كفاية الأصول في أسلوبها الثاني‏ - ج3

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
645 /
553

الأمر الثاني: التجري و الانقياد:

لا شبهة في استحقاق العاصي للعقاب و المطيع للثواب .. و هل يستحقهما المتجرّي و المنقاد؟ نعم، لشهادة الوجدان بهتك المتجرّي حرمة المولى و قيام المنقاد بمقتضى العبودية، إلّا أن ذلك لا يثبت بمجرد سوء السريرة و حسنها بل إذا تحقّق القصد و الجري العملي و إلّا فيثبت المدح و اللوم فقط لقضاء الوجدان بذلك.

***

554

قوله (قدّس سرّه):

«و لكن ذلك مع بقاء الفعل المتجرّي به ...، إلى قوله: يمكن أن يقال: إن حسن المؤاخذة ...».

(1)

البحث العقلي و الفقهي:

ما سبق كان ناظرا إلى البحث الكلامي. و أما البحث العقلي و الفقهي فقد ذكر أن الفعل المتجرى به أو المنقاد به لا يتغيّر قبحه و حسنه و لا محبوبيته و مبغوضيته و لا وجوبه و حرمته بسبب القطع، فلو كان قبل القطع حسنا يبقى حسنا، و لو كان قبيحا يبقى قبيحا، و هكذا. و استدل لذلك بوجهين:

1- التمسك بالوجدان. و حاصله: أن الوجدان قاض بأن الفعل لا يتغيّر بسبب القطع عمّا هو عليه من الحسن و القبح و المحبوبية و ... فقتل ابن المولى مثلا مبغوض له و قبيح حتّى لو قطع العبد بأنه قتل لعدوّه، و قتل عدوه محبوب له و حسن حتّى لو قطع بأنه قتل لابنه.

2- و هو تمسك بالوجدان أيضا، غايته بإضافة بعض المصطلحات العلمية. و حاصله: أن الحيثية- أيّ حيثية كانت- لا يمكن أن تكون مغيّرة لحسن الفعل أو قبحه أو مبغوضيته أو ... إلّا إذا كانت اختيارية، بمعنى أنها مقصودة و مرادة، أما إذا لم تكن مرادة فكيف تصير مغيّرة لحسن الفعل أو ...؟ و إذا رجعنا إلى مقامنا وجدنا أن الشخص حينما

____________

(1) الدرس 246: (21/ ذي القعدة/ 1426 ه).

555

يرتكب ما يقطع بخمريته فهو لا يشربه بصفة أنه مقطوع الخمرية بل يرتكبه بما أنه خمر، أي إنه يقصد تناول الخمر لا تناول معلوم الخمرية.

و نتمكن أن نقول أكثر: إن عنوان العلم و القطع هو من العناوين الآلية و المرآتية، و لازم ذلك الغفلة عنه، فإن العنوان متى كان آليا فالشخص يغفل عنه و إلّا لم يكن آليا بل يكون استقلاليا، و إذا سلّمنا بكونه آليا مغفولا عنه فكيف يغيّر صفة الفعل من الحسن إلى القبح أو بالعكس؟

إن قلت: إن لازم هذا عدم إمكان معاقبة المتجرّي، لأنه يعاقب على ما ذا؟ فهل يعاقب على شرب الخمر الواقعي؟ و المفروض عدم تحقّقه، أو يعاقب على شرب الخمر المعلوم؟ و المفروض عدم قصده.

و لك أن تقول: إن المصنف قد التزم فيما سبق باستحقاق المتجرّي للعقاب، و الآن نسأل على ما ذا يكون العقاب؟ هل يكون على الخمر الواقعي أو على الخمر المعلوم؟ و كلاهما باطل.

قلت: إن العقاب يثبت على القصد لا غير.

إن قلت: إن القصد حيث إنه من مقدمات الاختيار، و هي ليست اختيارية- و إلّا يلزم التسلسل، إذ اختيارية الشي‏ء تثبت بسبق الاختيار بمبادئه، فلو كان القصد اختياريا يلزم سبق الاختيار بمبادئه عليه، و إذا كانت هذه المبادئ اختيارية يلزم أيضا سبق الاختيار بمبادئه، و هكذا حتّى يلزم التسلسل- فلا يمكن تعلّق العقاب به.

قلت: إنه يمكن أن نجيب بجوابين:

الجواب الأول عن إشكال استحقاق العقاب:

1- إنّنا نسلّم أن نفس الاختيار ليس اختياريا و إلّا يلزم التسلسل، و لكن نقول: إن بعض مبادئ الاختيار- و هو مثل القصد- اختياري، لأن‏

556

الشخص يمكن أن يفكّر فيما يترتّب على عمله من عقاب يوم القيامة و يفكّر في النار و الملائكة الغلاظ الشداد فلا يحصل عنده قصد إلى الفعل و يمتنع عن أصل القصد. (1)

إذن القصد يمكن أن يكون اختياريا، و معه فلا مشكلة.

____________

(1) هذا الجواب يمكن أن يعلّق عليه بالتعاليق الأربعة التالية:

1- إن قوله: نسلّم أن نفس الاختيار ليس اختياريا أمر لا وجه لذكره، فإن الإشكال لم يكن بلحاظ نفس الاختيار و إنما بلحاظ مبادئه، أعني القصد، فكان من المناسب قصر النظر على القصد و عدم التصدّي إلى الاختيار. و إذا كان ذلك استطرادا فمثل الاستطراد المذكور ليس محبّبا.

2- إنه كان من المناسب تسليط الأضواء على القصد فيقال هكذا: إلّا أن بعض مبادئه- أعني القصد- اختياري، و الحال هو لم يعبّر هكذا، بل ذكر أن بعض مبادئه يكون بالاختيار، لأجل التمكّن من عدمه من خلال التأمل فيما يترتّب على قصده و عزمه من العقوبة و الذم.

3- إنه يوجد تناف بين حكمه أوّلا بأن الاختيار ليس اختياريا و بين حكمه ثانيا بأن القصد اختياري.

و وجه المنافاة أن القصد إذا كان اختياريا فيلزم أن يكون نفس الاختيار اختياريا أيضا، لأن مقدمة الشي‏ء إذا كانت بيد الشخص و إرادته فيلزم أن يكون نفس الشي‏ء بيده و إرادته أيضا.

4- إن الشيخ المصنف يبني على ما ذهب إليه الفلاسفة في تحديد الفعل الاختياري، فهم قالوا: إن اختيارية الفعل هي بسبق الإرادة بمبادئها عليه، و هو (قدّس سرّه) قد بنى على ذلك- كما يتضح ذلك من خلال ملاحظة كلماته-، و بناء عليه كيف يقول: إن القصد اختياري، و الحال أن لازمه سبق الإرادة بمبادئها التي منها القصد فيلزم أن يكون القصد المذكور اختياريا أيضا، و هكذا حتّى يلزم التسلسل، و إذا التزم بأن اختيارية القصد ليست بسبق الإرادة بمبادئها كان ذلك منافيا مع مبناه.

557

توضيح المتن:

و لكن ذلك مع بقاء ...: هذا شروع في البحث الثاني و الثالث.

بسبب تعلّق القطع بغير ما هو عليه من الحكم و الصفة: كان المناسب هكذا: بسبب تعلّق القطع المخطئ، فإنه أوضح و أخصر.

و المراد من الحكم هو الإباحة مثلا، و من الصفة مثل المحبوبية، و التقدير: بسبب تعلّق القطع بحكم أو صفة على خلاف ما عليه الشي‏ء واقعا، فشرب الماء مثلا محبوب و مباح فإذا تعلّق القطع بكون السائل خمرا و إن شربه شرب للخمر كان القطع متعلّقا بصفة أو حكم يغاير ما هو عليه واقعا.

و لا يغيّر حسنه أو قبحه: ما سبق إشارة إلى عدم تغيّر الحكم و المحبوبية، و هنا يريد أن يشير إلى عدم تغيّر الحسن و القبح. أي و لا يغيّر تعلّق القطع حسن الفعل أو قبحه.

هذا و قد جاء في متن حقائق الأصول هكذا: و لا تغيّر حسنه أو قبحه، أي بالتاء، و ليس بالياء، كما أن فقرة (بجهة أصلا) ليست مذكورة.

ثمّ إنه بناء على متن حقائق الأصول تكون كلمة تغيّر معطوفة على تفاوت، أي بلا حدوث تفاوت فيه و لا حدوث تغيّر حسنه أو قبحه.

بجهة أصلا: لا وجود لهذه الفقرة في متن حقائق الأصول كما أشرنا.

الوجوه و الاعتبارات: العطف تفسيري.

هذا مع أن الفعل المتجرى به ...: هذا شروع في الوجه الثاني، و ما قبل كان ناظرا إلى الوجه الأوّل.

لا يكون اختياريا: و التعبير الأيسر: لا يكون مقصودا، فإن اختيارية الفعل تتحقّق بالقصد إليه و إرادته.

558

من عنوانه الواقعي الاستقلالي: أي لا يقصده إلّا بعنوان أنه خمر واقعا و ليس بعنوان معلوم الخمرية الذي هو عنوان طارئ آلي.

و لا يكاد تكون صفة: أي و من الواضح أنه لا تكون صفة- أيّ صفة كانت- موجبة لتغيير الحسن و القبح و المحبوبية .. إلّا إذا كانت مقصودة.

إذا لم يكن الفعل كذلك: أي إذا لم يكن شرب معلوم الخمرية اختياريا- أي مقصودا- فلا وجه لعقاب المتجرّي.

و العزم على الطغيان: العزم و القصد شي‏ء واحد.

من تبعة العقوبة: الإضافة بيانية، أي تبعة هي العقوبة.

خلاصة البحث:

إن الفعل المتجرى به أو المنقاد به باق على ما هو عليه من الحسن و القبح و ... لوجهين: أن القطع ليس من العناوين المغيّرة بالوجدان، و أن وصف معلوم الخمرية و نحوه ليس مقصودا للشخص كي يكون مغيّرا.

و العقاب هو على القصد، و ليس على الفعل المعلوم بالعلم الخاطئ، و القصد و إن كان من مقدمات الاختيار و لكنه اختياري لإمكان أن يفكّر الشخص في النتائج الوخيمة التي تترتّب على قصده فيحجم عنه.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و هل الفعل المتجرئ به أو المنقاد به باق على ما هو عليه من الحسن أو القبح و الوجوب أو الحرمة واقعا؟ نعم بلا حدوث تفاوت فيه بسبب تعلّق القطع الخاطئ، ضرورة عدم تغيّر الفعل عمّا هو عليه من المبغوضية و المحبوبية للمولى بسبب القطع، فقتل ابن المولى مثلا مبغوض و لو اعتقد العبد بأنه عدوه، و قتل عدوه محبوب و لو قطع بأنه ابنه.

559

هذا مع أن القاطع لا يقصد الفعل إلّا بما هو عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي دون عنوانه الطارئ الآلي، بل لا يكون غالبا بالعنوان المذكور ملتفتا إليه، و من الواضح أن أيّ صفة لا تكون موجبة للتغيير إلّا إذا كانت مقصودة.

إن قلت: إذا لم يكن الفعل كذلك فكيف يعاقب المتجرئ؟

قلت: يعاقب على قصده و ليس على الفعل الصادر منه بهذا العنوان بلا قصد.

إن قلت: إن القصد هو من مبادئ الاختيار، و هي ليست اختيارية و إلّا لتسلسل.

