مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام‏ - ج3

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
373 /
53

و أمّا لو فرض اختلاف موضوع الأصلين بأن يكون الموضوع- مثلًا- في استصحاب الوجوديّ نفس الجلوس و في العدميّ الجلوس المقيّد بما بعد الزوال فيجري الاستصحابان بلا تعارض، إذ لا منافاة بين وجوب أصل الجلوس و عدمِ وجوب الجلوس المقيّد بما بعد الزوال‏ (1).

أقول: فيه أوّلًا: أنّ التعارض لا يتوقّف على وحدة موضوع الأصلين، لأنّا نقول بأنّ الموضوع في العدميّ جعل الوجوب بالنسبة إلى الجلوس في ما بعد الزوال و الموضوعَ في الوجوديّ هو وجوب الجلوس المجعول في الخارج، لكن أثر عدم الجعل هو عدم المجعول فيتعارضان.

و ثانياً: مع قطع النظر عن الاختلاف بينهما من حيث الجعل و المجعول نقول:

إنّ الوحدة لا تتوقّف على الأمرين المذكورين، بل نقول: لو لوحظ الزمان ظرفاً- بمعنى أن يكون المقصود بالاستصحابين هو تعيين حكم ما بعد الزوال في المثال- فالموضوع هو الجلوس بعد الزوال لكن لا بقيد كونه بعده، بل يحكم بالوجوب بالاستصحاب الوجوديّ في الظرف المذكور لا بما أنّه في الظرف المذكور بل بما أنّه لا فرق بينه و بين ظرف المتيقّن، ويحكم باستصحاب عدم الوجوب بالنسبة إلى الظرف المذكور من دون الانتقاض، لأنّ المستصحب هو عدم جعل الوجوب بالنسبة إلى القطعة الخاصّة و نفيه فيها و لو كان من باب استمرار الوجوب السابق، و ذلك ممّا لم ينقض أصلًا، و لم يفصل بين الشكّ و اليقين يقين آخر بالارتفاع.

و ملخّص الكلام: أنّ الوحدة لا تتوقّف على أحد الأمرين بل هي حاصلة بأخذ الزمان ظرفاً، فيجري الاستصحابان كما هو واضح.

و ثالثاً: أنّ ما ذكره تبعاً لشيخه العلّامة والدنا الاستاذ تغمّده اللَّه برحمته و غفرانه من عدم التعارض في صورة الاختلاف بالتقييد و عدمه و إن كان حقّاً إلّا أنّه لا ترتفع‏

____________

(1) الرسائل (للإمام الخمينيّ (قدس سره)): ج 1 ص 163.

54

بذلك شبهة التعارض، لأنّها مبنيّة على أنّ مقتضى الاستصحاب العدميّ عدم وجوب الجلوس بعد الزوال مطلقاً لا بنحو التقييد و لا بنحو الظرفيّة و لو بأن يكون باقياً من الوجوب السابق، فالشبهة باقية بحالها، فلا بدّ إمّا من التسليم كما وقع ذلك من بعض أعلام العصر كان اللَّه له كما في تقريره‏ (1)، و إمّا من دفعها بغير ما مرّ.

و يمكن دفع الشبهة بعونه تعالى في الأحكام التكليفيّة بأنّ ما به قوام الحكم الإلهيّ هو الإرادة الإلهيّة أو كراهته جلّ و علا بأيّ معنىً تصوّر ذلك، و لا أثر للجعل في ما به قوام الإطاعة و المعصية و المثوبة و العقوبة. فلو علم عبدٌ بتعلّق إرادته تعالى بشي‏ء و لو من طريق الكشف أو النوم و علم بعدم جعلٍ على طبقه بتوسيط جبرائيل (عليه السلام) أو الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) يجب عليه الإطاعة، كما أنّه لو علم بالجعل لبعض المصالح فيه و علم بعدم وجود الإرادة اللبّيّة على طبقه لم يكن عليه تكليف. و هذا واضح عند العقل.

و لا شكّ أنّ الحكم بهذا المعنى قديم، فإنّ الجلوس بعد الزوال في المثال إن كان مورداً لتعلّق الإرادة الإلهيّة كان كذلك قديماً، لاستحالة البداء، و إلّا كان كذلك قديماً فليس لاستصحاب عدم الحكم بالمعنى الحقيقيّ حالة سابقة متيقّنة فلا يجري استصحاب عدم الوجوب من أوّل الأمر. و المثال الّذي يمكن أن يكون مورداً للابتلاء هو الوقوف بعرفات بعد غروب الشمس و قبل ذهاب الحمرة المشرقيّة.

إن قلت: فعلى هذا لا شكّ في أصل الوجوب فلا يمكن استصحاب عدمه.

