كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
203

و نلفت النظر إلى قضيتين:

1- إن هذا البحث يأتي على غير الوجه الثالث من الوجوه الأربعة المتقدّمة في الأمر الثاني المتقدّم، إذ على الوجه الثالث قد فرض أن مجموع الشرطين يرجع إلى شرط واحد، فبالتالي يكون الجزاء واحدا بعد فرض وحدة الشرط.

إذن الكلام في هذا الأمر الثالث ينحصر بما إذا لم نختر الوجه الثالث.

2- إن مثال الوضوء المتقدّم مثال فرضي، إذ قد ثبت من الخارج أن الوضوء لا يلزم تعدّده عند تعدّد الأسباب، فنحن الآن نتكلم بمقتضى القاعدة قاطعين النظر عن هذا الذي ثبت من الخارج.

و يمكن أن نبدل هذا المثال بمثال آخر، و هو ما إذا قيل: إن أفطرت فاعتق و إن ظاهرت فاعتق.

و بعد الالتفات إلى هذه المقدمة نعود إلى بحثنا و نقول: إنه يوجد في كل جملة شرطية ظهوران:

أ- الحدوث عن الحدوث، فظاهر الشرطية الأولى أنه إذا حدث النوم يحدث وجوب الوضوء، و إذا حدث البول يحدث وجوب الوضوء.

ب- إن ظاهر متعلّق الجزاء في كلتا الشرطيتين كونه حقيقة واحدة، فالجزاء في كلتا الشرطيتين هو فتوضأ، و متعلّقه هو الوضوء الذي هو حقيقة واحدة لا أن الوضوء عند النوم حقيقة قد تعلّق بها وجوب الوضوء، و الوضوء عند البول حقيقة ثانية قد تعلّق بها وجوب الوضوء.

و إذا سلّمنا بهذين الظهورين فسوف تترتّب هذه النتيجة، و هي: إنه عند تحقّق الشرطين- بأن نام الشخص ثمّ بال- يلزم حدوث وجوبين كلاهما متعلّق بحقيقة واحدة، و هي الوضوء، و هذا ما لا يمكن الالتزام‏

204

به، فإن الشي‏ء الواحد لا يتحمّل حكمين، لاستحالة اجتماع المثلين في الشي‏ء الواحد، كما قرأنا في المنطق.

و بالالتفات إلى هذا المطلب نقول: إن القائل بالتداخل لا يمكن أن يقول به إلّا إذا التزم بمخالفة الظاهر بأحد أشكال ثلاثة، و نؤكّد: كلها مخالفة للظاهر إلّا أنه لا بدّ من الالتزام بأحدها، و هي:

1- أن ترفع اليد عن الظهور في الحدوث عند الحدوث و يلتزم بالثبوت عند الثبوت، أي إذا ثبت النوم ثبت وجوب الوضوء بعد تفسير الثبوت بالأعم من الحدوث و البقاء ليشمل الشرط الأوّل الذي يتحقّق به حدوث الوجوب و الشرط الثاني الذي يثبت عنده البقاء و الاستمرار.

و نتيجة هذا هو التداخل لأن الثابت عند الشرط الثاني هو البقاء و الاستمرار.

2- أن ترفع اليد عن الظهور في كون متعلّق الجزاء حقيقة واحدة و يلتزم بكون الوضوء بسبب النوم حقيقة و الوضوء بسبب البول حقيقة ثانية، غايته هما متحدان بالشكل و الصورة، كما هو الحال في غسل الجنابة و غسل مس الميت، فإنهما شكلا واحد و لكنهما حقيقة يمكن أن يقال بتعدّدهما.

و إذا قبلنا بفكرة تعدّد الحقيقة فلا محذور آنذاك في تعلّق أحد الوجوبين بهذه الحقيقة و الوجوب الآخر بتلك الحقيقة الأخرى.

و لحدّ الآن لم ننته إلى التداخل فنحتاج إلى ضم ضميمة، و ذلك بأن نقول:

إن الحقيقتين حيث يمكن صدقهما على المورد الواحد فبالإمكان الإتيان بذلك المورد الواحد بقصد امتثال الأمرين المتعلّقين بالحقيقتين و يتحقّق بذلك امتثال كلا الأمرين من خلال الإتيان بفرد واحد، و يكون ذلك نظير ما إذا قيل: أكرم هاشميا و أضف عالما، فإن هذين تكليفان متغايران جزما، و لكن لو فرض أن‏

205

شخصا كان هاشميا و عالما و اريد إكرامه بالضيافة تحقّق بذلك امتثال كلا الأمرين رغم كون الفرد المكرم واحدا.

إن قلت: كيف يمكن قصد امتثال كلا الأمرين بفرد واحد، و الحال أن لازم ذلك اجتماع كلا التكليفين على فرد و شي‏ء واحد، و بذلك يعود المحذور.

قلت: يمكن الجواب بوجهين:

أ- إن انطباق عنوانين على فرد واحد لا يكون سببا لاتصافه بوجوبين بل لاتصافه بأصل الوجوب، نظير ما إذا لزم على زيد أن يزور شخصا لملاكات متعددة، كما إذا كان صديقا له و جاء من السفر و أصابه مرض و غير ذلك، فإنه في مثل ذلك لا تكون زيارته واجبة بوجوبات متعدّدة بل تكون متصفة بأصل الوجوب.

ب- إنه لو قلنا بجواز اجتماع التكليفين‏ (1) بعنوانين- بناء على أن الأحكام تتعلّق بالعناوين، و حيث إنها متعدّدة فلا يلزم محذور الاجتماع في شي‏ء واحد- فيمكن في المقام أن يتعلّق أحد الوجوبين بالوضوء بسبب البول و الوجوب الآخر يتعلّق بالوضوء نفسه بسبب النوم. و لكن هذا الجواب- كما ترى- مبنائي، أي يبتني على رأي من يقول بجواز الاجتماع بعنوانين.

3- أن يلتزم بظهور الشرطية في الحدوث عند الحدوث و لكن يدعى في مقامنا أن الحادث بالشرط الأوّل هو أصل الوجوب، و الحادث بالشرط الثاني هو تأكد الوجوب السابق، فبلحاظ كلا الشرطين يتحقّق حدوث إلّا أن الحادث بالشرط الأوّل هو أصل الوجوب و بالثاني التأكد.

____________

(1) و لا يلزم في التكليفين أن يكونا وجوبا و حرمة، بل لا محذور في أن يكونا وجوبين، كما في المقام.

206

و نتيجة هذا هو التداخل، لأن الحادث بالشرط الثاني ليس وجوبا آخر بل تأكد الوجوب الأوّل.

هذه ثلاثة أمور يحتاج إلى أحدها القائل بالتداخل.

و أما القائل بعدم التداخل فيحتاج إلى تصرف واحد، و هو تقييد متعلّق الجزاء في الشرطية الثانية بالفرد الآخر فيقال هكذا: إن نمت فتوضأ و إن بلت فتوضأ و ضوءا آخر، إنه بناء على هذا لا يلزم اجتماع وجوبين في حقيقة واحدة بل يكون متعلّق الوجوب الأوّل فردا من الوضوء و متعلّق الوجوب الثاني فردا آخر.

و بعد الاطلاع على التصرفات الثلاثة التي يحتاج إلى أحدها القائل بالتداخل و التصرف الواحد الذي يحتاج إليه القائل بعدم التداخل لا بدّ أن نجري عملية مقايسة و موازنة لنلحظ أن أيهما هو الأولى.

توضيح المتن:

إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء: كان من المناسب إضافة: و احتمل تكرار الجزاء.

فهل اللازم لزوم: الأولى حذف كلمة لزوم.

و يكتفى بإتيانه: هذا عطف تفسير للتداخل.

و التحقيق أنه ...: كان من المناسب ذكر الظهور الثاني ثمّ بيان حصول التعارض لا بيان حصول التنافي من دون ذكر الظهور الثاني.

بسببه أو بكشفه: أي إن وجوب الوضوء تارة يقال بحدوثه بسبب نفس النوم، و أخرى يقال بحدوثه بسبب الجعل الشرعي الذي يكشف عنه النوم، فالشرط تارة يقال هو بنفسه سبب لحدوث وجوب الوضوء و أخرى يقال هو كاشف عن السبب.

207

و كان قضيته تعدّد ...: أي إن لازم الظهور المذكور هو تعدّد وجوب الوضوء و حصول وجوبين على الحقيقة الواحدة.

إذا تعدّد الشرط حقيقة أو وجودا: الأوّل فيما إذا تحقّق البول و النوم، و الثاني فيما إذا تحقق البول مرتين أو النوم مرتين مثلا.

محالا ضرورة أن لازمه ...: حصول التنافي بين الظهورين و إن كان صحيحا إلّا أن بيانه في هذا الموضع لا ضرورة إليه.

أما بالالتزام بعدم ...: هذا إشارة إلى الشكل الأوّل من التصرّف الذي يحتاج إليه القائل بالتداخل.

و قوله: في هذا الحال: أي في حال تكرّر الشرط.

بل على مجرد الثبوت: على أن يكون المراد منه الأعم من الحدوث و البقاء ليكون بمعنى الحدوث عند حدوث الشرط الأوّل و بمعنى البقاء عند حدوث الشرط الثاني.

أو الالتزام بكون متعلّق ...: هذا إشارة إلى الشكل الثاني.

فافهم: لعلّه إشارة إلى أنه إذا صحّ الإتيان به بقصد امتثال الأمرين فهذا معناه أنه متّصف بكلا الوجوبين لا بأصل الوجوب.

أو الالتزام بحدوث الأثر عند ...: هذا إشارة إلى الشكل الثالث.

