كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
253

جهة القرينة الخاصة و ليس من جهة دلالة نفس الاستثناء على المفهوم، فالشخص حيث جاء بقصد الإسلام و التوحيد فنفس هذا قرينة على استعمالها في التوحيد، فدلالتها على التوحيد يمكن أن تكون من هذه الناحية و ليس من جهة أنها بنفسها تدل عليه.

الإشكال في دلالة كلمة التوحيد:

ثمّ إنه يوجد مطلب جانبي تعرّض إليه الشيخ الخراساني، و هو أن كلمة التوحيد قد يستشكل في أصل دلالتها على التوحيد و الإسلام، و ذلك باعتبار أن كلمة لا هي نافية للجنس، و هي تحتاج إلى اسم و خبر، و اسمها واضح- و هو كلمة إله- و لكن ما هو خبرها؟ إنه مقدّر، و هو إما كلمة ممكن أو كلمة موجود، و على كلا التقديرين يلزم أن لا تكون دالة على التوحيد.

أما على تقدير كلمة ممكن فلأن المعنى يصير هكذا: لا إله ممكن إلّا اللّه، و الإشكال بناء عليه واضح، حيث إن ذلك يثبت أن اللّه إله ممكن و لا يثبت أنه إله موجود، فإن إمكان الشي‏ء لا يلازم وقوعه، و المهم إثبات وجود اللّه سبحانه لا إثبات إمكانه فقط.

و أما على تقدير كلمة موجود فلأن المعنى يصير هكذا: لا إله موجود إلّا اللّه، و هذا يعني أن اللّه سبحانه موجود، و غيره ليس بموجود، و لا يثبت بهذا أن غير اللّه مستحيل و ممتنع، و المهم إثبات وجود اللّه و إثبات أن غيره ممتنع.

هذا حاصل الإشكال.

و الجواب: إنه توجد لكلمة إله صفة مقدّرة، و التقدير هكذا: لا إله واجب الوجود موجود إلّا اللّه، فالإله الذي هو واجب الوجود لم يوجد منه إلّا اللّه سبحانه، و لازم هذا أن غير اللّه مستحيل، إذ لو لم يكن‏

254

مستحيلا لوجب أن يوجد لأن المفروض أن المنظور هو الإله واجب الوجود. (1)

هل دلالة الاستثناء بالمفهوم أو بالمنطوق؟

ثمّ تعرض (قدّس سرّه) إلى مطلب آخر، و هو أن دلالة الاستثناء على الحكم بلحاظ المستثنى منه هي من جهة المنطوق، فنحن نستفيد عدم وجوب الإعادة في غير الأمور الخمسة من جهة المنطوق، أي إن نفس الكلام يدل على ذلك بالمطابقة.

و أما دلالته على الحكم بلحاظ المستثنى فيمكن أن يقال هي بالمفهوم، باعتبار أن جملة لا تعاد الصلاة إلّا من خمس تدل على خصوصية الحصر، و لازم الحصر ثبوت الإعادة بلحاظ الأمور الخمسة، فوجوب الإعادة بلحاظ الخمسة لم يدل عليه الكلام بالمباشرة و إنما استفيد من باب أنه لازم خصوصية الحصر.

هكذا يمكن أن يقال.

و يمكن أن يقال أيضا إن ذلك بالمنطوق، بتقريب أن كلمة إلّا الاستثنائية تدل في آن واحد على مطلبين: على عدم وجوب الإعادة بلحاظ غير الخمسة و على وجوب الإعادة بلحاظ الخمسة من دون حاجة إلى توسيط الدلالة على الحصر ثمّ دعوى أن لازم الحصر وجوب الإعادة بلحاظ الخمس.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه): إن هذا- يعني أن الدلالة هي بلحاظ المنطوق- أمر

____________

(1) يمكن أن يقال: إن ما أفاده (قدّس سرّه) في مقام الجواب و إن كان تاما إلّا أنه تطويل لا داعي إليه، فإن من المحتمل أن قبول الإسلام لا يتوقف على استحالة وجود غير اللّه سبحانه بل يكفي في تحقّقه إثبات وجود اللّه سبحانه و نفي وجود ما سواه.

255

قريب، و لكن تحقيق هذا المطلب- أي إن الدلالة بلحاظ المستثنى هي بالمنطوق أو بالمفهوم- أمر لا تترتّب عليه فائدة.

و نتيجة هذا كله أن دلالة الاستثناء بلحاظ المستثنى فيه و بلحاظ المستثنى هي بالمنطوق و ليست بالمفهوم، و على هذا فلا مجال لعدّ الاستثناء في قائمة المفاهيم.

توضيح المتن:

و ذلك الانسباق ...: تعليل لقوله: (لا شبهة في دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم بالمستثنى منه).

و المراد من الإطلاق الاستعمال.

لا تكون صلاة على وجه: أي بناء على القول بالوضع للصحيح.

و قوله: (على آخر)، أي على القول بالوضع للأعم.

على مدعاه: و هو أن الاستثناء لا مفهوم له.

و منه قد انقدح ...: أي من الجواب الثاني، و هو أن الكلام عند عدم القرينة.

و الإشكال في ...: هذا مبتدأ، و خبره مندفع. ثمّ إن التقدير:

و الإشكال في دلالة كلمة التوحيد على التوحيد.

بالملازمة البينة: أي من دون حاجة إلى توسيط واسطة.

لازم خصوصية الحكم: و هي خصوصية حصر الحكم بالمستثنى منه.

نعم لو كانت الدلالة في طرفه: أي في طرف المستثنى.

خلاصة البحث:

الاستثناء يدل على الحصر للتبادر. و احتجاج أبي حنيفة مدفوع بوجهين، و إثبات دلالة الاستثناء على المفهوم من خلال كلمة التوحيد

256

قابل للمناقشة أيضا. و الإشكال في دلالتها على التوحيد قابل للمناقشة أيضا. و دلالة الاستثناء على الحكم في جانب المستثنى يحتمل أن تكون بالمفهوم كما يحتمل أن تكون بالمنطوق.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

مفهوم الاستثناء:

لا شبهة في دلالة الاستثناء على اختصاص الحكم بالمستثنى منه و عدم شموله للمستثنى، و ذلك للتبادر.

و ما استدل به أبو حنيفة على نفي الدلالة بمثل قوله (عليه السّلام): «لا صلاة إلّا بطهور» مدفوع:

1- بأن المراد من مثله أن الصلاة الواجدة لأجزائها و شرائطها لا تكون صلاة رأسا أو لا تكون صلاة صحيحة إلّا إذا كانت واجدة للطهارة.

2- و مع التنزّل فالاستعمال المذكور حيث إنه مع القرينة فلا ينفع.

و منه يتضح عدم وجاهة الاستدلال على المفهوم بقبول الرسول (صلى اللّه عليه و آله) إسلام من تلفّظ بكلمة التوحيد لاحتمال أن يكون ذلك من جهة القرينة.

ثمّ إن الإشكال في دلالتها عليه- بأن خبر لا إما أن يقدّر كلمة ممكن فلا دلالة لها آنذاك إلّا على إثبات إمكان وجوده تعالى لا وجوده بالفعل، و إما أن يقدّر كلمة موجود فلا دلالة لها آنذاك على امتناع إله آخر- مندفع بأن المراد من الإله هو واجب الوجود، و واضح أن نفي وجوده في الخارج عدا فرد منه يدل على امتناع الغير و إلّا لوجد لكونه من أفراد الواجب.

257

ثمّ إن دلالة الاستثناء على الحكم بلحاظ المستثنى يحتمل أنها بالمفهوم لأنه لازم خصوصية الحكم في جانب المستثنى منه التي دلت عليها الجملة الاستثنائية، و يحتمل أنها بالمنطوق لو كانت الدلالة في طرفه بنفس الاستثناء لا بتلك الجملة كما هو ليس ببعيد و إن كان تعيين ذلك ليس مفيدا.

***

258

قوله (قدّس سرّه):

«و مما يدل على الحصر ...، إلى قوله: فصل لا دلالة للقب و لا للعدد ...».

(1)

من أدوات الحصر:

ذكر (قدّس سرّه) فيما سبق أن الاستثناء يدل على تخصيص الحكم بالمستثنى منه، و أما بلحاظ المستثنى فدلالته على الحكم يحتمل أن تكون بالمفهوم كما يحتمل أن تكون بالمنطوق. و الآن يريد التحدّث عن بعض أدوات الحصر لنعرف أنها تدل على الحصر أو لا، فهذا البحث إذن بحث صغروي عن الأدوات التي قد يدعى استفادة الحصر منها.

