كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
353

و المثال الفقهي لذلك: ماء الاستنجاء، فإنه توجد لدينا طائفتان من الروايات، طائفة تقول: إنه لا تجوز الصلاة في ثوب متنجّس، و طائفة تقول: لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه ماء الاستنجاء، و قد وقع كلام بين الفقهاء في أن نفي البأس عن الصلاة فيه هل هو لكونه طاهرا في حدّ نفسه، الذي لازمه أن يكون خروجه من الطائفة الأولى بالتخصّص، أو أن ذلك لكونه متنجّسا و ليس طاهرا، و لكنّه متنجّس معفو عنه، و لازم ذلك أن يكون خروجه من الطائفة الأولى بالتخصيص و ليس بالتخصّص.

و في مثله هل يجوز التمسك بأصالة عدم التخصيص لإثبات التخصّص، أي لإثبات أنه طاهر في حدّ نفسه، و يترتّب على ذلك آثار و ثمرات، من قبيل أن ماء الاستنجاء إذا كان طاهرا فيلزم جواز الوضوء به أو جواز بناء المسجد به و هكذا، بينما لو كان متنجّسا معفوا عنه فلا يترتّب ذلك.

و بالجملة: إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصّص فهل يجوز التمسك بأصالة عدم التخصيص لإثبات التخصّص؟ المعروف بين الأصوليين عدم الجواز. و ما هي نكتة عدم الجواز؟ قد يتخيّل أن نكتة ذلك هي أن التمسك بأصالة عدم التخصيص لإثبات التخصّص هو مصداق للأصل المثبت، لأن التخصّص ليس أثرا شرعيا لعدم التخصيص، بل الملازمة بينهما عقلية، فإن المورد ما دام يدور الأمر فيه بين التخصيص و التخصّص فبانتفاء التخصيص يتعيّن عقلا التخصّص، و حيث إن الأصل المثبت ليس حجة فيترتّب على ذلك عدم إمكان إجراء أصالة عدم التخصيص لإثبات التخصّص.

هكذا قد يتخيل.

354

و لكن هذا باطل، فإن الأصل المثبت ليس باطلا بشكل مطلق، و إنما الباطل هو الأصل العملي المثبت دون الأصل اللفظي المثبت، (1) و حيث إن أصالة عدم التخصيص هي من الأصول اللفظية فتكون حجة في لوازمها غير الشرعية.

و النكتة الصحيحة هي أن مدرك حجية الأصول اللفظية ليس هو إلّا السيرة العقلائية، و الذي نجزم بانعقاد السيرة عليه هو العمل بأصالة عدم التخصيص حينما نشكّ في أصل خروج الفرد من الحكم بعد الجزم بكونه فردا من الموضوع، فالعقلاء يعملون بالأصل المذكور في هذه الحالة، أي حالة الجزم بكون الفرد مصداقا للموضوع و الشكّ في خروجه من حكمه، كما لو كنّا نعلم بكون زيد مصداقا للفقير جزما و لكن نشكّ في خروجه من الحكم، إنه في مثله يتمسك العقلاء بأصالة عدم التخصيص كي يترتّب على ذلك شمول الحكم للفرد المشكوك، أما إذا انعكس الأمر و جزم بكون الفرد خارجا من الحكم‏

____________

(1) هذا هو المعروف بين الأصوليين، حيث قالوا بوجود فرق بين الأصل العملي و الأصل اللفظي، فالأصل العملي هو حجة من باب التعبّد، و المستفاد من دليل حجية الاستصحاب مثلا هو أن الشرع يعبّدنا بالشي‏ء و بلوازمه الشرعية، و أما ما زاد على ذلك فلا يستفاد منه التعبّد، و من هنا لم يتوهم أحد أن القرآن الكريم حينما عبّدنا بكون نساء النبي (صلى اللّه عليه و آله) امّهات للمؤمنين إنه عبّدنا أيضا بجواز النظر إليهن، كلا، و ما ذاك إلّا لأن التعبد بشي‏ء لا يستلزم التعبّد بلوازمه، بل يقتصر على مقدار التعبّد لا أكثر، و هذا بخلافه في الأصول اللفظية، فإن حجيتها ليست من باب التعبّد، بل من باب الظهور و الكاشفية، و من المعلوم أن الكاشفية عن الشي‏ء و عن لوازمه هي بدرجة واحدة، لا أن الكاشفية عن أصل الشي‏ء أقوى من كاشفيته عن لوازمه، فإذا كان الظهور حجة في إثبات المدلول المطابقي لأجل كاشفيته فيلزم أن يكون حجة في إثبات المداليل الالتزامية أيضا لثبوت نفس الدرجة من الكشف.

هكذا قد تبيّن نكتة الفرق، و قد تبيّن بشكل آخر، فإن بيان نكتة الفرق متعدد و مختلف.

355

و شكّ في خروجه من موضوعه و اريد إجراء أصالة عدم التخصيص لإثبات أنه خارج من موضوعه أيضا و أنه بالتالي لم يطرأ تخصيص على الحكم بل تخصّص فذلك لا يجزم بانعقاد السيرة عليه.

و بكلمة أخرى: إننا نجزم بانعقاد سيرة العقلاء على العمل بأصالة عدم التخصيص عند الشكّ في أصل المراد، أما إذا جزم بالمراد و شكّ في كيفية الاستعمال فلا يجزم بانعقاد السيرة. و في الحالة الأولى نحن نشكّ في أصل المراد حيث لا ندري أن هذا الفرد- الذي هو مصداق من مصاديق الفقير- هل يجب إكرامه أو لا، فالمراد غير واضح لنا، و بإجراء أصالة عدم التخصيص نريد معرفة المراد و إن هذا الفقير يجب إكرامه كبقية الفقراء لا أنه خارج من الحكم بوجوب الإكرام، و هذا بخلافه في الحالة الثانية، فإن المراد معلوم حيث يعلم أن هذا الفرد لا يجب إكرامه و إنما يشكّ في كيفية الاستعمال و إنه بنحو التخصيص أو بنحو التخصّص.

توضيح المتن:

هل يجوز التمسك بأصالة: في العبارة شي‏ء من الخفاء، و المناسب:

هل يجوز التمسك بأصالة عدم التخصيص لإحراز أن الفرد المشكوك ليس من مصاديق موضوع العام بعد العلم بخروجه من حكمه.

يحرم إكرامه: المناسب: لا يجب إكرامه.

كما هو قضية عمومه: هذا راجع إلى قوله: (محكوما بحكمه)، فإن مقتضى العموم كون الفرد محكوما بحكم العام. و كان من المناسب حذف الفقرة المذكورة لإمكان الاستغناء عنها.

على ذلك: أي على التمسك بأصالة عدم التخصيص عند دوران أمر خروج الفرد بين كونه بالتخصيص أو بالتخصّص.

356

خلاصة البحث:

إذا كان لدينا عام، و علم بخروج فرد معيّن من حكمه و شكّ في أن ذلك بالتخصيص أو بالتخصّص فلا يجزم بانعقاد السيرة على العمل بأصالة عدم التخصيص لإثبات التخصّص.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الدوران بين التخصيص و التخصّص:

هل يجوز التمسك بأصالة عدم التخصيص لإحراز أن الفرد المشكوك ليس من مصاديق موضوع العام بعد العلم بخروجه من حكمه؟ فمثلا إذا علم أن زيدا لا يجب إكرامه و شكّ في أنه عالم لا يجب إكرامه أو أنه ليس بعالم فهل بأصالة عدم تخصيص أكرم العلماء يثبت أنه ليس بعالم و يحكم عليه ببقية أحكام غير العالم؟ فيه إشكال، لاحتمال اختصاص السيرة التي هي مدرك حجيتها بما إذا شكّ في كون فرد العام محكوما بحكمه أو لا، و إن كان المثبت من الأصول اللفظية حجة.

***

357

الفصل الخامس: اشتراط حجية العام بالفحص‏

358

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

359

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: هل يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصّص ...، إلى قوله: فصل: هل الخطابات الشفاهية ...».

(1)

اشتراط حجية العام بالفحص:

العام إذا ورد في الكتاب و السنّة الشريفين أو في غيرهما فهل يجوز العمل به قبل الفحص عن احتمال وجود مخصّص له أو لا يجوز إلّا بعد الفحص و اليأس من وجود مخصّص له؟ في ذلك خلاف بين الأصوليين، و ربما ادعى البعض عدم الخلاف في عدم جوازه، بل ربما ادعى البعض الإجماع على عدم الجواز. (2)

هذا سؤال.

و يوجد سؤال آخر، و هو أنه بعد ما بنينا على وجوب الفحص فإلى أي مقدار يجب؟

أما بالنسبة إلى السؤال الأوّل فقد فصّل (قدّس سرّه) بين ما إذا كان المتكلم قد جرت‏

____________

(1) الدرس 221: (19/ شعبان/ 1426 ه).

(2) الفرق بين الإجماع و عدم الخلاف هو أن الإجماع مرتبة أعلى من عدم الخلاف، فعدم الخلاف يعني اتفاق جميع الفقهاء و عدم وجود اختلاف بينهم من دون أن يفترض أن أحدهم الإمام (عليه السّلام)، و هذا بخلاف الإجماع، فإنه يراد به اتفاقهم مع افتراض أن الإمام (عليه السّلام) أحدهم.

360

عادته على ذكر العام مع تأخير مخصّصه- أي لا يذكر المخصّصات معه بل يؤخّرها إلى ما بعد، مراعاة لمصلحة التدرّج في بيان الأحكام- و بين ما إذا لم تجر عادته على تأخير المخصّصات بل يذكرها مقرونة به.