خلاصة البحث:

إذا تعدّد الشرط و اتحد الجزاء و احتمل تكراره فهل يمكن التداخل أو لا؟ هناك أقوال ثلاثة.

و لا بدّ أوّلا أن نعرف أنه يوجد ظهوران لكل شرطية: ظهور في الحدوث عند الحدوث و ظهور في كون متعلّق الجزاء حقيقة واحدة، و لازم ذلك اجتماع وجوبين على حقيقة واحدة.

208

و القائل بالتداخل يحتاج إلى أحد تصرفات ثلاثة، و القائل بعدم التداخل يحتاج إلى تصرف واحد، و لا بدّ من الموازنة بينهما.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الأمر الثالث:

إذا تعدّد الشرط و اتحد الجزاء و احتمل تكرره فلا إشكال على الوجه الثالث، و أما على سائر الوجوه فهل اللازم الإتيان بالجزاء متعددا أو يتداخل؟ فيه أقوال.

و المشهور عدم التداخل، و عن جماعة منهم المحقق الخونساري التداخل، و عن الحلي التفصيل بين اتحاد جنس الشروط و تعدده.

و التحقيق: إن ظاهر كل شرطية لما كان هو الحدوث عند الحدوث و كان ظاهر الجزاء أن متعلقه حقيقة واحدة فيلزم من ذلك أن تكون الحقيقة الواحدة محكومة بحكمين متماثلين، و هو واضح الاستحالة.

و لا بدّ على القول بالتداخل التصرف:

1- إما بالالتزام بعدم دلالتها عند تكرّر الشرط على الحدوث عند الحدوث بل على مجرد الثبوت.

2- أو الالتزام بكون متعلّق الجزاء حقائق متعدّدة متصادقة على واحد، و الذمة و إن اشتغلت بتكاليف متعددة حسب تعدّد الشروط إلّا أنه يجتزئ بواحد لكونه مجمعا لها، كما في أكرم هاشميا و أضف عالما مثلا فإنه يجوز الاكتفاء بإكرام العالم الهاشمي بالضيافة بداعي الأمرين.

إن قلت: إن لازم الامتثال بما تصادق عليه العنوانان اجتماع حكمين متماثلين في شي‏ء واحد.

209

قلت: يرده:

أ- إن انطباق عنوانين على واحد لا يستلزم اتّصافه بوجوبين بل إن لازمه اتّصافه بأصل الوجوب.

ب- إنه على القول بجواز الاجتماع لا محذور في اتّصافه بهما بعد فرض تحقّق العنوانين فافهم.

3- أو الالتزام بكون الحادث عند الشرط الأوّل أصل وجوب الوضوء و عند الشرط الثاني تأكده.

هذا ما يحتاج إليه القائل بالتداخل.

و أما القائل بعدمه فيحتاج إلى تقييد متعلّق الجزاء في الشرطية الثانية بالمرة الأخرى.

***

210

قوله (قدّس سرّه):

«و لا يخفى أنه لا وجه لأن يصار ...، إلى قوله:

و قد انقدح مما ذكرناه ...».

(1)

مقايسة و موازنة:

بعد أن عرفنا أن القول بالتداخل يحتاج إلى أحد تصرفات ثلاثة و القول بعدمه يحتاج إلى تصرف واحد نقوم الآن بعملية مقايسة و موازنة لنلاحظ أن أيهما هو الأرجح.

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه) أن التصرفات الثلاثة التي يحتاج إليها القائل بالتداخل هي قابلة للمناقشة من جهتين:

1- إنها بأجمعها مخالفة للظاهر، فلا يمكن المصير إليها من جهة مخالفتها للظاهر، فإن ظاهر كل شرطية الحدوث عند الحدوث، و كون المتعلق واحدا، و كون الحادث بالشرط الثاني أصل الوجوب لا تأكّده.

2- إن التصرفين الأخيرين هما بحاجة إلى إعمال عناية لا مثبت لها، فالتصرف الثاني- الذي يرجع إلى أن الوضوء حقائق متعدّدة تصدق على فرد واحد- يحتاج إلى إثبات أن الوضوء حقائق متعدّدة، كما يحتاج إلى إثبات أن هذه الحقائق تصدق على فرد واحد، و ذلك لا مثبت له و لا دليل عليه، و هكذا التصرف الثالث- الذي يرجع إلى أن الحادث بالشرط الأوّل أصل الوجوب‏

____________

(1) الدرس 203: (28/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

211

و بالشرط الثاني تأكّده- يحتاج إلى إثبات أن الحادث بالشرط الثاني هو التأكّد، و ذلك لا مثبت له، و مجرد الاحتمال- أي احتمال أن الحادث بالشرط الثاني هو التأكد- لا يكفي، بل لا بدّ له من مثبت. (1)

إن قلت: هذا وجيه، فالتصرفات الثلاثة التي يحتاج إليها القائل بالتداخل كلها مخالفة للظاهر و لكن ما الحيلة و المفروض أنه إذا لم نصر إلى واحد من تلك التصرفات الثلاثة يلزم محذور اجتماع الحكمين المتماثلين على شي‏ء واحد، فلأجل الفرار من المحذور المذكور لا بدّ من المصير إلى واحد من تلك التصرفات.

قلت: هذا صحيح إذا فرض الاضطرار في المصير إلى واحد من تلك التصرفات و لكن بالإمكان التخلّص منها جميعا، و ذلك بالمصير إلى تقييد متعلّق الجزاء في الشرطية الثانية بالفرد الآخر، فإنه بالتقييد المذكور لا يلزم محذور اجتماع حكمين متماثلين في مورد واحد، إذ أحد الوجوبين يكون متعلّقا بفرد، و الوجوب الآخر يكون متعلّقا بفرد آخر، و لا محذور في أن يكون أحد الفردين محكوما بحكم الفرد الآخر.

____________

(1) هاهنا تعليقان:

1- لما ذا خصّصت الحاجة إلى إعمال العناية بخصوص التصرف الثاني و الثالث و الحال أن الأوّل مثلهما، فإن دعوى كون مفاد الشرطية هو الثبوت عند الثبوت لا الحدوث عند الحدوث، مع تفسير الثبوت بالأعم من الحدوث و البقاء أمر ذو عناية، و لا فرق بينه و بين التصرفين الأخيرين.

(2)- إن المناقشتين ترجعان إلى مناقشة واحدة من حيث الروح، فإن الوجه في كون التصرفات الثلاثة مخالفة للظاهر هو حاجتها إلى إعمال العناية، و على هذا يكون المناسب التعليل بإذ ليكون مرجع المناقشتين إلى مناقشة واحدة.

212

إن قلت: إن تقييد متعلّق الجزاء بفرد آخر مخالف للظاهر أيضا، فإن مقتضى الإطلاق فيه- بمعنى عدم تقييده بفرد آخر، حيث لم يقل: و إذا بلت فتوضأ بوضوء آخر، بل قيل: إذا بلت فتوضأ- هو كون المتعلّق واحدا متعدّدا، فالتقييد بالفرد الآخر مخالف لمقتضى الظهور في الإطلاق.

قلت: إنه يمكن الاجابة على ما ذكر بجوابين:

1- إن تقييد متعلّق الجزاء بفرد آخر و إن كان مخالفا للظاهر إلّا أن ذلك مخالفة للظاهر قد دلت عليها القرينة فينبغي الالتزام بها، و تلك القرينة هي ظهور الشرطية في الحدوث عند الحدوث، فإن ظهور الشرطية في حدوث وجوبين قرينة على تقييد متعلّق الجزاء بفرد آخر كي يكون الوجوب الثاني متعلقا به و إلّا يلزم تعلّق الوجوبين بشي‏ء واحد.

2- إنه نتمكن أن نقول: إن التقييد بفرد آخر ليس مخالفة للظاهر أبدا، فلا ينعقد في متعلّق الجزاء ظهور في الإطلاق ليكون التقييد بفرد آخر مخالفة له، فإن انعقاد الظهور في الإطلاق فرع عدم البيان على التقييد، و المفروض أن ظهور الشرطية في الحدوث عند الحدوث صالح لأن يكون بيانا على التقييد، و مع وجود ما يصلح للتقييد لا ينعقد ظهور في الإطلاق.

و فرق هذا الجواب عن الجواب السابق أنه في الجواب السابق كان يعترف بأن التقييد بفرد آخر مخالفة للظاهر و لكنها مخالفة لا بدّ منها لأجل وجود القرينة، بينما في هذا الجواب يدعى أن لا مخالفة للظاهر رأسا.

و من خلال هذا كله اتضح أن الأرجح هو القول بعدم التداخل لأن التصرف الذي يستدعيه إما أنه مخالفة لظاهر قد دلت عليها القرينة أو أنه ليس مخالفة للظاهر أبدا، و هذا بخلاف القول بالتداخل، فإنه يستدعي تصرفات ثلاثة كلها مخالفة للظاهر.

213

توضيح المتن:

مع ما في الأخيرين: المناسب: لأنه في الأخيرين يحتاج إلى ...

و أنسب من ذلك: لأنه في الثلاثة يحتاج إلى ...

نعم إذا لم يكن المراد بالجملة: أي بالجملة الشرطية.

بكل شرط غير ما وجب ...: أي بأن يكون أحد الوجوبين متعلقا بفرد من الوضوء، و الوجوب الآخر متعلقا بفرد آخر، و إن كانت العبارة موهمة لكون التعدد في أصل الوجوب لا في متعلقه.

ثمّ إنه لا يخفى التطويل الحاصل في عبارة المتن، و المناسب: نعم إذا لم يكن المراد وجوب وضوء آخر.

على خلاف الإطلاق: أي إطلاق متعلّق الجزاء، حيث إن مقتضى إطلاقه كونه أمرا واحدا، لأنه لم يقيّد بفرد آخر.