و في هذا المجال قد أشار (قدّس سرّه) إلى ثلاث من تلك الأدوات هي:

إنما، تعريف المسند إليه، بل الاضرابية.

إنما:

أما بالنسبة إلى كلمة (إنما) فقد ذكر أنها تدل على الحصر، و ذلك لوجهين:

أ- تنصيص أهل اللغة على ذلك.

ب- فهم العرب و تبادر الحصر إلى أذهانهم.

هذا و لكن الشيخ الأعظم شكّك في دلالتها على الحصر، باعتبار أن استعمالاتها في اللغة العربية مختلفة، ففي بعضها و إن استعملت لإفادة

____________

(1) الدرس 209: (7/ جمادي الأوّل/ 1426 ه).

259

الحصر إلّا أنه في بعضها الآخر لم تستعمل في إفادة الحصر. ثمّ قال: و أما التبادر فلا يمكن التمسك به لأنه لا يوجد مرادف لكلمة إنما في اللغة الفارسية حتّى نلاحظ ما هو المتبادر من المرادف. (1)

و أجاب الشيخ الخراساني بأنه يوجد شق آخر، و هو التبادر لدى العرب أنفسهم، و نحن بالوجدان نلاحظ أن العرب يفهمون من الكلمة المذكورة الحصر.

بل الاضرابية:

و أما كلمة (بل) فحاصل ما ذكره فيها أن الاضراب على أنحاء ثلاثة:

أ- أن يكون ناشئا من الغفلة و السهو، كما لو فرض أن المتكلم قال: جاء، ثمّ غفل و سبق لسانه و قال: زيد ثمّ التفت و قال: بل عمرو. و هذا النحو لا يدل على الحصر لأن الشخص حينما غفل فكأنه من البداية قال:

جاء عمرو، و هل مثله يدل على الحصر؟ كلا جزما.

ب- أن يكون ناشئا من إرادة الترقي و التأكيد، كما لو قال المتكلم: جاء القوم بل رئيسهم، و مثله لا يدل على الحصر أيضا لأن ذلك بمثابة جاء القوم و جاء رئيسهم.

ج- أن يكون ناشئا من ابطال ما سبق، كقوله تعالى: وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، و مثله يدل على الحصر، لأن ذلك لازم ابطال ما سبق، فيلزم أن ينحصر أمر الملائكة في أنهم عباد مكرمون و ليسوا أولادا للّه سبحانه و إلّا لم يتحقّق ابطال ما سبق.

____________

(1) قد يدعى أن المراد موجود و هو جز اين نيست.

260

تعريف المسند إليه:

المعروف أن المسند إليه إذا كان معرّفا باللام فيدل على الحصر، (1) و ذلك من قبيل العالم زيد، (2) فيفهم منه أن العالم منحصر بزيد.

و في هذا المجال يقول (قدّس سرّه): إن الصحيح أن ذلك لا يدل على الحصر إلّا إذا دلت عليه قرينة خاصة في خصوص بعض المقامات.

و الوجه في عدم إفادته الحصر أن الأصل في اللام أن تكون جنسية لا استغراقية، كما أن الأصل في الحمل أن يكون حملا شائعا صناعيا لا حملا أوّليا ذاتيا، (3) و بناء على هذا فأقصى ما يستفاد من جملة العالم زيد هو أن زيدا متحد مع جنس العالم في عالم الخارج، و من الواضح أن هذا لا يدل على الحصر لأن كل فرد هو متحد مع جنسه و لا خصوصية لزيد.

نعم يثبت المفهوم في حالات ثلاث لا تثبت إلّا بالقرينة الخاصة.

1- أن يثبت بالقرينة الخاصة أن اللام استغراقية لا جنسية، إذ التقدير يصير هكذا: كل أفراد العالم متحدة مع زيد، و لا إشكال في أن مثله يفيد الحصر.

2- أن يثبت بالقرينة الخاصة أن مدخول اللام هو المطلق‏

____________

(1) كان ينبغي إضافة قيد التقديم أيضا فيقال: إن تعريف المسند إليه مع تقديمه يدل على الحصر، فإن التعريف وحده من دون فرض التقديم لا يدل على الحصر.

(2) لا يخفى أن هذا المثال جاء ذكره مسامحة، إذ العالم مسند إلى زيد و ليس مسندا إليه بل بحسب المعنى أن زيدا هو المسند إليه.

(3) الفرق بين الحملين هو أنه تارة يكون الاتحاد بين الموضوع و المحمول اتحادا بلحاظ الخارج دون المفهوم، و أخرى في المفهوم أيضا، و الأوّل هو الشائع الصناعي و الثاني هو الأوّلي الذاتي، و هذا الثاني يختص بباب الحدود و التعريفات عادة.

261

و الطبيعي، (1) إذ التقدير آنذاك: إن طبيعي العالم متحد مع زيد، و مثله يفيد الحصر أيضا، إذ لا فرق بين اتحاد جميع أفراد العالم مع زيد و بين اتحاد الطبيعي مع زيد.

3- أن يثبت أن الحمل أوّلي ذاتي و ليس شائعا صناعيا، و هنا يثبت الحصر أيضا، لأن التقدير آنذاك: إن مفهوم هذا عين مفهوم ذاك، و لازم ذلك الحصر.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك أنه بما ذكرناه من التحقيق سوف تعرف الخلل الذي حصل في كلمات كثير من الأعلام و لا نطيل بذكر ذلك.

توضيح المتن:

عند أهل العرف و المحاورة: بهذا التقييد يقصد دفع إشكال الشيخ الأعظم.

و دعوى أن الانصاف: هذا مبتدأ، و خبره (غير مسموعة). و المدّعي هو الشيخ الأعظم.

إلّا فيما اقتضاه المقام: أي إلّا إذا اقتضت القرينة الخاصة في مقام ما الحصر.

و ماهية كذلك: أي بالحمل الأوّلي.

و حصرها عليه: المناسب: و حصرها به.

أو أن مدخوله: المناسب: مدخولها، أي مدخول اللام.

مدخوله على محموله: المناسب بمحموله، أي لا يفيد حصر مدخول اللام- و هو العالم- بالمحمول، و هو زيد.

____________

(1) الفرق بين الحالة الأولى و الثانية هو الفرق بين العموم و الإطلاق، فالأفراد ملحوظة في الحالة الأولى بخلافه في الحالة الثانية فإن الملحوظ هو الطبيعي دون الأفراد.

262

خلاصة البحث:

كلمة إنما تدل على الحصر لوجهين، و مناقشة الشيخ الأعظم مدفوعة.

و بل الاضرابية تدل على الحصر إذا كان الاضراب بداعي ابطال ما سبق دون الغفلة و الترقّي.

و تعريف المسند إليه مع تقديمه يدل على الحصر في حالات ثلاث فيما إذا دلت قرينة خاصة عليها.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

من أدوات الحصر:

1- إنما، و ذلك لتصريح أهل اللغة و التبادر لدى أهل المحاورة.

و دعوى أنه لا سبيل إلى ذلك لاختلاف موارد الاستعمال، و عدم وجود المرادف في عرفنا ليعرف من خلاله المتبادر منها.

مدفوعة بوجود طريق آخر، و هو الانسباق إلى أذهان أهل العرف و المحاورة.

2- و بل الاضرابية، حيث عدت من ذلك.

و التحقيق أن الاضراب على أنحاء ثلاثة:

أ- ما كان للغفلة، و لا دلالة له على الحصر، لأنه بمثابة الإتيان بالمضرب إليه ابتداء.

ب- ما كان للتأكيد و يكون ذكر المضرب عنه من باب التوطئة و التمهيد لذكر المضرب إليه، و لا دلالة له على الحصر أيضا.

ج- ما كان لابطال ما سبق، و هو يدل عليه.

3- تعريف المسند إليه على ما قيل.

263

و التحقيق أنه لا يفيده إلّا إذا دلت عليه القرينة الخاصة لأن الأصل في اللام أن تكون جنسية كما أن الأصل في الحمل هو الشائع الصناعي دون الأوّلي الذاتي، و من الواضح أن حمل شي‏ء على ماهية بالحمل الشائع لا يقتضي اختصاصها به.

نعم لو دلت قرينة خاصة على أن اللام للاستغراق أو أن مدخولها أخذ بنحو الارسال و الإطلاق أو أن الحمل أوّلي ذاتي أمكنت استفادة الحصر.

