كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
403

كان لدينا عام قد ثبت له حكم خاص به، و ضمير يرجع إلى بعض أفراده فالمناسب تطبيق أصالة العموم في جانب العام من دون معارضة بتطبيق أصالة الحقيقة في جانب الضمير أو الإسناد.

و الوجه في ذلك: إن أصالة العموم يمكن تطبيقها في جانب العام، باعتبار أنه يشكّ في أصل المراد بلحاظه فلا يدرى أن العموم هو المراد واقعا أو الخصوص، و قد تقدّم أنه متى ما كان الشكّ في أصل المراد فيمكن تطبيق الأصل اللفظي، و هذا بخلافه في جانب الضمير، فإن المراد الواقعي معلوم، حيث يعلم أن الذي يجوز له الرجوع هو خصوص بعولة المطلّقات الرجعيات دون البائنات و لكنه لا يعلم بكيفية الاستعمال، و هل هو بنحو الحقيقة (1) أو بنحو المجاز في نفس الضمير (2) أو بنحو المجاز في الإسناد، (3) و قد تقدّم أنه متى ما علم بالمراد الواقعي و شكّ في كيفية الاستعمال فلا يمكن تطبيق الأصل اللفظي.

و عليه فالمناسب هو الحكم بعدم تخصيص العام تطبيقا لأصالة الظهور في العموم.

نعم ربما يفترض في بعض الحالات أن الضمير مكتنف بالعام بحيث يكون المورد من موارد الاحتفاف بما يصلح للقرينة على التخصيص، و في مثله لا يمكن تطبيق أصالة العموم، لأن تطبيقها فرع وجود ظهور للعام في العموم، أما

____________

(1) و ذلك فيما إذا كان المراد من المطلقات خصوص الرجعيات، بأن خصّصت بذلك، فإن الضمير آنذاك يكون مطابقا لمرجعه من دون حصول مجازية فيه أو في الإسناد.

(2) و يمكن أن يصطلح عليه أيضا بالمجاز في الكلمة، أي في نفس الكلمة، أعني الضمير، حيث استعمل بنحو الاستخدام الذي هو مصداق للمجاز.

(3) المجاز في الإسناد و المجاز في الضمير يتحققان لو بني على بقاء العام على عمومه.

404

إذا لم يكن ظهور في العموم فلا يمكن تطبيقها (1) إلّا بناء على رأي قد ينسب إلى صاحب الفصول، و حاصله: إن أصالة الحقيقة و غيرها من الأصول اللفظية هي أصول تعبدية يجريها العقلاء حتّى مع عدم وجود ظهور كاشف عن المراد الواقعي، إنه بناء على هذا الرأي يمكن تطبيق أصالة العموم- لإثبات إرادة العموم من العام- رغم عدم وجود ظهور له في العموم، و لكن هذا رأي ضعيف، فإن العقلاء لا يوجد في سلوكهم قضايا تعبدية بل هم يسيرون وراء نكات و كواشف عقلائية.

إذن في حالة احتفاف العام بالضمير لا ينعقد للعام ظهور في العموم، و بالتالي لا يمكن تطبيق أصالة العموم في جانب العام و يعود العام مجملا، و يحكم بلحاظ المقدار المتيقن- أعني الرجعيات- بوجوب التربّص ثلاثة قروء، و أما بلحاظ البائنات فيرجع إلى الأصل العملي، و هو يقتضي البراءة من وجوب العدة. (2)

____________

(1) يمكن أن نقول: إن العام هو دائما مكتنف و محتفّ بما يصلح للقرينية، أعني الضمير، و بذلك لا ينعقد له ظهور في العموم، لا أن ذلك أمر يتحقّق في بعض الحالات دون بعض آخر. و لعلّه إلى هذا أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

(2) في ختام هذا البحث يمكن أن نعلّق بتعليقين:

1- إنه قد اتضح من خلال تعليقنا فيما سبق أن المناسب في مورد العام المكتنف بالضمير الحكم بالإجمال فيه، لعدم انعقاد ظهور للعام في العموم، و يتعيّن آنذاك الرجوع في مورد الشكّ- أعني مثل المطلّقة البائنة إلى مقتضى الأصل العملي.

2- إن الآية الكريمة التي ذكرها الأصوليون كمثال لهذا البحث هي مثال فرضي للثمرة و ليس مثالا واقعيا، إذ نحن نعرف من الخارج بسبب الضرورة و الإجماع و النصوص أن العدة بالتربّص ثلاثة قروء حكم ثابت لمطلق المطلّقات و لا يحتمل اختصاصه بخصوص الرجعيات، و معه فلا معنى لأن يقال: إنه في مورد الشكّ يلزم الرجوع إلى الأصل العملي، الذي هو عبارة عن البراءة عن وجوب العدة على البائنات.

405

توضيح المتن:

يوجب تخصيصه به: أي تخصيص العام بسبب الضمير.

و ليكن محل الخلاف ...: هذا إشارة إلى القضية الأولى من القضيتين المتقدمتين.

ثمّ إنه كان المناسب أن يقول: و ليكن محل الخلاف ما إذا تعدّد الحكم- لا ما إذا اتحد- من دون فرق بين أن يكون الحكمان ثابتين في كلامين أو في كلام واحد.

مع استقلال العام ...: أي بأن يكون للعام حكم خاص به يغاير حكم الضمير.

كما في قوله تعالى: أي لا بدّ بأن يكون للعام حكم خاص به يغاير حكم الضمير، كما هو الحال في الآية الكريمة، حيث تشتمل على حكمين: حكم للعام و حكم للضمير.

في تخصيصه به: أي في تخصيص العام بسبب الضمير، إذ لا يوجد حكم آخر حتّى يبقى العام على عمومه بلحاظه.

بإرادة خصوص ما اريد من الضمير: الأنسب: بإرادة الخاص.

مع التوسع: أي مع المجازية.

بإسناد الحكم ...: أي بإسناد الحكم إلى الكل توسعا و مجازا في الوقت الذي هو مسند إلى البعض حقيقة.

كانت أصالة الظهور ...: أي حيث دار الأمر ... كانت أصالة الظهور ...

سالمة عنها: أي عن أصالة الظهور في جانب الضمير.

كما هو الحال في ناحية الضمير: أي فإنه يقطع بالمراد الواقعي بلحاظه و لكن يشكّ في كيفية الاستعمال.

406

فافهم: قد أشرنا إلى وجه الأمر بطلب الفهم.

مما يكتنف به عرفا: أي بأن لا يعدّ الكلام الذي اشتمل على الضمير مما اكتنف و احتف بالعام و إلّا صار العام مجملا و لزم الرجوع في المقدار المشكوك إلى مقتضى الأصل العملي.

حتّى فيما إذا احتف ...: أي حتّى إذا احتف بالعام ضمير لا يكون- العام- ظاهرا في معناه الحقيقي- و هو العموم- بسبب الاحتفاف بذلك الضمير.

و قوله: (معه): أي مع الضمير، أي بسبب وجوده.

كما عن بعض الفحول: و لعلّه صاحب الفصول.

خلاصة البحث:

إذا كان عام يشتمل على حكم خاص به و ضمير يرجع إلى بعض أفراده فهل يحكم بتخصيص العام الذي لازمه بقاء الضمير و الإسناد مستعملين بنحو الحقيقة أو يحكم ببقائه على العموم الذي لازمه المجازية في الضمير أو في الإسناد؟ المناسب تطبيق أصالة العموم في جانب العموم من دون معارضة بتطبيق أصالة الحقيقة في جانب الضمير و الإسناد لأن المراد معلوم هنا و الشكّ هو في كيفية الاستعمال بخلافه هناك، و الأصل اللفظي لا يجري إلّا في مورد الشكّ في أصل المراد.

نعم إذا كان العام قد احتفّ به الضمير بحيث لم ينعقد له ظهور في العموم فيحصل الإجمال و يلزم الرجوع إلى الأصل العملي في مورد الشكّ إلّا إذا قلنا بتعبدية الأصل اللفظي فيجري رغم عدم الظهور للعام.

407

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

فصل: تعقّب العام بالضمير:

هل تعقّب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده يوجب تخصيصه به أو لا؟ فيه خلاف.

و مورد الخلاف ما إذا فرض وجود حكمين- سواء أ كانا في كلامين أم في كلام واحد- كقوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ... وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ، و أما إذا كان مثل: و المطلقات أزواجهن أحق بردّهن فلا شبهة في تخصيصه به.

و التحقيق أن الأمر يدور بين التصرّف في العام بإرادة الخاص منه أو التصرّف في ناحية الضمير إما بإرجاعه إلى بعض العام أو إلى تمامه بنحو المجاز في الإسناد، و المناسب إعمال أصالة الظهور في طرف العام من دون أن تعارض بإعمالها في جانب الضمير، لأن المراد بلحاظه معلوم، و المتيقن من بناء العقلاء اتّباع الظهور في تعيين المراد لا في تعيين كيفية الاستعمال- و إنه بنحو الحقيقة أو المجاز في الكلمة أو في الإسناد- بعد القطع بالمراد فافهم.

نعم هذا يتم إذا انعقد للعام ظهور في العموم بأن لا يعدّ عرفا مما اكتنف به الضمير و إلّا كان مجملا و لزم الرجوع إلى الأصل العملي إن لم نقل باعتبار أصالة الحقيقة تعبدا كما عن بعض الفحول.

