعلي، و معه يعود الإشكال من جديد، إذ بعد تعلّق الأمر الفعلي بالعبادة كيف يتعلّق بها النهي؟ أما كيف تستلزم التفاسير المذكورة وجود الأمر الفعلي؟ إن الوجه هو:

أما التفسير الأوّل فلأنه قال: إن العبادة هي العمل الذي امر به لأجل التعبّد به، و هذا معناه أنه يلزم وجود أمر بالفعل كي يكون الغرض منه التعبّد به.

و أما التفسير الثاني فلأنه قال: العبادة هي العمل الذي تتوقف صحته على قصد القربة، و من الواضح أن القربة لا يمكن قصدها إلّا بعد افتراض وجود الأمر، إذ بدونه كيف يقصد التقرّب؟

و أما التفسير الثالث فلأن حصر المصلحة في شي‏ء معيّن فرع الأمر الفعلي بالعمل ليقال: إن المصلحة التي دعت إلى هذا الأمر هي عبارة عن كذا.

ب- إن بعض هذه التفاسير غير جامع لأفراده أو غير طارد للأغيار أو ربما يلزم محذور آخر منه، كمحذور الدور.

فمثلا توجيه الميت إلى القبلة عند الاحتضار أمر واجب و الحال أن مصلحته غير واضحة لنا و لا يمكن حصرها في شي‏ء معيّن، و رغم ذلك هو ليس بعبادة.

أما الوضوء لأجل الصلاة فمصلحته يمكن حصرها في كونه شرطا و مقدمة للصلاة و رغم ذلك هو عبادة.

إذن تعريف العبادة بما ذكر في التفسير الثاني لا يصدق على جميع أفراد العبادة لخروج الوضوء منه، و في نفس الوقت هو لا يطرد

97

الأغيار كتوجيه الميت إلى القبلة مثلا، فهو ليس بمنعكس على جميع أفراده و ليس بطارد للأغيار.

هذا كله بالنسبة إلى إشكال ليس بمطرد و لا بمنعكس.

و أما بالنسبة إلى الدور فيمكن أن يقال: إن التعريف الأوّل يلزم منه ذلك، إذ قيل فيه: إن العبادة هي ما امر به لأجل التعبّد، و من الواضح أن التعبّد مأخوذ من العبادة و مشتق منها، و هذا معناه أن العبادة قد أخذت في تفسير العبادة فيلزم توقف الشي‏ء على نفسه.

ثمّ بعد ذلك تعرض (قدّس سرّه) إلى هذا المطلب: و هو أن هذه التعاريف ليست تعاريف حقيقية يقصد بها شرح الحقيقة، كما هو الحال في الحدّ و الرسم، بل هي تعاريف لفظية يقصد بها شرح الاسم و اللفظ لا أكثر، نظير قول اللغوي سعدانة نبت، و السناء دواء، فإنه لا معنى للإشكال عليها بأنها غير جامعة لأفرادها و غير مانعة للأغيار، و هكذا الحال في مقامنا، فالتفاسير الثلاثة لفظية، و لا معنى للإشكال عليها.

الأمر الخامس:

ما هو المقصود من المعاملة؟ المقصود من المعاملة ليس خصوص العقد أو الإيقاع بل كل عمل لا يكون عبادة حتّى مثل غسل الثوب مقدمة للصلاة هو معاملة.

نعم يلزم أن يكون العمل ذا أثر، و أما إذا لم يكن له أثر شرعي- كالأكل و الشرب و النوم- فلا معنى لاتّصافه بالصحة و الفساد، إذ الصحة عبارة عن ترتّب الأثر على الشي‏ء، و الفساد عبارة عن عدم ترتّبه، فإذا لم يكن للشي‏ء أثر فلا يمكن أن يتّصف بهما.