و قد انقدح بذلك الخلل في كلمات كثير من الأعلام فلا نطيل بذكرها.

***

264

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

265

الفصل السادس: مفهوم اللقب‏

266

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

267

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: لا دلالة للقب ...، إلى قوله: المقصد الرابع ...».

(1)

مفهوم اللقب:

المراد من اللقب كل ما كان ركنا في الكلام، كقولك: ضرب زيد، فإن الركن الأوّل هو ضرب، و الركن الثاني هو زيد، و مفهوم الأوّل- إن كان- أن زيدا لم يتّصف بصفة أخرى غير الضّرب، و مفهوم الثاني- إن كان له مفهوم- أن غير زيد لم يتّصف بالضّرب.

و الصحيح أنه لا مفهوم له، فإن العرف لا يفهم ذلك، بل قيل: إن اللقب هو من أضعف المفاهيم.

نعم شخص الحكم مرتفع- أي إن الضّرب الثابت لزيد و المرتبط به ليس ثابتا لعمرو و غيره- إلّا أن ذلك عقلي من باب أن المقيّد بقيد معيّن يرتفع بارتفاع ذلك القيد، و المهم هو انتفاء سنخ الحكم، أي إن كلي الضرب و طبيعيّه ليس بثابت لغير زيد، و من الواضح أن العرف لا يفهم ذلك.

مفهوم العدد:

إذا قيّد الحكم بعدد خاص- بأن قيل مثلا: كفّر باطعام عشرة مساكين- فلا يجوز التكفير باطعام تسعة لا من باب مفهوم العدد بل لأجل عدم تحقق المأمور به و هو عنوان العشرة.

____________

(1) الدرس 210: (8/ جمادي الأوّل/ 1426 ه).

268

هذا بلحاظ الأقل.

و أما بلحاظ الأكثر فهل يجوز التكفير باطعام أكثر من عشرة؟ إن ذلك يدور مدار أن التقييد بالعشرة هل لوحظ فيه التحديد من جانب القلة فقط أو من جانب القلة و الكثرة؟ فإن كان من جانب القلة فقط فيجوز الإتيان بالأكثر، بل يكون ذلك أمرا راجحا لأنه زيادة في الخير، و أما إن كان من جانب القلة و الكثرة معا فلا يجوز الإتيان بالأكثر، و نؤكّد ليس ذلك من جهة مفهوم العدد بل لأجل عدم تحقيق العنوان المطلوب.

***

269

المقصد الرابع: العام و الخاص‏

1- ما هو العام؟

2- حجية العام المخصّص في الباقي.

3- المخصّص المجمل.

4- استصحاب العدم الأزلي.

5- اشتراط حجية العام بالفحص.

6- الخطابات الشفاهية.

7- تعقّب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده.

8- تخصيص العام بالمفهوم.

9- الاستثناء المتعقّب للجمل المتعددة.

10- تخصيص الكتاب الكريم بالخبر.

11- تعارض العام و الخاص و صوره.

270

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

271

الفصل الأوّل: ما هو العام؟

272

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

273

قوله (قدّس سرّه):

«المقصد الرابع في العام و الخاص ...، إلى قوله:

ثمّ الظاهر أن ما ذكر له من الأقسام ...».

ما هو العام؟

عرّف العام بتعاريف متعدّدة لم تسلم من الإشكال بعدم الاطّراد أو بعدم الانعكاس، فمن جملة تلك التعاريف مثلا ما قيل من أن العام عبارة عن شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه.

و اشكل على التعريف المذكور:

تارة بأنه لا يطرد الأغيار، فإنه يصدق على مفهوم العشرة، باعتبار أنه صادق على مجموع آحاد العشرة و لكنه رغم هذا لا يصدق عنوان العام عليه- عنوان العشرة- بالوجدان.

و أخرى بأنه غير منعكس على تمام أفراده، فهو لا يصدق على مفهوم كل عين فيما إذا اريد به جميع أفراد الجارية فقط، فإنه عام جزما و يصدق عليه ذلك رغم أنه لم يشمل جميع الأفراد التي يصلح أن يشملها، كأفراد الباصرة و غيرها.

و ذكر الشيخ المصنف في هذا المجال أن التعريف المذكور لفظي يقع في جواب ما الشارحة- أي التي تشرح اللفظ و تفسّره- دون ما الحقيقية التي يكون السؤال فيها عن حقيقة الشي‏ء و ماهيته، و ما دام التعريف المذكور لفظيا كتعاريف أهل اللغة فلا مجال للإشكال عليه بعدم الطرد أو بعدم العكس.

274

يبقى من حقّنا أن نسأل عن الدليل على كون التعريف المذكور لفظيا قد قصد به شرح اللفظ، إن ذلك لوجهين:

1- إن المعنى المرتكز في ذهننا لمفهوم العام هو أوضح بكثير من التعريف المذكور و غيره، و ما دام أوضح فلا يكون التعريف المذكور تعريفا حقيقيا، لأن شرط التحديد الحقيقي أن يكون أجلى و أوضح من المعرّف.

و الدليل على أوضحية مفهوم العام من التعريف أننا نجعل ذلك المفهوم المرتكز مقياسا في صدق العام و عدمه، فنقول مثلا: إن مفهوم العشرة لا يصدق عليه عنوان العام بالوجدان و لكن رغم ذلك يشمله التعريف، فلا يكون طاردا للأغيار، بينما مفهوم كل عين يصدق عليه عنوان العام بالوجدان و لكنه لا يصدق عليه التعريف.

2- إن حقيقة العام لا حاجة إلى تحديدها لعدم ترتّب أثر عليها، فإن الأحكام- التي هي من قبيل هل العام حجة في الباقي و نحو ذلك- مترتّبة على مصاديق العام و أفراده، مثل العلماء، و كل رجل، و هكذا، و معه فيكون المهم الحصول على مفهوم جامع لهذه المصاديق ليمكن ترتيب الأحكام عليه، و ليس من المهم في ذلك المفهوم الجامع أن يكون حقيقيا بل يكفي أن يكون صالحا للاستعانة به إلى توجيه الأحكام على الأفراد.

و بكلمة أخرى: نحن نريد أن نحكم على كل رجل، و كل عالم، و كل فقير، و هكذا بأحكام متعدّدة من قبيل أنه حجة في الباقي بعد التخصيص و نحو ذلك، و حيث إن الأفراد المذكورة كثيرة فنحتاج إلى مفهوم يحكي عنها و يجمعها لنستغني به عن ذكر تلك المصاديق الكثيرة، فمفهوم العام الذي نريد الوصول إليه لا يلزم أن يكون مضبوطا بشكل تام و إنما المهم أن يكون حاكيا عن الأفراد و صالحا لتوجيه الأحكام على الأفراد من خلاله.

275

توضيح المتن:

و انتفاء سنخ الحكم: عطف تفسير على المفهوم.

و كيف كان ...: أي سواء لم يجتزأ بالأكثر أم لا فليس عدم الاجتزاء بغير العدد المحدّد- سواء أ كان هو الأقل أم الأكثر- من جهة المفهوم بل لأجل عدم تحقّق عنوان العدد الخاص المطلوب في الدليل.

و الانعكاس أخرى: أي و بعدم الانعكاس أخرى.

السؤال عنه: أي عن العام.

مفهوما و مصداقا: أي هو أوضح من حيث المفهوم و من حيث المصداق. أما أنه أوضح من حيث المفهوم فواضح، و أما أنه أوضح من حيث المصداق فلأن مصاديق العام واضحة لنا بشكل جلي.

على فرد: مثل كل عين في المثال المتقدم.

و عدم صدقه: أي على فرد آخر، مثل كلمة عشرة.

فالظاهر أن الغرض من تعريفه: ما سبق كان إشارة إلى الوجه الأوّل، و هذا إشارة إلى الوجه الثاني، و المناسب صياغة العبارة هكذا:

على أن الظاهر أن الغرض ...

بعد وضوح ما هو محل الكلام ...: أي إن من الواضح أن محل الكلام هو أفراد العام- مثل كل عالم، و كل رجل، و هكذا- حيث إن الأحكام التي يراد بيانها في علم الأصول ثابتة لها و إلّا فمفهوم العام ليس موضوعا لتلك الاحكام، و إنما الموضوع هو تلك الأفراد.

خلاصة البحث:

لا مفهوم للقب و لا للعدد عرفا، نعم لا يكتفى بما دون العدد،

276

و ربما بما زاد عليه إلّا أن ذلك ليس من باب المفهوم بل من باب عدم تحقّق العنوان الذي انصبّ عليه الحكم في الدليل.