***

408

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

409

الفصل الثامن: تخصيص العام بالمفهوم‏

410

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

411

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: قد اختلفوا في جواز التخصيص ...، إلى قوله: فصل: الاستثناء التعقب ...».

(1)

تخصيص العام بالمفهوم:

وقع الكلام في أن العام هل يجوز تخصيصه بالمفهوم أو لا؟ و في الجواب نقول: إن المفهوم هو على نحوين: مفهوم موافقة و مفهوم مخالفة.

أما مفهوم الموافقة فلا إشكال في جواز تخصيص العام به.

مثال ذلك: ما دلّ على أن الزواج بذات العدة موجب للحرمة الأبدية، فإنه يدل بالأولوية على كون الزواج بذات البعل موجبا لذلك أيضا، و هذا المفهوم يصير مخصصا للعموم الذي يقول: وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ، (2) و تعود النتيجة:

أحلّ لكم ما وراء ذلكم إلّا ذات البعل إذا عقد عليها.

و أما مفهوم المخالفة فقد وقع الخلاف في لزوم تخصيص العام به، فقيل بلزوم ذلك، باعتبار أن ذلك نحو جمع بين الدليلين، و هو أولى من الطرح مهما أمكن، و قيل بالعدم، لأن العام أقوى دلالة باعتبار أنه يدل بالمنطوق، و لا يجوز ترك الأقوى دلالة لما هو أضعف.

مثال ذلك: ما دلّ على أن الماء إذا بلغ مقدار كر لم ينجسه شي‏ء، فإنه يدل بالمفهوم على أنه إذا لم يكن كرا تنجس بالملاقاة، هذا بالنسبة إلى الخاص، و أما

____________

(1) الدرس 227: (9/ شوال/ 1426 ه).

(2) النساء: 24.

412

العام فهو ما دلّ على أن الماء كله طاهر، و بناء على التخصيص تصير النتيجة:

الماء كله طاهر إلّا إذا كان أقل من كر و لاقى نجاسة، فإنه ليس بطاهر.

و ذكر (قدّس سرّه) أن التحقيق في هذا المجال أن يقال: إن العام و المفهوم يشتملان على حالات ثلاث:

1- أن يكونا واردين في كلام واحد.

2- أن يكونا واردين في كلامين، أحدهما متصل بالآخر.

3- أن يكونا واردين في كلامين، أحدهما منفصل عن الآخر.

و باتضاح هذه الحالات نقول:

أما في الحالة الأولى و الثانية فالعام و المفهوم إذا كانا ثابتين بمقدمات الحكمة- كما إذا كان العام يقول الماء طاهر، (1) و قلنا بثبوت المفهوم للجملة الشرطية من جهة الإطلاق و مقدمات الحكمة- فالمناسب عدم الإطلاق من الأساس لهذا و لا لذاك، لأن شرط انعقاد الإطلاق عدم وجود ما يصلح للقرينية، و المفروض في مقامنا أن كل واحد منهما صالح لأن يكون قرينة على تقييد الآخر.

و نفس الشي‏ء نقوله لو كان كل منهما ثابتا بسبب الوضع، فإن شرط انعقاد الظهور الوضعي عدم وجود القرينة المتصلة، و المفروض أن كلا منهما صالح للقرينة المتصلة.

و إذا لم ينعقد الظهور فما ذا نفعل؟ إنه يلزم الرجوع إلى الأصل العملي، ففي مثل الماء إذا كان أقل من كر و لاقى نجاسة نرجع إلى استصحاب طهارته الثابتة له سابقا.

____________

(1) أي من دون أداة العموم، و هي كلمة كل.

413

هذا كله إذا لم يكن أحدهما أظهر و إلّا لزم الأخذ به و كان مانعا عن انعقاد ظهور الآخر.

هذا كله في الحالة الأولى و الثانية.

و أما الحالة الثالثة فالمناسب فيها انعقاد الظهور لكل منهما- أي العام في العموم، و الشرطية مثلا في المفهوم- لفرض أن كلا منهما منفصل عن الآخر و ليس متصلا به حتّى يمنع من انعقاد ظهوره، غايته لا يكونان حجة، فظهور العام لا يكون حجة و الظهور في المفهوم لا يكون حجة أيضا لأننا نعلم أن أحدهما ليس بمراد جزما فيصيران بحكم المجمل من حيث عدم الحجية، إلّا أن هذا يختص بحالة ما إذا لم يكن أحدهما أظهر و إلّا لزم تأويل الثاني و التصرّف فيه بنحو لا يتنافى معه في مقام العمل. (1)

***

____________

(1) لا يخفى أنه توجد حالة أخرى لم يشر إليها المصنف (قدّس سرّه)، و هي ما إذا كان أحدهما ثابتا بالوضع و الآخر بمقدمات الحكمة. و المناسب في مثل ذلك انعقاد الظهور الوضعي و الأخذ به من دون أن ينعقد ظهور إطلاقي، لأن شرط انعقاد الإطلاق عدم وجود ما يصلح للقرينة على التقييد، و المفروض أن ما كان ظهوره بالوضع صالح لذلك، و هذا بخلاف الظهور الوضعي فإنه ليس موقوفا على شي‏ء.

414

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

415

الفصل التاسع: الاستثناء المتعقّب للجمل المتعددة

416

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

417

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة ...، إلى قوله: فصل الحقّ جواز ...».

الاستثناء المتعقّب للجمل المتعددة:

إذا وردت جمل متعدّدة و تعقّبها استثناء واحد (1) فهل يرجع- الاستثناء الواحد- إلى خصوص الجملة الأخيرة أو إلى الجميع أو لا ظهور في هذا و لا في ذاك؟

مثال ذلك: قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، (2) فإنه توجد فيه ثلاث جمل هي:

1- فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً.

2- وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً.

3- وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.

و الاستثناء هو إِلَّا الَّذِينَ تابُوا، و لا إشكال في رجوعه إلى الجملة الأخيرة، فالذين يرمون المحصنات يحكم بفسقهم ما دام لم يتوبوا، فإذا تابوا لم يحكم بفسقهم، و لكن هل يرجع إلى الجملة الأولى و الثانية

____________

(1) ذكر الاستثناء هو من باب المثال و إلّا فلا خصوصية له، و البحث يعمّ الشرط أو الوصف المتعقّب للجمل المتعددة أيضا.

(2) النور: 4 و 5.

418

أيضا، يعني هل لزوم الجلد و رفض الشهادة مشروط بعدم التوبة أيضا أو أنهما ثابتان حتّى مع فرض تحقّق التوبة؟

و قبل أن نبيّن ما هو الرأي الصحيح في هذه المسألة نشير إلى نقطتين:

1- إن رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة أمر مسلّم و لا شكّ فيه و إلّا فهل يحتمل رجوعه إلى غيرها من دون رجوعه إليها؟ إنه أمر غير محتمل عرفا.

2- إنه لا إشكال في إمكان رجوع الاستثناء إلى جميع الجمل من دون حاجة إلى إثبات و إقامة دليل، و هو مطلب واضح.

هذا و لكن صاحب المعالم يظهر منه أن ذلك محل إشكال، حيث مهّد مقدمة أثبت فيها إمكان رجوع الاستثناء إلى جميع الجمل.

و حاصل ما ذكره: إن الوضع له أقسام متعددة، و من جملة تلك الأقسام الوضع العام و الموضوع له العام، و المقصود منه أن يتصوّر الواضع معنى عاما و يضع اللفظ للأفراد الخاصة لذلك المعنى العام و لا يضعه لنفس ذلك المعنى العام. و لأجل أن المعنى المتصوّر للواضع عام اصطلح على نفس الوضع بأنه عام، و لأجل أن الموضوع له هو الأفراد الخاصة اصطلح بأن الموضوع له خاص.

و مثّل- صاحب المعالم- لذلك بوضع الحروف التي منها أداة الاستثناء، فإن الواضع حينما أراد أن يضع كلمة إلّا تصوّر مفهوم الاخراج و الاستثناء و وضع كلمة إلّا للأفراد الخاصة، أي للاخراج من الجملة الأخيرة، و للاخراج من الجملة التي قبلها، و للاخراج من الجملة الأولى، و هكذا.

و لأجل أن الواضع قد وضع كلمة إلّا للاخراجات الخاصة جاز رجوعها إلى جميع الجمل و لم يتعيّن رجوعها إلى الجملة الأخيرة.

هذا ما ذكر (قدّس سرّه).

419

و يفهم منه أن جواز رجوع أداة الاستثناء إلى جميع الجمل محل إشكال عنده و إلّا لم يحتج إلى بيان المقدمة المذكورة.

و على أي حال إمكان رجوع أداة الاستثناء إلى جميع الجمل ينبغي أن يكون أمرا مسلّما، إذ معنى الأداة- أي كلمة إلّا- لا يتغيّر، و يبقى واحدا في حالة إرجاعها إلى خصوص الأخيرة أو إلى جميع الجمل، و الذي يتغيّر هو طرف الاخراج، فالمخرج منه تارة يكون جملة واحدة و أخرى جملا متعددة.