و بالجملة لا دوران: هذا ليس إجمالا لما سبق بل هو جواب آخر، و المناسب: بل لا دوران ...

و ظهور الإطلاق: أي في متعلّق الجزاء.

فلا ظهور له: أي لمتعلّق الجزاء في الإطلاق بعد ظهور الشرطية في الحدوث عند الحدوث.

خلاصة البحث:

إن التصرفات التي يحتاج إليها القول بالتداخل مخالفة للظاهر و بحاجة إلى العناية، بخلاف القول بعدم التداخل، فإن التصرف الذي يحتاج إليه و إن كان مخالفا للظاهر إلّا أن عليه القرينة، بل هو ليس مخالفة للظاهر رأسا.

214

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و باتضاح هذا نقول: لا وجه لأن يصار إلى التصرفات الثلاثة لأنها مخالفة للظاهر، مع أن الأخيرين يحتاجان إلى إثبات أن متعلّق الجزاء متعدد صادق على واحد و إثبات أن الحادث بالشرط الثاني هو التأكد.

إن قلت: وجه ذلك لزوم التصرف لعدم إمكان الأخذ بظهور الشرطية الذي مقتضاه تعلّق وجوبين بالوضوء الواحد.

قلت: نعم إذا لم يكن المراد في الشرطية الثانية تعلّق الوجوب بفرد آخر.

إن قلت: إن التقييد بالفرد الآخر مخالف للإطلاق.

قلت: نعم لكن ظهور الشرطية في الحدوث عند الحدوث قرينة على التقييد بالفرد الآخر، بل لا ظهور في الإطلاق رأسا، ضرورة أن انعقاد الظهور في الإطلاق معلّق على عدم البيان، و الظهور في الحدوث عند الحدوث صالح لأن يكون بيانا.

فتلخّص بذلك أن ظاهر الشرطية يقتضي القول بعدم التداخل لعدم لزوم تصرف أصلا بناء عليه، بخلافه على القول بالتداخل.

***

215

قوله (قدّس سرّه):

«و قد انقدح مما ذكرناه أن المجدي للقول بالتداخل ...، إلى قوله: فصل الظاهر ...».

(1)

تفصيل فخر الدين:

بعد أن اتضح لنا أن المسألة ذات احتمالين: التداخل و عدمه، و اتضح أن التداخل بحاجة إلى أحد تصرفات ثلاثة بينما عدم التداخل يحتاج إلى تصرف واحد، و اتضح أن المناسب هو البناء على عدم التداخل لما تقدم أخذ.

باستعراض تفصيلين في المسألة، أحدهما لفخر الدين و الآخر للحلي.

أما فخر الدين- نجل العلامة الحلي- فقد فصّل بين ما إذا بني في الشروط الشرعية على أنها معرّفات أو أنها مؤثرات و أسباب، فإن بني على أنها معرّفات و كواشف عن الأسباب الشرعية الحقيقية لزم الحكم بالتداخل لأن المعرّفات المتعددة يمكن أن تكشف عن شي‏ء واحد، و أما إذا بني على أنها مؤثّرات فيلزم الحكم بعدم التداخل، لأن ذلك لازم فرض تعدد المؤثّرات.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بجوابين:

1- إن البناء على كون الشروط الشرعية معرّفات لا يلزم منه الحكم بالتداخل و إنما يلزم- التداخل- لو بني على أحد التصرفات الثلاثة.

أما لما ذا لا يلزم من فكرة المعرّفات التداخل؟ ذلك باعتبار أننا نسلّم أن المعرّفات المتعدّدة يمكن أن تكشف عن شي‏ء واحد، و لكن نقول: إنه في‏

____________

(1) الدرس 204: (29/ ربيع الثاني/ 1426 ه).

216

خصوص مقامنا ليس الأمر كذلك، أي إن الشروط الشرعية ليست معرّفات عن جعل واحد، بل إن كل شرط شرعي يكشف عن جعل شرعي مستقل مغاير لما يكشف عنه الشرط الشرعي الآخر، و المستند في ذلك هو ظهور الشرطية في الحدوث عند الحدوث، فإن لازم ظهور الشرطية الأولى في الحدوث عند الحدوث هو ثبوت وجوب للوضوء عند النوم، و لازم ظهور الشرطية الثانية في ذلك هو حدوث وجوب جديد للوضوء، و هذا يعني أن الشرطية الأولى تكشف عن حدوث جعل شرعي مستقل، و الشرطية الثانية تكشف عن جعل شرعي مستقل آخر.

إذن: كون الشروط الشرعية معرّفات لا يلزم منه التداخل بعد ما قامت القرينة على أن كل شرط يكشف عن جعل شرعي خاص، و تلك القرينة هي ظهور الشرطية في الحدوث عند الحدوث.

هذا حاصل الجواب الأوّل، و هو ما أشار إليه (قدّس سرّه) بقوله: (فلا وجه لما عن الفخر و غيره من ابتناء هذه المسألة على أنها معرّفات أو مؤثّرات).

2- إن فخر الدين جعل أمر الشروط الشرعية دائرا بين احتمالين لا ثالث لهما، فإما هي معرّفات أو هي مؤثّرات، و على الأوّل يلزم التداخل، و على الثاني يلزم عدمه، و لكن الأمر ليس كذلك بل هناك شق ثالث، و هو أن تكون بعض الشروط الشرعية معرّفات و بعضها الآخر مؤثّرات، و هذا معناه أن الشروط الشرعية لا يلزم الحكم فيها بالتداخل دائما و لا الحكم بعدم التداخل دائما بل أحيانا هكذا و أحيانا هكذا.

و إذا سألت: كيف يكون الشرط الشرعي سببا و مؤثّرا؟ و هل يمكن ذلك؟

كان الجواب: إن معنى كون الشرط الشرعي سببا هو أن له مدخلية و تأثيرا في الجعل الشرعي، فالزوال مثلا له مدخلية في جعل اللّه سبحانه الوجوب‏

217

للصلاة، إنه بهذا المعنى يصدق عنوان السبب و المؤثر على الشروط الشرعية، نعم لا يصدق ذلك على جميعها بل على بعضها، فمثلا إذا قيل: إن زاد الظل بعد نقصانه فعليك بصلاة الظهر أو إذا صاحت الديكة فعليك بفعل صلاة الفجر فالشرط في مثل ذلك يكون معرّفا و كاشفا عن السبب الشرعي الأصلي.

و بالجملة: الشرط الشرعي لا يلزم أن يكون معرّفا دائما بل قد يكون سببا و مؤثّرا.

أجل لو فسّر المعرّف بما لا يكون علة في مقابل السبب الذي هو عبارة عن العلة التامة فالمناسب أن تكون جميع الشروط الشرعية معرّفات، فإنه لا يوجد فيها ما يحتمل كونه علة تامة، و لكن المعرّف بهذا المعنى لا يستلزم التداخل الذي صار إليه فخر الدين- حيث قال: إنه بناء على كون الشروط الشرعية معرّفات يلزم الحكم بالتداخل- و ذلك لما أشير إليه في الجواب الأوّل، و هو أن ظهور الشرطية في الحدوث عند الحدوث يوجب الظهور في كون كل واحد من الشرطين معرّفا عن علة تامة، فالشرط الأوّل- كالنوم مثلا- يكشف عن تحقّق علة تامة لوجوب الوضوء، و الشرط الثاني يكشف عن تحقّق علة أخرى لوجوب الوضوء.

إذن: في المراد من المعرفية احتمالان، فيحتمل أن يراد منها ما ليس له مدخلية في الحكم الشرعي في مقابل المؤثّر الذي يكون له مدخلية في الحكم الشرعي، و يحتمل أن يراد منها ما لا يكون علة تامة.

و على الاحتمال الأوّل لا تكون جميع الشروط الشرعية معرّفات بل قد تكون أسبابا.

و على الاحتمال الثاني تكون جميع الشروط الشرعية معرّفات و لكن ذلك لا ينفع في إثبات التداخل.

218

تفصيل الحلي:

هذا كله في تفصيل فخر الدين.

و أما الحلي ففصّل بين ما إذا كانت الشروط مختلفة في الجنس فلا يحكم بالتداخل، و بين ما إذا لم تكن مختلفة في الجنس فيحكم بالتداخل، فالنوم و البول مثلا شرطان من جنسين مختلفين فلا يحكم بالتداخل فيهما بخلاف ما إذا تكرر البول مرتين، فإن الجنس واحد فيحكم بالتداخل.

و يقول الشيخ الخراساني في مناقشته: إنه لا وجه لهذا التفصيل إلّا أن الجنس إذا كان متحدا فلا يصدق تكرّر الشرط، فإذا قيل: إذا بلت فتوضأ و فرض أن الشخص بال مرات فلا يصدق أن الشرط قد تكرر، لأن الشرط هو جنس البول أو التبول، و هذا الجنس يصدق على الواحد و الكثير بدرجة واحدة، و لا يصدق أن الشرط قد تكرّر عند البول في المرة الثانية. و مع فرض وحدة الشرط و عدم تكرّره يتعيّن الحكم بالتداخل.

هذا ما يمكن أن يستدل به الحلي.

و جوابه: إنه يمكن بإطلاق الشرط إثبات التعدد، فإن مفاد إذا بلت فتوضأ أنه إذا بلت فتوضأ سواء بلت قبلا أم لا، و سواء بلت بعدا أم لا، و هذا معناه أن البول في كل مرة يكون سببا لحدوث وجوب الوضوء.

