كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
153

قوله (قدّس سرّه):

«المقصد الثالث في المفاهيم ...، إلى قوله:

فصل الجملة الشرطية ...».

مقدمة ذات نقاط ثلاث:

و قبل أن يشرع (قدّس سرّه) بالبحث عن كل واحد من المفاهيم الخاصة- أعني مفهوم الشرط، و مفهوم الوصف، و هكذا- أخذ ببيان مقدمة تشتمل على نقاط ثلاث هي:

1- ما هو تحديد المفهوم بشكل عام؟

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه).

إن المفهوم حكم توجبه خصوصية يدل عليها المنطوق.

توضيح ذلك: إن قولنا إذا جاءك زيد فأكرمه مثلا يدل بالمباشرة على معنى ذي خصوصية خاصة، و ذلك المعنى هو ثبوت وجوب الإكرام على تقدير المجي‏ء، و هذا المعنى الذي يدل عليه الكلام بالمباشرة يصطلح عليه بالمنطوق. (1) و إذا دققنا أكثر وجدنا أن الكلام لا يدل على المعنى المذكور فحسب بل يدل عليه مقرونا بخصوصية خاصة، و هي خصوصية العليّة الانحصارية، أي هو يدل على وجوب الإكرام على تقدير المجي‏ء، و يدل أيضا على أن المجي‏ء علة منحصرة لوجوب الإكرام، و بسبب دلالته على هذه الخصوصية دلّ على حكم آخر، و هو أنه إذا لم يجئ فلا يجب الإكرام.

____________

(1) و سبب التسمية واضح لأنه معنى قد نطق به.

154

و من خلال هذا يتّضح الفرق بين المفهوم و بين سائر المداليل الالتزامية، كوجوب المقدمة مثلا الذي هو مدلول التزامي لوجوب ذي المقدمة، فإن قولنا:

يجب الحج مثلا يدل على وجوب السفر و تهيئة تذكرة السفر و هكذا، و وجوب الأمور المذكورة مدلول التزامي، و هذا المدلول الالتزامي مستفاد من خصوصية أيضا، و هي خصوصية الملازمة العقلية بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته، إلّا أن هذه الخصوصية لا يدل عليها نفس اللفظ- أعني لفظ يجب الحج- و إنما هي خصوصية يقضي بها العقل من دون دلالة اللفظ عليها.

و عليه فالفرق بين المفهوم و بقية المداليل الالتزامية هو أن المفهوم يستند إلى خصوصية دلّ عليها اللفظ، بخلاف بقية المداليل الالتزامية، فانها تستند إلى خصوصية لا يدل عليها اللفظ.

هذه هي حقيقة المفهوم. و هناك أمور جانبية ترتبط به، من قبيل أن المفهوم هو حكم انشائي أو اخباري، (1) و من قبيل أن المفهوم قد يطابق المنطوق في السلب و الإيجاب- و يصطلح عليه بمفهوم الموافقة- و قد يخالفه، و يصطلح عليه بمفهوم المخالفة، (2) و من قبيل أن الخصوصية التي يدل عليها اللفظ قد يدل عليها بسبب الوضع و قد يدل عليها بسبب مقدمات الحكمة.

هذه أمور جانبية ثلاثة، و بيانها ليس مهما، و إنما المهمّ هو أن نعرف أن المفهوم مدلول التزامي مستفاد من خصوصية يدل عليها اللفظ.

____________

(1) مثال الإنشاء: إذا جاءك زيد فاكرمه.

و مثال الأخبار: إن زرتني زرتك.

و كان من المناسب تحديد المفهوم بالمدلول الالتزامي.

(2) مثال مفهوم الموافقة: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ، فإنه يدل على حرمة الضرب بالأولوية.

و مثال مفهوم المخالفة: جميع المفاهيم غير مفهوم الموافقة.

155

و على هذا الأساس يكون مدلول قولنا: إن جاءك زيد فأكرمه- الذي هو قضية موجبة- قضية سالبة من حيث الشرط و من حيث الجزاء، أي هكذا: إن لم يجي‏ء فلا يجب إكرامه.

هذا هو تحديد المفهوم بشكل عام.

إلّا أنه قد يحدّد بتحديد آخر، و ذلك بأن يقال: إن المفهوم هو حكم غير مذكور في الكلام، فالحكم المذكور هو المنطوق، بينما غير المذكور هو المفهوم، ففي المثال السابق حيث إن وجوب الإكرام على تقدير المجي‏ء حكم مذكور فلا يكون مفهوما بل منطوقا، بينما عدم وجوب الإكرام على تقدير عدم المجي‏ء حيث إنه حكم ليس مذكورا فيكون مفهوما.

و هذا التحديد هو من جهة جيد و قريب من التعريف السابق.

و قد يحدّد المفهوم بتحديد ثالث، و هو حكم لموضوع غير مذكور- و هذا قابل للمناقشة لأنه يتم في مثل مفهوم الوصف، و لا يتم في مثل مفهوم الشرط، ففي الشرط يكون الموضوع مذكورا و واحدا في المفهوم و المنطوق، و هو زيد في قولك: إن جاء زيد فاكرمه، فإن مفهومه إن لم يجي‏ء زيد فلا يجب إكرامه، فزيد مثلا هو الموضوع منطوقا و مفهوما، و هذا بخلافه في الوصف، حيث إن الموضوع في قولك: أكرم العالم هو العالم، بينما الموضوع في المفهوم هو الجاهل لأن المفهوم هو لا تكرم الجاهل.

و هذا التحديد الثالث قد وقع موردا للنقض و الابرام بين الاعلام، و لكنه كما أشرنا غير مرة أن التعاريف المذكورة تعاريف لفظية يقصد بها شرح الاسم من قبيل التعاريف اللغوية- كسعدانة نبت، و السناء دواء- و ليست تحديدات حقيقية حتّى تستحق النقض و الابرام.

156

و من خلال هذا كله اتضح حال التحديدات الأخرى التي ذكرت للمفهوم- مما لم نشر إليه- فإنها تحديدات لفظية لا تستحقّ النقض و الابرام.

2- هل المفهوم من صفات الدلالة أو هو من صفات المدلول؟

فإن مثل الصراحة و الظهور صفات للدلالة، فيقال: دلالة الكلام صريحة أو ظاهرة، بينما مثل الكلية و الجزئية هي صفات للمدلول، فالمدلول يكون تارة كليا و أخرى جزئيا.

و قد ذكره (قدّس سرّه) أن تحقيق هذا المطلب لا يهمّنا التعرّض إليه لعدم أهميته في حدّ نفسه و إن كان الأقرب كونه من صفات المدلول، لأن المفهوم على ما ذكرنا سابقا هو حكم اخباري أو انشائي، و من الواضح أن الحكم مدلول و ليس دلالة.

نعم قد توصف الدلالة أحيانا بأنها مفهومية أو منطوقية و لكن ذلك باعتبار مدلولها و ليس باعتبار نفسها، فحيث إن المدلول يكون مفهوما تارة و منطوقا أخرى توصف الدلالة بأنها مفهومية أو منطوقية، فما ذكر هو وصف لها باعتبار متعلّقها و ليس باعتبار نفسها.

3- إن النزاع في باب المفهوم هو نزاع في أي شي‏ء؟

فهل هو نزاع في حجية المفهوم بعد فرض تحققه أو نزاع في أصل ثبوت المفهوم و عدمه؟ قد توحي بعض كلمات صاحب المعالم و غيره بالأوّل، حيث يقولون: مفهوم الشرط حجة، و مفهوم الوصف ليس حجة، هذا و لكن الصحيح أن النزاع هو بالنحو الثاني، فإن المفهوم بعد ثبوت دلالة الكلام عليه لا إشكال في حجيته، و إنما الكلام هو في أصل دلالة الكلام على المفهوم أو بالأحرى تلك الخصوصية المستتبعة للمفهوم، فالنزاع هو في أن الجملة الشرطية مثلا هل تدل على أن‏

157

الشرط علة منحصرة أو لا، و هكذا الجملة الوصفية هل تدل على أن الوصف علة منحصرة للحكم أو لا، فالنزاع هو في أصل ثبوت الدلالة المذكورة و ليس في حجيتها بعد التسليم بأصل ثبوتها.

بم يتقوّم المفهوم؟

عرفنا من خلال ما سبق أن المفهوم بشكل عام يتقوّم بثبوت العلية الانحصارية للشرط أو للوصف أو ...، و لكن هل هناك شي‏ء آخر يحتاج إليه المفهوم و يتقوّم به أو لا؟ نعم إنه يتقوّم بشي‏ء آخر، و هو أن يكون الحكم المدلول للجزاء هو الطبيعي دون الشخص، و هذا معناه أن اقتناص المفهوم من أي جملة يتوقّف على ركنين: العليّة الانحصارية، و كون الحكم المعلّق على الشرط أو الوصف و نحوهما هو الطبيعي دون الشخص.

و كان من المناسب للشيخ الخراساني الإشارة إلى ذلك في هذا الموضع لا أن يذكر هنا أحد الركنين و يؤخّر الثاني إلى الأمر الأوّل من الأمور الثلاثة التي ستأتي إن شاء اللّه تعالى.

توضيح المتن:

و عن الفخر: أي فخر الدين نجل العلامة الحلي (قدّس سرّهما).

في المعاملات كذلك: أي يدل على الصحة.

إلّا فيما كانت المعاملة مؤثرة صحيحة: هذا وجيه و لكن قد تقدّم التعليق على ذلك.

نعم قد عرفت أن النهي عنه لا ينافيها: المقصود: إن النهي عن السبب و إن قلنا أنه لا يدل على الصحة و لكن في نفس الوقت هو لا يدل على الفساد و لا يلازم فساده.

158

يكون مقدورا: أي يقع صحيحا.

إلّا إذا قيل باجتماع ...: أي بجواز اجتماع ...

ثمّ إنه قد تقدّم الإشكال منّا بعدم الفرق بين العبادة الذاتية و العبادة اللولائية من هذه الناحية.

