كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
303

خلاصة البحث:

هل العام حجة في الباقي؟ في ذلك أقوال ثلاثة؛ و المشهور هو الأوّل، و استدل على الثالث- و هو عدم الحجية مطلقا- بأن استعمال العام بعد التخصيص مجاز، و لا مرجح لمجاز على مجاز.

و الجواب أن الاستعمال حقيقي و ليس مجازيا كي يرد ما ذكر.

أما أنه في المخصّص المتصل حقيقي فباعتبار أن الأداة مستعملة في عموم ما يراد من المدخول.

و أما أنه في المخصّص المنفصل حقيقي فباعتبار أن ورود المخصّص المنفصل لا يعني عدم استعمال العام في العموم بل عدم كونه مرادا بالإرادة الجدية.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

حجية العام في الباقي بعد التخصيص:

العام المخصص حجة في الباقي إذا علم بعدم دخوله في المخصّص من دون فرق بين ما إذا كان متصلا أو منفصلا، و إذا شكّ في دخوله فهو حجة فيه أيضا إذا كان المخصّص منفصلا. و هذا هو المشهور بين الأصحاب و لم ينسب الخلاف فيه إلّا إلى بعض أهل الخلاف.

و قيل بالتفصيل بين المخصّص المتصل فالعام حجة فيه، و بين المخصّص المنفصل فلا يكون حجة فيه.

و قيل بعدم الحجية مطلقا و احتج له بالإجمال لتعدّد مراتب المجاز حسب تعدد مراتب الباقي، و تعيّن المرتبة العالية ترجيح بلا مرجح.

304

و يمكن الجواب بأنه لا يلزم من التخصيص كون العام مجازا.

أما إذا كان المخصّص متصلا فلما عرفت من أنه لا تخصيص أصلا و إن أدوات العموم قد استعملت فيه و إن كانت دائرته سعة و ضيقا تختلف باختلاف المدخول.

و أما إذا كان المخصّص منفصلا فلأن إرادة الخصوص واقعا لا تستلزم استعمال العام فيه و صيرورة الخاص قرينة عليه، بل من الوجيه استعماله في العموم ليكون قاعدة، و يقدّم الخاص من باب تقديم النص أو الأظهر على الظاهر، و لا يكون الخاص مانعا من أصل انعقاد الظهور للعام في العموم.

لا يقال: هذا احتمال و يحتمل الآخر.

فإنه يقال: إن الظهور في استعمال العام في العموم هو المعيّن للاحتمال الذي ذكرناه.

و بالجملة: إذا كان المخصّص متصلا فينعقد للعام ظهور في الخصوص، و إذا كان منفصلا فينعقد له الظهور في العموم و يكون حجة في غير ما يكون الخاص حجة فيه.

***

305

قوله (قدّس سرّه):

«و قد أجيب عن الاحتجاج بأن الباقي أقرب المجازات ...، إلى قوله: فصل إذا كان الخاص ...».

(1)

جوابان آخران عن دليل النافي مطلقا:

ذكرنا سابقا أن النافي مطلقا استدل على عدم حجية العام في الباقي بأن الاستعمال في الباقي حيث إنه مجازي و لا مرجّح لمجاز على مجاز فلا يكون حجة فيه. و أجاب الشيخ الخراساني عن ذلك بما تقدّم، و الآن يراد بيان جوابين آخرين عن ذلك، و هما:

1- ما أفاده الشيخ القمي من أن تمام الباقي حيث إنه أقرب إلى العام فيكون ذلك مرجّحا له على بقية مراتب المجاز.

و فيه: إن الأقربية إذا كان يراد بها الأقربية العددية- بمعنى أن أفراد العام لو كانت مائة فتمام الباقي الذي هو تسعون أقرب إلى المائة من الثمانين و غيرها- فهي مسلّمة و لكنها لا تصلح للترجيح، بل الترجيح بها مجرد استحسان، و إن كان يراد بها الأقربية بلحاظ شدة الأنس الناشئة من كثرة الاستعمال فهي صالحة للترجيح بها، و لكنها ليست متحققة، فإن تمام الباقي ليس شيئا محدّدا ليمكن كثرة الاستعمال فيه، فربما يكون بمقدار تسعين و ربما يكون ثمانين أو سبعين و هكذا فكيف نتصوّر إذن كثرة الاستعمال؟

____________

(1) الدرس 214: (5/ شعبان/ 1426 ه).

306

2- ما أفاده الشيخ الأنصاري، و حاصله: أن استعمال العام بعد التخصيص مجازي و ليس حقيقيا- على خلاف ما اختاره تلميذه الخراساني من كون الاستعمال بعد التخصيص حقيقيا لا مجازيا- و لكن رغم كون الاستعمال مجازيا يلزم حمل العام على تمام الباقي لوجود المقتضي و فقدان المانع.

أما أن المقتضي موجود فباعتبار أن دلالة العام على كل واحد من أفراده ليست منوطة بدلالته على بقية الأفراد، فلو كانت أفراد العام مائة، و كان الخارج بالتخصيص عشرة فدلالته على التسعين ثابتة رغم عدم دلالته على العشرة.

و لا يشكل بأن دلالة العام على التسعين حيث إنها مجازية فكيف يدل عليها؟ إنه أمر مرفوض، فإن اللفظ لا يدل على المعنى المجازي و إنما يدل على المعنى الحقيقي.

إذ يجاب أن اللفظ و إن كان لا يدل على المعنى المجازي إلّا أن ذلك يختص بحالة وجود مباينة و مغايرة بين المعنى المجازي و المعنى الحقيقي، كالرجل الشجاع و الحيوان المفترس، فإن بينهما مباينة فلا يكون لفظ الأسد دالا على الرجل الشجاع إلّا بقرينة خاصة، و هذا بخلافه في مقامنا، فإنه لا توجد مباينة بين التسعين و المائة، و المجازية إنما تولّدت بسبب خروج العشرة و ليس بسبب دخول أفراد جديدة كي لا يكون لفظ العام دالا عليها.

هذا بالنسبة إلى المقتضي.

و أما أن المانع مفقود فلأنه ليس إلّا المخصّص، و هو خاص بالخارج عن العام- أعني العشرة مثلا- و إذا شكّ في وجود مانع آخر فالأصل عدمه.

هذا حصيلة ما أفاده الشيخ الأعظم.

و يمكن الجواب بأن المقتضي ليس بتام، إذ هو- المقتضي- ليس إلّا دلالة العام على تمام الباقي، و الدلالة المذكورة مفقودة، لأن منشأها- أو

307

بالأحرى منشأ الظهور، فإن الدلالة و الظهور هما شي‏ء واحد- إما الوضع أو القرينة الخاصة، و كلاهما مفقود.

أما الوضع فلأن العام لم يوضع لتمام الباقي.

و أما القرينة الخاصة فهي مفقودة أيضا.

و إذا قلت: إن العام كيف لا يدل على التسعين مثلا، و الحال أننا نعرف أن دلالته على كل واحد من أفراده ليست منوطة بدلالته على بقية الأفراد؟

قلنا: صحيح أن العام يدل على التسعين، و لكن إنما يدل عليها بسبب دلالته على المائة، فعند ما يدل على المائة يدل على التسعين، أما إذا لم يدل عليها- المائة- فلا يدل على التسعين أيضا، إذ الدلالة عليها دون غيرها بعد ما كان الاستعمال في الجميع مجازا ترجيح بلا مرجّح.

و بكلمة أخرى دلالة اللفظ على المعنى التضمني فرع دلالته على المعنى المطابقي فإذا لم يدل على المطابقي فلا يدل على التضمني.

و الخلاصة: إن المانع و إن أمكن نفيه بالأصل إلّا أن النوبة إنما تصل إليه لو فرض وجود المقتضي، أما عند عدمه- كما أوضحنا- فلا تصل النوبة إليه.

***

308

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

309

الفصل الثالث: المخصّص المجمل‏

310

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

311

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: إذا كان الخاص بحسب المفهوم مجملا ...، إلى قوله: و إن لم يكن كذلك بأن كان دائرا بين المتباينين ...».

هل يجوز التمسك بالعام عند إجمال المخصص؟

ما تقدّم كان ناظرا إلى حالة كون المخصّص واضحا مفهوما و مصداقا من دون إجمال فيه، و قد اتضح أن العام حجة فيما عدا الأفراد الخارجة بواسطة المخصّص، و الآن نفترض كون المخصص مجملا- إما بإجمال مفهومي أو بإجمال مصداقي- فهل يسري في مثله الإجمال إلى العام و يسقط بالتالي عن الحجية؟ (1)

مثال ذلك: ما إذا كان لدينا عام يقول مثلا: المرأة تتحيض إلى خمسين، و فرض ورود مخصّص له يقول: القرشية تتحيض إلى ستين، و فرض أن مفهوم القرشية مجمل فلا يدرى هل يراد به من انتسبت إلى قريش بالأب أو بالامّ أو خصوص من انتسبت بالأب و لا يكفي الانتساب بالامّ؟ إنه في مثله هل نتمكن أن نقول: لا إشكال في حجية الخاص في المنتسبة بالأب، فهي تتحيض إلى ستين، و أما المنتسبة بالامّ فحيث إن الخاص ليس حجة فيها فيتمسك بعموم العام و يحكم بتحيضها إلى خمسين، أو لا يجوز هذا فيلزم الرجوع إلى الأصول العملية، حيث لا يمكن التمسك بالخاص و لا العام؟

____________

(1) هذا البحث مهم للفقيه في مقام الاستنباط، إذ كثيرا ما يواجه عاما له مخصّص مجمل.

312

هذا محصّل المقصود من البحث المذكور.