فإن كان المتكلم من النحو الأوّل- كما هو الحال في الشارع المقدس، فإن عادته جرت على تأخير المخصّصات لبعض المصالح- فلا يجوز العمل بالعموم الصادر منه إلّا بعد الفحص و اليأس من المخصّص. و وجه ذلك واضح، فإن مدرك حجية الظهور هو السيرة العقلائية، و هي لا تعمل بالعمومات الصادرة من مثل الشخص المذكور إلّا بعد الفحص، و إذا لم نجزم بعدم انعقادها فلا أقل من الشكّ في انعقادها، و كيف لا نشكّ في انعقادها و قد ادعي الإجماع على عدم جواز العمل بالعمومات قبل الفحص؟ إن المجمعين هم من ضمن المجموعة العقلائية، فإذا لم يعملوا إلّا بعد الفحص فذلك يعني أن العقلاء لا يعملون إلّا بعد الفحص.

و بالجملة: إن لم نجزم بعدم انعقاد السيرة على العمل قبل الفحص فلا أقل من الشكّ في انعقادها، و هو كاف لعدم جواز العمل قبل الفحص.

هذا إذا كان المتكلم من النحو الأوّل.

و أما إذا كان من النحو الثاني فيجوز العمل قبل الفحص، لانعقاد السيرة على العمل قبل الفحص. (1)

هكذا ينبغي أن يقال في توجيه عدم جواز العمل بالعمومات قبل الفحص.

إلّا أن القوم ذكروا توجيهات ثلاثة لعدم الجواز، و هي:

____________

(1) لم تكن حاجة إلى ذكر النحو الثاني، فإن محل ابتلائنا هو العمومات الواردة في الكتاب و السنّة التي هي من النحو الأوّل.

361

1- إن ظهور العام في العموم هو حجة من باب إفادته الظن الشخصي، فلأجل أنه يحصل ظن شخصي بإرادة المتكلم واقعا للعموم يكون الظهور في العموم حجة، و على هذا الأساس يلزم الفحص عن المخصّص كي يحصل الظن الشخصي بكون العموم مرادا للمتكلم واقعا.

2- إن الظهور في العموم هو حجة في حقّ المشافه من باب الظن الخاص، (1) و أما في حقّ غير المشافه فهو حجة من باب الظن المطلق، و القدر المتيقن من حجيته هو ما بعد الفحص، فالفحص على هذا الأساس يكون واجبا من باب أن حالة الفحص هي القدر المتيقن من مورد الحجية بعد البناء على الانسداد و حجية مطلق الظن.

3- إن الفحص لازم لأجل أن لنا علما إجماليا بطرو مخصّصات كثيرة

____________

(1) هناك مصطلحان أصوليان هما:

1- الظن الخاص: و يراد به كل ظن قام الدليل الخاص القطعي على حجيته، كخبر الثقة، فإنه دلّ على حجيته مفهوم آية النبأ و غيره. و يصطلح عليه بالعلمي أيضا، فالظن الخاص و العلمي واحد.

2- الظن المطلق: و هو كل ظن لم يقم دليل خاص قطعي على حجيته. و هو ليس بحجة إلّا إذا بنينا على انسداد باب العلم و العلمي بالأحكام، فإنه إذا بنينا على الانسداد يلزم أن نحكم بحجية كل ظن.

و القمي يدعي أن الأشخاص الذين كانوا موجودين في ذلك الزمان الذين هم المشافهون بالخطاب يكون ظهور الخطابات في حقهم حجة لانعقاد السيرة القطعية على العمل به في حقهم، و هذا بخلاف غير المشافهين- كما هو الحال فينا نحن- فإن السيرة لم تجر على العمل بالظهور في حقهم، نعم بعد البناء على الانسداد و ثبوت حجية كل ظن يثبت بذلك حجية الظن الحاصل من الظهور في العموم، و لكن القدر المتيقن منه ما بعد الفحص.

362

على العمومات، فلو كانت العمومات بمقدار (1000) مثلا فنحن نعلم بطرو مخصّصات بمقدار (900) مثلا و بعد هذا العلم الإجمالي بطرو المخصّصات لا يكون بإمكاننا تطبيق أصالة العموم على جميع أفراد العمومات، لأن ذلك مخالف لعلمنا الإجمالي بطرو المخصّصات على بعضها، كما لا يجوز تطبيقها على بعض دون بعض، لأن ذلك ترجيح بلا مرجّح. نعم بعد الفحص و اليأس من الظفر بالمخصّص يجوز العمل بالظهور لخروج العموم آنذاك عن كونه طرفا للعلم الإجمالي، فإن المخصّصات التي نعلم بها هي نحو مخصّصات لو فحصنا عنها لعثرنا عليها، فإذا فحصنا و لم نعثر حصل لنا الجزم بعدم كونه طرفا لما نعلم بالإجمال طرو المخصّصات عليه.

هذه وجوه ثلاثة ذكرت لإثبات وجوب الفحص.

و الشيخ الخراساني يناقشها بمناقشة واحدة و يقول: إن هذه الوجوه الثلاثة خارجة عمّا هو المفروض في محل الكلام، فإن محل الكلام قد فرض فيه ثلاث فرضيات لا بدّ من توفّرها، و هي:

1- إن الظهور حجة من باب الظن النوعي و ليس من باب الظن الشخصي، فالعقلاء يعملون بالظهور من باب أنه غالبا يفيد الظن بالمراد و ليس من باب إفادته الظن الشخصي.

و على هذا الأساس يكون المفروض في محل الكلام أن حجية الظهور من باب الظن النوعي، لأن العقلاء يعملون به بهذا الاعتبار و ليس المدار عندهم على إفادته الظن الشخصي.

2- إن الظهور حجة في حقّ المشافه و غيره من باب الظن الخاص، فالسيرة منعقدة على العمل بالظهور في حقهما من دون تفرقة، و لا وجه لتخصيصها بالمشافه دون غيره.

363

3- إننا نفترض العثور على المخصّصات بالمقدار المعلوم بالإجمال، أي إنه بالعثور على مقدار المخصّصات المعلومة بالإجمال ينحل العلم الإجمالي و لا يعود لنا علم إجمالي ليمنعنا من العمل بظهور العمومات.

و الحصيلة: إن المفروض في محل الكلام أن الظهور حجة من باب الظن النوعي دون الشخصي، و معه لا يعود مجال للوجه الأوّل، و أيضا المفروض في محل الكلام أن الظهور حجة من باب الظن الخاص في حقّ المشافه و غيره، و معه لا يعود مجال للوجه الثاني، و أيضا المفروض العثور على مقدار المخصّصات المعلومة بالإجمال، و معه لا يعود مجال للوجه الثالث.

و عليه يكون التوجيه المناسب لعدم جواز العمل بالظهور في النحو الأوّل من المتكلم هو ما أشرنا إليه من عدم انعقاد السيرة على العمل إلّا بعد الفحص و اليأس.

هذا كله بالنسبة إلى السؤال الأوّل.

و أما بالنسبة إلى السؤال الثاني- و هو مقدار الفحص- فجوابه أن مقدار الفحص اللازم يختلف باختلاف الوجوه التي يستند إليها في إثبات وجوب الفحص، و ذلك كما يلي:

إن بني على الوجه الصحيح في وجوب الفحص- و هو أن العمومات الصادرة من المتكلم ما دامت في معرض التخصيص فيلزم الفحص للسيرة- فالفحص اللازم هو أن يكون بمقدار يخرج العام من كونه في معرض التخصيص، و ذلك بأن يحصل اليأس من وجود مخصّص له.

و إن بني على الوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة المتقدمة فاللازم الفحص إلى أن يحصل الظن الشخصي بإرادة المتكلم للعموم.

364

و إن بني على الوجه الثاني فاللازم الفحص إلى حدّ تصير حجية العام قدرا متيقنا من الظن المطلق الثابت حجيته بدليل الانسداد.

و إن بني على الوجه الثالث فاللازم الفحص إلى حدّ يخرج فيه العام من الطرفية للعلم الإجمالي.

ينبغي التفرقة بين المخصّص المتصل و المنفصل:

ثمّ إنه ينبغي التفرقة بين المخصّص المتصل و المخصّص المنفصل، فالفحص إنما يلزم لو كنّا نحتمل وجود مخصّص منفصل، و أما إذا كنّا نحتمل وجود مخصّص متصل قد اختفى علينا و ضاع لسبب من الأسباب فلا يلزم الفحص عنه، لأن حاله أشبه بقرينة المجاز، فكما أنه لو كان لدينا لفظ يدل على معنى حقيقي معيّن و كنّا نحتمل وجود قرينة مقرونة به تدل على إرادة معناه المجازي و لكنها قد ضاعت و اختفت، إنه كما لا يلزم الفحص عن قرينة المجاز بل يحقّ لنا حمل اللفظ على معناه الحقيقي فكذلك الحال في المقام لا يلزم الفحص عن المخصّص المتصل الذي نحتمل وجوده و اختفاءه، و وجوب الفحص يختص بالمخصّص المنفصل الذي نحتمل العثور عليه بالفحص.

الفرق بين الفحص في الأصول اللفظية و بينه في الأصول العملية:

ثمّ إنه ينبغي الالتفات إلى شي‏ء، و هو أن الفحص كما يلزم قبل العمل بظهور العام، أي قبل تطبيق أصالة الظهور، (1) التي هي من الأصول اللفظية كذلك يلزم قبل العمل بالأصول العملية، فلو شككنا في حرمة التدخين مثلا فلا يجوز تطبيق البراءة و الأخذ بمقتضاها إلّا بعد الفحص و اليأس من وجود دليل في‏

____________

(1) أي حجية الظهور.

365

الكتاب و السنّة يدل على التحريم، و كذا لو شككنا في بقاء وجوب صلاة الجمعة إلى زمن الغيبة لا يجوز التمسك باستصحاب بقاء الوجوب إلّا بعد الفحص و اليأس من وجود آية أو رواية تدل على الحكم.