و هكذا يلزم في العمل أن يكون أثره قابلا للانفكاك عنه، أما إذا لم يمكن‏

98

أن ينفك عنه فلا يمكن أن يتصف أيضا بالصحة و الفساد، كما هو الحال في بعض أسباب الضمان، أعني مثل اتلاف مال الغير، فإن أثره- و هو الضمان- لا ينفك عنه، فلا يمكن تحقّق اتلاف مال الغير من دون تحقّق الضمان، و معه فلا يمكن أن يتّصف اتلاف مال الغير بالفساد بل و لا بالصحة. (1)

إذن المراد من المعاملة في مقامنا هو عام من جهة و خاص من جهة أخرى، فهو عام لأنه لا يختص بالعقد و الإيقاع بل كل غير العبادة هو معاملة، و هو خاص لأنه يختص بما إذا كان للعمل أثر يمكن أن ينفك عنه.

و النتيجة: إن المراد من العبادة أحد التفسيرين المتقدمين، و من المعاملة المعنى المذكور.

توضيح المتن:

و الخضوع و الخشوع: هما بمعنى واحد، و هكذا التسبيح و التقديس.

على النية: أي قصد القربة.

المصلحة فيها: المناسب: المصلحة فيه.

بواحد منها: لا حاجة إلى هذه الفقرة، و يمكن الاستغناء عنها، فيعبّر هكذا: ضرورة أنه لا يمكن أن يتعلّق بها النهي بهذه التفاسير الثلاثة.

و قد ذكرنا النكتة في عدم إمكان تعلّق النهي بها، و قلنا: إن التفاسير المذكورة تستبطن اعتبار تعلّق الأمر الفعلي.

____________

(1) يمكن أن يقال: إن اتلاف مال الغير لا يلازم الضمان دائما بل قد ينفك عنه، كما في اتلاف مال الحربي، و على هذا فاتلاف مال الغير يمكن أن يتصف بالصحة و الفساد.

و بكلمة أخرى: لا يمكن أن نتصور سببا من أسباب الضمان لا ينفك عن الضمان، و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

99

أو بغيره: إشارة إلى الدور.

كما نبهنا عليه غير مرة: تقدّم ذلك في مبحث الواجب المطلق و المشروط.

الخامس أنه لا يدخل ...: كان من المناسب التنبيه على أن هذا الأمر ناظر إلى تفسير المعاملة.

كبعض أسباب الضمان: و أما البعض الآخر الذي هو من أسباب الضمان و ينفك عنه الضمان فهو مثل البيع و الاجارة و نحوهما، فإنها أسباب لضمان الثمن و المثمن، و إذا اجتمعت جميع الشروط المعتبرة اتصفت بالصحة و إلّا اتصفت بالفساد.

ثمّ إنه أشكلنا فيما سبق و قلنا: إنه يمكن أن يدّعى أن الاتلاف ليس من أسباب الضمان التي لا تنفك عن الضمان، بل لا يوجد سبب لا ينفك عن الضمان.

فافهم: تقدّم وجه الأمر بالفهم.

خلاصة البحث:

المراد من العبادة أحد المعنيين المتقدمين، و التفاسير الثلاثة يرد عليها إشكالان.

و المراد من المعاملة كل فعل ليس بعبادة، و له أثر يمكن أن ينفكّ عنه.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الرابع: المراد من العبادة إما ما يكون بنفسه عبادة يوجب بذاته التقرّب كالسجود، أو ما لو تعلّق الأمر به كان أمرا عباديّا كسائر أمثاله، كصوم العيدين و الصلاة أيّام العادة.

و ليس المراد منها ما أمر به لأجل التعبّد به، أو ما تتوقف صحته‏

100

على النية، أو ما لا تنحصر مصلحته في شي‏ء معيّن، ضرورة أنه بهذا المعنى لا يمكن تعلق النهي به، على أنه قد أورد عليها بالانتقاض طردا أو عكسا أو بغيره كما يظهر من مراجعة المطولات و إن كان الإشكال عليها بذلك في غير محله لأنها تعاريف لفظية.