و للتوضيح نقول: إن إجمال الخاص تارة يكون بلحاظ المفهوم و أخرى بلحاظ المصداق. (1)

و حالة إجمال المخصّص من حيث المفهوم يمكن أن تقسّم بدورها إلى قسمين، إذ الإجمال المفهومي تارة يكون بسبب دوران أمر المفهوم بين السّعة و الضّيق- كما في المثال المتقدم- و أخرى يكون للدوران بين المتباينين، كما لو قيل: ساعد الفقراء، و لا تساعد زيدا الفقير، و فرض أن زيدا مردّد فلا يدرى أن المراد به زيد بن عمرو أو زيد بن خالد، إن هذا إجمال من حيث المفهوم أيضا و ليس من حيث المصداق.

و باتضاح هذا تأخذ بالتحدّث تارة عن حالة الإجمال المفهومي و أخرى عن حالة الإجمال المصداقي.

الإجمال المفهومي:

أما الإجمال مفهوما فتارة يفترض أنه للدوران بين الأقل و الأكثر، و أخرى لكونه بين المتباينين، و على كلا التقديرين تارة يفترض أن المخصّص متصل و أخرى يفترض أنه منفصل، فالصور على هذا للإجمال المفهومي أربع، و نتحدّث أوّلا عن حالة الدوران بين الأقل و الأكثر مع كون المخصّص منفصلا ثمّ نتحدّث ثانيا عن الصور الثلاث الباقية.

الصورة الأولى:

أن يكون المخصّص مجملا من حيث المفهوم و نفترض أن المخصّص منفصل، كما هو الحال في المثال السابق للقرشية.

____________

(1) كما لو جزم بأن المراد من القرشية من انتسبت بالأب فقط، و لكن فرض أن امرأة معينة شكت أنها منتسبة إلى قريش بالأب أو لا.

313

و المناسب حجية العام في المقدار الزائد المشكوك، لأن المفروض أن موضوع العام هو المرأة و قد حكم بلزوم التحيّض إلى خمسين في حقّ كل امرأة، و ظهور العام في الحكم المذكور حجة و يلزم الأخذ به إلّا إذا عورض بحجة أقوى، و الخاص و إن كان حجة أقوى إلّا أن حجيته تختص بخصوص المقدار المتيقن، أعني المنتسبة بالأب، و أما المنتسبة بالامّ فحيث لا يدرى أنها قرشية فلا يجوز التمسك بالخاص بلحاظها، و ما دام الخاص ليس حجة فيها فيعود العام حجة بلا مزاحم في المقدار الزائد المذكور.

توضيح المتن:

و قد اجيب: المجيب هو القمي كما ذكرنا.

و في تقريرات: هذا إشارة إلى الجواب الثاني.

بعد تسليم مجازية الباقي: أي بعد تسليمه لكون استعمال العام في الباقي مجازا و ليس حقيقة.

و لو كانت مجازية: أي هو يدل على كل فرد من أفراده رغم أن دلالته مجازية، و ما ذاك إلّا لأن المجازية هي بواسطة عدم شمول ...

لاختصاص المخصّص بغيره: أي بغير الباقي، و هو الذي خرج بالمخصّص، أعني العشرة.

قلت: المناسب و الجواب، فإن التعبير المذكور موهم لوجود إن قلت سابقا.

فإذا لم يستعمل فيه: أي فإذا لم يستعمل في العموم و استعمل مجازا في الخصوص و فرض أن إرادة كل مرتبة من مراتب الخصوص- أعني التسعين و الثمانين و السبعين و ...- التي يجوز انتهاء التخصيص‏

314

إليها و استعمال العام فيها مجازا أمر ممكن فلا يمكن تعيين بعض تلك المراتب، أعني مرتبة التسعين في مقابل بقية المراتب.

مما جاز انتهاء التخصيص إليه: أما مثل الخمسين و الأربعين فما دون فلا يمكن انتهاء التخصيص إليها، حيث يلزم محذور تخصيص الأكثر أو المساوي.

و استعمال العام فيه: عطف على انتهاء.

كان تعيين بعضها: هذا جواب قوله: (فإذا لم يستعمل فيه و ...).

و لا مقتضي لظهوره فيه: أي إن قلت: إن المقتضي للحمل على الباقي موجود، و هو ظهور العام في الباقي.

و ليس له موجب آخر: أي و ليس للظهور في الباقي موجب آخر غير الوضع و القرينة الخاصة.

و دلالته على حدة ...: أي إن قلت: إن المقتضي موجود، باعتبار أن دلالة العام على التسعين ليست منوطة بدلالته على تمام المائة.

ثمّ إن المناسب حذف هذا المطلب لأنه تكرار لقوله: (قلت: لا يخفى أن دلالته على كل فرد إنما كانت ...).

فالمانع عنه: أي المانع عن الظهور في الباقي.

نعم إنما يجدي: أي رفع المانع بالأصل.

فصل إذا كان الخاص ...: هذا شروع في الصورة الأولى من دون تمهيد بتوضيح سابق، و كان المناسب ذكر تمهيد مسبق.

بأن كان دائرا بين الأقل و الأكثر: و أما إذا كان دائرا بين المتباينين فيأتي إن شاء اللّه تعالى.

315

لا حقيقة: أي لا يزول ظهور العام في العموم بل يبقى كما هو، فإن ذلك لازم فرض كون المخصّص منفصلا.

و لا حكما: أي و لا تزول حجية ظهور العام بل تبقى.

إنما يزاحمه: أي إن الخاص إنما يزاحم العام في المقدار الذي يكون الخاص حجة فيه على خلاف العام.

تحكيما للنص: أي إن الخاص إنما يزاحم العام و يقدّم عليه من باب تقديم النص أو الأظهر على الظاهر.

خلاصة البحث:

اجيب بجوابين آخرين عن حجة النافي مطلقا، أحدهما: إن تمام الباقي أقرب إلى العام، و أجيب بأنها أقربية مقدارية، و ثانيهما: إن المقتضي للحمل على تمام الباقي موجود و المانع مفقود، و اجيب بأن لا مقتضي للحمل على تمام الباقي.

ثمّ تعرض إلى حالة إجمال المخصّص، و ذكر أن الصور أربع، و في الصورة الأولى يكون العام حجة في المقدار الزائد لعدم مزاحمته بحجة أخرى أقوى.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إنه قد اجيب عن حجة النافي مطلقا بجوابين آخرين:

1- إن الباقي أقرب المجازاة.

و فيه: إن الأقربية المذكورة هي بحسب المقدار، و هي لا اعتبار بها، و أما بحسب زيادة الأنس الناشئة من كثرة الاستعمال فهي غير متحقّقة.

316

2- ما جاء في تقريرات بحث شيخنا الأستاذ: و الأولى أن يجاب- بعد تسليم مجازية الاستعمال- بأن دلالة العام على كل فرد من أفراده غير منوطة بدلالته على فرد آخر رغم أنها دلالة مجازية، إذ هي بسبب عدم شموله لبعض أفراده لا بدخول غيرها، فالمقتضي للحمل على الباقي موجود، و المانع مفقود، لأن المانع- و هو المخصّص- منتف عن الباقي، و لو شكّ فيه فالأصل عدمه.

و الجواب: أن دلالته على كل فرد هي ضمن دلالته على العموم فإذا لم يستعمل فيه و استعمل في الخصوص و كان إرادة كل واحد من مراتب الخصوص ممكنا فتعيين بعضها يكون بلا مرجّح.

و الظهور في الباقي لا مقتضي له، ضرورة أنه إما الوضع أو القرينة، و المفروض انتفاؤهما.

و عليه فالمانع و إن كان مدفوعا بالأصل إلّا أنه لا مقتضي بعد رفع اليد عن الوضع و إنما يجدي رفعه بالأصل لو كان مستعملا في العموم كما حقّقناه.

إجمال المخصص:

إجمال المخصّص له صور.

الإجمال بحسب المفهوم:

فإذا كان بحسب المفهوم بسبب الدوران بين الأقل و الأكثر و كان منفصلا فلا يسري إجماله إلى العام حقيقة و لا حكما، بل يلزم أن يتّبع فيما إذا لم يزاحم بحجة أقوى، و الخاص حجة أقوى في خصوص الأقل.

***

317

قوله (قدّس سرّه):

«و إن لم يكن كذلك بأن كان دائرا بين المتباينين ...، إلى قوله: هذا إذا كان المخصّص لفظيا ...».

(1)

الصور الثلاث الباقية للإجمال المفهومي:

إن ما تقدّم كان ناظرا إلى حالة إجمال المخصّص من حيث المفهوم بسبب دورانه بين الأقل و الأكثر مع فرض كونه منفصلا، و أما إذا كان دائرا بين المتباينين سواء أ كان متصلا أو منفصلا أم كان دائرا بين الأقل و الأكثر مع فرض الاتصال فالمناسب أن يقال: إنه في حالة اتصال المخصّص لا ينعقد للعام ظهور في العموم من دون فرق بين حالة الأقل و الأكثر و حالة المتباينين، و لازم ذلك الرجوع إلى الأصول العملية، و أما في حالة انفصال المخصّص مع كون الدوران بين المتباينين فالعام ينعقد له ظهور في العموم و لكنه ليس حجة. و على هذا الأساس توجد لدينا دعويان:

1- إنه في حالة انفصال المخصّص مع كون الدوران بين المتباينين ينعقد للعام ظهور في العموم و لكنه ليس حجة.

2- إنه في حالة اتصال المخصّص لا ينعقد للعام ظهور في العموم من دون فرق بين المتباينين و الأقل و الأكثر.

أما الدعوى الأولى فوجهها واضح، فإنه ما دام المخصّص منفصلا فالعام‏

____________

(1) الدرس 215: (6/ شعبان/ 1426 ه).

318

ينعقد له ظهور في العموم، لما ذكرناه مسبقا من أن العام في مورد التخصيص يكون مستعملا في العموم و ظاهرا فيه و يكون حجة، غايته في مورد كلامنا لا يمكن التمسك بظهوره في كلا الفردين معا للعلم بخروج أحدهما منه بالمخصّص، و لا بلحاظ أحدهما لأنه ترجيح بلا مرجح، فحينما يقال: ساعد الفقراء، ثمّ يقال: لا تساعد زيدا الفقير فلا يمكن التمسك بظهور ساعد الفقراء بلحاظ كلا الزيدين، للعلم بخروج أحدهما، و لا بلحاظ أحدهما لأنه بلا مرجّح، و يلزم آنذاك الرجوع إلى الأصول العملية.