و إذا لم نقبل هذا و قلنا أن الشرط لا يصدق تكرّره عند وحدة الجنس فيلزم في حالة تعدّد جنس الشرط الحكم بالتداخل أيضا، لأن الشروط المختلفة- كالنوم و البول- يلزم أن ترجع إلى واحد و يكون هو الشرط، فالجامع هو الشرط، و النوم و البول مصاديق له، و ذلك لقاعدة أن الكثير لا يمكن أن يؤثّر في الواحد، و عليه فإما أن نحكم بالتداخل في كلتا الحالتين أو نحكم بعدمه في كلتيهما أيضا.

219

تعدّد موضوع الحكم في الجزاء و عدمه:

إن كلامنا في هذا البحث- كما أشرنا سابقا- ناظر إلى حالة قابلية الحكم المذكور في الجزاء للتعدّد، كما هو الحال في مثال الوضوء، فإن وجوبه قابل للتعدّد، و الآن نقول: إن موضوع هذا الحكم تارة يكون قابلا للتعدّد أيضا- كالوضوء مثلا، فإنه موضوع للوجوب، و هو قابل للتعدّد و التكرر كنفس الوجوب- و أخرى لا يكون قابلا للتعدّد، كما لو قيل اذا أصاب ثوبك بول فقد تنجس، و إذا أصابه دم فقد تنجس، فإن موضوع الحكم في الجزاء هو نجاسة أو تنجس الثوب، و النجاسة لا تقبل التكرّر، فالثوب عند ما يصيبه بول و دم لا تحصل نجاستان، بل نجاسة واحدة لا أكثر، و لكن هذه النجاسة الواحدة قد يقال هي قابلة للتأكّد و الشدة عند تكرّر الإصابة و قد يقال هي لا تقبل ذلك.

فإن بني على عدم تعدّدها و عدم قابليتها للتأكّد فيلزم حصول التداخل في الأسباب، أي يلزم أن يتداخل السببان و يصيرا بمثابة سبب واحد، إذ لو لم يتداخلا فالسبب الثاني يؤثّر ما ذا؟

فهل يؤثّر في إحداث نجاسة جديدة أو في تأكيد تلك النجاسة، و المفروض أن كليهما غير ممكن، فيتعيّن على هذا تداخل الأسباب.

و إن بني على قابليتها للتأكّد فالأسباب لا تتداخل بل يبقى السبب الثاني على سببيّته و لكن يلزم تداخل المسبّب، أي يلزم أن يصير المسبّب شيئا واحدا مؤكّدا.

و بالجملة: الحالات المتصورة ثلاث:

1- أن يكون نفس الحكم قابلا للتعدّد، و موضوعه قابلا لذلك أيضا، و هذا كما هو الحال في مثال إذا بلت فتوضأ و إذا نمت فتوضأ،

220

و قد حكمنا فيه بعدم التداخل في الأسباب و لا في المسبّبات، فيوجد سببان يؤثّران في إحداث مسببين، أي في إحداث وجوبين للوضوء.

2- أن يكون نفس الحكم قابلا للتعدّد و لكن موضوعه ليس قابلا لذلك و لا للتأكّد، و في مثله يلزم الحكم بتداخل الأسباب.

3- أن يكون نفس الحكم قابلا للتعدّد و لكن موضوعه لا يقبل التعدّد بل يقبل التأكّد، و في مثله يلزم الحكم بتداخل المسببات.

توضيح المتن:

مع أن الأسباب الشرعية ...: هذا إشارة إلى الجواب الثاني، و ما سبق إشارة إلى الجواب الأوّل.

حال غيرها في كونها ...: هذا لا داعي إلى تسليط الأضواء عليه.

و المقصود: أي حال الشرط الشرعي حال الشرط غير الشرعي فقد يكون سببا، كقولك: إن غضب فلان فاحذره، و قد يكون معرّفا، كقولك:

إن علا صوت فلان فاحذره.

هذا مثال الشرط غير الشرعي.

و أما مثال الشرط الشرعي الذي يكون مؤثّرا و سببا فكقولك: إن زالت الشمس فصل.

و مثال الشرط الشرعي الذي يكون معرّفا قولك: إن زاد الظل بعد نقصانه فصل.

كما أنه في الحكم غير الشرعي ...: لا حاجة إلى تسليط الأضواء على ذلك فإنه بلا حاجة، و موجب لتشتت المطلب.

و قوله: على حدوثه بسببه، أي على حدوث الحكم بواسطة سببه.

221

إن له دخلا فيهما: أي في الشرط الشرعي و غيره.

إنها ليست بدواعي ...: أي ليست بعلل الأحكام، فإن علة الحكم هو الجعل الشرعي.

و إن كان لها دخل في تحقّق موضوعاتها: أي موضوعات الأحكام، فإن الزوال ليس بنفسه علة وجوب الصلاة و إن كانت له مدخلية في موضوع وجوبها.

لما مرت إليه الإشارة: أي من أن الواحد لا يصدر إلّا من واحد، و لكن هذه القاعدة لو تمت فهي تتم في خصوص الأمور التكوينية و لا معنى لتعميمها إلى الأمور الاعتبارية.

و أما ما لا يكون قابلا لذلك: كالنجاسة بناء على عدم قابليتها للتأكّد.

و من التداخل فيه: أي و من التداخل في المسبّب فيما إذا كان المسبّب قابلا للتأكّد.

فيما يتأكد: كالنجاسة بناء على قابليتها لذلك.

خلاصة البحث:

فصّل فخر الدين فحكم بالتداخل بناء على كون الشروط الشرعية معرّفات و حكم بعدمه بناء على كونها مؤثّرات.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بجوابين.

و فصّل الحلي بين اتحاد جنس الشرط و اختلافه، و هو مردود بأن الجنس لو كان واحدا فيمكن التمسك بإطلاق الشرط لإثبات تعدّد الجزاء.

و ما سبق كله ناظر إلى حالة إمكان تعدّد الجزاء و تعدّد موضوعه، و أما إذا لم يقبل التعدّد و لا التأكّد فاللازم تداخل الأسباب، و إذا لم تقبل التعدّد و كانت تقبل التأكّد فالمناسب تداخل المسبّبات.

222

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

مناقشة رأي فخر الدين:

و قد اتضح مما ذكرنا أن المجدي للقول بالتداخل هو أحد الوجوه الثلاثة لا كون الشروط الشرعيّة معرّفات لا مؤثّرات، فلا وجه لما عن الفخر و غيره من ابتناء المسألة على أنها معرّفات أو مؤثّرات.

هذا مضافا إلى أن حال الشروط الشرعيّة حال غيرها في كونها معرّفات تارة و مؤثّرات أخرى، ضرورة أن الشّرط الشرعي قد يكون له الدخل في ترتّب الحكم عليه.

نعم لو كان المراد من المعرفيّة أنها ليست عللا للأحكام و إن كان لها دخل في تحقّق موضوعاتها فكونها بأجمعها معرّفات و إن كان وجيها إلّا أنه لا ينفع في إثبات التداخل.

تفصيل الحلي:

ثمّ إنه لا وجه للتفصيل بعدم التداخل عند اختلاف الشروط في الجنس و التداخل عند عدم اختلافها فيه إلّا توهم عدم صحة التعلّق بعموم اللفظ في الثاني لأنه من أسماء الأجناس فمع تعدّد أفراد الشرط الواحد لا يوجد إلّا سبب واحد بخلاف الأوّل لكون كل منها سببا، و لكنه فاسد، لأن مقتضى إطلاق الشرط في مثل إذا بلت فتوضأ حدوث الوجوب عند كل مرة لو بال مرات و إلّا فالأجناس المختلفة لا بدّ من رجوعها إلى واحد فيما إذا جعلت شروطا لواحد لقاعدة الواحد.

تعدد موضوع الحكم:

ثمّ إن عدم التداخل وجيه إذا كان موضوع الحكم في الجزاء قابلا

223

للتعدّد، و أما إذا لم يكن قابلا للتعدّد و لا للتأكّد فلا بدّ من تداخل الأسباب، و إذا كان قابلا للتأكّد فلا بدّ من التداخل في المسبّب.

مطلب يجدر الالتفات إليه:

ذكرنا فيما سبق كلاما طويلا في مفهوم الشرط، يعني هل هو ثابت في حدّ نفسه أو لا؟ و ما هو الموقف فيما لو تعدّد الشرط و اتحد الجزاء؟ إلى غير ذلك من أبحاث مرت سابقا، و الآن عند نهاية المطاف عن مفهوم الشرط نذكر كلمة لا بدّ من الالتفات إليها، و هي أنه في باب الفقه إذا واجهنا رواية تشتمل على جملة شرطية فالمتّبع هو الظهور، أي أنه إذا كانت ظاهرة في المفهوم أخذنا به حتّى إذا كنّا قد قرّرنا في الأصول عدم ثبوت المفهوم للشرطية، و إذا انعكس الأمر و كانت غير ظاهرة في المفهوم لم نحكم به حتّى إذا كنّا قد قررنا في الأصول ثبوت المفهوم، فالمتّبع في باب الفقه على هذا الأساس هو الظهور لا القرارات الأصولية، نعم ربما تتفق القرارات الأصولية مع الاستظهارات الفقهية إلّا أنه في مجال التغاير يكون المتّبع هو الظهور الفقهي، لأن الحجية تدور مدار الظهور، فكلما ثبت ثبتت الحجية، و كلما لم يثبت لم تثبت الحجية.

و من هنا نجد أن الشيخ الخراساني حينما يصل إلى الفقه و يتعامل مع الروايات يكون المتّبع في نظره هو الظهور لا غير.

و هذه قضية عامة لا تختص بباب الشرط بل تعمّ باب الوصف و العموم و الإطلاق و غير ذلك من المباحث اللفظية، فإنه في جميعها يكون المتّبع في نظر الفقيه هو الظهور لا القرار الأصولي.

***

224

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

225

الفصل الثالث: مفهوم الوصف‏

226

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

227

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: الظاهر أنه لا مفهوم للوصف ...، إلى قوله: فصل هل الغاية ...».