قلت: إن الاختيار و إن لم يكن بالاختيار إلّا أن بعض مبادئه غالبا يتحقّق بنحو الاختيار للتمكّن من عدمه بالتأمل فيما يترتّب على العزم من العقاب و اللوم.

***

560

قوله (قدّس سرّه):

«يمكن أن يقال: إن حسن المؤاخذة ...، إلى قوله: و لا يخفى أن في الآيات و الروايات ...».

(1)

الجواب الثاني عن إشكال استحقاق العقاب:

2- إنه يمكن أن ندعي أن العقاب ليس هو على القصد بل هو من اللوازم الذاتية للبعد عن ساحة المولى عزّ و جلّ، و ذلك البعد ناشئ من قصد المعصية، و القصد المذكور ناشئ من سوء السريرة، و سوء السريرة ناشئ من الشقاوة الذاتية، و الشقاوة المذكورة أمر ذاتي لذات الشخص، و هي من لوازمه الذاتية التي تتحقّق بتحقّق الذات بلا جعل جاعل، و معه لا معنى لأن يسأل و يقال: لما ذا صار هذا شقيا في ذاته و ذاك سعيدا في ذاته؟ إذ سعادة هذا و شقاوة ذاك ليست مجعولة من قبل اللّه سبحانه حتّى يقال: لم جعلت السعادة لهذا و الشقاوة لذاك، فإن اللّه سبحانه خلق ذات يزيد و معاوية مثلا و لم يخلق شقاوتهما، و هذا كما هو الحال في الزوجية للأربعة، فإن اللّه يخلق ذات الأربعة و لا يخلق الزوجية لها، و من هنا اشتهر أن الذاتي لا يعلّل، أي هو لا يحتاج إلى علة غير العلة الموجدة لنفس الذات.

ثمّ إنه بهذا قد اتضح مطلب آخر، و هو أنه لا معنى للسؤال: لم اختار العاصي العصيان، و المطيع الإطاعة؟ إنه لا معنى له بعد ما اتضح أن العصيان‏

____________

(1) الدرس 247: (22/ ذي القعدة/ 1426 ه).

561

و الإطاعة هما من اللوازم الذاتية لذات العاصي و ذات المطيع، و السؤال المذكور شبيه بسؤال لم صار الإنسان إنسانا أو ناطقا و صارت الأربعة زوجا.

و بالجملة: العقاب هو من اللوازم الذاتية للبعد عن المولى سبحانه، و ليس من باب الاستحقاق نظير الشخص الذي يبذر في الأرض بذورا رديئة، فإن الثمر يخرج رديئا أيضا، و لا معنى للسؤال: لم صار الثمر رديئا بعد ما كانت رداءة الثمر من اللوازم الذاتية لرداءة البذر. (1)

____________

(1) هذا الجواب قد أشار (قدّس سرّه) إلى مضمونه في الجزء الأوّل من الكفاية في مبحث الطلب و الإرادة. نعم هناك ذكر هكذا: إنّ العقاب هو من اللوازم الذاتية للكفر الناشئ من الاختيار الناشئ من الشقاوة الذاتية التي هي لازمة للذات بلا حاجة إلى جعل، و هنا قد جعل العقاب من اللوازم الذاتية للبعد الناشئ من قصد المعصية الناشئ عن سوء السريرة الناشئ عن الشقاوة الذاتية التي هي من اللوازم الذاتية للذات.

و يمكن أن نعلّق على ما أفاده بما يلي:

1- إن الجواب الأوّل يتنافى مع الجواب الثاني، ففي الأوّل ذكر أن العقاب الذي يستحقّه المتجرئ هو على القصد، بينما في هذا الجواب جعل العقاب على البعد و من لوازمه الذاتية.

و أيضا التزم (قدّس سرّه) في الجواب الأوّل بأن العقاب هو من باب الاستحقاق، فالمتجري يستحقّ العقاب، و من هنا وقع في إشكال، و هو أن القصد إذا لم يكن اختياريا فالعقاب على ما ذا؟ بينما هنا التزم بأن العقاب ليس هو من باب الاستحقاق بل هو من باب اللازم الذاتي الذي لا ينفكّ، كالثمر الردي‏ء، فإنه لازم ذاتي للبذر الردي‏ء. و ربما يمكن أن نعدّ هذا نحو تناف بين الجوابين.

2- إن خالق الذات خالق للوازمها الذاتية أيضا، فخالق الأربعة خالق لزوجيتها، و هذا يعني أن الأمر الذاتي هو ذو علة إلّا أن علته هي نفس العلة الموجدة للذات و لا يحتاج إلى علة أخرى، و هذا هو معنى الذاتي لا يعلّل، فإنه ليس المقصود أن الأمر الذاتي لا يحتاج إلى علة رأسا و إنما لا يحتاج إلى علة مغايرة للعلة الموجدة للذات.-

562

ثمّ ذكر بعد ذلك إشكالا قد يرد عليه و قال:

إن قلت: إنه بناء على هذا يكون إرسال الأنبياء لغوا، إذ من كان شقيا في ذاته يبقى كذلك إلى الأبد، و من كان سعيدا في ذاته يبقى كذلك إلى الأبد، و لا وجه لإرسال الرسل آنذاك.

قلت: إن في ذلك فائدتين:

1- إن المهتدي في ذاته سوف يزداد هدى بسبب الأنبياء، كما قال تعالى: وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ.

2- قطع العذر على العاصي، بمعنى أن لا تكون له الحجة على اللّه سبحانه و أنه لو كنت قد أرسلت إليّ رسولا لآمنت و صرت إنسانا صالحا، بل على العكس تصير الحجة البالغة له سبحانه.

توضيح المتن:

تبعة بعده: أي لوازم بعده.

بتجرّيه عليه: أي بسبب تجرّيه عليه، يعني أن العقاب هو من لوازم البعد الناشئ من التجري، و الضمير في (عليه) يرجع إلى سيده.

____________

- و بناء على هذا يكون الإشكال باقيا، إذ مثل يزيد و معاوية يبقى يتساءل قائلا: لم أوجدت يا ربي شقاوتي الذاتية، فإنك بإيجادي قد أوجدت شقاوتي الذاتية.

3- إن الآيات الكريمة واضحة في أن العقاب هو من باب الاستحقاق‏ لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ‏ (البقرة: 286) و ليس من باب اللوازم الذاتية التي لا معنى للاستحقاق فيها.

4- إن لازم ما ذكره بطلان فكرة الشفاعة و التوبة و المغفرة و العفو، لأن الأمر الذاتي لا يمكن زواله بمثل ما ذكر، فيلزم عدم إمكان زوال العقاب بالشفاعة و نحوها.

563

كما كان ...: أي كما هو الحال في العصيان، فإن العقاب فيه هو من لوازم البعد أيضا.

ثمّ إن الضمير في (كان) يرجع إلى حسن العقوبة، و الضمير في (تبعته) يرجع إلى البعد، أي كما كان حسن العقوبة من لوازم البعد الناشئ من العصيان.

في صورة المصادفة: فإنّ العصيان لا يكون إلّا في حالة إصابة القطع للواقع.

فكما أنه يوجب ...: أي فكما أن التجرّي يوجب البعد عن سيده كذلك يوجب حسن العقوبة، و المقصود أنه يوجب حسن العقوبة بالواسطة، فإن التجرّي لا يوجب بالمباشرة حسن العقوبة بل بواسطة البعد، فالعقاب هو من لوازم البعد الناشئ من التجرّي.

فإنه و إن لم يكن باختياره: أي فإن التجرّي- قصد المعصية- و إن لم يكن حاصلا من الشخص باختياره إلّا أنه مسبّب عن سوء سريرته و خبث باطنه.

بحسب نقصانه: أي و سوء السريرة ناشئ من النقصان الذاتي و نقصان استعداد الشخص في حدّ ذاته، أي هو ناشئ من الشقاوة الذاتية.

ذاتا و إمكانا: لا يبعد أن يكون العطف بينهما تفسيريا، و لكنه غريب، فإن كلمة إمكانا لا يعهد استعمالها بمعنى ذاتا.

و إذا انتهى الأمر إليه: أي إلى الأمر الذاتي، و هو الشقاوة الذاتية.

ضروري الثبوت: المناسب: ضرورية الثبوت.

و تفاوتها في ذلك: أي في القرب و البعد ناشئ من أمر ذاتي، و هو الشقاوة الذاتية و السعادة الذاتية.

564

إن قلت: على هذا ...: أي إذا كان الكفر و الإيمان و الإطاعة و العصيان منتهية إلى ما لا بالاختيار فلا فائدة في بعث الرسل.

فذكّر فإن ...: الصحيح: و ذكّر فإن ...

خلاصة البحث:

إن العقاب هو من اللوازم الذاتية للبعد الناشئ من التجرّي الناشئ من خبث الباطن الناشئ من الشقاوة الذاتية.

و إرسال الرسل هو لأجل فائدتين.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

هذا مضافا إلى إمكان أن يقال: إن العقاب هو من لوازم البعد عن اللّه سبحانه الناشئ من التجرّي الناشئ من سوء السريرة الناشئ من الشقاوة الذاتية. و بذلك ينقطع السؤال بلم، فإن الذاتيات ضرورية الثبوت للذات.

و بذلك أيضا ينقطع السؤال: لم اختار الكافر الكفر، و العاصي العصيان، فإنه يساوق السؤال: لم صار الحمار ناهقا و الإنسان ناطقا.

إن قلت: على هذا لا فائدة في بعث الرسل.

قلت: لينتفع به من حسنت سريرته بزيادة الهدى‏ وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ، و ليكون حجة على من ساءت سريرته كيلا يكون للناس على اللّه حجة بل كانت له الحجة البالغة.

***

565

قوله (قدّس سرّه):

«و لا يخفى أن في الآيات و الروايات ...، إلى قوله: الأمر الثالث: إنه قد عرفت ...».

(1)

[أن الدليل على استحقاق المتجرّي للعقاب يكون الوجدان و] الآيات و الروايات:

ذكرنا فيما سبق أن الدليل على استحقاق المتجرّي للعقاب هو الوجدان، و الآن نذكر دليلا آخر، و هو الآيات الكريمة و الروايات الشريفة، فإنها تدل على ذلك أيضا، من قبيل قوله تعالى: وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، (2) و من قبيل تعليل خلود أهل النار بعزمهم على البقاء على العصيان لو خلّدوا في الدنيا. (3)

و عليه فالدليل على استحقاق المتجرّي للعقاب أمران: الوجدان، و النصوص.

دليل السبزواري: [لإثبات استحقاق المتجري للعقاب‏]

هذا و قد حاول المحقق السبزواري صاحب الذخيرة التمسك بوجه آخر- هو أقرب إلى البرهان- لإثبات استحقاق المتجرّي للعقاب، و حاصل ما أفاده: إن المتجرّي إذا لم يستحقّ العقاب فيلزم من ذلك إناطة العقوبة بأمر غير اختياري، و هو باطل.

____________

(1) الدرس 248: (23/ ذي القعدة/ 1426 ه).

(2) البقرة: 284.

(3) وسائل الشيعة 1: 50/ الباب 6 من أبواب مقدمة العبادات/ الحديث 4.