و عرّف العام بتعاريف لم تسلم من الإشكال، لكن لا وجه للإشكال عليها بعد ما كانت تعاريف لفظية، و الدليل على كونها تعاريف لفظية وجهان.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

مفهوم اللقب و العدد:

لا دلالة للقب و لا للعدد على انتفاء سنخ الحكم عن غير موردهما، و قد عرفت أن انتفاء شخصه ليس بمفهوم.

ثمّ إن مقتضى التقييد بالعدد عدم جواز الاكتفاء بما دونه لأنه ليس ذاك العدد، و أما الزيادة فكالنقيصة إذا كان التحديد به بالإضافة إلى كلا الطرفين. نعم لو كان التحديد به بلحاظ طرفه الأقل جازت الزيادة بل ربما كانت فيها فضيلة.

و على أي حال عدم الاجتزاء بالناقص أو الزائد ليس من جهة المفهوم بل لعدم تحقّق العدد المطلوب في المنطوق.

المقصد الرابع: مبحث العام و الخاص:

تعريف العام:

عرّف العام بتعاريف اشكل عليه بعدم الاطّراد تارة و بعدم الانعكاس أخرى لكن ذلك غير لائق بعد ما كانت تعاريف لفظية تقع في جواب ما الشارحة لا ما الحقيقية، كيف و المعنى المركوز له في الذهن أوضح من التعريف مفهوما و مصداقا، و لذا يجعل صدق ذلك المعنى‏

277

على فرد و عدم صدقه المقياس في الإشكال عليها بعدم الطّرد أو بعدم الانعكاس، و من الواضح أن التعريف يلزم أن يكون بالأجلى.

على أن الغرض من تعريفه بيان مفهوم يجمع أفراده ليشار به إليها في مقام إثبات ما لها من أحكام لا بيان حقيقته لعدم تعلّق غرض بها.

***

278

قوله (قدّس سرّه):

«ثمّ الظاهر إن ما ذكر ...، إلى قوله: فصل لا شبهة في أن للعموم ...».

(1)

[اقسام العموم:] العموم الاستغراقي و المجموعي و البدلي:

ينقسم العموم إلى ثلاثة أقسام: استغراقي، و مجموعي، و بدلي، و هذا مطلب واضح، و السؤال المطروح هو: هل أن الاختلاف بين هذه الثلاثة هو في نفس معنى العموم بقطع النظر عن كيفية تعلّق الحكم فيها أو أنه باعتبار كيفية تعلّق الحكم بحيث لو قطعنا النظر من تلك الكيفية فلا انقسام إلى الثلاثة؟ ذكر الشيخ الخراساني أن الانقسام هو باعتبار كيفية تعلّق الحكم، فإن الحكم تارة يكون متعلّقا بكل فرد باستقلاله بحيث لو كان عدد الأفراد مائة مثلا لا نحل مثل أكرم كل عالم إلى مائة حكم، و لازم هذا أنه لو أكرم المكلف (99) و لم يكرم واحدا كان مطيعا بعدد (99) و عاصيا بلحاظ واحد، و أخرى يكون الحكم متعلّقا بالمجموع من حيث المجموع، بمعنى أن الحكم واحد و يكون متعلّقا بالمجموع، و لازم هذا أنه لو أكرم (99) و لم يكرم واحدا كان عاصيا فقط و لم يكن مطيعا أبدا، و ثالثة يكون الحكم متعلّقا بكل واحد على البدل، و لازم هذا أنه لو أكرم واحدا- أيّ واحد- كان مطيعا من دون عصيان.

____________

(1) الدرس 211: (11/ جمادي الأوّل/ 1426 ه).

279

و الأوّل هو الاستغراقي، و الثاني هو المجموعي، و الثالث هو البدلي. (1)

ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) بعد ذلك إلى مطلب آخر، و هو أنه بعد أن عرفنا أن العموم عبارة عن شمول المفهوم لما يصلح أن يشمله فسوف نعرف أن النقض على التعريف بمثال عشرة أمر غير مقبول، فإن كل واحد من آحاد العشرة لا يصحّ إطلاق اسم العشرة عليه، فلا يصدق على الواحد اسم العشرة و لا على الاثنين أنها عشرة، و هكذا، فهي خارجة من التعريف تخصّصا.

و لك أن تقول: إن نسبة وحدات العشرة إلى نفس العشرة هي نسبة الجزء إلى الكل و ليست نسبة الأفراد إلى الكلي، و هذا بخلاف مثل عنوان كل عالم، فإن عنوان عالم يصدق على كل فرد فإذا أريد به شمول جميع الأفراد كان ذلك عموما، و هذا بخلاف مثل العشرة فإنها حيث لا تصدق على كل فرد بل على المجموع بقيد المجموع فيكون خروجها من التعريف بالتخصّص.

هذا حاصل ما أفاده (قدّس سرّه). (2)

***

____________

(1) هذا و يمكن أن يقال: إن الاختلاف بين هذه الأنحاء الثلاثة ثابت بقطع النظر عن كيفية تعلّق الحكم، فنحن نشعر بالوجدان بوجود فرق بين قولنا: أي رجل و قولنا:

كل رجل رغم أنه لا يوجد حكم حتّى يكون الاختلاف بلحاظه.

و للمصنف تعليقة في المقام أدعى فيها أن بالإمكان أن يدّعى أن الفارق الوجداني الذي نشعر به بين المثالين هو بلحاظ تعلّق الحكم أيضا و ليس بقطع النظر عنه، و لكن ما ذكره مجرد ادعاء. و لعلّه إلى هذا أشار بقوله: (فافهم).

(2) يمكن أن يشكل بأن لازم ما أفاده أن لا يكون لفظ العلماء من العام، فإنه لا يصدق على كل فرد، فلا يصدق على هذا الفرد من العالم أو ذاك عنوان العلماء، و الحال أنه جزما من العام. و لعلّه إلى هذا أو ما سبق أو كليهما أشار بالأمر بالفهم.

280

قوله (قدّس سرّه):

«فصل لا شبهة في أن للعموم ...، إلى قوله:

فصل ربما عدّ من الألفاظ ...».

هل للعموم صيغة تختص به؟

هناك كلام في أنه هل توجد للعموم ألفاظ خاصة به؟ الآراء في ذلك ثلاثة، فقيل: إنه لا توجد ألفاظ خاصة به، بل كل ما يدعى أنه خاص بالعموم هو موضوع للخصوص، و قيل: إن ما ادعي كونه موضوعا للعموم هو مشترك بين العموم و الخصوص.

و اختار المصنف أنه توجد ألفاظ تختص بالعموم، مثل كل و جميع، كما أنه توجد ألفاظ تختص بالخصوص، مثل كلمة بعض، و توجد أيضا ألفاظ مشتركة، مثل اسم الجنس، فإنه يصدق على المجموع و على البعض، فكلمة ماء مثلا كما تصدق على مجموع مياه العالم كذلك تصدق على بعض المياه.

ثمّ قال: نحن حينما ذكرنا أن لفظ كل مثلا خاص بالعموم فلا نقصد بذلك أنه لا يستعمل في غيره، كلا، إنه قد يستعمل في الخصوص أيضا إما مجازا بواسطة العلاقة المصحّحة، و هي علاقة العموم و الخصوص، أو حقيقة بنحو الحقيقة الادعائية. (1)

____________

(1) حاصل الحقيقة الادعائية المنسوبة إلى السكاكي هو أنه يمكن تحويل كل مجاز إلى حقيقة، و بالتالي لا يبقى عندنا مجاز في عالم الوجود، بل كل ما في الوجود حقيقة، و ذلك بهذا البيان، و هو أن من يشير إلى الرجل الشجاع مثلا و يقول هذا أسد فمقصوده استعمال لفظ الأسد بعد توسعة معناه الحقيقي- و هو الحيوان المفترس- و جعله ذا فردين: أحدهما: الحيوان المعروف الذي هو أبخر الفم، و ثانيهما: الرجل الشجاع، فالرجل الشجاع يدّعى أنه فرد من الحيوان المفترس، و بذلك يكون استعمال لفظ الأسد فيه-

281

و إذا سألت عن الدليل على اختصاص مثل كلمة كل بالعموم ما هو؟ أجبنا أن الدليل هو الوجدان، فإن المتبادر إلى أذهاننا و المفهوم منها هو العموم و لا نحتمل أن أحدا يشكّك في ذلك.