و قد عرفت ...: هذا إشارة إلى ما ذكرناه بصيغة و قد تقول.

في هذا القسم: أي ما كان عبادة لولائية.

فافهم: قد أشرنا إلى وجهه سابقا.

من موارد إطلاقه: أي استعماله.

تستتبعه: أي توجبه.

و لو بقرينة الحكمة: أي إن إرادة الخصوصية تارة يكون بالوضع و أخرى بقرينة الحكمة.

و كان يلزمه لذلك: أي و كان ذلك الحكم يلزم المعنى لأجل الخصوصية.

و قد وقع فيه: أي في التعريف الأخير.

كما لا يهمنا بيان أنه: هذا إشارة إلى النقطة الثانية.

و قد انقدح من ذلك: هذا إشارة إلى النقطة الثالثة.

أو بالقرينة العامة: يعني الانصراف أو مقدمات الحكمة.

خلاصة البحث:

قيل إن النهي يدل على الصحة، و هو وجيه في المسبّب و التسبّب لعدم القدرة عليهما إلّا بافتراض صحة المعاملة، و هكذا هو وجيه في النهي عن العبادة الذاتية، لأن لازم الذاتية تحقّق العبادية حتّى مع فرض النهي.

159

و أما إذا كان النهي عن السبب فهو لا يقتضي الصحة لتحقّق القدرة عليه حتّى بدون صحته، و هكذا إذا كان النهي عن العبادة اللولائية فإنه لا يقتضي الصحة لعدم إمكان تحقق العبادية إلّا بعد وجود الأمر، و لكنه لا يمكن تحقّقه بعد فرض تعلّق النهي.

و المفهوم حكم ناشئ من الخصوصية التي يدل عليها المنطوق.

و هو حكم غير مذكور و ليس لغير مذكور.

و هو أشبه بصفات المدلول.

و النزاع ليس في حجية المفهوم بل في أصل دلالة الكلام عليه.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

تذنيب:

حكي عن أبي حنيفة و الشيباني دلالة النهي على الصحة، و قيل إن فخر الدين وافقهما على ذلك.

و التحقيق أنه في المعاملات كذلك إذا كان عن المسبّب أو التسبّب، لاعتبار القدرة في متعلّق النهي، و هي لا تتحقّق إلّا إذا كانت المعاملة صحيحة.

و أما إذا كان عن السبب فلا، لكونه مقدورا و إن لم يكن صحيحا، نعم قد عرفت أنه لا يدل على الفساد أيضا.

و أما العبادات فما كان منها عبادة ذاتية فمع النهي عنه يكون مقدورا.

و ما كان عبادة لولائية فلا يقدر عليه إلّا إذا قيل بإمكان اجتماع الأمر و النهي في الشي‏ء بعنوان واحد، و هو محال.

160

و قد عرفت أن النهي في هذا القسم إنما يكون نهيا عن العبادة، بمعنى أنه لو كان مأمورا به لكان أمره عباديا لا يسقط إلّا بقصد القربة فافهم.

المقصد الثالث: مبحث المفاهيم:

مقدمة:

المفهوم حكم ناشئ من خصوصية في المعنى الذي يدل اللفظ عليه مقرونا بها. فصحّ على هذا أن يقال: هو حكم غير مذكور لا أنه حكم لغير مذكور كما فسّر به و وقع فيه النقض و الابرام بين الاعلام و إن كان ذلك لا موقع له كما أشرنا إليه في غير مقام لأنه من قبيل شرح الاسم كما في تفسير اللغوي.

و ليس من المهم التعرّض إلى أنه من صفات المدلول أو الدلالة و إن كان بصفات المدلول أشبه، و توصيف الدلالة به أحيانا هو من التوصيف بحال المتعلّق.

ثمّ إن النزاع في ثبوت المفهوم و عدمه هو في دلالة الكلام على تلك الخصوصية المستتبعة له و ليس في حجيته بعد ثبوته.

***

161

الفصل الثاني: مفهوم الشرط

162

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

163

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: الجملة الشرطية ...، إلى قوله: إن قلت».

(1)

مفهوم الشرط:

لا إشكال في أن الجملة الشرطية- من قبيل: إن جاءك زيد فأكرمه- تدل على الثبوت عند الثبوت، أي ثبوت وجوب الإكرام عند تحقّق المجي‏ء (2) مثلا، و إنما الإشكال وقع في أنها هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء، أي على انتفاء وجوب الإكرام عند انتفاء المجي‏ء. (3)

و لا إشكال أيضا في استعمال الجملة الشرطية و دلالتها في بعض الموارد على الانتفاء عند الانتفاء و إنما الإشكال في أن دلالتها على ذلك هل هو بسبب الوضع أو الانصراف أو مقدمات الحكمة حتّى يلزم حملها على المفهوم دائما إلّا إذا قامت قرينة خاصة على الخلاف أو أن دلالتها على ذلك ليس بسبب ذلك، و لازم ذلك أن الحمل على المفهوم هو الذي يكون بحاجة إلى قرينة خاصة؟

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك: إن القائل بدلالة الشرطية على المفهوم يحتاج إلى إثبات خصوصية العليّة الانحصارية، (4) أي إنها تدل على أن الشرط علة منحصرة

____________

(1) الدرس 196: (19/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

(2) و هو ما يعبّر عنه بالمنطوق.

(3) و هو ما يعبّر عنه بالمفهوم.

(4) لا يخفى أن المفهوم ليس متقوّما بخصوص العلية الانحصارية بل بذلك و بكون الحكم في الجزاء هو طبيعي الحكم دون شخصه، و سوف يأتي منه (قدّس سرّه) في الأمر الأوّل من الأمور الثلاثة التنبيه على ذلك، و كان من الجدير الإشارة إلى ذلك هنا.

164

للجزاء إما من خلال الوضع أو الانصراف أو قرينة الحكمة، و هذا معناه أن القائل بالمفهوم يحتاج إلى إثبات أركان أربعة هي:

1- أن الشرط و الجزاء متلازمان، أي إن الجزاء ملازم للشرط لا أن ثبوته عند ثبوته مجرد اتفاق.

2- أن الجزاء مترتّب على الشرط في مقابل ما إذا كانا معا معلولين لعلة ثالثة، فإن الجزاء آنذاك لا يكون مترتّبا على الشرط، إذ أحد المعلولين لا يكون مترتّبا على المعلول الآخر.

3- أن يكون الجزاء مترتّبا على العلة في مقابل ما إذا كان الشرط لازم العلة.

4- أن يكون الجزاء مترتّبا على العلة المنحصرة، بأن يكون الشرط علة منحصرة للجزاء.

هذه أركان أربعة يلزم توفّرها لاستفادة المفهوم من الشرطية، و على مدعي ثبوت المفهوم إثبات جميع هذه الأركان الأربعة، (1) بخلاف منكر المفهوم، فإنه يكفيه إنكار واحد منها.

____________

(1) لا ضرورة إلى الأركان الثلاثة الأولى، فإن الشرط إذا كان لازما للعلة فيكفي انتفاؤه لانتفاء المعلول، و هكذا إذا كان الشرط و الجزاء معلولين لعلة ثالثة، فإن انتفاء أحد المعلولين يكفي لانتفاء المعلول الثاني، و هكذا لا يلزم ثبوت ملازمة ثبوتية و واقعية بين الجزاء و الشرط بل يكفي اعتبار الملازمة بينهما، فوجوب الإكرام و المجي‏ء مثلا لا تلازم بينهما واقعا لعدم كون أحدهما علة للآخر واقعا و لكن ما دام المتكلم قد اعتبر الملازمة بينهما فذلك يكفي في مقام استفادة المفهوم.

و كان من المناسب للمصنف أن يسلّط الأضواء على قضية أخرى غير الأركان الأربعة، و هي مسألة التوقّف، فيبحث هل الشرطية موضوعة لإفادة توقّف الجزاء على الشرط أو لا، فإن ثبت ذلك كفى هذا المقدار لاستفادة المفهوم بلا حاجة إلى التطويل المذكور.

165

ثمّ قال (قدّس سرّه): إن الركن الأوّل لا مجال لإنكاره، إذ بالوجدان يتبادر من كل شرطية اللزوم، أي إن الجزاء لازم للشرط.

و أما بالنسبة إلى العلية الانحصارية- أعني الركن الثالث و الرابع- فيصعب إثباتها، إذ الطرق لإثبات ذلك ثلاثة هي: الوضع، و الانصراف، و مقدمات الحكمة، و كلها قابلة للمناقشة.

[طرق لإثبات ان يكون الشرط علة الانحصارية]

الوضع:

أما بالنسبة إلى الوضع فقد يدّعى أن الجملة الشرطية موضوعة لحالة كون الشرط علة منحصرة، و ذلك بدليل التبادر، فإن المتبادر من الشرطية أن الشرط علة منحصرة، و التبادر دليل الوضع.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأجوبة ثلاثة هي:

أ- كيف يدّعى تبادر العلية الانحصارية و الحال أن استعمال الشرطية في موارد عدم الانحصار كثير، فربما نقول: إذا جاءك زيد فاكرمه و في نفس الوقت توجد علة أخرى لوجوب إكرامه، و هي فقره أو مرضه، و هكذا الحال في أمثلة أخرى.

ب- إنه لو كانت الشرطية موضوعة لحالة انحصار العلة فيلزم أن يكون استعمالها في موارد عدم الانحصار مشتملا على العناية و المجازية و الحال أننا لا نشعر بذلك جزما، فجملة إذا جاءك زيد فاكرمه لا نشعر بالعناية فيها فيما إذا فرض وجود علة أخرى كالمرض أو الفقر مثلا.

ج- إنه في موارد الخصومة إذا تكلّم أحد الخصمين بجملة شرطية و أراد الآخر الزامه بمفهومها فمن حقّ الخصم الأوّل أن يدعي أني لم أقصد المفهوم و يلزم أن يصدّق بذلك بينما لو كان للشرطية مفهوم قد وضعت له فلا يصدّق في ذلك.