566

أما كيف يلزم ذلك؟ إنه يتضح لو افترضنا وجود شخصين، لكل واحد منهما اناء فيه سائل، و نفترض أن كل واحد منهما قد قطع بكون السائل خمرا، و بعد التناول اتضح كون السائل الأوّل خمرا بينما الثاني اتضح كونه ماء، و في مثل هذه الفرضية يدّعي السبزواري أن المناسب هو استحقاق كل واحد منهما للعقاب، إذ لو كان الأوّل هو المستحق للعقاب دون الثاني يلزم اناطة العقاب بالمصادفة و عدمها، فذاك يعاقب لأن قطعه قد صادف الواقع، و الآخر لا يعاقب لأن قطعه لم يصادف الواقع، و حيث إن هذا باطل فيتعيّن استحقاق كل منهما للعقاب.

و أجاب المصنف عن ذلك بجوابين:

1- إن الدليل المذكور لا حاجة إليه بعد دلالة الوجدان و النصوص، إذ بعد ثبوت الاستحقاق بالوجدان- الذي هو أمر بديهي- و بالنصوص لا تعود حاجة إلى التمسك بالبرهان، نظير ما إذا فرض أن الوقت الآن كان نهارا لقضاء الوجدان بذلك فهل تعود حاجة إلى التمسك بالبرهان لإثبات النهارية؟ إنه لغو، إذ ما ثبت بالوجدان لا معنى لإثباته بالبرهان.

2- إنه يمكن الحكم باستحقاق العاصي للعقوبة دون المتجرّي من دون لزوم محذور.

أما استحقاق العاصي- أعني الأوّل الذي صادف قطعه الواقع- فباعتبار أنه قد تناول الخمر عن قصد و إرادة، فهو قد خالف عن قصد فيكون استحقاقه للعقوبة وجيها دون أيّ محذور.

و أما عدم استحقاق المتجرّي- أعني الثاني الذي لم يصادف قطعه الواقع- فباعتبار أنه يراد رفع العقاب عنه، و لا يراد إثباته عليه، و من الواضح أن رفع العقاب أمر مقبول و وجيه حتّى و لو فرض كون السبب‏

567

ليس اختياريا، إذ المفروض أنه يراد رفع العقاب لا إثباته، و رفعه لأجل أمر غير اختياري شي‏ء مقبول.

بل نتمكن أن نفترض في بعض الحالات كون الفعل في حدّ نفسه أمرا غير اختياري لا أن السبب غير اختياري فقط، و الفرق بين المطلبين واضح، أي بين كون أصل الفعل ليس باختياري و بين كون السبب ليس باختياري، فيرتفع العقاب من باب أن لا فعل اختياري رأسا.

أما كيف نتصوّر أن أصل الفعل ليس باختياري؟ يتصوّر ذلك في حالة الشبهة الموضوعية دون الشبهة الحكمية.

مثال الشبهة الموضوعية: ما إذا قطع بكون هذا السائل خمرا، ثمّ تناوله الشخص و اتضح أنه ماء فهنا لا يكون شرب الخمر اختياريّا لفرض عدم تحقّقه، و لا شرب الماء اختياريّا لعدم قصده، فما قصد لم يقع، و ما وقع لم يقصد.

و مثال الشبهة الحكمية: ما إذا قطع بكون العصير العنبي حلالا إذا غلى بالنار فتناوله ثمّ اتضح أنه محرّم فهنا يكون الفعل- و هو تناول العصير العنبي- صادرا عن اختيار، لأنه قصد تناول العصير و قد اتضح تحقّقه، فما قصد وقع، و ما وقع قد قصد.

ثمّ ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك ما حاصله: أنه قد اتضح بهذا بطلان دليل السبزواري، و يترتّب على هذا أنه لأجل إثبات استحقاق المتجرّي للعقاب لا بدّ من سلوك طريق آخر غير البرهان المذكور، أي لا بدّ من إثبات أن قصد المعصية و التجرّي هو بنفسه موجب لاستحقاق العقوبة كنفس المعصية الحقيقية، أي لا بدّ من إثبات أن قصد شرب الخمر كفعل شرب الخمر خارجا هو موجب لاستحقاق العقوبة، و لا طريق لإثبات ذلك إلّا ما أشرنا إليه، و هو الوجدان و النصوص، و إلّا فالبرهان المذكور لا ينفع لإثبات الاستحقاق.

568

رأي صاحب الفصول:

ثمّ إن المكلف لو فرض أنه قطع بكون هذا السائل خمرا و مدّ إليه يده و تناوله و اتضح بعد ذلك أنه خمر واقعا فهل يستحقّ عقابا واحدا أو عقابين؟ ربما يقال: إنه يستحقّ عقابين، عقابا على قصد ارتكاب شرب الخمر و عقابا على ارتكاب نفس الخمر. و قد اختار صاحب الفصول أنه يستحقّ عقابين و لكنهما يتداخلان و تثبت بذلك عقوبة واحدة في حقه.

و ردّ المصنف عليه بما حاصله: أنه لم يتحقّق سببان لاستحقاق العقاب بل المتحقّق هو سبب واحد، فإنّ الموجب لاستحقاق العقاب هو هتك المولى، و من الواضح أنه في الحالة المذكورة لم يتحقّق هتكان للمولى بل المتحقّق هو هتك واحد.

ثمّ إنه لو تنزّلنا و قلنا: إنه قد تحقّق هتكان فيلزم ثبوت عقابين و لا معنى لتداخل السببين.

و بكلمة أخرى: إن سبب استحقاق العقاب إذا فرض تعدده فلا موجب للتداخل، و إذا فرض عدم تعدده فلا معنى للتداخل في حد نفسه بعد فرض وحدة سبب الاستحقاق.

و الظاهر أن الذي دعا صاحب الفصول إلى أن يصير إلى فكرة التداخل هو أنه في مورد المعصية الحقيقية يشعر بالوجدان بعدم الموجب لثبوت عقابين، و أيضا الضرورة قاضية بأن العاصي يستحقّ عقابا واحدا، و هذا الوجدان المنضمّ إلى الضرورة و الأخبار صار سببا إلى أن يصير إلى فكرة التداخل، و الحال أن من المناسب أن يصير هذا الوجدان المنضم إلى ما ذكر سببا للانطلاق إلى وحدة سبب الاستحقاق لا للانطلاق إلى تداخل السبب، فإن وحدة المسبّب تدل على وحدة السبب و لا تدل على تداخل السبب.

569

توضيح المتن:

ما حكم به الوجدان: أي و هو استحقاق المتجرّي للعقاب.

الحاكم على الإطلاق: أي الحاكم الوحيد، فإن الحاكم الوحيد في باب استحقاق العقاب أو الثواب هو الوجدان لا غير.

و معه لا حاجة: هذا هو الرد الأوّل على ما استدل به السبزواري، فالعبارة المذكورة يراد بها الشروع في ردّ السبزواري، و هي بنفسها تشير إلى الرد الأوّل.

إنه لولاه: أي لو لا استحقاق المتجرّي. و قوله: له يرجع إلى العقاب، أي إذا لم نقل باستحقاق المتجرّي و قلنا باستحقاق العاصي للعقاب فيلزم اناطة العقاب بالمصادفة.

مع بطلانه و فساده: أي و هو واضح البطلان و الفساد.

إذ للخصم أن يقول ...: هذا إشارة إلى الردّ الثاني. و المناسب الواو بدل إذ، فإن هذا ليس توجيها لعدم الحاجة بل هو إفادة لردّ جديد.

بأن استحقاق العاصي دونه: أي دون المتجرّي. و قوله: فيه يعني في العاصي. و قوله: و عدم تحقّقه فيه يعني في المتجرّي.

بل عدم صدور فعل منه: أي إن عدم العقاب في حقّ المتجرّي هو لعدم تحقّق المخالفة منه و لو من دون اختيار بل و أحيانا لا يتحقّق منه فعل اختياري رأسا، كما هو الحال في الشبهات الموضوعية.

في بعض أفراده: أي في بعض أفراد التجرّي.

بارتكاب ما قطع أنه من مصاديق الحرام: أي و لم يكن حراما في الواقع.

570

فيحتاج إلى إثبات: هذا تفريع على بطلان دليل السبزواري، أي لمّا بطل دليل السبزواري فسوف يكون- السبزواري- بحاجة لإثبات العقاب للمتجرّي إلى إثبات أن المخالفة الاعتقادية هي كالواقعية كما أثبتنا ذلك من خلال الوجدان و النصوص.

و على هذا فقوله: المخالفة الاعتقادية يعني القصد و التجرّي، و قوله: سبب، أي لاستحقاق العقاب، و قوله: كالواقعية الاختيارية أي المعصية الحقيقية، و قوله: كما عرفت أي من الوجدان و النصوص.

ثمّ لا يذهب عليك ...: هذا شروع في الرد على صاحب الفصول.

كما توهم: و المتوهم صاحب الفصول.

مع ضرورة أن المعصية: أي لا وجه لاستحقاق عقابين بعد وضوح أن المعصية ما دامت واحدة فهي لا توجب إلّا عقوبة واحدة.

و لا منشأ لتوهمه: أي لتوهم التداخل. و المقصود لا منشأ لتوهم التداخل إلّا الشعور بالوجدان بأن المعصية بعد ما كانت واحدة- حيث لم يعص إلّا بشرب الخمر- فالعقوبة يلزم بأن تكون واحدة و غفل عن أن المناسب الانطلاق من وحدة العقوبة إلى وحدة السبب لا تداخله.

خلاصة البحث:

يمكن أن يستدل على استحقاق المتجرّي للعقاب بالنصوص مضافا إلى الوجدان.

و دليل السبزواري مردود بوجهين.

و المعصية الحقيقية لا تثبت فيها إلّا عقوبة واحدة بلا حاجة إلى فكرة التداخل خلافا لصاحب الفصول.

571

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

ثمّ إن في الآيات و الروايات شهادة على دعم الوجدان المتقدّم.

و أما ما استدل به على الاستحقاق من أنه لولاه تلزم اناطة العقاب بالمصادفة التي هي خارجة عن الاختيار فمدفوع بعدم الحاجة إليه بعد ما تقدّم، مضافا إلى إمكان الالتزام باستحقاق العاصي لكونه قد خالف عمدا، و عدم استحقاق المتجرّي لعدم تحقّق المخالفة منه و لو بلا اختيار، بل لم يصدر منه فعل اختياري في بعض الموارد، كالتجرّي بارتكاب ما قطع أنه من مصاديق الحرام خطأ، كالقطع بأن مائعا خمر و هو ليس كذلك، و على هذا تبقى الحاجة إلى إثبات أن التجرّي بنفسه سبب للاستحقاق بالبيان المتقدّم.

ثمّ إنه لا يوجد في المعصية الحقيقية إلّا سبب واحد لاستحقاق العقوبة، و هو هتك واحد، و لا وجه لتوهم استحقاق عقابين متداخلين بعد وضوح أن المعصية الواحدة لا توجب إلّا عقوبة واحدة، و على تقدير التنزّل و التسليم باستحقاق عقابين فلا وجه لتداخلهما.

و لا منشأ لتوهم التداخل إلّا بداهة أن المعصية لمّا كانت واحدة فالعقوبة يلزم أن تكون واحدة أيضا و غفل عن جعل وحدة المسبّب كاشفة عن وحدة السبب.

***

572

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر الثالث: إنه قد عرفت أن القطع ...، إلى قوله: و منه قد انقدح ...».

(1)

الأمر الثالث: أقسام القطع:

هذا الأمر يتكفل البحث عن أقسام القطع. و حاصله: أن القطع تارة لا يكون مأخوذا في موضوع الحكم، و أخرى يكون مأخوذا فيه.