إذن الفحص في كلا الموردين أمر لازم، إلّا أنه يوجد فارق من ناحية أخرى، و هي أن الفحص في باب الظواهر بحث عمّا يزاحم الحجية، فالظهور في العموم حجة بمقتضى السيرة العقلائية، و لكن حيث نحتمل وجود مانع- و هو المخصّص- فيلزم الفحص عنه من باب الفحص عن المزاحم لحجية الظهور، و هذا بخلافه في الأصول العملية، فإن الفحص فيها عن الآية و الرواية فحص عن أصل مقتضي الحجية و ليس عن المزاحم لمقتضي الحجية، ففي البراءة العقلية لا يحكم العقل بقبح العقاب على التدخين مثلا إلّا بعد الفحص و اليأس عن الدليل، فبالفحص يحكم العقل بقبح العقاب، و قبله لا يحكم بذلك، فالفحص فحص عن تحصيل المقتضي للبراءة و ليس عن المزاحم للمقتضي.

إن قلت: إن هذا وجيه في البراءة العقلية، و ليس وجيها في البراءة النقلية و في الاستصحاب، إذ مستند البراءة النقلية قوله (صلى اللّه عليه و آله): «رفع عن أمّتي ما لا يعلمون»، (1) و من الواضح أنه مطلق و ليس مختصا بحالة ما بعد الفحص، فالفحص على هذا فحص عن المزاحم لمقتضي البراءة و ليس فحصا عن أصل المقتضي، و هكذا الحال بالنسبة إلى الاستصحاب، فإن حديث لا تنقض اليقين بالشكّ مطلق و ليس خاصا بما بعد الفحص.

قلت: إن دليل البراءة النقلية و الاستصحاب و إن كان مطلقا إلّا أن‏

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 164/ ح 774.

366

الإجماع قد خصّصه بما بعد الفحص، (1) و كأنه صار هكذا: إذا تحقّق الفحص و اليأس فقد رفع عن أمّتي ما لا يعلمون، و لا يجوز نقض اليقين بالشكّ، و على هذا الأساس يصير الفحص اللازم فحصا عن تحصيل مقتضي الحجية و ليس بحثا عن المزاحم لمقتضي الحجية. (2)

توضيح المتن:

بعد الفراغ: أي عن فروض ثلاثة.

____________

(1) وجوب الفحص ينبغي أن يكون من الأمور البديهية الواضحة و إلّا يلزم جواز إجراء البراءة قبل الفحص بلا حاجة إلى تفقّه و تعلّم للأحكام الشرعية، و الحال أنه تعالى يقول:

فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ

يَحْذَرُونَ‏ (التوبة: 122)، أي إنه تعالى أوجب التفقّه و التعلّم، بل و يلزم أن تكون أكثر الشريعة عبارة عن البراءات، و مثل هذه الشريعة مضحكة.

(2) هنا قضيتان ينبغي الالتفات إليهما:

الأولى: إنه يمكن أن يقال: إن الفحص في باب الظواهر بحث عن تحصيل مقتضي الحجية أيضا و ليس بحثا عن مزاحم المقتضي، و ذلك لأن العقلاء لا يعملون بالظهور و لم تنعقد سيرتهم عليه إلّا بعد الفحص و اليأس، فقبل الفحص و اليأس لا مقتضي لحجية الظهور رأسا لا أن المقتضي موجود، و الفحص هو عن المزاحم. و لعلّه إلى ذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

الثانية: إن عبارة الكتاب قد أشارت إلى أصلين من الأصول العملية، و هما البراءة و الاستصحاب، و لم تشر إلى التخيير و الاشتغال، و لعلّ ذلك لوضوح الأمر، ففي الاحتياط- الاشتغال- لا يلزم الفحص، باعتبار أنه حسن و أمر جيد حتّى قبل الفحص، فحتّى لو تمّ الفحص و لم يعثر على دليل يدل على لزومه يكون رغم ذلك أمرا حسنا. و أما بالنسبة إلى التخيير فالعقل لا يحكم به كما هو واضح إلّا بعد الفحص و اليأس من الظفر بالمرجّح.

367

عن اعتبارها بالخصوص: أي من باب الظن الخاص، و هذا ردّ على القمي.

ثمّ إنه كان المناسب الصاق كلمة (للمشافه و غيره) بكلمة (بالخصوص)، أي هكذا: بعد الفراغ عن اعتبارها بالخصوص للمشافه و غيره.

في الجملة: أي إما مطلقا أو بعد الفحص. و كان من المناسب حذفها، فإنها تكرار ممل.

من باب الظن النوعي: هذا ردّ على الوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة.

ما لم يعلم بتخصيصه: هذا رد على الوجه الثالث.

و عليه فلا مجال: أي بعد هذه الفروض الثلاثة لا يعود مجال للوجوه الثلاثة التي استدل بها على لزوم الفحص.

فالتحقيق ...: أي بعد اتضاح أن محل الكلام خاص بما إذا تمت الفروض الثلاثة نقول: ينبغي التفصيل بين نحوين من المتكلم.

كيف و قد ادعي ...: أي و كيف لا يكون لنا على الأقل شكّ ...

فضلا عن نفي الخلاف عنه: قد أوضحنا أن نفي الخلاف أقل مرتبة و مكانة من الإجماع، و لذلك صحّ التعبير بكلمة فضلا عن نفي الخلاف.

و هو كاف: أي الشكّ في انعقاد السيرة.

و أما إذا لم يكن العام كذلك ...: ذكرنا أن هذا لا داعي إلى ذكره.

و قد ظهر لك بذلك ...: هذا إشارة إلى جواب السؤال الثاني.

عن المعرضية له: أي لطرو المخصّص.

اللازم منه: أي من الفحص. و المناسب حذف كلمة منه لعدم الحاجة إليها.

رعايتها: خبر قوله: (إن مقداره اللازم منه ...).

368

بين الفحص هاهنا: أي في باب الأصول اللفظية.

و المؤاخذة عليها: أي على المخالفة.

و النقل ...: هذا إشارة إلى ما ذكرناه بلسان إن قلت قلت.

فافهم: تقدّم وجه الأمر بالفهم.

خلاصة البحث:

يجب الفحص عن المخصّص إذا اريد العمل بظهور العام فيما إذا كان المتكلم قد جرت عادته على عدم ذكر المخصّصات مقرونة بالعام، لأن السيرة لم تنعقد على العمل في حقّ المتكلم المذكور إلّا بعد الفحص و اليأس.

و الوجوه الثلاثة المستدل بها على لزوم الفحص خارجة عن محل الكلام.

و الفحص إنما يلزم لو كنّا نحتمل القرينة المنفصلة دون المتصلة.

و البحث عن وجود المخصّص بحث عن المزاحم لمقتضي الحجية و ليس بحثا عن تحقّق أصل المقتضي بخلافه في الأصول العملية.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

العمل بالعام قبل الفحص:

هل يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصّص؟ فيه خلاف، و ربما نفي الخلاف عن عدم جوازه، بل ادعي الإجماع عليه.

و التحقيق عدم الجواز إذا كان في معرض التخصيص- كما في عمومات الكتاب و السنّة- للقطع باستقرار سيرة العقلاء على ذلك، و لا أقل من الشكّ، كيف و قد ادعي الإجماع على عدم الجواز فضلا عن نفي الخلاف، و هو كاف في عدم الجواز.

369

و أما إذا لم يكن العام كذلك- كما هو الحال في غالب العمومات الواقعة في ألسنة أهل المحاورات- فالسيرة منعقدة على العمل بلا فحص.

ثمّ إنه قد استدل على لزوم الفحص بوجوه لا مجال لها، فإن الكلام في المقام قد فرض فيه الفراغ عن اعتبار أصالة العموم من باب الظن النوعي، و بالخصوص للمشافه و غيره، و عدم العلم تفصيلا و لا إجمالا بالتخصيص.

هذا بالنسبة إلى أصل وجوب الفحص.

و أما مقداره فاللازم على ما ذكرناه الفحص إلى حدّ الخروج عن المعرضية، و أما بلحاظ سائر الوجوه- من العلم الإجمالي أو عدم حصول الظن بالتكليف إلّا بالفحص أو غير ذلك- فيختلف مقداره بحسبها.

الفرق بين المخصّص المنفصل و المتصل:

ثمّ إن الظاهر عدم لزوم الفحص عن المخصّص المتصل إذا احتمل أنه كان و لم يصل، فإن حاله حال احتمال قرينة المجاز الذي اتفق على عدم الاعتناء به.

الفرق بين الأصول اللفظية و العملية:

لا يذهب عليك الفرق بين الفحص هاهنا و بينه في الأصول العملية، فإنه هنا عمّا يزاحم الحجية بخلافه هناك، فإنه بحث عن مقتضي الحجية، فإن العقل بدونه لا يحكم بقبح العقاب. و دليل البراءة النقلية و الاستصحاب و إن كانا مطلقين إلّا أن الإجماع بقسميه مقيّد لهما فافهم.

***

370

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

371

الفصل السادس: الخطابات الشفاهية

372

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

373

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: هل الخطابات الشفاهية ...، إلى قوله:

و كذلك لا ريب في عدم صحة ...».

(1)

الخطابات الشفاهية:

الخطاب تارة يكون شفاهيا يستدعي وجود أشخاص مشافهين، من قبيل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ ...، و أخرى لا يكون شفاهيا، من قبيل: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ....

و السؤال في المقام هو: هل الخطابات- شفاهية كانت أو لا- تختص بالحاضرين في مجلس الخطاب و المشافهة أو تعمّ الغائبين عنه بل المعدومين؟ في ذلك خلاف.

و في البداية ينبغي أن نعرف أن النزاع يمكن أن يصوّر بأحد أشكال ثلاثة:

1- هل التكليف يمكن تعلّقه بالمعدوم أو لا؟

2- هل الخطاب يمكن تعلّقه بالمعدوم بل الغائب أو لا؟

3- إن الوصف المذكور بعد الأداة- مثل وصف الذين آمنوا المذكور بعد أداة النداء- يعمّ الغائبين و المعدومين أو أن العرف لا يراه دالا إلّا على خصوص الحاضرين في مجلس الخطاب؟

____________

(1) الدرس 222: (20/ شعبان/ 1426 ه).