هذا و قد استدل القائل باختصاص جميع الأدوات- أي التي يدعى وضعها للعموم- بالخصوص بوجهين:

1- إن إرادة الخصوص متيقنة، فالمتكلم إذا كان يريد العموم فهو يريد الخصوص حتما، و ما دامت إرادة الخصوص متيقنة فينبغي للواضع- كيعرب بن قحطان مثلا- وضع الأدوات للخصوص لأنه متيقن.

2- إن الاستعمال في الخصوص أمر كثير حتّى قيل ما من عام إلّا و قد خصّ، فلو كانت الأدوات موضوعة للعموم يلزم أن يكون استعمالها في الخصوص- الذي هو كثير- مجازيا، و لأجل أن لا يلزم الاستعمال المجازي الكثير ينبغي للواضع وضع الأدوات للخصوص، فإنه بذلك يكون الاستعمال الكثير حقيقيا لا مجازيا.

و الشيخ المصنف بعد استعراض هذين الوجهين يأخذ بمناقشتهما و يقول: يرد على الوجهين المذكورين ما يلي:

أوّلا: إنه من خلال ما ذكرناه سابقا قد اتضح ردّ هذين الوجهين، فإنّا قد ذكرنا سابقا أن الوجدان قاض بفهم العموم من مثل كلمة كل و جميع، و بعد هذا الوجدان المسلّم لا يعود مجال للاستدلال على الوضع‏

____________

- استعمالا حقيقيا، و تكون المجازية في الادعاء، و مقامنا يفترض أنه من هذا القبيل، أي يدعى أن الخاص هو العام فيستعمل اللفظ في الخاص بعد ادعاء أنه العام فيكون الاستعمال بنحو الحقيقة الادعائية.

282

للخصوص بأن إرادته متيقنة أو بأن وضع الأدوات له يلزم منه تقليل المجاز، إن هذا أشبه بالاستدلال على إثبات دعوى في مقابل أمر بديهي.

و ثانيا: إن كلا الوجهين قابل للمناقشة.

أما الأوّل فباعتبار أن إرادة الخصوص و إن كانت متيقنة إلّا أن هذا لا يلزم منه وضع الأدوات له بعد ما كان العموم كثيرا ما يكون هو المراد. إن العموم كثيرا ما يكون هو المراد للمتكلم فيلزم وضع بعض الأدوات لتفهيمه و إلّا كان ذلك نقصا في اللغة العربية، و مجرد أن إرادة الخصوص متيقنة لا يصلح مبررا للوضع له- الخصوص- و هجر الوضع للعموم.

و أما الثاني فيمكن مناقشته من ناحيتين:

الأولى: إننا نسلّم أن الاستعمال في الخصوص أمر كثير و لكن كثرة الاستعمال فيه لا تستدعي كثرة الاستعمال المجازي، و ذلك لما سيأتي في بعض الفصول المقبلة (1) من أن الاستعمال في الخصوص لا يستلزم المجازية بل هو بنحو الحقيقة فانتظر ذلك.

الثانية: إنّنا لو تنزّلنا و سلّمنا أن الاستعمال في الخصوص مجاز فنقول: حيث إنه استعمال مع القرينة فلا محذور فيه. (2)

____________

(1) المقصود الفصل الذي ذكره بقوله: فصل لا شبهة في أن العام المخصّص بالمتّصل أو المنفصل حجة فيما بقي ...

(2) هذه المناقشة لا تصلح أن تكون جوابا على ما سبق، فإن الوجه الثاني كان يقول:

إنه يلزم الوضع للخصوص تقليلا للمجاز، و من الواضح أن هذا لا يندفع بمقالة المصنف، و هي أن الاستعمال المجازي لا محذور فيه و إن كان كثيرا ما دام هو مع القرينة.

283

توضيح المتن:

لقد أطاع و امتثل: المناسب: يكون مطيعا بلا عصيان.

و قد انقدح أن مثل ...: أي من تعريف العموم بأنه شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه.

ثمّ إن المناسب التعبير هكذا: و قد انقدح أن شمول مثل عشرة ...

فافهم: تقدّم احتمال كونه إشارة إلى التعليقين السابقين أو إلى أحدهما.

كالخصوص: أي إن الخصوص له صيغة خاصة تخصّه، و هي مثل بعض، و خاصة.

و لا ينافي اختصاصه به: أي لا ينافي اختصاص مثل كلمة كل بالعموم استعمالها في الخصوص أحيانا بنحو الحقيقة الادعائية أو بنحو المجاز بعلاقة العموم و الخصوص.

و معه لا يصغى ...: أي بعد ضرورة أن مثل لفظ كل مختصة بالعموم بمقتضى التبادر و الوجدان العرفي لا يصغى إلى الوجهين المذكورين لإثبات الوضع للخصوص.

و الظاهر يقتضي ...: التعبير بالظاهر لا معنى له، و الأولى التعبير بالمناسب، أي و المناسب كونه حقيقة في الغالب تقليلا للمجاز.

مع أن تيقن ...: هذا إشارة إلى المناقشة الثانية للوجهين، و هي في الحقيقة ترجع إلى مناقشة واحدة للوجه الأوّل و مناقشتين للوجه الثاني.

مع كون العموم ...: أي ما دام العموم كثيرا ما يراد.

و اشتهار التخصيص: هذا شروع في المناقشة الأولى للوجه الثاني.

و لو سلّم ...: هذا شروع في المناقشة الثانية للوجه الثاني.

284

خلاصة البحث:

للعموم أقسام ثلاثة تختلف باختلاف كيفية تعلّق الحكم. و النقض بمفهوم العشرة على تعريف العموم ليس بوارد.

و للعموم صيغة تخصّه بالضرورة. و الوجهان المستدل بهما على وضع مطلق الأدوات للخصوص قابلان للمناقشة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

أقسام العموم:

ثمّ إنه ذكر للعموم أقسام ثلاثة: استغراقي، و مجموعي، و بدلي، و الظاهر أن ذلك باختلاف كيفية تعلّق الحكم، و إلّا فالعموم في الجميع بمعنى واحد، و هو شمول المفهوم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه، غاية الأمر أن تعلّق الحكم به تارة بنحو يكون كل فرد موضوعا على حده، و أخرى بنحو يكون المجموع موضوعا واحدا بحيث لو أخل بإكرام واحد- في أكرم كل فقيه مثلا- لم يكن ممثلا أصلا بخلاف الصورة الأولى فإنه مطيع و عاص، و ثالثة يكون كل واحد موضوعا على البدل بحيث لو أكرم واحدا تحقّقت الإطاعة بلا عصيان.

ثمّ إنه بهذا اتّضح أن شمول مثل عشرة و غيرها لآحادها ليس من العموم لعدم صلاحية مفهومها للانطباق على كل واحد منها، فافهم.

هل للعموم صيغة؟

فصل:

لا شبهة أن للعموم صيغة تخصه لغة و شرعا، و هكذا الخصوص، و هناك ما يشترك بينهما، فمثل لفظ كل- و ما يرادفه في أي لغة كان- يختص بالعموم بالضرورة و لا يختص بالخصوص و لا يعمّه.

285

و لا ينافي اختصاصه به استعماله في الخصوص عناية إما بادعاء أنه العموم أو بعلاقة العموم و الخصوص.

و معه لا يصغى إلى أن إرادة الخصوص متيقنة و لو في ضمنه بخلافه، و جعل اللفظ حقيقة في المتيقن أولى، و لا إلى أن التخصيص قد اشتهر و شاع حتّى قيل ما من عام إلّا و قد خصّ، و المناسب وضعه للغالب تقليلا للمجاز.

على أن تيقن إرادته لا توجب اختصاص الوضع به ما دام العموم كثيرا ما يراد.

و اشتهار التخصيص لا يوجب كثرة المجاز لعدم الملازمة بين التخصيص و المجازية كما يأتي توضيحه، و لو سلّم فلا محذور فيه إذا كان مع القرينة كما لا يخفى.

***

286

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: ربما عدّ من الألفاظ ...، إلى قوله: فصل لا شبهة في أن العام المخصص ...».