و لك أن تقول: كما أنه في حالة تعدّد المستثنى و وحدة المستثنى منه يكون معنى كلمة إلّا هو الاخراج كذلك الأمر في حالة وحدة المستثنى و تعدّد المستثنى منه، (1) فإن معنى الأداة لا يتغيّر و يبقى كما هو، أعني الاخراج. و هذا من دون فرق بين أن يكون وضع الأداة عاما و الموضوع له خاصا- كما هو رأي صاحب المعالم- أو يكون الوضع و الموضوع له معا عامين كما هو الرأي الصحيح. (2)

و باتضاح هاتين النقطتين نعود إلى صميم البحث و نقول: إذا اتضح أن بإرجاع أداة الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة أو إلى الجميع لا يتغير معناها فلازم ذلك أن حالها سوف يصبح مجملا، فلا ظهور لها في كونها راجعة إلى الجميع، كما لا ظهور لها في رجوعها إلى خصوص الجملة الأخيرة. نعم لا إشكال في رجوعها إلى الأخيرة و لكن رجوعها إليها بخصوصها أمر مشكوك.

و لا ينبغي أن يفهم من هذا أن الجمل المتقدمة غير الأخيرة ظاهرة في‏

____________

(1) و هذا كما هو المفروض في المقام، حيث فرض أن المستثنى واحد و يرجع إلى جميع الجمل فيكون المستثنى منه متعددا.

(2) على ما تقدّم في مبحث الوضع، حيث ذكر (قدّس سرّه) أن الوضع في باب الحروف عام و الموضوع له عام أيضا.

420

العموم، كلا إنها ليست ظاهرة في العموم لاحتفافها بما يصلح للقرينية، أي لاحتفافها بالاستثناء الذي هو صالح للرجوع إليها فلا ينعقد لها ظهور في العموم.

و عليه فالجملة الأخيرة لا إشكال في طرو التخصيص عليها، و أما الجمل المتقدمة فحيث لا ظهور لها في العموم بسبب احتفافها بما يصلح للقرينية فيلزم الرجوع بلحاظها إلى الأصل العملي، كاستصحاب وجوب إقامة الحد مثلا حيث كان يجب إقامته قبل التوبة فإذا شك في سقوطه بها استصحب.

و لكن هذا كله يتم لو بني على أن أصالة العموم أصل عقلائي يبني عليه العقلاء من باب الكشف و الظهور، و أما إذا قلنا هو حجة من باب التعبّد- كما تقدّم ذلك عن صاحب الفصول- فيلزم تطبيق أصالة العموم على غير الجملة الأخيرة رغم عدم انعقاد الظهور لها في العموم، غير أنه يختص ذلك بما إذا كان ظهورها ثابتا بسبب الوضع، و أما إذا كان بسبب الإطلاق و مقدمات الحكمة فإنه آنذاك لا يمكن الحكم بالإطلاق حتّى من باب التعبّد، لأن شرط تحقّق الإطلاق تمامية مقدمات الحكمة التي منها عدم الاحتفاف بما يصلح للقرينية، و المفروض أن الكلام قد احتفّ به ما يصلح للقرينية. (1)

____________

(1) لا نجد وجها للتفرقة المذكورة، فإن أصالة الحقيقة أو أصالة العموم و نحوهما إذا بنينا على أنها حجة من باب الكشف و الظهور فيلزم عدم إمكان تطبيقها من دون فرق بين مورد العموم و مورد الإطلاق، لفرض عدم انعقاد الظهور بعد الاحتفاف بما يصلح للقرينية، و إذا بنينا على أنها حجة من باب التعبّد فيلزم إمكان تطبيقها من دون فرق بين العموم و الإطلاق، و التفكيك لا وجه له.

و قد أمر (قدّس سرّه) بالتأمل، و لو لم يفسّره هو (قدّس سرّه) في الهامش بما سوف يأتي لفسّرناه بما أشرنا إليه.

421

توضيح المتن:

على قولين: متعلّق بقوله: (قد اختلفوا).

و قد استدل ...: و قد أشرنا أثناء الشرح إلى دليل كل واحد من القولين.

و لكن على نحو يصلح أن يكون كل منهما قرينة متصلة للتصرف في الآخر: هذا تطويل لا داعي إليه، و كان المناسب أن يقال هكذا: أو كلامين متصلين.

كما في مزاحمة ظهور أحدهما ...: لعلّ في صياغة العبارة شيئا من الخفاء، و المناسب: كما لا ظهور لأحدهما وضعا لذلك.

إذا لم يكن مع ذلك: أي مع كونهما وضعيين أو حكميين.

و الظاهر أنه لا داعي لفقرة (مع ذلك)، و المناسب حذفها.

عن انعقاد الظهور: و ذلك فيما لو كانا في كلام واحد. و من المحتمل أن يكون المقصود الإشارة إلى حالة كونهما ثابتين بسبب مقدمات الحكمة.

أو استقراره في الآخر: و ذلك لو كانا في كلامين متصلين. و من المحتمل أن يكون المقصود الإشارة إلى حالة كونهما ثابتين بسبب الوضع.

الاستثناء المتعقب ...: ذكرنا أنه لا خصوصية للاستثناء بل ذكره هو من باب المثال.

على أي حال: أي سواء أ كان راجعا إلى الجميع أم لا.

و كذا في صحة: عطف على في رجوعه إلى الأخيرة، أي و كذا لا إشكال في صحة رجوعه إلى الكل.

و إن كان المتراءى: سوف يأتي الخبر، و هو قوله: (إنه محل الاشكال و التأمل).

422

كان الموضوع له ...: أي سواء أ كان الموضوع له ...

و كان المستعمل في الأداة: في تشخيص المعطوف عليه خفاء.

و المناسب: و كون بدل كان ليكون عطفا على أن تعدّد المستثنى منه، أي و ذلك ضرورة كون المستعمل فيه الأداة ...

كما هو الحال في المستثنى: أي فكما أن تعدّد المستثنى لا يوجب تغيير معنى الأداة كذلك تعدّد المستثنى منه.

و تعدّد المخرج أو ...: مبتدأ، و خبره لا يوجب ...

و بذلك يظهر: أي حيث اتضح أن معنى الأداة لا يتغيّر برجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجميع يتضح ...

فيكون المرجع عليه أصالة العموم: حيث عبّر سابقا بأصالة الحقيقة فالمناسب هنا أيضا التعبير بأصالة الحقيقة أو أنه يعبّر في كلا الموردين بأصالة العموم.

فتأمل: تقدّم أن المناسب أن يكون الأمر بالتأمل إشارة إلى ما ذكرناه، و لكن نفس الشيخ المصنف قد شرح ذلك و قال: يمكن أن يقال:

إن مجرد صلاحية الاستثناء للرجوع إلى الجميع من دون قيام قرينة على رجوعه للجميع لا يصحّ الاعتماد عليه إلّا إذا كان الاستثناء في نظر العرف راجعا إلى الجميع، ثمّ أمر بعد ذلك بالتأمل أيضا.

خلاصة البحث:

اختلف في جواز تخصيص العام بالمفهوم المخالف. و المناسب أن يقال: إنه في صورة كونهما في كلام واحد أو كلامين متصلين لا ينعقد لهما الظهور رأسا لأجل وجود ما يصلح للقرينة المتصلة من دون‏

423

فرق بين كونهما بالوضع أو بمقدمات الحكمة. و أما إذا كانا في كلامين منفصلين فينعقد الظهور لهما و لكنه لا يكون حجة للمعارضة. هذا إذا لم يكن أحدهما أظهر و إلّا كان الاعتماد عليه.

و الاستثناء المتعقّب للجمل المتعددة هل يرجع إلى خصوص الأخيرة أو إلى الجميع أو لا ظهور له في ذلك؟ المناسب أن يقال: لا إشكال في جواز رجوعه إلى الجميع خلافا لصاحب المعالم، كما لا إشكال في رجوعه إلى الأخيرة، و أما رجوعه إلى غيرها فلا ظهور له في ذلك، و لكن هذا لا يعني جواز التمسك بعمومها، كلا، إذ لا ظهور لها في العموم لاتصالها بما يصلح للقرينية، اللهم إلّا إذا بني على أصالة العموم من باب التعبّد فيبنى على العموم فيما إذا كان مستندا إلى الوضع لا مقدمات الحكمة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

فصل: تخصيص العام بالمفهوم:

بعد الاتفاق على جواز تخصيص العام بالمفهوم الموافق اختلف في جواز تخصيصه بالمفهوم المخالف على قولين.

و قد استدل على كل منهما بما لا يخلو من قصور.

و تحقيق المقام: إنه إذا ورد العام و ما له المفهوم في كلام واحد أو في كلامين متصلين فلا ينعقد لهما ظهور سواء أ كانت الدلالة عليهما بمقدمات الحكمة أم بالوضع لكون كل منهما صالحا للقرينة المتصلة و لا بدّ من الرجوع إلى الأصل العملي إن لم يكن أحدهما أظهر و إلّا كان مانعا من انعقاد الظهور أو من استقراره.

و منه قد اتضح الحال فيما إذا وردا في كلامين منفصلين و أنه لا

424

يكونان حجة لو لم يكن أحدهما أظهر و إلّا فهو المعوّل و القرينة على التصرّف في الآخر.

فصل: الاستثناء المتعقب للجمل المتعددة:

إذا تعقّب الاستثناء جملا متعدّدة فهل الظاهر رجوعه إلى الكل أو إلى خصوص الأخيرة أو لا ظهور له في واحد منهما؟ أقوال.