و أما الدعوى الثانية فلأن لازم اتصال المخصّص عدم انعقاد الظهور للعام لاتصاله بما يصلح للقرينية، فلو قيل: ساعد الفقراء غير زيد فلا ينعقد ظهور لوجوب الإكرام بلحاظ زيد هذا و لا بلحاظ زيد ذاك، و هكذا لو قيل: تتحيّض المرأة غير القرشية إلى خمسين، فإنه لا ينعقد ظهور بلحاظ المنتسبة بالأب و لا بلحاظ المنتسبة بالامّ، لاحتمال إرادتهما معا، و يترتّب على هذا أن حجية العام تنحصر بخصوص الأفراد التي يجزم بعدم خروجها بالمخصّص، أي بخصوص غير الزيدين و بخصوص غير المنتسبة بالامّ و لا بالأب إلى قريش، و أما في الزيدين أو المنتسبة بالأب أو بالامّ فيلزم الرجوع إلى ما تقتضيه الأصول العملية.

الإجمال المصداقي أو التمسك بالعام في الشبهات المصداقية:

ما تقدم كان ناظرا إلى حالة إجمال المخصص من حيث المفهوم.

و أما إذا كان مجملا من حيث المصداق ففي حالة كون المخصص متصلا لا ينعقد للعام ظهور في العموم ليقع الكلام في أنه هل يجوز التمسك به أو لا، فلو قيل: المرأة غير القرشية تتحيّض إلى خمسين، و شكّت امرأة أنها قرشية أو لا فلا ظهور في العموم لتتمسك به و يلزمها الرجوع إلى الأصول العملية.

319

و أما إذا كان المخصّص منفصلا فقد قيل بجواز التمسك بالعام باعتبار أن المخصّص إذا كان منفصلا فينعقد للعام ظهور في العموم، و حيث إن الخاص لا يجوز التمسك به فيلزم التمسك بظهور العام، فلو قيل: المرأة تتحيّض إلى خمسين ثمّ قيل: القرشيّة تتحيّض إلى ستين و شكّت امرأة أنها قرشية أو لا فلا يمكنها التمسك بالخاص كما هو واضح، لأنها لا تجزم بكونها قرشية حتّى تتمسك بخطاب القرشية تتحيّض إلى ستين، و حيث إن ظهور العام شامل لها جزما- فإن موضوعه هو المرأة، و هي امرأة جزما- فيلزمها التمسك به و يكون حجة في حقها، و بالتالي يلزمها التحيّض إلى خمسين.

هكذا قد يستدل لجواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.

و المناسب عدم جواز التمسك به.

و الوجه في ذلك: إن العام و إن كان له ظهور في الشمول لكل امرأة بما في ذلك التي تشكّ أنها من قريش أو لا- و ذلك باعتبار أننا قد فرضنا أن المخصّص منفصل، و في مثله ينعقد للعام ظهور في العموم- إلّا أن هذا الظهور ليس حجة بعرضه العريض لفرض أن القرشية قد خرجت منه بالمخصّص بل يعود حجة بلحاظ المرأة غير القرشية فقط.

و بشكل أوضح نقول: إنه يلزم التفرقة بين الظهور و بين الحجية، فالعام له ظهور في العموم الوسيع الشامل لكل امرأة حتّى القرشية إلّا أن الحجية شي‏ء آخر، و هي ليست ثابتة لهذا العموم الوسيع بل للمرأة غير القرشية، و المهم هو الحجية دون نفس الظهور، إذ الظهور بما هو ظهور بقطع النظر عن الحجية لا قيمة له، و بهذا نصير قد حصلنا على حجتين: العام و هو حجة في المرأة غير القرشية، و الخاص و هو حجة في القرشية، و كأنه قيل هكذا: المرأة غير القرشية تتحيّض إلى خمسين، و المرأة القرشية تتحيّض إلى ستين، و المرأة التي تشكّ في‏

320

حالها لا تدري هي داخلة تحت أي واحدة من الحجتين، و لا مرجّح لادخالها في إحدى الحجتين دون الأخرى، و يلزم على هذا الأساس الرجوع إلى الأصول العملية.

و لك أن تقول: إنه و إن كان يوجد فرق بين المخصّص المتصل و بين المنفصل من ناحية، إلّا أنهما يشتركان من ناحية أخرى، فالفرق هو من ناحية أنه في المخصّص المتصل لا ينعقد للعام ظهور في العموم، و هذا بخلافه في المخصّص المنفصل، و الاشتراك هو من ناحية أن العام في كليهما ليس حجة في المصاديق المشتبه، و يلزم الرجوع إلى الأصل العملي.

توضيح المتن:

بين المتباينين مطلقا: أي سواء أ كان متصلا أم منفصلا.

حكما في المنفصل: سريان الإجمال حقيقة يعني زوال الظهور في العموم، بينما السريان الحكمي يعني زوال حجية الظهور مع بقاء نفس الظهور حقيقة.

و حقيقة في غيره: و هو المتّصل من المتباينين أو الأقل و الأكثر.

اللذين علم تخصيصه بأحدهما: أي للعلم الإجمالي بتخصيصه بأحدهما.

لكنه حجة في الأقل: أي لكن العام حجة في الأقل، أي في الأفراد التي يجزم بعدم دخولها في المخصّص.

لأنه المتيقن في البين: أي لأن الأقل بالمعنى المتقدّم يتيقن بشمول العام له.

فانقدح بذلك الفرق ...: أي ففي المتّصل يزول الظهور من العام رأسا بينما في المنفصل لا يزول، و لكنه في المتباينين يسقط عن الحجية بلحاظ كليهما بينما في الأقل و الأكثر يسقط عن الحجية بلحاظ الأكثر فقط.

321

و أما إذا كان مجملا بحسب المصداق: هذا عدل لقوله: (إذا كان الخاص بحسب المفهوم مجملا)، و هو شروع في حالة الإجمال المصداقي، و ما سبق كان ناظرا إلى حالة الإجمال المفهومي.

ضرورة عدم انعقاد ظهور للكلام إلّا في الخصوص: العبارة موهمة، و المناسب ضرورة عدم انعقاد ظهور للكلام إلّا في المقدار الباقي الذي لم يخرّج بالمخصّص.

فيما كان فعلا حجة: أي فيما كان الخاص حجة فيه بالفعل.

فلا يزاحم ...: المقصود من المزاحمة و المعارضة معناهما اللغوي دون الاصطلاحي.

و هو في غاية الفساد: أي إن غاية ما يمكن أن يقال في وجه جوازه ... و لكنه هو في غاية الفساد.

خلاصة البحث:

إن الإجمال إذا كان مفهوميا بسبب الدوران بين الأقل و الأكثر، و المخصّص كان منفصلا فالعام ينعقد له ظهور في العموم و يكون حجة لعدم مزاحمته بحجة أقوى بلحاظ الأكثر.

و أما في بقية الصور الثلاث للإجمال المفهومي ففي حالة اتصال المخصّص لا ينعقد ظهور للعام رأسا، و في حالة انفصاله و الدوران بين المتباينين ينعقد له ظهور و لكنه ليس حجة للعلم الإجمالي.

و أما إذا كان الإجمال مصداقيا ففي حالة اتصال المخصّص لا ينعقد ظهور للعام رأسا بينما في حالة الانفصال ينعقد له ظهور و لكن حجيته تختص بغير عنوان الخاص فتكون لدينا حجتان، و لا ندري أن المصداق المشكوك يدخل تحت أي منها.

322

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أما إذا لم يكن كذلك- إما للدوران بين المتباينين مطلقا أو بين الأقل و الأكثر في حالة الاتصال- فيسري إجماله إليه حكما في المنفصل المردد بين المتباينين و حقيقة في غيره.

أما الأوّل فلأن العام ظاهر في العموم إلّا أنه لا يتّبع في أي واحد من المتباينين للعلم الإجمالي بتخصيصه بأحدهما.

و أما الثاني فلعدم انعقاد ظهور للعام رأسا بلحاظ المشكوك لاحتفافه بما يصلح للقرينية.

و بذلك اتضح الفرق بين المتّصل و المنفصل، و كذا بين المتباينين و الأقل و الأكثر.

الإجمال بحسب المصداق:

هذا إذا كان الإجمال بحسب المفهوم.

و أما إذا كان بحسب المصداق فلا كلام في عدم جواز التمسك بالعام لو كان الخاص متصلا لعدم انعقاد ظهور له.

و أما إذا كان منفصلا ففي جواز التمسك به خلاف.

و التحقيق عدم الجواز، إذ غاية ما يمكن أن يقال في وجهه أن الخاص إنما يزاحم العام فيما هو حجة فيه فعلا، و هو ليس حجة في الفرد المشتبه.

و لكنه فاسد، فإن الخاص و إن لم يكن حجة في الفرد المشتبه إلّا أنه يوجب اختصاص حجية العام بغير عنوانه، و المصداق المشتبه و إن كان مصداقا للعام بلحاظ الظهور إلّا أنه لا يعلم بكونه مصداقا له بما هو حجة، و معه تكون لدينا حجتان، و الفرد المشتبه لا يعلم اندراجه تحت أي منهما فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل.

323

قوله (قدّس سرّه):

«هذا إذا كان المخصّص لفظيا ...، إلى قوله:

ايقاظ».