(1)

مفهوم الوصف:

ينبغي في البداية أن نعرف أن ليس المقصود من الوصف خصوص الوصف النحوي بل الوصف المعنوي أعم من كونه وصفا في النحو أو لا، فإذا قيل مثلا: أكرم الرجل عالما لم يكن لفظ عالما وصفا في باب النحو بل هو حال لكنه بحسب المعنى وصف فمثله يكون داخلا في الوصف الأصولي.

إذن الوصف الأصولي هو كل ما دلّ على معنى الوصفية و إن لم يكن وصفا في باب النحو.

كما أنه ليس المقصود من الوصف في المقام خصوص ما اعتمد على موصوف بل يعمّ ما إذا لم يعتمد على موصوف، كقولك: أكرم العالم.

الأدلة على ثبوت المفهوم:

و قد ذكر (قدّس سرّه) أن الوصف لا مفهوم له، فإن الأدلة التي يتمسك بها لإثبات المفهوم له قابلة بأجمعها للمناقشة، و تلك الأدلة الستة هي:

1- إن الوصف موضوع لإفادة المفهوم، و القرينة على وضعه لذلك هو التبادر، فإن المتبادر من الوصف المفهوم.

____________

(1) الدرس 205 و 206: (1 و 4/ جمادي الأوّل/ 1426 ه).

228

و فيه: إنه لم يوضع لذلك و إلّا كان استعماله مجازا في مورد عدم إفادته للمفهوم أو عدم قصد ذلك منه، و الحال أننا لا نشعر بالمجازية بالوجدان.

2- إنه لو لم يكن دالا على المفهوم يلزم أن يكون ذكره في الكلام لغوا، إذ لا فائدة في ذكره بعد عدم قصد المفهوم منه.

و فيه: إن فائدة ذكر الوصف لا تنحصر بإفادته للمفهوم بل لعلّه ذكر من باب الاهتمام بمورده، فلأجل الاهتمام بالعالم خصّص بالذكر و ليس لأجل أن غيره لا يجب إكرامه مثلا.

3- التمسك بفكرة الانصراف فيدّعى أن الوصف موضوع للأعم إلّا أن المنصرف منه هو المفهوم، ففهم المفهوم هو من باب الانصراف.

و فيه: إن دعوى الانصراف غير ثابتة. نعم ربما يستعمل الوصف في إفادة المفهوم لقرينة خاصة إلّا أن هذا لا يعني أن فهمنا للمفهوم حصل بسبب الانصراف بل بسبب القرينة الخاصة.

4- التمسك بفكرة العليّة، بأن يقال: إن ذكر الوصف يفهم منه أنه علة للحكم، فحينما يقال: أكرم الرجل العالم يفهم من ذلك أن كونه عالما علة لوجوب الإكرام، و ما دام الوصف علة فيلزم انتفاء وجوب الإكرام في مورد عدم تحقّق العلة.

و فيه: إن كون الوصف علة لا يكفي لاستفادة المفهوم بل لا بدّ أن يكون علة منحصرة، و من الواضح أن استفادة الانحصار أمر غير ممكن إلّا في مورد قيام القرينة الخاصة، و لكن هذا المقدار ليس بكاف في إثبات المطلوب، فإن لازم هذا ثبوت المفهوم من جهة القرينة الخاصة على العلية الانحصارية و ليس من جهة أن الوصف بشكل عام يدل على المفهوم.

5- التمسك بقاعدة أن الأصل في القيد أن يكون احترازيا،

229

فالوصف إذا لم يكن له مفهوم و كان الحكم ثابتا في مورد فقدانه أيضا فهذا يعني أن الوصف لم يستعمل للاحتراز به عن مورد فقدانه.

و فيه: أننا نسلّم أن الوصف ذكر من باب الاحتراز إلّا أنه يكفي لتحقّق الاحتراز أن يكون راجعا إلى الموضوع، فالموضوع تارة يكون وسيعا و أخرى يكون ضيّقا، و الوصف يذكر للاحتراز به عن توهّم سعة الموضوع، و من الواضح أن كون الموضوع ضيّقا بسبب رجوع القيد إليه لا يستلزم ثبوت المفهوم، فإنه إنما يثبت لو كان راجعا إلى الحكم، فإن تقييد الحكم يستلزم أن يكون منتفيا في مورد فقدان القيد، و أما تقييد الموضوع فلا يدل إلّا على أن هذا الحكم قد انصب على هذا الموضوع الضيّق، و هذا لا يدل على انتفاءه- بواسطة جعل آخر- عن فاقد الوصف.

فمثلا لو قلت: أكرم الحيوان الناطق و كان وصف الناطق راجعا إلى الحيوان فغاية ما يفهم أن هذا الحكم لم يثبت لكل حيوان بل للموضوع الضيّق و كأنه قيل: أكرم الإنسان، و من الواضح أن مثل هذا لا يدل على المفهوم، فإن إثبات شي‏ء لشي‏ء لا يدلّ على نفيه عمّا عداه.

6- التمسك بقاعدة الجمع بالحمل على التقييد، فلو قيل: أكرم الفقير ثمّ قيل: أكرم الفقير العادل جمع بحمل المطلق على خصوص الفقير العادل، و هذا مطلب مسلّم لم يشكّك فيه، و من الواضح أن هذا لا يتم إلّا بناء على ثبوت المفهوم للوصف، إذ لو لم يكن له مفهوم و كان لا يدل على نفي وجوب الإكرام عن غير العادل فلا وجه لتقييد المطلق بل يلزم ابقاؤه على إطلاقه.

إذن الجمع بالحمل على التقييد قرينة على مفروغية ثبوت المفهوم للوصف.

و فيه: إن الجمع بالحمل على التقييد لا يتوقف على ثبوت المفهوم‏

230

للوصف، بل ما دمنا قد افترضنا أن الوصف يرجع إلى الموضوع و كان الموضوع ضيّقا و فهمنا من الخارج أن الحكم ليس متعددا بل هو واحد فيلزم بعد فرض وحدة الجعل و الحكم أن يكون الموضوع واحدا أيضا لأن الجعل الواحد لا يمكن أن يكون له إلّا موضوع واحد و لا يمكن أن يكون له موضوعان، أحدهما مطلق و الآخر مقيّد، بل يلزم أن يكون واحدا، و هو المقيّد، أن الوجه في الجمع بالحمل على التقييد هو هذا و ليس لأجل ثبوت المفهوم للوصف، فإن الجمع بالحمل على التقييد يقصد منه أن المراد من المطلق هو المراد من المقيّد و لا يقصد منه أن الحكم منتف عن غير المقيّد حتّى يكون ذلك موقوفا على ثبوت المفهوم.

بل يمكن أن نؤكّد أكثر و نقول: إن المستند في الجمع بالحمل على المقيّد ليس هو إلّا ما ذكرناه و ليس المفهوم، و يشكل أن يكون هو المفهوم، فإن المفهوم باعتبار أنه أضعف ظهورا من المنطوق فلا يصلح أن يكون مقيّدا للمنطوق بل إطلاق المنطوق باعتبار كونه أقوى هو الذي ينبغي أن يكون مقدّما على المفهوم.

الدليل على عدم ثبوت المفهوم:

إن ما سبق كان كله ناظرا إلى إثبات المفهوم بأدلة ستة مع مناقشتها. و أما الرأي المقابل النافي لثبوت المفهوم فاستدل بقوله تعالى:

وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ، بدعوى أن الوصف لو كان له مفهوم يلزم أن تكون حرمة الربيبة مختصة بحالة كونها تعيش في بيت زوج امّها، و الحال أن ذلك ليس شرطا في التحريم بالإجماع.

و أجاب (قدّس سرّه) بجوابين:

1- إننا نسلّم أن الآية الكريمة لم تستعمل في المفهوم إلّا أن‏

231

ذلك للقرينة الخاصة، و هي الإجماع مثلا على عدم اشتراط حرمة الربيبة بمعيشتها في حجر الزوج.

2- مع التنزّل عمّا سبق نقول: إن الوصف إنما يثبت له المفهوم فيما إذا لم يرد مورد الغالب، أما إذا ورد كذلك فلا يثبت له، و الآية الكريمة هي من قبيل النحو الثاني، أي إن الوصف المذكور فيها هو وارد مورد الغالب، فإن معيشة الربيبة في حجر زوج أمها أمر غالبي، و ما دام غالبيا فلا يثبت له المفهوم، لأنه مع وروده مورد الغالب لا يدل على الاختصاص، و إذا لم يقصد منه الاختصاص فلا يثبت له المفهوم كما هو واضح. (1)

تذنيب:

حاصل المقصود من التذنيب المذكور الإشارة إلى أن للوصف أنحاء متعددة لا بدّ من عرضها أوّلا ثمّ التعرّف على أن أيّا منها داخل في حريم النزاع و أيّا منها خارج، و الأنحاء هي:

1- أن يكون الوصف مساويا للموصوف، كقولك: أكرم الإنسان الناطق، و مثل هذا النحو خارج عن محل النزاع، لأنه بانتفاء الناطقية ينتفي الإنسان، أي إنه بانتفاء الوصف ينتفي الموصوف، و لا يعود آنذاك مجال للبحث عن أنه إذا انتفى الوصف هل يبقى الحكم ثابتا للموصوف أو لا، إن هذا لا مجال له لفرض عدم تحقّق الموصوف في حدّ نفسه ليبحث هل يبقى الحكم ثابتا له أو لا.