374

و النزاع في الشكلين الأوّلين عقلي، لأنه نزاع في الإمكان و الاستحالة، و الحاكم فيهما هو العقل، فهو الذي يحكم بالإمكان أو بالاستحالة، و هذا بخلافه في الشكل الثالث، فإنه نزاع في الدلالة، و المرجع فيه العرف و اللغة، فالنزاع فيه عرفي و لغوي.

النزاع الأوّل:

أما النزاع بالشكل الأوّل فالمناسب فيه التفصيل بين التكليف الجدي الحقيقي و التكليف الانشائي، فإذا كان التكليف حقيقيا- بمعنى أنه مجعول بداعي التحريك و الزجر- فهو لا يمكن تعلّقه بالمعدوم، لأن التكليف الحقيقي يشتمل على الطلب الحقيقي، و هو لا يمكن أن يتعلّق بالمعدوم. (1)

و أما إذا كان التكليف انشائيا- أي لا يشتمل على زجر فعلي و تحريك فعلي- فيمكن تعلّقه بالمعدوم، لأن الإنشاء مجرد اعتبار، و الاعتبار سهل المئونة.

و قد تسأل عن فائدة إنشاء التكليف في حقّ المعدوم، فهل هناك فائدة؟ و لما ذا لا ينتظر إلى أن يوجد و بعد ذلك يوجّه إليه التكليف؟

نعم إن الفائدة في ذلك هي أن المولى بإنشاء خطاب واحد يستفيد فائدتين، فهو في حقّ الموجود يكون مفيدا للتكليف الفعلي، و في حقّ المعدوم يكون مفيدا للتكليف الانشائي، بمعنى أنه لو وجد فيصير في حقه فعليا بلا حاجة إلى إنشاء جديد، فإنشاء واحد يكتفى به في حقّ الاثنين معا.

و يوجد لهذا بعض الشواهد العرفية و العقلائية، من قبيل أن الواقف قد يوقف العين على البطون و يكون البطن الثاني معدوما حين إنشاء الوقف، إنه في‏

____________

(1) كان من المناسب التعليل هكذا: إن التكليف الحقيقي حيث إنه يشتمل على زجر و تحريك، و المعدوم لا يمكن زجره و تحريكه فيلزم عدم إمكان ثبوته في حقه.

375

مثله يكون لدينا إنشاء واحد متضمن للوقف الفعلي في حقّ البطن الأوّل، و للوقف الانشائي في حقّ بقية البطون، إذ أن بقية البطون تتلقّى العين من نفس الواقف و بواسطة إنشاءه و ليس من البطن الأوّل من خلال الارث.

ثمّ إن هذا كله هو فيما إذا لم يقيّد المولى إنشاءه بفرض وجود الشرط، أما إذا قيّده و قال هكذا: يجب على كل إنسان موجود أو على فرض وجوده و اكتماله للشرائط كذا و كذا فلا إشكال في إمكان ذلك فيكون التكليف شاملا للموجود و المعدوم بلا تأمل و يكون فعليا في حقّ الموجود و انشائيا في حقّ المعدوم.

و عليه فإن كان هناك إشكال و تأمل فهو فيما إذا أنشأ التكليف من دون تقييد بما إذا وجد المكلف و جمع الشرائط.

توضيح المتن:

مثل يا أيها المؤمنون: المناسب التمثيل بما هو موجود في القرآن الكريم، و هو مثل‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* ...

بالألفاظ الموضوعة: متعلق بالمخاطبة. و هكذا قوله: (بنفس توجيه ...) متعلق بالمخاطبة.

بقرينة تلك الأداة: أي إنما لا تعمهما لأجل قرينة، و هي تلك الأداة.

بمعنى بعثه ...: أي بمعنى التكليف الحقيقي. و قوله: (فعلا) راجع للاثنين معا، أي بمعنى البعث الفعلي أو الزجر الفعلي.

قانونا: أي كقانون كلي يعم الموجودين و المعدومين. و قوله:

(حين الخطاب) متعلّق بالمعدوم.

وجد الشرائط: المناسب: وجدان الشرائط.

376

فتدبر: لعلّه إشارة إلى عدم لزوم محذور اللغوية و العبث كما أوضحنا.

بانشائه: أي بإنشاء الوقف.

إلّا استعدادها: أي العين.

خلاصة البحث:

وقع الخلاف في أن الخطابات الشفاهية هل تعمّ الغائبين و المعدومين أو لا؟ و النزاع يمكن أن يتصوّر بأشكال ثلاثة.

و إذا كان النزاع بالشكل الأوّل فالمناسب التفصيل بين ما إذا كان التكليف حقيقيا فلا يمكن تعلّقه بالمعدوم بخلاف ما إذا كان انشائيا فإنه يمكن أن يعمّه.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الخطابات الشفاهية:

هل الخطابات الشفاهية تختص بالحاضر أو تعمّ الغائب و المعدوم؟ فيه خلاف.

و النزاع يمكن أن يكون:

1- في أن التكليف هل يمكن تعلّقه بالمعدوم؟

2- أو في صحة مخاطبته، بل و مخاطبة الغائب؟

3- أو في عموم الألفاظ الواقعة عقيب أدوات الخطاب.

و النزاع على الأوّلين عقلي، و على الأخير لغوي.

أما النزاع الأوّل فينبغي التفصيل فيه فلا يجوز التكليف الفعلي الناشئ بداعي التحريك و الزجر الفعلي، لأنه يستلزم الطلب الحقيقي الذي لا يمكن تعلّقه بغير الموجود، و يجوز التكليف الانشائي الذي لا

377

تحريك و لا زجر فيه، فإن الإنشاء خفيف المئونة، فلا محذور في أن يطلب الحكيم شيئا من الموجود و المعدوم بنحو يصير فعليا في حقه بعد اجتماع الشرائط و فقدان الموانع بلا حاجة إلى إنشاء آخر.

و هذا كما في إنشاء الوقف على البطون، فإن المعدوم يصير مالكا بعد وجوده بنفس الإنشاء السابق، فيؤثّر في حقّ الموجود الملكية الفعلية، و في حقّ المعدوم الاستعداد لصيرورتها ملكا له بعد وجوده.

هذا إذا أنشأ الطلب مطلقا.

و أما إذا أنشأ مقيّدا بوجود المكلف و الشرائط فلا إشكال في إمكانه.

***

378

قوله (قدّس سرّه):

«و كذلك لا ريب في عدم صحة ...، إلى قوله:

هذا لو قلنا بأن الخطاب ...».

(1)

النزاع الثاني:

و أما النزاع بالشكل الثاني فالمناسب فيه هو التفصيل أيضا فيقال: إن الخطاب إذا كان حقيقيا- بمعنى أنه قصد توجيه الكلام إلى الغير بنحو الحقيقة- فلا يمكن أن يكون مع المعدوم، إذ كيف يوجّه الكلام إلى الغير و هو ليس بقابل لذلك؟! نعم إذا لم يكن حقيقيا بل كان انشائيا فلا محذور في ذلك.

النزاع الثالث:

و أما النزاع بالشكل الثالث فالمناسب فيه أن يقال: إن أداة النداء- مثل يا أيها- إذا كانت موضوعة للخطاب الحقيقي و استعملت في ذلك فيتعيّن أن يكون ما بعدها- أي وصف الذين آمنوا مثلا- مختصا بالموجودين، لعدم إمكان التخاطب الحقيقي إلّا مع الموجودين، و إذا فرض أنّا عرفنا من الخارج أن ما بعد الأداة قد استعمل في الأعم من الموجودين و المعدومين فذلك يكشف عن استعمال الأداة في التخاطب الانشائي كما هو واضح.

و لكن لأي شي‏ء وضعت أدوات الخطاب؟ هل وضعت للخطاب الحقيقي أو للخطاب الانشائي؟ الصحيح هو الثاني، أي هي وضعت‏

____________

(1) الدرس 223: (21/ شعبان/ 1426 ه).

379

لإنشاء الخطاب الذي تختلف دواعيه، فربما يكون الداعي لإنشاء الخطاب هو الحزن‏

يا كوكبا ما كان أقصر عمره‏* * * و كذا تكون كواكب الأسحار

(1) أو الشوق،

يا أهل بيت رسول اللّه حبكم‏* * * فرض من اللّه في القرآن أنزله‏

(2) كما ربما يكون الداعي هو الخطاب و النداء الحقيقي. (3) نعم لا يبعد الانصراف إلى حالة كون الداعي هو الخطاب و النداء الحقيقي، (4) و لكن هذا الانصراف لا يتم في الخطابات الشرعية، و ذلك من جهة علمنا بكون الحكم المذكور في مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ‏ عاما للموجودين و المعدومين و لا يختص بالموجودين. (5)

و قد تسأل عن الدليل على وضع أدوات الخطاب للخطاب الانشائي دون الحقيقي، إن الدليل على ذلك هو الوجدان، فإنه قاض بأن لو استعملنا ما بعدها في العموم و قلنا: يا أيها الناس افعلوا كذا و قصدنا الأعم من الموجودين لم نشعر

____________

(1) كقول أبي الحسن التهامي:

يا كوكبا ما كان أقصر عمره‏ * * * و كذا تكون كواكب الأسحار

(2) كقول الشافعي:

يا أهل بيت رسول اللّه حبكم‏ * * * فرض من اللّه في القرآن أنزله‏

(3) كقولك لولدك الموجود معك: يا ولدي تعال.

(4) و نظير هذا قد تقدّم في مبحث الأوامر عند التعرّض إلى الاستفهام و التمني و الترجي، حيث ذكر أن هذه موضوعة لإنشاء الاستفهام أو لإنشاء التمني أو لإنشاء الترجي، و الدواعي مختلفة، فربما يكون داعي الاستفهام هو طلب الفهم حقيقة، كما ربما يكون هو الإنكار أو التوبيخ أو نحو ذلك، و لا يبعد كون المنصرف طلب الفهم حقيقة إن لم تقم قرينة على الخلاف.