(1)

التفصيل بين المخصّص اللفظي و اللبي:

ذكرنا سابقا أن العام ليس حجة في الشبهات المصداقية، و ذلك لوجود حجتين، و ادخال المشكوك تحت إحداهما دون الأخرى ترجيح بلا مرجّح. و الآن نستدرك و نقول: هذا يتم فيما إذا كان المخصّص لفظيا، و أما إذا كان لبيّا فتوجد حالتان:

1- أن يكون المخصّص اللبي واضحا بدرجة البداهة بحيث لا يحتاج إلى فحص و مقدمات، و هنا يصير المخصّص اللبي المذكور بمنزلة المخصّص اللفظي المتصل، فكما أنه لا ينعقد للعام معه ظهور في العموم كذلك الحال في محل كلامنا، و بالتالي لا يجوز التمسك بالعام بلحاظ الفرد المشكوك من جهة عدم وجود ظهور في العموم ليتمسك به.

مثال ذلك: ما إذا قال المولى: أكرم جيراني، و كنّا نعرف من حاله أنه يبغض إكرام الأعداء له و كان ذلك واضحا بدرجة جليّة، فإذا شككنا في جيران أنه من الأعداء أو لا فلا يجوز التمسك بالعموم، بل يلزم الرجوع إلى الأصول العملية.

____________

(1) الدرس 216: (7/ شعبان/ 1426 ه).

324

2- أن يكون المخصّص ليس واضحا بل يحتاج إلى فحص و مقدمات، و هنا ينعقد للعام ظهور في العموم و يلزم التمسك به في الفرد المشكوك.

مثال ذلك: ما إذا فرض في المثال السابق أنّا لم نعرف حال المولى اتجاه أعداءه، و بعد الفحص تأكّد لنا أنه يبغض إكرامهم، فهنا يصير المخصص اللبي المذكور بمثابة المخصّص اللفظي المنفصل في انعقاد الظهور للعام، و لكن هذا و إن كان جهة اشتراك بينهما إلّا أنهما يختلفان في أنه في مقامنا يلزم التمسك بالعام- بل إذا لم يكرم العبد جيرانا معيّنا لاحتمال أنه عدو يذمه العقلاء- بخلافه في المخصّص اللفظي المنفصل، فإنه لا يجوز التمسك بالعام.

و لكن ما هي نكتة الفرق، حيث جاز في مقامنا التمسك بعموم العام في الفرد المشتبه، بخلافه في ذلك المقام؟ إن وجه الفرق هو أنه في ذلك المقام صدرت من المولى حجتان: العام و الخاص، و مقتضى تقديم الخاص من باب أنه أقوى يصير العام حجة في غير عنوان الخاص، و بما أن ادخال الفرد المشكوك تحت إحدى الحجتين دون الأخرى ترجيح بلا مرجّح فلا يجوز التمسك بالعام و يلزم الرجوع إلى الأصول العملية، و هذا بخلافه في مقامنا، فإن الحجة الصادرة من المولى واحدة و هي العام، و الحجة الثانية ليست هي إلّا القطع بأن هذا عدو لا يريد المولى إكرامه، و حيث لا قطع بل هناك شك في أن هذا عدو فيلزم إكرامه تمسكا بعموم العام.

و لعلّ منشأ تمسك العقلاء بعموم العام في المخصّص اللبي الذي لا يكون واضحا و عدم تمسكهم به في المخصّص اللفظي هو الفرق الذي أشرنا إليه، و هو أنه لا توجد حجتان في مقامنا بخلافه في المخصّص اللفظي.

ثمّ ترقّى (قدّس سرّه) و قال: إنه في مقامنا يجوز التمسك بالعام و نستكشف من خلال التمسك به أنه ليس من أفراد الخاص، فإذا قيل: لعن اللّه بني أمية قاطبة ثمّ جزمنا

325

بأن المؤمن منهم لا يجوز لعنه، ثمّ شككنا في فرد من بني أمية أنه مؤمن أو لا فيجوز التمسك بالعموم و من ثمّ نستكشف أنه ليس بمؤمن و نطبّق عليه أحكام غير المؤمن من جواز الغيبة و ما شاكله. (1)

توضيح المتن:

فإن كان مما يصح أن يتكل عليه المتكلم: و ذلك لشدة وضوحه.

إلّا في الخصوص: التعبير موهم، و المناسب: إلّا في الباقي أو إلّا فيما عدا الخاص.

و إن لم يكن كذلك: هذا عدل لقوله: (فإن كان مما يصح أن يتكل عليه المتكلم ...).

____________

(1) يمكن أن يعلّق على ما أفاده في الفرق بين المخصّص اللبي و المخصّص اللّفظي بأن العقل بعد أن قطع بأن المولى لا يريد إكرام أعداءه، أي من هو عدو له في الواقع فسوف تصير حجية العام مختصة بغير العدو الواقعي، و بالتالي تحصل لنا حجتان، و ادخال المشكوك تحت إحداهما دون الأخرى ترجيح بلا مرجّح، فالفرق الذي ذكره لا نعرف له وجها. نعم لو فرض أن العقل قطع بأن المولى لا يريد إكرام من يقطع بأنه عدو فنسلّم هنا بلزوم اتباع العام في المصداق المشكوك، و لكن هذا شي‏ء آخر، و المفروض أن العقل يقطع ببغض المولى لإكرام العدو الواقعي.

و ربما يوجّه ما أفاده (قدّس سرّه) بأن العقل و إن قطع بحرمة إكرام العدو الواقعي و لكن المولى حينما أصدر الأمر بنحو العموم و قال: أكرم جيراني فنفس العموم يدل على أنه قد أحرز المولى نفسه أن جميع جيرانه هم من غير الأعداء فيلزم بناء على هذا اتّباع الأمر في المصداق المشكوك.

و هذا البيان و إن كان يشتمل على وجاهة، و لكن النكتة التي أبرزها (قدّس سرّه)، و هي أنه لا توجد في المقام حجتان تكون مرفوضة، لأنه بالتالي توجد حجة ثانية ثابتة بالعقل، و هي توجب تخصيص العام بغير الأعداء.

326

كظهوره فيه: أي فكما أن ظهوره فيه ثابت فكذلك حجيته.

الملقى من السيد حجة: أي الملقى حجة، فكلمة حجة تمييز لكلمة الملقى أو حال.

للعلم بعداوته: هذا قيد للمنفي، أي لقوله: (يعلم بخروجه).

على خلافه: أي على خلاف العام.

كأنه من رأس لا يعمّ الخاص: أي حكما و من حيث الحجية.

و القطع بعدم إرادة العدو لا يوجب ...: بل يوجب اختصاص حجيته بغير عنوان العدو كما ذكرنا.

و لعلّه لما أشرنا إليه: أي لعلّ اختلاف السيرة.

لما علم بخروجه من حكمه بمفهومه: فإن هذا الجيران إذا كان خارجا فهو ليس خارجا بعنوانه الخاص و بما هو هذا الجيران بل بالمفهوم و العنوان العام، و هو عنوان العدو. و على هذا فكلمة بمفهومه متعلقة بخروجه.

خلاصة البحث:

إن العام إنما لا يجوز التمسك به في الشبهات المصداقية فيما إذا كان المخصّص لفظيا، و أما إذا كان لبيّا واضحا فهو كالمخصّص اللفظي، و إذا لم يكن واضحا فيلزم التمسك بالعام في المشكوك، و السيرة قاضية بذلك، و لكنه لكون الصادر من المولى في المخصّص اللفظي حجتين، بخلافه في المخصّص اللبي، فإن الصادر منه حجة واحدة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هذا إذا كان المخصّص لفظيا.

و أما إذا كان لبيّا:

327

فإن كان مما يصح أن يتّكل عليه المتكلم لوضوحه فهو كالمتصل، حيث لا ينعقد معه ظهور للعام إلّا في الباقي.

و إن لم يكن كذلك فالظاهر بقاء العام على الحجية، و سر الفرق أن الحجة الصادرة من المولى ليس إلّا العام فلا بدّ من اتّباعه ما لم يقطع بخلافه، مثلا إذا قال المولى: أكرم جيراني و قطع بأنه لا يريد إكرام من كان عدوا له منهم فتكون أصالة العموم باقية على الحجية بالنسبة إلى من لم يعلم بخروجه لعدم حجة أخرى بدون ذلك، بخلاف ما إذا كان المخصّص لفظيا، فإن مقتضى تقديمه على العام كون الملقى كأنه لا يعمّ الخاص من البداية.

و القطع بعدم إرادة العدو لا يوجب انقطاع حجيته إلّا في المقطوع عداوته لا في المشكوك، كما يظهر صدق هذا من صحة مؤاخذة المولى لو لم يكرم واحدا لاحتمال عداوته.

و بالجملة بناء العقلاء على حجية العام في المشتبه بخلافه هناك، و لعلّه لما أشرنا إليه من التفاوت بوجود حجتين هناك دونه هنا.

بل يمكن أن يقال في المقام: إن مقتضى عموم العام للمشكوك عدم كونه من أفراد الخارج، فيقال في مثل لعن اللّه بني أمية قاطبة: إن فلانا المشكوك في إيمانه يجوز لعنه للعموم، و كل من جاز لعنه فهو ليس بمؤمن فيثبت أنه ليس بمؤمن.

***

328

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

329

الفصل الرابع: استصحاب العدم الأزلي‏

330

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

331

قوله (قدّس سرّه):

«ايقاظ لا يخفى ...، إلى قوله: وهم و ازاحة».

(1)

استصحاب العدم الأزلي:

ذكرنا فيما سبق أن العام ليس حجة في الشبهات المصداقية، فلو ورد مثلا دليل بلسان المرأة تتحيّض إلى خمسين و ورد دليل آخر يقول القرشية تتحيّض إلى ستين فالعام سوف تتضيّق حجيته و تختص بخصوص المرأة غير القرشية، و سوف نحصل بذلك على حجتين، و ادخال المشكوك تحت إحداهما دون الأخرى ترجيح بلا مرجّح فيلزم الرجوع إلى الأصول العملية.

و الآن يراد أن يقال: إن بالإمكان أن نثبت موضوع العام من خلال استصحاب العدم الأزلي، و من ثمّ نثبت حكم العام من دون تمسك بظهوره ابتداء، بل بظهوره بعد إثبات موضوعه بالاستصحاب.