مثال الأوّل: البول نجس، فإن النجاسة ثابتة لذات البول من دون مدخلية للعلم في ذلك، فليس النجس هو البول الذي يعلم بكونه بولا بل ذات البول، و دور القطع دور الطريق لإحراز البولية و دور المنجّز أو المعذّر، فقبل العلم تكون النجاسة ثابتة واقعا، غايته بلا تنجيز.

و مثال الثاني: جواز الشهادة، فإن موضوعه هو القطع، فمن قطع بالشي‏ء تجوز له الشهادة آنذاك، و قبل ذلك لا تجوز له الشهادة.

و يصطلح على الأوّل بالقطع الطريقي، و على الثاني بالقطع الموضوعي.

و دور الثاني دور المثبت، أي يثبت به الحكم، فقبل القطع لا يكون الحكم ثابتا واقعا و يثبت بسبب القطع، و هذا بخلافه في الأوّل، فإن دور القطع ليس دور المثبت- إذ الحكم ثابت واقعا بقطع النظر عن القطع و إنما دوره دور المنجز و المعذر.

____________

(1) الدرس 249: (24/ ذي القعدة/ 1426 ه).

573

و كلامنا فيما سبق إلى الآن ناظر بأجمعه إلى القطع الطريقي، و قد اتضح أنه منجّز و معذّر، و الدليل على ذلك حسبما ذكرنا هو الوجدان القاضي بأن الحجية هي من اللوازم الذاتية للقطع.

و الآن نريد التحدّث عن القطع الموضوعي. و قبل أن ندخل في صميم البحث نشير إلى هذه الملاحظة، و هي أن القطع تارة يؤخذ في موضوع نفس الحكم، و أخرى في موضوع مثله، و ثالثة في ضده، و رابعة في موضوع الحكم المخالف له الذي لا يكون ضده و لا مثله.

مثال الأوّل: إن قطعت بوجوب صلاة الجمعة ثبت نفس الوجوب الذي قطعت به.

و مثال الثاني: إن قطعت بوجوب صلاة الجمعة ثبت عليك مثل الحكم الذي قطعت به، أي حكم آخر مماثل للحكم المقطوع لا أنه يثبت عليك نفس الحكم المقطوع.

و مثال الثالث: إن قطعت بوجوب صلاة الجمعة ثبتت عليك حرمتها.

و مثال الرابع: إن قطعت بوجوب صلاة الجمعة وجب عليك التصدّق بدرهم مثلا، فإن وجوب التصدق ليس ضدا و لا مثلا و لا نفس وجوب صلاة الجمعة بل هو حكم آخر مخالف له.

و محل كلامنا الآن هو الرابع، أي ما إذا كان القطع قد أخذ في موضوع الحكم المخالف، و أما الأنحاء الثلاثة الأولى فيأتي الحديث عنها إن شاء اللّه تعالى في الأمر الرابع.

و بعد هذا ندخل في صميم البحث و نقول: إن القطع المأخوذ في موضوع الحكم تارة يفترض أخذه تمام الموضوع، أي من دون مدخلية للواقع، فالقطع و إن كان مخطئا هو تمام الموضوع للحكم من دون أن‏

574

يتركّب من جزءين: القطع و الواقع، فليس القطع جزء و الواقع جزء ثانيا، بل تمام الموضوع هو القطع.

هذا نحو من أنحاء القطع الموضوعي.

و أخرى يفترض أخذ القطع بنحو جزء الموضوع، و يكون الجزء الثاني هو الواقع. و هذا معناه أن المأخوذ في الموضوع هو القطع المصيب للواقع لا القطع و إن كان مخطئا.

إذن موضوع الحكم في الحالة الأولى شي‏ء واحد، و هو القطع لا غير، بينما في الحالة الثانية هو شيئان: القطع+ الواقع.

ثمّ إنه بعد اتضاح هذا نقول: إن القطع تارة يكون مأخوذا في الموضوع بنحو الصفتيّة، و أخرى يكون مأخوذا بنحو الطريقية، لأن القطع يشتمل على خصوصيات متعدّدة نشير إلى اثنتين منها:

1- كونه صفة نفسانية كسائر الصفات النفسية، فكما أن الظن و الشكّ و الخوف و الشجاعة و ... هي صفات نفسية كذلك القطع هو صفة نفسانية يشعر معها القاطع بعدم التحيّر و التذبذب، و ربما يصح التعبير عنها بصفة الجزم بنحو (100%).

2- كونه كاشفا و طريقا إلى الواقع بحيث يرى الشخص من خلاله الواقع و كأنّه أمامه، و من هنا قيل: العلم نور في نفسه و نور لغيره، فهو نور في حدّ نفسه و نور يرى به الواقع.

و بتجلي هاتين الخصوصيتين نقول: إن القطع المأخوذ في موضوع الحكم تارة يكون مأخوذا بنحو الطريقية و قطع النظر عن جنبة كونه صفة نفسانية، و أخرى يكون مأخوذا فيه بنحو الصفتية- و لكن إما بما

575

هو صفة للقاطع و إما بما هو صفة للشي‏ء المقطوع- (1) و قطع النظر عن خصوصية كاشفيته.

و على هذا الأساس تصير أقسام القطع الموضوعي أربعة، و إذا ضمت إلى القطع الطريقي المحض صارت خمسة.

و الأقسام الأربعة للقطع الموضوعي هي:

1- القطع الصفتي بنحو تمام الموضوع.

2- القطع الصفتي بنحو جزء الموضوع.

3- القطع الطريقي بنحو تمام الموضوع.

4- القطع الطريقي بنحو جزء الموضوع.

و نلفت النظر إلى أن المراد من كون القطع مأخوذا في الموضوع هو أخذه بنحو تكون له المدخلية في ثبوت الحكم، و أما إذا أخذ في الموضوع على مستوى لسان الدليل من دون أن تكون له المدخلية في ثبوت الحكم فليس مثله قطعا موضوعيا بل هو طريقي محض. (2)

____________

(1) الصحيح أن القطع لا يكون صفة للشي‏ء المقطوع بل هو دائما صفة للقاطع، و إذا كنّا نجعله صفة للشي‏ء المقطوع فهو مبني على التسامح و المجاز نظير قولنا: زيد أبوه قائم، فإن القيام حقيقة وصف للأب و ليس لزيد، و وصف زيد بأن أباه قائم مبني على التسامح.

(2) نلفت النظر إلى مطلبين:

1- إن تقسيم القطع إلى الأقسام المذكورة قد لا تكون له أمثلة فقهية واقعية و إنما هو أقرب إلى النظري منه إلى العملي الواقعي، و هذه قضية يجدر الالتفات إليها.

2- ربما يمكن أن يقال: إن القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقية لا يمكن أخذه بنحو تمام الموضوع، إذ معنى كونه تمام الموضوع أنه لا دخل للواقع في الحكم أصلا بل الحكم مترتّب على نفس القطع و لو كان مخالفا للواقع، و معنى كونه مأخوذا بنحو الطريقية أن للواقع دخلا في الحكم و أخذ القطع طريقا إليه فيكون الجمع بينهما جمعا بين المتنافيين.

576

و باتّضاح هذه الأقسام ندخل في صلب الموضوع و المقصود الأصلي و نقول: إنه إذا دلّ دليل على حجية الأمارة و قال: خبر الثقة حجة أو يلزم الأخذ به مثلا فما ذا نستفيد منه؟ فهل نستفيد منه قيام الخبر مقام القطع الطريقي المحض لا أكثر، أو يمكن أن نستفيد منه قيامه مقام بقية أقسام القطع الموضوعي أيضا، أو لا نستفيد منه هذا و لا ذاك؟

و ينبغي أن يكون واضحا أننا نسلّم أنه لو جاء دليل آخر- غير نفس دليل حجية خبر الثقة- و دل على قيام الخبر مقام بقية أقسام القطع فنحكم بذلك و لا اعتراض لنا آنذاك، و إنما الكلام في إمكان استفادة ذلك من نفس دليل الحجية، يعني أنه من دليل حجية خبر الثقة مثلا هل يمكن أن نستفيد قيامه مقام القطع الموضوعي في باب الشهادة؟ فنستند إلى الخبر، و على طبقه نشهد و لو لم يحصل لنا قطع بالشي‏ء المشهود به.

إذن الكلام هو في أنه هل يمكن أن نستفيد من نفس دليل حجية خبر الثقة قيامه مقام القطع الطريقي المحض و قيامه مقام الأقسام الأربعة الأخرى أو لا نستفيد من ذلك شيئا أبدا؟

و في هذا المجال ذكر (قدّس سرّه) أنه نستفيد منه قيام الأمارة مقام القطع الطريقي المحض، إذ لا إشكال في أن الخبر إذا دلّ على شي‏ء تنجّز ذلك الشي‏ء، و بما أن التنجيز و التعذير هما خصوصيتان للقطع الطريقي فثبوت التنجيز و التعذير لخبر الثقة هو عبارة أخرى عن قيامه مقام القطع الطريقي، إذ لا معنى لقيامه مقامه إلّا كون الخبر منجّزا و معذّرا كالقطع.

هذا بالنسبة إلى قيام الأمارة مقام القطع الطريقي المحض.

و أما قيامها مقام القطع الصفتي فلا يستفاد ذلك، أي لا يستفاد من دليل حجية الأمارة قيامها مقام القطع الصفتي في إمكان الاستناد إليه في‏

577

باب الشهادة و نحو ذلك، فأقصى ما يستفاد من الدليل الذي يقول: خذ بخبر الثقة مثلا هو أنه منجّز و معذّر كالقطع الطريقي المحض، و أما أنه يقوم مقام القطع الصفتي في جواز الاستناد إليه في باب الشهادة فلا يستفاد منه، فالمسألة هي مسألة قصور في دلالة الدليل لا أكثر.

و لك أن تقول: كما أنه لا يستفاد من دليل خذ بخبر الثقة قيام خبر الثقة مقام الصفات النفسية الأخرى من الخوف و الشجاعة- طبيعي لو كانت لها أحكام شرعية خاصة بها- كذلك لا يستفاد منه قيامه مقام القطع الصفتي، فإنه صفة نفسانية كبقية الصفات النفسية الأخرى. نعم لو دلّ دليل آخر على ذلك أخذنا به و لكن نريد أن ندعي أن نفس دليل الحجية لا نفهم منه ذلك.

توضيح المتن:

إنه قد عرفت أن القطع ...: هذه المقدمة إلى قوله: من دون أن يؤخذ شرعا في خطاب، لا نرى وجها لذكرها لأنها لا ترتبط بتقسيم القطع إلى الأقسام المذكورة، إذ ما الفائدة في بيان أنه قد عرفت أن المطيع و المنقاد يستحقان الثواب، و العاصي و المتجرّي يستحقان العقاب، بل كان المناسب بيان أنه قد عرفت أن القطع حجة بمعنى أنه منجّز و معذّر، و المقصود القطع الطريقي الذي لم يؤخذ شرعا في خطاب، و قد يؤخذ ...

استحقاق المدح و الثواب: يعني في حق المطيع و المنقاد.

أو الذم و العقاب: يعني في حق العاصي و المتجرّى.

من دون أن يؤخذ ...: أي هذا إذا لم يؤخذ شرعا في خطاب، و يصطلح عليه بالطريقي المحض.

في موضوع حكم آخر: أي لا في موضوع حكم نفسه، فإنه يأتي في الأمر الرابع.

578

يخالف متعلقه ...: أي و أما أخذه فيما يماثله أو يضاده فيأتي في الأمر الرابع.