166

الانصراف:

و أما دعوى الانصراف فيمكن أن تقرّب بما يلي: إن اللزوم إذا كان بنحو الانحصار فهو أكمل بخلاف ما إذا لم يكن بنحو الانحصار، و اللفظ ينصرف إلى المعنى الأكمل.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بوجهين:

أ- إن اللفظ لا ينصرف إلى الفرد الأكمل، أي إن الأكملية ليست سببا للانصراف، و إلّا يلزم انصراف لفظ الإنسان في قولك: جئني بإنسان إلى العالم الورع المجاهد الجامع لجميع صفات الكمال، و هو باطل جزما، و مما يوضّح بطلان دعوى الانصراف أكثر أن استعمال الشرطية في غير مورد الانحصار كثير كما هو واضح.

ب- إن اللزوم حالة الانحصار ليس أكمل من اللزوم حالة عدمه، فإن عليّة شي‏ء لشي‏ء تحتاج إلى نحو ربط خاص بينهما- و إلّا يلزم أن يؤثّر كل شي‏ء في كل شي‏ء- و من الواضح أن هذا الربط الخاص لا يقوى إذا فرض عدم وجود علة أخرى و لا يضعف بفرض وجود علة أخرى، فالنار تؤثّر في تسخين الماء و هناك ربط خاص بينهما، و هذا الربط الخاص لا يقوى إذا فرض عدم وجود علة أخرى كالشمس و لا يضعف بفرض وجودها، و هو مطلب واضح.

توضيح المتن:

كما تدل على الثبوت عند الثبوت بلا كلام: هذه الفقرة يمكن الاستغناء عن ذكرها.

في غير مقام: أي في موارد كثيرة.

167

أو بقرينة عامة: و هي الانصراف و مقدمات الحكمة.

بحيث لا بدّ من الحمل عليه: أي بحيث يلزم حمل الشرطية على المفهوم عند عدم القرينة الخاصة على الخلاف.

فلا بدّ للقائل: أي لا بدّ للقائل بالدلالة على المفهوم من إقامة الدليل على الوضع أو القرينة العامة على إثبات العليّة الانحصارية.

فإن له منع دلالتها ...: لا وجه للتعبير المذكور بعد ما سيأتي منه من بطلان منع اللزوم.

لكن منع دلالتها: هذا شروع في إثبات الركن الأوّل و المناقشة في الركنين الأخيرين، و أما الركن الثاني فقد سكت عنه.

و دعوى تبادر: هذا شروع في بيان الطريق الأوّل من الطرق الثلاث لإثبات العليّة الانحصارية.

مع كثرة استعمالها ...: هذا إشارة إلى ما ذكرناه تحت عنوان (أ).

على غير المنحصرة منها: أي من العلة.

كيف و لا يرى في استعمالها فيها: المناسب: فيه، أي في غير مورد الانحصار. ثمّ إن هذا إشارة إلى ما ذكرناه تحت عنوان (ب).

و في عدم الالزام ...: هذا إشارة إلى ما ذكرناه تحت عنوان (ج)، و هو عطف على موارد الاستعمالات، و لكن لا يخفى ركاكة العطف المذكور، فإن البصر لا يجال في موارد عدم الزام الخصم بالمفهوم، بل الفكر هو الذي يجال، و المناسب صياغة العبارة بشكل آخر.

و صحة الجواب ...: عطف على موارد الاستعمالات.

و عدم صحته ....: هذا مبتدأ، و خبره معلوم.

168

و أما دعوى الدلالة: هذا شروع في بيان الطريق الثاني، و هو التمسك بالانصراف، و قد ردّه بمنع الصغرى و الكبرى.

خلاصة البحث:

لا إشكال في استعمال الشرطية في إفادة المفهوم أحيانا، و إنما الإشكال في أن ذلك لنكتة عامة حتّى يلزم الحمل على المفهوم- إذا لم تقم قرينة خاصة على الخلاف- أو ليس لذلك.

و لا بدّ للقائل بالمفهوم من إثبات أركان أربعة، و الركن الأوّل ثابت بخلاف الأخيرين فإنه قد يدعى إثباتهما بطرق ثلاث: الوضع، و الانصراف، و مقدمات الحكمة.

أما الوضع فقابل للمناقشة بوجوه ثلاثة.

و أما الانصراف للأكملية فقابل للمناقشة بوجهين.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

مفهوم الشرط:

لا شبهة في استعمال الشرطية و إرادة الانتفاء عند الانتفاء في بعض الموارد و إنما الإشكال في أن ذلك للوضع أو القرينة العامة ليلزم الحمل عليه عند عدم القرينة الخاصة على الخلاف، و لا بدّ لمدعي المفهوم من إثبات دلالتها بأحد الوجهين على الخصوصية المستتبعة لترتب الجزاء على الشرط ترتّب المعلول على علته المنحصرة، و أما المنكر ففي فسحة، فيكفيه منع دلالتها على اللزوم بل على مجرد الثبوت عند الثبوت و لو من باب الاتفاق، أو منع دلالتها على الترتّب، أو الترتّب على العلة، أو العلة المنحصرة.

169

و المناسب أن يقال: إن منع دلالتها على اللزوم و دعوى كونها اتفاقية أمر في غاية السقوط لانسباق اللزوم منها قطعا.

و أما منع الترتّب على العلة فضلا عن كونها منحصرة فله مجال، إذ ما يمكن دعوى كونه طريقا لإثبات ذلك هو الوضع أو الانصراف أو مقدمات الحكمة.

أما الوضع فقد يدّعى تبادر اللزوم و الترتّب على العلة المنحصرة و لكن ذلك موهون، لكثرة الاستعمال في غير موارد الانحصار، و عدم العناية في استعمالها في ذلك، و صحة الاعتذار في مقام الخصومة بعدم إرادة المفهوم من الشرطية و الحال أنه لا يصح ذلك إذا كانت موضوعة لذلك.

و أما الانصراف فقد يدّعى باعتبار أن اللزوم في موارد الانحصار أكمل، و لكن ذلك مردود بعدم كون الأكملية موجبة للانصراف خصوصا مع كثرة الاستعمال في غيره، هذا مضافا إلى منع الأكملية، فإن الربط الخاص الذي لا بدّ منه في تأثير العلة لا يصير آكد إذا فرض الانحصار.

***

170

قوله (قدّس سرّه):

«إن قلت: نعم و لكنه قضية ....، إلى قوله: و أما توهم أنه قضية ...».

(1)

الإطلاق و مقدمات الحكمة:

و أما دعوى الإطلاق فيمكن أن تقرّب بتقريبات ثلاثة:

التقريب الأوّل: إن كلمة إن الشرطية و إن كانت موضوعة لإفادة التعليق و اللزوم الأعم من كونه بنحو اللزوم العليّ الانحصاري أو ليس كذلك و لكن مقتضى الإطلاق كون اللزوم انحصاريا كما هو الحال في صيغة الأمر، فإن مقتضى الإطلاق فيها كون الوجوب المدلول بواسطتها وجوبا نفسيا لا غيريّا.

إذن: كما أن مقتضى إطلاق الصيغة إفادتها للوجوب النفسي كذلك مقتضى الإطلاق في مفاد إن الشرطية كون اللزوم المدلول بواسطتها لزوما انحصاريا.

و أجاب (قدّس سرّه) بجوابين:

1- إن مفاد إن الشرطية معنى حرفي، أي هي تدل على التعليق بما هو نسبة، و المعاني الحرفية لا يمكن إجراء مقدمات الحكمة فيها و إلّا لم تكن معاني حرفية كما هو واضح بالتأمل. (2)

____________

(1) الدرس 197: (20/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

(2) هذا ليس بواضح، فإن ذلك إما من جهة أن مفاد الحرف أمر جزئي، و الجزئي غير قابل للتقييد، و إما من جهة أن مفاد الحرف و إن كان أمرا كليا إلّا أنه بما أنه ملحوظ على وجه الآلية فيكون مغفولا عنه، و لازم الغفلة عنه عدم جريان مقدمات الحكمة فيه، و كلاهما باطل.-

171

2- إن قياس مفاد إن الشرطية على إطلاق الصيغة لإثبات الوجوب النفسي قياس مع الفارق، فإن الوجوب الغيري هو وجوب على تقدير وجوب شي‏ء آخر، فهو يشتمل على مئونة ثبوتا، و بالتالي يحتاج بيانه إلى مئونة إثباتا، و عدم المئونة الإثباتية دليل على عدم وجود المئونة الثبوتية، أي دليل على كون الوجوب وجوبا نفسيا، لأنه وجوب على كل تقدير و ليس وجوبا على تقدير دون تقدير، و هذا بخلاف اللزوم، فإنه بكلا فرديه يحتاج إلى بيان بدرجة واحدة، لا أن اللزوم غير الانحصاري يحتاج إلى بيان زائد، و اللزوم الانحصاري لا يحتاج إلى بيان زائد.

التقريب الثاني: إن مقتضى إطلاق الشرط أنه شرط بعنوانه وحده دائما، فلو قيل: أكرم زيدا إن جاءك فمقتضاه أنه عند المجي‏ء يتحقّق وجوب الإكرام سواء سبقه مرض زيد أم لا، و سواء قارنه المرض أم لا، و لازم هذا أن المجي‏ء علة منحصرة، إذ لو كان المرض علة أيضا فيلزم عند سبقه ثبوت وجوب الإكرام قبل تحقّق المجي‏ء، أي عند تحقّق المرض، و هكذا في حالة المقارنة يلزم أن يستند وجوب الإكرام إليهما معا و ليس إلى المجي‏ء وحده.

و بكلمة أخرى يكون المناسب التقييد فيقال هكذا: إذا جاءك زيد فاكرمه إن لم يسبق المرض و إلّا يلزم إكرامه عند تحقّق المرض لا عند المجي‏ء.

____________

- أما الأوّل فلأن مفاد الحرف عنده أمر كلي.

و أما الثاني فلأن لازمه عدم جريان مقدمات الحكمة لإثبات أن الوجوب نفسي لا غيري- لأن مفاد الصيغة هو النسبة التي هي معنى حرفي- و الحال هي تجري لإثبات ذلك.

