كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
103

إذن الاختلاف بين الفقيه و المتكلم ليس اختلافا في نفس معنى الصحة، فإن معناها واحد، و هو التمامية، و إنما الاختلاف بينهما في لازمها المهم.

4- ما هي النسبة بين الصحة بتعريف الفقيه و بين الصحة بتفسير المتكلم؟

ذكر الشيخ الأعظم في هذا المجال أن النسبة هي العموم و الخصوص المطلق، فإنه متى ما سقط وجوب الإعادة و القضاء لزم تحقّق موافقة الأمر من دون عكس، إذ الصلاة مع الطهارة المستصحبة موافقة للأمر- أعني الأمر الظاهري- و ليست مسقطة لوجوب الإعادة و القضاء.

هذا و لكن الصحيح أن يقال: إن الأمر على أنحاء ثلاثة: واقعي أولي، و واقعي ثانوي، و ظاهري. و قد وقع الخلاف بين الفقهاء في أن الأمر الواقعي الثانوي- المعبّر عنه بالاضطراري- هل يقتضي الإجزاء أو لا، و هكذا الحال بالنسبة إلى الأمر الظاهري قد وقع الخلاف في إجزائه.

و على هذا الأساس نقول: إن قصد المتكلم من كلمة الأمر في قوله: الصحة هي بمعنى موافقة الأمر ما يعم الأمر الظاهري، و فرض أن الفقيه يبني على أن الأمر الظاهري يقتضي امتثاله الإجزاء فالمناسب هو المساواة، أي تكون الصحة عند كليهما متحقّقة، و أما إذا قصد المتكلم من كلمة الأمر خصوص الواقعي و فرض أن الفقيه لا يبني على الإجزاء فالمناسب المساواة أيضا، أي لا تكون الصحة متحقّقة في نظر كليهما.

فالنسبة على هذا بين التعريفين ليست هي العموم و الخصوص المطلق بل المساواة، بمعنى صدقها بنظر الفقيه و المتكلم معا على تقدير التعميم و القول بالإجزاء، و عدم صدقها بنظرهما معا على تقدير عدم التعميم و عدم الإجزاء.

104

توضيح المتن:

إن الصحة و الفساد ...: هذا إشارة إلى النقطة الأولى.

و من هنا صحّ ...: هذا إشارة إلى النقطة الثانية. و قوله: (و من هنا)، أي بعد ما كان وصف الصحة و الفساد من الأوصاف الإضافية صحّ أن ...

بالقياس عليها: المناسب: بالقياس إليها، أي إلى تلك الآثار.

و هكذا الاختلاف ...: هذا شروع في النقطة الثالثة.

بعد الاتفاق ظاهرا: كلمة ظاهرا هنا بمعنى تقريبا، و هي تستعمل كثيرا على ألسنة طلبة الحوزة العلمية من منطلق الاحتياط و التثبت، فهم من باب الاحتياط لا يجزمون بما يقولونه، بل يقولون: الأمر كذا ظاهرا، أي تقريبا، يعني يحتمل أن لا يكون كذلك واقعا.

هو وجوب القضاء: حيث يبحث عن فعل المكلف.

و كان غرض المتكلم هو حصول الامتثال: حيث إنه يبحث عن حيثية الثواب و العقاب باعتبار أنهما فعلان للّه سبحانه.

و حيث إن الأمر في الشريعة ...: هذا شروع في النقطة الرابعة أو بالأحرى في مقدمتها.

و عدم اتصافها بها: المناسب أن يكون عطفا على كلمة صحيحة، و لكنه لا يمكن، فالمناسب أن يعبّر هكذا: و غير متصفة بها.

و كونه مراعى: عطف تفسير.

و عند المتكلم: عطف على عند الفقيه. و في بعض النسخ لا توجد الواو، و المناسب ثبوتها.

105

خلاصة البحث:

إن الصحة و الفساد وصفان إضافيان يختلفان باختلاف الآثار و الأنظار.

و الصحة في العبادة و المعاملة هي بمعنى واحد، أعني التمامية، نعم الأثر الذي تلحظ التمامية بالقياس إليه مختلف.

و الصحة لدى الفقيه و المتكلم هي بمعنى واحد، و الاختلاف بينهما هو في الأثر المهم بنظرهما.

و النسبة بين الصحة عند الفقيه و بين الصحة عند المتكلم ليست هي العموم و الخصوص المطلق بل التساوي كما تم توضيحه.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

السادس: و هو يتضمن:

1- إن الصحة و الفساد وصفان إضافيان يختلفان بحسب الآثار و الأنظار، فربّ شي‏ء واحد يكون صحيحا بحسب أثر أو نظر و فاسدا بحسب آخر.

2- و من هنا صحّ أن يقال: إن الصحة في العبادة و المعاملة هي بمعنى واحد، أي التمامية، و إنما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار التي بالقياس إليها تتصف بالتمامية و عدمها.

3- فسّر الفقيه الصحة بسقوط الإعادة و القضاء، و المتكلم بموافقة الأمر أو الشريعة، و يمكن أن يقال: إن معناها عندهما واحد- و هو التمامية، كما هو معناها لغة و عرفا- و الاختلاف بينهما بلحاظ الأثر المهم، فلمّا كان غرض الفقيه وجوب الإعادة و القضاء و عدمه فسّرها بما ذكر، و كان غرض المتكلم حصول الامتثال الموجب للثواب فسّرها بما ذكر.

106

4- إن الأمر حيث إنه على أقسام: واقعي أولي، و ثانوي، و ظاهري، و اختلف في إجزاء الأخيرين و عدمه فلازمه أن الإتيان بعبادة قد يكون موافقا لأمر و مخالفا لآخر، و مسقطا للإعادة و القضاء بنظر و غير مسقط بنظر آخر، و يترتّب على ذلك أن تكون العبادة الموافقة للأمر الظاهري صحيحة عند المتكلم و الفقيه معا بناء على الإجزاء و تفسير الأمر بما يعمّ الظاهري و غير صحيحة عندهما معا بناء على عدم الإجزاء و تفسير الأمر بخصوص الواقعي.

***

107

قوله (قدّس سرّه):

«تنبيه و هو أنه لا شبهة ...، إلى قوله: السابع».

(1)

الصحة و الفساد أوصاف انتزاعية أو لا؟

هذا التنبيه معقود لبحث هذه النقطة، و هي أن وصف الصحة و الفساد هل هما وصفان انتزاعيان أو لا؟ و في هذا المجال ذكر الشيخ الأعظم أنهما وصفان انتزاعيان اعتباريان‏ (2) من دون أن يذكر تفصيلا في ذلك بين باب العبادات و المعاملات، و بين الموارد الجزئية و الموارد الكلية، و بين تفسير المتكلم و تفسير الفقيه. و المناسب هو التفصيل كما يلي:

1- إن صحة العبادة بتفسير المتكلم هي وصف انتزاعي اعتباري كما ذكر الشيخ الأعظم، فإن الصحة بمعنى موافقة الأمر تنتزع من موافقة المأتي به للمأمور به، فإذا أتى المكلف بالصلاة مثلا و كانت مطابقة

____________

(1) الدرس 188 و 189: (5 و 6/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

(2) يظهر من عبارة المتن أن الوصف الانتزاعي و الوصف الاعتباري هما مترادفان، و الحال أن الأمر ليس كذلك، فإذا تعلّق الأمر بمجموعة أشياء و قيل: تجب عليك الصلاة المركّبة من الركوع و السجود و ... انتزع عنوان الجزئية للركوع و السجود، أما مثل القيمة لورقة الدينار فهو وصف اعتباري، فالعقلاء يعتبرون القيمة للورقة المذكورة و يجعلون لها ميزة على بقية الأوراق لا أنهم ينتزعون، و هكذا الوجوب بالنسبة إلى الصلاة فإنه يعتبر لها لا أنه ينتزع.

108

لجميع الأجزاء و الشرائط المعتبرة في الشرع صحّ أن نعتبرها صحيحة آنذاك و صحّ أن ننتزع آنذاك وصف الصحة و نثبته لها. (1)

2- إن صحة العبادة بتفسير المتكلم- أعني الموافقة للأمر- هي حكم عقلي بلحاظ الإتيان بالمأمور الواقعي، و حكم مجعول بلحاظ الإتيان بالمأمور الظاهري أو الاضطراري.

توضيح ذلك: إن المكلف تارة يأتي بالصلاة مع الوضوء التام من جميع الجهات، و أخرى يأتي بها مع التيمم، و ثالثة يأتي بها مع الوضوء المستصحب.

فإن اتي بها مع الوضوء التام- أي اتي بالمأمور به الواقعي على طبق الطريقة المطلوبة واقعا- فيلزم سقوط الأمر جزما، و الحاكم بذلك هو العقل، فإنه يحكم بأن المكلف إذا أتى بالمأمور به الواقعي على طبق ما هو المقرر، واقعا فيلزم سقوط الأمر، إذ لا يمكن بقاء الأمر بعد الإتيان بمتعلقه بشكل كامل.

و أما إذا اتي بها بأحد الشكلين الأخيرين فلا يحكم العقل بسقوط الأمر الواقعي، لأن المفروض عدم الإتيان بمتعلقه، و إنما اتي بشي‏ء آخر، أعني المأمور الظاهري أو الاضطراري، بل المدار في تحقيق السقوط على جعل الشارع، فهو إذا جعل السقوط و حكم به تحقّق و إلّا فلا.

____________

(1) لا يخفى أن الصحة بتفسير المتكلم ليست وصفا منتزعا من مطابقة المأتي به للمأمور به، بل هي نفس المطابقة و الموافقة للأمر. و المناسب أن يقال هكذا: إن الصحة عبارة عن وصف المطابقة المنتزع من واجدية الشي‏ء لتمام الأجزاء و الشرائط.

ثمّ إنه بناء على تحقيق المصنف هذا يلزم الاختلاف في معنى الصحة بين تفسير الفقيه و بين تفسير المتكلم، و هو خلاف ما تقدّم منه من الاتحاد. و لعلّ مقصوده (قدّس سرّه) بحث المسألة المذكورة على تقدير الفرض و التنزّل.