(1)

النكرة في سياق النفي:

في هذا الفصل يريد (قدّس سرّه) ذكر نموذج مما ادعي دلالته على العموم، و ذلك هو النهي أو النفي الداخل على النكرة، فإنه قد ادعي دلالته على العموم، فلو قيل: لا تدخل عليّ رجلا أو لم يدخل عليّ رجل استفيد من ذلك العموم، يعني أن أي رجل من الرجال لا تدخله عليّ أو لم يدخل عليّ. (2)

و حاصل ما ذكره (قدّس سرّه) في هذا المجال أن دلالة النفي أو النهي الداخل على النكرة على العموم قضية لا ينبغي الشكّ فيها، غير أن ذلك ليس من باب الوضع و إنما هو من باب حكم العقل، بتقريب أن النكرة لما كانت تدل على الطبيعة فالنهي الداخل عليها يكون دالا على طلب عدم الطبيعة، و حيث إن عدم الطبيعة لا يتحقّق عقلا إلّا بترك جميع أفرادها فيلزم ترك جميع الأفراد.

إذن دلالة النهي أو النفي على العموم هو من هذه الناحية.

ثمّ استدرك (قدّس سرّه) بعد ذلك و قال: إن النهي أو النفي إنما يدل على الاستيعاب‏

____________

(1) الدرس 212: (12/ جمادي الأوّل/ 1426 ه).

(2) قد تقدّم منه (قدّس سرّه) هذا المبحث في باب اجتماع الأمر و النهي عند تعرّضه إلى المرجّح الأوّل من مرجحات تقديم النهي على الأمر فلاحظ (ص 275) من الكفاية، و لعلّ ما ذكره هناك أوضح مما ذكره هنا.

287

فيما إذا كان المقصود من النكرة الطبيعة المطلقة، و أما لو كان المقصود الطبيعة المقيّدة- كما لو قيل: لا تدخل عليّ رجلا بخيلا- فالاستيعاب يكون بلحاظ أفراد المقيّد فقط.

و هكذا الحال لو كان المقصود من النكرة الطبيعة المهملة- أي المقسم للطبيعة المطلقة و الطبيعة المقيّدة- فإنه أيضا لا يمكن استفادة استيعاب جميع الأفراد بل يكون المنفي خصوص أفراد المتيقن، أعني أفراد المقيّد.

و لا تشكل و تقول: إن تحقيق الاستيعاب بخصوص أفراد المتيقن يتنافى و ما تقدّم من حكم العقل بدلالة النفي أو النهي على الاستيعاب.

و الجواب عن ذلك واضح، فإن العقل و إن حكم بدلالة النفي أو النهي على الاستيعاب إلّا أن المقصود استيعاب ما يراد من النكرة لا ما يصلح انطباق تلك النكرة عليه و إن لم يكن مرادا، و عليه فإذا كان المراد من النكرة خصوص المقيّد فيكون الاستيعاب بلحاظ خصوص أفراد المقيّد، و إذا كانت دالة على الطبيعة المقسم فيلزم أن يكون الاستيعاب بلحاظ أفراد المتيقن، و هو أفراد المقيّد.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) أن هذا المطلب يمكن أن نذكر له نظيرين:

1- كلمة كل، فإنه قيل أنها موضوعة للعموم، أي لاستيعاب المدخول و لكن ليس المقصود استيعاب ما يصلح أن ينطبق عليه المدخول بل استيعاب ما يراد منه، و من هنا لم يكن تقييد المدخول موجبا للتهافت، فلو كانت كلمة كل موضوعة لاستيعاب جميع أفراد ما يصلح أن ينطبق عليه المدخول يلزم أن يكون تقييده موجبا للتهافت، لأنه إذا قيل: لا تدخل عليّ رجلا كان ذلك مفيدا لاستيعاب جميع أفراد الرجل، فإذا قيّد بالبخيل و قيل: لا تدخل عليّ رجلا بخيلا يلزم من ذلك‏

288

التهافت، و حيث لا نشعر بالوجدان بالتهافت فنفهم من ذلك أن كلمة كل تدل على استيعاب ما يراد من المدخول دون ما يصلح أن ينطبق عليه.

و على هذا الأساس سوف نخرج بهذه النتيجة و هي أن استفادة العموم بلحاظ جميع الأفراد موقوف على ثبوت إطلاق المدخول في المرحلة السابقة، و حيث إن إطلاق المدخول لا يمكن إثباته إلّا من خلال مقدمات الحكمة فيترتّب على ذلك أن دلالة كلمة كل على العموم بلحاظ جميع الأفراد هي في طول جريان مقدمات الحكمة في المدخول، فلا بدّ من إجراء مقدمات الحكمة في المدخول أوّلا ثمّ بعد ذلك نستفيد العموم بواسطة كلمة كل. (1)

أجل يمكن أن ندّعي هذه الدعوى، و هي أن دلالة كلمة كل- و هكذا النفي و النهي- على الاستيعاب و إن كانت موقوفة على ثبوت إطلاق المدخول في المرحلة السابقة إلّا أن الإطلاق المذكور لا ينحصر إثباته بإجراء مقدمات الحكمة بل هناك طريق آخر، و هو أن يدّعى أن نفس دلالة كلمة كل أو النفي و النهي على الاستيعاب تكفي في إثبات أن المدخول مطلق بلا حاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة فيه.

2- الاسم المحلى بالألف و اللام- مثل كلمة البيع أو العالم أو

____________

(1) قد يشكل بأنه بعد إجراء مقدمات الحكمة في المدخول و ثبوت الإطلاق فيه لا تعود حاجة إلى دلالة النفي أو النهي على العموم و يكون ذلك من قبيل تحصيل الحاصل.

و الجواب: إن الإطلاق و العموم أسلوبان لإفادة الشمولية، فالعموم يري الشمولية من خلال اللفظ بينما مقدمات الحكمة لا ترى الشمولية من خلال اللفظ فلا يلزم بناء على هذا محذور تحصيل الحاصل.

289

العلماء في مثل‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏، و أكرم العالم أو العلماء- فإنه ادعي دلالته على العموم، أي إنه موضوع لإفادة ذلك. (1)

و بناء على إفادته للعموم يأتي الحديث السابق فيقال: هو لا يدل على استيعاب كل ما يصلح أن ينطبق عليه اسم المدخول- و إلّا يلزم عدم إمكان تقييد المدخول للزوم محذور التهافت- بل استيعاب ما يراد منه فلذلك لا بدّ من إثبات إطلاق المدخول- من خلال مقدمات الحكمة- في المرحلة السابقة.

و النتيجة التي ننتهي إليها هي أن كلا من النفي- و هكذا النهي-، و كلمة كل، و المحلى بالالف و اللام تدل على العموم و لكنه عموم ما يراد من المدخول فيلزم إثبات أنه مطلق في المرحلة السابقة، و ذلك لا يتحقّق إلّا بمقدمات الحكمة أو بالطريق الآخر الذي أشار إليه (قدّس سرّه).

بقي إشكال، و هو أن هذه الثلاثة إذا كانت لا تدل على عموم ما يصلح أن ينطبق عليه المدخول بل على عموم ما يراد منه فلازم ذلك عدم انعقاد العموم في موارد تقييد المدخول، و معه فكيف يصدق عنوان التخصيص فيما إذا قيّد المدخول و قيل مثلا: أكرم كل رجل سخي؟ إن التخصيص عبارة عن ثلم العموم، و مع فرض عدم انعقاد العموم لا يصدق ثلم العموم، و بالتالي يلزم عدم إمكان صدق التخصيص.

و الجواب: إن التخصيص ليس بمعنى ثلم العموم بل بمعنى انعقاد العموم و هو ضيّق، نظير قولك لحافر البئر: ضيّق فم الركية، (2) فإن المقصود أوجدها و هي ضيّقة الفوهة لا أنه أوجدها وسيعة ثمّ ضيّقها.

____________

(1) و سيأتي من المصنف أن دلالته على الشمولية ليست بسبب الوضع بل بسبب الإطلاق و مقدمات الحكمة.

(2) الركية هي على وزن عطية: البئر، و الجمع ركيّ و ركايا.

290

ثمّ بعد هذا أشار المصنف إلى أن الاسم المحلى بالالف و اللام لا يفيد العموم و لم يوضع لذلك، أي إن دلالته على الشمولية ليست من جهة وضعه للعموم بل بسبب الإطلاق و مقدمات الحكمة، فكلمة البيع مثلا في قوله تعالى:

أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ و إن دلت على الشمولية لكل بيع و لكن ذلك ليس بسبب وضعها للعموم، إذ لو كانت موضوعة له فإما أن يكون ذلك من جهة وضع اللام للعموم أو من جهة وضع مدخولها له أو من جهة وضع المجموع له، و الكل باطل.

أما الأوّل فلأن لازمه دلالة كل لام على العموم، و الحال أن الأمر ليس كذلك.