و حاصل هذه الطريقة أن يقال: إن موضوع العام هو مركّب من جزءين، أي امرأة و أن لا تكون قرشية، و الجزء الأوّل- أعني المرأة- محرز بالوجدان، و الجزء الثاني محرز بالاستصحاب، و بعد إحراز كلا الجزءين و ثبوت موضوع العام يثبت حكمه.

أما كيف نحرز بالاستصحاب الجزء الثاني و الحال أن الاستصحاب يحتاج‏

____________

(1) الدرس 217: (8/ شعبان/ 1426 ه).

332

إلى حالة سابقة متيقنة، و في مقامنا لا يوجد ذلك، لأن المرأة بعد أن تولد لا نجزم بكونها منتسبة إلى قريش حتّى نستصحب ذلك، و لا نجزم أيضا بعدم انتسابها إلى قريش كي نستصحب ذلك؟

إنه يمكن الاستصحاب من خلال الصعود إلى حالة ما قبل الحياة، أي حالة ما قبل انعقاد نطفة المرأة المذكورة المشكوكة و نقول هكذا:

إن هذه المرأة قبل أن تنعقد نطفتها لم تكن ذاتها موجودة، كما أنه لم يكن انتسابها إلى قريش ثابتا، و بعد أن انعقدت نطفتها و ولدت نجزم بتبدّل عدم الذات إلى الوجود، و أما عدم الانتساب إلى قريش فيشك في تبدله إلى الوجود فيستصحب بقاؤه، و بذلك نكون قد أحرزنا كلا الجزءين، فالجزء الأوّل- و هو المرأة- قد احرز بالوجدان، و الجزء الثاني- أعني عدم الانتساب إلى قريش- قد احرز باستصحاب العدم الأزلي.

و من الطبيعي أنه إنما نحتاج إلى ملاحظة العدم الأزلي فيما إذا لم يمكن إجراء الاستصحاب بلحاظ ما بعد الحياة، و إلّا فلا معنى لملاحظة ذلك العدم الأزلي.

و مثال ذلك: ما إذا قال المولى: ساعد الفقراء، ثمّ قال: لا تساعد الفقير الفاسق، ثمّ شك في فقير هل هو فاسق أو لا، ففي مثله ربما نعرف الحالة السابقة للفقير المذكور و ندري أنه لم يكن قبل سنة مثلا فاسقا و لكن الآن نشك في فسقه فنستصحب آنذاك عدم الفسق الثابت سابقا قبل سنة بلا حاجة إلى الصعود إلى ما قبل الحياة.

إذن الحاجة إلى إجراء استصحاب العدم الأزلي فرع عدم إمكان‏

333

إجراء الاستصحاب بلحاظ ما بعد الحياة المعبّر عنه باستصحاب العدم النعتي. (1)

نعم في المثال المذكور ربما لا يمكن إجراء الاستصحاب بلحاظ ما بعد الحياة و لا يمكن أيضا إجراء استصحاب العدم الأزلي، كما لو فرض أن الفقير قد طرأت عليه بعد بلوغه حالات مختلفة، فمرة صار فاسقا و أخرى عادلا، و هكذا من دون أن ندري ما حاله الآن، فهنا لا يمكن إجراء استصحاب فسقه أو عدم فسقه ما بعد بلوغه لفرض اختلاف حالتيه و تعارض استصحابهما، كما أنه لا يمكن استصحاب العدم الأزلي للفسق لأن عدم الفسق الثابت أزلا نجزم بانتقاضه و تبدّله إلى الفسق.

إذن هناك حالات ثلاث، فتارة يجري استصحاب العدم الأزلي دون استصحاب العدم النعتي، كما في المثال السابق للقرشية، و أخرى يجري النعتي دون الأزلي، كما في مثال الفقير إذا كنّا نعرف عدم كونه فاسقا قبل سنة، و ثالثة لا يجريان معا، كما في مثال الفقير إذا تبادلت حالات الفسق و العدالة عليه.

و عليه فمحل حديثنا الآن ما إذا لم يمكن إجراء استصحاب العدم النعتي و انحصر الأمر باستصحاب العدم الأزلي- كما هو الحال في مثال‏

____________

(1) لا يخفى أن العدم الثابت ما قبل الوجود حيث إنه يمتد إلى الأزل و لا يتحدّد بفترة معينة فبهذا الاعتبار يصطلح عليه بالعدم الأزلي، فإذا كان عمر المرأة التي تشك في قرشيتها خمسين سنة مثلا فعدم قرشيتها الثابت قبل انعقاد نطفتها لا يتحدّد بما قبل خمسين سنة بل و لا بمائة و لا بألف، بل العدم المذكور ثابت من الأزل حينما كان اللّه سبحانه و لم يكن معه شي‏ء، و لا يلزم محذور تعدّد القدماء لأن الفرض أنه عدم. هذا بالنسبة إلى العدم قبل الوجود، و أما العدم ما بعد الوجود فيصطلح عليه بالعدم النعتي، إذ بعد تحقّق المرأة و وجودها يقع العدم نعتا لموصوفه الموجود، فالمرأة الموجودة تكون متّصفة بعدم القرشية، فالعدم بعد الوجود دائما نعتي بخلافه ما قبل الوجود فإنه أزلي دائما.

334

القرشية- فيقع البحث حينئذ هل يمكن إجراء استصحاب العدم الأزلي أو لا؟

إن الجواب عن هذا السؤال يتوقف على استذكار مصطلح الأصل المثبت أوّلا. و قد ذكرنا سابقا أن الأصل المثبت عبارة عن كل استصحاب يقصد من إجراءه ترتيب آثار غير شرعية، بخلاف ما إذا اريد ترتيب آثار شرعية فإنه الاستصحاب المتعارف الذي هو حجة.

فمثلا إذا شكّ شخص في حياة ولده لأجل أنه سافر و انقطعت أخباره و أراد استصحاب حياته فتارة يكون الهدف دفع النفقة إليه أو توريثه إذا كان قد مات أحد أقربائه، و أخرى يكون الهدف إثبات أنه قد تزوّج ليفي الأب بنذره فيما إذا كان قد نذر التصدّق على الفقراء لو تزوج مثلا، فإن كان الهدف هو الأوّل فالاستصحاب المذكور حجة، و هو ليس أصلا مثبتا، لأن وجوب النفقة أو الارث أثران شرعيان للحياة، و هذا بخلاف ما إذا كان الهدف إثبات تزوّجه، فإن الاستصحاب يكون مثبتا، إذ الزواج ليس أثرا شرعيا لبقاء الشخص حيا إلى فترة ثلاثين سنة مثلا.

و بعد هذا الاستذكار نعود إلى استصحاب العدم الأزلي و نقول: إنه قد اختلف الأصوليون في حجيته و عدمها، و سبب اختلافهم قضية معيّنة لا بدّ من تركيز الأضواء عليها، و تلك القضية المعيّنة هي: أن موضوع العام قبل ورود المخصّص إذا كان هو المرأة فبعد وروده لا يمكن أن يبقى من دون طرو تغيير عليه، بل لا بدّ من طرو تغيير عليه، فإذا كان الموضوع سابقا هو المرأة فالآن يصير هو المرأة المتّصفة بعدم القرشية أو المرأة التي ليس معها انتساب إلى قريش أو نحو ذلك، و هذا المقدار من طرو التغيير أمر مسلّم، و إنما الكلام وقع في تحديد ذلك التغيير الطارئ بشكل دقيق، فهل الموضوع يصير هكذا: المرأة

335

المتّصفة بعدم القرشية بحيث يكون الاتّصاف بعدم القرشية هو الجزء الثاني، أو أنه يصير هكذا: المرأة+ عدم الاتصاف بالقرشية، و الأوّل هو ما يعبّر عنه بأخذ العدم بنحو معدولة المحمول، و الثاني هو ما يعبّر عنه بأخذ العدم بنحو السلب المحصّل.

فإن بنينا على الأوّل فاستصحاب العدم الأزلي لا يجري، لأن العدم الثابت سابقا هو عدم الاتصاف بالقرشية، و المفروض أن الأثر مترتّب على الاتصاف بعدم القرشية، و أحدهما غير الآخر، و ليس أحدهما أثرا شرعيا للثاني، بل أقصى ما في الأمر أن بينهما ملازمة عادية أو عقلية فيكون استصحاب أحدهما لإثبات الآخر أصلا مثبتا.

و إن بنينا على الثاني فاستصحاب العدم الأزلي يجري، لأن الجزء الثاني في موضوع الأثر هو عدم الاتصاف، و المفروض أن الثابت سابقا بنحو العدم الأزلي هو عدم الاتصاف أيضا.

و قد اختار الشيخ الخراساني أن موضوع العام يتحدّد بالشكل الثاني لا الأوّل، و ذكر في وجه ذلك أن العام قبل أن يرد المخصّص و يقوم بتخصيصه كان يشمل جميع العناوين، فهو حينما يقول: المرأة تتحيّض إلى خمسين يشمل المرأة المتّصفة بالقرشية، و المرأة المتصفة بعدم القرشية، و المرأة التي لا يكون معها اتصاف بالقرشية، و المرأة التي لا يكون معها اتصاف بغير القرشية، و المرأة الطويلة و القصيرة، و الجميلة و القبيحة، و العربية و الهندية و ... إن جميع هذه العناوين هي مشمولة للعام، و حينما يجي‏ء المخصّص فأقصى ما يقوله بلسان حاله: إن المهمّ أن لا يكون وصف القرشية ثابتا، و هذا يعني أن جميع العناوين الأخرى تبقى كلها ثابتة- و الذي خرج هو وصف القرشية فقط-، و من جملة

336

العناوين الباقية هو المرأة التي لا يكون معها اتصاف بالقرشية، أي المرأة بإضافة عدم القرشية بنحو السالبة المحصّلة، و معه فيجري استصحاب العدم الأزلي، أي استصحاب عدم الاتصاف بالقرشية و يثبت به الجزء الثاني في موضوع العام. و هذا الذي أفاده (قدّس سرّه) مطلب وجداني مقبول. (1)

توضيح المتن:

بعد تخصيصه بالمنفصل: و أما إذا كان المخصّص متصلا- مثل المرأة غير القرشية- تتحيّض إلى خمسين فلا إشكال في عدم جريان استصحاب العدم الأزلي آنذاك، لأن الجزء الثاني أخذ بنحو كونه وصفا و قيدا للجزء الأوّل، فيصير الموضوع بالعبارة الصريحة هو المرأة المتّصفة بعدم القرشية، و استصحاب العدم الأزلي لا يمكنه إثبات الاتّصاف بعدم القرشية.