109

نعم ينبغي أن نستدرك و نقول: إن المدار في تحقّق السقوط إنما يكون على حكم الشارع فيما إذا لاحظنا العبادة الكلية، أما إذا لاحظنا الموارد الجزئية الخاصة- كهذه الصلاة و تلك- فسقوط الأمر الواقعي لا يكون بسبب الجعل الشرعي، إذ الشارع لا يتصدّى للجعل إلّا في الموارد الكلية و لا يتصدّى إلى الجعل في الموارد الجزئية الخاصة و إلّا يلزم صدور جعول غير متناهية منه، و هو بعيد جدا، و إنما الصحة في الموارد الجزئية تثبت بسبب مطابقة المأتي به خارجا لما هو المطلوب و المأمور به شرعا. (1)

3- هذا كله في العبادات. و أما المعاملات فالصحة فيها حكم مجعول من قبل الشارع، فإنه لو لا حكمه بترتّب الأثر على المعاملة فمقتضى الأصل هو عدم ترتّبه، ففي باب البيع مثلا يكون المثمن قبل البيع ملكا للبائع، و الثمن ملكا للمشتري، و لا يتحقّق انتقال المثمن إلى المشتري، و هكذا الثمن إلى البائع إلّا بحكم الشارع بذلك، و لو لا حكمه يكون المثمن باقيا على ملك البائع، و الثمن على ملك المشتري، و من هنا قال الفقهاء: إن الأصل في المعاملات عند الشك في صحتها هو الفساد، بمعنى استصحاب عدم ترتّب الأثر، فإذا شككنا أن العربية مثلا هي شرط

____________

(1) لا محذور في أن تكون الصحة في الموارد الخاصة مجعولة للشارع أيضا على سبيل الانحلال، نظير جعل الحرمة لطبيعي شرب الخمر، فإنها تنحل إلى أحكام جزئية.

ثمّ إنه قد تسأل: إن المصنف حكم بأن الصحة في مورد الإتيان بالمأمور به الواقعي هي حكم عقلي، أي يحكم العقل بسقوط الأمر، و هذا وجيه، و لكن لم يذكر معنى الصحة في الموارد الجزئية.

و الجواب: إنه لا فرق بين الموارد الكلية و الموارد الجزئية من هذه الناحية، فالعقل هو الحاكم بسقوط الأمر من دون فرق بين الموارد.

110

في صحة البيع أو لا فمقتضى الاستصحاب كونها شرطا، إذ من دون تحقّقها نشكّ في تحقّق النقل و الانتقال، و مقتضى الاستصحاب عدمه، إذ قبل البيع لم يتحقّق النقل و الانتقال، و بعد تحقّق البيع بغير العربية نشك في تحقّق النقل و الانتقال، و مقتضى الاستصحاب هو العدم.

و نعود هنا لنستدرك و نقول: إن هذا وجيه في الموارد الكلية للمعاملة، و أما في الموارد الجزئية الخاصة فصحتها ليست إلّا عبارة عن مطابقة المعاملة الخاصة المأتي بها لما قد جعل سببا لترتّب الأثر، فمع المطابقة يحكم بصحة المعاملة الخاصة، و مع عدمها يحكم بفسادها، كما هو الحال في باب الأحكام التكليفية، فإن معنى أن هذا أو ذاك واجب يراد به أنه مصداق للواجب و يتطابق مع ما قد جعل واجبا.

سؤال و جواب:

هذا حصيلة ما ذكره (قدّس سرّه) في تحقيق المطلب المذكور، و لكن يبقى من حقك أن تسأل: ما هي الفائدة في البحث المذكور؟ إن الفائدة تظهر في باب الاستصحاب، فهناك كلام في أن الاستصحاب هل هو حجة مطلقا أو على تفصيل، و قد ذكر بعض أنه حجة في الأمور المجعولة شرعا دون الأمور الانتزاعية، و من هنا يكون من الضروري التعرّف على أن وصف الصحة و الفساد هو من الأحكام المجعولة شرعا حتّى يجري فيه الاستصحاب أو أنه ليس كذلك حتّى لا يجري فيه و قد كان من المناسب جدا إشارة المصنف إلى ذلك، و لكنه مع الأسف لم يشر إليه.

توضيح المتن:

لا شبهة في أن الصحة ...: هذا إشارة إلى ما ذكرناه تحت رقم (1).

و أما الصحة بمعنى سقوط ...: هذا إشارة إلى ما ذكرناه تحت رقم (2).

111

فهي من لوازم ...: أي إن الصحة بمعنى سقوط الإعادة و القضاء هي لازم و حكم عقلي. ثمّ إن المعادل لهذا يأتي بقوله: (و في غيره).

و ضمير معه و فيه يرجعان إلى الإتيان بالمأمور الأولي الواقعي.

و إن كان ليس ...: المناسب: و إن كانت ...

ثمّ إن مثال الحكم الوضعي المجعول بنفسه جزئية السورة إذا جعلها الشارع بلسان السورة جزء.

و مثال الحكم الوضعي المجعول بتبع الحكم التكليفي جزئية السورة لو فرض أن الشارع جعل ابتداء الحكم التكليفي و قال: صل مع السورة، فإن المجعول ابتداء في هذا هو الحكم التكليفي، أي وجوب الصلاة مع السورة و لكن بالتبع يكون الشارع قد جعل الجزئية للسورة.

كما توهم: و المتوهم هو الشيخ الأعظم كما ذكرنا.

باستحقاق المثوبة به: أي باستحقاق الثواب بالإتيان بالمأمور به الواقعي الأولي.

و في غيره: هذا معادل لقوله: فهي من لوازم الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الأولي.

و المقصود: و في غير الإتيان بالمأمور الواقعي الأولي- أي الإتيان بالمأمور به الظاهري أو الاضطراري- يكون السقوط حكما مجعولا بناء على الإجزاء، أي لو حكم الشارع بالإجزاء من باب المنة و التخفيف على العباد.

مع ثبوت المقتضي لثبوتهما كما عرفت في مسألة الإجزاء: لا حاجة إلى ذكر هذه الفقرة.

و المقصود: إن الشارع قد يحكم بالإجزاء و سقوط الأمر الواقعي تخفيفا منه و إن كان المقتضي لعدم الإجزاء ثابتا باعتبار أنه لم يؤت بالمأمور الواقعي.

112

كما ربما يحكم بثبوتهما: هذا معادل لقوله: (ربما يكون مجعولا و كان الحكم ...).

فيكون الصحة و الفساد: أي إن النتيجة بناء على هذا أن الصحة و الفساد يكونان حكمين مجعولين.

بمجرد الانطباق: المناسب: بمجرد التطابق مع المأمور به.

و أما الصحة في المعاملات: هذا إشارة إلى ما ذكرناه تحت رقم (3).

و لو امضاء: أي لا يلزم أن يكون الجعل في باب المعاملات تأسيسيا بل يكفي الامضاء.

نعم صحة كل معاملة: أي هذا في المعاملة الكلية، و أما المعاملات الجزئية فالصحة فيها ليست مجعولة من قبل الشارع و إلّا يلزم أن تكون الجعول غير متناهية.

ليس إلّا لأجل انطباقها: المناسب: تطابقها.

ليس إلّا لانطباقه: المناسب: ليس إلّا لتطابقه مع ...

خلاصة البحث:

إن وصف الصحة و الفساد ليسا انتزاعيين بشكل مطلق- كما ذكر الشيخ الأعظم- بل ينبغي التفصيل، فهو وجيه في الصحة بمعنى موافقة الأمر، و أما بمعنى سقوط الإعادة و القضاء فالصحة حكم عقلي بالنسبة إلى الإتيان بالمأمور الواقعي، و حكم مجعول بالنسبة إلى الإتيان بالمأمور الظاهري أو الاضطراري في العبادات الكلية، و أما العبادات الجزئية فالصحة ليست حكما مجعولا بل هي بمعنى التطابق و إلّا يلزم الجعول غير المتناهية.

هذا في العبادات.

و أما المعاملات فالصحة فيها- التي هي بمعنى ترتّب الأثر- أمر

113

مجعول و لكن في الموارد الكلية، و أما بلحاظ المعاملات الجزئية فالصحة هي بمعنى التطابق و إلّا يلزم الجعول غير المتناهية.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

تنبيه:

ذكر الشيخ الأعظم أن وصف الصحة و الفساد انتزاعيان اعتباريان، و المناسب التفصيل:

1- لا شبهة في انهما بتفسير المتكلم كذلك، فهما منتزعان من مطابقة المأتي به للمأمور به.

2- و أما بتفسير الفقيه فسقوط الإعادة و القضاء حكم عقلي بالنسبة إلى الإتيان بالمأمور الواقعي الأولي، حيث لا يعقل ثبوتهما بعد تحقّقه، و بالنسبة إلى غيره يكون السقوط حكما مجعولا بناء على الإجزاء، و لكن بلحاظ غير الموارد الخاصة، و أما فيها فلا يكونان مجعولين بل تتصف بذلك بالتطابق مع المأمور به.

3- هذا في العبادات، و أما المعاملات فالصحة مجعولة، إذ ترتّب الأثر على المعاملة يتحقّق بجعل الشارع و لو امضاء، و لو لا جعله لما ترتّب، لأصالة الفساد.

هذا في غير المعاملة الشخصية، و أما هي فالصحة فيها تتحقق بالتطابق مع ما هو المجعول سببا، كما هو الحال في الأحكام التكليفية، ضرورة أن اتصاف المأتي به بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما ليس إلّا بتطابقه مع ما هو الواجب أو الحرام.

***

114

قوله (قدّس سرّه):

«السابع ...، إلى قوله: الثامن».

(1)

الأمر السابع: الأصل في المسألة:

في هذا الأمر يراد بيان الأصل في المسألة.

توضيح ذلك: إنه سوف نذكر فيما بعد إن شاء اللّه تعالى الدليل على اقتضاء النهي للفساد، فإن تمّ الدليل المذكور أخذنا به و لم تعد لدينا مشكلة، و هكذا لو فرض أن الدليل قد تمّ على عدم الاقتضاء، إنه لو تمّ الدليل من هذا الجانب أو من ذاك أخذنا به و لا مشكلة، أما إذا فرض أنه لم يتم لدينا دليل من كلا الجانبين و وقعنا في الحيرة و لم ندر أن النهي عن شي‏ء يدل على فساده أو لا فهل يوجد أصل يمكن الرجوع إليه لرفع الحيرة؟ و المقصود هو الأصل العملي كما هو واضح.

إذن المقصود في هذا الأمر هو البحث عن الأصل العملي الذي يمكن التمسك به لرفع الحيرة عند فرض عدم تمامية الدليل على الإثبات من كلا الجانبين.

و في هذا المجال نقول: الأصل الذي يبحث عنه هنا تارة يراد به الأصل الذي ينقّح حال الدلالة، أي يثبت أن النهي يدل أو لا يدل على الفساد، و أخرى يراد به الأصل الذي ينقّح النتيجة الفقهية، أعني فساد العمل و صحته.