قلت: الّذي لا يمكن استصحاب عدم الوجوب بمعنى الإرادة اللبّيّة المتعلّقة بحال الابتلاء، و أمّا استصحاب عدم الوجوب الفعليّ الخارجيّ الثابت قبل البلوغ فلا مانع منه.

إن قلت: يمكن استصحاب عدم الجعل فيحكم بعدم الإرادة اللبّيّة، إذ لو كانت الإرادة اللبّيّة لكان الجعل على طبقها، فإنّه لو حصل اليقين بعدم جعل من جانب‏

____________

(1) مباني الاستنباط (تقريراً لبحث آية اللَّه العظمى الخوئيّ (قدس سره)): ج 4 ص 69.

55

النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) يحصل القطع بعدم الإرادة اللبّيّة الفعليّة، فبالاستصحاب يحكم بعدم الجعل و عدم الإرادة اللبّيّة.

قلت أوّلًا: إنّ التلازم بين عدم الجعل و عدم الإرادة اللبّيّة ممنوع، إذ من الممكن عدم المصلحة في الجعل و كونُ الإرادة اللبّيّة بمرتبة لو علم بها المكلّف لصارت منجّزةً و كانت تامّةً من حيث البعث، لا من جهة الجعل و الجهل المسبّب عنه أو عن غيره.

و ثانياً: على تقدير تسلّم التلازم يكون من باب ترتّب الجعل على الإرادة اللبّيّة لا العكس، فالجعل أثر و معلول للإرادة اللبّيّة من دون أن تكون الإرادة اللبّيّة معلولةً للجعل، فبالجعل ينكشف وجود الإرادة اللبّيّة بسبب يعلمه اللَّه تعالى، و بعدم الجعل ينكشف عدمها من باب أنّ عدم المعلول يكشف عن عدم علّته، و من المعلوم أنّ مقتضى الاستصحاب ترتيب الأثر الشرعيّ لا ما هو ملازم له بواسطة أمر تكوينيّ، فتأمّل حتّى تعرف حقيقة الأمر.

هذا كلّه الكلام في الأحكام التكليفيّة.

و أمّا الأحكام الوضعيّة فإن قلنا: إنّها منتزعة من التكليف و ليست مستقلّةً في الجعل فحكمها حكمه.

و أمّا إن قلنا بكونها مستقلّةً في الجعل ففيها تفصيل، لأنّه:

إمّا أن يكون ممّا له أمد و يرتفع بارتفاع أمده، كالحجّيّة المجعولة لفتوى المجتهد، فإنّ المتيقّن جعلها بالنسبة إلى حال الحياة، و أمّا بالنسبة إلى حال موته فجعلها مشكوك مسبوق بالعدم فالظاهر فيه جريان استصحاب عدم الجعل و يترتّب على عدم الجعل عدم المجعول، و يكون حاكماً على استصحاب بقاء حجّيّة فتواه خارجاً، لأنّ استصحاب عدم الجعل يرفع الشكّ عن نفسه و عن المجعول، بخلاف استصحاب بقاء المجعول فإنّه لا يرفع الشكّ عن الجعل، فإنّ المجعول متفرّع على الجعل لا العكس.

إن قلت: ترتّب المجعول على الجعل ليس شرعيّاً.

قلت: بل هو شرعيّ، لأنّ منشأ ذلك كلّه بيد الجاعل، فإنّه لو لا الجعل لَما كان‏

56

مجعول و لا ترتّبٌ للمجعول على الجعل كما هو واضح، فلا تعارض في هذا القسم، لحكومة استصحاب عدم الجعل على استصحاب بقاء المجعول.

و إمّا إن يكون ممّا جُعل بنحو لا يرتفع إلّا بما جعله الجاعل رافعاً و مزيلًا له، كالحدث و النجاسة؛ فلو شكّ في بقائهما في الآن المتأخّر من جهة الشكّ في مزيليّة الموجود فمقتضى استصحاب عدم جعل الشارع المشكوكَ مزيلًا وجودُ الجعل الفعليّ بالنسبة إلى ظرف الشكّ، و يترتّب عليه وجود المجعول فعلًا، فهو يرفع الشكّ عن استصحاب عدم الجعل الفعليّ، لأنّه مسبّب عن كون الموجود مزيلًا و قد ارتفع ذلك بالاستصحاب، ففي هذا لا تعارض للاستصحابين.

و قد اشير إلى ذلك في ما أفاده النراقيّ (قدّس اللَّه نفسه) و إن كان الشيخ الكبير المؤسّس (قدس سره) قد أورد عليه، و لكن ما أفاده في ذلك متقن بحسب ما يصل إليه النظر و اللَّه أعلم، فراجع كلامهما في رسالة المعظّم له‏ (1) (قدس سره).