و الظاهر أنه لا إشكال في رجوعه إلى الأخيرة على أي حال، ضرورة أن رجوعه إلى غيرها بلا قرينة خارج عن طريقة أهل المحاورة.

و لا إشكال أيضا في صحة رجوعه إلى الكل- و إن ترى من صاحب المعالم التأمل في ذلك، حيث مهّد مقدمة لإثبات صحة رجوعه إليه- فإن تعدّد المستثنى منه لا يوجب تفاوتا في معنى الأداة، بل هو واحد في كلتا الحالتين سواء أ كان الموضوع له عاما أم خاصا.

و باتضاح هذا نقول: لا ظهور لها في الرجوع إلى الجميع أو إلى خصوص الأخيرة و إن كان الرجوع إليها متيقنا على كل تقدير، و لكن رغم هذا لا تكون غير الأخيرة ظاهرة في العموم لاكتنافها بما يصلح للقرينية و يلزم الرجوع فيها إلى الأصل العملي إلّا إذا قلنا بحجية أصالة العموم من باب التعبّد فيتمسك بها إذا كان العموم بالوضع لا بمقدمات الحكمة، فإنها لا تكون تامة ما دام يصلح رجوع الاستثناء إلى الجميع فتأمل.

***

425

الفصل العاشر: تخصيص الكتاب الكريم بالخبر

426

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

427

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: الحقّ جواز تخصيص ...، إلى قوله:

فصل لا يخفى ...».

(1)

تخصيص الكتاب الكريم بالخبر:

إذا كان لدينا عام من العمومات مذكور في الكتاب الكريم، و كان لدينا خبر أخص منه فهل يجوز تخصيصه به؟ و في الجواب نقول:

لا إشكال في جواز تخصيص الكتاب الكريم بنفس المخصّصات الواردة في الكتاب الكريم، كما لا إشكال في جواز تخصيصه بالخبر المتواتر، و هكذا بالخبر الواحد (2) المحفوف بالقرينة القطعية، و إنما الإشكال في جواز تخصيصه بالخبر الواحد إذا لم يكن مقترنا بالقرينة القطعية.

و الصحيح جواز تخصيصه به، و ذلك لوجهين:

1- لا إشكال في أن سيرة المتشرعة من زماننا و حتّى زمان أصحاب الأئمّة (عليهم السّلام) منعقدة على العمل بالخبر الواحد في مقابل الكتاب الكريم و تخصيصه به، و لا نحتمل أن أحدا كان يتوقف في ذلك.

و إذا قلت: لعلّ ذلك من جهة احتفاف الخبر بالقرينة القطعية.

قلت: احتفاف كل خبر من تلك الأخبار بالقرينة القطعية أمر بعيد جدا.

____________

(1) الدرس 228: (10/ شوال/ 1426 ه).

(2) الخبر الواحد مصطلح أصولي يراد به ما يقابل الخبر المتواتر، فكل خبر لم يكن متواترا فهو خبر واحد و إن كان الراوي له أكثر من واحد.

428

2- إذا لم يعمل بالخبر في مقابل الكتاب الكريم و لم يجعل مخصّصا له يلزم الغاء أكثر الأخبار و اسقاطها عن الاعتبار حيث إن أغلب الأخبار- لو لم يكن كلها- يوجد عام كتابي مخالف لها. و هذا مطلب واضح.

ثمّ إنه قد يستدل على عدم جواز تخصيص الكتاب الكريم بالأخبار بالأدلة الأربعة التالية:

1- إن الكتاب الكريم قطعي الصدور بينما الخبر ظني الصدور، و لا وجه لطرح قطعي الصدور لأجل ظني الصدور.

و أجاب (قدّس سرّه) على ذلك بجوابين:

أ- النقض بالخبر المتواتر، فإنه لا إشكال في جواز تخصيصه بخبر الواحد رغم أن الخبر المتواتر قطعي الصدور و الخبر الواحد ظني الصدور.

ب- الجواب الحلي، و ذلك بأن يقال: إن للقرآن الكريم جنبة صدور و جنبة دلالة، و نحن لا نريد التصرف و رفع اليد عن جنبة الصدور حتّى يقال هي قطعية و لا تقبل ذلك و إنما نريد التصرف في جنبة الدلالة، و هي ظنية، إذ دلالة العموم على المراد ظنية و ليست قطعية.

هذا من جانب القرآن الكريم.

و أما من جانب الخبر فصدوره و إن كان ظنيا، و العموم القرآني و إن كان يقتضي تكذيب صدوره- الخبر- و طرح صدوره رأسا، و لكن ليس من الصحيح أن ننظر إلى صدور الخبر الذي هو ظني من دون أن ننظر إلى دليل حجيته، فإن دليل حجية صدور الخبر قطعي- و هو مثل الآيات الكريمة أو السيرة القطعية- و ليس ظنيا، فالمعارضة على هذا هي بين دلالة القرآن الكريم التي هي ظنية و بين الدليل على حجية صدور الخبر، الذي هو قطعي.

و بعد هذا نقول: حيث إن دلالة الخبر قطعية- لأنها بالخصوص لا

429

بالعموم- و دليل حجية صدوره قطعي أيضا فيكون- الخبر- صالحا للتّصرّف في العموم الكتابي، و ذلك بتخصيصه، و هذا بخلاف العكس، فإن العموم الكتابي ليس صالحا لطرح دلالة الخبر التي هي قطعية و لا لطرح دليل حجية صدوره الذي هو قطعي أيضا.

و باختصار: إن عملية تخصيص الكتاب الكريم تعني رفع اليد عن دلالته لا عن صدوره، و المفروض أن دلالته ظنية، و الخبر الذي يراد جعله مخصّصا هو من حيث الصدور و إن كان ظنيا إلّا أن دليل حجية الصدور قطعي، و هكذا دلالته هي قطعية، و بناء على هذا يكون الخبر بدلالته القطعية المنضمة إلى دليل حجية صدوره الذي هو قطعي أيضا صالحا للتصرف في دلالة الكتاب الكريم بخلاف العكس.

2- إن الدليل على حجية الخبر هو الإجماع، و الإجماع إنما انعقد على حجية الخبر فيما إذا لم يكن مخالفا لعموم الكتاب، أما إذا كان مخالفا فلا إجماع على حجيته. و عليه فالخبر متى ما كان مخالفا لعموم الكتاب فهو ليس حجة في نفسه حتّى يكون مخصّصا للعموم القرآني.

و الجواب واضح، حيث يقال: إن مستند حجية الخبر ليس منحصرا بالإجماع حتّى يرد ما ذكر بل إن من أحد المستندات هو سيرة المتشرعة التي تقدّمت الإشارة إليها، و تلك السيرة- كما أشرنا- قد جرت على العمل بالخبر في مقابل الكتاب الكريم و تخصيصه به.

3- إنه وردت نصوص كثيرة تدل على أن الأخبار المخالفة للقرآن الكريم يلزم طرحها أو هي زخرف و نحو ذلك، و هذا يعني أن كل خبر مخالف للكتاب الكريم يكون ساقطا عن الحجية و الاعتبار، و معه فكيف يكون مخصّصا له؟

430

و الجواب:

أ- إن المقصود من المخالفة- حينما قالت النصوص أن الخبر المخالف زخرف مثلا- هي المخالفة بنحو التباين أو بنحو العموم من وجه لا المخالفة بنحو الأخص مطلقا، كيف و نحن نجزم بأنه قد صدرت أخبار كثيرة من أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) هي مخالفة للقرآن الكريم بنحو الأخص مطلقا؟

بل نتمكن أن نقول: إن المخالفة بنحو الأخص مطلقا ليست مخالفة في نظر العرف أبدا و تنحصر عرفا بالمخالفة بنحو التباين أو بنحو العموم من وجه.

ب- إن من المحتمل قويا أن يكون المقصود من النصوص المذكورة التي قالت: إن المخالف زخرف مثلا الإشارة إلى المخالفة الواقعية، و كأنهم (صلوات اللّه عليهم) يريدون أن يقولوا: إنه لا يصدر منّا ما يتنافى واقعا مع الكتاب الكريم بل كل ما يصدر منّا فهو موافق له، و إذا كان مخالفا له فهو مخالف في بادئ النظر و على مستوى الظاهر يقصد به توضيح المرام الواقعي للقرآن الكريم. (1)

4- إن النسخ يرجع من حيث الروح إلى التخصيص، غايته أن النسخ تخصيص بلحاظ الأزمان بينما التخصيص ناظر إلى الأفراد، و بناء على هذا نقول:

إذا قبلنا تخصيص القرآن الكريم بالخبر يلزم أن نقبل نسخه به لعدم الفرق بين النسخ و التخصيص في كون كل منهما تخصيصا، و الحال أنه يوجد اتفاق على عدم جواز نسخ الكتاب الكريم بالخبر الواحد.

____________

(1) الإشكال في هذا الجواب واضح، فإن النصوص المذكور أرادت أن تقدّم للناس ضابطا للخبر الذي يلزمهم الأخذ به و تمييزه عن الخبر الذي يلزمهم هجره، و الحال أنه على الجواب المذكور لا نحصل على الضابط المذكور. و لعلّه لذلك أشار (قدّس سرّه) بالأمر بالفهم.