____________

(1) الدرس 190: (7/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

115

إذن المراد من الأصل تارة هو الأصل الذي يثبت حال دلالة النهي و أنه يدل على الفساد أو لا يدل، و أخرى الأصل الذي يثبت الفساد أو الصحة بقطع النظر عن حال الدلالة.

و يصطلح على الأوّل بالأصل على مستوى المسألة الأصولية، و على الثاني بالأصل على مستوى المسألة الفقهية. (1)

الأصل على مستوى المسألة الأصولية:

أما إذا كان البحث عن الأصل بلحاظ الدلالة فالجواب أنه لا يوجد أصل يثبت حال الدلالة، فإنه لا يوجد أصل يمكن الرجوع إليه إلّا الاستصحاب، فحينما يقال: الأصل يقتضي كذا أو يقتضي كذا فالمراد هو الاستصحاب و إلّا فلا يوجد أصل بعنوان كونه أصلا إلّا الاستصحاب. (2)

و إذا اتضح أن المقصود من الأصل هو الاستصحاب لا غير فسوف يتضح أن الاستصحاب لو أردنا تطبيقه فلا بدّ من وجود يقين سابق بثبوت الدلالة لكي يستصحب ذلك أو بعدم ثبوت الدلالة لكي يستصحب ذلك، و حيث إنه لا يقين سابق فلا يمكن جريان الاستصحاب، و بالتالي لا يمكن التمسك بالأصل لإثبات وجود الدلالة أو عدم وجودها.

____________

(1) و وجه التسمية واضح، فإن الأصولي حيث إنه يبحث عن الدلالة و عدمها فالبحث بلحاظها يكون بحثا أصوليا، بينما الفقيه حيث إنه يبحث عن الحكم الفرعي، أعني الفساد و الصحة فالبحث بلحاظ ذلك يكون بحثا فقهيا.

(2) و هذه من النقاط المهمة التي يجدر تسليط الأضواء عليها، فحينما يقال: الأصل يقتضي الصحة أو الفساد أو الزوجية أو الحرية فالطالب يتصوّر أن المراد من الأصل شي‏ء آخر غير الاستصحاب، و لكن هذا تصوّر خاطئ، فلا يوجد أصل يمكن الركون إليه إلّا الاستصحاب.

116

هذا بالنسبة إلى الأصل على مستوى الدلالة.

و أما الأصل على مستوى نفس الصحة و الفساد فالمناسب هو الفساد من دون فرق بين المعاملة و العبادة.

أما لزوم الحكم بالفساد في المعاملة فلأن الأصل هو الفساد، أي أن مقتضي الاستصحاب هو الفساد، لأنه قبل تحقّق المعاملة لم يكن النقل و الانتقال متحقّقا فإذا شك بعد تحقّق المعاملة المنهي عنها في تحقّق النقل و الانتقال استصحبنا عدم تحقّقه، و بذلك يثبت المدّعى، و هو أن مقتضى الأصل في باب المعاملة هو الفساد.

و نلفت النظر إلى أن التمسك بأصالة الفساد يتم عند عدم وجود إطلاق أو عموم يقتضي صحة المعاملة المنهي عنها و إلّا تمسكنا به و يثبت بذلك صحة المعاملة و لا تصل النوبة إلى أصالة الفساد.

و عليه فإذا قلنا: إن مثل قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يدل على صحة كل معاملة بما في ذلك المعاملة المنهي عنها تمسكنا به و لا تصل النوبة إلى أصالة الفساد، و هو مطلب واضح.

هذا بالنسبة إلى المعاملة.

و أما لزوم الحكم بالفساد في العبادة فلأنه بعد فرض تعلّق النهي بها فيلزم من ذلك عدم تعلّق الأمر بها- إذ كيف يفترض أن ذات العبادة منهي عنها و في نفس الوقت يكون الأمر متعلّقا بها- و مع عدم تعلّقه بها يلزم أن تقع فاسدة، لأن صحة العبادة تتوقّف على وجود الأمر أو الملاك، و المفروض عدم وجود الأمر، و أما الملاك فطريق إحرازه هو الأمر، و حيث إنه لا أمر فلا محرز لثبوت الملاك.

***

117

قوله: (قدّس سرّه) «الثامن ...، إلى قوله: هذا حال النهي المتعلق الجزء أو الشرط ...».

الأمر الثامن: أقسام النهي:

حاصل هذا الأمر أن النهي المتعلّق بالعبادة يشتمل على أقسام خمسة نستعرضها لنعرف أن أيّا منها داخل في محل الكلام. و تلك الأنحاء هي:

1- النهي المتعلّق بذات العبادة و نفسها، كالنهي المتعلّق بالصلاة في المكان المغصوب. (1)

2- النهي المتعلق بجزء العبادة، كالنهي عن القراءة في الصلاة بسور العزائم، فإن القراءة جزء من الصلاة، و النهي المتعلّق عن القراءة بذلك نهي عن جزء العبادة.

3- النهي المتعلّق بشرط العبادة، كالنّهي عن التستّر في الصلاة بأجزاء الحيوان الذي لا يحل أكل لحمه، فإن التستّر شرط في الصلاة.

4- النهي المتعلّق بالوصف الملازم للعبادة أو لجزئها، كالنهي عن الجهر بالقراءة في الصلاة، فإن كلي الجهر و إن كان وصفا مفارقا

____________

(1) هذا المثال قد يوحي بوجود نهي في الشريعة الإسلاميّة متعلّق بذات الصلاة في الغصب، و لكنه ليس كذلك، إذ أقصى ما عندنا هو النهي عن الغصب و لا يوجد لدينا نهي عن أداء الصلاة في الغصب بالعنوان المذكور، بل لا يوجد لدينا نهي عن عنوان الغصب و إنما الثابت هو: «لا يحل مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفسه».

و هذا واقع ينبغي أن يكون الطالب على التفات من ناحيته.

118

للقراءة و ليس ملازما، لإمكان تحقّقه من دون القراءة الصلاتية إلّا أن المنهي عنه ليس أصل الجهر بل الجهر بالقراءة، و من الواضح أن ذلك لا ينفك عن القراءة.

5- النهي المتعلّق بالوصف المفارق، كالنهي عن الغصبية في أكوان الصلاة، فإن الغصبية وصف لأكوان الصلاة و لكنه ليس ملازما لها بل قد يفارقها. (1)

و باتضاح هذه الأقسام الخمسة نقول:

أما القسم الأوّل: فهو القدر المتيقن من محل النزاع.

و أما القسم الثاني: فهو داخل في محل النزاع أيضا، لأن جزء العبادة عبادة حتما، و النهي عنه نهي عن العبادة و يكون موجبا لفساد الجزء إلّا أن فساده لا يوجب فساد كل العبادة إلّا مع الاقتصار عليه، فمثلا لو قرأ المكلف في صلاته إحدى سور العزائم فلازم ذلك بطلان قراءته إلّا أن ذلك لا يوجب بطلان صلاته إلّا إذا اقتصر على تلك القراءة، أما لو قرأ- بعد بطلان القراءة السابقة- سورة أخرى وقعت صلاته صحيحة إلّا إذا قلنا أن ذلك زيادة في الصلاة، و كل زيادة مبطلة، أو أن ذلك نحو من القران بين السورتين و كل قران مبطل للصلاة.

و أما القسم الثالث: فالنهي عن الشرط لا يكون موجبا لفساد العبادة،

____________

(1) المثال المذكور يوحي بأن الأكوان جزء من الصلاة، و لكن ذلك ليس صحيحا، فإن الصلاة مركّبة من ركوع و سجود و قراءة و هكذا، و أما الكون في المكان أو في الفضاء فليس جزءا منها، و لذا لو فرض- و لو محالا- إن المكلّف تمكّن أن يأتي بالركوع و السجود و نحوهما من دون كون في المكان أو الفضاء وقعت صلاته صحيحة، و لذا أيضا نجد أن الفقهاء لا يذكرون الكون من جملة أجزاء الصلاة الواجبة.

119

لإمكان أن لا يكون الشرط عبادة، كما هو الحال في التستّر، فإنه واجب توصلي، نعم لو كان عبادة فالنهي عنه يوجب بطلانه، و بالتالي يوجب بطلان الصلاة.

و أما القسم الرابع: فالنهي عن الوصف الملازم نهي عن الموصوف، فالنهي عن الجهر بالقراءة مثلا نهي عن نفس القراءة، لقاعدة أن المتلازمين وجودا يلزم اتفاقهما في الحكم. و عليه فالقراءة يلزم أن تكون منهيا عنها و لا يمكن تعلّق الأمر بها فتقع فاسدة. (1)

____________

(1) ما ذكره الشيخ المصنف في هذا القسم قابل للمناقشة من جهات ثلاث:

1- إنه تقدّم منه في أبحاث سابقة أن المتلازمين وجودا لا يلزم اتفاقهما في الحكم، بل المهم أن لا يختلفا في الحكم، فالتّوجّه إلى القبلة أثناء قضاء الحاجة مثلا يلازم أن يكون طرف اليمين إلى هذا الجانب، و طرف اليسار إلى ذلك الجانب، و طرف الخلف إلى عكس القبلة، إلى غير ذلك من اللوازم الوجودية الأخرى، و لكن هل يحتمل حرمة هذه اللوازم؟ كلا، و إلّا يلزم أن يكون المتوجّه إلى القبلة أثناء قضاء الحاجة معاقبا بعقوبات متعددة.

لا تقل: إن اللوازم الوجودية إذا لم يلزم أن تحكم بحكم موافق و لا يجوز أن تكون محكومة بحكم مخالف فبما ذا تكون محكومة؟

فإنه يقال: هي ليست محكومة بحكم رأسا، فالتوجّه إلى القبلة أثناء قضاء الحاجة أمر محرّم دون تلك اللوازم، فإنها ليست محكومة بحكم أصلا من زاوية كونها ملازمة للحرام و إن كانت في نفسها محكومة بحكم بقطع النظر عن الملازمة.

2- إنه لا حاجة إلى بيان هذا المطلب رأسا، و كان بإمكانه الاكتفاء بهذا المقدار: إنه مع النهي عن الجهر بالقراءة فلا يمكن الأمر بنفس القراءة فتقع باطلة، لفرض عدم الأمر بها، فبطلان القراءة يكفي لإثباته عدم الأمر بلا حاجة إلى فرض النهي.

3- إن العبارة قد اشتملت على تعليل و معلّل لا ربط لأحدهما بالآخر، فهو (قدّس سرّه) ذكر أوّلا «فيكون النهي عن الجهر في القراءة مثلا مساوقا للنهي عنها»، ثمّ علّل ذلك بقوله: «لاستحالة كون القراءة التي يجهر بها مأمورا بها»، و من الواضح أن استحالة الأمر بالقراءة لا يصلح وجها لتعلّق النهي بها.