____________

(1) يمكن أن يقال: إن الورود مورد الغالب لا يصلح وحده لنفي المفهوم، إذ لعلّ الحرمة واقعا تدور مدار معيشة الربيبة في بيت الزوج فلا بدّ آنذاك من الاستعانة بالإجماع لنفي اعتبار ذلك، و معه يعود الجوابان إلى جواب واحد، فالقرينة الخاصة ليست شيئا خاصا يقابل الورود مورد الغالب بل هما واحد، و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

232

2- أن يكون الوصف أعم، كقولك: أكرم الإنسان الحيوان، و مثل هذا النحو خارج عن محل النزاع أيضا لنفس النكتة المتقدمة.

3- أن يكون الوصف أخص مطلقا من الموصوف، كقولك:

أكرم الإنسان العالم، و مثل هذا النحو هو القدر المتيقن من محل النزاع.

4- أن يكون الوصف أخص من وجه و ليس مطلقا، كالحديث الذي يقول: في الغنم السائمة زكاة، فإن وصف السوم ليس أخص مطلقا من الغنم بل من وجه، كما هو واضح. و في هذا النحو تارة يفترض أن الوصف يزول و الموصوف يبقى، و أخرى يفترض أن الوصف و الموصوف معا ينتفان لا خصوص الوصف.

فعلى الأوّل يكون المورد داخلا في محل النزاع، لفرض أن الموصوف باق، فيقع الكلام في أن السوم إذا زال و كان عنوان الغنم صادقا و باقيا فهل تجب الزكاة أو لا.

و على الثاني يكون المناسب الخروج عن محل النزاع لأن المفروض عدم بقاء الموصوف، هذا و لكن يظهر من بعض الشافعية دخول ذلك في محل النزاع، لأنه نسب إليه أنه قال: إن حديث في الغنم السائمة زكاة يفهم منه أن الابل المعلوفة لا زكاة فيها، و واضح أن مثلها- أي الابل المعلوفة- يكون عنوان الغنم و عنوان السوم منتفيين معا، إنه بالرغم من انتفائهما استفاد بعض الشافعية دلالة الحديث على عدم ثبوت الزكاة في الابل المعلوفة.

هذا و قد ذكر الشيخ الأعظم في توجيهه: إن من المحتمل أن يكون ذلك من جهة استفادة العلية الانحصارية، فكأنه فهم من عنوان السوم أنه علة منحصرة لوجوب الزكاة، فإذا انتفى يلزم انتفاء وجوب الزكاة في كل حيوان بما في ذلك غير الغنم كالابل مثلا.

233

هذا ما ذكره الشيخ الأعظم.

و يرده: إن العلية الانحصارية إذا كانت كافية لادخال المورد في محل النزاع فيلزم دخول جميع الأنحاء في محل النزاع بما في ذلك النحو الأوّل و الثاني، و لا وجه آنذاك للتفصيل و دعوى أن النحوين الأولين هما خارجان عن محل النزاع لأجل انتفاء الموضوع، بخلاف غيرهما فإنه داخل فيه.

كلمة لا بدّ منها:

يجدر الالتفات إلى أنّا و إن انتهينا إلى عدم ثبوت المفهوم للوصف و لكن يبقى علينا في الفقه إذا واجهنا النصوص الشرعية التي ورد فيها وصف ملاحظة هل أن لها ظهورا في المفهوم أو لا، فربما بوجداننا نستفيد منها ذلك و لو لبعض القرائن، و في مثله يلزم الأخذ به و لا نعير أهمية لما قرأناه في علم الأصول، إن هذه قضية مهمة يجدر الالتفات إليها.

توضيح المتن:

و ما بحكمه: قد فسرناه سابقا بإرادة ما بحكم الوصف النحوي، و قد يفسّر بإرادة ما بحكم الوصف بقطع النظر عن التقييد بالنحوي، من قبيل: لئن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتّى يرويه خير له من أن يمتلئ شعرا، فإنه كناية عن مبغوضية الشعر الكثير، فهو وصف غير صريح، فالوصف إذن تارة يكون وصفا صريحا، و أخرى ما بحكم الوصف الصريح.

مطلقا: فسّرناه بالوصف الأعم من المعتمد على الموصوف أو لا، و قد يفسّر بكونه ردا على العلامة الحلي القائل بأن الوصف إن كان علة- كما لو قيل: أكرم زيدا لأنه عالم- فيكون له المفهوم و إلّا فلا.

لعدم ثبوت الوضع: هذا إشارة إلى ردّ الدليل الأوّل.

234

و عدم لزوم اللغوية بدونه: أي بدون المفهوم. و هو إشارة إلى ردّ الدليل الثاني.

و عدم قرينة أخرى: هذا إشارة إلى ردّ الدليل الثالث.

و عليّته فيما إذا استفيدت: هذا إشارة إلى ردّ الدليل الرابع.

فلا وجه لجعله تفصيلا ...: لأنه مع عدم القرينة على كون العلة منحصرة فلا مفهوم، و معها و إن كان يثبت المفهوم إلّا أن ذلك من القرينة الخاصة لا أنه مقتضى القاعدة العامة.

ثمّ إن المقصود من قوله: فلا وجه لجعله إنه لا وجه للتفصيل بين حالة عدم ثبوت العلّيّة الانحصارية و حالة ثبوتها.

و لا ينافي ذلك ...: أي عدم المفهوم. و هو إشارة إلى ردّ الدليل الخامس.

إلّا تضيق دائرة موضوع الحكم: أي الشخصي.

كما أنه لا يلزم في حمل المطلق ...: هذا إشارة إلى ردّ الدليل السادس.

فيما وجد شرائطه: التي منها وحدة الحكم و كونهما موجبين.

و قوله: إلّا ذلك: أي لا كون دائرة موضوع الحكم الشخصي ضيقة.

و محصله: إنه بعد كون الحكم في باب المطلق و المقيّد واحدا يلزم فيما إذا كانت دائرة موضوع الحكم الشخصي في المقيّد ضيقة أن تكون دائرة موضوع الحكم في المطلق كذلك و إلّا يلزم ثبوت موضوعين للحكم الواحد.

إن المراد بالمطلق هو المقيّد: لا أن الحكم عن غير المقيّد منتف حتّى يتوقف ذلك على المفهوم.

على الاختصاص: أي اختصاص الحكم بمورد الوصف.

و بدونها: أي بدون الدلالة على الاختصاص.

فافهم: قد أشير إلى وجهه فلاحظ.

235

فيما إذا كان الوصف أخص من موصوفه: هذا إشارة إلى النحو الثالث، و قوله: (و لو من وجه) إشارة إلى النحو الرابع.

في مورد الافتراق من جانب الموصوف: العبارة موهمة، و المقصود حالة بقاء الموصوف و انتفاء الوصف، و ذلك إشارة إلى الشق الأوّل من النحو الرابع.

و أما في غيره: أي حالة انتفاء الوصف و الموصوف معا، و هو إشارة إلى الشق الثاني من النحو الرابع.

أظهره عدم جريانه: لفرض عدم بقاء الموضوع.

و لعلّ وجهه: التوجيه المذكور هو من قبل الشيخ الأعظم.

المنحصرة منه: أي من الوصف.

و عليه فيجري: هذا إشكال من قبل الشيخ الخراساني على الشيخ الأعظم و أنه يلزم ادخال جميع الأنحاء في محل النزاع، أي بما في ذلك النحو الأوّل و الثاني.

ثمّ لا يخفى أن الشيخ الخراساني لم يشر إلى الآن إلى النحوين الأولين، و هو الآن أشار إليهما.

للتفصيل بينهما و بين ...: أي بين النحوين الأولين و بين النحو الرابع بشقه الثاني.

فيما إذا كان الافتراق من جانب الوصف: العبارة ناقصة، و المناسب: من جانب الوصف و الموصوف معا.

بأنه لا وجه للنزاع فيهما: أي فلا وجه للتفصيل بأنه لا وجه للنزاع في النحوين الأولين لعدم بقاء الموضوع و بين استظهار جريانه في النحو الرابع بشقه الثاني عن بعض الشافعية من جهة العلية الانحصارية.

236

خلاصة البحث:

الوصف لا مفهوم له لأن ما يمكن التمسك به لإثباته ستة أدلة كلها قابلة للمناقشة.

و استدل على عدم ثبوت المفهوم بدليل واحد قابل للمناقشة.

و أنحاء الوصف أربعة، الأولان منها خارجان عن محل النزاع، و الثالث داخل جزما بل هو القدر المتيقن.

و الرابع يشتمل على شقين، الأوّل منهما داخل في محل النزاع، بخلاف الثاني فإن الأظهر عدم دخوله فيه خلافا للشيخ الأعظم.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

مفهوم الوصف:

الظاهر أنه لا مفهوم للوصف و ما بحكمه مطلقا، و ذلك:

1- لعدم ثبوت وضعه له.

2- و عدم لزوم اللغوية بدونه لعدم انحصار الفائدة به.

3- و لا قرينة أخرى ملازمة له.

4- و عليته إذا استفيدت غير مقتضية له كما لا يخفى، و مع كونها بنحو الانحصار و إن كانت مقتضية له إلّا أن ذلك للقرينة الخاصة.

5- و الأصل في القيد و إن كان هو الاحترازية إلّا أنها توجب تضييق دائرة موضوع الحكم لا أكثر.

6- و حمل المطلق على المقيّد إذا وجدت شرائطه يتوقّف على ذلك و ليس على دلالته على المفهوم، فإن مقتضى الحمل ليس إلّا أن المراد من المطلق هو المقيّد و كأنه لا يكون في البين غيره، بل ربما قيل أنه لا وجه للحمل‏

237

لو كان بلحاظ المفهوم، فإن ظهوره فيه ليس بأقوى من ظهور المطلق في الإطلاق كي يحمل عليه لو لم نقل بأنه الأقوى لكونه بالمنطوق كما لا يخفى.

هذا ما قد يستدل به على ثبوت المفهوم.