الخامس: المراد من المعاملة غير العبادة عقدا كان أو إيقاعا أو غيرهما مما يمكن أن يتصف بالصحة و الفساد، فما لا أثر له شرعا أو لا ينفك عنه- كبعض أسباب الضمان- لا يدخل في النزاع لعدم إمكان طرو الفساد عليه فافهم.

***

101

قوله (قدّس سرّه):

«السادس ...، إلى قوله: تنبيه».

(1)

الأمر السادس: معنى الصحة:

في هذا الأمر يراد تحديد معنى الصحة و بيان بعض الأمور المرتبطة بذلك. و النقاط المذكورة في ذلك أربع:

1- إن معنى الصحة و الفساد يختلف باختلاف الآثار و الأنظار، فلو فرض أن المسافر نسي و أتى بالصلاة تماما فقد حكم عليه فقهيا بلزوم الإعادة دون القضاء، بمعنى أنه لو ارتفع نسيانه أثناء الوقت فتلزم الإعادة، بخلاف ما إذا ارتفع بعد خروج الوقت فإنه لا يجب عليه القضاء، و هذا معناه أنه باعتبار القضاء يحكم بالصحة بينما باعتبار الأداء يحكم بالفساد.

هذا في نظر فقيه، و ربّ نظر فقيه آخر يحكم بلزوم الإعادة و القضاء معا، و ربّ في نظر ثالث يحكم بعدمهما معا.

2- إن الصحة في باب العبادة هل تختلف عن الصحة في باب المعاملة؟ قد يقال: نعم تختلف، فالصحة في العبادة عبارة عن سقوط الإعادة و القضاء بينما في المعاملة عبارة عن ترتّب الأثر، أعني النقل و الانتقال مثلا.

____________

(1) الدرس 187: (2/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

102

هذا و لكن الصحيح أنها بمعنى واحد، فهي عبارة عن التمامية إلّا أن الأثر الذي تلحظ التمامية بالقياس إليه مختلف، فقد يكون هو سقوط الإعادة و القضاء و قد يكون شيئا آخر، كحصول النقل و الانتقال مثلا.

3- هل الصحة عند الفقيه تختلف عن الصحة عند المتكلم؟ قد يقال: نعم تختلف، فالصحة عند الفقيه عبارة عن سقوط وجوب الإعادة و القضاء بينما لدى المتكلم هي عبارة عن موافقة الأمر أو الشريعة.

هذا و لكن الصحيح أنها بمعنى واحد، فهي عبارة عن التمامية لغة و عرفا، ففي اللغة يقال: هذا صحيح، أي تام، و في عرفنا المتداول يقال:

هذا صحيح، أي تام، و هذا المعنى الواحد، و هو التمامية له أثران هما:

سقوط وجوب الإعادة و القضاء، و موافقة الأمر و الشريعة، فحينما يقال:

هذا تام فيلزم سقوط الإعادة و القضاء، و يلزم أيضا موافقة الأمر و الشريعة.

و الأثر المهم لدى الفقيه هو الأوّل- لأنه يبحث عن فعل المكلف من حيث الوجوب و الحرمة، و لمّا كان القضاء و الإعادة فعلين للمكلف فهو يبحث عن وجوبهما و يكون ذلك هو المهم في نظره- و لهذا السبب عرّف الصحة بسقوط وجوب الإعادة و القضاء، أي عرّفها باللازم المهم في نظره، فهو لم يعرّف الصحة بنفس معناها، أعني التمامية، و إنما عرّفها بلازمها المهم في نظره.

هذا بنظر الفقيه.

و أما بنظر المتكلم فالأثر المهم هو موافقة الأمر- لأنه يبحث عن ذات اللّه سبحانه و أفعاله، و من جملة أفعاله هو الثواب و العقاب، فالمهم في نظره يكون هو موافقة الأمر و الشريعة حيث يترتّب على ذلك الثواب، أو عدم الموافقة حيث يترتّب على ذلك العقاب- و لهذا السبب عرّف الصحة بموافقة الأمر أو الشريعة، أي عرّفها باللازم المهم في نظره.