و أما الثاني فلأن مدخول اللام يدل على الجنس، أي طبيعة البيع مثلا و لا يدل على العموم.

و أما الثالث فلأنه لا وضع للمركّب زائدا على وضع أجزاءه.

و بهذا يتعين أن تكون إفادته للشمول من جهة اقتضاء مقدمات الحكمة و ليس من جهة الوضع.

توضيح المتن:

لا يكاد يكون ...: المناسب: ضرورة أن الطبيعة لا تكون معدومة إلّا إذا لم يكن أيّ فرد منها موجودا.

إذا أخذت مرسلة: أي مطلقة لا مبهمة، بمعنى الماهية الجامع المقسم للمطلق و المقيّد.

لما أريد منها: أي للأفراد المتيقنة.

و هذا لا ينافي ...: أي إن اختصاص الاستيعاب بخصوص ما أريد منها يقينا لا ينافي كون دلالتها على الاستيعاب عقلية، فإن دلالتها على الاستيعاب هي بالإضافة ...

291

و لذا لا ينافيه: أي و لكون العموم الذي وضعت له هو عموم ما يراد من المدخول جاز تقييد المدخول بقيود كثيرة.

نعم لا يبعد أن يكون ...: أي نعم لا يبعد أن يكون النفي ظاهرا عند إطلاق النكرة في استيعاب جميع أفرادها.

ثمّ إن هذا لا يختص بالنفي بل يعم مثل كلمة كل، و قد صرّح (قدّس سرّه) بهذا التعميم فيما سبق، أي (ص 276) من الكفاية.

ثمّ إنه قد تفسّر العبارة بشكل آخر، أي هكذا: نعم تختلف كلمة كل عن أداة النفي في هذا المطلب، و هو أن كلمة كل تعطي بنفسها لمدخولها الظهور في الإطلاق بلا حاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة فيه، و هذا بخلافه في أداة النفي، فإنه لا بدّ من إجراء مقدمات الحكمة في مدخولها و لا تغني نفس الأداة عن ذلك. و على هذا الأساس يكون تقدير العبارة هكذا: نعم لا يبعد أن يكون مثل لفظ كل ظاهرا عند إطلاق النكرة- و هي مدخول كل- في استيعاب جميع أفرادها، يعني: و هذا بخلاف أداة النفي.

أقول: إن هذا التفسير و إن كان يلتئم مع العبارة في حدّ نفسها و لكن يبعّده أنه في الموضع السابق صرّح بالتعميم.

عند إطلاقها: أي عند عدم تقييدها بقيد.

و هذا هو الحال: أي إن اللام و إن كانت تفيد استيعاب مدخولها و لكن استيعاب ما يراد منه لا ما يصلح أن ينطبق عليه.

بناء على افادته للعموم: أي بناء على وضعه للعموم. و سيأتي أن إفادته الشمولية هي بالإطلاق و مقدمات الحكمة، و ذلك بقوله: لكن دلالته على العموم وضعا محل منع ...

لكن دلالته على العموم ...: أي لكن دلالة المحلى باللام ...

292

و ذلك لعدم اقتضائه وضع اللام: أي لعدم اقتضاء وضع اللام العموم، فإن اللام لم توضع للعموم، و عليه فالهاء ترجع إلى العموم.

و لا يخفى أن التركيب المذكور غريب، حيث ذكر المصدر مضافا إلى المفعول به ثمّ ذكر الفاعل. و التعبير الخفيف هكذا: لعدم ثبوت وضع اللام و لا المدخول و لا المركّب منهما للعموم.

و لا مدخوله: أي مدخول اللام، فإنه موضوع للطبيعة.

خلاصة البحث:

النفي الداخل على النكرة يدل على العموم بحكم العقل دون الوضع. و يلزم إثبات إطلاقها في المرحلة الأولى حتّى يدل النفي على العموم، و هذا نظير كلمة كل و المحلى باللام.

و عليه تكون استفادة العموم في هذه الثلاثة فرع جريان مقدمات الحكمة في المدخول، نعم قد يستغنى عن إجراءها بنفس ظهور النفي و نحوه في الشمولية.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

النكرة في سياق النفي و النهي:

ربما عدّ من الألفاظ الدالة على العموم النكرة في سياق النفي أو النهي.

و الصحيح أن دلالتها عليه و إن كان لا ينبغي أن تنكر إلّا أن ذلك بحكم العقل، ضرورة أن الطبيعة لا تنعدم إلّا بعدم جميع أفرادها.

لكن لا يخفى أنها تفيد العموم إذا كانت مطلقة لا مبهمة تقبل التقييد و إلّا فسلبها لا يقتضي إلّا استيعاب الأفراد المتيقنة لا كل ما يصلح أن تنطبق عليه.

293

و لا ينافي ذلك كون دلالتها عليه عقلية، فإنها بالإضافة إلى أفراد ما يراد منها لا ما يصلح أن تنطبق عليه.

و هذا نظير مثل لفظ كل، فإنه و إن كان موضوعا للعموم إلّا أنه بلحاظ ما يراد من المدخول، و لذا يمكن تقييده بقيود كثيرة.

نعم لا يبعد أن يكون نفس النفي موجبا لظهورها في الاستيعاب.

و أيضا نظير ذلك المحلى باللام بناء على إفادته للعموم وضعا، و لذا لا ينافيه تقييد المدخول.

و إطلاق التخصيص على تقييده ليس إلّا من قبيل ضيّق فم الركية.

نعم أصل دلالة المحلى على العموم وضعا محل منع بل إنما يفيده بمقدمات الحكمة ضرورة أن اللام و المدخول لا يقتضيان ذلك، و لا وضع آخر للمركّب منهما كما لا يخفى.

***

294

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

295

الفصل الثاني: حجية العام المخصّص في الباقي‏

296

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

297

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: لا شبهة في أن العام المخصّص بالمتصل ...، إلى قوله: و قد أجيب عن الاحتجاج ...».

(1)

حجية العام المخصّص في الباقي:

إذا خصّص العام و اخرج منه بعض الأفراد فهل يكون حجة في الباقي؟ (2) فلو قيل: ساعد الفقراء، و لنفترض أن عددهم مائة، ثمّ قيل بعد ذلك: لا تساعد الفقراء الذين لا التزام ديني لهم، و لنفترض أن عددهم عشرة فهل العام يكون حجة في تمام التسعين؟ فلو فرض الشك في وجوب إكرام فقير من الفقراء التسعين لأجل سبب آخر غير عدم التزامه الديني فهل يجوز التمسك بالعام لإثبات وجوب إكرامه؟

و يجدر الالتفات إلى أن حالات الأفراد ثلاث:

1- أن يكون الفرد متيقن الدخول تحت الخاص.

2- أن يكون الفرد متيقن الخروج من الخاص.

3- أن يكون الفرد مشكوك الدخول تحت الخاص.

و في الحالة الأولى لا إشكال في لزوم التمسك بالخاص و عدم جواز التمسك بالعام، و الكلام ينحصر في الحالتين الأخيرتين فهل العام حجة فيهما؟

____________

(1) الدرس 213: (2/ شعبان/ 1426 ه).

(2) فيما إذا لم تكن الشبهة مصداقية كما هو واضح.

298

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه) ثلاثة أقوال:

1- ما هو المشهور بين الأصوليين و لم ينسب الخلاف فيه إلّا إلى بعض العامة- كأبي ثور- و هو أن المخصّص إذا كان متصلا فالعام حجة في الأفراد المتيقن خروجها من الخاص دون الأفراد المشكوكة، و إذا كان منفصلا فالعام حجة حتّى في الأفراد المشكوكة.

و لك أن تقول بعبارة أخرى: إن العام حجة في الأفراد المتيقن خروجها من الخاص سواء أ كان المخصّص متصلا أم منفصلا، و حجة في الأفراد المشكوكة فيما إذا كان المخصّص منفصلا. (1)

2- إذا كان المخصّص متصلا فهو حجة في الباقي، و أما إذا كان منفصلا فلا يكون حجة فيه.

و الوجه في ذلك أنه في المخصّص المتصل ينعقد للعام من البداية ظهور في تمام الباقي فيكون حجة بخلافه في المنفصل فإنه لا ينعقد للعام ظهور في تمام الباقي ليكون حجة فيه.

3- إن العام بعد التخصيص لا يكون حجة من دون تفصيل، فهو ليس بحجة مطلقا.