172

و الفرق بين هذا التقريب و التقريب السابق أنه على التقريب السابق كان يتمسك بإطلاق مفاد إن الشرطية، و هذا بخلافه في هذا التقريب، فإنه يتمسك بإطلاق المجي‏ء الذي هو الشرط.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأن هذا وجيه لو تمّ انعقاد الإطلاق، بأن فرض أن المولى كان في مقام البيان من جهة جميع الجهات، أي هو في مقام البيان من ناحية المرض و غيره من العلل و الأحوال، و الحال أن الأمر ليس كذلك، فإنه في مقام البيان من ناحية المجي‏ء لا أكثر، أي هو في مقام البيان من ناحية أنه عند المجي‏ء يتحقق وجوب الإكرام و ليس في مقام البيان من ناحية أن زيدا لو صار مريضا أو انكسرت رجله فهل يجب إكرامه أو لا، إن كون المتكلم في مقام البيان من هذه النواحي أمر نادر يكاد أن يكون ملحقا بالعدم.

ثمّ قال (قدّس سرّه) بعد ذلك: تلخّص مما ذكرناه أنه لا يمكن أن يثبت بدليل مقبول دلالة الشرطية على كون الشرط علة منحصرة للجزاء لا من ناحية الوضع و لا الانصراف و لا مقدمات الحكمة.

نعم ربما يكون مقتضى مقدمات الحكمة في بعض الموارد كون الشرط علة منحصرة إلّا أن هذا لا ينفع مدعي المفهوم، فإن القائل بالمفهوم يدّعي ثبوت المفهوم بشكل عام إلّا إذا قامت القرينة الخاصة على الخلاف، و مثله يحتاج إلى ثبوت كون الشرط علة منحصرة ثبوتا بشكل عام أيضا و ليس في بعض الموارد. (1)

____________

(1) هذا التلخيص ليس من المناسب ذكره هنا بل لا بدّ من ذكره بعد الفراغ من التقريب الثالث لا بعد التقريب الثاني و قبل الشروع في التقريب الثالث.

173

توضيح المتن:

إن قلت: نعم ...: أي نعم نسلّم أن الأكملية لا تصلح سببا للانصراف، و لكن يمكن التمسك لإثبات العليّة الانحصارية بطريق ثالث، و هو الإطلاق و مقدمات الحكمة.

ثمّ إنه كان من المناسب ابدال تعبير إن قلت بمثل تعبير و أما دعوى أنه قضية الإطلاق و مقدمات الحكمة، فإنه بالنسبة إلى الطريق الأوّل و الثاني قد عبّر كذلك.

ثمّ إن تقدير العبارة هكذا: نعم و لكن اللزوم العلي الانحصاري هو مقتضى الإطلاق و مقدمات الحكمة ...

تعيّنه من بين انحائه: المناسب: من بين نحويه، أي تعيّن اللزوم الانحصاري من بين نحوي اللزوم.

مع الفارق: هذا خبر لقوله: (و مقايسته).

ثمّ إنه ربما يتمسك ...: هذا هو التقريب الثاني للإطلاق، و ما سبق هو التقريب الأوّل.

إنه يؤثّر كذلك مطلقا: أي يؤثّر وحده سواء سبقه الآخر أو قارنه أم لا.

فتلخّص بما ذكرناه: المناسب ذكر هذا التلخيص بعد الفراغ من التقريب الثالث.

على تلك: المناسب: لتلك.

كانت مقدمات الحكمة ...: أي سواء كانت مقدمات الحكمة- كما لو فرض أن المولى كان في مقام البيان من ناحية الحيثيات الأخرى غير المجي‏ء- أو غيرها، يعني القرينة الخاصة.

إنه قضيته: المناسب: إنه قضية، أي فلا يجدي القائل بالمفهوم أن اللزوم الانحصاري مقتضى الإطلاق في مقام خاص.

174

خلاصة البحث:

إن الطريق الثالث لإثبات كون الشرط علة منحصرة هو الإطلاق الذي له تقريبات ثلاثة:

أحدها: التمسك بإطلاق مفاد إن الشرطية قياسا على اقتضاء إطلاق الصيغة لكون الوجوب نفسيا.

و يرده: إن مقدمات الحكمة لا تجري في مفاد الحروف، مضافا إلى أن القياس المذكور هو مع الفارق.

و ثانيها: التمسك بإطلاق الشرط لإثبات أنه وحده هو المؤثّر دائما.

و يرده: إن المتكلم هو عادة ليس في مقام البيان من ناحية الحيثيات الأخرى.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أما مقدمات الحكمة فقد تقرّب:

1- إن الانحصار هو مقتضى الإطلاق و مقدمات الحكمة كما أن مقتضاها في صيغة الأمر كون الوجوب نفسيا.

و يرده:

أ- إن مقدمات الحكمة لا تجري في مفاد الحرف و إلّا لما كان معنى حرفيا كما يظهر وجهه بالتأمل.

ب- إن تعيّنه من بين نحوي اللزوم بلا معيّن، و المقايسة على الوجوب النفسي مع الفارق، فإن النفسي هو الواجب على كل حال بخلاف الغيري، فإنه واجب على تقدير دون تقدير فيحتاج بيانه إلى مئونة التقييد بما إذا وجب الغير، و هذا بخلاف اللزوم فإن كلا فرديه محتاج في تعيّنه إلى القرينة مثل الآخر.

175

2- إن ذلك مقتضى إطلاق الشرط، بتقريب أنه إذا لم يكن منحصرا يلزم تقييده، ضرورة أنه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثّر وحده، و مقتضى إطلاقه أنه يؤثّر كذلك مطلقا.

و فيه: أنه لا ننكر الدلالة على المفهوم مع إطلاقه كذلك إلّا أنه من المعلوم ندرة تحقّقه لو لم نقل بعدم اتفاقه.

***

176

قوله (قدّس سرّه):

«و أما توهم أنه قضية ...، إلى قوله: بقي هنا أمور».

(1)

تقريب آخر لإثبات العلّيّة الانحصارية:

التقريب الثالث: إن مقتضى إطلاق الشرط تعيّن الشرطية فيه، كما هو الحال في إطلاق صيغة الأمر، فكما أنه يقتضي كون الوجوب تعيينيا لا تخييريا كذلك الحال في إطلاق الشرط فإنه يقتضي كون الشرطية شرطية تعيينية لا تخييرية.

و بكلمة أخرى: كما أن الوجوب ينقسم إلى تعييني و تخييري، و إطلاق الصيغة يقتضي أنه تعييني كذلك الحال في الشرط، فإن شرطيته تارة تكون تعيينية و أخرى تخييرية، و مقتضى إطلاق الشرط كون شرطيته تعيينية لا تخييرية.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بجوابين:

1- إن القياس المذكور مع الفارق، فإن الوجوب ينقسم إلى نحوين واقعا، و لكل منهما آثاره الخاصة به، فالوجوب التخييري هو وجوب يجوز ترك بعض أفراده إلى البدل و يحتاج بيانه إثباتا إلى ذكر العدل، بينما الوجوب التعييني يشتمل على حقيقة أخرى معاكسة لا تحتوي على المئونة ثبوتا، و بالتالي لا يحتاج إلى المئونة إثباتا، و هذا بخلافه في شرطية الشرط، فإنها ليست ذات‏

____________

(1) الدرس 198: (21/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

177

نحوين، بل شرطية الشرط ذات نحو واحد لا تختلف بتعدّد الشرط و وحدته، نعم في حالة تعدده نحتاج إلى ذكر العدل بكلمة أو، و لكن هذا لا يعني اختلاف نحو الشرطية و تعدّدها و إنما هو لبيان تعدّد الشرط، و واضح أن تعدّد الشرط شي‏ء و تعدّد نحو الشرطية شي‏ء آخر، و لا ملازمة بين المطلبين.

2- إنه مع التنزّل عمّا سبق نقول: إن هذا التقريب موقوف على تمامية الإطلاق، أي على كون المتكلم في مقام البيان من ناحية بقية الحيثيات الأخرى و الحال أن مثل جملة إذا جاءك زيد فاكرمه يكون المتكلم في مقام البيان من ناحية أنه إذا تحقّق المجي‏ء فيجب الإكرام، أما أنه إذا مرض زيد أو انكسرت رجله فليس في مقام البيان من ناحيته ليتعيّن بذلك نحو الشرطيّة و أنها تعيينية لا تخييرية، نعم ربما يتّفق ذلك في مقام خاص، إلّا أن ذلك لا ينفع لإثبات المفهوم بشكل عام.

أدلة المنكر للمفهوم:

اتضح لحدّ الآن أنه لا يمكن إقامة دليل على إثبات كون الشرط علة منحصرة، و بالتالي لا يمكن إثبات المفهوم للجملة الشرطية، و هذا معناه بالعبارة الصريحة أن الشيخ الخراساني لا يرى ثبوت المفهوم للجملة الشرطية (1) لعدم إمكان إثبات كون الشرط علة منحصرة من خلال الطرق الثلاث المتقدمة.

و الآن يراد ذكر أدلة المنكر لثبوت المفهوم للشرط، و هي ثلاثة:

1- ما ذكره السيد المرتضى، و هو أن وظيفة الشرط و دوره إفادة

____________

(1) و هذا حقا من العجائب و الغرائب فهل يمكن لإنسان عرفي أن يقول: إن مثل جملة إذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شي‏ء أو جملة إذا خفي الأذان فقصّر أو جملة إذا جاءك زيد فاكرمه لا مفهوم لها؟! و لكن الصناعة تقف أمام الوجدان أحيانا و تقيّده، و هو أمر خطير، و ينبغي جعل الوجدان منطلقا للتفكير في نقطة الخلل في الصناعة.

178

توقّف الجزاء عليه، أي إفادة توقّف وجوب الإكرام على المجي‏ء مثلا، و من الواضح أنه ليس من الممتنع نيابة شرط آخر مناب الشرط المذكور، و بالتالي يلزم أن لا يكون وجوب الإكرام منتفيا عند انتفاء المجي‏ء لنيابة الشرط الآخر كالمرض مثلا منابه.