تارة بنحو ...: أي أن أخذ القطع في الحكم المخالف تارة يكون بنحو ...

جزءه و قيده: الظاهر أن العطف تفسيري.

القطع به: أي بالوجوب.

في خصوص ما أصاب: أي في خصوص حالة الإصابة.

و آخر بما ...: أي و طورا آخر.

أو المقطوع به: عرفت أن القطع صفة للقاطع و ليس للمقطوع به، و إذا وصف به فهو بنحو المسامحة.

أن يؤخذ فيه: أي في موضوع الحكم.

و حالة مخصوصة: عطف تفسير.

أو اعتبار خصوصية أخرى فيه: ككونه حاصلا من سبب معيّن. و ضمير (فيه) يرجع إلى الموضوع، و ضمير (معها) يرجع إلى الصفة الخاصة.

مضافا إلى ما هو طريق محض عقلا: أي فتكون الأقسام خمسة.

ثمّ لا ريب في قيام الطرق و الأمارات: ذكر الأقسام كان مقدمة لهذا البحث، فمن الآن يتحقّق الدخول في صميم البحث.

ثمّ إن البحث تارة يقع عن الأمارات و أخرى عن الأصول، و البحث الآن هو عن الأمارات، و سيأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى البحث عن الأصول بقوله: و أما الأصول فلا معنى لقيامها ...

ثمّ إن عطف الأمارات على الطرق تفسيري فإن المقصود منهما شي‏ء واحد، و لكن ربما تستعمل كلمة الطرق في خصوص باب الأحكام، و الأمارات في خصوص باب الموضوعات.

579

بدليل حجيتها و اعتبارها: كما لو فرض أنه يقول: الأمارة كالقطع أو نحو ذلك.

مقام هذا القسم: أي الطريقي المحض.

على نحو الصفتية: سواء أ كان بنحو تمام الموضوع أم جزئه.

ترتيب ما للقطع بما هو حجة: أي إن المستفاد من دليل الحجية هذا المقدار لا أكثر.

ثمّ إن آثار القطع بما هو حجة هي عبارة عن المنجزيّة و المعذريّة، و أما آثاره بما هو صفة فهو مثل وجوب التصدّق أو جواز الشهادة.

خلاصة البحث:

القطع الموضوعي ينقسم إلى أربعة أقسام، فإذا ضمت إلى القطع الطريقي المحض صارت خمسة. و دليل حجية الأمارة يدل على قيامها مقام القطع الطريقي المحض بلحاظ المنجزيّة و المعذريّة، و أما قيامها مقام القطع الصفتي فلا يستفاد ذلك منه بل لا بدّ و أن يدل عليه دليل آخر.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

الأمر الثالث: أقسام القطع:

قد عرفت أن القطع يوجب استحقاق المدح و الثواب أو الذم و العقاب. هذا إذا لم يؤخذ في موضوع حكم، و قد يؤخذ، كما لو ورد إذا قطعت بوجوب شي‏ء يجب عليك التصدق بكذا، تارة بنحو تمام الموضوع- بأن يكون القطع و لو مخطئا موجبا لذلك- و أخرى بنحو جزءه، بأن يكون القطع المصيب موجبا لذلك.

580

و في كل منهما تارة يؤخذ بنحو الكاشفية عن متعلّقه، و أخرى بما هو صفة للقاطع أو المقطوع به، فإنه لمّا كان من الصفات الحقيقية ذات الإضافة- و لذا كان العلم نورا في نفسه و نورا لغيره- فيمكن أن يؤخذ بما هو صفة خاصة، كما يمكن أن يؤخذ بما هو كاشف عن متعلّقه فتكون أقسامه أربعة، فإذا أضيفت إلى ما هو طريق محض صارت خمسة.

و لا ريب في قيام الأمارة بدليل حجيتها مقام الطريقي المحض، كما لا ريب في عدم دلالته على قيامها مقام الصفتي بل لا بدّ من دليل آخر- فإن غاية ما يدل عليه ترتيب آثاره بما هو حجة لا بما هو صفة، ضرورة أنه كذلك يكون كسائر الموضوعات و الصفات.

***

581

قوله (قدّس سرّه):

«و منه قد انقدح عدم قيامها ...، إلى قوله: و أما الأصول ...».

(1)

حكم بقية الأقسام:

ذكرنا فيما سبق أن دليل حجية الأمارة- الذي يقول مثلا: خبر الثقة كالقطع- يدل على قيامها مقام القطع الطريقي المحض في إثبات المنجزيّة و المعذريّة و إلّا فما معنى حجيتها و كونها كالقطع، و ذكرنا أيضا أنه لا يستفاد منه قيامها مقام القطع الموضوعي الصفتي، إذ أقصى ما يستفاد منه أن الأمارة هي كالقطع من ناحية التنجيز و التعذير و أما من ناحية الآثار المترتّبة عليه من جهة كونه موضوعا و صفة- كجواز الشهادة أو وجوب التصدق- فلا يستفاد لزوم ترتيبها عليه.

و الآن نريد التعرّض إلى القطع الموضوعي الطريقي و نقول: هل يستفاد من دليل حجية الأمارة قيامها مقامه؟ و الجواب هو الجواب المتقدّم في القطع الموضوعي الصفتي، و نفس النكتة التي ذكرناها هناك تأتي هنا، أي نقول هكذا:

إن القطع الموضوعي الطريقي حيث إنه مأخوذ في الموضوع فيكون موضوعا كسائر الموضوعات، و دليل حجية خبر الثقة مثلا لا يستفاد منه إلّا أن الخبر هو كالقطع من حيث التنجيز و التعذير، و لا يستفاد منه أنه كالقطع الموضوعي‏

____________

(1) الدرس 250: (25/ ذي القعدة/ 1426 ه).

582

الطريقي، أي لا يستفاد منه التنزيل منزلة الموضوعات، فالمسألة إذن هي مسألة القصور في المقتضي، أي في دلالة الدليل.

و إذا قلت: لم لا نتمسك بإطلاق دليل الحجية و نقول: إن مقتضى إطلاق الدليل الدال على حجية خبر الثقة هو أن الخبر يلزم الأخذ به و إلغاء الاحتمال المخالف له و جعله كالقطع من ناحية كونه طريقا محضا أو من ناحية كونه مأخوذا في الموضوع بنحو الصفتية أو الطريقية، فجميع آثار القطع الطريقي و الموضوعي يلزم ترتيبها.

قلت: إن عملية التنزيل تحتاج إلى ملاحظة المنزّل و المنزّل عليه، فإنه من دون ملاحظتهما لا يمكن التنزيل، و إذا كان التنزيل بلحاظ القطع الطريقي المحض فيلزم ملاحظة الأمارة و القطع بنحو الآلية إلى المؤدّى و الواقع، بينما إذا كان التنزيل بلحاظ القطع الموضوعي فيلزم ملاحظتهما بنحو الاستقلالية، و حيث لا يمكن الجمع بين اللحاظين فلا يمكن التمسك بإطلاق الدليل إلّا إذا فرض وجود مفهوم جامع بين التنزيلين، و لكن لا يوجد مثله حتّى يمكن الاستعانة به.

أما لما ذا يلزم اللحاظ الآلي في أحد التنزيلين و اللحاظ الاستقلالي في الآخر؟ ذلك باعتبار أنه إذا كان المقصود التنزيل بلحاظ المنجّزيّة و المعذّريّة فمعناه أن المنظور هو الواقع، فلو دلّ خبر الثقة على أن هذا السائل خمر فيصير المقصود هكذا: إن ما دلت عليه الأمارة- و هو المؤدى، أي مؤدى الأمارة، يعني خمرية هذا السائل- هو بمنزلة الواقع، أي إن الخمرية المدلول عليها بالأمارة هي بمنزلة الخمر الواقعي من ناحية التنجيز، أما إذا كان المقصود التنزيل بلحاظ آثار القطع الموضوعي فلا وجه لملاحظة المؤدى و الواقع بل يكون الملحوظ نفس‏

583

الأمارة بما هي، و نفس القطع بما هو، و من الواضح أن القطع إما أن يلحظ بما هو في نفسه أو يلحظ بما هو مرآة للمقطوع، و لا يمكن الجمع بينهما و إلّا يلزم ملاحظة المقطوع و عدم ملاحظته، و هكذا الحال بالنسبة إلى الأمارة، فإنه إما أن تلحظ في نفسها أو تلحظ بما هي مرآة لمؤداها الذي تدل عليه و لا يمكن الجمع بينهما.

إن قلت: إن هذا وجيه، و لكن لازم هذا صيرورة دليل حجية الأمارة مجملا، إذ لا يدرى ما ذا يراد منه، هل يراد التنزيل فيه باللحاظ الآلي أو التنزيل باللحاظ الاستقلالي؟

قلت: إن التنزيل بلحاظ المنجّزيّة و المعذّريّة- أي باللحاظ الآلي- أمر متيقن، و إنما الشكّ في التّنزيل بالمقدار الزائد، أي بلحاظ آثار القطع الموضوعي، و نتيجة هذا أن تكون الأمارة منجّزة و معذّرة لا أكثر. (1)

____________

(1) يمكن أن نسجّل في هذا المجال بعض الملاحظات:

1- إن ما ذكر يتمّ لو فرض أن دليل حجية الأمارة يدل على التنزيل، و لكن الأمر ليس كذلك، إذ لا يوجد دليل بلسان التنزيل يقول مثلا: خبر الثقة كالقطع، بل غاية ما عندنا هو مثل مفهوم آية النبأ الذي يدل على عدم وجوب التبيّن عند مجي‏ء العادل بالنبإ، فأين التّنزيل إذن؟

ثمّ إنه مع التنزّل و افتراض وجود دليل يدل على التنزيل فيمكن أن ندّعي إمكان استفادة التنزيل بلحاظ جميع أقسام القطع، فهل ترى محذورا في أن يقول المتكلم هكذا: الأمارة كالقطع بلحاظ جميع ما له من آثار؟ إنه لا محذور في ذلك، و هذا معناه أننا نلاحظ الأمارة باللحاظ الاستقلالي، و هكذا القطع نلحظه باللحاظ الاستقلالي و نحكم بلزوم ترتيب جميع آثار القطع على الأمارة من دون حاجة إلى تنزيل مؤدى الأمارة منزلة الواقع، بل إن ذلك باطل، لأنه يلزم منه كون مؤدى الأمارة هو الواقع الذي هو عبارة عن مسلك السببية.-

584

توضيح المتن:

و منه قد انقدح ...: أي من البيان المتقدّم لإثبات عدم قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الصفتي.

أو قيام دليل ...: المناسب الواو بدل أو، كما هو المذكور في متن حاشية الرشتي.

و دخله في الموضوع كدخله: أي دخل ذلك الشي‏ء في الموضوع كدخل القطع.

و توهم كفاية ...: المتوهّم هو الشيخ الأعظم في الرسائل.

الدال على إلغاء احتمال خلافه: أي المخالف لذلك الطريق و الشي‏ء.

يكفي إلّا: المناسب: يفي إلّا ...

و لحاظهما في أحدهما: الواو استينافية.

و في كونه بمنزلته: عطف على في حجيته و تنزيله.

ما بمفهومه ...: الأنسب: نعم لو كان في البين مفهوم جامع بينهما.

و ضمير بينهما يرجع إلى التنزيلين.

و المفروض أنه ليس: كلمة ليس اسم لا فعل ماض ناقص، فإن مصطلح ليس يقابل مصطلح أيس، و هما مصطلحان ربما ينسبان إلى الكندي الفيلسوف المعروف.