431

و الجواب:

أ- نسلّم أن المناسب جواز نسخ الكتاب الكريم بالخبر كما جاز تخصيصه به و لكن الذي منعنا من المصير إليه هو نفس الاتفاق المذكور، فإن هذا الاتفاق هو الذي منعنا و جعلنا نفرّق بين النسخ و التخصيص فجوّزنا الثاني دون الأوّل.

ب- إنه توجد نقطة فارقة بين النسخ و التخصيص، و هي أن دواعي المسلمين قد انعقدت و اجتمعت على ضبط موارد النسخ- و من هنا قلّ الخلاف في تعيين موارده- و هذا بخلاف التخصيص، فإنه لم تتوفر الدواعي كذلك، و لازم هذا أن النسخ لو كان ثابتا حقا في مورد فمن اللازم نقله بالخبر المتواتر فإذا لم ينقل كذلك بل نقل بالخبر الواحد اطمئن بكذبه، و هذا بخلاف التخصيص، فإنه حيث لم تتوفر الدواعي على ضبطه فليس من اللازم نقله بالخبر المتواتر، و بالتالي لو نقل بالخبر الواحد فلا يطمئن بكذبه.

توضيح المتن:

المعتبر بالخصوص: أي من باب الظن الخاص، فإن الظن متى ما ثبتت حجيته بدليل الانسداد اصطلح عليه بالظن المطلق، و متى ما ثبتت حجيته بدليل قطعي خاص غير دليل الانسداد اصطلح عليه بالظن الخاص، و الخبر الواحد حيث إنه قد دلت على حجيته بعض الآيات الكريمة و السيرة القطعية فهو حجة على هذا من باب الظن الخاص.

لما هو الواضح: هذا إشارة إلى الوجه الأوّل من الوجهين السابقين.

مع أنه لولاه: هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجهين السابقين.

أو ما بحكمه: أي ما يقرب من الالغاء الكلي.

432

و كون العام الكتابي: هذا إشارة إلى الدليل الأوّل من الأدلة الأربعة المتقدمة.

مع أن الخبر ...: أي و الحال أن الخبر صالح بدلالته و سنده للتصرف في أصالة العموم بخلافها هي فإنها ليست صالحة لرفع اليد عن اعتبار الخبر من حيث سنده و دلالته.

و لا ينحصر الدليل ...: هذا إشارة إلى الدليل الثاني.

كي يقال ...: أي كي يقال: إن الإجماع يختصّ ثبوته بما إذا لم يوجد على خلاف الخبر دليل، و المفروض أن العام القرآني دليل.

و الأخبار الدالة على ...: هذا إشارة إلى الدليل الثالث.

غير مخالفة العموم: أي بنحو العموم و الخصوص المطلق.

فافهم: تقدّم وجهه.

و الملازمة: هذا إشارة إلى الدليل الرابع.

خلاصة البحث:

يجوز تخصيص العام القرآني بالخبر الواحد لوجهين: السيرة و لزوم طرح أغلب أو كل الأخبار.

و استدل على عدم الجواز بأربعة أدلة كلها قابلة للمناقشة.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

فصل: تخصيص العام القرآني بالخبر:

الحقّ جواز تخصيص الكتاب الكريم بالخبر الواحد المعتبر بالخصوص- كما جاز بنفس الكتاب الكريم أو بالخبر المتواتر أو بالخبر الواحد المقرون بالقرينة القطعية- لوجهين:

433

1- سيرة الأصحاب على العمل به في مقابل العموم القرآني إلى زمن الأئمّة (عليهم السّلام).

و احتمال أن ذلك للقرينة واضح البطلان.

2- إنه لو لا ذلك يلزم الغاء الأخبار رأسا أو ما بحكمه، لندرة خبر لم يكن مخالفا لعموم قرآني لو سلّم وجود ما لم يكن كذلك.

مناقشة الأدلة الأربعة على عدم الجواز:

1- و كون القرآن الكريم قطعي الصدور و الخبر ظني الصدور لا يمنع من التصرف في دلالته التي هي غير قطعية و إلّا لم يجز تخصيص المتواتر به و الحال هو جائز جزما.

و السر أن الدوران هو بين أصالة العموم و دليل سند الخبر، و الخبر صالح بدلالته و سنده للتصرف فيها بخلاف العكس.

2- و الدليل على حجية الخبر لا ينحصر بالإجماع كي يقال باختصاصه بحالة عدم وجود دليل على خلافه، و العموم القرآني صالح لذلك، كيف و قد عرفت أن السيرة مستمرة على العمل به في مقابل العمومات الكتابية.

3- و الأخبار الدالة على أن ما خالف القرآن الكريم يجب طرحه و نحو ذلك و إن كانت كثيرة و صريحة الدلالة على طرح المخالف إلّا أنه يلزم حملها على غير المخالفة للعموم إن لم نقل بأنها ليست من المخالفة عرفا، كيف و صدور الاخبار المخالفة للعموم القرآني كثيرة جدا.

على أنه يقوى احتمال أن يراد منها أنهم لا يقولون بغير قول اللّه سبحانه واقعا و إن كان على خلافه ظاهرا شرحا لمرامه و بيانا لمراده من كلامه فافهم.

434

4- و الملازمة بين جواز التخصيص و جواز النسخ به ممنوعة و إن كان مقتضى القاعدة جوازهما لاختصاص النسخ بالإجماع على المنع.

على أن الدواعي قد اجتمعت على ضبطه- و لذا قلّ الخلاف في تعيين موارده- بخلاف التخصيص.

***

435

الفصل الحادي عشر: تعارض العام و الخاص و صوره‏

436

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

437

قوله (قدّس سرّه):

«فصل: لا يخفى أن الخاص و العام ...، إلى قوله:

و لا بأس بصرف الكلام ...».

(1)

الدوران بين التخصيص و النسخ:

إذا ورد دليلان، أحدهما عام و الآخر خاص فالخاص تارة يكون مخصّصا، و أخرى ناسخا، و ثالثة منسوخا.

و لتوضيح ذلك نذكر الصور الخمس التالية:

1- أن يرد الخاص مقترنا بالعام. و لا إشكال في مثلها في كون الخاص مخصّصا، و لا يحتمل كونه ناسخا، إذ الناسخ لا يحتمل أن يقترن بالمنسوخ.

2- أن يرد الخاص بعد العام و يفترض أنه وارد قبل وقت العمل بالعام. و في مثلها يكون الخاص مخصّصا، و المعروف أنه لا يكون ناسخا، بناء على أنه يشترط أن يكون الناسخ واردا بعد وقت العمل بالحكم المنسوخ لا قبله، و لكن سيأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى منع الاشتراط المذكور.

3- أن يرد الخاص بعد العام و يفترض أنه وارد بعد وقت العمل بالعام. و في مثلها يكون الخاص ناسخا و لا يمكن أن يكون مخصّصا و إلّا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن المخصّص مبيّن و موضّح للعام،

____________

(1) الدرس 229- 231: (11- 13/ شوال/ 1426 ه).

438

فمثل لا تكرم الفقير الفاسق يوضّح المقصود من العام الذي يقول أكرم كل فقير و يبيّن أن المراد منه وجوب إكرام غير الفاسق من الفقراء. (1)

مشكلة و علاج:

ثمّ إنه بناء على أن الخاص الوارد بعد وقت العمل بالعام يكون ناسخا لا مخصّصا ترد مشكلة، و هي أن كثيرا من العمومات جاءت في الكتاب الكريم أو في أحاديث الأئمّة (عليهم السّلام) المتقدمين، و جاءت من الأئمّة المتأخرين (عليهم السّلام) روايات خاصة هي واردة بعد وقت العمل بتلك العمومات، و هذا شي‏ء كثير و ليس بالقليل، و في مثله هل نحكم على هذه الروايات المتأخرة بكونها ناسخة لتلك العمومات المتقدمة باعتبار ورودها بعد وقت العمل؟ إنه شي‏ء غير محتمل، إذ لا يحتمل اشتمال الشريعة الواحدة على نسخ كثير بهذا الكم الهائل. على أنه من البعيد حصول النسخ في أحاديث الأئمّة (عليهم السّلام) بحيث يكون بعضها ناسخا لبعض.

و إذا استبعدنا احتمال النسخ يتعيّن احتمال التخصيص، و لكنه هو غير ممكن أيضا، إذ يلزم محذور تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو قبيح.

هذا حاصل المشكلة.

و في مقام العلاج نقول: إن العموم في تلك العمومات يحتمل أن لا يكون واقعيا، بل هو ظاهري، أي أبرز مبرز العموم و لكنه في الواقع خاص، و إنما لم يوضّح كونه خاصا باعتبار اقتضاء مصلحة التدرّج في بيان الأحكام لذلك.

و هذا يعني أن محذور تأخير البيان عن وقت الحاجة و إن لزم‏

____________

(1) و لكن من الواضح حينما نقول بكون الخاص ناسخا للعام فليس المقصود كونه ناسخا لجميع العام بل لحصة خاصة منه، فالذي ينسخ هو وجوب إكرام الفقير الفاسق، و أما وجوب إكرام الفقير العادل فيبقى على حاله.

439

و لكنه ما دام ذلك التأخير لأجل المزاحمة بمصلحة التدرّج في بيان الأحكام فلا يلزم الإشكال.