و مما ذكر يظهر الكلام في الوضعيّات الّتي بيد المكلّفين كالملكيّة، فإنّه لو آجر داراً و تردّد بين كون مورد الإجارة شهراً أو شهرين فمقتضى استصحاب عدم جعل الملكيّة بالنسبة إلى الشهر الثاني و تقدّمه على استصحاب الملكيّة هو الحكم بتماميّة الإجارة بعد الشهر الأوّل، أمّا لو كان منشأ الشكّ في بقاء الملكيّة وجود الخيار المزيل للملكيّة أو إعماله فمقتضى الاستصحاب عدمه فيحكم ببقائها.

هذا تمام الكلام في التنبيه الأوّل، و هو الموفّق في المبدأ و المآل.

التنبيه الثاني‏

[في جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة و ...

] قد يشكل جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة و الأحكام المنكشفة منها.

____________

(1) فرائد الاصول: ص 376- 377.

57

و بيان الإشكال في المقامين (على ما تحصّل لنا من كلام الشيخ العظيم الأنصاريّ (قدس سره) في أوّل الاستصحاب و في طيّ التنبيهات) أن يقال: إنّ وجه عدم جريانه في الأوّل- أي الأحكام العقليّة- أمران:

أحدهما: أنّ الحكم العقليّ الّذي يجعل مورداً للاستصحاب إمّا أن يراد به الحكم العقليّ الجزميّ فهو ممّا لا شكّ فيه، لأنّه إمّا أن يكون مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع، لأنّه لا يشكّ في وجود الجزم بل الشكّ عين عدم الجزم، و إمّا أن يراد به الحكم الكلّيّ المتعلّق بالموضوع على نحو القضيّة الحقيقيّة، كحكمه بقبح تناول المضرّ القاتل للنفس و كان شي‏ء في السابق متّصفاً بالوصف المذكور ثمّ شكّ في اللاحق في ذلك، و كالحكم بقبح التكليف بغير المقدور و كان الواجب أوّل الوقت غير مقدور ثمّ شكّ في ذلك، فإنّ الحكم بعدم التكليف على تقدير عدم القدرة واقعاً موجود و يكون مورداً للجزم بنحو القضيّة التعليقيّة، ففي ذلك أيضاً لا يجري الاستصحاب، لعدم إحراز موضوع المستصحب فلا تكون وحدة القضيّة المشكوكة للمتيقّنة محرزة. و هذا موافق لما أفاده الشيخ المعظّم له (قدس سره) في المقامين‏ (1)؛ لكن من المعلوم أنّ الوجهين المذكورين لا يردان على مورد واحد، فإنّ عدم الشكّ إنّما هو بالنسبة إلى الحكم العقليّ القطعيّ، و أمّا عدم إحراز الموضوع فهو بالنسبة إلى الحكم العقليّ التعليقيّ أو الكلّيّ بنحو القضيّة الحقيقيّة، و إلّا كان تناقضاً كما هو واضح.

ثانيهما: أنّ المستصحب لا بدّ أن يكون إمّا حكماً مجعولًا شرعيّاً أو موضوعاً له، و الحكم العقليّ لا يكون مجعولًا للشارع و لا يكون موضوعاً للحكم الشرعيّ، فإنّ الحكم الشرعيّ ليس في فرض تحقّق الحكم العقليّ بل يكون الحكمان في عرض واحد من دون أن يكون أحدهما تابعاً للآخر ثبوتاً، و تبعيّته للعقليّ في الإثبات غير التبعيّة الثبوتيّة، فإنّ الشرع يحكم في فرض عدم القدرة بعدم التكليف، سواء حكم‏

____________

(1) فرائد الاصول: ص 325 و 378.

58

به العقل أم لا؛ كما أنّ العقل أيضاً كذلك، و هو واضح بأدنى تأمّل.

هذا بالنسبة إلى الحكم العقليّ.

و أمّا الحكم الشرعيّ المنكشف منه: فإن كان ملازماً للحكم العقليّ الفعليّ فلا شكّ، كما أنّه لا شكّ بالنسبة إلى الحكم الفعليّ العقليّ؛ و إن كان ملازماً للحكم العقليّ الشأنيّ التعليقيّ الثابت للموضوع الكلّيّ بنحو القضيّة الحقيقيّة فالموضوع غير محرز فيه كما أنّه غير محرز في الحكم العقليّ. هذا بيان الإشكال بجميع جوانبه.

و لعلّ التحقيق أن يقال: إنّ الإشكال الأوّل بالنسبة إلى الحكم العقليّ غير وارد، لأنّه من المعلوم أنّ المستصحب هو الحكم الثبوتيّ العقليّ التابع للملاك، فليس فيه إشكال من جهة عدم الشكّ.