و قد يستدل على عدم ثبوته بقوله تعالى: وَ رَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ.

و يرده: إن الاستعمال في غيره أحيانا مع القرينة مما لا ينكر.

على أنه يعتبر في دلالته عليه عند القائل به عدم وروده مورد الغالب و إلّا لم يدل على المفهوم لعدم دلالته على الاختصاص فافهم.

تذنيب:

لا شبهة في عدم جريان النزاع إذا كان الوصف مساويا أو أعم مطلقا لانتفاء الموضوع بانتفاء الوصف، و هكذا إذا كان أخص و لو من وجه فيما إذا انتفى الوصف فقط، و أما إذا انتفى الموصوف أيضا ففي جريانه إشكال، أظهره العدم و إن كان يظهر من بعض الشافعية ذلك، حيث قال: قولنا في الغنم السائمة زكاة يدل على عدم الزكاة في الابل المعلوفة و قد قيل: لعلّ وجهه استفادة العلية المنحصرة منه.

و لكن بناء عليه يلزم جريانه في جميع الأنحاء.

***

238

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

239

الفصل الرابع: مفهوم الغاية

240

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

241

قوله (قدّس سرّه):

«فصل هل الغاية ...، إلى قوله: فصل لا شبهة في دلالة الاستثناء ...».

(1)

مفهوم الغاية:

يوجد في الغاية بحثان:

1- هل الغاية داخلة في حكم المغيّى أو لا؟ ففي مثل قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ‏ (2) هل يكون وجوب اتمام الصوم شاملا الليل- أي لحظة الغروب- أو لا؟ إن الغاية هي الليل، و المغيّى هو النهار ما قبل الليل، و حكم المغيّى هو وجوب الصيام، و السؤال هو: إن وجوب الصيام هل يعمّ الغاية، أعني لحظة الغروب التي هي عبارة أخرى عن الليل أو ينتهي إلى الليل بحيث لا تكون لحظة الغروب مشمولة لوجوب الصيام؟

2- إن التقييد بالغاية هل يدل على انتفاء الحكم عمّا بعدها أو لا؟ ففي الآية الكريمة السابقة هل يستفاد انتفاء وجوب الصيام عمّا بعد الليل بحيث لو جاء دليل يدل على وجوب استمرار الصوم إلى ساعة أو ساعتين ما بعد دخول الليل يكون معارضا للآية الكريمة؟ إنه إذا قلنا بدلالة الغاية على انتفاء الحكم عمّا بعدها فذلك عبارة أخرى عن المفهوم. و إنما عدّ البحث عن الغاية بحثا عن‏

____________

(1) الدرس 207: (5/ جمادي الأوّل/ 1426 ه).

(2) البقرة: 187.

242

المفهوم بهذا الاعتبار، أي باعتبار هذا البحث الثاني، فالبحث الثاني المذكور هو البحث عن المفهوم.

ثمّ إن الشيخ الخراساني قدّم البحث الثاني و أخّر الأوّل.

البحث الثاني:

أما بالنسبة إلى البحث الثاني فقد ذكر أنه قد وقع الخلاف في دلالة الغاية على انتفاء الحكم عمّا بعدها، فالمنسوب إلى المشهور ثبوت الدلالة المذكورة بينما المنسوب إلى المرتضى و الطوسي عدم الدلالة.

و المناسب هو التفصيل بين ما إذا كان مقتضى القواعد العربية (1) عود الغاية إلى الحكم فالمفهوم ثابت و بين ما إذا كان مقتضاها عود الغاية إلى الموضوع فالمفهوم ليس بثابت.

مثال الأوّل: كل شي‏ء لك حلال حتّى تعرف أنه حرام، فإن كلمة حتّى- التي هي الغاية- ترجع إلى الحكم، أعني كلمة حلال، و المعنى إن كل شي‏ء هو حلال إلى أن تعرف أنه حرام.

أما كيف كان مقتضى القواعد العربية عود الغاية إلى الحكم؟

ذلك باعتبار أن كلمة حلال هي الأقرب إلى الغاية و متصلة بها، بخلاف كلمة شي‏ء- التي هي الموضوع- فإنها أبعد، و مقتضى الظاهر عود القيد إلى الأقرب دون الأبعد.

و المناسب في مثل ذلك ثبوت المفهوم لوجهين:

1- إن المتبادر إلى الذهن في أمثال ذلك ثبوت المفهوم.

____________

(1) لا بدّ أن يكون المقصود من القواعد العربية ما يقتضيه ظاهر الكلام و إلّا فلا نفهم معنى للقواعد العربية غير ذلك.

243

2- إنه لو لا ثبوت المفهوم يلزم خلف الفرض، فإنّا قد فرضنا أن الغاية تعود إلى الحكم، و حيث إن معنى الغاية هو النهاية فيلزم أن ينتهي الحكم بالحلية إلى تحقّق الغاية و إلّا لم تكن الغاية غاية للحكم و نهاية له. هذا كله إذا كانت الغاية راجعة إلى الحكم.

و مثال الثاني: سر من البصرة إلى الكوفة، فإن حرفي من و إلى قيدان للسير الذي هو الموضوع، و التقدير: السير من البصرة إلى الكوفة واجب، و بناء على هذا لا يثبت المفهوم، و يكون حال ذلك حال الوصف، فكما أن قيد العالم- في قولنا: أكرم الرجل العالم- يرجع إلى الموضوع، و التقدير أن هذا الموضوع- أعني الرجل العالم- يجب إكرامه، و هو لا يدل على أن غيره لا يجب إكرامه فكذلك الحال في مثال سر من البصرة إلى الكوفة، فإن الغاية لمّا كانت ترجع إلى الموضوع- أعني السير- فالتقدير السير من البصرة إلى الكوفة واجب، و هذا لا يستفاد منه أن غير هذا الموضوع لم يثبت له وجوب آخر.

و لك أن تقول: إن الموجب لاستفادة نفي الوجوب الآخر عن غير هذا الموضوع إما الوضع أو الانصراف أو اللغوية، و الكل باطل، فالغاية لم توضع لإفادة المفهوم فيما إذا كانت راجعة إلى الموضوع، و لا انصراف إلى ذلك، و اللغوية لا تلزم لاحتمال أن يكون ذكر الغاية من جهة أهداف أخرى غير إفادة المفهوم، بأن يكون ذلك للاهتمام بهذا الموضوع المعيّن أو لدفع توهّم عدم شمول الحكم له أو لغير ذلك.

هذا كله بالنسبة إلى البحث الثاني.

244

البحث الأوّل:

و أما البحث الأوّل فقد وقع كلام في أن الغاية هل يشملها حكم المغيّى أو لا؟ و الصحيح أنه لا يشملها لأنه قد فرض كونها غاية، أي حدا للمغيّا، و ما دامت حدا له فيلزم أن لا تكون محكومة بحكمه، فإن حدّ الشي‏ء يكون خارجا عنه و غير محكوم بحكمه. نعم ربما يفترض في بعض الموارد كون الغاية محكومة بحكم المغيى إلّا أن ذلك كما هو واضح لقرينة خاصة لا أنه أمر دائمي.

ثمّ إنه بناء على هذا الذي انتهينا إليه- و هو أن الغاية ليست مشمولة لحكم المغيى- تصير الغاية مشمولة للخلاف السابق، فيقال هكذا: إن التقييد بالغاية هل يدل على انتفاء حكم المغيى عن الغاية نفسها و عمّا بعدها أو لا؟

هذا لو بنينا على أن الغاية ليست داخلة في حكم المغيّى.

و أما لو بني على أنها داخلة فنسأل: هل أن شمول حكم المغيّى لها يكون بالمنطوق أو بالمفهوم؟ إنه بالمنطوق، فمن نفس الكلام مباشرة نستفيد- و بشكل مطابقي و ليس بالالتزام- إن حكم المغيّى شامل للغاية، و لكن هذا كما قلنا مجرد فرض، أي إنه مبني على فرض دخول الغاية في حكم المغيّى، و قد قلنا إنّا لا نبني عليه.

ثمّ إنه نلفت النظر إلى أنّا أشرنا في بداية هذا البحث الثاني إلى أنه يوجد خلاف في أن الغاية هل هي مشمولة لحكم المغيّى أو لا، و الآن نستدرك و نقول: إن هذا الخلاف وجيه في غاية الموضوع، أما غاية الحكم فلا يمكن ثبوت هذا الخلاف فيها، إذ مثال غاية الحكم هو مثل‏

245

كل شي‏ء لك حلال حتّى تعرف أنه حرام، و من الواضح أنه لا معنى لدخول معرفة الحرام في الحلية أو في الحلال. (1)

توضيح المتن:

في القضية: أي في الجملة المشتملة على الغاية، و كان من المناسب حذفها.

عمّا بعد الغاية: المناسب: عمّا بعدها.

بناء على دخول ...: لا حاجة إلى بيان هذه التفاصيل و إقحام البحث الأوّل في البحث الثاني، فإن ذلك موجب للتطويل و التشويش، و المصنف سوف يشير إلى البحث الأوّل فيما بعد بقوله: (ثمّ إنه في الغاية خلاف ...) فلا حاجة إلى بيانه الآن.

و المناسب صياغة العبارة هكذا: هل الغاية تدل على ارتفاع الحكم عمّا بعدها أو لا؟ فيه خلاف ...

قيدا للحكم كما في قوله ...: فإن معرفة الحرام ليست غاية للشي‏ء الذي هو

____________

(1) و لكن يرد على هذا تعليقان:

1- إنه بناء على هذا لا يمكن جريان النزاع المذكور حتّى في غاية الموضوع، إذ لا معنى لدخول الكوفة في نفس السير أو في وجوبه، فكما أنه لا معنى لدخول معرفة الحرام في الحلال كذلك لا معنى لدخول الكوفة في نفس السير أو في وجوبه.