و من هنا قيّد المصنف كلامه و قال: إن الخاص في هذه الصورة الثالثة إنما يكون ناسخا و لا يمكن أن يكون مخصّصا فيما إذا كان العام واردا لبيان ثبوت العموم واقعا، و أما إذا كان واردا لبيان ثبوته ظاهرا و اخّر بيان المخصّص لمصلحة التدرّج في بيان الأحكام فنحكم بكونه مخصّصا لا ناسخا كما هو الحال في العمومات الواردة في الآيات أو الروايات المتقدّمة مع الخصوصات الواردة متأخرا. (1)

هذا كله في الصورة الثالثة.

و قبل أن ننتقل إلى الصورة الرابعة نقول: إنه لو فرض تردّد الأمر بين الصورة الثانية و الثالثة، بأن لم يدر أن الخاص وارد قبل وقت العمل بالعام حتّى يكون مخصّصا أو أنه وارد بعد ذلك حتّى يكون ناسخا فما هو الحكم؟ إن هذا يأتي التعرض إليه فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.

4- أن يكون الخاص واردا قبل العام، و نفترض أن العام وارد بعد وقت العمل بالخاص، كما لو قيل: لا تكرم الفقير الفاسق ثمّ قيل بعد فترة: أكرم كل فقير. و في مثل ذلك يدور الأمر بين أن يكون الخاص المتقدّم مخصّصا للعام‏ (2) و بين أن يكون العام المتأخر ناسخا للخاص المتقدّم، أي يدور أمر الخاص‏

____________

(1) و سيأتي التعرض إلى هذا المطلب ثانية في مبحث تعارض الأدلة إن شاء اللّه تعالى تحت عنوان مشكلة و حلّ.

(2) و لا يلزم من ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة بل تقدّمه على وقت الحاجة، و هو جيد و مناسب، فالخاص المتقدّم إذا كان مخصّصا فذلك يعني أن المولى بيّن من البداية المقصود من العام ثمّ ذكر بعد ذلك العام، و هذا شي‏ء جيد.

440

المتقدّم بين أن يكون مخصّصا أو منسوخا بالعام. و هذا معناه أن كلا الاحتمالين ممكن و مقبول، و لكن الأرجح رغم ذلك هو التخصيص.

أما لما ذا يكون التخصيص هو الأرجح؟ ذلك باعتبار أنه يوجد في مثل ذلك ظهوران: ظهور للعموم في شموله لجميع الأفراد بما في ذلك الفقير الفاسق، و هذا الظهور ثابت بالوضع لوجود أداة كل حيث قيل: أكرم كل فقير، و هي موضوعة للعام، كما هو واضح، و لازم هذا الظهور أن يكون العام ناسخا للخاص و رافعا لحرمة إكرام الفاسق إلى وجوب الإكرام.

هذا هو الظهور الأوّل.

و الظهور الثاني هو ظهور الخاص المتقدّم في أن حكمه مستمر إلى الأبد، أي إن حرمة إكرام الفقير الفاسق مستمرة إلى ما بعد زمان ورود العام أيضا، حيث لم تقيّد الحرمة بفترة محدّدة و لم يقل: لا تكرم الفقير الفاسق إلى زمان ورود العام. و لازم استمرار الحرمة إلى ما بعد ورود العام أن يكون الخاص مخصّصا للعام كما هو واضح.

إذن الأمر يدور بين ظهورين، و الظهور الأوّل و إن كان أقوى لكونه بالوضع بخلاف الظهور الثاني، فإنه أضعف لكونه بسبب مقدمات الحكمة- حيث لم تقيّد الحرمة بفترة محدّدة فيتمسك بالإطلاق- و لكنه يقدّم الظهور الثاني رغم كونه أضعف لصيرورته أقوى بسبب شيوع التخصيص و ندرة النسخ.

و عليه فنكتة شيوع التخصيص و ندرة النسخ تصير سببا لتقديم احتمال التخصيص، و لكن لا من جهة أنها توجب الظن بالتخصيص حتّى يقال: إن الظن ليس حجة، بل من جهة أنها توجب صيرورة ظهور الخاص في الاستمرار- الذي لازمه التخصيص- أقوى رغم كونه ناشئا من مقدمات الحكمة.

441

هذا كله في الصورة الرابعة.

5- أن يتقدّم الخاص و يتأخّر العام و يكون العام واردا قبل وقت العمل بالخاص. (1) و في مثل ذلك يكون العام مخصّصا و لا يكون ناسخا بناء على ما ذكروه من اشتراط النسخ بورود الناسخ بعد وقت العمل بالمنسوخ.

الدوران بين الصورة الثانية و الثالثة:

ذكرنا أن الخاص في الصورة الثانية التي يرد فيها الخاص بعد العام و قبل وقت العمل به- يصير مخصّصا، و في الصورة الثالثة- التي يرد فيها الخاص بعد العام و بعد وقت العمل به- يصير ناسخا، و السؤال المطروح في المقام: إنه لو تردّد أمر الخاص- الذي هو وارد بعد العام جزما- بين أن يكون واردا قبل وقت العمل بالعام حتّى يكون مخصّصا له و بين أن يكون واردا بعد ذلك حتّى يكون ناسخا فما هو الموقف؟ إنه لا ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر.

و هنا يوجد تساؤلان:

1- لما ذا لا تكون النكتة السابقة- أي كثرة التخصيص و ندرة النسخ- موجبة لترجيح احتمال التخصيص كما كانت موجبة لترجيحه فيما سبق؟ إن ذلك باعتبار أنه فيما سبق- أعني الصورة الرابعة- كان يوجد ظهوران: ظهور العام في شمول جميع الأفراد الذي لازمه النسخ، و ظهور الخاص في الاستمرار الذي لازمه التخصيص، و تلك النكتة توجب أقوائية الظهور الثاني، و هذا بخلافه في المقام، فإن الأمر يدور بين ورود الخاص قبل وقت العمل بالعام أو وروده بعده، و ليس بين‏

____________

(1) و هذه الصورة لم يسلّط المصنف الأضواء عليها كما سلّطها على الصور السابقة و إنما ذكرها في ثنايا حديثه فلاحظ.

442

ظهورين، (1) و من المعلوم أن غاية ما توجبه تلك النكتة هو حصول الظن بورود الخاص قبل وقت العمل بالعام، و الظن ليس حجة و إنما الحجة هو الظهور.

2- هل هناك ثمرة لتردّد أمر الخاص بين كونه مخصّصا أو ناسخا؟ قد يقال: إنه لا ثمرة، لأنه بعد صدور الخاص المتأخر فالفقير الفاسق لا يجوز إكرامه سواء أ كان ذلك من جهة كونه- الخاص المتأخر- مخصّصا أم ناسخا.

هذا و لكن إذا لم يمكن تصوّر الثمرة في هذا المجال فربما يمكن تصوّرها في مجالات أخرى، كما لو فرض أن العام صدر في بداية الشهر و الخاص صدر في آخره، و نفترض أنه في الفترة المتخللة بين البداية و النهاية لم يتحقّق لسبب من الأسباب إكرام الفقير الفاسق بدفع دينار مثلا إليه، إنه في هذه الفرضية هل يلزم القضاء بدفع دينار إليه عمّا سبق؟ إن الثمرة تظهر في مثل ذلك، فبناء على كون الخاص مخصّصا لا يلزم القضاء لكشف الخاص عن عدم وجوب إكرام الفقير الفاسق و عدم كونه مشمولا للعام من البداية، و هذا بخلافه بناء على كونه ناسخا فإنه يلزم القضاء لأنه- بناء على النسخ- لا يرتفع وجوب الإكرام عن الفقير الفاسق إلّا بعد تحقّق النسخ، أي إلّا بعد صدور الخاص.

إذن الثمرة تظهر فيما إذا لم يتحقّق إكرام الفقير الفاسق في الفترة

____________

(1) نعم يوجد ظهور للعام في الشمول لجميع الأفراد- بما في ذلك الخاص- و لازمه كون الخاص ناسخا، و لا يوجد ظهور آخر معارض له سوى ظهور العام في استمرار حكمه، و لكن هذا الاستمرار لا ينفع لإثبات التخصيص، مضافا إلى الجزم بعدم الاستمرار إما لكون الخاص ناسخا للعام أو لكونه مخصّصا له.

443

المتخللة اتفاقا، حيث يجب القضاء على تقدير النسخ و لا يجب على تقدير التخصيص.

و لا نقصد بهذا دعوى أن الثمرة منحصرة بهذا المورد بل بيان مورد يمكن ظهور الثمرة فيه.

و ما ذا نفعل في مثل هذا المورد؟ هل يجب القضاء بدفع الدينار أو لا؟ إنه يلزم الرجوع إلى الأصول العملية التي تختلف باختلاف الموارد، فربما يقتضي مورد البراءة، و مورد آخر الاستصحاب، و مورد ثالث الاحتياط، و لا يبعد في موردنا أن يكون المناسب هو البراءة، حيث يشكّ في لزوم القضاء بدفع الدينار فتجري البراءة عن ذلك.