و أمّا من جهة عدم إحراز موضوع المستصحب فهو ناشٍ من الخلط بين أخذِ الموضوع من الدليل الّذي لازمه وحدة القضيّتين من حيث انطباق عنوان الدليل، و لعلّه واضح البطلان، إذ اللازم عدم جريان الاستصحاب في كثير من الموارد كالعنب و الزبيب و ما يماثله، بل و لو كان الموضوعُ عنواناً و الغايةُ عنواناً آخر، لأنّ الموضوع هو العنوان المغيّى بالغاية المذكورة، و أخذِ الموضوع من العرف الّذي ملاكه اتّصاف الشي‏ء المتيقّن بوصف و لو بتوسيط عنوان مشكوك البقاء أو مقطوع الارتفاع، كعنوان العنب لكن مع احتمال كون ملاك الحكم أعمّ من ذلك؛ بل الموضوع باقٍ في ما علم ارتفاعُ الحكم بارتفاع العنوان و كونُه دخيلًا، و ليس عدم جريان الاستصحاب في مثل ذلك إلّا من جهة عدم الشكّ، لا من جهة تعدّد الموضوع كما هو واضح بحمده تعالى.

فلو اغمض النظر عن الإشكال الثاني و فُرض وضوح عدم كون مورد البحث هو الحكم الفعليّ العقليّ الجزميّ فلا إشكال في استصحاب الحكم العقليّ فكيف بالحكم الشرعيّ المنكشف منه؟!. نعم، لا يجري الاستصحاب فيه من جهة الإشكال الثاني.

59

و أمّا الشرعيّ المنكشف منه فلا إشكال فيه، لاحتمال بقائه كما هو واضح، من جهة عدم تلازمه للحكم العقليّ الجزميّ، بل ملازم للحكم العقليّ الثبوتيّ فيشكّ في البقاء، و وحدة الموضوع واضحة في نظر العرف فلا إشكال فيه أصلًا.

و لا فرق في ذلك بين أن يكون منشأ الشكّ في بقاء الحكم الشرعيّ من جهة الشكّ في بقاء الملاك في الخارج كما في السمّ الضارّ المشكوك بقاء ضرره، أو يكون من جهة الشكّ في كفاية الخارج في ما هو الملاك (كما في الكذب الضارّ المرتفع ضرره، الموجب لوقوع الشكّ من العقل في كفاية الكذب بما هو كذب في الحكم بالقبح أو الموضوع هو المركّب من الكذب و الضرر)، و ذلك لعدم إحاطة العقول الناقصة البشريّة بجميع الأسباب و المسبّبات من الجهات المعنويّة و المادّيّة و ما يرتبط بتلك الدنيا و ما هو مؤثّر في العقبى، أو يكون من جهة القطع بارتفاع الملاك المتيقّن و احتمالِ تقارنه بملاك آخر أو تحقّقِه عند ارتفاع الأوّل، كما إذا كان المتيقّن ضارّاً فكان حراماً عقلًا و شرعاً فارتفع ضرره و احتملت مقرونيّتُه بالغصبيّة الّتي يحكم العقل أيضاً بكونها ملاكاً للقبح أو مقرونيّتُه بالإسكار الذي لا يحكم به العقل بل هو ملاك شرعيّ، و مثل عدم التكليف بعد الركوع بالنسبة إلى السورة المنسيّة، المرتفع ملاك عدم التكليف السابق الّذي هو النسيان لكن يحتمل قيام ملاك آخر مقامه، لاحتمال أن يكون عدم التكليف في الآن اللاحق من باب تجاوز المحلّ و تخلّل الركوع.

كلّ ذلك لا إشكال فيه ظاهراً، و المقصود جريان الاستصحاب في جميع الصور المتقدّمة من حيث ذاته.

و أمّا من جهة كونه محكوماً فالظاهر محكوميّته في القسم الأوّل باستصحاب بقاء الملاك، فيترتّب عليه الحكم من دون احتياج إلى استصحاب الحكم، و أمّا في القسمين الأخيرين فلعلّ مقتضى الاستصحاب عدم ترتّب الحكم الشرعيّ، من جهة القطع بارتفاع الملاك المتقدّم و الشكّ في تحقّق ملاك آخر، فهو محكوم بالعدم للاستصحاب.

60

إن قلت: استصحاب عدم ملاك آخر معارضٌ لاستصحاب بقاء كلّيّ الملاك، فإنّه و إن كان من قبيل القسم الثالث من الكلّيّ إلّا أنّ الظاهر جريان الاستصحاب فيه وفاقاً للُاستاذ الوالد العلّامة (قدّس اللَّه نفسه الشريفة) ، و بعد التعارض يرجع إلى استصحاب الحكم.