2- إنه يمكن تغيير التعبير، فبدلا عن قولنا: هل معرفة الحرام داخلة في الحلال أو لا؟

يمكن أيضا أن نعبّر هكذا: هل الحكم بالحلية ينتهي إلى حين معرفة الحرام أو أنه يعمّ حتّى حالة معرفة الحرام، إنه بناء على هذه الصياغة يمكن جريان النزاع- أي نزاع دخول الغاية في حكم المغيّى- حتّى في غاية الحكم. و هذا مطلب ينبغي أن يكون واضحا، و قد أشار إليه نفس الشيخ الخراساني في تعليقة له على هذا الموضع.

246

الموضوع كي يصير المعنى: الشي‏ء الذي لا تعرف حرمته هو حلال حتّى يكون مفاد الحديث إثبات قاعدة الحلية الظاهرية، و إنما هو غاية للحكم فيكون مفاده بيان الحكم الواقعي للأشياء و أن الأشياء على الحلّ واقعا إلى أن تعرف الحرمة، و التقدير: كل شي‏ء حلال واقعا إلى أن تعرف حرمته.

ثمّ إن الوجه في كون الغاية قيدا للحكم هو أنها أقرب إلى الحكم فترجع إليه.

لانسباق ذلك منها: هذا إشارة إلى الوجه الأوّل.

و كونه قضية: هذا إشارة إلى الوجه الثاني، أي و لكون المفهوم مقتضى تقييد الحكم بالغاية.

لما كانت ما: المناسب: لما كان، أي لما كان ما جعل غاية للحكم غاية و نهاية له.

و أما إذا كانت بحسبها: هذا إشارة إلى غاية الموضوع، و الضمير يرجع إلى القواعد العربية.

مثل سر من البصرة ...: فإنه لا معنى لكون الوجوب ما بين البصرة و الكوفة و إنما السير يكون كذلك.

و إن كان تحديده ...: الواو وصلية، أي و إن كان تحديد الموضوع بالغاية تحديدا له بلحاظ حكمه و إلّا فالموضوع لا معنى لتحديده بقطع النظر عن الحكم.

و قضيته ...: أي و لكن مقتضى تحديد الموضوع بالغاية أن الحكم الشخصي ينعدم عند تحقق المغيّى من دون دلالة على انتفاء طبيعي الحكم عن غير ذلك الموضوع.

لعدم ثبوت وضع لذلك: أي للمفهوم.

247

و عدم قرينة ملازمة لها: المناسب: له، أي و عدم ثبوت قرينة غالبية ملازمة للمفهوم، و المقصود من ذلك الإشارة إلى الانصراف.

على اختصاص الحكم به: أي بالموضوع الخاص المذكور.

ثمّ إنه في الغاية ...: هذا إشارة إلى البحث الأوّل.

كما أشرنا إليه: أي في صدر الفصل حيث قال: بناء على دخول الغاية في المغيّى ...

هل هي داخلة في المغيّى بحسب الحكم: التعبير الواضح هكذا:

هل هي داخلة في حكم المغيّى.

و عليه تكون: أي بعد البناء على خروجها عن حكم المغيّى.

كما أنه على القول الآخر: و هو أن تكون مشمولة لحكم المغيّى.

تكون محكومة بالحكم منطوقا: و لكن لا ثمرة في تحقيق ذلك.

ثمّ لا يخفى أن هذا الخلاف: و هو أن الغاية هل هي داخلة في حكم المغيّى.

خلاصة البحث:

في الغاية خلافان، ثانيهما: إن التقييد بالغاية هل يدل على المفهوم؟ و في ذلك رأيان. و قد اختار التفصيل بين غاية الحكم فتكون دالة على المفهوم لوجهين و بين غاية الموضوع فلا تكون دالة على المفهوم لأن الموجب لذلك أحد أمور ثلاثة كلها قابلة للمناقشة.

و أما الأوّل من الخلافين فالصحيح أن الغاية ليست مشمولة لحكم المغيّى لأنه حدّه، و الحدّ خارج من المحدود. و هذا الخلاف لا يأتي في غاية الحكم لأنه غير معقول في حدّ نفسه.

248

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

مفهوم الغاية:

هل الغاية تدل على ارتفاع الحكم عمّا بعدها؟ فيه خلاف، و قد نسب إلى المشهور الدلالة، و إلى جماعة- منهم السيد و الشيخ- العدم.

و التحقيق: إنه إذا كانت الغاية قيدا للحكم- كما في قوله (عليه السّلام):

«كل شي‏ء حلال حتّى تعرف أنه حرام، و كل شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنه قذر»- فتدل على ارتفاعه عند حصولها، لانسباق ذلك، و لأنه مقتضى التقييد بها و إلّا لما كانت غاية.

و أما إذا كانت قيدا للموضوع- مثل سر من البصرة إلى الكوفة- فلا تدل- كالوصف- رغم كون تحديده بها بملاحظة حكمه، فإن مقتضى ذلك عدم انتفاء الحكم إلّا بالمغيّا من دون دلالة على انتفاء سنخه عن غيره لعدم ثبوت الوضع لذلك و عدم قرينة ملازمة و لو غالبا تدل على اختصاص الحكم به، و فائدة التحديد بها غير منحصرة به كما في الوصف.

ثمّ إن في الغاية خلافا آخر، و هو أن الغاية هل هي داخلة في حكم المغيّى؟ و الأظهر خروجها لكونها حدا له فلا تكون محكومة بحكمه، و دخولها في بعض الموارد هو بالقرينة.

و على هذا تكون كما بعدها بالنسبة إلى الخلاف الأوّل.

كما أنه بناء على دخولها تكون محكومة بحكمه منطوقا.

ثمّ إن الخلاف في دخولها في حكم المغيّى لا يعقل إذا كانت قيدا للحكم فلا تغفل.

***

249

الفصل الخامس: مفهوم الاستثناء أو الحصر

250

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

251

قوله (قدّس سرّه):

«فصل لا شبهة في دلالة الاستثناء ...، إلى قوله:

و مما يدل على الحصر ...».

(1)

مفهوم الاستثناء أو الحصر:

من الواضح أن الاستثناء يدل على الحصر و الاختصاص، ففي مثل قوله (عليه السّلام): «لا تعاد الصلاة إلّا من خمس ...» يستفاد حصر عدم وجوب إعادة الصلاة بالمستثنى منه- أعني غير الخمس- و عدم شموله للمستثنى، أعني الخمس، فعدم وجوب الإعادة يختص بغير الخمس و لا يعمّ الخمس بل تلزم فيها الإعادة، و من هنا كان الاستثناء من السلب إيجابا و من الإيجاب سلبا.

إذن لأجل خصوصية الحصر نفهم أن الحكم يختص بالمستثنى منه و لا يعمّ المستثنى.

أما ما هو الدليل على ثبوت الخصوصية المذكورة؟ إنه التبادر، فلا إشكال في أنه يتبادر إلى ذهن كل إنسان عرفي من الجملة المشتملة على الاستثناء الحصر، و هذا معناه أن جملة الاستثناء تدل على المفهوم، أي على أن الحكم- كعدم وجوب الإعادة في المثال المتقدم- لا يعمّ المستثنى، (2) بل نتمكن أن نقول: إن الاستثناء هو من أقوى المفاهيم.

____________

(1) الدرس 208: (6/ جمادي الأوّل/ 1426 ه).

(2) و سيأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى تحقيق أن استفادة عدم شمول الحكم للمستثنى هل هي من جهة المفهوم أو من جهة المنطوق، فهو بالتالي يدل على الحصر و عدم شمول الحكم للمستثنى و لكن هذه الدلالة ربما يقال هي من جهة المنطوق دون المفهوم.

252

رأي أبي حنيفة:

هذا و المنسوب إلى أبي حنيفة أن الاستثناء لا مفهوم له مستدلا على ذلك بقوله (عليه السّلام): «لا صلاة إلّا بطهور»، فإنه لو كان له مفهوم فمفهومه هكذا: إن الصلاة لا تتحقّق إلّا بالطهور فلو تحقّق الطهور و لو وحده تحققت الصلاة، و هذا باطل جزما.

و يمكن الجواب:

أوّلا: إن هذه الجملة لا يقصد منها الاستثناء بشكله المتداول و إنما المقصود منها أن الأجزاء و الشرائط متى ما اتي بها فلا يصدق عليها عنوان الصلاة إلّا إذا كان الطهور معها، فإن كان معها صدق على المجموع عنوان الصلاة، و إن لم يكن معها لم يصدق عليها عنوان الصلاة، إن هذا هو المقصود، و معه فلا يتم ما أفاده أبو حنيفة.

و ثانيا: إنه مع التنزّل عمّا ذكرناه فيمكن أن نقول: إن هذا استعمال، و مجرد الاستعمال مع القرينة الخاصة على عدم إرادة المفهوم لا يصلح أن يكون شاهدا على عدم دلالة الاستثناء في مطلق الموارد على المفهوم.

الاستدلال على ثبوت المفهوم:

و قد يستدل على عكس ما ذهب إليه أبو حنيفة- أي على ثبوت المفهوم- بدليل آخر غير التبادر، و ذلك بأن يقال: إن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يقبل الإسلام من أي شخص متى ما تشهد الشهادتين، فلو قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أن محمّدا رسول اللّه قبل منه الإسلام و حكم عليه بالتوحيد، و هذا لا يتم إلّا بناء على دلالة الاستثناء على المفهوم، أي على حصر الألوهية باللّه سبحانه و نفيها عمّا عداه.

و لكن هذا الاستدلال قابل الدفع، حيث يقال: لعلّ ذلك كان من‏