الصورة الخامسة و الثانية:

إنه لحدّ الآن لم يشر المصنف في كلامه إلى الصورة الخامسة، و الآن سوف يشير إليها و يقول: إنه تقدّم أن الحكم في الصورة الثانية- التي يكون الخاص فيها متأخرا عن العام و واردا قبل وقت العمل به- كون الخاص مخصّصا، و هكذا نضيف الآن أن الحكم في الصورة الخامسة- التي يكون الخاص فيها متقدّما و العام واردا قبل وقت العمل بالخاص- هو كون الخاص مخصّصا، فهاتان الصورتان تشتركان في كون الخاص مخصّصا.

و الآن نريد أن نقول: إن الخاص إنما يتعيّن كونه مخصّصا في هاتين الصورتين فيما لو بنينا على لزوم تأخّر الناسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، أما إذا رفضنا ذلك فيدور الأمر في الصورة الثانية بين كون الخاص مخصّصا أو ناسخا، و في الصورة الخامسة بين كونه مخصّصا و منسوخا، كما هو واضح.

و عند الدوران بين هذين الاحتمالين لا يبعد أن يكون الأرجح هو التخصيص لنكتة شيوعه و ندرة النسخ، فإنه يوجد لدينا ظهوران، و أحد الظهورين‏

444

يتقوّى بالنكتة المذكورة، فمثلا في الصورة الخامسة يدور الأمر بين ظهور العام في شموله لجميع الأفراد الذي لازمه كونه ناسخا للخاص و بين ظهور الخاص في الدوام‏ (1) الذي لازمه كونه مخصّصا للعام، و الظهور الأوّل و إن كان بسبب الوضع و الثاني بسبب مقدمات الحكمة إلّا أنه رغم هذا يصير الظهور الثاني أقوى بسب تلك النكتة، و بذلك يترجّح احتمال التخصيص.

توضيح المتن:

لا يخفى أن الخاص و العام ...: المناسب: لا يخفى أن الخاص المخالف للعام تارة يكون مخصّصا له، و أخرى ناسخا له، و ثالثة منسوخا به.

____________

(1) توجد هنا قضيتان لا بدّ من الالتفات إليهما، و هما:

1- إن المصنف لم يعبّر في هذا المورد بالدوام، أي لم يقل: و بين ظهور الخاص في الدوام، بل عبّر هكذا: و بين ظهور الخاص في الخصوص، و هذا لا معنى له، فإن ظهور الخاص في الخصوص لا يعيّن احتمال التخصيص بل يلتئم مع احتمال النسخ أيضا، فالمناسب هو التعبير بلفظ الدوام بدل لفظ الخصوص.

و قد قيل: إن بعض النسخ عبّر فيها بالدوام بدل لفظ الخصوص.

2- إن وجود الظهورين المذكورين و دوران الأمر بينهما يختصّ بالصورة الخامسة، و أما في الصورة الثانية فلا يوجد الظهوران المذكوران، فالعام المتقدّم له ظهور في الشمول لكل فرد الذي لازمه النسخ، و لا يتصوّر ظهور آخر في جانب الخاص يكون في صالح احتمال التخصيص. و لعلّه لذلك لم يعبّر بالدوام بل عبّر بالخصوص، فإن هذا التعبير يلتئم مع الصورة الثانية، فهناك ظهور للعام في الشمول لكل فرد، و لازمه كون الخاص ناسخا، و ظهور للخاص في حكمه الخاص بنحو يكون أقوى من ظهور العام في الشمول له، و لازم ذلك التخصيص.

إذن التعبير بالدوام يلتئم مع الصورة الخامسة، و التعبير بالخصوص يلتئم مع الصورة الثانية.

445

و التعبير بقوله: (يختلف حالهما) لا يخلو من مسامحة، فإن الذي يختلف حاله هو الخاص، فهو المخصّص تارة، و الناسخ أخرى، و المنسوخ ثالثة.

ثمّ إن التقييد بالمتخالفين هو باعتبار أنه لو كانا متوافقين في السلب و الإيجاب فلا معنى للنسخ.

و ذلك لأن الخاص إن كان مقارنا ...: هذا إشارة إلى الصورة الأولى.

أو واردا بعده قبل حضور ...: هذا إشارة إلى الصورة الثانية.

و بيانا له: عطف تفسير على (مخصّصا).

و إن كان بعد حضوره: هذا إشارة إلى الصورة الثالثة.

فيما إذا كان العام واردا ...: قد بينّا وجه هذا التقييد و إن الهدف دفع الإشكال عن الروايات الواردة من الأئمّة المتأخرين (عليهم السّلام).

كما هو الحال في غالب ...: أي يكون العموم ظاهريا.

و إن كان العام واردا بعد حضور ...: هذا إشارة إلى الصورة الرابعة.

هذا فيما علم تاريخهما و أما لو ...: بهذا تمّ الفراغ من الصورة الرابعة، و الآن يقصد العود إلى حالة التردد بين الصورة الثانية و الثالثة.

و إنه واجد ...: أي و إن الخاص واجد لشرط التخصيص من باب الالحاق بالغالب، حيث إن الغالب في الخاص كونه مخصّصا.

ثمّ إن تعيّن الخاص ...: هذا يرتبط بالصورة الثانية و الخامسة.

أو ورد العام قبل ...: هذه هي الصورة الخامسة التي قلنا إن المصنف سوف يشير إليها من دون تسليط الأضواء عليها.

ثمّ إن ضمير به يرجع إلى الخاص.

إنما يكون مبنيا: المناسب: مبني من دون فقرة (إنما يكون).

أقوى من ظهور الخاص: لا معنى للتعبير بكونه أقوى، فإنه إذا كان أقوى‏

446

فكيف لا يؤخذ به و لا يتقدّم، بل المناسب التعبير بالوضع، أي هكذا: و إن كان ظهور العام في عموم الأفراد بالوضع و ظهور الخاص في الدوام بالإطلاق.

ثمّ إنه قد ذكرنا فيما سبق أن التعبير بالدوام أنسب بالصورة الخامسة، و التعبير بالوضع أنسب بالصورة الثانية.

خلاصة البحث:

للخاص مع العام صور خمس، ففي الصورة الأولى و الثانية يتعيّن التخصيص، و في الثالثة يتعيّن النسخ، و في الرابعة يحتمل أن يكون الخاص مخصّصا و منسوخا، و الأرجح كونه مخصّصا لأن كثرة التخصيص تصيّر ظهور الخاص في الدوام أقوى و في الخامسة يتعيّن التخصيص.

ثمّ إن تعيّن التخصيص في الثانية و الخامسة مبني على عدم جواز النسخ قبل وقت العمل بالمنسوخ، و هو واضح.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الدوران بين التخصيص و النسخ:

لا يخفى أن الخاص المخالف للعام تارة يكون مخصّصا، و أخرى ناسخا، و ثالثة منسوخا، و ذلك لأن الخاص:

1- إن كان مقارنا مع العام.

2- أو واردا بعده قبل حضور وقت العمل به فلا محيص عن كونه مخصصا.

3- و إن كان بعد حضوره كان ناسخا لا مخصصا لئلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة فيما إذا كان العام واردا لبيان الحكم الواقعي و إلّا

447

كان- الخاص- مخصّصا له أيضا، كما هو الحال في غالب العمومات و الخصوصات في الآيات و الروايات.

4- و إن كان العام واردا بعد حضور وقت العمل بالخاص فكما يحتمل أن يكون الخاص مخصّصا يحتمل أن يكون منسوخا. و الأظهر التخصيص لكثرته- حتّى قيل ما من عام إلّا و قد خص- و ندرة النسخ، فإن ذلك يصيّر ظهور الخاص في الدوام أقوى- رغم كونه بالإطلاق- من ظهور العام رغم كونه بالوضع.

ثمّ إنه لو تردّد الخاص بين أن يكون واردا بعد حضور وقت العمل بالعام أو قبله فلا ترجيح، و يرجع إلى الأصول العملية. و كثرة التخصيص و إن كانت توجب الظن به إلّا أنه لا دليل على حجيته إذا لم يوجب قوة في الظهور بخلافه فيما سبق، حيث كان يوجد ظهوران، و يتقوّى أحدهما بذلك.

5- و إن كان واردا قبل ذلك تعيّن التخصيص.

ثمّ إن تعيّن الخاص للتخصيص في الصورة الثانية و الخامسة مبني على عدم جواز النسخ قبل وقت العمل و إلّا دار أمره بين أن يكون مخصّصا و ناسخا في الثانية و بين كونه مخصّصا و منسوخا في الخامسة، و الأولى كونه مخصّصا لكثرة التخصيص الموجبة لصيرورة ظهور الخاص في الخصوص- الدوام- أقوى من ظهور العام في شمول جميع الأفراد.

***

448

قوله (قدّس سرّه):

«فاعلم أن النسخ ...، إلى قوله: و أما البداء في التكوينيات ...».

(1)

بحث مجمل عن النسخ:

حينما انجرّ الحديث إلى النسخ فمن الجدير تحقيق الحال في مسألة جواز النسخ قبل وقت العمل، و المعروف بين الاعلام عدم الجواز و لكن من خلال التحقيق الذي سوف نذكره يتضح جواز ذلك من دون فرق بين حالة ما قبل العمل و ما بعده.

و في البداية نذكر مقدمة حاصلها: إنه قد يشكل على إمكان أصل النسخ بالإشكالين التاليين:

1- إن لازم النسخ الجهل على الباري تعالى، فهو يجهل عدم وجود المصلحة في تشريع الحكم بنحو مستمر ثمّ يتضح له ذلك فينسخه.