قلت: الظاهر حكومة استصحاب عدم الفرد على إبقاء الكلّيّ في المقام الّذي له أثر، فإنّ عدم خصوص ملاك خاصّ ممّا يترتّب عليه الحكم الخاصّ، فإنّ الأحكام مترتّبة على الملاكات الخاصّة في جميع الموارد، و ليس الحكم مترتّباً على كلّيّ الملاك و إن كان مقتضى ترتّب كلّ حكم شخصيّ على ملاك شخصيّ ترتّبَ أصل الحكم على أصل الملاك و يكون ترتّبه شرعيّاً، لكن ترتّب شخص الحكم على شخص الملاك أيضاً شرعيّ و يكون الاستصحاب الجاري في الفرد الخاصّ في الملاك رافعاً للشكّ في أصل كلّيّ الملاك، لأنّ ارتفاع الفرد هو ارتفاع الكلّيّ و الخصوصيّة، بخلاف الحكم ببقاء أصل الملاك فإنّه لا يرفع الشكّ في الفرد كما هو واضح للمتأمّل.

نعم، في ما لا يجري الاستصحاب الموضوعيّ (مثل ما إذا كان الموضوع واجداً للملاك في وقت و فاقداً له في وقت آخر و شكّ في المتقدّم و المتأخّر، أو كان الشكّ في كفاية ما في الخارج مع عدم الشكّ في الخارج، كما في الكذب المضرّ المرتفع عنه وصف الإضرار فإنّه لا يجري فيه الاستصحاب الموضوعيّ أيضاً، لعدم الشكّ في الخارج) يجري استصحاب الحكم الشرعيّ بلا ابتلاء بالحاكم الموافق أو المخالف.

و اللَّه العالم بالحقائق.

التنبيه الثالث‏

[في عدم اختصاص الاستصحاب بالشكّ في الرافع‏

] قد يقال باختصاص الاستصحاب بالشكّ في الرافع و عدم جريانه بالنسبة

61

إلى الشكّ في المقتضي، كما اختاره الشيخ الكبير المعظّم في رسائله‏ (1).

و توضيح الكلام في ذلك يتمّ ببيان أمرين بعونه تعالى:

الأوّل في المراد من المقتضي، فنقول: الظاهر أنّه ليس له اصطلاح جديد كما يظهر من الدليل الّذي يذكر إن شاء الله في الأمر الثاني، فالمقصود منه هو جميع الامور الوجوديّة الدخيلة في تحقّق المستصحب، الّذي به يحصل للمستصحب استعداد البقاء إلى أن يحصل المانع، فالمقتضي هو الّذي يذكر في الفلسفة لكنّ الظاهر أنّه ليس في قبال الشرط بل الشرط أيضاً داخل في ذلك، بل هو في قبال المانع.

و ما في تقرير أعلام العصر حيّاً (2) و ميّتاً (3)- كان اللَّه لهم- من «عدم كون المراد ذلك، بل المراد هو الاستعداد للبقاء بحسب النوع» منظور فيه، فإنّ محصّل ما ذكروه من الإيراد على ذلك امور:

الأوّل: أنّ مقتضى ذلك عدم جريان الاستصحاب في الأعدام، لعدم المقتضي للعدم.

و فيه: أنّه إن كان ذلك من باب عدم التأثير و التأثّر في الأعدام فلا ريب أنّه يكفي في ذلك اعتباره من باب المقايسة بالوجود، فإنّ عدم العلّة للوجود علّة للعدم.

و إن كان من باب أنّه مع فرض عدم المقتضي للعدم لا شكّ فيه فنقول: إنّ العلم بمقتضى البقاء للعدم في حال اليقين المستلزم لاستعداد بقائه بحسب الذات إلى زمان الشكّ كافٍ في صدق النقض كما لا يخفى، و لا يحتاج إلى إحراز المقتضي للوجود أو العدم حال إجراء الاستصحاب.

و يترتّب على ذلك أنّه لو احرز استعداد البقاء و لكن احتمل طروّ المانع لوجود المقتضي لا لوجود المقتضى فلا مانع من الاستصحاب على المبنى المذكور، فيستصحب‏

____________

(1) ص 328.

(2) مباني الاستنباط (تقريراً لأبحاث آية اللَّه العظمى الخوئيّ (قدس سره)): ج 4 ص 53.

(3) فوائد الاصول: ج 4 ص 326.

62

مثلًا اشتعال السراج في ما احرز وجود النفط فيه إلى الصبح إذا شكّ في ذلك، سواء كان منشؤه هبوب الرياح المانعة أو إهراق النفط بواسطة بعض الموانع.

الثاني: أنّ مقتضى ذلك عدم جريان الاستصحاب في الأحكام، لعدم العلم بالمقتضي بالمعنى المذكور إلّا من طريق الإلهام.