120

و أما القسم الخامس: فالنهي عن الوصف المفارق لا يستلزم النهي عن الموصوف، لأن المفروض أنه وصف مفارق. نعم إذا كان الوصف متحدا خارجا مع الموصوف و بنينا على الامتناع- أي إن الأحكام تتعلّق بالوجود الخارجي الذي هو واحد و ليس بالعناوين التي هي متعدّدة- فيلزم من ذلك سراية النهي إلى الموصوف، أما إذا لم يكن الوصف متحدا مع الموصوف خارجا أو فرض أنه متحد و لكن بنينا على الجواز- أي إن الأحكام تتعلّق بالعناوين التي هي متعدّدة- فالنهي عن الوصف لا يكون موجبا للنهي عن الموصوف لفرض أن عنوان الوصف يغاير عنوان الموصوف، و تعلّق النهي بعنوان الوصف لا يلازم تعلّقه بعنوان الموصوف. (1)

توضيح المتن:

إنه لا أصل في المسألة: أي بلحاظ المسألة الأصولية التي تبحث عن الدلالة.

فكذلك لعدم ...: أي إن المناسب هو الفساد.

____________

(1) يوجد إشكال على ذكر الأقسام الخمسة المتقدمة و هو أنه ما ذا يقصد الشيخ الخراساني من ذكر هذه الأقسام؟ إن هدفه من وراء ذلك غامض، فظاهر ما ذكره في القسم الأوّل و الثاني أن هدفه بيان ما هو محل النزاع، حيث قال: «لا ريب في دخول القسم الأوّل في محل النزاع و كذا القسم الثاني بلحاظ أن جزء العبادة عبادة»، بينما ظاهره في القسم الثالث أن هدفه هو بيان أن أي نهي يوجب الفساد و أي نهي لا يوجبه، حيث قال: «و أما القسم الثالث فلا تكون حرمة الشرط و النهي عنه موجبا لفساد العبادة»، بينما ظاهره في القسم الرابع و الخامس أن غرضه بيان أن النهي عن أي شي‏ء يستلزم النهي عن العبادة أو لا يستلزم، حيث قال: «و أما القسم الرابع فالنهي عن الوصف اللازم مساوق للنهي عن موصوفه ... و هذا بخلاف ما إذا كان مفارقا كما في القسم الخامس، فإن النهي عنه لا يسري إلى الموصوف».

121

ثمّ إن ما ذكره في مقام التعليل ناقص، و المناسب تكملته هكذا: لأنه مع النهي عنها لا أمر بها، و بالتالي لا محرز للملاك.

أو شرطها الخارج: قيد الخارج توضيحي، إذ كل شرط هو خارج عن المشروط.

كالجهر و الاخفات: أي إن النهي متوجّه إلى الجهر بالقراءة لا إلى الجهر الكلي، إذ لا إشكال في أن الجهر الكلي ليس منهيا عنه، و من الواضح أن الجهر بالقراءة ملازم للقراءة و إن كان أصل الجهر قابلا للانفكاك عنها.

كالغصبية لأكوان الصلاة: فإن المنهي عنه أصل الغصبية دون الغصبية في الصلاة- إذ لا تحريم خاص بالغصبية أثناء الصلاة- و من الواضح أن أصل الغصبية ليست ملازمة لأكوان الصلاة، بل هي وصف مفارق.

ثمّ إنه قد تقدم الإشكال في جزئية الأكوان للصلاة فلاحظ.

لا ريب في ...: أي و باتضاح هذا نقول: لا ريب ...

إلّا فيما إذا اتحد ...: العبارة تشتمل على تطويل بلا داع، و المناسب: إلّا إذا كان متحدا و بني على الامتناع.

خلاصة البحث:

الأصل بلحاظ الدلالة لا وجود له، و بلحاظ نفس الصحة و الفساد هو يقتضي الفساد في المعاملة لاستصحاب عدم ترتّب الأثر، و في العبادة أيضا، لعدم الأمر و عدم إحراز الملاك بعد تعلّق النهي.

و القسم الأوّل داخل في محل النزاع، و هكذا القسم الثاني لأن جزء العبادة عبادة، و تفسد العبادة بفساده و الاقتصار عليه، و القسم الثالث لا

122

يكون النهي موجبا لفساده إذا لم يكن الشرط عبادة، و القسم الرابع يكون النهي عن الوصف مستلزما للنهي عن الموصوف، بخلاف القسم الخامس إلّا إذا كان الوصف متحدا و بني على الامتناع.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

السابع: لا أصل بلحاظ نفس الدلالة لو شك فيها، و أما بلحاظ الفساد نفسه فالأصل في المعاملة يقتضيه لو لم يكن إطلاق أو عموم، و في المعاملة كذلك، لأنه مع النهي عنها فلا أمر بها.

الثامن: النهي في العبادة إما أن يتعلّق بنفسها، أو بجزئها، أو بشرطها، أو بوصفها الملازم- كالجهر و الاخفات بالقراءة-، أو بوصفها غير الملازم كالغصبية لأكوان الصلاة.

و لا ريب في دخول القسم الأوّل في محل النزاع.

و كذا الثاني لأن جزء العبادة عبادة، إلّا أن بطلانه لا يوجب بطلانه إذا لم يقتصر عليه إلّا مع لزوم محذور آخر.

و أما القسم الثالث فحرمة الشرط لا توجب فساد العبادة إلّا إذا كان عبادة.

و أما القسم الرابع فالنهي عن الوصف الملازم مساوق للنهي عن الموصوف لاستحالة الأمر به بعد النهي عن الوصف.

و أما القسم الخامس فالنهي لا يسري إلى الموصوف إلّا إذا كان متحدا معه و بني على الامتناع.

***

123

قوله (قدّس سرّه):

«هذا حال النهي المتعلق ...، إلى قوله: كما أن تفصيل الأقوال ...».

(1)

كيفية ثالثة للنهي عن العبادة:

ذكرنا سابقا أن النهي تارة يكون متعلقا بالعبادة بعنوانها، و أخرى يكون متعلقا بجزئها أو شرطها أو وصفها بما هو جزء أو شرط أو وصف.

و الآن نفترض كيفية ثالثة، و هي تعلّق النهي بالعبادة و لكن لا بعنوانها بل يتعلق النهي بها بسبب النهي عن جزئها أو شرطها أو وصفها.

و هذه الكيفية الثالثة تشتمل على نحوين:

1- أن يكون النهي متعلقا بالجزء حقيقة- و هكذا بالشرط أو الوصف- و تكون نسبته إلى العبادة بالعرض و المجاز، فالنهي لم يتعلق حقيقة بالعبادة و إنما هو متعلّق بالجزء، و بسبب تعلّقه بالجزء ينسب إلى العبادة نفسها بالمسامحة و المجاز، أي يكون النهي المتعلّق بالجزء من قبيل الواسطة في العروض لاتصاف العبادة نفسها بالنهي، (2) كالقراءة في‏

____________

(1) الدرس 191: (12/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

(2) المراد من الواسطة في العروض تلك الواسطة التي تكون نسبة الوصف إليها بنحو الحقيقة بينما نسبته إلى ذيها تكون بالمجاز، كقولك: راكب السفينة متحرّك، فإن الحركة منسوبة إلى السفينة بنحو الحقيقة، و نسبتها إلى الجالس بالمجاز، و يصطلح على السفينة بالواسطة في العروض، أي هي واسطة لاتصاف ذيها بالحركة بنحو المجاز، بينما هي متصفة بها بنحو الحقيقة.-

124

الصلاة ببعض سور العزائم، فإن النهي متعلّق حقيقة بالقراءة المذكورة و لكن ربما ينسب إلى الصلاة نفسها مجازا.

و حكم النهي في هذا النحو حكم النهي في الأقسام الأربعة الأخيرة، فما يقال فيها يقال في هذا أيضا، إذ النهي في هذا النحو بعد فرض تعلقه بالجزء حقيقة يكون حكمه حكم القسم الثاني و ما بعده.

2- أن يكون النهي متعلّقا بالجزء حقيقة و واقعا و يكون هذا النهي سببا لاتصاف العبادة نفسها بالنهي حقيقة أيضا، و هذا معناه أن تعلّق النهي بالجزء صار واسطة في الثبوت، أي علة حقيقة لاتّصاف العبادة نفسها بالنهي.

و حكم النهي في هذا النحو حكم النهي في القسم الأوّل الذي فرض فيه تعلّق النهي بالعبادة نفسها، و ما يقال فيه يقال فيه.

و لك أن تقول: إن النهي في النحو الأوّل هو نهي عن العبادة بلحاظ متعلقها و ليس بلحاظ نفسها بخلافه في النحو الثاني، فإن النهي فيه نهي عن العبادة بلحاظ نفسها، كما هو الحال في قولك: زيد قائم أبوه، و قولك: زيد قائم، فإنه في المثال الأوّل لا يكون وصف زيد بكونه قائما وصفا بلحاظ نفسه، بل بلحاظ متعلقه، إذ هو ليس بقائم، و إنما القائم هو أبوه، و هذا بخلافه في المثال الثاني، فإن وصف زيد بالقيام وصف بلحاظ نفسه و ليس بلحاظ متعلقاته و ما يرتبط به، أعني مثل الأب.

إذن النهي عن العبادة متى ما كان نهيا عنها بلحاظ متعلقها كان‏

____________

- و في مقابل هذا الواسطة في الثبوت، و هي العلة واقعا لاتصاف الشي‏ء بالوصف، كاتصاف الماء بالحرارة بسبب النار، فالنار هي واسطة في الثبوت، أي علة واقعا لاتّصاف الماء بالحرارة.

125

ذلك مصداقا حقيقة للأقسام الأربعة الأخيرة، و متى ما كان نهيا عنها بلحاظ نفسها كان ذلك مصداقا حقيقة للقسم الأوّل.

أقسام المعاملة المنهي عنها:

ثمّ بعد ذلك ذكر (قدّس سرّه) أن انقسام العبادة المنهي عنها إلى الأقسام الخمسة يأتي نفسه في المعاملة المنهي عنها أيضا، فالنهي عن المعاملة تارة يكون عن المعاملة نفسها، و أخرى عن جزئها، و ثالثة عن شرطها، و رابعة عن وصفها الملازم، و خامسة عن وصفها غير الملازم. و تطويل الكلام أكثر من هذا في هذا المجال لعله بلا طائل.

***

قوله: (قدّس سرّه) «كما أن تفصيل الأقوال في الدلالة على الفساد ...، إلى قوله: المقام الثاني».