و هذا كما هو الحال في قوله تعالى: وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ، فإنه يدل على أن قبول شهادة الرجل الواحد مشروطة بانضمام شهادة رجل آخر إليه، و قد ثبت بالدليل الخارجي نيابة المرأتين مناب الرجل الثاني، بل إن اليمين ينوب مناب ذلك أيضا.

هذا مثال شرعي.

و أما من غير الشرع فيمكن أن يمثّل بالشمس مثلا، فإنها شرط لتسخين الماء و لكنها ليست الشرط الوحيد، بل إن النار تنوب مناب ذلك.

و إذا قبلنا أن الشروط يمكن أن ينوب بعضها بدل البعض الآخر فبالإمكان أيضا نيابة المرض مثلا بدل مجي‏ء زيد، و بذلك لا يمكن الجزم بثبوت المفهوم.

و الجواب: إنه تارة يكون المقصود من هذا الدليل إثبات إمكان نيابة بعض الشروط بدل البعض الآخر، و أخرى يكون المقصود إثبات تحقّق ذلك و وقوعه.

فإن كان المقصود هو الإمكان فمن الواضح أن ذلك أمر مسلّم، فبعض الشروط يمكن أن تنوب عن البعض الآخر إلّا أن مجرد الإمكان دون الوقوع لا يوجب انتفاء المفهوم، و الخصم يدعي أن ذلك ليس بواقع لا أنه ليس بممكن.

و إن كان المقصود هو إثبات احتمال الوقوع فجوابه واضح، حيث يقال: إن الخصم يدّعي أن ظاهر الشرطية يقتضي عدم وجود شرط آخر

179

ينوب مناب الشرط الأوّل، أي يقتضي عدم تحقّق الوقوع، و من الواضح أن مجرد احتمال الوقوع لا يقف أمام الظهور إلّا إذا كان الاحتمال راجحا أو مساويا للظهور بحيث يعود الكلام مجملا لا ظهور له، و لكن القائل بالمفهوم يدّعي الظهور في انتفاء وجود شرط آخر من دون إجمال في الكلام، و ليس في الأمثلة التي ذكرها السيد المرتضى ما يوجب قوة الاحتمال إلى درجة يزول الظهور في الشرطية و ينعدم. (1)

2- إن الجملة الشرطية لو دلت على المفهوم فذلك يلزم أن يكون بإحدى الدلالات الثلاث: المطابقية أو التضمنية أو الالتزامية، و حيث إن الجميع منتف فيلزم عدم دلالة الجملة الشرطية على المفهوم.

و أجيب عن ذلك بأن الخصم يدعي دلالة الشرطية على المفهوم من خلال الدلالة الالتزامية.

و الشيخ الخراساني يعلّق على هذا الجواب و يقول: إنك قد عرفت فيما سبق أن الشرطية لا تدل بالالتزام على المفهوم لعدم إمكان إثبات دلالتها على كون الشرط علة منحصرة.

و نتيجة هذا كله: إن الدليل الثاني المذكور هو تام بنظر الشيخ الخراساني.

3- إن الشرطية لو كان لها مفهوم فيلزم أن يكون مثل قوله تعالى: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً دالا على المفهوم و الحال أنه ليس بدال عليه، لأنه لو كان له مفهوم فمفهومه هكذا: و إن لم يردن التحصن فيجوز

____________

(1) لا يقال: أو ليس إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال؟

فإنه يقال: إن هذه القاعدة ليست تامة على سعتها، و إلّا يلزم تعذّر التمسك بأي ظاهر من الظواهر، لأن لازم الظهور وجود احتمال في المقابل و إلّا لم يكن المورد من مصاديق الظاهر بل النص.

180

لكم اكراههن على البغاء، و من الواضح أن هذا لا معنى له، فإنه مع إرادتهن للبغاء فلا يمكن اكراههن عليه، لأن شرط تحقّق موضوع الاكراه أن يكون الطرف الآخر ليس مريدا و لا راغبا في فعل الشي‏ء فيكره على خلاف إرادته و رغبته، أما مع إرادته و رغبته للشي‏ء فلا معنى لاكراهه عليه.

و الجواب: إن القائل بالمفهوم لا ينكر استعمال الشرطية أحيانا في غير المفهوم، بل يعترف أنه قد تستعمل أحيانا في غير المفهوم بواسطة القرينة الخاصة، و لعلّ الأمر في الآية الكريمة كذلك.

توضيح المتن:

و أما توهّم أنه ...: أي و أما توهّم أن اللزوم الانحصاري هو مقتضى ...

ففيه أن التعيّن ...: هذا هو الجواب الأوّل عن التقريب الثالث، و المناسب هكذا: إن التعيّن في الشرط ليس نحوا يغاير ...

ثمّ إن المناسب أن تكون كلمة نحوا منصوبة لا مرفوعة.

و كان الوجوب في كل منهما: هذا عطف تفسير على سابقه.

و الضمير يرجع إلى التعييني و التخييري.

و احتياج ما إذا كان ...: الواو استينافية، و هو مبتدأ، و خبره (إنما يكون ...).

لبيان التعدد: أي في الشرط و ليس في الشّرطيّة.

فنسبة إطلاق الشرط إليه: أي إلى نحو الشرطية.

هذا مع أنه: هذا هو الجواب الثاني عن التقريب الثالث.

فيما إذا كان ...: أي اللزوم الانحصاري.

تعليق الحكم به: المناسب عليه بدل به.

و دلالة القضية الشرطية: عطف تفسير على مقام الإثبات.

181

و الملازمة كبطلان التالي ظاهرة: أي إن الملازمة ظاهرة باعتبار أن الدلالة اللفظية لا تخلو من أحد الأقسام الثلاثة.

و أما أن التالي باطل فلأن التالي هو قوله: لكان بإحدى الدلالات، و بطلانه هو بمعنى أنه لا تحقّق لإحدى الدلالات الثلاث.

و قد عرفت: أي و لكن يرد على الجواب المذكور أنه تقدّم عدم ثبوت الدلالة الالتزامية لعدم إمكان إثبات اللزوم الانحصاري.

و إنما القائل ...: أي إن القائل بالمفهوم يدّعي ظهور الشرطية في المفهوم بسبب الوضع أو القرينة العامة، و ذلك لا ينافي عدم الدلالة على المفهوم لقرينة خاصة.

خلاصة البحث:

التقريب الثالث لمقدمات الحكمة هو أن مقتضى إطلاق الشرط تعيّن الشرطية فيه قياسا على اقتضاء إطلاق صيغة الأمر لتعيّن الوجوب، و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بجوابين.

ثمّ ذكر أدلة النافين لثبوت المفهوم للشرط و هي ثلاثة، و ناقش الأوّل و الأخير، و يظهر منه تسليم الثاني.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

3- إن اللزوم الانحصاري هو مقتضى إطلاق الشرط، بتقريب أن مقتضاه تعيّن الشرطية فيه كما أن مقتضى إطلاق الأمر تعيّن الوجوب في الواجب.

و الجواب:

أ- إن القياس المذكور مع الفارق، فإن الشرطية ليس لها نحوان‏

182

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

183

و أجيب بمنع بطلان التالي و إن الالتزام ثابت.

و لكن عرفت بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن أن يقال في إثباته أو منعه.

3- قوله تعالى: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً حيث لم يستعمل في المفهوم رغم كونه من الشرط.

و فيه: إن استعمال الشرطية في غير المفهوم مع القرينة أحيانا أمر لا ينكر، إذ القائل به يدعي الظهور في المفهوم بالوضع أو القرينة العامة.

***

184

قوله (قدّس سرّه):

«بقي هنا أمور ...، إلى قوله: و بذلك قد انقدح فساد ما يظهر ...».

(1)

أمور ثلاثة:

بعد الفراغ عن عدم إمكان ثبوت المفهوم للشرط و استعراض أدلة المنكرين يقع الكلام عن أمور ثلاثة ترتبط بذلك، و هي:

الأمر الأوّل: [إن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم دون شخصه‏]

و هذا الأمر يمكن أن نذكره ضمن نقاط ثلاث:

1- إن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم دون شخصه. (2)

توضيح ذلك: إن وجوب الإكرام تارة ننظر إليه بما هو ناشئ من المجي‏ء و بملاكه، و أخرى ننظر إليه بما هو وجوب كلي بقطع النظر عن نشوئه من منشأ خاص، أي بقطع النظر عن نشوئه من الفقر أو من المرض أو من ...

و الأوّل يصطلح عليه بشخص وجوب الإكرام، و الثاني بسنخ وجوب الإكرام أو طبيعيّه.

____________

(1) الدرس 199: (22/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

(2) كان المناسب الإشارة إلى ذلك في بداية البحث، أي عند البحث عن المفهوم بشكل عام، فيقال: إن المفهوم بشكل عام يتوقف على ركنين: العلّيّة الانحصارية، و كون المعلّق هو سنخ الحكم لا شخصه.

185

و المفهوم ليس هو انتفاء شخص الحكم، فإن انتفاءه ثابت بحكم العقل، إذ كل مقيّد ينتفي بانتفاء قيده بلا حاجة إلى الاستعانة بالمفهوم، و من هنا يحكم بثبوت المفهوم بهذا المقدار حتّى لمثل اللقب، كما في قولك: أكرم زيدا مثلا، فإن هذا الوجوب الثابت لزيد منتف عن عمرو جزما، و لكن رغم هذا لا يصطلح عليه بالمفهوم و لا يقال: إن المفهوم ثابت للقب.

إذن المفهوم هو انتفاء طبيعي الحكم، أي إنه عند انتفاء المجي‏ء يكون وجوب الإكرام منتفيا بأي ملاك كان فلا وجوب للإكرام بملاك الفقر و لا المرض و لا ...