(5) لا يخفى أن كون الأحكام عامة بسب قاعدة الاشتراك الثابتة بالضرورة و الإجماع لا يستلزم استعمال ما بعد الأداة في العموم، بل لعلّه مستعمل في خصوص الموجودين، و لكن رغم ذلك نحكم بعموم الحكم لقاعدة الاشتراك.

و هذا مطلب ينبغي أن يكون واضحا.

380

بالمجازية و العناية، فلو كانت- الأدوات- موضوعة للخطاب الحقيقي يلزم أن يكون استعمالها مجازيا و مع العناية.

و إذا قيل: إن المجازية موجودة في النفس ارتكازا و إجمالا و ثابتة في أعماق النفس و لكن لا نشعر بها تفصيلا.

قلنا: إننا لو فتّشنا أعماق النفس و أخذنا نتأمل لم نجد وجود أي عناية و مجازية، و ذلك يدل على عدم وجودها و إلّا لمسناها عند التفتيش.

ثمّ بعد ذلك ذكر (قدّس سرّه) مطلبا آخر و قال: إننا ادعينا فيما سبق أن أدوات الخطاب موضوعة لإنشاء الخطاب، و لازم ذلك أن يعم ما بعدها المعدومين أيضا، و الآن نتنزّل و نقول: لو تنزّلنا و قلنا: إن أدوات الخطاب هي موضوعة للخطاب الحقيقي- الذي لازمه اختصاص ما بعدها بالموجودين- فنقول: إنه رغم هذا لا نخصّص ما بعدها بخصوص الموجودين، و ذلك لوجود القرينة على التعميم، و هي كون الأحكام مشتركة بالإجماع و الضرورة، إن اشتراك الأحكام هو بنفسه قرينة على أن ما بعد الأداة لا يختص بخصوص المشافهين أو الموجودين. (1)

إذن من خلال هذا ننتهي إلى هذه النتيجة: إن ما بعد الأداة يعمّ المعدومين لوجهين:

1- إن أدوات الخطاب موضوعة لإنشاء الخطاب و ليس للخطاب الحقيقي.

2- إنه لو سلّمنا وضع الأدوات للخطاب الحقيقي فذلك إنما يوجب اختصاص ما بعدها بخصوص الموجودين لو لم تقم قرينة على التعميم، و لكنها قد قامت، و هي اشتراك الأحكام.

____________

(1) قد تقدمت مناقشة ذلك.

381

ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) بعد ذلك إلى مطلب آخر، و هو أنه قد يدّعى صلاحية المعدومين لتوجيه الخطاب الحقيقي إليهم باعتبار أن اللّه سبحانه محيط بهم إحاطة تامة و لا تختص إحاطته بخصوص الموجودين.

و الجواب عن ذلك: إن الإحاطة الإلهية شي‏ء، و قابلية الشخص لتوجيه الخطاب إليه شي‏ء آخر، فاللّه سبحانه محيط بالمعدومين أيضا و لكن ذلك لا يستلزم قابليتهم لتوجيه الخطاب إليهم، بل هم ليست لهم صلاحية لذلك لقصور فيهم و ليس لقصور في ساحة الباري تعالى.

لا يقال: إن المعدوم بعد أن يوجد يصير صالحا لشمول الخطاب له فيلزم إذن أن نحكم بشمول الخطابات للمعدومين باعتبار أنهم صالحون لذلك بعد أن يتم وجودهم.

فإنه يقال: إن المعدوم حالة عدمه ليست له صلاحية لشمول الخطاب له، و بعد أن يوجد لا وجود للخطاب- لأنه من الموجودات غير القارة، أي من الموجودات التي تتصرّم و تنقضي شيئا فشيئا- حتّى يمكن أن يشمل المعدوم بعد وجوده.

توضيح المتن:

و كذلك لا ريب في عدم صحة ...: هذا إشارة إلى النزاع الثاني.

و قوله: (حقيقة متعلّق بالخطاب)، أي لا يصحّ الخطاب الحقيقي.

و منه قد انقدح ...: هذا إشارة إلى النزاع الثالث.

لأوجب استعماله ...: تقدير العبارة هكذا: لأوجب استعمال مثل أدوات النداء في الخطاب الحقيقي تخصيص ما يقع بعده بالحاضرين، كما أن مقتضى إرادة العموم- مما يقع بعد الأداة- لغير الحاضرين استعمال مثل أدوات النداء في غير الخطاب الحقيقي.

382

لكن الظاهر أن مثل ...: هذا تحقيق عن حال الأدوات و أنها موضوعة للخطاب الحقيقي أو للخطاب الانشائي.

بل للخطاب الإيقاعي ...: أي لإيقاع الخطاب و انشائه، و سيأتي توجيه ذلك و الاستدلال عليه بقوله: (و يشهد لما ذكرنا صحة النداء ...).

تحسّرا و تأسّفا و تحزّنا: العطف فيما بينها تفسيري.

كما يوقعه مخاطبا ...: أي كما أنه قد يوقعه بقصد المخاطبة الحقيقية.

فلا يوجب استعماله: أي و ما دام مثل أدوات النداء موضوعة للخطاب الانشائي فاستعماله في معناه الحقيقي- و هو الخطاب الانشائي- لا يوجب تخصيص ما بعد الأدوات بالموجودين.

انصرافا: أي بسبب الانصراف.

في بعض المباحث السابقة: يعني مبحث الأوامر.

للإيقاعي منها: أي من الاستفهام و التمني و الترجي. و هكذا الحال في قوله: (في الواقعي منها).

كما يمكن دعوى: أي إنه يمكن دعوى وجود المانع.

و يا أيها المؤمنون: المناسب: و يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا*.

و يشهد لما ذكرنا ...: هذا تعليل لقوله: (بل للخطاب الإيقاعي الانشائي فالمتكلم ...).

و توهّم كونه: أي التنزيل.

مع حصول العلم به: أي و الحال أنه يلزم حصول العلم به بالتفتيش لو كان ارتكازيا و إلّا فمن أين علم بثبوته ارتكازا.

بأدوات الخطاب: متعلّق بالخطابات الإلهية، و كان الأجدر

383

الاستغناء عن هذه الجملة، أي: بأدوات الخطاب أو بنفس توجيه الكلام بدون الأداة، فإنه لا حاجة إليها، و ذكرها مشوّش.

أو بنفس توجيه الكلام: مثل‏ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏ ...

بالمشافهين: متعلّق باختصاص.

قرينة على التعميم: أي و هي موجودة، أعني اشتراك الأحكام.

و عدم صحة المخاطبة معهما: الواو استينافية. و المناسب: و عدم صحة مخاطبتهما.

خلاصة البحث:

إن خطاب المعدوم لا يمكن إذا كان التخاطب حقيقيا.

و ما بعد الأداة يختص بالموجود إذا كانت الأدوات موضوعة للخطاب الحقيقي، لكنها موضوعة للانشائي لصحة إرادة العموم مما يقع بعدها من دون لزوم عناية و مجازية.

و مع التنزّل و تسليم وضع الأدوات للخطاب الحقيقي فذلك إنما يوجب الاختصاص بالموجودين إذا لم تقم قرينة على التعميم، و لكنها قائمة.

و إحاطته تعالى بالمعدومين لا يستلزم قابليتهم لصحة الخطاب الحقيقي.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و أما النزاع الثاني فالمناسب أن لا يرتاب في عدم صحة الخطاب الحقيقي مع المعدوم بل الغائب لعدم إمكان توجيه الكلام إليه ما دام لا يلتفت.

و أما النزاع الثالث فقد اتضح الحال فيه، فإن الأدوات لو كانت‏

384

موضوعة للخطاب الحقيقي لاختص متلوّها بالحاضرين، و إذا كان قد عمّ غيرهم فيدل ذلك على استعمالها في الخطاب الانشائي.

و الظاهر أنها موضوعة للخطاب الانشائي- فالمتكلم ربما يخاطب بداعي الحزن أو الشوق و نحو ذلك كما قد يخاطب بداعي النداء الحقيقي- و لازمه عدم اختصاص متلوّها بمن تصح مخاطبته.

نعم لا يبعد الانصراف إلى كون الخطاب بداعي التخاطب الحقيقي إذا لم يمنع مانع، و لا يبعد وجوده في كلام الشارع، ضرورة عدم اختصاص الأحكام بالحاضرين.

و الوجه في كونها موضوعة للخطاب الانشائي صحة النداء بالأدوات مع إرادة العموم من العام الواقع تلوها بلا ملاحظة عناية.

و توهّم كونها ارتكازية، مدفوع بأنّا لا نلتفت إليها لو قمنا بالتفتيش في أنفسنا عنها.

ثمّ إنه لو سلمنا وضع الأدوات للخطاب الحقيقي فلا مناص من اختصاص الخطابات الإلهية بالمشافهين إذا لم تقم قرينة على التعميم، و قد قلنا هي ثابتة.

و توهّم صحة التزام التعميم في خطاباته تعالى لغير الموجودين فضلا عن الغائبين لإحاطته تعالى بالجميع فاسد، فإن الإحاطة لا توجب صحة المخاطبة الحقيقية.

و الخطاب اللفظي بعد ما كان متصرّم الوجود قاصر عن إمكان التوجّه إلى غير المشافه.

***

385

قوله (قدّس سرّه):

«هذا لو قلنا ...، إلى قوله: فصل ربما قيل: إنه يظهر ...».

(1)

النبي (صلى اللّه عليه و آله) هو المخاطب أو غيره:

ذكرنا فيما سبق أنه في النزاع الثالث وقع الكلام في أن الخطابات القرآنية هل تعم المعدومين أو لا، و ذكرنا أنها تعمّ المعدومين لوجهين.