و فيه: أنّ الاستعداد للبقاء أيضاً كذلك، و من أيّ طريق احرز الاستعداد يحرز المقتضي أيضاً.

مع أنّ طريق إحراز المقتضي هو الإطلاقات الدالّة على ثبوتها، كما في إطلاق دليل الصلاة، لأنّه يقتضي وجود الملاك في الصلاة المأتيّ بها في الدار المغصوبة، فلو شكّ في بقاء الأمر في مورد التزاحم يمكن التمسّك بالاستصحاب.

الثالث: أنّ الأحكام الشرعيّة من الاعتباريّات و ليس فيها تأثير و تأثّر.

و فيه: أنّ المجعول إن سلّم أنّه اعتباريّ لكنّ الجعل و الاعتبار أمر تكوينيّ لا بدّ أن يكون مستنداً إلى العلم بالمصلحة كما هو واضح.

الرابع: أنّ مقتضى ذلك عدم جواز استصحاب عدم النسخ، لأنّه من قبيل الشكّ في المقتضي دائماً.

و فيه: أنّه قد يكون من باب تزاحم ملاكه لملاك آخر.

الثاني: الظاهر عدم الفرق في جريان الاستصحاب بين الشكّ في المقتضي و الرافع.

و أمّا ما أفاده الشيخ المعظّم الأنصاريّ (قدس سره) فتوضيحه ببيان امور:

أحدها: أنّ إسناد النقض يكون باعتبار الهيئة الاتّصاليّة، فإنّه رفع الهيئة الاتّصاليّة.

ثانيها: أنّ المسند إليه هو المتيقّن لا اليقين كما يشهد به موارد الأخبار، و لا يكون أثر ظاهر لليقين بنفسه في الشرع، و لا يكون ذلك منظوراً في العرف في مقام الحكم بترتيب أثر اليقين، فإنّه يلاحظ آلةً لكشف المتعلّق من دون أن‏

63

يكون له حكم غالباً في العرف و الشرع.

ثالثها: أنّه إذا تعذّر إسناد النقض إلى المتّصل الحقيقيّ فلا ريب أنّ أقرب المجازات هو ما يكون باقياً بحسب المقتضي، لقاعدة «إذا تعذّرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى».

و فيه أوّلًا: أنّ النقض ليس بعناية الاتّصال و لذا لا يقال: «نقض النهر الجاري المتّصل» مع أنّه متّصل، و لا يقال في القطن غير المشدود «إنّه نُقض» بقطع الهيئة الاتّصاليّة كما هو واضح.

و ثانياً: يكون ذلك بعناية الاستحكام و الإبرام الّذي يكون في اليقين كما في العهد و اليمين، فقد قال اللَّه تعالى: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ» (1) «وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها» (2) «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ‏ بَعْدِ مِيثاقِهِ» (3).

و ليس المقصود ترتيبَ أثر اليقين بماله من الأحكام، بل المقصود ترتيب الأثر عليه بما هو آلة لكشف متعلّقه من حيث ترتيب أثر المكشوف، و يدور ذلك بين أمرين: أحدهما أن يكون المقصود بقاءَ الحجّيّة من المعذّريّة و المنجّزيّة، و ذلك ثابت لنفس اليقين لكن يكون حجّةً بالنسبة إلى المتيقّن، و هو بعيد عن المتفاهم العرفيّ، فيقطع بأنّه ليس المقصود إفهامَ ذلك. ثانيهما- و هو المتعيّن- أن يكون بلحاظ العمل، فيكون المقصود أنّه لا بدّ في حال الشكّ أن يعمل ما كان يحقّ له أن يعمل حال اليقين.

و ثالثاً: أنّه لو كان مفاده الحكم بثبوت الحكم السابق لم يكن يقتضي الجري العمليّ، لأنّ الحكم السابق بصِرف وجوده لا يكون منجّزاً، فلا بدّ أن يكون بلحاظ اليقين.

و رابعاً: أنّ قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة: «و إنّما تنقضه بيقين آخر» كاد أن يكون صريحاً في أنّ ما نُهي عن نقضه إلّا بيقين آخر هو اليقين، و إلّا فلا

____________

(1) سورة النحل: 92.

(2) سورة النحل: 91.

(3) سورة البقرة: 27.

64

معنى لكلمة «آخر». هذا.

مع أنّ عدم النقض بالشكّ يناسب اليقين لا المتيقّن.

و خامساً: أنّه لو كان النقض مسنداً إلى المتيقّن فلا بدّ أن يكون بعناية الاتّحاد مع اليقين من باب «رقّ الزجاج، و رقّت الخمر»، و بهذا اللحاظ و العناية لا فرق بين الشكّ في الرافع و المقتضي.