2- إن انتفاء الحكم لا يصطلح عليه بكونه مفهوما إلّا إذا فرض إمكان ثبوت سنخ الحكم، فمتى ما أمكن ثبوت سنخ الحكم و لم يثبت فمثله هو المفهوم، أما إذا لم يمكن ثبوت سنخ الحكم فانتفاؤه ليس مفهوما، فالمفهوم إذن هو انتفاء سنخ الحكم في المورد القابل لثبوته.

3- بهذا يتضح أن الشخص لو أوقف داره على الفقراء مثلا فالوقف سوف يكون منتفيا عن غير الفقراء جزما إلّا أن هذا الانتفاء هل هو من باب المفهوم و يصدق عليه أنه مفهوم؟ كلا إنه ليس مفهوما.

و الوجه في ذلك: إن المفهوم هل هو انتفاء ذلك الوقف الذي أنشأه الواقف- و جعل مصبّه الفقراء- عن غير الفقراء أو أنه انتفاء وقف آخر؟

أما الوقف الذي أنشأه الواقف على الفقراء فهو منتف جزما عن غير الفقراء إلّا أن انتفاءه ليس من باب المفهوم، بل لأننا قد افترضناه من البداية قد أنشأ مقيّدا بالفقراء، و من الواضح أن انتفاء المقيّد بانتفاء قيده هو مطلب يقضي به العقل.

و أما الوقف الآخر فهو منتف عن غير الفقراء أيضا إلّا أن انتفاءه ليس‏

186

مفهوما أيضا، لأن الشي‏ء ما دام قد أوقف على عنوان خاص فلا يمكن أن يثبت وقفا ثانية على عنوان آخر، فإن الشي‏ء الواحد لا يقبل الوقف مرتين.

إذن: ما توهّمه البعض من أن انتفاء الوقف عن غير عنوانه هو من باب المفهوم- بل جزم الشهيد بذلك في تمهيد القواعد- أمر مرفوض، فإنه إذا كان يقصد أن انتفاء الوقف الآخر هو المفهوم فجوابه أن المفروض عدم إمكان ثبوته، و انتفاء الحكم الذي لا يمكن ثبوته لا يعدّ مفهوما، و إن كان يقصد أن انتفاء نفس ما أنشأه الواقف هو المفهوم فجوابه أن انتفاءه هو بسبب حكم العقل و ليس بسبب المفهوم، بل إن هذا المقدار من الانتفاء يسلّمه حتّى المنكر لثبوت المفهوم.

إشكال و دفع:

بناء على هذا قد يشكل و يقال: إن المنشأ بصيغة فأكرمه هو الحكم الخاص الجزئي دون الكلي، و هذا الوجوب الخاص هو المعلّق على المجي‏ء، و بانتفاء المجي‏ء يلزم أن يكون هذا الوجوب الخاص منتفيا دون كلي وجوب الإكرام، و بالتالي يلزم عدم إمكان تحقّق المفهوم في أي مورد من الموارد.

و الجواب: إن المنشأ بالصيغة المذكورة ليس هو الوجوب الجزئي بل كلي الوجوب، فإن الخصوصية الموجبة لتشخّصه و جزئيته لا بدّ و أن تكون هي مثل خصوصية الانشائية، (1) و لكن مثلها لا يمكن أن يكون مأخوذا في المعنى المستعمل فيه، لأن الخصوصية المذكورة هي من خصوصيات الاستعمال و صفاته، فاستعمال الجملة تارة يكون بنحو الانشائية و أخرى بنحو الاخبارية، و ما

____________

(1) و إنما كانت خصوصية الانشائية من الخصوصيات الموجبة للتشخّص، باعتبار أن الإنشاء يعني الإيجاد، و هو مما يستدعي التشخّص.

187

دامت هي من خصوصيات الاستعمال فلا يمكن أخذها قيدا في المعنى المستعمل فيه، لأن ذات المعنى المستعمل فيه متقدم رتبة على الاستعمال، فلو أخذ ما ينشأ في مرحلة الاستعمال قيدا في المعنى المستعمل فيه يلزم صيرورة المتأخر متقدّما، و المتقدّم متأخّرا.

و لك أن تقول: كما أن خصوصية الأخبار لا يمكن أخذها قيدا في المعنى المستعمل فيه- و إلّا يلزم أخذ المتأخر في المتقدّم- كذلك خصوصية الانشائية لا يمكن أخذها قيدا في المعنى المستعمل فيه.

و إن شئت قلت: كما أنه في باب المعنى الحرفي ذكرنا أن خصوصية الآلية و الاستقلالية لا يمكن أخذها قيدا في المعنى المستعمل فيه لأن ما ينشأ بسبب الاستعمال لا يمكن أخذه قيدا في ذات المعنى المستعمل فكذلك الحال في المقام، و لذلك قلنا إن المعنى الموضوع له و المستعمل فيه في باب الحروف عام و ليس خاصا.

توضيح المتن:

و لا يتمشى الكلام ...: هذا ما أشرنا إليه بعنوان النقطة الثانية، و ما سبق كان بعنوان النقطة الأولى.

و من هنا انقدح ...: هذا ما أشرنا إليه بعنوان النقطة الثالثة.

و دلالة القضية على: هذا عطف تفسير على المفهوم.

و ذلك لأن انتفاءها: أي و من هنا انقدح أنه ليس من المفهوم و ذلك لأن انتفاءها ...

بل لأجل أنه إذا صار ...: أي إن المفهوم إن كان عبارة عن انتفاء الوقف الآخر فجوابه ما ذكر، و إن كان عبارة عن انتفاء شخص الوقف المنشأ فجوابه ما ذكر.

188

و لو قيل بعدم ...: هذا تفسير للإطلاق، أي إن انتفاء شخص الوقف عن غير الفقراء مثلا هو مما يحكم به العقل حتّى بناء على إنكار المفهوم في المورد الصالح له.

و كان الشرط في الشرطية: أي و الحال أن الشرط في الشرطية.

الحاصل بانشائه: أي الحاصل بإنشاء ذلك الحكم، و من الواضح أن الحكم الحاصل بانشائه جزئي لا كلي.

دون غيره: أي دون غير ذلك الحكم المنشأ.

و لكنك غفلت: هذا هو الدفع.

إنما هو نفس الوجوب: أي الوجوب الكلي.

و أما الشخص: المناسب: و أما التشخّص.

أي و أما الخصوصية- و هي خصوصية الانشائية- الناشئة من قبل استعمال الصيغة في مفادها فليست مأخوذة في المعنى المستعمل فيه.

لا يكاد يكون من خصوصيات ...: المناسب: فلا يكاد يكون ...

ثمّ إن المناسب الإشارة إلى الاستحالة فيقال: بل يستحيل، لأن ما ينشأ من الاستعمال لا يمكن أخذه في المعنى المستعمل فيه.

و استعمل فيه اخبارا لا إنشاء: أي و استعمل فيه بنحو الإخبار لا الإنشاء.

ثمّ إن هذا التكرار و التأكيد المملّ أمر لا داعي إليه.

في معنى الحرف و شبهه: و هو الصيغ.

خلاصة البحث:

إن المفهوم هو انتفاء طبيعي الحكم دون شخصه، فإن انتفاء الشخص ثابت بحكم العقل دون المفهوم.

189

و المفهوم لا يثبت إلّا في المورد الذي يمكن ثبوت الطبيعي فيه، فإن انتفاءه آنذاك هو المفهوم.

و بهذا يتضح أن انتفاء الوقف عن غير مورده ليس من باب المفهوم، لأن انتفاء شخص الوقف المنشأ عقلي، و انتفاء غيره هو انتفاء لما لا يمكن ثبوته.

و اشكل بأن المنشأ بالصيغة هو الحكم الجزئي الخاص.

و اجيب بأن مدلول الصيغة هو الحكم الكلي، فإن خصوصية الانشائية الناشئة من قبل الاستعمال لا يمكن أخذها قيدا في المعنى المستعمل فيه.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

أمور تنبغي الإشارة إليها:

هناك ثلاثة أمور تنبغي الإشارة إليها هي:

الأوّل:

إن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم لا شخصه، ضرورة انتفاءه عقلا بانتفاء موضوعه.

و لا يثبت المفهوم إلّا في المورد الذي يمكن فيه ثبوت سنخ الحكم فإذا لم يثبت كان ذلك هو المفهوم.

و منه يتضح أن انتفاء الوقف و الوصية و النذر عن غير موردها ليس من باب المفهوم- كما توهّم بل جزم الشهيد في تمهيد القواعد بذلك- فإن انتفاء الشخص عقلي، و انتفاء غيره ليس مفهوما لأنه لا يمكن ثبوته، إذ ما صار وقفا على عنوان لا يقبل أن يصير وقفا على غيره.

190

إشكال و دفع:

لعلّك تقول: كيف يكون المناط في المفهوم على انتفاء سنخ الحكم و الحال أن المنشأ بالصيغة هو الحكم الجزئي؟!

و دفعه: إن المنشأ هو الوجوب الكلي، فإن خصوصية الانشائية الناشئة من قبل الاستعمال لا يمكن أن تكون من خصوصيات المعنى المستعمل فيه، كما هو الحال في خصوصية الاخبار.

***

191

قوله (قدّس سرّه):

«و بذلك قد انقدح فساد ما يظهر ...، إلى قوله:

الأمر الثاني».

(1)

جواب الشيخ الأعظم:

ثمّ إن الشيخ الأعظم أجاب عن الإشكال المتقدّم بجواب آخر، فذكر ما حاصله: إنه ينبغي التفرقة بين الجملة الخبرية و الجملة الانشائية، ففي الجملة الخبرية- مثل إن جاءك زيد فإكرامه واجب- يكون الحكم الثابت في الجزاء هو كلي الوجوب، و معه فلا إشكال، و أما في الجملة الخبرية- مثل إن جاءك زيد فاكرمه- فالحكم الثابت في الجواب هو شخص الحكم و ليس الطبيعي، و لكن مع ذلك يمكن استفادة ارتفاع الطبيعي من خلال العليّة الانحصارية، فإن فائدة الانحصار ليس هو ارتفاع الشّخص، إذ ارتفاع الشّخص هو من نتائج حكم العقل، فإن الشّخص ما دام متقوّما و متقيّدا بالمجي‏ء فيلزم ارتفاعه عند فرض عدم تحقّق المجي‏ء بلا حاجة إلى افتراض العليّة الانحصارية و لا إلى افتراض وجود الشرط أو الوصف، و على هذا فالذي يكون ثمرة للعليّة الانحصارية هو ارتفاع الطبيعي.