الدخول في صميم البحث:

بهذا فرغنا عن الأمور التي كنّا بصدد بيانها كمقدمة قبل الدخول في صميم البحث، و كانت تلك الأمور ثمانية، و بعد الفراغ من هذه الأمور الثمانية ندخل الآن في صميم البحث، و هو أن النهي عن شي‏ء هل يقتضي فساده؟ و في هذا المجال نقول: الأقوال في المسألة كثيرة، و ربما تزيد على العشرة إلّا أن بيانها ليس بمهم، و المهم بيان رأينا الصحيح في هذا المجال بنحو يتضح بطلان سائر الأقوال.

و الكلام يقع في مقامين، أحدهما: النهي عن العبادة، ثانيهما: النهي عن المعاملة.

126

المقام الأوّل: النهي عن العبادة:

إن النهي عن العبادة يقتضي فسادها، و الوجه في ذلك أن النهي يدل على الحرمة الذاتية، أي حرمة العبادة بالحرمة الذاتية، (1) و متى ما كانت الحرمة ذاتية فلا يمكن أن تقع العبادة صحيحة بمعنى الموافقة للأمر، و لا بمعنى سقوط الإعادة و القضاء.

أما أنه لا يمكن أن تكون موافقة للأمر فلأنه مع فرض الحرمة الذاتية يكون الفعل معصية، و من الواضح أن المعصية لا يمكن أن تجتمع مع موافقة الأمر، فما هو معصية لا يمكن أن يكون فعله موافقة للأمر.

و أما أنه لا يمكن سقوط الإعادة و القضاء فلأن ذلك فرع الإتيان بالفعل الصالح للتقرّب بقصد القربة، و من الواضح أنه مع الحرمة الذاتية لا يكون الفعل في حدّ نفسه صالحا للتقرّب به، كما أنه لا يمكن قصد التقرّب به بالفعل.

لا يقال: هذا وجيه إذا فرض إمكان حرمة العبادة بالحرمة الذاتية و لكن ذلك ليس بممكن، فالعبادة بعد تعلّق النهي بها لا يمكن أن تكون محرّمة بالحرمة الذاتية، لأنه إذا لم يؤت بها بقصد القربة فلا تكون عبادة، و بالتالي لا تكون منهيا عنها، و الإتيان بها بقصد القربة أمر غير ممكن إلّا بنحو التشريع، و مع قصد التشريع تصير محرّمة بالحرمة التشريعية، و باتصافها بالحرمة التشريعية لا يمكن أن تتّصف بالحرمة

____________

(1) الحرمة الذاتية هي حرمة الشي‏ء في حدّ نفسه لما فيه من المفسدة و إن لم يقصد بإتيانه التشريع، كشرب الخمر مثلا، فإنه محرّم و إن لم يقصد به التشريع، و ذلك بسبب ما فيه من المفسدة و المبغوضية في حدّ نفسه. و عليه فكلما نهي عن الشي‏ء لما فيه من المفسدة و المبغوضية حتّى و لو لم يقصد به التشريع فحرمته تكون حرمة ذاتية.

127

الذاتية، لأن الفعل الواحد لا يمكن أن يتّصف بحرمتين لاستحالة اجتماع المثلين في شي‏ء واحد.

و بالجملة: من دون قصد القربة لا يكون الفعل عبادة ليكون محرّما، و قصد القربة غير ممكن إلّا بنحو التشريع، فيصير الفعل محرّما بالحرمة التشريعية، و معها لا يمكن أن يتّصف بالحرمة الذاتية.

فإنه يقال: يمكن الجواب عن ذلك بأجوبة ثلاثة:

1- إن هذا يتم لو كان المقصود من العبادة ما يشترط فيه قصد القربة بالفعل، و لكن تقدّم في الأمر الرابع أن المقصود من العبادة في هذا البحث هو العبادة بأحد التفسيرين التاليين:

أ- العبادة الذاتية، أي ما يكون عبادة في حدّ ذاته كالسجود و الخشوع.

ب- العبادة اللولائية، أي ما يكون عبادة يلزم فيه قصد القربة على تقدير تعلّق الأمر به.

و بناء على كلا هذين التفسيرين لا يرد الإشكال.

أما أنه لا يرد على الأوّل فلأن العبادة الذاتية لا يشترط في تحقّق عباديتها قصد القربة حتّى يقال من دون قصد القربة لا تكون عبادة و محرّمة بالحرمة الذاتية، و قصد القربة لا يمكن تحقّقه إلّا بقصد التشريع فتكون الحرمة تشريعية، و بالتالي لا يمكن ثبوت الحرمة الذاتية. و عليه فإذا نهي الجنب عن السجود كان ذلك نهيا عن العبادة الذاتية و دالا على حرمتها الذاتية الناشئة من المفسدة و المبغوضية.

و أما أنه لا يرد على الثاني فلأن العبادة اللولائية لا يشترط في تحقق عباديتها قصد القربة حتّى يقال ما تقدم، و عليه فإذا نهي عن صوم‏

128

العيدين فهو نهي عن العبادة بمعنى أنه لو أمر به كان أمره أمرا عباديا لا يسقط إلّا بقصد القربة. (1)

2- إنه مع التنزّل و تسليم إرادة العبادة بمعنى ما يشترط فيه قصد القربة بالفعل فنقول: إنه يمكن تحقّق قصد القربة بنحو التشريع من دون أن يلزم اجتماع حرمتين في فعل واحد، فإن مركز الحرمة التشريعية هو فعل القلب، أي الاعتقاد المخالف لحكم الشارع، بينما مركز الحرمة الذاتية هو ذات الفعل، فأين اجتماع الحرمتين؟!

3- إنه لو تنزّلنا و سلّمنا أن النهي عن العبادة لا يدل على حرمتها الذاتية فنقول: إنه على الأقل يدل على عدم تعلّق الأمر بها، و بالتالي يدل على أن إطلاق دليل الأمر بالصلاة أو عمومه لا يشمل مثل هذه الصلاة المنهي عنها، و بذلك تقع فاسدة لأنه بعد عدم الأمر بها يكون الإتيان بها بنحو العبادة محرّما تشريعا.

و بكلمة مختصرة: النهي و إن لم يدل على الحرمة الذاتية للعبادة لكنه يدل على حرمتها التشريعية، بمعنى أنه لا أمر بها، و بالتالي لا يمكن الإتيان بها بنحو العبادية إلّا بنحو التشريع، و هو كاف في البطلان. (2)

____________

(1) لا يخفى أن عبارة الشيخ الخراساني في بيان هذا الجواب تشتمل على شي‏ء من التطويل و التعقيد الذين لا داعي إليهما.

(2) قد اشتملت عبارة الكفاية في بيان هذا الجواب الثالث على شي‏ء من التطويل، و كان المناسب أن يقال: إن النهي عن العبادة و إن لم يدل على حرمتها الذاتية و لكنه على الأقل يدل على عدم تعلّق الأمر بها، و هو كاف لفسادها.

ثمّ إنه بعد اتضاح مطلب الشيخ الخراساني بكامله نقول: إن ما أفاده في بيان وجه دلالة النهي في العبادة على الفساد يشتمل على التطويل بلا داع، و كان الأنسب الاستدلال على الفساد بأحد الوجهين التاليين:-

129

النهي العرضي:

ثمّ عاد (قدّس سرّه) بعد هذا إلى أصل المطلب و ذكر استدراكا يرجع إلى أصل المطلب، و هو أنه حينما نقول بدلالة النهي على الفساد فذلك يختص بما إذا كان النهي المتعلّق بالشي‏ء نهيا عنه بنحو الحقيقة، و أما إذا كان نهيا بالعرض و المجاز فهو لا يقتضي الفساد.

أما كيف يكون النهي حقيقيا تارة و بالعرض أخرى؟ إنه لو قلنا بأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن الضد فسوف تصير الصلاة منهيا عنها حقيقة بعد تحقق الأمر بالإزالة و يكون مثل هذا النهي مقتضيا للفساد، و أما لو لم نقل بالاقتضاء فسوف لا تكون الصلاة متعلّقة للنهي بنحو الحقيقة بل بنحو العرض و المجاز، فإن المنهي عنه حقيقة هو ترك الإزالة مثلا و إنما ينسب إلى الصلاة بالعرض، و مثل هذا النهي العرضي الثابت للعبادة لا يقتضي فسادها، لأنه لا نهي عنها حقيقة حتّى تصير فاسدة. (1)

____________

1- إنه مع النهي لا يمكن قصد القربة فتقع فاسدة.

2- إن النهي يكشف عن عدم تعلّق الأمر، و هو كاف لإثبات الفساد، إذ الصحة تحتاج إلى أمر، و هو مفقود، أو إلى الملاك، و هو لا محرز له.

إن هذين الوجهين كافيان في إثبات اقتضاء النهي في العبادة للفساد- و الثاني منهما هو ما ذكره بعنوان الجواب الثالث- بلا حاجة إلى أن يقال: إن النهي يدل على الحرمة الذاتية التي لا يمكن معها تحقق الصحة بكلا تفسيريها، و بالتالي لا حاجة إلى بيان ما ذكره بعنوان لا يقال ثمّ ذكر ثلاثة أجوبة عنه.

(1) عبارة الكفاية في هذا الموضع تشتمل على شي‏ء من الغموض و التعقيد، و سنذكر بعد قليل بعض ما يرتبط بها.

130

توضيح المتن:

هذا حال النهي المتعلّق بالجزء أو الشرط أو الوصف: كان المناسب إضافة: أو بالعبادة بذاتها و عنوانها، ليشمل ذلك القسم الأوّل.

أي هذا في النهي عن العبادة بذاتها- و هو القسم الأوّل من الأقسام الخمسة- أو النهي عن الجزء و الشرط و الوصف الذي هو عبارة عن الأقسام الأربعة الأخرى، و هناك قسم آخر أو كيفية أخرى، و هو أن يتعلّق النهي بالعبادة بسبب تعلّقه بالجزء أو الشرط أو الوصف.

حال النهي عن أحدها: أي حال الأقسام الأربعة الأخيرة فيما إذا كان وصف العبادة بكونها منهيا عنها وصفا بحال المتعلّق لا وصفا بحال نفسها، أي فيما إذا كان ثبوت النهي عن نفس العبادة بالعرض و المجاز و كان المنهي عنه حقيقة نفس الجزء و الشرط و الوصف.

و بعبارة أخرى كان النهي عنها: أي عن نفس العبادة.

و إن كان النهي عنه: هذا هو بيان للشق الثاني. و المناسب: عنها بدل عنه.

و التقدير: و إن كان النهي عن العبادة على نحو الحقيقة و كان وصفها بأنها منهي عنها وصفا بحاله، أي بحال نفسه.