____________

2- إن دليل حجية الأمارات عادة ليس دليلا لفظيا كي يتمسك بإطلاقه و إنما هو السيرة التي لا معنى فيها للتمسك بالإطلاق بل يلزم الاقتصار على القدر المتيقن، و هو التنزيل بلحاظ المنجّزيّة و المعذّريّة فقط.

3- إن تقسيم القطع الموضوعي إلى الأقسام الأربعة مجرد افتراضات علمية لا واقع عملي لها، فيصعب علينا تحصيل أمثلة واقعية للأقسام الأربعة.

585

فلا يكون دليلا ...: أي فلا يكون دليل حجية الأمارة.

في صورتي إصابته و خطأه بناء على استحقاق المتجرّي: هذه العبارة بكاملها لا حاجة إلى ذكرها.

ثمّ إن قوله: بناء على استحقاق المتجرّي يرجع إلى صورة خطأ القطع.

لا يقال على هذا: أي بناء على عدم إمكان الجمع بين التنزيلين.

و قوله: لا يكون أي دليل حجية الأمارة.

في كونه دليلا على حجيته: أي على طريقيته. و في التعبير مسامحة واضحة.

فتأمل في المقام فإنه دقيق ...: بل لا حاجة إلى التأمل بعد ما كان البحث أقرب إلى العلمي منه إلى العملي.

و به قوامه: عطف على سابقه.

إلّا مقام ما ليس مأخوذا في الموضوع أصلا: الأنسب: إلّا مقام القطع الطريقي المحض.

خلاصة البحث:

إن دليل حجية الأمارة قاصر عن إفادة تنزيلها منزلة القطع الموضوعي الطريقي، و لا يمكن التمسك بالإطلاق لإثبات عموم التنزيل بعد عدم إمكان الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي، و يلزم الاقتصار على القدر المتيقن، و هو التنزيل باللحاظ الآلي.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

و لهذه النكتة نفسها يتضح عدم قيامها مقام القطع الموضوعي‏

586

الطريقي، فإن القطع بالنحو المذكور هو كسائر ما له دخل في الموضوعات، فلا يقوم مقامه شي‏ء ما لم يقم دليل خاص على ذلك.

و توهم إمكان التمسك بإطلاق دليل الحجية فاسد، فإنه لا بدّ في كل تنزيل من لحاظ المنزّل و المنزّل عليه، و لحاظهما في أحدهما آلي، و في الآخر استقلالي، بداهة أن النظر في التّنزيل منزلة القطع الطريقي هو إلى الواقع و مؤدى الطريق، و في التّنزيل منزلة القطع الموضوعي هو إلى أنفسهما، و لا يمكن الجمع بينهما بعد عدم وجود مفهوم جامع بينهما.

لا يقال: على هذا لا يكون دليل الحجية دليلا على أيّ واحد من التنزيلين بعد عدم القرينة في البين.

فإنه يقال: إن التنزيل باللحاظ الآلي أمر لا ريب فيه، و التنزيل باللحاظ الاستقلالي هو الذي يحتاج إلى القرينة.

***

587

قوله (قدّس سرّه):

«و أما الأصول ...، إلى قوله: الأمر الرابع».

(1)

هل الأصول تقوم مقام القطع؟

الكلام فيما سبق كان ناظرا إلى الأمارات و طرحنا ثلاثة أسئلة بلحاظها هي:

1- هل دليل حجية الأمارة يدل على قيامها مقام القطع الطريقي في التّنجيز و التّعذير؟

2- هل دليل حجية الأمارة يدل على قيامها مقام القطع الموضوعي الصفتي؟

3- هل دليل حجية الأمارة يدل على قيامها مقام القطع الموضوعي الطريقي؟

و أجبنا عن السؤال الأوّل بالإيجاب و قلنا: نعم تقوم الأمارة مقام القطع في التنجيز و التعذير و إلّا لم يكن معنى لحجيتها إن لم تكن منجّزة و معذّرة.

و أجبنا عن السؤال الثاني و الثالث بالنفي و أن دليل حجية الأمارة نستفيد منه أنها منجّزة و معذّرة، و أما أكثر من ذلك فلا.

و الآن نريد التحدّث عن الأصول العملية و نقول: هل دليل حجية الأصل يدل على قيامه مقام القطع في التّنجيز و التّعذير على الأقل؟

____________

(1) الدرس 251- 253: (28، 1 و 2/ ذي القعدة/ 1426 ه).

588

و الجواب: كلا، لا يقوم الأصل مقام القطع في التّنجيز و التّعذير فضلا عن أحكام القطع الموضوعي.

و الوجه في ذلك: إن تنجيز شي‏ء للحكم الواقعي فرع كونه طريقا و كاشفا عنه كي يكون منجّزا له في حالة إصابته له، و عذرا في حالة خطأه، و هذا كما هو الحال في القطع نفسه، فإنه حيث يرى به الحكم الواقعي و ينكشف به فمن الوجيه تنجّزه به، و هكذا الحال بالنسبة إلى خبر الثقة مثلا، فإنه حيث ينكشف به الحكم الواقعي- و لو انكشافا ناقصا فمن الوجيه أيضا تنجّزه به، و هذا بخلافه بالنسبة إلى الأصل العملي، فإنه لا ينكشف به الحكم الواقعي و لو بشكل ناقص، إذ الحكم الواقعي حينما يفترض جهل المكلف به جهلا تاما مع عدم وجود وسيلة لانكشافه و لو انكشافا ناقصا فسوف يعود المكلف في حيرة و لا يدري ما ذا يتّخذ من موقف، فهل يفعل أو يترك؟ إن دور الأصل العملي يأتي في هذه المرحلة فهو يقول للمكلف: إنه ما دام لا طريق لك للتعرّف على الحكم الواقعي فوظيفتك العملية هي أن تحتاط في مقام العمل أو أن تكون مطلق العنان الذي هو عبارة أخرى عن البراءة، فالبراءة و الاحتياط لا يراد بهما تشخيص الحكم الواقعي ليكونا منجزين له أو معذّرين، و إنما دورهما كمشخّص لوظيفة المكلف في مقام العمل بعد جهله بالحكم الواقعي و عدم انكشافه له بأيّ شكل من الأشكال.

و بالجملة الأصول العملية ليس لها دور تشخيص الواقع حتّى تنجّزه أو تعذّر منه و إنما هي وظيفة عملية تشخّص الموقف العملي للمكلف في مقام العمل عند جهله بالحكم الواقعي.

589

نعم يمكن أن نستثني من ذلك الاستصحاب، إما باعتبار أنه امارة كسائر الأمارات أو باعتبار أنه أصل محرز للواقع، فهو يختلف عن بقية الأصول العملية، و له جنبة إحراز للواقع فيمكن باعتبار ذلك أن يكون منجّزا أو معذّرا.

لا يقال: إن مثل أصل الاحتياط حيث إنه صالح للتنجيز فلا محذور في أن يقوم مقام القطع لتنجيز الواقع.

فإنه يقال: إنه إما أن يقصد أصل الاحتياط العقلي أو أصل الاحتياط الشرعي، و كلاهما ليس بصالح للتنجيز.

أما الاحتياط العقلي فباعتبار أن قيام شي‏ء مقام القطع في أثر التنجيز يستدعي وجود أشياء ثلاثة: أصل الاحتياط مثلا، و القطع، و أثر التنجيز الذي يتم بلحاظه التّنزيل، و هذه الثلاثة ليست متوفرة في الاحتياط العقلي، فإن معنى حكم العقل بالاحتياط هو أنه يحكم بالتنجيز و استحقاق العقوبة على المخالفة، و هذا هو نفس الأثر الذي يتحقّق بلحاظه التنزيل، فالعقل يحكم بالتنجيز، و الأثر هو التنجيز أيضا.

إذن أصل الاحتياط العقلي لا يمكن تنزيله منزلة القطع في أثر التنجيز.

و أما الاحتياط الشرعي فالأركان الثلاثة فيه متوفرة، فالأصل الشرعي هو حكم الشرع بلزوم الاحتياط، و الأثر هو التنجيز، و لكن رغم هذا لا نسلّم بفكرة التنزيل، إذ الاحتياط الشرعي في الشبهات البدوية لا نقول بوجوبه، و في الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي لا نقول بوجوب الاحتياط شرعا بل بوجوبه عقلا، أي يلزم الاحتياط عقلا في الشبهات‏

590

المقرونة بالعلم الإجمالي لا شرعا، و قد تقدّم أن الاحتياط العقلي لا يصلح لعملية التّنزيل. (1)

لما ذا لا يتمسك بإطلاق دليل الاستصحاب؟

ثمّ تعرّض بعد ذلك (قدّس سرّه) إلى هذا المطلب، و هو أنه لما ذا لا يتمسك بإطلاق دليل الاستصحاب لإثبات قيامه مقام القطع الطريقي المحض و مقام القطع الموضوعي بأقسامه الأربعة؟

____________

(1) ينبغي الالتفات إلى التعاليق التالية:

1- إن عدم حكمنا بوجوب الاحتياط شرعا في الشبهات البدوية لا يبرّر عدم صلاحية الاحتياط الشرعي للقيام مقام القطع في أثر التنجيز، إذ ما دام يمكن أن يؤدي الدور المذكور فذلك معناه أنه صالح للتنزيل منزلة القطع في أثر التنجيز سواء قلنا نحن بوجوب الاحتياط شرعا في الشبهات البدوية أم لا. و لعلّه إلى ذلك أشار بالأمر بالفهم.

2- إنه عند استعراض الإشكال بقوله: لا يقال، أشار إلى أصل الاحتياط فقط و لم يشر إلى أصل البراءة، و كان من المناسب الإشارة إلى الاثنين معا فيقول هكذا: لا يقال: إن أصل البراءة صالح للتعذير فلما ذا لا يقوم مقام القطع في إثبات أثر المعذّريّة فإنه يقال: إن أصل البراءة العقلي هو نفس حكم العقل بالعذريّة التي هي الأثر لا أنهما شيئان متغايران، و أصل البراءة الشرعي هو عبارة عن الحكم بالعذرّية التي هي الأثر أيضا.

3- إن أصل ذكر الإشكال بلسان لا يقال و الجواب بلسان فإنه يقال ليس وجيها من الأساس بل المناسب عدم ذكره، فإنه قد ذكر (قدّس سرّه) في البداية أن الأصول العملية لا تصلح لتنجيز الحكم الواقعي و التعذير من ناحيته لأنها ليست ناظرة إليه بل هي وظائف عملية، و الآن ما معنى أن يتعرّض إلى الإشكال المذكور و يقول: لا يقال: إن أصل الاحتياط صالح للتّنجيز ثمّ يجيب عنه بما تقدّم، إن هذا تهافت واضح، فإن سلّمنا أنّ الأصل العملي هو مجرد وظيفة عملية فلا معنى للإشكال الذي تعرّض إليه بلسان لا يقال، و إذا لم نسلّم بكونه وظيفة عملية فذلك معناه أن الكلام الأوّل باطل، فالجمع بين الكلامين المذكورين يشتمل على تهافت واضح.