و سادساً: أنّه لو كان إسناد النقض بعناية الاتّصال فيكفي لذلك اتّصال الحكم الظاهريّ المحكوم بالبقاء من جهة حرمة النقض، و لا يلزم أن تكون هيئة اتّصاليّة موجودة مع قطع النظر عن الحكم بحرمة النقض، فيكون المقصود المحافظة على الاتّصال؛ كيف؟! و الهيئة الاتّصاليّة المفروض وجودها بالعناية لم يرد النقض عليها.

و سابعاً: أنّ مقتضى رجوع النقض إلى المتيقّن بعناية الاتّصال هو التعميم للشكّ في المقتضي الّذي يكون للمستصحب اتّصال في نفسه، كما لو شكّ في أنّه هل أفطر في اليوم الأوّل من رمضان بالسفر الّذي قصده من الليل، فإنّه شكّ في المقتضي مع فرض وجود الهيئة الاتّصاليّة من جهة أنّ للصوم هيئة اتّصاليّة في نفسها.

و ثامناً: أنّه قد قرّر في محلّه أنّ حديث أقرب المجازات ممّا لا أصل له بل يدور مدار حُسن الاستعمال، فيمكن أن يقال: إنّه يكفي في ذلك كون كثير من الموارد من قبيل الشكّ في الرافع و إن كان فيه تأمّل.

و تاسعاً: أنّه يمكن أن يقال: إنّ المستفاد عرفاً من قوله: «فإنّه على يقين من وضوئه» و قوله: «لأنّك كنت على يقين من وضوئه» أنّ تمام العلّة هو اليقين بالوضوء، فهو علّة لحرمة النقض و لحرمة ما ينافي حجّيّة اليقين، فإنّ العلّة حجّيّة اليقين، فافهم و تأمّل.

و عاشراً: أنّ الظاهر من ذيل صحيح زرارة المتقدّم‏ (1) أي قوله: «و إنّما تنقضه‏

____________

(1) في ص 7.

65

بيقين آخر» أنّ الغاية للنقض منحصرة باليقين مع أنّ مقتضى عدم حجّيّة الاستصحاب في الشكّ في المقتضي عدم انحصار الغاية، فإنّه لو فرض كون الشكّ في ابتداء الأمر في الرافع ثمّ صار الشكّ في المقتضي أيضاً فلازم ذلك انقطاع الاستصحاب من دون حصول الغاية المنحصرة بحسب ظاهر الصحيح المتقدّم‏ (1).

و حادي عشر: أنّ مقتضى غير واحد من روايات الباب هو الإطلاق، مثل ما تقدّم نقله‏ (2) عن المفيد في الإرشاد: «من كان على يقين فأصابه شكٌّ فليمض على يقينه، فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ»، و موثّق إسحاق بن عمّار: «إذا شككت فابن على اليقين» (3)، و أوضح منهما خبر القاشانيّ: «اليقين لا يدخل فيه الشكّ، صم للرؤية و أفطر للرؤية» (4) بل مورده الشكّ في المقتضي.

و العجب من الشيخ المعظّم حيث أجاب عنه فقال (قدس سره) ما عبارته: و أمّا قوله «اليقين لا يدخله الشكّ» فتفرّع الإفطار للرؤية عليه من جهة استصحاب الاشتغال بصوم رمضان إلى أن يحصل الرافع‏ (5). انتهى.

فإنّ فيه أوّلًا: أنّ ما فرّع عليه هو الصوم و الإفطار كلاهما، و ليس الأوّل من استصحاب الاشتغال.

و ثانياً: أنّ استصحاب الاشتغال إن كان المقصود منه استصحابَ نفس كون التكليف على العهدة فهو أيضاً من الشكّ في المقتضي، لأنّه كما أنّ الشهر المشكوك فيه من رمضان و شوّال يكون من الشكّ في المقتضي كذلك الاشتغال الواقعيّ فإنّه تابع لموضوعه المحدود؛ و إن كان المقصود منه قاعدةَ الاشتغال فليست هي من الاستصحاب و لا تكون مشكوكةً بل يقطع بتحقّقها كنفس الاستصحاب في مورده أو نفس قاعدة البراءة في موردها.

____________

(1) في ص 7.

(2) في ص 27.

(3) تقدّم في ص 29.

(4) تقدّم في ص 30.

(5) فرائد الاصول: ص 337.

66

و ثالثاً: أنّ كون ما فرّع عليه من الشكّ في الرافع لا يقتضي رفع اليد عن الكلّيّ الّذي جعل مورداً للتفريع كما هو واضح.

هذا تمام الكلام بالنسبة إلى كلام الشيخ المؤسّس (قدّس اللَّه نفسه) و جزاه اللَّه خير الجزاء.