و الآن نقول: إن هذا الخلاف و النزاع يأتي لو فرض أنّا قلنا بتوجّه الخطابات القرآنية- مثل خطاب‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ* ...- إلى الناس، و دور النبي (صلى اللّه عليه و آله) دور الموصل و المبلّغ لها، إنه بناء على هذا يأتي النزاع في أن الخطابات المذكورة تختص بالموجودين أو تعمّ المعدومين، و أما إذا قلنا: إن المخاطب الحقيقي هو النبي (صلى اللّه عليه و آله)(2) فلازم ذلك أن يكون عنوان الذين آمنوا قد استعمل في غير المخاطب الحقيقي- إذ هو عنوان لجميع المؤمنين لا خصوص النبي (صلى اللّه عليه و آله)- أي قد استعمل في التخاطب مع غير المخاطب الحقيقي، و بالتالي يلزم أن يكون الخطاب خطابا انشائيا و ليس خطابا حقيقيا، إذ كيف يكون خطابا حقيقيا و المفروض أنه خطاب مع غير المخاطب الحقيقي.

____________

(1) الدرس 224 و 225: (22 و 23/ شعبان/ 1426 ه).

(2) باعتبار أنه هو الشخص اللائق لتوجيه الخطابات الإلهية إليه، كما هو الحال فيما إذا أراد شخص مخاطبة أهل بلد معيّن، فإنه يخاطب كبارهم و علمائهم باعتبار أنهم هم اللائقون لذلك.

386

و إذا سلّمنا أن الخطاب خطاب انشائي و ليس حقيقيا فيلزم أن يكون شاملا للجميع من دون اختصاص بالموجودين، لأنّا قد سلّمنا سابقا أن الخطاب متى ما كان انشائيا فيشمل الجميع بلا اختصاص بالموجودين تمسكا بظهوره في العموم، و إنما يكون مختصا بالموجودين فيما إذا كان الخطاب حقيقيا.

إذن بناء على كون المخاطب في الخطابات القرآنية هو النبي (صلى اللّه عليه و آله) يتعيّن أن تكون- الخطابات القرآنية- شاملة للجميع من دون نزاع، و النزاع ينحصر بحالة ما إذا قلنا بكون المخاطب هو الناس، أي غير النبي (صلى اللّه عليه و آله).

***

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: ربما قيل: إنه يظهر لعموم ...، إلى قوله:

فصل: هل تعقّب ...».

ثمرة النزاع:

قد يشكل بأن البحث المتقدّم لا ثمرة له، فإن الأحكام الشرعية هي ثابتة في حقّ الجميع حتّى لو لم نقل بشمول الخطابات للمعدومين، إذ يمكن إثبات الأحكام في حقهم من خلال قاعدة الاشتراك، فلا تكاد تظهر ثمرة لهذا البحث بعد ما كانت الأحكام ثابتة في حقّ الجميع على كلا التقديرين.

و من هنا ذكرت ثمرتان لهذا البحث و لم يرتضهما الشيخ الخراساني، و هما:

1- الثمرة المنقولة عن المحقق القمي. و حاصلها: إنه لو شكّ المعدوم في جزئية شي‏ء أو شرطيته و نحو ذلك- كما لو شكّ في جزئية السورة للصلاة- فبناء على شمول الخطابات للمعدومين نتمكن من التمسك بالإطلاق و نقول: إنه‏

387

تعالى قال: أَقِيمُوا الصَّلاةَ و لم يقل: أقيموا الصلاة بقيد السورة، و مقتضى الإطلاق عدم وجوب السورة المشكوكة، إنه نتمكن من هذا باعتبار أننا مقصودون بالإفهام فيلزم جواز التمسك بالإطلاق، و هذا بخلاف ما إذا لم نقل بشمول الخطاب للمعدومين، فإنه يلزم أن لا نكون مقصودين بالإفهام، و بالتالي لا نتمكن أن نتمسك بالظهور، لأنه حجة في حقّ من قصد إفهامه.

هذا حاصل الثمرة الأولى.

و يردّها: إنها مبنية على تمامية مقدمتين: إن الظواهر حجة في حقّ من قصد إفهامه فقط و ليس في حقّ الجميع، و إن الخطابات إذا لم تكن شاملة للمعدومين فلا يكونون مقصودين بالإفهام، و كلتا المقدمتين باطلة.

أما الأولى فلما يأتي في مبحث حجية الظواهر إن شاء اللّه تعالى من أن الظواهر حجة حتّى في حقّ من لم يقصد إفهامه، و لا تختص حجيتها بمن قصد إفهامه.

و أما الثانية فلأن الخطاب حتّى إذا لم يكن شاملا للمعدوم فذلك لا يعني أنه- المعدوم- ليس مقصودا بالإفهام، بل هو مقصود بالإفهام رغم عدم شمول الخطاب له، و يدل على ذلك بعض الأخبار مثل حديث الثقلين‏ (1) و الأحاديث الدالة على لزوم ردّ جميع الشروط و الاخبار على الكتاب الكريم، فما وافق الكتاب كان نافذا و حجة و إلّا فلا، و هذا معناه أن جميع الناس يمكنهم الرجوع إلى الكتاب الكريم لتمييز الشروط و الاخبار حتّى لو فرض عدم شمول الخطابات لهم، و هذا يدل على أنهم مقصودون بالإفهام رغم أنهم ليسوا مخاطبين.

____________

(1) فإنه يقول: «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا»، و هذا معناه أننا مأمورون بالتمسك بالكتاب الكريم و أننا مقصودون بالإفهام رغم أنّا لسنا مخاطبين.

388

2- إنه لو شككنا في ثبوت حكم من الأحكام في حقّ المعدومين، كما إذا شكّ في ثبوت وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة، فإنه بناء على شمول الخطابات للمعدومين نتمكن من التمسك بإطلاقها لإثبات أن الوجوب ثابت في حقّنا، إذ نقول هكذا: إن الآية الكريمة قالت: ف إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ، و لم تقل: فاسعوا إلى ذكر اللّه بشرط أن تكونوا متّصفين بالحضور في زمان المعصوم (عليه السّلام)، إن الإطلاق من هذه الناحية يدل على أن الحكم ليس مختصا بالموجودين في زمان الحضور، و هذا بخلاف ما إذا لم نقل بشمولها للمعدومين، فإنه لا يمكن التمسك بإطلاقها لنفي اشتراط صفة الحضور.

و قد تقول: إن الإطلاق و إن لم يمكن التمسك به و لكن هذا لا يضرّ شيئا بعد إمكان التمسك بقاعدة الاشتراك.

و لكنه يقال: إن قاعدة الاشتراك لا يمكن التمسك بها، لأن مستندها هو الإجماع، و القدر المتيقن من الإجماع الثابت على قاعدة الاشتراك هو ما إذا فرض اتفاق الموجودين الآن مع الموجودين سابقا في جميع الصفات و إلّا فالاشتراك ليس بثابت، و من الواضح أن الموجودين في الزمان السابق إنما وجبت عليهم الجمعة لأنهم كانوا متصفين بصفة الحضور، و حيث إنها مفقودة في حقّ المعدومين فلا يمكن التمسك بقاعدة الاشتراك.

إذن بناء على شمول الخطابات للمعدومين يمكن التمسك بإطلاقاتها لنفي اعتبار صفة الحضور، و بالتالي يكون وجوب صلاة الجمعة ثابتا في حقّنا، و هذا بخلاف ما إذا لم نقل بالشمول فلا يمكن‏

389

التمسك بالإطلاق و لا بقاعدة الاشتراك، و بالتالي لا يمكن إثبات وجوب الجمعة في حقّ المعدومين. (1)

هذا حاصل الثمرة الثانية.

و يردّها: إنه يمكن إثبات الوجوب في حقّنا بواسطة قاعدة الاشتراك دون لزوم أي محذور، و ذلك بأن يقال هكذا: إننا نتمسك بإطلاق الخطاب في حقّ الموجودين ذلك الزمان و نقول: إن الآية الكريمة لم تقل لهم: فاسعوا إلى ذكر اللّه بشرط أن تكونوا متصفين بصفة الحضور رغم أنهم قد يفقدون صفة الحضور في يوم من الأيام، كما لو فرض أن شخصا عاصر فترة الإمام العسكري (عليه السّلام) و فترة الغيبة الصغرى، و إذا كان الخطاب مطلقا في حقهم فذلك نفهم منه أن صفة الحضور ليست دخيلة في الحكم بوجوب الجمعة، و بعد نفي احتمال دخالتها بواسطة إطلاق الخطاب في حقّ نفس السابقين نتمسك بقاعدة الاشتراك لإثبات وجوب الجمعة في حقّنا.

نعم قد تواجهنا المشكلة التالية: إن الخطاب لا يمكن التمسك بإطلاقه في حقّ السابقين، إذ لعلّ الآية الكريمة أطلقت و لم تقيّد بصفة

____________

(1) قد تسأل ما هو الفارق بين هذه الثمرة و الثمرة السابقة؟ و الجواب: إن الفارق هو أنه في الثمرة الثانية نحاول إثبات الحكم من خلال إطلاق الخطاب، فنثبت وجوب الجمعة مثلا في حقّنا إذا قلنا بشمول الخطابات للمعدومين و إلّا فلا نتمكن، و هذا بخلافه في الثمرة الأولى، فإنه لا نريد إثبات الحكم في حقّ المعدوم من خلال التمسك بالإطلاق، بل هو ثابت جزما، غير أنه نشكّ من بعض النواحي الجانبية الأخرى، و يتمسك بالإطلاق من هذه النواحي الأخرى، فلا نحاول التمسك بإطلاق أقيموا الصلاة لإثبات وجوب الصلاة في حقّنا بل نتمسك به لنفي جزئية السورة مثلا في حقّنا و في حقّ السابقين.

390

الحضور باعتبار أنهم كانوا متّصفين بصفة الحضور، و بعد اتصافهم بها يكون التقييد بها لغوا و بلا حاجة.