591

و بكلمة أخرى: نحن قد ذكرنا فيما سبق أن الاستصحاب حيث إنه امارة أو أصل محرز فيمكن أن يدّعى أنه يحرز الواقع، و بالتالي يكون بمنزلة القطع الطريقي في إثبات التنجّز، و الآن نسأل: لما ذا لا يتمسك بإطلاق دليل حجية الاستصحاب لإثبات قيامه مقام القطع الطريقي المحض و الموضوعي- بأقسامه الأربعة- معا، لا قيامه مقام خصوص القطع الطريقي المحض؟

و أجاب (قدّس سرّه) بنفس الجواب الذي ذكره في باب الأمارة، و هو أن لازم ذلك الجمع بين اللحاظين الآلي و الاستقلالي معا في استعمال واحد، و هو أمر غير ممكن.

أما كيف يلزم ما ذكر؟ ذلك باعتبار أنه في التنزيل في القطع الطريقي يلزم ملاحظة الشكّ و اليقين- أي في حديث لا تنقض اليقين بالشكّ- بما هما آلة للمشكوك و المتيقن، بينما لو كان التنزيل بلحاظ القطع الموضوعي يلزم ملاحظتهما بما هما مستقلان.

الاقتراح المذكور في حاشية الرسائل:

ثمّ إن للشيخ المصنف (قدّس سرّه) حاشية على الرسائل، و قد ذكر فيها أنه بإمكاننا من خلال لحاظ واحد إثبات قيام الأمارة- و هكذا الاستصحاب- مقام جميع أقسام القطع دون أن يلزم محذور الجمع بين اللحاظين الآلي و الاستقلالي.

و حاصل ذلك: إنه في القطع الموضوعي يكون موضوع الحكم مركبا من جزءين، ففي قولنا: الخمر إن قطعت بخمريته حرام يكون موضوع الحرمة هو الخمر+ القطع بخمريته، و لأجل أن تثبت الحرمة يلزم ثبوت كلا الجزءين، فلا يكفي كون الشي‏ء خمرا في الواقع، كما لا يكفي ثبوت القطع بالخمرية من دون أن يكون السائل خمرا في الواقع،

592

ثمّ نقول بعد ذلك: إن دليل حجية الأمارة- الذي يقول: الأمارة حجة أو كالقطع- يدل بالمطابقة على التنزيل بلحاظ الخمرية التي هي الجزء الأوّل، يعني إذا قامت الأمارة على أن هذا السائل المعيّن خمر فسوف ينزّل ما قامت الأمارة على خمريته- و يعبّر عنه بمؤدى الأمارة- منزلة الخمر الواقعي، و هذا التنزيل استفدناه من دليل حجية الأمارة. و إذا ثبت بالمطابقة أن مؤدى الأمارة هو بمنزلة الواقع فنقول: إنه سوف نستفيد بالدلالة الالتزامية أن القطع بمؤدى الأمارة (1) هو بمنزلة القطع بالواقع، و إلّا يلزم محذور اللغوية، إذ التنزيل بلحاظ الجزء الأوّل من دون أن ينضم إليه التنزيل بلحاظ الجزء الثاني لغو واضح، فمتى ما عبّدنا الشارع بالتّنزيل بلحاظ الجزء الأول يلزم أن يكون قد عبّدنا بالتّنزيل بلحاظ الجزء الثاني فرارا من اللغوية.

إذن لم يلزم من استفادة كلا التّنزيلين من دليل حجية الأمارة- و هكذا الاستصحاب- محذور الجمع بين اللحاظين، بل هناك تنزيل واحد مطابقي، و تنزيل آخر نستفيده بالالتزام، و المحذور إنما يلزم لو كان كلا التّنزيلين ثابتا بالدلالة المطابقية دون ما لو كان أحدهما بالمطابقة و الآخر بالالتزام.

هذا ما أفاده في حاشية الرسائل.

و هنا أخذ بمناقشته، و قبل أن نذكر المناقشة نشير إلى مقدمة حاصلها: إنه متى ما كان موضوع الحكم مركبا من جزءين- كنجاسة الماء بالملاقاة، فإن موضوعها هو ملاقاة الماء للنجاسة و كونه أقل من كر- فالتّعبّد بأحد الجزءين لا

____________

(1) فإذا قامت الأمارة على خمرية هذا فخمرية هذا هو مؤدى الأمارة و أنا قاطع به، فإني قاطع بأن هذا قد قامت الأمارة على خمريته.

593

يمكن إلّا إذا فرض أن الجزء الآخر ثابت بالوجدان أو بتعبّد في عرض التعبّد الأوّل، فلا يمكن أن يعبّدنا الشرع باستصحاب قلة الماء (1) إلّا إذا فرض أن الملاقاة ثابتة بالوجدان أو باستصحاب يجري في عرض الاستصحاب الأوّل و إلّا كان التعبّد بكون الماء أقل من كر من خلال الاستصحاب لغوا، إذ ما الفائدة في التعبّد بأحد جزئي موضوع الحكم إذا لم يكن الجزء الآخر ثابتا بالوجدان أو بالتعبّد العرضي.

و هذا معناه أن الجزء الثاني لو كان يثبت بتعبّد متفرّع على التعبّد الأوّل و في طوله فلا يمكن ثبوت التعبّد الأوّل من الأساس للزوم محذور الدور، إذ ثبوت التعبّد الأوّل متفرع على ثبوت التعبّد الثاني، لأن ثبوت الأوّل من دون الثاني لغو واضح، فإذا كان التعبّد الثاني متفرعا على ثبوت الأوّل و في طوله فيلزم الدور كما هو واضح.

هذه هي المقدمة التي أردنا بيانها.

و باتضاحها نقول: إنه في القطع الموضوعي يكون موضوع الحكم مركّبا من جزءين، فوجوب الاجتناب مثلا ليس ثابتا لذات الخمر الواقعي بل لما يقطع بخمريته، أي إن الموضوع هو الخمرية+ القطع بالخمرية، و في مثله إذا قامت الأمارة على خمرية هذا السائل فالتعبّد بخمرية هذا و أنه بمنزلة الخمر الواقعي- و هو الذي يراد إثباته بدليل حجية الأمارة كمدلول مطابقي له- هو تعبّد بالجزء الأوّل، و هو لا يمكن إلّا إذا كان‏

____________

(1) أما كيف يعبّدنا باستصحاب قلة الماء؟ ذلك بأن نشير إلى الماء الذي نشكّ أنه كر أو أقل منه و نقول: هذا قبلا لم يكن كرا جزما، إذ الماء حينما يتجمّع و يصير كرّا هو لا يوجد كرا دفعة واحدة بل يوجد شيئا فشيئا فهو ماء أقل من كر في بداية وجوده جزما فإذا شكّ بعد ذلك في صيرورته كرا استصحبنا القلة الثابتة سابقا.

594

التعبّد بالجزء الثاني ثابتا بالوجدان أو بتعبّد عرضي، فإذا فرض أن التعبّد بالجزء الثاني أردنا استفادته من التعبّد بالجزء الأوّل كمدلول التزامي للتعبّد بالجزء الأوّل يلزم من ذلك الدور، إذ التعبّد بالجزء الأوّل لا يمكن- و إلّا تلزم اللغوية- إلّا بعد التعبّد بالجزء الثاني، و التعبّد بالجزء الثاني حيث إنه مدلول التزامي للتعبّد بالجزء الأوّل فيلزم الدور.

و ينبغي أن نلفت النظر إلى أن محذور الدور إنما يلزم لو فرض أننا أردنا استفادة كلا التنزيلين من دليل حجية الأمارة، غايته أحدهما بالمطابقة و الآخر بالالتزام، أما إذا فرض أنه جاء دليل خاص و عبّدنا بالتنزيل بلحاظ الجزء الأوّل فحيث إن الحكيم لا يفعل اللغو فنستكشف أنه قد عبّدنا بالجزء الثاني أيضا في عرض التعبّد بالجزء الأوّل، غايته هو قد أبرز أحد التعبّدين العرضيين و سكت عن الثاني، و نحن قد استكشفناه بالدلالة الالتزامية.

إذن ينبغي التفرقة بين ما إذا اريد استكشاف كلا التنزيلين من خلال دليل حجية الأمارة و بين ما إذا اريد استكشافهما من دليل يعبّدنا بالجزء الأوّل، و الذي ندعي أنه غير ممكن هو الأوّل، و أما الثاني فهو ممكن.

و لنرجع إلى صلب الموضوع.

إنه ذكر (قدّس سرّه) أن الطريقة المقترحة في الحاشية على الرسائل مرفوضة لمحذور الدور، و لولاه لأمكن بواسطتها إثبات قيام الأمارة مقام جميع أقسام القطع الخمسة بما في ذلك القطع الموضوعي الصفتي من دون اختصاص بالقطع الموضوعي الطريقي.

595

توضيح المتن:

بأدلتها أيضا: أي كما أن دليل حجية الأمارة لا يدل على قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي بأقسامه الأربعة كذلك دليل حجية الأصول لا يدل على قيامها مقام القطع بما في ذلك القطع الطريقي المحض.

و نؤكّد: أن دليل حجية الأمارة لم يستفد منه قيامها مقام القطع الموضوعي، و أما قيامها مقام القطع الطريقي المحض فقد استفدنا ذلك منه، و هذا بخلافه في الأصول العملية، فإن دليلها لا يدل على قيامها مقام القطع بما في ذلك القطع الطريقي المحض في منجزيته و معذريته.

من قيام المقام: بضم الميم، و المراد منه الأصول العملية.

و قوله: ترتيب ما له، أي ما للقطع.

و عطف الأحكام على الآثار تفسيري، و المراد منها المنجّزيّة و المعذّريّة.

و التقدير: إن المراد من قيام شي‏ء مقام القطع ترتيب المنجّزيّة و المعذّريّة عليه.

و المناسب إضافة كلمة عليه، أي هكذا: ترتيب ما له من الآثار و الأحكام عليه من تنجيز ...

ثمّ إن المراد من كلمة و غيره الإشارة إلى المعذّريّة، و كان المناسب إبدالها بذلك، أي هكذا: من المنجّزيّة و المعذّريّة.

و هي ليست: أي و الحال أن الأصول العملية ليست إلّا ...

شرعا: يعني البراءة الشرعية المستندة إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و كان المناسب حذف قيد (شرعا أو عقلا) فإنه توضيح زائد لا حاجة إليه الآن.

لا يقال إن الاحتياط: أي أصل الاحتياط لا بأس بقيامه مقام القطع في إثبات تنجيز التكليف به لو فرض وجود تكليف في الواقع.

596

ثمّ إنه كان من المناسب الإشارة إلى أصل البراءة أيضا كما أوضحنا.

لا شي‏ء يقوم ...: المناسب: لا شيئا يقوم ... فإنه عطف على خبر ليس، أعني نفس حكم العقل.

ثمّ لا يخفى أن دليل الاستصحاب أيضا ...: أي كدليل حجية الأمارة، فكما أنه لا يدل على قيامها مقام القطع كذلك دليل الاستصحاب لا يدل على قيامه مقام القطع الموضوعي بأقسامه الأربعة.

و ما ذكرنا في الحاشية ...: هذا مبتدأ. و خبره قوله: لا يخلو من تكلّف ...

في وجه تصحيح لحاظ واحد: أي في توجيه كفاية لحاظ واحد.

ثمّ إن قوله: (منزلة الواقع)، إشارة إلى التّنزيل بلحاظ القطع الطريقي، و قوله: (و القطع)، إشارة إلى التّنزيل بلحاظ القطع الموضوعي.

المستصحب و المؤدى: الأوّل في باب الاستصحاب، و الثاني في باب الأمارة.