نعم يمكن أن نفترض المخصّص متصلا و لكن من قبيل الاستثناء أو الغاية، بأن يقال هكذا: ساعد الفقير إلّا أن يفسق أو إلى أن يفسق الذي هو من زاوية بحكم المنفصل. و من هنا قال (قدّس سرّه): أو كالاستثناء من المتصل.

أو كالاستثناء من المتصل: إنما أتى بالكاف ليشير إلى أن الحكم المذكور يعم الاستثناء و غيره.

____________

(1) و قد يشكل بأن استصحاب عدم الاتصاف بالقرشية معارض باستصحاب عدم الاتصاف بغير القرشية، فلا يجري هذا و لا ذاك.

و الجواب: إن عنوان القرشية قد رتّب عليه أثر شرعي، و هو التحيّض إلى ستين، و هذا بخلاف عنوان غير القرشية فإنه لم يرتّب عليه أثر في لسان الدليل، و بناء على هذا نقول: إن استصحاب عدم الانتساب إلى غير قريش إذا أريد به إثبات عدم الانتساب إلى غير قريش لا أكثر فهو مما لا أثر له، و إذا اريد به إثبات الانتساب إلى قريش فهو أصل مثبت، لأن الملازمة بينهما ليست شرعية.

337

لمّا كان غير معنون ...: هذا إشارة إلى تلك القضية الأساسية، أي إنه لمّا كان الباقي تحت العام جميع العناوين من دون أن يتعنون بعنوان معيّن- مثل الاتصاف بعدم القرشية- فيترتّب على ذلك إمكان إحراز حال المشتبه بواسطة استصحاب العدم الأزلي.

المشتبه منه: أي من الخاص. و المناسب حذف كلمة منه، فإنه بلا داع.

بالأصل الموضوعي: و هو استصحاب عدم الاتصاف بالقرشية الذي هو استصحاب يثبت به الجزء الثاني من موضوع حكم العام، فهو لأجل أنه يحرز به حال الموضوع اصطلح عليه بالاستصحاب الموضوعي.

إلّا ما شذ: و هو مثل حالة تبادل الأوصاف و اختلافها كما أوضحنا.

و إن لم يجز التمسك به: أي بنفس العام من دون إجراء استصحاب العدم الأزلي.

فلا أصل يحرز به أنها قرشية: أي لا أصل بلحاظ ما بعد انعقاد النطفة.

خلاصة البحث:

في الشبهات المصداقية و إن لم يمكن التمسك بالعام و لكن يمكن التمسك باستصحاب العدم الأزلي لإثبات الجزء الثاني في موضوع حكم العام، فإنه بعد ورود المخصّص لا يتعنون العام بعنوان معيّن، مثل عنوان الاتصاف بعدم القرشية، بل يخرج منه عنوان الخاص فقط و تكون جميع العناوين الأخرى باقية تحته، و أحد تلك العناوين هو عنوان عدم الانتساب إلى قريش الذي يمكن إثباته باستصحاب العدم الأزلي.

338

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ايقاظ يرتبط باستصحاب العدم الأزلي:

إن الباقي تحت العام- بعد تخصيصه بالمنفصل أو بالمتصل من قبيل الاستثناء- لمّا لم يتعنون بعنوان خاص بل بكل عنوان غير عنوان الخاص كان إحراز المشتبه بالأصل الموضوعي في غالب الموارد ممكنا، و بذلك يحكم عليه بحكم العام و إن لم يجز التمسك به.

مثلا إذا شك في امرأة أنها قرشية أو لا فهي و إن كانت بعد وجودها إما قرشية أو لا من دون وجود أصل يمكن به إحراز أنها قرشية أو لا إلّا أنه بأصالة عدم تحقّق الانتساب بينها و بين قريش يمكن إثبات أنها تحيض إلى خمسين، لأن المرأة التي ليس لها انتساب إلى قريش باقية تحت العام، و الخارج هو القرشية. (1)

***

____________

(1) نلفت النظر إلى أن مورد استصحاب العدم الأزلي هو الشبهات المصداقية لا غير، أي مورد وجود عام لا يمكن التمسك به من جهة كون الشبهة مصداقية، فلتعذّر التمسك به يصار إلى استصحاب العدم الأزلي.

و بهذا يتّضح الوجه في ذكر مبحث استصحاب العدم الأزلي بعد مبحث التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

339

قوله (قدّس سرّه):

«وهم و ازاحة ...، إلى قوله: و إذا كانت محكومة بعناوينها الأوّلية ...».

(1)

هل يجوز التمسك بالعموم إذا لم يشك في التخصيص؟

إذا فرض أنّا شككنا في جواز الوضوء بالماء المضاف فهل يمكن إثبات جوازه من خلال النذر، بأن ينذر المكلف الوضوء به، و بعد ذلك يقال: إن مقتضى عموم‏ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏ وجوب الوفاء به، و إذا ثبت ذلك فسوف يثبت أنه أمر مشروع صحيح، إذ لو لا كونه مشروعا لم يجب الوفاء به؟

قد يقال بجواز ذلك و أن به تثبت شرعية الوضوء بالمضاف. و ربما يؤيد ذلك بما ورد من جواز الاحرام قبل الميقات إذا نذر المكلف ذلك، و هكذا الحال بالنسبة إلى الصوم من المسافر، فإنه لو تعلّق به النذر يقع صحيحا، و إذا كان ما هو باطل جزما يقع صحيحا بواسطة النذر فيلزم بالأولوية وقوع الوضوء بالمضاف- الذي هو مشكوك البطلان- صحيحا بواسطة النذر.

و حصيلة السؤال بصيغة أخرى: إنه لو كان لدينا عموم لحكم ثانوي- كوجوب الوفاء بالنذر، فإن النذر أو المنذور عنوان ثانوي للفعل، و وجوب الوفاء حكم له- و شككنا في شموله لمورد معيّن لا من جهة احتمال التخصيص بل من جهة احتمال أنه ليس بمشروع في حدّ نفسه فهل يمكن التمسك بالعموم لإثبات الشرعية و الصحة؟

____________

(1) الدرس 218: (9/ شعبان/ 1426 ه).

340

نسب إلى بعض جواز ذلك، و الصحيح عدم جوازه، لأن عموم الحكم الثانوي قد أخذ في موضوعه حكم أوّلي، فوجوب الوفاء بالنذر مثلا قد أخذ في موضوعه كون متعلقه راجحا و مشروعا في حدّ نفسه فلو اريد إثبات الرجحان و المشروعية من خلال عموم وجوب الوفاء بالنذر فذلك يعني أن الحكم قد صار مثبتا لموضوع نفسه، أو بعبارة أخرى يلزم الدور، أي إن ثبوت الحكم الثانوي فرع ثبوت الحكم الأوّلي، فلو أردنا إثبات الحكم الأولي بواسطة الحكم الثانوي يلزم الدور.

نعم إذا فرض أن الحكم الثانوي لم يؤخذ في موضوعه حكم أوّلي، أي لم يؤخذ في موضوعه كونه راجحا في حدّ نفسه أمكن إثبات الشرعية و الجواز بواسطة التمسك بالعموم الثانوي، كما هو الحال في قاعدة نفي الحرج، فإن الحرج حكم ثانوي، و لم يؤخذ في نفي الحكم الحرجي كون متعلّقه جائزا و مشروعا في حدّ نفسه بل إن قاعدة نفي الحرج ترفع حرمة الحرام الذي هو ليس بمشروع في حدّ نفسه، و تجعله مشروعا.

إذن ينبغي التفصيل إذا أردنا التمسك بعموم الحكم الثانوي بين ما إذا أخذ في موضوعه حكم أوّلي فلا يجوز و بين ما إذا لم يؤخذ فيجوز.

توضيح المتن:

بل من جهة أخرى: أي من جهة فقدان الحكم الأوّلي، أعني رجحان الفعل و مشروعيته في حدّ نفسه.

و كل ما يجب الوفاء به: أي و كل الذي يجب الوفاء به.

لا محالة يكون: المناسب: يكون لا محالة.

إذا تعلّق بهما النذر كذلك: أي بالإتيان بالصوم في السفر و الاحرام قبل الميقات.

341

و التحقيق أن يقال: في هذا التحقيق لم يذكر شيئا جديدا سوى تكرار ألفاظ البحث و السؤال من جديد من دون أن يذكر دليلا على المدعى.

في الأمور المباحة: هذا راجع إلى إطاعة الوالد.

أو الراجحة: هذا راجع إلى الوفاء بالنذر.

ضرورة أنه معه: أي مع أخذ الحكم الأوّلي في موضوع الحكم الثانوي.

ثمّ لا يخفى أن هذا المقدار لا يصلح أن يكون وجها لعدم جواز التمسك بالعموم الثانوي، و كان من المناسب أن يقول هكذا: ضرورة أنه معه لا يكاد يتوهم عاقل ذلك، فإن الحكم لا يصلح التمسك به لإثبات موضوعه.

نعم لا بأس بالتمسك به: أي نعم لا بأس بالتمسك بالعموم الثانوي فيما إذا لم يؤخذ في موضوعه حكم أوّلي، كما هو الحال في قاعدة نفي الحرج.

بعد إحراز التمكّن منه و القدرة عليه: هذا لا حاجة إلى ذكره لأن الإشارة إلى اعتبار وجود القدرة هو من باب أنها من الشرائط العامة.