و الجواب واضح، حيث يقال: إن هذا وجيه إذا لم تكن الصفة قابلة للزوال و الانعدام، أما إذا كانت قابلة لذلك فالتقييد بها لازم إذا كانت دخيلة في ثبوت الحكم، و حيث إن صفة الحضور قابلة للزوال عن الأفراد الموجودين في ذلك الزمان فالتقييد بها يكون لازما لو كانت دخيلة في ثبوت الحكم.

و هناك مشكلة أخرى قد تواجهنا، و هي أن المعدومين يختلفون مع الموجودين في ذلك الزمان في كثير من الصفات، ككون السابقين موجودين في الصدر المتقدّم من الإسلام بينما نحن موجودون في الفترة المتأخرة، و نحو ذلك من الاختلافات، و نحن بالإطلاق و إن نفيا مدخلية صفة الحضور و لكن هذا لا يكفي لتطبيق قاعدة الاشتراك بعد الاختلاف بيننا و بين المتقدمين في كثير من الصفات.

و الجواب واضح أيضا، إذ يقال: ليس المراد من الاتحاد الذي يلزم إحرازه لتطبيق قاعدة الاشتراك هو الاتحاد من ناحية جميع الصفات، بل بلحاظ خصوص الصفات التي يحتمل مدخليتها في ثبوت الحكم، و من المعلوم أن صفة الحضور قد نفينا مدخليتها ببركة الإطلاق في حقّ السابقين، و أما بقية الصفات فلا نحتمل مدخليتها في ثبوت الحكم، و معه فلا يضرّ الاختلاف من ناحيتها، و إلّا يلزم عدم إمكان تطبيق القاعدة في أي مورد من الموارد، إذ ما من مورد إلّا و يوجد اختلاف في بعض الصفات من بعض الجهات.

391

إشكال و جواب:

ثمّ تعرّض (قدّس سرّه) بعد ذلك إلى إشكال و جواب قد اتّضحا معا مما سبق، و لا حاجة إلى تكرارهما و التطويل بذلك.

أما الإشكال فهو: لما ذا لا نقتصر لإثبات التعميم على قاعدة الاشتراك فقط؟ أي لما ذا نأخذ بضمّ الإطلاق إليها و نجعل المجموع دليلا على التعميم؟ إن المناسب لأجل إثبات التعميم الاقتصار على قاعدة الاشتراك، بأن نقول هكذا: إن الوجه في التعميم هو قاعدة الاشتراك، فإن وجوب الجمعة مثلا إذا كان ثابتا في حقّ الموجودين فيثبت في حقّ المعدومين أيضا بالقاعدة المذكورة.

و أما الجواب فهو أن التمسك بقاعدة الاشتراك و حدها يكون وجيها لو لم يكن الموجودون في ذلك الزمان متصفين بوصف الحضور الذي نحتمل مدخليته في ثبوت الحكم في حقهم، أما بعد اتصافهم به فلا بدّ من نفي مدخليته في حقهم، و بعد ذلك يصح التمسك بقاعدة الاشتراك، إذ لا يمكن تطبيقها في مورد اختلاف الصفات التي يحتمل مدخليتها في ثبوت الحكم، فلا بدّ من نفي المدخلية حتّى يمكن التمسك بها. (1)

هل الثمرة بالتالي ثابتة؟

و من خلال ما سبق اتضح أن كلتا الثمرتين قابلة للمناقشة، و بالتالي لا ثمرة لهذا البحث لبطلان كلتا ثمرتيه.

نعم لو قلنا: إن حجية الظواهر مختصة بخصوص من قصد إفهامه، و قلنا: إن كل من لم يكن مخاطبا و مشمولا للخطاب فهو ليس بمقصود

____________

(1) نسخ عبارة الكفاية مختلفة في هذا الموضع، كما سنشير فيما بعد إن شاء اللّه تعالى، و لكنه اختلاف لا يؤثّر على جوهر المطلب.

392

بالإفهام فتظهر الثمرة آنذاك و تكون الثمرة الأولى ثمرة تامة و لكن كلتا المقدمتين قابلة للمناقشة:

أما الأولى فلما يأتي في مبحث حجية الظواهر- إن شاء اللّه تعالى- حيث نثبت أن الظواهر حجة حتّى في حقّ من لم يقصد إفهامه.

و أما الثانية فلما ذكر سابقا من أن بعض الأخبار يستفاد منها أن جميع الناس إلى يوم القيامة هم مقصودون بالإفهام بالكتاب الكريم و إن لم يكونوا مخاطبين به، فلاحظ حديث الثقلين و غيره.

توضيح المتن:

ربما قيل: إنه يظهر ...: كان من المناسب بيان الإشكال أوّلا في ثمرة البحث فيقال: قد يشكل بعدم الثمرة لهذا البحث لثبوت الحكم في حقّ المعدوم و لو لم يقل بشمول الخطاب له.

ثمّ لا يخفى أنه كان المناسب عقد هذا البحث بعنوان تتمة أو تذنيب لا بعنوان فصل، لأن هذا البحث تتمة للبحث السابق، باعتبار أنه بحث عن الثمرة و ليس منفصلا و مغايرا للبحث السابق.

و قد حقق عدم ...: أي في مبحث حجية الظواهر الذي يأتي في الجزء الثاني من الكفاية إن شاء اللّه تعالى.

و إنما عبّر بالماضي و لم يقل: و سيأتي تحقيق عدم الاختصاص بهم، باعتبار أنه (قدّس سرّه) قد حقّق هذا المطلب قبل كتابته في الجزء الثاني.

مقصودين بذلك: أي بالإفهام.

مع المشافهين في الصنف: باعتبار أن السابقين واجدون لصفة الحضور بخلاف الموجودين الآن.

393

حيث لا دليل عليه حينئذ إلّا الإجماع: بل هو موجود، و هو ما دلّ على أن حلاله (صلى اللّه عليه و آله) حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة.

و لا يذهب عليك: هذا جواب ورد على الثمرة الثانية. و كان من المناسب أن يقول: و يرد عليها.

بإطلاق الخطاب إليهم: المناسب: بإطلاق الخطاب بلحاظهم.

و كونهم كذلك ...: هذا مبتدأ، و خبره لا يوجب ...

ثمّ إن هذا دفع للمشكلة الأولى التي أشرنا إليها فيما سبق.

مع إرادة المقيّد منه: أي من الإطلاق. و في بعض النسخ: معه، و المناسب كما هنا، أي منه.

و ليس المراد بالاتحاد: هذا دفع للمشكلة الثانية التي أشرنا إليها فيما سبق.

إلّا الاتحاد فيما اعتبر: المناسب: إلّا الاتحاد فيما احتمل اعتباره ...

بمرور الدهور: كالطّول و القصر و السمنة و الهزال.

و دليل الاشتراك: أي قاعدة الاشتراك. و هذا هو ما أشرنا إليه تحت عنوان إشكال و جواب.

فيما لم يكونوا ...: العبارة مطوّلة و معقّدة بلا داع، و المناسب:

و قاعدة الاشتراك إنما تجدي في إثبات التعميم إذا لم يتّصف المشافهون بعنوان تحتمل مدخليته في ثبوت الحكم لهم.

لو لم يكونوا ...: النسخ هنا مختلفة، فبعضها وردت العبارة فيه هكذا: أو لم يكونوا معنونين به للشكّ ... كما في متن حقائق الأصول، و بعضها وردت فيه هكذا: و لو كانوا معنونين به ...

و ربما يوضّح المطلب- بناء على هذه العبارة الأخيرة- هكذا: و مما يدلّنا

394

على جواز التمسك بالإطلاق أوّلا ثمّ بقاعدة الاشتراك ثانيا أن المشافهين لو فرض أنهم كانوا في أوّل حياتهم متصفين بصفة و في آخر حياتهم زالت عنهم- كصفة الحضور مثلا- فهل حينئذ يتمسك بقاعدة الاشتراك من دون التمسك بالإطلاق؟ كلا، إذ لا يمكن التمسك بالقاعدة مع اختلاف الصنف، فيتعيّن التمسك به، و لازمه تعيّن التمسك به في مقامنا أيضا.

و معه كان: أي مع الإطلاق و ثبوت عدم دخل ذاك العنوان سوف يعمّ الحكم غير المشافهين- حتّى و لو قيل باختصاص الخطابات بالمشافهين- لقاعدة الاشتراك.

في غير المقام: أي في غير مقامنا و موضعنا هذا، أي حقّق في مبحث حجية الظواهر.

في المقام: بقوله (قدّس سرّه) فيما سبق: (كما يومئ ...).

خلاصة البحث:

قيل بظهور الثمرة في حجية ظهور الخطابات في حقّ المعدومين بناء على الشمول، و العدم بناء على عدم الشمول، لكنها مرفوضة لابتنائها على مقدمتين مرفوضتين.

و قيل بظهورها أيضا في إمكان التمسك بالخطابات لإثبات الأحكام في حقّ المعدومين لو وجدوا، بخلافه بناء على العدم، حيث يحتاج إلى قاعدة الاشتراك التي لا يمكن تطبيقها لفقدان الاتحاد في الصفات.

و هي مرفوضة أيضا لإمكان نفي مدخلية الصفة من خلال الإطلاق ثمّ نتمسك بقاعدة الاشتراك حتّى لو لم نقل بعموم الخطابات للمعدومين.

395

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمرة البحث:

قيل: إنه يظهر لعموم الخطابات للمعدومين ثمرتان:

1- حجية ظهور خطابات الكتاب الكريم لهم كالمشافهين.

و فيه: إنه مبني على اختصاص حجية الظواهر بالمقصودين بالإفهام، و قد حقق عدم الاختصاص بهم. و لو سلّم فاختصاص المشافهين بكونهم مقصودين بذلك ممنوع، بل الظاهر أن الناس كلهم إلى يوم القيامة يكونون كذلك و إن لم يعمّهم الخطاب، كما يومئ إليه غير واحد من الأخبار.