و استدل على هذا القول بأن العام بعد فرض طرو التخصيص عليه لا يكون استعماله حقيقيا بل هو مجاز، و من الواضح أن استعمال العام في أي مرتبة من مراتب الباقي هو مجاز، فاستعماله في التسعين مجاز، و استعماله في الثمانين مجاز، و هكذا، و حيث إنه لا معيّن لبعض المراتب في مقابل المراتب الأخرى بعد كون الكل مجازا فيكون ترجيحها بلا مرجّح، فاستعمال العام في تمام‏

____________

(1) و سيتضح فيما بعد إن شاء اللّه تعالى الوجه في التفصيل المذكور.

299

التسعين لا مرجّح له حتّى يكون متعيّنا. و مجرد أنها أكثر من الثمانين لا يصلح أن يكون مرجّحا، فإن ذلك أشبه بالاستحسان.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بأن العام بعد التخصيص لا يكون استعماله مجازا بل هو حقيقة سواء أ كان المخصّص متصلا أم منفصلا.

و الوجه في ذلك:

المخصّص المتصل:

أما بالنسبة إلى المخصّص المتصل، كما لو قيل: ساعد كل فقير ملتزم- فلأنه قد تقدّم في الفصل السابق أن كلمة كل و ما شاكلها من أدوات العموم هي موضوعة لإفادة استيعاب ما يراد من المدخول لا لاستيعاب ما يصلح أن ينطبق عليه، و من المعلوم أن كلمة كل في المثال السابق هي مستعملة في استيعاب جميع أفراد ما اريد من الفقير، فإنه قد اريد منه الفقير الملتزم، و قد استعملت كلمة كل في استيعاب جميع أفراد الفقير الملتزم، و على هذا يكون استعمالها حقيقيا و ليس مجازا حتّى يقال بعدم وجود المرجّح لهذه المرتبة المجازية في مقابل تلك المرتبة المجازية.

و لك أن تقول: كما أن كلمة كل في جملة ساعد كل فقير مستعملة في العموم كذلك هي في جملة ساعد كل فقير ملتزم مستعملة في العموم، غايته أن دائرة أفراد العموم في الجملة الأولى أكبر منها في الجملة الثانية، و كما أنه في الجملة الأولى لا تكون مستعملة في الخاص و يكون استعمالها حقيقيا كذلك في الجملة الثانية لا تكون مستعملة في الخاص و يكون استعمالها حقيقيا.

هذا كله في المخصّص المتصل.

المخصّص المنفصل:

و أما إذا كان المخصّص منفصلا فالعام يكون مستعملا في عمومه الوسيع،

300

أي في جميع الأفراد بما في ذلك الأفراد الخارجة بالمخصّص، يعني يكون مستعملا في تمام المائة، و ما دام هو مستعملا في ذلك فيكون استعماله حقيقيا و ليس مجازيا حتّى يقال إنه لا مرجّح لمجاز في مقابل مجاز.

و بكلمة أخرى: إن ورود المخصّص المنفصل لا يكشف عن عدم استعمال العام في عمومه الوسيع و إنما يكشف عن عدم كونه مرادا بالإرادة الجدية، فإنه توجد لدينا إرادتان: جدية و استعمالية، و ورود المخصّص المنفصل لا يكشف عن عدم استعمال العام في العموم على مستوى الإرادة الاستعمالية بل عن عدم كونه مرادا بالإرادة الجديّة.

إن قلت: إن هذا احتمال وجيه و لكن الاحتمال الثاني- و هو كون العام مستعملا في الخصوص دون العموم- محتمل أيضا فما الترجيح لذاك على هذا؟

قلت: إن الاحتمال الأوّل يوجد له مرجّح، و هو الظهور، فإن ظاهر العام كونه مستعملا في العموم ما دام المخصّص منفصلا- فحينما يقال: ساعد كل فقير نفهم من ذلك العموم حتّى لو جاء المخصّص بعد ذلك و قال: لا تساعد الفقير غير الملتزم، إن ذلك الظهور لا يتزلزل و نشعر به بالوجدان- و هذا الظهور يلزم اتّباعه و الأخذ به و لا يعتنى آنذاك لاحتمال كونه مستعملا في الخصوص، فإن الظهور يلزم اتّباعه و يكون حجة رغم وجود احتمال الخلاف.

إن قلت: ما الفائدة في استعمال العام في العموم ما دام العموم ليس بمراد جدا؟ أو ليس ذلك لغوا.

قلت: إن له فائدة، و هي أن العموم المذكور يصير قاعدة كلية يلزم على المكلف اتّباعها و الأخذ بها في حالة الشك، فالمكلف حينما يشكّ في أن هذا الفرد هل تجب مساعدته أو لا فيلزمه التمسك بظهور العام في‏

301

العموم و بالتالي تلزمه مساعدته إلّا أن تقوم حجة أقوى تقف أمامه، و حيث إن الخاص حجة أقوى في خصوص أفراده المتيقنة فتعود الأفراد المشكوكة بلا حجة أقوى مزاحمة و يلزم الأخذ بمقتضى العام بلحاظها.

ثمّ إنه من خلال هذا كله اتضح أن المخصّص المتصل و المنفصل يشتركان في جانب و يختلفان في جانب آخر، فهما يختلفان في أن العام في المخصّص المتصل يكون ظاهرا و مستعملا في تمام الباقي، بينما في المخصّص المنفصل يكون ظاهرا و مستعملا في العموم بدرجته الوسيعة.

و يشتركان في أن الاستعمال في كليهما حقيقي و ليس مجازيا، و يترتّب على هذا أنه يلزم الأخذ بظهور العام الثابت له، و هو الظهور في استعماله في تمام الباقي في حالة كون المخصّص متصلا، و الظهور في استعماله في العموم الوسيع في حالة كون المخصّص منفصلا، فإنه يلزم الأخذ به- الظهور في العموم الوسيع- ما دام لم يزاحم بحجة أقوى. (1)

توضيح المتن:

لا شبهة في أن العام ...: بعد ما كانت المسألة تشتمل على قولين آخرين فالتعبير بجملة لا شبهة لا يكون مناسبا.

و ما احتمل دخوله فيه أيضا إذا كان منفصلا: المقصود إذا لم تكن‏

____________

(1) ثمّ إنه بهذا اتضح الوجه في القول الأوّل الذي هو رأي المشهور، فالعام حجة في الأفراد المشكوكة إذا كان المخصّص منفصلا- و ذلك بسبب ظهور العام في إرادة العموم منه، فإنه يلزم الأخذ به ما دام لم يزاحم بحجة أقوى- و ليس حجة إذا كان المخصّص متصلا، باعتبار أنه لا ينعقد للعام ظهور في العموم بدرجته الوسيعة حتّى يؤخذ به بلحاظ الأفراد المشكوكة.

302

الشبهة مصداقية بل كانت مفهومية مردّدة بين السعة و الضيق، و إلّا ففي المصداقية لا يجوز التمسك بالعام كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى.

و ربما فصّل بين المخصّص ...: هذا إشارة إلى القول الثاني، و ما قبله كان ناظرا إلى القول الأوّل.

ثمّ إن التقدير: فقيل بحجية العام في تمام الباقي و بين المنفصل فقيل بعدم حجية العام في تمام الباقي.

و احتج النافي: كان من المناسب الإشارة إلى القول الثالث أوّلا، ثمّ بيان حجته بعد ذلك، بأن يقال هكذا: و قيل بعدم الحجية مطلقا، و احتج ...

و تعيّن الباقي: أي تمام الباقي.

ذوي الأدوات: المناسب التعبير بالمدخول.

لا تستلزم استعماله فيه: أي لا تستلزم استعمال العام في الخصوص بحيث يكون الخاص قرينة على استعمال العام في الخصوص، كلا، بل من الوجيه أن يدّعى استعمال العام- رغم ورود الخاص- في العموم ليكون قاعدة في مورد الشك، و هذا يعني أن الخاص ليس مانعا من أصل انعقاد الظهور للعام في العموم بل إنه ينعقد للعام ظهور في العموم غايته يتقدم الخاص من باب تقديم النص أو الأظهر على الظاهر.

قاعدة: كلمة قاعدة مفعول لأجله، أي لأجل أن تكون قاعدة في مورد الشكّ.

إلى أنه قد استعمل فيه: أي استعمل العام في الخصوص مجازا.

في الأوّل: أي المخصّص المتّصل، و قوله: (في الثاني)، أي في المخصّص المنفصل.

في خصوص ما كان الخاص حجة فيه: و هي الأفراد المتيقن دخولها تحت الخاص.