و إن كان بواسطة: الواو وصلية. ثمّ إن المناسب التعبير بلو حتّى لا يحصل تشويش في العبارة، أي هكذا: و لو بواسطة أحدها.

بواسطة أحدها: أي بواسطة النهي عن أحدها، أعني الجزء أو الشرط أو الوصف.

ثمّ إن العبارة في بيان هذا المطلب تشتمل على تعقيد لا داعي إليه، و سوف نصوغها بصياغة أخرى فلاحظ.

على ما قيل كذلك: أي ليس بمهم.

131

بالعبادة بنفسها: أي كان اتصافها بالنهي بحال نفسه لا بحال متعلقه.

و لو كانت جزء عبادة: أي لا يلزم في العبادة أن تكون عبادة مستقلة بل يكفي كونها جزء عبادة، لأنه عرفت فيما سبق أن جزء العبادة عبادة.

بما هو عبادة كما عرفت: المناسب فإنه- أي جزء العبادة- عبادة كما عرفت.

و لا يكاد يمكن اجتماع الصحة ...: لأن حرمة الفعل تستلزم صدق المعصية عليه، و معلوم أن المعصية لا تجتمع مع موافقة الأمر.

لا تكاد تصلح لذلك: لأن الفعل مشتمل على المفسدة.

و يتأتّى قصدها ...: عطف على تصلح، أي و لا يكاد يتأتّى قصدها من الملتفت.

لا ضير في اتصاف: هذا إشارة إلى الجواب الأوّل. أي لا ضير في اتصاف العبادة بالتفسير الثاني بالحرمة الذاتية.

هذا فيما إذا لم يكن ذاتيا: أي هذا إذا لم يكن الفعل عبادة بالتفسير الأوّل و إلّا فحرمته الذاتية ممكنة دون أي إشكال.

في هذا الحال: أي حال الجنابة و الحيض.

مع أنه لا ضير في اتصافه: هذا إشارة إلى الجواب الثاني.

كما هو الحال في التجري و الانقياد: حيث إن فعل القلب- و هو العزم على العصيان أو العزم على الإطاعة- هو المتّصف بذلك.

فافهم: لعلّه إشارة إلى أن نفس الفعل هو المتّصف بالحرمة لا فعل القلب، نعم فعل القلب سبب لاتصاف الفعل بذلك.

هذا مع أنه لو لم ...: هذا إشارة إلى الجواب الثالث. و ضمير فيها يرجع إلى العبادة. و المقصود من الحرمة هي الحرمة الذاتية.

132

فإنه لا أقل من دلالته: أي و الوجه في دلالته على الحرمة التشريعية هو أن النهي يدل على عدم الأمر و إن الآتي بالفعل آت به بنحو التشريع.

نعم لو لم يكن النهي ...: هذا يرتبط بأصل المطلب كما أوضحنا، و يحتمل كونه استدراكا من قوله: لكان دالا على الفساد، أي هو دال على الفساد لو كان النهي عن العبادة نهيا بنحو الحقيقة و ليس بالعرض و المجاز.

و الأنسب صياغة العبارة هكذا: نعم لو كان النهي عنها عرضا- كما إذا بني على عدم اقتضاء الأمر بالشي‏ء للنهي عن ضده حيث يكون النهي عن الصلاة مثلا التي هي ضد الإزالة المأمور بها نهيا بالعرض- فلا يكون مقتضيا للفساد.

فيخصّص به أو يقيّد: المناسب ذكر هذه الفقرة قبل قوله: (نعم لو لم يكن النهي عنها ... الخ)، أي و إن عمّها إطلاق دليل الأمر أو عمومه و لكن يخصّص العموم و ترفع اليد عنه بواسطة النهي المتوجّه إلى العبادة.

إن هذا هو المناسب، و لكن لو غضضنا النظر عن هذا فلا بدّ من تفسيرها هكذا: فيخصّص النهي في عنوان البحث «النهي يدل على الفساد» بالنهي العرضي، أي يكون المقصود خصوص النهي الذاتي.

خلاصة البحث:

إن النهي بالكيفية الثالثة يدخل تحت القسم الأوّل إن كان النهي متوجها حقيقة إلى العبادة و فرض أن النهي عن الجزء أو الشرط أو الوصف واسطة في الثبوت، و إن كان النهي متوجها حقيقة إلى الجزء و نحوه دون نفس العبادة فيدخل تحت الأقسام الأربعة الأخيرة.

133

و النهي عن العبادة يقتضي فسادها لأنه يدل على حرمتها الذاتية التي لا تجتمع مع الصحة بتفسيريها.

و النهي الذي يدّعى اقتضاءه للفساد هو النهي الحقيقي دون العرضي.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هذا إذا كان النهي متعلّقا بالعبادة نفسها أو بالجزء و نحوه.

و أما إذا كان متعلّقا بالعبادة بسبب الجزء و نحوه فهو محكوم بحكم الأقسام الأربعة الأخيرة إن كان النهي متعلّقا حقيقة بالجزء و نحوه، و نسبته إلى نفس العبادة بالعرض، و هو محكوم بحكم الأقسام الأوّل إن كان النهي متعلّقا بها على نحو الحقيقة، و دور الجزء و نحوه دور الواسطة في الثبوت لا العروض.

ثمّ إنه مما ذكرنا في بيان أقسام النهي عن العبادة يظهر حال الأقسام في المعاملة فلا يكون بيانها مستقلا مهما.

صميم البحث:

ثمّ إن تفصيل الأقوال في المسألة- التي ربما تزيد على العشرة على ما قيل- ليس مهما أيضا، و المهم بيان الحقّ فيها.

و الكلام يقع في مقامين.

المقام الأوّل: (النهي عن العبادة):

النهي عن العبادة مقتض لفسادها لدلالته على حرمتها الذاتية التي لا تجتمع مع الصحة بمعنى موافقة الأمر، و لا بمعنى سقوط الإعادة، فإنه مترتّب على الإتيان بالفعل الصالح لأن يتقرب به بقصد القربة، و مع الحرمة لا تصلح لذلك و لا يتأتّى قصدها من الملتفت إلى الحرمة.

134

لا يقال: هذا وجيه إذا كان النهي دالا على الحرمة الذاتية إلّا أنه لا يمكن أن تتصف العبادة بها لعدم الحرمة بدون قصد القربة، و عدم إمكان قصد القربة إلّا بنحو التشريع الموجب للحرمة التشريعية التي لا يتّصف الفعل معها بحرمة أخرى لامتناع اجتماع المثلين.

فإنه يقال: يمكن الجواب:

1- لا محذور في اتصاف العبادة بأحد تفسيريها المتقدمين في الأمر الرابع بالحرمة الذاتية.

2- لا يلزم اجتماع الحرمتين بعد ما كان مركز الحرمة الذاتية هو الفعل، و مركز الحرمة التشريعية فعل القلب.

3- لو لم يدل النهي في العبادة على حرمتها الذاتية فلا أقل من دلالته على عدم الأمر بها فتقع فاسدة لذلك.

ثمّ إن هذا كله في النهي المتعلّق بالعبادة بنحو الحقيقة، و أما النهي عنها عرضا فلا يقتضي الفساد، كما لو بني على عدم اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن الضد، فإن العبادة التي هي ضد الواجب لا تكون منهيا عنها إلّا عرضا.

***

135

قوله (قدّس سرّه):

«المقام الثاني ... إلى قوله: تذنيب».

(1)

المقام الثاني: النهي عن المعاملة:

المعاملة تتركّب من سبب و مسبب، و النهي تارة يكون عن السبب، و أخرى عن المسبّب، و ثالثة عن التسبّب.

مثال الأوّل: النهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، فإن المسبّب- أعني الملكية- ليس مبغوضا، و لذا لو حصل بالارث مثلا تحقّق من دون مبغوضية، و إنما المبغوض هو السبب، أعني نفس الإيجاب و القبول، لأنهما يشغلان عن فعل الصلاة.

و مثال الثاني: النهي عن ملكية الكافر للعبد المسلم، فإن الإيجاب و القبول ليسا مبغوضين، بل الملكية المذكورة بأي سبب كان.

و مثال الثالث: ملكية الزيادة الربوية بواسطة البيع، فإن نفس ملكية الزيادة ليس مبغوضا، و هكذا نفس البيع ليس مبغوضا، و إنما المبغوض هو ملك الزيادة بواسطة البيع.

و باتضاح هذا نقول: إن النهي عن المعاملة غاية ما يدل عليه هو حرمتها و مبغوضيتها إلّا أن ذلك لا يقتضي الفساد لعدم الملازمة بينهما، فيمكن أن تكون المعاملة مبغوضة و محرّمة و في نفس الوقت تكون صحيحة سواء كان النهي متعلقا بالسّبب أو بالمسبّب أو بالتسبّب.

____________

(1) الدرس 192 و 193: (13 و 14/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

136

نعم تثبت الحرمة فيما إذا نهي عن بعض اللوازم التي لا يمكن النهي عنها بعد فرض صحة المعاملة، كالنهي عن أكل الثمن في بيع الخمر أو الخنزير أو في البيع الربوي، فإن البيع لو كان صحيحا فلا معنى للنهي المذكور، إنه في هذه الحالة يثبت الفساد.

و عليه يلزم التفصيل بين النهي عن نفس المعاملة- سببا أو مسبّبا أو تسبّبا- و بين النهي عن مثل اللوازم المذكورة، فالفساد لا يثبت في الحالة الأولى و يثبت في الحالة الثانية. (1)

ثمّ ذكر بعد ذلك أنه لا يبعد أن يدّعى وجود ظهور عرفي عام في باب المعاملات، و هو أن النهي عنها إرشاد إلى فسادها بينما الأمر بها إرشاد إلى صحتها، فحينما يقال: لا تبع على الصبي فهذا لا يفهم منه حرمة البيع على الصبي أو كراهته بل الإرشاد إلى فساده، و هكذا حينما يقال: بع على العبد فذلك لا يعني وجوب البيع عليه أو استحبابه، بل الإرشاد إلى صحته.

و هذا الظهور المدّعى في باب المعاملات ظهور في خصوص المعاملات بالمعنى الأخص- التي هي عبارة عن العقود و الإيقاعات- دون المعاملات بالمعنى الأعم، أعني ما يقابل العبادة، فالمعاملة بالمعنى الأخص هي التي يكون الأمر و النهي عنها ظاهرا في الإرشاد دون المعاملة بالمعنى الأعم. (2)

____________

(1) لا يخفى أن هذا التفصيل ليس تفصيلا في محل النزاع، إذ النزاع هو في النهي عن المعاملة، و معلوم أن النهي عن اللوازم ليس نهيا عن المعاملة.