بل و يلزم التغيّر في إرادة اللّه سبحانه رغم وحدة الفعل من حيث ذاته و عنوانه، فإن الفعل الواحد إذا نسخ حكمه رغم عدم تغيّر عنوانه‏ (2) فذلك يعني التغيّر في الإرادة الإلهية، و من الواضح أن تغيّر الإرادة عند عدم تغيّر الفعل ذاتا و عنوانا أمر غير ممكن.

____________

(1) الدرس 232: (16/ شوال/ 1426 ه).

(2) إذ لو تغيّر عنوانه و طرأ عليه عنوان الاكراه أو الاضطرار مثلا فرفع الحكم عنه لا يعدّ نسخا، فالنسخ يفترض فيه بقاء ذات الفعل و بقاء عنوانه.

449

و بعبارة جامعة: إنه يلزم من تحقّق النسخ البداء في حقه تعالى بمعناه المستحيل، أي بمعنى ظهور عدم المصلحة في الشي‏ء بعد توهّم ثبوتها، و هذا يعني الجهل. و يلزم أيضا تغيّر إرادته سبحانه رغم بقاء الفعل ذاتا و صفة.

2- إن لازم النسخ أحد محذورين، إذ إما أن يفترض وجود المصلحة في ثبوت الحكم بنحو مستمر و دائم أو يفترض عدم وجودها، فعلى الأوّل لا يمكن النسخ و يكون مستحيلا، و على الثاني يستحيل ثبوت الحكم المنسوخ في حدّ نفسه، أي يلزم استحالة تشريع الحكم من البداية بنحو الاستمرار.

هذان إشكالان استشكل بهما على أصل النسخ، فقيل: إنه مستحيل في حدّ نفسه لهذين الإشكالين.

و قبل أن نجيب لا بدّ من معرفة حقيقة النسخ، فما ذا يعني نسخ الحكم و ما ذا يراد منه؟

إنه قد يتخيّل أن الحكم متى ما كان مستمرا واقعا فرفعه عبارة أخرى عن النسخ، فالنسخ يعني رفع الحكم الذي هو مستمر واقعا. هكذا قد يتخيّل.

و لكن الصحيح أن يقال: إنه في موارد النسخ حينما يشرّع اللّه سبحانه حكما فهو يعلم من البداية بكونه مؤقّتا إلى فترة محدودة، أي إنه لم يشرّعه واقعا بنحو الاستمرار و لكن حيث لم يذكر التقييد بالأجل في لسان الدليل عند بيان الحكم فالناس يتصورن أنه قد انشئ بنحو مستمر و دائم، و الحال أنه واقعا هو مؤقّت و محدود و إن كان ظاهرا و بحسب لسان الدليل قد ذكر بنحو يوحي باستمراريته حيث لم يذكر معه التقييد بالأجل.

450

و على هذا الأساس يتضح أنه لو جاء دليل آخر و رفع الحكم المذكور فهذا الدليل الرافع ليس هو برافع للحكم بلحاظ الواقع‏ (1) و إنما هو رافع بحسب لسان الدليل و الظاهر. (2)

إذن النسخ هو رفع بلحاظ عالم الإثبات و لسان الدليل، و بلحاظ الواقع ليس برفع بل بيان لأجل الحكم.

و بكلمة أخرى: النسخ رفع بلحاظ عالم الإثبات و لسان الدليل و دفع بلحاظ الواقع و الحقيقة. (3)

و باتضاح هذا يتضح أن النسخ ممكن حتّى قبل وقت العمل، إذ بالإمكان أن نفترض أن الحكم يشرّع و هو واقعا محدود بفترة قصيرة تنتهي قبل مجي‏ء وقت العمل، و إنما شرّع كذلك لمصلحة الامتحان و الاختبار و نحو ذلك.

____________

(1) أي عالم التشريع و إنشاء الحكم، و قد يعبّر عنه أيضا بعالم الثبوت.

(2) و قد يصطلح عليه بعالم الإثبات أيضا.

(3) قد جاء في عبارة المصنف و غيره التعبير بالدفع، فقيل هكذا: النسخ بلحاظ عالم الثبوت و الواقع ليس رفعا بل هو دفع، و هذا التعبير ربما يشتمل على شي‏ء من المسامحة، و المناسب أن يقال: هو بحسب الواقع ليس رفعا بل بيان لأجل الحكم، فإن الفرق بين الرفع و الدفع هو أنه في الرفع يفترض تحقّق الشي‏ء ثمّ يزال، كالماء يفترض جريانه بالفعل على الأرض مثلا فإذا منع الجريان بوضع حجر و نحوه صدق عنوان الرفع آنذاك، أما إذا فرض أنه لم يجر بالفعل و لكنه كان في طريقه إلى الجريان فحيل بوضع الحجر فيصطلح آنذاك بالدفع.

و على هذا الأساس فالتعبير بالدفع في المقام لا وجه له، لأن الحكم بعد ما شرّع واقعا محدودا بأجل معيّن فلا يصدق عنوان الدفع إذا نسخ، لعدم اقتضاء له في الاستمرار بل هو بيان لأجل الحكم.

451

و لك أن تقول بعبارة أخرى: إن النسخ بمعناه الحقيقي- و هو رفع الحكم المستمر واقعا و حقيقة- أمر مستحيل بلا فرق بين أن يكون بعد وقت العمل أو قبله، و بمعناه الجديد- و هو رفع الحكم الذي هو مستمر على مستوى الظاهر و لسان الدليل- ممكن من دون فرق أيضا بين ما قبل وقت العمل و ما بعده، فإن من الوجيه أن نفترض وجود مصلحة في أصل إنشاء الحكم المؤقّت مع اخفاء أجله ثمّ نسخه و رفعه بعد ذلك.

ثمّ إنه بما ذكرناه في توضيح حقيقة النسخ يتضح اندفاع الإشكالين المتقدمين أيضا.

أما الإشكال الأوّل فباعتبار أنه يرد لو فرض أن النسخ هو رفع حقيقة لما هو مستمر واقعا، فإنه بهذا المعنى يستلزم الجهل، أي ظهور شي‏ء كان مخفيا سابقا، و بالتالي يستلزم تغيّر الإرادة أيضا رغم وحدة الفعل ذاتا و عنوانا، أما إذا فرضنا أن النسخ عبارة عن الرفع على مستوى الظاهر و لسان الدليل دون الواقع فلا يلزم محذور الجهل و تغيّر الإرادة، لفرض أنه من البداية كان يعلم عزّ و جلّ بكون الحكم المشرّع مؤقّتا و محدودا.

و أما الإشكال الثاني فباعتبار أنه يمكن أن نختار وجود المصلحة في إظهار استمراره و إظهار دوامه و ليس في استمراره الواقعي، و معه لا يرد محذور امتناع نفس النسخ أو امتناع ثبوت الحكم المنسوخ في حدّ ذاته.

توضيح المتن:

و لا بأس بصرف الكلام ...: لأجل أن يتضح أن النسخ قبل وقت العمل جائز.

فاعلم أن النسخ و إن كان ...: هذا كلام يرتبط بالنسخ في باب‏

452

الأحكام، و يأتي بعد ذلك الكلام عن النسخ في الأمور التكوينية المعبر عنه بالبداء، و ذلك بقوله: و أما البداء في التكوينيات.

رفع الحكم الثابت: أي المستمر.

إثباتا: أي بحسب لسان الدليل.

إلّا أنه في الحقيقة دفع الحكم ثبوتا: ذكرنا أن التعبير بالدفع يشتمل على المسامحة، فإنه يختص بالمورد الذي يكون فيه اقتضاء الاستمرار، و المفروض أن الحكم واقعا هو مؤقّت و ليس فيه اقتضاء الاستمرار، و المناسب التعبير: إنه ليس رفعا ثبوتا بل هو بيان لكون الحكم مؤقتا.

و إنما الحكمة اقتضت إظهار دوام الحكم و استمراره: هذا في النسخ بعد وقت العمل.

أو أصل انشائه و إقراره: هذا في النسخ قبل وقت العمل.

و ذلك لأن النبي ...: هذه الجملة إلى قوله: (بذبح إسماعيل) لا داعي لذكرها، و لا أقل كان المناسب عدم التعبير بقوله: و ذلك الذي يوحي بمدخلية ذلك في المطلب و إنه تعليل لسابقه.

و المقصود أن الحكم الذي شرّعه اللّه سبحانه واقعا ليس هو مستمرا و إنما هو محدود بأجل و النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو الولي (عليه السّلام) قد يعلمان بذلك و قد لا يعلمان، و لعلّ من القبيل الثاني قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل (عليهما السّلام)، فإبراهيم (عليه السّلام) لم يعلم بأن أمره بالذبح كان مؤقّتا إلى فترة وضع السكين على رقبة إسماعيل، إذ لو كان يعلم بالتوقيت فلا معنى لامتحانه و فوزه فيه.

الصادع: كلمة صدع تأتي في اللغة لمعان متعددة، من جملتها البيان و الإظهار، يقال: صدع بالشي‏ء، أي بيّنه و أظهره، فالصادع للشرع هو بمعنى المبيّن و المظهّر لاحكام الشرع.