ثمّ إن عطف القدرة على التمكّن تفسيري.

خلاصة البحث:

لا يجوز التمسك بالعموم الثانوي- فيما إذا أخذ في موضوعه حكم أوّلي- لإثبات الشرعية و الصحة و إلّا يلزم الدور أو إثبات الحكم لموضوع نفسه.

342

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هل يجوز التمسك بالعموم إذا لم يكن الشك من ناحية التخصيص؟

ربما يظهر من بعض جواز التمسك بالعمومات الثانوية إذا شك في فرد لا من جهة احتمال التخصيص بل من جهة أخرى، كما لو شك في صحة الوضوء بالمضاف فينذر الإتيان به ثمّ يتمسك بعموم‏ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ‏ فيقال: مقتضى العموم وجوب الوفاء بالنذر فيكشف ذلك عن صحته. و ربما يؤيّد ذلك بما ورد من صحة الاحرام و الصيام قبل الميقات و في السفر إذا تعلّق بهما النذر كذلك.

و التحقيق عدم الجواز، فإنه لا يكاد يتوهم عاقل ما ذكر. نعم يجوز ذلك إذا لم يؤخذ في موضوع العموم الثانوي حكم أوّلي كما هو واضح.

***

343

قوله (قدّس سرّه):

«و إذا كانت محكومة بعناوينها ...، إلى قوله:

و أما صحة الصوم في السفر ...».

(1)

حكم اجتماع عنوانين:

إذا اجتمع عنوانان، أحدهما أوّلي و الآخر ثانوي، أو كان كلاهما ثانويين فالحكم على طبق أيّهما يكون؟ فمثلا إذا أراد شخص الزواج بابنة عمّه و نهاه والده عن ذلك فسوف يجتمع حكمان، فإن الزواج بابنة العم بالعنوان الأوّلي أمر مباح و لكن حينما ينهى الوالد و يتأذّى تصير المخالفة محرّمة، و بالتالي يكون الزواج المذكور مباحا بعنوانه الأوّلي و محرّما بعنوانه الثانوي فأيهما المقدّم؟

و هكذا الحال في التدخين و طلب العلم و السفر إلى بلد معيّن هي من الأمور المباحة، و قد يطرأ عليها عنوان ثانوي، من قبيل نهي الوالد و نحوه.

هذا في اجتماع عنوان أوّلي و ثانوي.

و قد يكون العنوانان ثانويين معا، كالسفر للجهاد، فإنه واجب بالعنوان الثانوي فإذا نهى عنه الوالد يصير محرّما بالعنوان الثانوي أيضا، و أيّهما المقدّم؟

و هذا البحث مهم و مستقل عمّا سبق، و لكن لا وجه لذكره هنا إلّا من باب الكلام يجرّ الكلام، حيث كان الكلام عن إمكان التمسك بإطلاق أدلة الأحكام الثانوية لإثبات صحة الفعل و مشروعيته عند الشك.

____________

(1) الدرس 219: (12/ شعبان/ 1426 ه).

344

و حاصل ما ذكره في تحقيق المطلب أن المورد هو من موارد التزاحم بين الحكمين أو بالأحرى بين المقتضي لهذا الحكم و المقتضي لذلك الحكم فيقدّم الأقوى منهما إن كان، و إذا لم يكن أحدهما أقوى بل كانا متساويين فيحكم بالاباحة.

مثال ذلك: الزواج بابنة العم، فإنه بالعنوان الأوّلي مباح بينما هو بالعنوان الثانوي محرّم فيقدّم التحريم لأنه أقوى، باعتبار انه يقتضي الفعل و يلزم به بينما الاباحة لا تقتضي الفعل، و من الواضح ان ما فيه اقتضاء الفعل أقوى مما ليس فيه الاقتضاء.

و أما بالنسبة إلى مثال الجهاد فالتزاحم يكون بين الحرمة و الوجوب، و حيث إن أحدهما ليس بأقوى من الآخر فلا معنى لتقديم هذا على ذاك و لا العكس و لا يلزم الترجيح بلا مرجّح بل المناسب الحكم بالاباحة.

هذا حاصل ما أفاده (قدّس سرّه).

و نبقى نؤكّد على مطلبين قد فهما من كلامه (قدّس سرّه)، إلّا أن تسليط الأضواء عليهما شي‏ء جيد، و هما:

1- إن مجرد ثبوت حكم للشي‏ء بعنوانه الأوّلي لا يكفي للأخذ به إلّا بعد ملاحظة العنوان الثانوي و التأكد من عدم تغييره للموقف، فمثلا مال الكافر و نفسه لا احترام لهما بالعنوان الأوّلي، و لكن ربما يكون التصدّي بالسلب أو القتل موجبا لاساءة السمعة إلى الإسلام و المسلمين فلا يجوز في مثل ذلك مزاولة العمل المذكور بل ينبغي التحرّز منه و الاقتصار على الموارد التي لا توجب ذلك.

و هكذا الحال في المجالات الأخرى فينبغي التدقيق من هذه الناحية.

2- إن العناوين الثانوية ربما تتزاحم فيما بينها، فإذا تساوت من حيث احتمال الأهمية حكم بالتخيير، و هذا هو ما تقدّم من المصنف، و الذي ينبغي‏

345

التدقيق من ناحيته هو احتمال أن يكون أحدهما أهم من الآخر، فدراسة الملابسات الخاصة قضية لا تنبغي الغفلة عنها، و ربما يكون التدبّر من هذه الناحية بحاجة إلى شخص فقيه و لا يكفي مجرد كونه طالب علم.

***

قوله (قدّس سرّه):

«و أما صحة الصوم في السفر ...، إلى قوله: بقي شي‏ء».

الصوم في السفر و الاحرام قبل الميقات:

تقدّم فيما سبق التمسك بمسألة الاحرام و الصوم كمؤيد لجواز التمسك بالعمومات الثانوية لإثبات شرعية العمل و صحته، باعتبار أن النذر إذا أمكنه تصحيح ما هو باطل بنحو الجزم فإمكان تصحيحه لما هو مشكوك البطلان أولى.

هذا ما تقدّم سابقا، و لا يريد الشيخ الخراساني التعرّض إلى ذلك، و إنما أخذ بالتعرّض إلى إشكال آخر في هذين المثالين لا ربط له بالمؤيّد المتقدّم.

و حاصل الإشكال أننا نعرف أنه يشترط في صحة النذر رجحان متعلّقه، فإذا لم يكن راجحا فلا يصح النذر، و هذا مطلب واضح. (1)

و بناء عليه يقال: إن الاحرام قبل الميقات إذا كان باطلا و لم يكن‏

____________

(1) و لكن ما هو الدليل على اعتبار ذلك؟ إن أحسن ما يمكن التمسك به هو أن النذر لا يصح إلّا بصيغة للّه عليّ كذا، و صيغة للّه تستبطن اعتبار الرجحان، إذ الشي‏ء إذا لم يكن راجحا فكيف يجعل للّه سبحانه؟ فهل من الوجيه أن يأتي شخص بعمل لك إذا كان ذلك العمل مبغوضا لك أو غير محبّب؟

346

راجحا فكيف يمكن تعلّق النذر به؟ أ و ليس صحة تعلّق النذر به خلف الحكم باعتبار رجحان المتعلّق؟

إن هذا- كما هو واضح- إشكال مستقل لا ربط له بالمؤيّد المتقدّم، و لا وجه للتعرّض إليه هنا.

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك بثلاثة أجوبة:

1- إنه بعد أن دلّ الدليل الخاص على صحة الاحرام قبل الميقات بالنذر فنحتمل أن ذلك هو من جهة أن الاحرام قبل الميقات أمر راجح في حدّ نفسه، و لكن إنما لم يؤمر به من جهة وجود مانع يمنع من طلب الراجح المذكور، و المانع المذكور يرتفع بتعلّق النذر.

إن هذا مطلب لا نجزم به بل نحتمله، و لكن مجرد هذا الاحتمال يكفي لدفع الإشكال المذكور، فلا معنى لأن يشكل آنذاك و يقال:

كيف حكم النص بصحة نذر الاحرام قبل الميقات، إذ نجيب بأن ذلك من المحتمل أن يكون لما ذكرناه.

2- إن صحة النذر هو من جهة أن الاحرام قبل الميقات يصير راجحا بعد تعلّق النذر به، لا أنه كان راجحا و يرتفع المانع بتعلّق النذر.

و مما يؤيّد هذا الاحتمال ما ورد من أن الاحرام قبل الميقات هو كالصلاة قبل الوقت، و حيث إن الصلاة قبل الوقت لا رجحان فيها فيفهم من ذلك أن الاحرام قبل الميقات هو كذلك.

3- إن الحكم باعتبار رجحان متعلّق النذر ليس حكما عقليا لا يقبل التخصيص بل هو حكم شرعي قابل لذلك، و معه فيمكن أن نلتزم بعدم اعتبار الرجحان في المثالين المذكورين للنص الخاص الدال على عدم اعتبار الرجحان فيهما.

347

هذه أجوبة ثلاثة عن الإشكال المذكور.

ثمّ إنه يوجد إشكال يرد على الجواب الثاني و الثالث و لا يرد على الأوّل.

و حاصل الإشكال أن وجوب الوفاء بالنذر وجوب توصلي و ليس تعبديا، فمن نذر التصدّق على الفقير بدرهم مثلا و حصل منه التصدّق من دون أن يقصد القربة كفى ذلك بلا حاجة إلى إعادة ثانية.