ثمّ بعد ذلك تعرّض الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) إلى الجواب الذي تقدّمت الإشارة إليه من قبل الشيخ الخراساني، و هو أن الحكم المفاد بصيغة الإنشاء هو الحكم الكلي دون الجزئي، و ناقش ذلك بوجهين:

____________

(1) الدرس 200: (23/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

192

1- إننا لا نحتاج إلى هذا الجواب، فإن مفاد الصيغة هو الحكم الجزئي، و لكن رغم ذلك يمكن الحكم بارتفاع الكلي، و ذلك ببركة التمسك بفكرة العلّيّة الانحصارية التي تدل عليها الجملة الشرطية أو الوصفية.

2- إن كون مفاد الصيغة هو الحكم الكلي أمر أوّل الكلام بل هو الحكم الخاص الجزئي، و كيف لا و خصوصية الإنشاء دخيلة في المعنى المستعمل فيه، أي هي مستفادة من نفس اللفظ.

هذا حاصل ما أجاب به الشيخ الأعظم.

و ناقشه الشيخ الخراساني بأن خصوصية الإخبار و الإنشاء ليستا مأخوذتين جزءا في المعنى المستعمل لما تقدمت الإشارة إليه من أن خصوصيات الاستعمال لا يمكن أخذها جزءا في المعنى المستعمل فيه و إلّا يلزم أخذ المتأخر في المتقدّم.

توضيح المتن:

من فوائد العليّة: أي الانحصارية، و كان المناسب إضافة ذلك.

و المراد من مطلق الوجوب طبيعي وجوب الإكرام مثلا.

كما في اللقب ...: أي إن ارتفاع شخص الحكم ليس من بركات أداة الشرط بدليل أنه يتحقق حتّى في اللقب و الوصف و إنما هو من بركات حكم العقل بارتفاع كل مقيّد بارتفاع قيده، و بكلمة أخرى هو من بركات قاعدة الاحترازية في القيود.

بما يرجع إلى ما ذكرنا: هذا تفسير لما تفصي به عن الإشكال، أي إن ما تفصي به عن الإشكال، و هو ما أشرنا إليه سابقا- و هو أن مفاد الصيغة الوجوب الكلي- قد أورد (قدّس سرّه) عليه بوجهين.

193

و ذلك لما عرفت: أي انقدح فساد ما يظهر من التقريرات، و ذلك لما عرفت ...

خلاصة البحث:

إن الشيخ الأعظم أجاب عن الإشكال بأن الحكم في باب الاخبار كلي، و في باب الإنشاء جزئي، و لكن الكلي يرتفع لأجل العلة المنحصرة، و أورد على الجواب الذي ذكرناه سابقا بوجهين.

و لكن الصحيح أن مفاد الصيغة لا يمكن أن يكون جزئيا، لأن خصوصية الإنشاء حيث إنها من خصائص الاستعمال فلا يمكن أن تكون دخيلة في المعنى المستعمل فيه.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هذا و قد أجاب الشيخ الأعظم بالتفرقة بين الوجوب في باب الخبر فإنه كلي و بين الوجوب في باب الإنشاء بأن ارتفاع الطبيعي فيه من فوائد العليّة الانحصارية، فإن ارتفاع الشّخص ليس من فوائدها، إذ هو يتحقّق حتّى مع فرض عدم الشرط.

و أورد على الجواب المتقدّم بأن التفصي لا يبتني على كلية الوجوب لما أفاده، مضافا إلى أن كون الحكم في باب الإنشاء كلي أمر لم يقم عليه دليل، بل قام الدليل على خلافه حيث إن الخصوصيات مستفادة بأنفسها من اللفظ.

هذا ما أفاده.

و المناقشة واضحة، فإن خصوصية الإنشاء كخصوصية الاخبار هي ناشئة من الاستعمال، و معه فلا يمكن أخذها في المستعمل فيه.

***

194

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر الثاني: إنه إذا تعدّد الشرط ...، إلى قوله:

الأمر الثالث».

(1)

[الأمر الثاني:] تعدّد الشرط و اتحاد الجزاء:

إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء- من قبيل إذا خفي الأذان فقصّر، و إذا خفيت الجدران فقصّر- (2) فسوف يحصل تعارض بين الجملتين إلّا أن هذا التعارض ليس تعارضا بين منطوقيهما، إذ لا منافاة بين وجوب التقصير عند خفاء الأذان و وجوبه أيضا عند خفاء الجدران، و هكذا لا تعارض بين ذات مفهوم هذه الجملة و ذات مفهوم تلك، و هكذا لا تعارض بين ذات مفهوم كل واحدة و منطوق الأخرى، و إنما التعارض هو بين إطلاق مفهوم كل جملة و منطوق الأخرى، فمفهوم الجملة الأولى: إذا لم يخف الأذان فلا تقصّر سواء خفيت الجدران أم لا، و هذا

____________

(1) الدرس 201: (26/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

(2) لا يخفى أن التعبير المذكور لم يرد في رواياتنا، و إنما الوارد في صحيحة محمّد بن مسلم: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الرجل يريد السفر متى يقصر؟ قال: «إذا توارى من البيوت ...» وسائل الشيعة 8: 470/ الباب 6 من أبواب صلاة المسافر/ الحديث 1.

و صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): سألته عن التقصير، قال: «إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم، و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر» الحديث 3.

195

يتعارض مع منطوق الجملة الأخرى، و هكذا الحال بالنسبة إلى الجملة الثانية، فإن إطلاق مفهومها يتعارض مع منطوق الجملة الأولى.

و طبيعي أن مثل الشيخ الخراساني الذي لا يرى ثبوت المفهوم للجملة الشرطية هو في غنى عن هذا البحث إلّا أنه يبحث هذا الموضوع بناء على ثبوت المفهوم.

و باتضاح هذا نقول: إن الوجوه التي يمكن بيانها لحلّ التعارض المتقدّم أربعة، هي:

1- تقييد إطلاق مفهوم كل جملة بمنطوق الأخرى، فمفهوم الجملة الأولى مثلا: إذا لم يخف الأذان فلا تقصّر، و إطلاقه هكذا: إذا لم يخف الأذان فلا تقصّر سواء خفيت الجدران أم لا، فيقيّد هذا الإطلاق بمنطوق الأخرى، أي هكذا: إذا لم يخف الأذان فلا تقصّر إلّا إذا خفيت الجدران، فتكون النتيجة أن الشرط هو كل واحد منهما، فعند خفاء الأذان يجب التقصير و إن لم تخف الجدران، و عند خفاء الجدران يجب التقصير و إن لم يخف الأذان.

و التوجيه الفني لهذا الوجه واضح، فإن منطوق الأخرى حيث إنه أقوى من إطلاق مفهوم الأولى و يصلح أن يكون قرينة على تقييده فيقيّده، كما هو الحال في كل مطلق إذا اجتمع مع مقيّد، فإن المقيّد يقيّد المطلق.

2- رفع اليد عن مفهوم كل واحدة رأسا مع المحافظة على منطوقهما. و بناء على هذا تكون نتيجة التحفّظ على المنطوقين هو أن خفاء الجدران موجب للتقصير و خفاء الأذان موجب للتقصير أيضا.

و الفارق بين هذا الوجه و سابقه- رغم أن نتيجة كل منهما كون كل من خفاء الأذان و خفاء الجدران شرطا للتقصير و سببا مستقلا له- هو أنه على الأوّل‏

196

يمكن نفي وجود شرط ثالث من خلال المفهوم، فإنه بعد تقييده ينحصر الشرط بأحد الخفاءين، و هذا بخلافه على الوجه الثاني، فإنه لا يمكن نفي احتمال وجود شرط ثالث يكون بدلا عن الشرطين الأولين، إذ النافي لذلك هو المفهوم، و المفروض أنّا قد رفعنا اليد عنه.

ثمّ إن التوجيه الفني لهذا الوجه هو أن منطوق كل واحدة يصير قرينة على عدم ثبوت المفهوم للأخرى للتنافي بينهما. (1)

3- تقييد إطلاق المنطوق في كل واحدة بالواو، فإن مقتضى إطلاق منطوق الأولى هو أنه إذا خفي الأذان يجب التقصير سواء خفيت الجدران أم لا، فيقيّد هذا الإطلاق بالواو، أي إذا خفي الأذان و خفيت الجدران فقصّر، و تكون النتيجة بناء على هذا أن مجموع الشرطين يكونان شرطا واحدا.

و التوجيه الفني لهذا الوجه أن ذكر كل واحد من الشرطين قرينة على عدم استقلاليته في الشرطية و أن مجموعهما هو شرط واحد.

4- تقييد المنطوق في كل واحدة بجعل الشرط هو الجامع، فإن مقتضى ظاهر منطوق كل شرطية أن كل واحد من الشرطين شرط بعنوانه الخاص فيخالف هذا الظهور و يجعل الشرط هو الجامع بين الشرطين، أي يكون الشرط هو أحدهما لا كل واحد منهما بعنوانه الخاص.

و الوجه الفني لهذا الوجه هو أن تعدّد الشرط قرينة على أن كلا منهما ليس مؤثّرا بعنوانه الخاص بل المؤثّر هو الجامع، أي أحدهما.

و نتمكن أن نصوغ هذا الوجه بصياغة أخرى، و هي تقييد إطلاق المنطوق في كل شرطية بكلمة أو، أي إذا خفي الأذان أو خفيت‏

____________

(1) إلّا أن مناقشة ذلك واضحة، فإن منطوق كل واحدة يصير قرينة على عدم إرادة إطلاق مفهوم الأخرى، أي على تقييده لا أنه قرينة على رفع اليد عن المفهوم رأسا.