(2) لا وجه لحصر الظهور المذكور بباب المعاملة بالمعنى الأخص بل يمكن أن يقال بثبوته في المعاملة بالمعنى الأعم أيضا، كما إذا قال المولى: لا تغسل ثوبك المتنجس بالماء المضاف، فإنه ظاهر في شرطية إطلاق الماء لتحقّق طهارة الثوب، أو بالأحرى هو يرشد إلى بقاء الثوب على النجاسة عند غسله بالماء المضاف، فالظهور في الإرشاد يعمّ المعاملة بالمعنى الأخص و المعاملة بالمعنى الأعم أيضا.

137

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك خلاصة لما سبق، و هي: إن النتيجة الحاصلة مما سبق أنه مع قيام القرينة الخاصة على دلالة النهي على الفساد يحكم به، و القرينة الخاصة هي من قبيل النهي عن أكل الثمن في بيع الخمر و الخنزير، أما مع عدم قيام القرينة فأقصى ما يقتضيه النهي هو الحرمة التكليفية، و هي لا تلازم فساد المعاملة لغة و لا عرفا، كما ذكرنا ذلك سابقا. (1)

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد هذا أن كل هذا الكلام هو حسب ما تقتضيه القاعدة الأوّلية و لكن قد تدّعى قاعدة ثانوية مستفادة من بعض الروايات الدالة على أن النهي التكليفي في باب المعاملات يقتضي الفساد شرعا.

و بكلمة أخرى: إنه لو رجعنا إلى العرف و اللغة لرأينا أن المناسب عدم استتباع الحرمة التكليفية لفساد المعاملة و لكن لو رجعنا إلى الشرع فربما نستفيد منه استتباع الحرمة للفساد، و لا إشكال في أنه في أمثال الحالات المذكورة- أي التي يقتضي العرف فيها شيئا و الشرع شيئا آخر- يلزم الرجوع إلى الشرع، فإن العرف إنما يتّبع عند عدم وجود نظرة شرعية على خلافه و إلّا كان المتّبع نظر الشرع جزما.

أما كيف يقتضي نظر الشرع الفساد؟ ذلك يتجلى إذا رجعنا إلى روايات زواج العبد من دون إذن مولاه، كصحيحة زرارة عن الإمام الباقر (عليه السّلام)، حيث سأله عن العبد إذا تزوّج من دون إذن مولاه، فأجاب (عليه السّلام) بأن الأمر يرجع إلى‏

____________

(1) كان من المناسب في مقام ذكر الخلاصة أن يقال هكذا: إنه مع القرينة الخاصة يتمسك بها، و مع عدمها يلزم الرجوع إلى ما يقتضيه الظهور في باب المعاملات، و هو الإرشاد إلى الفساد، إن هذا هو المناسب لا ما ذكره من أنه مع القرينة الخاصة يتمسك بها، و مع عدمها يلزم التمسك بالظهور في الحرمة التكليفية التي هي لا تلازم في باب المعاملات الفساد.

138

المولى، فإن شاء أجاز و إن شاء فرّق بينهما، و عاود زرارة السؤال قائلا: إن الحكم و إبراهيم و أصحابهما من العامة يحكمون بفساد النكاح من الأساس و يرون أن اجازة المولى لا تصحّحه، فأجاب (عليه السّلام): «إنه لم يعص اللّه و إنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو جائز». (1).

إنه من ذيل هذه الصحيحة- إنه لم يعص اللّه- قد يفهم أن المعصية لو كانت للّه سبحانه بحيث خالف العبد نهيا تكليفيا صادرا منه سبحانه فيحكم بالفساد، فالعقد الصادر من العبد يحكم بفساده لو كان مخالفا للنهي التكليفي الصادر من اللّه سبحانه. (2)

هذا ما قد تقرّب به دلالة الصحيحة.

و الجواب: إن معصية اللّه سبحانه هي على نحوين: معصية تكليفية، و معصية وضعية.

مثال الأوّل: ما إذا كان العقد محرّما بالحرمة المولوية في حدّ نفسه، كالعقد حالة الاحرام و الاعتكاف.

و مثال الثاني: العقد الذي لم يشرّعه اللّه سبحانه رأسا، كالعقد على‏

____________

(1) و نصّ الصحيحة: سأله عن مملوك تزوّج بغير إذن سيده فقال: «ذلك إلى سيده إن شاء أجازه، و إن شاء فرّق بينهما». قلت: أصلحك اللّه تعالى إن الحكم بن عتيبة و إبراهيم النخعي و أصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد و لا تحلّ إجازة السيد له، فقال أبو جعفر (عليه السّلام): «إنه لم يعص اللّه و إنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز» وسائل الشيعة 21: 114/ الباب 24 من أبواب نكاح العبيد و الاماء/ الحديث 1.

(2) لا يقال: إن الصحيحة مختصة بعقد النكاح و لا تعمّ مطلق العقود و الإيقاعات، فهي على هذا أخص من المدعى.

فإنه يقال: إن الخصوصية لعقد النكاح غير محتملة، مضافا إلى إمكان التمسك بفكرة عدم القول بالفصل.

139

أخت الزوجة أو امّها، فإنه في حدّ نفسه ليس محرّما بالحرمة التكليفية و إنما هو غير مشروع في حدّ نفسه.

و الإمام (عليه السّلام) يريد أن يقول: إن العبد حينما تزوّج بالمرأة من دون إذن مولاه فعقده في حدّ نفسه عقد مشروع و ليس بمثابة العقد على أخت الزوجة حتّى يلزم أن يكون فاسدا و لا يمكن تصحيحه بالإجازة، إن زواج العبد في محل الفرض ليس معصية للّه سبحانه بمعنى أنه ليس بمشروع في حدّ نفسه، و بناء على هذا فأقصى ما يستفاد من الصحيحة أن العقد متى ما كان معصية للّه سبحانه بهذا المعنى فهو فاسد، و هذا مطلب صحيح و لكنه لا يرتبط بمحل كلامنا، فإن العقد الذي لا يكون مشروعا في حدّ نفسه هو فاسد جزما و لم يقع فيه كلام، و إنما الكلام في العقد الذي يكون منهيا عنه بالنهي التكليفي، فمثل هذا النهي هل يقتضي الفساد أو لا؟

و قد تسأل: ما هي القرينة على كون المقصود من المعصية هي المعصية بهذا المعنى؟ أي المعصية الوضعية دون التكليفية؟ إن القرينة هي أنه لو كان المنظور في الصحيحة المعصية التكليفية فالمناسب إثباتها لا نفيها، أي إن المناسب أن يقول (عليه السّلام): إنه عصى اللّه سبحانه لا أنه لم يعص اللّه، إذ العبد حينما تزوّج من دون إذن سيده فهو قد عصى مولاه حيث لم يستأذنه مسبقا، و بالتالي يكون قد عصى اللّه سبحانه حيث أمره أن لا يعصي سيده و أن لا يتصرف أي تصرف من دون إذن المولى.

إذن لو كان المنظور هو المعصية التكليفية فالمناسب إثباتها لا نفيها.

و قد تسأل ثانية: إن استعمال لفظ المعصية بمعنى العقد غير المشروع في حدّ نفسه أمر لم نعهده، فإن المعهود هو استعمال لفظ

140

المعصية في ارتكاب العقد المحرّم في حدّ نفسه، كالعقد حالة الاحرام أو الاعتكاف دون ما كان غير مشروع في حدّ نفسه.

و يمكن أن نجيب بأن استعمال المعصية بالمعنى المذكور أمر معهود، بل إن الصحيحة المذكورة نفسها قد استعملت المعصية بهذا المعنى، حيث قالت: «و إنما عصى سيده»، و من الواضح أن المولى لم يصدر منه نهي تكليفي و لم يقل: يا عبدي لا تتزوج أو أحرّم عليك الزواج، بل أقصى ما في البين هو أنه لم يستأذن مولاه في الزواج، فهو عقد غير مأذون فيه من قبل المولى لا أنه منهي عنه من قبله.

هذا حصيلة جواب الشيخ الخراساني عن التمسك بالصحيحة المذكورة.

ثمّ يقول: إنه لو تنزّلنا و لم نجزم بكون المقصود من المعصية هو المعصية الوضعية فلا أقل من إجمال الصحيحة و تردد المعصية فيها بين المعصية التكليفية و المعصية الوضعية، و معه تسقط عن الصلاحية للاستدلال بها على المدّعى.

إذن الجواب عن الصحيحة هو في الحقيقة جوابان لا جواب واحد، فمرة جزم بكون المقصود من المعصية هو المعصية الوضعية، و أخرى ادعي الاحتمال و التردد و الإجمال.

توضيح المتن:

لعدم الملازمة فيها: أي في المعاملات.

كانت الحرمة ...: أي سواء كانت الحرمة ...

أو بمضمونها: يعني المسبّب، أعني الملكية مثلا.

ثمّ إن التقييد بقوله: «بما هو فعل بالتسبيب» كأنه إشارة إلى دفع إشكال، و هو أنه لا تقل: إن المضمون ليس فعلا للمكلف حتّى يتعلق به النهي، إذ يقال: إنه فعل له بالتسبيب، أي هو فعل تسبيبي و توليدي له.

141

أو بالتسبّب بها إليه: أي بالمعاملة إلى المضمون.

و إنما يقتضي الفساد فيما إذا ...: يمكن أن يقال: إن هذا تفصيل في غير محل الكلام، فإن الكلام هو في النهي عن المعاملة لا في النهي عن شي‏ء آخر غير المعاملة، و معلوم أنه في الحالة المذكورة لا يكون النهي نهيا عن نفس المعاملة بل عن شي‏ء آخر، و هو أكل الثمن مثلا.

في بيع: كالبيع الربوي.

في بيع شي‏ء: كبيع الخمر و الخنزير.

لا المعاملات بالمعنى الأعم: تقدّم الإشكال في التضييق المذكور.

فالمعوّل هو: هذا هو أشبه بالخلاصة لما تقدّم.

من الحرمة: أي التكليفية.

ثمّ إنه قد تقدّم منّا الإشكال في التلخيص المذكور فلاحظ.

نعم ربما يتوهم: هذا شروع في بيان ما تقتضيه القاعدة الثانوية.

حيث دلّ: هذا تقريب الدلالة.

و لا يخفى أن الظاهر: هذا جواب عن التمسك بالصحيحة.

و بالجملة: هذا شروع في الجواب الثاني عن الصحيحة، و منه يتضح أن التعبير بقوله و بالجملة ليس في محله، و المناسب: ثمّ إنه مع التنزّل لو لم يكن ظاهرا في ...