و بناء على هذا نقول في المقام: كيف وجب قصد القربة عند الإتيان بالاحرام و الحال أن وجوب الوفاء بالنذر المتعلّق به هو وجوب توصلي و ليس تعبديا؟

و هذا الإشكال لا يرد على الجواب الأوّل كما هو واضح، إذ قد فرضنا بناء عليه ارتفاع المانع بسبب النذر، و الرجحان الثابت هو الرجحان السابق الذي هو رجحان عبادي، فإن الاحرام هو في نفسه أمر راجح بنحو العبادية. و هذا بخلافه على الجواب الثاني، فإن الرجحان الطارئ هو رجحان بسبب النذر، و قد فرضنا أن وجوب الوفاء به توصلي، فالإشكال يكون واردا بناء عليه. و هكذا الحال بناء على الجواب الثالث، فإن المفروض أن لا رجحان أصلا فمن أين جاءت العبادية و لزم قصد القربة؟

و أجاب (قدّس سرّه) عن ذلك و قال:

أما على الجواب الثاني فيمكن أن نقول: إن قصد القربة إنما وجب من ناحية أن العنوان الراجح الذي طرأ على الاحرام بسبب تعلّق النذر به هو عنوان راجح بنحو العبادية و ليس راجحا بنحو التوصلية، فلزوم قصد القربة هو من هذه الناحية و ليس لأجل أن الأمر بالوفاء بالنذر اقتضى ذلك.

و أما على الجواب الثالث فيمكن أن نقول: إن قصد القربة وجب من ناحية أن الشخص الناذر قد نذر الإتيان بالاحرام كذلك، أي هو قد

348

نذر بأن يأتي به بنحو قصد القربة، فلو لم يقصد القربة لم يتحقّق وجوب الوفاء بالنذر.

إن قلت: إن شرط صحة تعلّق النذر بشي‏ء كون ذلك الشي‏ء مقدورا للناذر حين النذر، و في المقام لا قدرة للناذر قبيل نذره على الإتيان بالاحرام قبل الميقات بنية القربة، و معه فكيف يتعلّق النذر بشي‏ء غير مقدور؟

قلت: لا يلزم في صحة النذر كون متعلّقه مقدورا حين النذر بل يكفي أن يكون مقدورا حين العمل، فمن نذر المشي إلى زيارة الحسين (عليه السّلام) يكفيه أن يكون قادرا حين العمل و إن لم يكن قادرا حالة النذر.

و في المقام يتمكن المكلف بعد تعلّق النذر أن يأتي بالاحرام بقصد القربة، باعتبار أن نفس الأمر النذري يجعله قادرا على ذلك، فهو يقصد امتثال الأمر النذري و التقرّب به، فالقدرة تتولّد بنفس تعلّق الأمر النذري، فإنه كاف. (1)

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى مطلبين:

1- إننا في مقام بيان المطلب ذكرنا الأجوبة الثلاثة أوّلا، ثمّ تعرضنا بعد ذلك إلى الإشكال الوارد على الجواب الثاني و الثالث، بينما الشيخ المصنف ذكر الجواب الثاني، ثمّ تعرّض إلى الإشكال الوارد عليه و على الجواب الثالث، ثمّ تعرض إلى الجواب الثالث، و هذا أمر يورث الارتباك و التشويش كما هو واضح.

2- إنه فيما سبق ذكر مثال الاحرام و الصوم كمؤيّد لجواز التمسك بالعمومات الثانوية عند الشكّ في رجحان العمل و شرعيته. و قد يستفاد من سكوته عن الردّ عليه ارتضاؤه له و إلّا فلما ذا لم يجب عنه و أخذ بالتعرض إلى الإشكال الآخر؟-

349

توضيح المتن:

و إذا كانت محكومة ...: أي الأفعال.

لم يؤثر أحدهما: أي لا هذا و لا ذاك.

بناء على عدم صحته فيه بدونه: مسألة جواز الصوم المستحب في السفر وقعت محلا للخلاف، فقيل بالجواز، و قيل بالعدم، و قيل بالجواز مع النذر و عدم الجواز بدونه.

ثمّ إن التقدير: بناء على عدم صحة الصوم في السفر بدون النذر.

فإنما هو لدليل خاص ...: هذا إشارة إلى الجواب الأوّل عن الإشكال.

و أما لصيرورتها: هذا إشارة إلى الجواب الثاني.

لا يقال: هذا إشارة إلى الإشكال الوارد على الجواب الثاني و الثالث.

عن عروض عنوان راجح: أي عنوان راجح عبادي و إلّا فالإشكال باق.

ملازم لتعلّق: المناسب: لازم لتعلّق، أي معلول لتعلّق النذر، فإن اللازم يستعمل بمعنى المعلول، و الملازم و الملزوم بمعنى العلة.

____________

- هذا و يمكن أن يكون سكوته من جهة أنه قد اتضح الجواب عنه حيث يقال: إننا فيما سبق ذكرنا عدم جواز التمسك بالعموم الثانوي لإثبات الرجحان و الشرعية، و من المعلوم أنه في مثال الاحرام لا يوجد تمسك بالعموم الثانوي لإثبات الرجحان، بل أقصى ما في الأمر هو أنه يوجد نص خاص دلّ على صحة نذر الاحرام قبل الميقات، و لعلّ النص جوّز ذلك من باب أن الاحرام قبل الميقات راجح في حدّ نفسه، غايته هو مقرون بمانع يرتفع بالنذر، أو لأجل أنه بالنذر يطرأ عنوان راجح أو لأجل أنه لا يعتبر الرجحان في الموردين المذكورين.

و بالجملة: الذي لا يجوز هو التمسك بالعموم الثانوي لإثبات الشرعية، و في المثالين لا يراد ذلك، بل أقصى ما في الأمر أنه ورد نص يدل على صحتهما بالنذر، و لعلّ صحتهما بالنذر هو لأجل أحد الأجوبة الثلاثة.

350

هذا لو لم نقل ...: أي نجيب عن الإشكال بما ذكر لو لم نجب عن أصل الإشكال بجواب ثالث.

من إتيانهما كذلك: أي بقصد القربة.

خلاصة البحث:

إذا اجتمع حكمان: ثانوي و أوّلي قدّم الأقوى ملاكا، و مع التساوي يحكم بالاباحة.

و مثال الاحرام و الصوم يرد عليهما إشكال آخر، و هو عدم رجحان متعلّقهما، و الحال أن ذلك شرط في صحة تعلّق النذر.

و أجاب عن ذلك بثلاثة أجوبة: احتمال وجود رجحان سابق مقرون بمانع يرتفع بالنذر، و احتمال طرو عنوان راجح بسبب نفس النذر، و احتمال التخصيص في دليل اعتبار رجحان متعلّق النذر.

ثمّ أوضح إشكالا يرد على الجوابين الأخيرين، و أجاب عنه على تقدير الجواب الثاني بجواب خاص، و على تقدير الجواب الثالث بجواب آخر.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

التزاحم بين الحكمين الأوّلي و الثانوي:

ثمّ إنه إذا كانت الأفعال محكومة بعناوينها الأوّلية بغير حكمها بعناوينها الثانوية وقعت المزاحمة بين المقتضيين، و يؤثّر الأقوى منهما لو كان في البين، و إلّا فيحكم بحكم آخر كالاباحة إذا كان أحدهما مقتضيا للوجوب و الآخر للحرمة مثلا.

351

إشكال على نذر الصوم و الاحرام:

ثمّ إنه كيف يصحّ نذر الصوم و الاحرام و الحال أنه يعتبر في متعلّقه الرجحان؟

و يمكن الجواب بأن ذلك:

إما للدليل الخاص الكاشف عن رجحانهما ذاتا في السفر و قبل الميقات، و إنما لم يؤمر بهما استحبابا أو وجوبا لمانع يرتفع بالنذر.

أو لصيرورتهما راجحين بتعلّق النذر بهما بعد ما لم يكونا كذلك، كما ربما يدل عليه ما في الخبر من كون الاحرام قبل الميقات كالصلاة قبل الوقت.

أو الالتزام بتخصيص عموم دليل اعتبار الرجحان في متعلّق النذر بالدليل الخاص الدال على صحة تعلّق النذر بهما.

لا يقال: يرد على التوجيهين الأخيرين إن وجوب الوفاء توصلي فمن أين جاءت عباديتهما؟

فإنه يقال: على التوجيه الثاني يمكن الالتزام بكون العنوان الراجح الطارئ عباديا، و على التوجيه الثالث يمكن أن يقال: إن ذلك بسبب تعلّق النذر بهما بإتيانهما بنحو العبادية.

و التمكّن من إتيانهما كذلك قبل النذر ليس بلازم بل يكفي التمكّن و لو بسببه.

***

352

قوله (قدّس سرّه):

«بقي شي‏ء و هو أنه هل يجوز ...، إلى قوله:

فصل هل يجوز العمل بالعام ...».

(1)

الدوران بين التخصيص و التخصّص:

هذا المبحث هو من المباحث المهمة للفقيه في مقام الاستنباط، و المراد منه: إنه أحيانا يكون لدينا عام، و يفترض أن لدينا فردا معيّنا نعلم بخروجه من حكم العام جزما، و لكن نشك في خروجه من موضوعه، فالمعلوم هو خروج الفرد من حكم العام، و المشكوك هو خروجه من موضوعه، كما لو قيل: أكرم كل فقير، ثمّ ورد دليل آخر يقول: لا تكرم زيدا، إنه في مثل ذلك قد يحصل لنا الشكّ في أن عدم وجوب إكرام زيد هل هو لأنه ليس بفقير رأسا، أي من جهة أنه خارج بالتخصّص، أو أن عدم وجوب إكرامه لأجل أن له بعض الانحرافات في سلوكه رغم كونه فقيرا فيكون خروجه بالتخصيص.

إذن نحن نجزم بخروج فرد معيّن من حكم العام، و لكن نشكّ هل أن خروجه هو بالتخصيص أو بالتخصّص، و السؤال هو: هل في أمثال هذه الحالة يمكن التمسك بأصالة عدم التخصيص- أو بالأحرى أصالة العموم- لإثبات التخصّص، كي يترتب على ذلك كون زيد ليس بفقير، و من ثمّ تترتّب عليه آثار الغني لو كانت للغني آثار خاصة به؟

____________

(1) الدرس 220: (13/ شعبان/ 1426 ه).