197

الجدران فقصّر، فيكون كل واحد منهما شرطا، و لكن بعد ملاحظة الجامع يكون الشرط هو الجامع، أي أحدهما.

و فرق هذا الوجه عن الأوّل هو أنه على الأوّل يكون كل واحد من الشرطين مؤثّرا بعنوانه الخاص، بينما على هذا الوجه يكون كل واحد من الشرطين مؤثّرا بجامعه و ليس بنفسه.

هذه وجوه أربعة لرفع التعارض بين الجملتين. (1)

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك ما حاصله: إن الأرجح بنظر العرف من بين هذه الوجوه الأربعة هو الوجه الثاني، أي إن العرف يرفع اليد عن أصل المفهوم في كل جملة (2) و لكن لو لاحظنا العقل لرأيناه يرجّح الوجه الرابع، باعتبار أنه يرى أن الواحد لا يصدر من الكثير، فوجوب التقصير مثلا الذي هو واحد لا يمكن أن يصدر من الكثير، أعني من خفاء الأذان و من خفاء الجدران، فإنه لا بدّ من وجود نحو تشابه و تسانخ بين العلة و المعلول و إلّا لصدر كل شي‏ء من كل شي‏ء- فالحرارة يلزم إمكان صدورها من الثلج مثلا- و حيث إن الواحد بما هو واحد لا يسانخ المتعدد بما هو متعدد، و ليست السنخية إلّا بين الواحد و بين المتعدد بما

____________

(1) و هناك وجه خامس ذكر في نهاية هذا الأمر الثاني، و هو منسوب للحلي صاحب السرائر، و هو رفع اليد عن إطلاق المفهوم في إحدى الجملتين دون الأخرى، و لكن هذا الوجه ذكر في بعض النسخ و ليس في جميعها، و حذفه هو الأنسب لأن ذلك يستلزم الترجيح بلا مرجح، مضافا إلى أن الوجه المذكور لا يرفع التعارض رأسا، لبقاء التعارض بين إطلاق المفهوم الباقي و منطوق الأخرى.

(2) لا يخفى أن دعوى مساعدة العرف على الوجه الثاني أوّل الكلام، و لعلّه يساعد على الوجه الأوّل، فهو يرى أن ثبوت المنطوق للأخرى قرينة على عدم إرادة الإطلاق من مفهوم الأولى لا على عدم ثبوت المفهوم للأولى رأسا، و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم في آخر حديثه.

198

هو واحد، أي بما هو جامع- و من هنا كانت هذه القاعدة قاعدة متعاكسة، أي كما لا يصدر الواحد من الكثير كذلك لا يصدر الكثير من الواحد- (1) فيلزم أن يكون الشرط هو الجامع.

و بعد تسليم أن العرف يبني على الوجه الثاني و العقل يبني على الوجه الرابع و بعد فرض التحفّظ على إطلاق الشرط و عدم تقييده بالواو تصير النتيجة النهائية هي أن كل شرط مؤثّر بجامعه، أي إن الشرط واحد، و هو الجامع، أعني أحدهما، و إن كان العرف لا يرى ذلك، أي لا يرى أن الشرط هو الجامع بل يرى أن الشرط هو كل واحد بعنوانه و لكن لا عبرة بالعرف بعد قضاء العقل بالاستحالة.

ثمّ تعرضت بعد ذلك بعض نسخ الكفاية إلى الوجه الخامس المنسوب إلى الحلي، و هو رفع اليد عن مفهوم إحدى الشرطيتين دون الأخرى، و لكنه كما قلنا هو وجه ضعيف لأنه ترجيح بلا مرجّح إلّا إذا فرض أن المفهوم الباقي أظهر.

توضيح المتن:

إنه إذا تعدّد الشرط: المناسب: و اتحد الجزاء.

فبناء على ظهور الجملة الشرطية ...: أي إن هذا البحث مبني على فرض التسليم بثبوت المفهوم و إلّا فهو لا مجال له على رأي الشيخ الخراساني.

لا بدّ من التصرف و رفع اليد عن الظهور: يمكن بيان الوجوه الأربعة بمنهجة أخرى هكذا: إن لكل شرطية أربعة ظهورات: ظهور في‏

____________

(1) قاعدة الواحد لو سلّمت و لم يناقش فيها فيمكن أن يقال: هي تامة في الأمور التكوينية دون الأمور الاعتبارية، مثل الأحكام الشرعية التي هي مجرد اعتبار.

199

أصل المفهوم، و ظهور في إطلاق المفهوم، و ظهور في إطلاق الشرط، و ظهور في كون كل من الشرطين مؤثّرا بعنوانه.

و برفع اليد عن الأوّل يحصل الثاني.

و برفع اليد عن الثاني يحصل الأوّل.

و برفع اليد عن الثالث يحصل الثالث.

و برفع اليد عن الرابع يحصل الرابع.

و أما برفع اليد عن المفهوم: يعني رأسا.

فلا دلالة لهما ...: هذا بيان للفارق بين الوجه الأوّل و الوجه الثاني.

و أما بتقييد إطلاق الشرط ...: يعني تقييد إطلاق المنطوق بالواو.

و أما بجعل الشرط هو القدر المشترك: يعني تقييد إطلاق المنطوق بأو بعد الحمل على القدر المشترك.

يعيّن هذا الوجه: أي الوجه الرابع الأخير.

و لذلك أيضا لا يصدر ...: أي كما أن الواحد لا يصدر من المتعدّد كذلك لا يصدر من الواحد إلّا الواحد دون المتعدّد.

فلا بدّ من المصير ...: هذا تفريع على مجموع قوله: و لعلّ العرف يساعد على الثاني و قوله: كما أن العقل ربما يعين هذا الوجه، و ليس متفرعا على خصوص الثاني.

بعد البناء على رفع اليد ...: قد يقال: لا وجه لهذا، فإن كون الشرط هو الجامع ليس متوقفا على رفع اليد عن أصل المفهوم.

هذا و لكن بناء على ما ذكرناه في التعليق السابق يكون هذا وجيها، أي بعد ما كان العرف يرفع يده عن أصل المفهوم نقول: إن الشرط ما

200

هو؟ هل هو الجامع أو هو كل منهما بعنوانه؟ و الجواب: إن العقل يساعد على كون الشرط هو الجامع.

و لكن نبقى نعترف أن الأجدر هو حذف الفقرة المذكورة لإمكان الاستغناء عنها.

و بقاء إطلاق الشرط: إذ مع رفع اليد عن إطلاق الشرط يكون الشرط مجموع الأمرين لا كل واحد منهما حتّى يكون الجامع هو الشرط.

فافهم: تقدم وجهه فلاحظ.

و أما رفع اليد ...: هذا هو الوجه الخامس المذكور في بعض النسخ.

خلاصة البحث:

إنه عند تعدّد الشرط و اتحاد الجزاء يحصل التعارض بين إطلاق مفهوم كل شرطية و منطوق الأخرى، و يمكن رفع ذلك بوجوه أربعة، الثاني منهما أرجح عرفا، و الرابع أرجح عقلا، و بذلك تكون النتيجة أن الشرط هو الجامع، أعني أحدهما.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الأمر الثاني:

إذا تعدّد الشرط و اتحد الجزاء- مثل إذا خفي الأذان فقصّر و إذا خفيت الجدران فقصّر- فبناء على ثبوت المفهوم لا بدّ إما من:

1- تقييد إطلاق مفهوم كل منهما بمنطوق الأخرى فيكون كل واحد منهما شرطا.

201

2- أو رفع اليد عن المفهوم فيهما رأسا، و النتيجة كما سبق إلّا أنه لا دلالة لهما على نفي شرط ثالث بخلاف الوجه الأوّل.

3- أو تقييد إطلاق المنطوق في كل منهما بالواو فيكون المجموع هو الشرط.

4- أو بجعل الشرط هو الجامع، بأن يكون تعدّد الشرط قرينة على أن كلا منهما بعنوانه ليس هو الشرط بل بما هو مصداق لما يعمّهما.

و لعلّ العرف يساعد على الثاني و العقل على الرابع لأن الأمور المتعدّدة بما هي كذلك لا تؤثّر في الواحد للزوم الربط الخاص بين العلة و المعلول، و من الواضح أن الواحد بما هو كذلك ليس مرتبطا بالمتعدد بما هو كذلك.

فالشرط إذن هو الجامع بعد بقاء إطلاق الشرط في كل منهما على حاله فافهم.

***

202

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر الثالث: إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء ...، إلى قوله: و لا يخفى ...».

(1)

[الأمر الثالث:] تداخل الجزاء و عدمه:

في الأمر السابق كان البحث عن حالة تعدّد الشرط و اتحاد الجزاء مع فرض أن الجزاء لا يحتمل فيه التعدّد، فوجوب التقصير مثلا لا يحتمل تعدده مرتين، إذ الواجب على المكلف صلاة واحدة لا صلاتان، و هذا بخلافه في هذا الأمر، فإن المفروض فيه تعدّد الشرط و اتحاد الجزاء الذي يحتمل تعدده، كما لو قيل: إذا نمت فتوضأ و إذا بلت فتوضأ، فإنه من المحتمل تكرر وجوب الوضوء مرتين، فمرة لأجل النوم و أخرى لأجل البول.

إنه في هذا الأمر نريد البحث عن حالة احتمال تكرر الجزاء و نقول: هل الحكم هو التداخل بحيث يكفي وضوء واحد أو أن الحكم هو عدم التداخل بحيث يلزم وضوءان؟

و الآراء ثلاثة: عدم التداخل، و هو المشهور، و التداخل، و هو رأي المحقق الخونساري، و التفصيل بين تعدّد جنس الشرط فلا تداخل، كما لو تحقّق النوم و البول، و بين ما إذا اتحد فيحكم بالتداخل، كما لو تحقّق البول مرتين على التعاقب.

____________

(1) الدرس 202: (27/ ربيع الثاني/ 1426 ه).