2- بناء على التعميم يمكن إثبات الأحكام- بإطلاق الخطابات- للمعدوم إذا وجد و إن لم يكن متحدا مع المشافه في الصنف بينما لا يصح ذلك بناء على العدم لعدم كون الخطابات حينئذ متكفلة لحكمه، بل لا بدّ للحكم بالاشتراك من إثبات الاتحاد في الصنف، لعدم الدليل عليه حينئذ إلّا الإجماع، و لا إجماع إلّا إذا اتحد الصنف.

و فيه: إنه يمكن إثبات الاتحاد و عدم مدخلية الصفة التي عليها المشافهون بإطلاق الخطاب بلحاظهم من دون التقييد بها. و كونهم كذلك لا يوجب صحة الإطلاق مع إرادة المقيّد منه فيما يمكن أن يتطرق إليه الفقدان.

و ليس المراد من الاتحاد في الصنف إلّا الاتحاد فيما احتمل اعتباره قيدا في الأحكام لا الاتحاد في جميع الصفات.

و قاعدة الاشتراك إنما تجدي في إثبات التعميم إذا لم يكن المشافهون متصفين بصفة تحتمل مدخليتها في ثبوت‏

396

الحكم لهم، فلو لا الإطلاق و إثبات عدم مدخلية الصفة المحتملة لما أفادت قاعدة الاشتراك، و معه عمّ الحكم غير المشافهين و لو قيل باختصاص الخطابات بهم.

و تلخّص أن الثمرة لا تظهر إلّا بناء على اختصاص حجية الظواهر بمن قصد إفهامه مع كون غير المشافه غير مقصود بالإفهام، و قد حقّق بطلان الأوّل في غير المقام و الثاني في المقام.

***

397

الفصل السابع: تعقّب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده‏

398

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

399

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: هل تعقّب العام بضمير يرجع إلى بعض ...، إلى قوله: فصل: قد اختلفوا ...».

(1)

تعقّب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده:

حاصل البحث المذكور أنه لو كان عام قد ثبت له حكم خاص و فرض وجود ضمير علمنا من الخارج أن المراد منه بعض أفراد العام فهل في مثل ذلك يحكم على العام بالتخصيص، أي إن المراد منه هو الخاص أو أنه يبقى على عمومه و بالتالي تلزم المجازية في الضمير أو في الإسناد؟

مثال ذلك: قوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ ...، (2) فإن كلمة المطلقات عام، و الحكم الثابت لها هو لزوم العدة لفترة

____________

(1) الدرس 226: (6/ شوال/ 1426 ه).

(2) البقرة: 228.

و معنى الآية الكريمة واضح، فهي في البداية حكمت على المطلقات بلزوم الاعتداد بمقدار ثلاثة قروء- على الخلاف في أن المراد من القرء في الآية الكريمة هو الطهر أو الحيض- و قد عبّرت عن ذلك بالتربّص، أي الامتناع من الزواج في الفترة المذكورة، فإن العدة لا معنى لها سوى الامتناع من الزواج، ثمّ ذكرت أن الفترة المذكورة تختص بما إذا لم تكن المطلقة حاملا و إلّا فعدتها تنتهى بوضع الحمل، و هذا يعني أن فترة العدة قد تزداد، و لا يحلّ للمطلقة كتمان حملها إن كانت تؤمن باللّه و اليوم الآخر، ثمّ ذكرت بعد ذلك أن بعولة المطلقات- و المقصود كما هو واضح من الخارج خصوص الرجعيات- لهم حقّ الرجعة أثناء العدة.

400

ثلاثة قروء، ثمّ ذكر بعد ذلك ضمير: وَ بُعُولَتُهُنَ‏، و نحن نعرف من الخارج أن المقصود و بعولة المطلقات الرجعيات لهم حقّ الرجعة دون بعولة البائنات، و حينئذ يأتي التساؤل المتقدّم، و يقال: إنه في هذه الحالة يدور الأمر بين إبقاء العام على عمومه اتكالا على أصالة العموم، و لازم ذلك حصول المجازية أما في الضمير، حيث اريد به غير ما اريد من مرجعه- و هو ما يعبر عنه بالاستخدام الذي هو عبارة عن كون الضمير يراد منه غير ما يراد من مرجعه- أو المجازية في الإسناد، و ذلك بأن يبقى الضمير راجعا إلى جميع المطلقات رغم كون حقّ الرجعة خاصا بالرجعيات من باب إسناد حكم البعض إلى الكل مجازا و مسامحة، كما يقال أهل هذه المدينة مؤمنون طيبون و الحال أن بعضهم ليس كذلك جزما، و ما ذاك إلّا من باب المجاز، فيسند الحكم إلى الكل و الحال هو واقعا ثابت للبعض. (1)

و نكرّر أن الأمر يدور بين إبقاء العام على عمومه- و لازمه المجازية في نفس الضمير أو في الإسناد- و بين تخصيص العام بحمله على خصوص المطلقات الرجعيات، و بناء عليه لا تلزم مجازية في الضمير و لا في الإسناد.

إذن الأمر يدور بين مخالفتين للظهور: بين مخالفة ظاهر العام في العموم و مخالفة ظاهر الضمير و الإسناد في كون استعمالهما بنحو الحقيقة.

و تظهر الثمرة في أنه بناء على تخصيص العام يلزم أن يكون‏

____________

(1) و من أمثلة المجاز في الإسناد جرى الميزاب، فإن اسناد الجريان إلى الميزاب مجازي، إذ الذي يجري حقيقة هو ماء الميزاب لا نفسه، و هكذا الحال في المقام، فإن اسناد جواز الرجوع إلى كل البعولة مجازي، إذ الذي يحق له الرجوع هو خصوص بعولة الرجعيات.

401

وجوب العدة ثابتا لخصوص الرجعيات دون مطلق المطلقات، و هذا بخلاف ما إذا حوفظ على ظهوره في العموم، فإن وجوب العدة فترة ثلاثة قروء يكون ثابتا لجميع المطلقات.

و عليه فالبحث المذكور نافع من جهة الثمرة المذكورة.

و قبل أن ندخل في صميم البحث و نبيّن أن أي واحد من الاحتمالين هو الأرجح نلفت النظر إلى قضيتين هما:

الأولى: إن شرط هذا البحث وجود حكمين، أحدهما ثابت للعام، و ثانيهما للضمير، كما هو الحال في الآية الكريمة، فإن الحكم الثابت للعام هو وجوب التربّص بينما الحكم الثابت للضمير هو جواز الرجوع في العدة، أما إذا كان الحكم واحدا فلا مجال لهذا البحث، كما لو قيل:

المطلقات بعولتهن أحق بردهن، فإنه في مثله لا يدور الأمر بين احتمالين، بل لا يوجد إلّا احتمال واحد، و هو تخصيص العام، و لا معنى لبقائه على عمومه بعد عدم وجود حكم خاص به.

فالمهم إذن وجود حكمين، و ليس من المهم أن يكونا في كلامين أو في كلام واحد، فسواء أ كانا في كلامين- كما في الآية الكريمة- أم في كلام واحد- كما في قولك: أكرم محبي أهل البيت (عليهم السّلام) و صلّ خلفهم، فإن ضمير خلفهم يرجع إلى خصوص العدول- يجري النزاع المذكور، و إنما لا يجري في خصوص حالة وحدة الحكم، و هو مطلب واضح.

الثانية: إن مورد جريان الأصول اللفظية- كأصالة الحقيقة مثلا- ما إذا شكّ في المراد الواقعي للمتكلم، كما لو قال: جئني بأسد، و شكّ في أن مراده الحيوان المفترس أو الرجل الشجاع، فإن المعنى الحقيقي واضح، و هو الحيوان المفترس، و المعنى المجازي واضح، و هو الرجل الشجاع، و لكن يشكّ في أن‏

402

أيهما هو المراد للمتكلم واقعا، إنه في مثل هذه الحالة يصح التمسك بأصالة الحقيقة لتشخيص مراد المتكلم واقعا، أما إذا انعكس الأمر، بأن علم بالمراد الواقعي و شكّ في أن استعمال اللفظ فيه هل هو بنحو الحقيقة أو بنحو المجاز ففي مثله لا يمكن تطبيق أصالة الحقيقة لإثبات أن الاستعمال هو بنحو الحقيقة خلافا للسيد المرتضى، فإنه كان يطبّق أصالة الحقيقة و يتمسّك بها حتّى في المورد المذكور، فمثلا هو يدعي أن صيغة الأمر مشترك لفظي بين الوجوب و الندب و يستدل هكذا: إن صيغة الأمر استعملت في الوجوب قطعا، كما في قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ، كما أنها استعملت في الندب قطعا، كالأمر بصلاة الليل أو غسل الجمعة، و حيث إن الاستعمال آية الحقيقة فيثبت أن الأمر موضوع للوجوب و الندب معا، إنه في هذا البيان تمسّك السيّد المرتضى بأصالة الحقيقة لا لتشخيص المراد الواقعي- فإنه واضح، و هو الوجوب في المثال الأوّل و الاستحباب في المثال الثاني- بل لإثبات أن الاستعمال حقيقي و ليس مجازيا.

و بالجملة: إن مورد تطبيق مثل أصالة الحقيقة و غيرها هو ما إذا شكّ في المراد الواقعي دون ما إذا علم و شكّ في كيفية الاستعمال.

و الوجه في ذلك: إن مدرك الأصول المذكورة هو السيرة العقلائية و لا يوجد مدرك آخر غيرها، و القدر المتيقن من السيرة هو تطبيق ما ذكر حالة الشكّ في المراد، إذ يترتّب على ذلك أثر عملي، و هو تشخيص المراد الواقعي للمتكلم، و هذا بخلافه في الحالة الثانية، فإنه لا يجزم بانعقاد السيرة بل ربما يدّعى الجزم بعدم انعقادها، باعتبار أنه بعد تشخيص المراد الواقعي لا تعود ثمرة لكون الاستعمال حقيقيا أو مجازيا.

و بعد اتضاح هاتين القضيتين نعود إلى صميم البحث و نقول: إذا