و إنما كان تنزيل القطع فيما ...: أي و إنما يتحقّق تنزيل القطع بالمؤدى منزلة القطع الموضوعي من خلال الملازمة. و كلمة بالملازمة خبر لكان.

و قوله: فيما له دخل في الموضوع يعني القطع الدخيل في الموضوع، و بكلمة أوضح القطع الموضوعي.

بين تنزيلهما: يعني المؤدى و المستصحب.

تنزيل القطع ...: أي و بين تنزيل القطع ... و التقدير: للملازمة بين تنزيل المؤدى- و هكذا المستصحب- منزلة الواقع و بين تنزيل القطع بالواقع التّنزيلي التعبّدي منزلة القطع بالواقع الحقيقي. و المقصود بالواقع التّنزيلي التعبّدي هو مؤدى الأمارة، حيث إنه نزّل منزلة الواقع فصار واقعا تنزيليا تعبّديّا.

597

لا يخلو من تكلّف ...: هذا خبر لقوله: و ما ذكرنا في الحاشية.

ثمّ إن التكلّف إشارة إلى منع الملازمة العرفية، أي إنه لم يثبت أن العرف يرى الملازمة بين تنزيل المؤدى منزلة الواقع و بين تنزيل القطع بالمؤدى منزلة القطع بالواقع.

و قوله: بل تعسّف إشارة إلى محذور الدور. أي إن العرف لم يثبت أنه يرى الملازمة المذكورة بل لا يمكن أن يراها لأن لازمها الدور.

جزء الموضوع أو قيده: الأوّل إشارة إلى حالة كون القطع جزء الموضوع، و الجزء الآخر الواقع، و الثاني إشارة إلى حالة كون القطع تمام الموضوع، حيث يكون الواقع قيدا للقطع، إذ القطع لا يمكن تحقّقه من دون متعلّق يتعلّق به و يكون ذلك المتعلّق قيدا للقطع الذي هو تمام الموضوع.

بما هو كذلك: في مقابل ما إذا كان يترتّب عليه أثر آخر يكون تمام الموضوع بلحاظه، و المقصود أن تنزيل الجزء بما هو جزء لا يصح إلّا إذا كان الجزء الثاني محرزا، أما تنزيله بما هو تمام الموضوع لأثر آخر فلا إشكال بلحاظه و هو خارج عن محل الكلام.

جزء الموضوع أو ذاته: اللّف و النشر مرتّب. و قوله: أو ذاته أي ذات الموضوع، فإنه في حالة كون الواقع قيدا للموضوع يكون القطع ذات الموضوع و تمامه.

فلا يكاد يكون ...: أي إنه بناء على هذا لا يكاد يكون ...

فيما لم يكن محرزا حقيقة: و لك أن تقول: إن لم يفترض أنه محرّز بالوجدان.

و فيما لم يكن دليل على تنزيلهما: الواو استينافية. أي و في حالة عدم‏

598

وجود دليل على تنزيل كلا الجزءين بالمطابقة كما في مقامنا- حيث إن أحد التّنزيلين قد افترضناه في طول تنزيل الجزء الآخر- فلا يكون دليل الأمارة دليلا على التنزيل أبدا.

على تنزيل القطع بالملازمة: أي على تنزيل القطع بالمؤدى- يعني منزلة القطع بالواقع- من خلال الملازمة. و الجار و المجرور- بالملازمة- متعلّق بدلالته و ليس بالقطع.

و لا دلالة له كذلك: أي و لا دلالة لدليل الأمارة على تنزيل القطع من خلال الملازمة.

فإن الملازمة إنما: هاهنا توجد نسختان، و الأجدر ما كانت العبارة فيها هكذا: فإن الملازمة إنما تكون بين تنزيل القطع به منزلة القطع بالموضوع الحقيقي و تنزيل المؤدى منزلة الواقع كما لا يخفى فتأمل جيدا، فإنه لا يخلو عن دقة، انتهى.

و المقصود: فإن الملازمة هي بين تنزيل القطع بالمؤدّى منزلة القطع بالواقع و بين تنزيل المؤدّى منزلة الواقع.

إن هذا لو تم ...: أي إن هذا البيان المذكور في حاشية الرسائل- و هو التمسك بالملازمة العرفية- لو تمّ لكان بيانا عاما يعمّ التّنزيل بلحاظ جميع أفراد القطع بما في ذلك القطع الموضوعي بأقسامه الأربعة و لا يختصّ بالقطع الموضوعي الطريقي.

بما إذا كان القطع مأخوذا: أي في الموضوع بنحو الطريقية، و التقدير: و لا اختصاص له بما إذا كان القطع مأخوذا في الموضوع بنحو الطريقية.

599

خلاصة البحث:

لا تقوم الأصول العملية مقام القطع الطريقي- فضلا عن الموضوعي- لأنها ليست ناظرة إلى تشخيص الواقع لتنجّزه بل هي مجرد وظائف عملية.

نعم الاستصحاب يمكن أن ينجّز الواقع عند إصابته و لكنه لا يمكن التمسك بإطلاق دليله لإثبات قيامه مقام القطع الموضوعي، و ذلك لنفس النكتة المذكورة في باب الأمارة، و هو لزوم اجتماع لحاظين في شي‏ء واحد.

و البيان المذكور في حاشية الرسائل لإثبات قيام الأمارة و الاستصحاب مقام القطع الموضوعي مرفوض باعتبار لزوم الدور منه.

كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:

حكم الأصول العملية:

هذا بالنسبة إلى الأمارات.

و أما الأصول العملية فلا معنى لقيامها مقامه غير الاستصحاب، لوضوح أن المراد من قيام شي‏ء مقام القطع ترتيب المنجزية و المعذرية عليه، و هي ليست إلّا وظائف مقرّرة للجاهل في مقام العمل.

لا يقال: لا بأس بقيام الاحتياط مقامه في تنجيز التكليف به.

فإنه يقال: إن الاحتياط العقلي هو نفس حكم العقل بتنجّز التكليف و استحقاق العقوبة على مخالفته لا شي‏ء يقوم مقامه في هذا الحكم.

و أما النقلي فلا نقول به في الشبهة البدوية، و ليس بنقلي في المقرونة بالعلم الإجمالي فافهم.

600

ثمّ إنه لا يمكن التمسك بإطلاق دليل الاستصحاب أيضا لإثبات قيامه مقام القطع الموضوعي، فإنّ مثل لا تنقض اليقين إما أن يراد فيه من اليقين المتيقن أو نفس اليقين.

هذا و قد ذكرنا في حاشيتنا على الرسائل بيانا لإثبات كفاية لحاظ واحد لتحصيل كلا التّنزيلين، بتقريب أن دليل حجية الأمارة يدل بالمطابقة على تنزيل مؤداها منزلة الواقع، و بالالتزام على تنزيل القطع بالمؤدى منزلة القطع بالواقع.

و لكن هذا لا يخلو من تكلّف بل تعسّف، فإنّ تنزيل أحد جزئي الموضوع لا يمكن إلّا إذا كان الجزء الآخر محرزا بالوجدان أو بتنزيل آخر في عرض الأوّل و إلّا فلا يمكن التمسك به، فإن دلالته على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع تتوقّف على دلالته من خلال الملازمة على تنزيل القطع، و لا دلالة له كذلك إلّا بعد دلالته على تنزيل المؤدى.

ثمّ إن هذا البيان لو تمّ لم يختص بالتنزيل منزلة القطع الطريقي كما هو واضح.

***

601

قوله (قدّس سرّه):

«الأمر الرابع: لا يكاد يمكن أن يؤخذ القطع ...، إلى قوله: الأمر الخامس».

(1)

[الامر الرابع‏] أخذ القطع أو الظن بالحكم في موضوع نفسه أو مثله أو ضده:

في هذا البحث توجد أسئلة ثلاثة نطرحها كما يلي:

1- هل يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه كأن يقول المولى: إن قطعت بوجوب القصر على المسافر مثلا فآنذاك يجب عليك القصر، فيكون وجوب القصر منوطا بالعلم بنفس الوجوب؟

2- هل يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم آخر مماثل للحكم المقطوع، كأن يقول المولى: إن قطعت بوجوب القصر فآنذاك يثبت وجوب آخر للقصر؟

3- هل يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوع حكم آخر مضاد للحكم المقطوع، كأن يقول المولى: إن قطعت بوجوب القصر فآنذاك تثبت عليك حرمة القصر؟

هذه أسئلة ثلاثة ناظرة إلى حالة القطع. و نفس هذه الأسئلة يمكن طرحها في حالة الظن، و ذلك كما يلي:

1- هل يمكن أخذ الظن بالحكم في موضوع نفسه، كأن يقول المولى:

إن ظننت بوجوب القصر من إخبار الثقة مثلا فآنذاك يجب عليك القصر؟

____________

(1) الدرس 254 و 255: (3 و 13/ ذي الحجة/ 1426 ه).

602

2- هل يمكن أخذ الظن بالحكم في موضوع حكم آخر مماثل للحكم المقطوع، كأن يقول المولى: إن ظننت بوجوب القصر من إخبار الثقة فآنذاك يثبت وجوب آخر للقصر؟

3- هل يمكن أخذ الظن بالحكم في موضوع حكم آخر مضاد، كأن يقول المولى: إن أخبر الثقة بوجوب القصر فآنذاك يثبت عليك حرمة القصر؟

و نجيب أوّلا عن حالة القطع ثمّ نجيب ثانيا عن حالة الظن.

أما بالنسبة إلى حالة القطع:

فنجيب عن السؤال الأوّل بالنفي، فلا يمكن أخذ القطع بالحكم في موضوع نفس الحكم و إلّا يلزم محذور الدور، لأن العلم بثبوت شي‏ء فرع ثبوت ذلك الشي‏ء أوّلا حتّى يمكن تعلّق العلم به، فالعلم بثبوت الحكم فرع ثبوت الحكم، فلو كان ثبوت الحكم موقوفا على العلم بثبوت الحكم يلزم الدور، إذ ثبوت الحكم موقوف على العلم به، و هو موقوف على ثبوت الحكم فيكون ثبوت الحكم موقوفا على ثبوت الحكم. (1)

____________

(1) لا يخفى أن محذور الدور المذكور يمكن دفعه ببيان أن العلم بثبوت شي‏ء ليس فرع ثبوت الشي‏ء واقعا و إلّا صار كل علم مصيبا، بل هو فرع ثبوته على مستوى الصورة الذهنية، فالعلم بوجود الأسد مثلا في الغرفة لا يتوقف على وجوده في الغرفة واقعا بل على صورته الذهنية، و معه فلا دور، إذ ثبوت الحكم و إن كان موقوفا على العلم به إلّا أن العلم به ليس موقوفا على ثبوته واقعا بل على صورته الذهنية.

و لكن رغم هذا يلزم الدور في نظر الشخص العالم و إن لم يلزم واقعا، و ذلك باعتبار أن دور العلم في نظر العالم دور الطريق، فهو يرى أن علمه يتعلّق بالحكم الثابت لا أنه يخلق الحكم و يوجده، و لازم هذا أنه بحسب نظر العالم يكون العلم بالحكم موقوفا على ثبوت الحكم، فلو كان ثبوته موقوفا على العلم به يلزم الدور.

و عليه فالدور بحسب الواقع و إن لم يكن لازما إلّا أنه بحسب نظر العالم لازم.

و قد تعرّض إلى هذا السيد الشهيد (قدّس سرّه) في الجزء الأوّل من الحلقة الثالثة فلاحظ.