خلاصة البحث:

النهي عن المعاملة لا يقتضي فسادها لعدم الملازمة عرفا بين الحرمة التكليفية و الفساد.

نعم مع النهي عن بعض اللوازم قد يستفاد الفساد.

142

و يمكن أن يدّعى ظهور النهي في باب المعاملات في الإرشاد دون الحرمة التكليفية.

و قد يدعى أن صحيحة زرارة تدل على أن القاعدة الثانوية في باب المعاملات هي اقتضاء النهي التكليفي عن المعاملة لفسادها، و لكنه باطل لأن المقصود من المعصية فيها هو المعصية الوضعية دون التكليفية، و مع التنزّل فالصحيحة مجملة من هذه الناحية فتسقط عن الصلاحية للاستدلال بها.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

المقام الثاني: (النهي عن المعاملة):

النهي عن المعاملة يدل على حرمتها، و هي لا تقتضي الفساد لعدم الملازمة سواء كان النهي متعلقا بالسبب أو بالمسبّب أو بالتسبّب، و إنما يثبت الفساد مع النهي عن بعض اللوازم التي لا يكاد تحرم مع صحتها، كالنهي عن أكل الثمن أو المثمن في بعض المعاملات.

ثمّ إنه لا تبعد دعوى ظهور النهي في باب المعاملة في الإرشاد إلى فسادها، و الأمر بها في الإرشاد إلى صحتها، لكنه في المعاملة بالمعنى الأخص دون المعنى الأعم.

و عليه فالمعول ملاحظة القرائن، و مع عدمها يؤخذ بما يقتضيه النهي، و هو الظهور في الحرمة التي لا تستلزم الفساد.

هذا و قد يتوهم اقتضاء النهي للفساد من جهة دلالة بعض الأخبار، كصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السّلام): سأله عن مملوك تزوّج بغير إذن سيده فقال: «ذلك إلى سيده، إن شاء أجازه و إن شاء فرّق بينهما»، قلت:

143

أصلحك اللّه تعالى إن الحكم بن عتيبة و ابراهيم النخعي و أصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد و لا تحلّ إجازة السيد له، فقال أبو جعفر (عليه السّلام): «إنه لم يعص اللّه و إنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز»، حيث دلّ على أن النكاح لو كان مما حرّمه تعالى عليه كان فاسدا.

و الجواب: إن الظاهر كون المراد من المعصية المنفيّة أن النكاح ليس مما لم يمضه اللّه و لم يشرّعه كي يقع فاسدا، و من المعلوم استتباع المعصية بهذا المعنى للفساد. و لا بأس بإطلاق المعصية على عمل لم يمضه اللّه و لم يأذن به كما اطلق عليه بمجرد عدم إذن السيد فيه أنه معصية.

و مع التنزّل عن الظهور فيما ذكر فلا أقل من عدم الظهور فيما توهم.

***

144

قوله (قدّس سرّه):

«تذنيب ...، إلى قوله: المقصد الثالث».

(1)

رأي أبي حنيفة و الشيباني:

نسب إلى أبي حنيفة و تلميذه محمّد بن الحسن الشيباني أنهما قالا: إن النهي يدل على الصحة، و نسب إلى فخر الدين الحلي موافقته على ذلك.

و الشيخ الخراساني (قدّس سرّه) وافقهما أيضا في المعاملات إذا كان النهي عن المسبّب أو عن التسبّب دون ما إذا كان عن السبب. هذا في المعاملات، و أما في العبادات فوافقهما أيضا إذا كانت العبادة ذاتية دون ما إذا كانت لولائية.

و على هذا الأساس توجد لدينا دعاوى أربع نوضّحها كما يلي:

1- إن النهي إذا كان عن المسبّب أو عن التسبّب فهو يدل على الصحة، فلو نهي عن ملكية الكافر للعبد المسلم مثلا فالنهي المذكور يدل على صحة المعاملة، إذ شرط كل نهي- أو بالأحرى كل حكم- القدرة على متعلقه، فالنهي عن الملكية يدل على أنها مقدورة للمكلف، و بالتالي يدل على صحة البيع، إذ لو لا صحته لم يمكن تحقّق الملكية، و بالتالي لم يكن متعلّق النهي مقدورا.

و هكذا الحال بالنسبة إلى التسبّب، فإن النهي عنه يتوقف على إمكانه و قدرة المكلف عليه، و القدرة إنما تتحقّق فيما إذا كان البيع‏

____________

(1) الدرس 194 و 195: (15 و 16/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

145

صحيحا، إذ لو لا صحته لم يكن التسبّب ممكنا، و من ثمّ لا يكون النهي عنه وجيها.

إذن لأجل اشتراط القدرة في متعلّق التكليف يكون النهي عن المسبّب أو التسبّب دالا على صحة السبب، أي صحة المعاملة. (1)

2- إن النهي عن السبب لا يدل على صحته، و الوجه في ذلك واضح، فإن النهي و إن لازم القدرة على متعلقه إلّا أن القدرة على السبب ثابتة و لو لم يكن صحيحا مؤثرا، فالنهي عن إيجاد العقد عند النداء لصلاة الجمعة يدل على إمكان إيجاد العقد، و هذا شي‏ء مسلّم إلّا أن هذا لا يلازم صحة العقد، فإن المهم ثبوت القدرة التكوينية على إجراء العقد، و هي ثابتة بلا حاجة إلى افتراض كونه صحيحا.

3- إن النهي عن العبادة الذاتية لا ينافي القدرة عليها و صحتها، فنهي الحائض عن السجود مثلا يلازم كونه مقدورا و صحيحا، إذ المفروض أن العبادية ذاتية للسجود، و لازم ذاتيتها له إمكان تحقّقها حتّى مع النهي، إذ لو لم يمكن تحقّقها فذلك يعني أنها ليست ذاتية له. (2)

4- إن النهي عن العبادة اللولائية يقتضي عدم إمكان تحققها،

____________

(1) هذا و إن كان وجيها و لكنه ليس نفس المدعى، فإن المدعى هو أن النهي عن شي‏ء يدل على صحة ذلك الشي‏ء لا أنه يدل على صحة شي‏ء آخر، و هنا لا نستفيد من النهي عن المسبّب أن المسبّب نفسه صحيح بل نستفيد أن المعاملة- أعني السبب- صحيحة، و من الواضح أن هذا شي‏ء آخر يغاير المدعى.

(2) يرد على هذا المطلب أنه على تقدير تماميته يلزم أن يكون السبب في ثبوت العبادية و تحقّقها رغم تعلّق النهي بها هو كونها ذاتية للسجود مثلا، و على هذا لا يكون للنهي دور في الدلالة على تحقّق العبادية بل الدور كله لكون العبادية ذاتية للفعل.

146

فإن العبادية تتوقف على وجود الأمر ليمكن من خلاله التعبّد و التقرّب، و من الواضح أنه مع فرض تعلّق النهي بالعبادة فلا يمكن تعلّق الأمر بها، إذ كيف يتعلّق الأمر بها بعد فرض تعلّق النهي، اللهم إلّا إذا قلنا بإمكان تعلّق الأمر و النهي بالموجود الواحد بعنوان واحد، فصوم العيدين مثلا عنوان واحد قد تعلّق به النهي فإذا قلنا بإمكان تعلّق الأمر به بالعنوان المذكور أمكن التعبّد و التقرب بواسطة الأمر المذكور، و لكن من الواضح أن ذلك ليس بممكن، أي لا يمكن تعلّق الأمر و النهي بالشي‏ء الواحد بعنوان واحد.

إذن الفرق بين العبادة الذاتية و العبادة اللولائية واضح، ففي العبادة الذاتية حيث إن العبادية ذاتية للفعل فيلزم تحقّقها- أي العبادية- حتّى بعد تعلّق النهي بها، و هذا بخلافه في العبادة اللولائية، فإن العبادية لا تتحقّق إلّا بعد تعلّق الأمر الذي هو غير ممكن بعد فرض تعلّق النهي. (1)

____________

(1) ما أفاده في التفرقة بين العبادة الذاتية و العبادة اللولائية قابل للمناقشة، لأن العبادية التي ادعى تحققها في العبادة الذاتية بعد تعلّق النهي بها هل هي العبادية الفعلية و التقرّب الفعلي أو أن المقصود هو العبادية بالمعنى الأوسع من ذلك، أي ماهية العبادة و إن لم تكن مقرّبة بالفعل؟ فإن كان المقصود هو الأوّل فيردّه أن التقرّب الفعلي بالسجود كيف يتحقّق بعد فرض تعلّق النهي به؟ و إن كان المقصود هو الثاني فيردّه أن العبادة بالمعنى الوسيع كما هي متحقّقة في العبادة الذاتية بعد النهي عنها كذلك هي متحققة بالعبادة اللولائية بعد تعلّق النهي بها، فتلك عبادة بمعنى أنها عبادة ذاتية، و هذه عبادة، بمعنى أنه لو تعلّق الأمر بها كان أمرا عباديا.

و بالجملة لا نعرف وجها للتفرقة بين الموردين، بل إما أن تكون العبادية متحقّقة في كليهما بعد تعلّق النهي أو لا تكون متحقّقة في كليهما بعد النهي، و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

147

و قد تقول: إذا كانت العبادية موقوفة على ثبوت الأمر فكيف نتصوّر إذن تعلّق النهي بالعبادة؟ إنه يلزم أن لا يكون ممكنا في حدّ نفسه، إذ العبادية إذا كانت موقوفة على الأمر فكيف يتعلّق النهي بها بعد فرض تعلّق الأمر بها؟

و الجواب: إنه ذكرنا في الأمر الرابع أن المقصود من العبادة هو العبادة اللولائية دون العبادة الفعلية، و من الواضح أن العبادة اللولائية حيث لا تتوقّف على ثبوت الأمر الفعلي بها فيمكن تعلّق النهي بها دون مانع.

ثمّ إنه إلى هنا تمّ البحث عن مسألة اقتضاء النهي للفساد بل تمّ البحث عن المقصد الثاني الذي كان يبحث عن النواهي، فالمقصد الأوّل كان يبحث عن الأوامر، و المقصد الثاني يبحث عن النواهي، و في المقصد الثالث الآتي يراد البحث عن المفاهيم.

***

148

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

149

المقصد الثالث: المفاهيم‏

1- تحديد المفهوم بشكل عام.

2- مفهوم الشرط.

3- مفهوم الوصف.

4- مفهوم الغاية.

5- مفهوم الاستثناء أو الحصر.

6- مفهوم اللقب.

150

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

151

الفصل الأوّل: تحديد المفهوم بشكل عام‏

152

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}