إلهي عفوك و غفرانك، و وفّقنا للعمل بما يرضيك، و جنّبنا عن سخطك و أن يكون المقصود التظاهرَ بذلك، فإنّه لا حول و لا قوّة إلّا بك، و نحن عبيدك المساكين، أمرنا إليك، بدؤنا منك و عودنا إليك، و لا علم و لا انتباه إلّا من فضلك، فإليك نعوذ من الاغترار بالأوهام الّتي لا تسمن و لا تغني.

و في المقام وجوه اخر ذكروها:

منها: ما عن الفقيه الهمدانيّ (قدس سره) من أنّ الحكم بعدم النقض في الاستصحاب ليس باعتبار اليقين السابق، فإنّ الحكم بالاعتبار المذكور شأن قاعدة اليقين، بل باعتبار اليقين الفعليّ، و حيث لا يقين فعلًا حقيقةً فلا بدّ أن يكون ذلك بالعناية، و ليست في المقام عناية إلّا وجود المقتضي‏ (1).

و فيه أوّلًا: أنّ ما ذكره من «أنّه ليس الحكم في الاستصحاب باعتبار اليقين السابق» إن كان المقصود منه أنّه لا عبرة باليقين السابق غير الموجود بالفعل و لو متعلّقاً بالمتيقّن السابق فهو حقّ لكن لا ينتج ذلك التفصيلَ بين الشكّين المفروضين بل هو من قاعدة اليقين، و إن كان المقصود أنّه لا عبرة حتّى باليقين الفعليّ المتعلّق بالمتيقّن السابق فلا بدّ في الاستصحاب من يقين بالفعل متعلّقٍ بالمشكوك بالفعل كما هو صريح كلامه فهو مردود بظاهر أخبار الاستصحاب، بل كاد أن يكون صريح الصحيح الثاني لزرارة أي قوله: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت» (2)، فإنّه صريح في تحقّق سبقٍ ما، و ليس ذلك إلّا باعتبار المتيقّن، و من المعلوم أنّه‏

____________

(1) تعليقة المحقّق الهمدانيّ على فرائد الاصول: ص 348.

(2) تقدّم في ص 14.

67

ليس قوله: «فإنّه على يقين من وضوئه» هو اليقين العنائيّ الّذي يعتبر من جهة تعلّقه بالمقتضي.

و لعمري إنّ الإمام (عليه السلام) لو صرّح بفعليّة الشكّ و اليقين بالنسبة إلى متيقّن واحد حتّى بالنسبة إلى الزمان لصار الكلام عند زرارة و أمثاله من المعمّيات، حاشاهم عن ذلك.

و ثانياً: أنّه لو فرض كون المتكلّم بصدد ادّعاء أنّ الشكّ في الرافع في صورة وجود المقتضي يقينٌ فلا معنى لاعتبار الشكّ مقروناً بالاعتبار المذكور، فإنّه من قبيح الكلام عند أهل الذوق.

و ثالثاً: مقتضى ذلك عدم لزوم اليقين السابق أصلًا، لأنّ الاعتبار باليقين العنائيّ، و هو خلاف ضرورة علم الاصول.

و رابعاً: أنّه لو بني على اليقين العنائيّ فلا ريب أنّ الاطمينان و بعده الظنّ القريب به أقرب باليقين و أولى بأن يكون مورداً للعناية و الادّعاء من وجود المقتضي في المتيقّن.

و خامساً: أنّه لو سلّم جميع ذلك فيدفع أيضاً بوجود اليقين الفعليّ الحقيقيّ بالمستصحب، من جهة القطع بإلقاء اختلاف الزمان عرفاً و عقلًا كما هو واضح.

و في تعليقه على الموضع الآخر مطلب آخر لتقريب الاختصاص بالشكّ في الرافع و الغاية لا بأس بالإشارة إليه بنحو الاختصار و الجواب عنه.

قال (قدس سره): إنّ الأصل المعتبر عند العقلاء هو أصل العدم، ببيان أنّهم يحكمون بالعدم في مورد الشكّ في الوجود من دون حصول الظنّ أو الاتّكال على الحالة السابقة أو الاتّكاء على قبح العقوبة من غير البيان، و يدخل في ذلك أصالة عدم القرينة و عدم الاعتناء باحتمال موت الموكّل و نظائره، و حينئذٍ يحكم بالعدم في ما إذا كان مسبوقاً بالعدم.

68

و أمّا الوجوديّات فما كان الشكّ فيها مسبّباً عن الشكّ في الغاية و الرافع يحكم ببقائه، لأصالة عدم الغاية و المزيل، لا من جهة الاتّكاء على اليقين السابق، و أمّا إذا كان من جهة عدم إحراز المقتضي فلا يلتفت إلى احتمال وجوده حال الشكّ، لأنّ وجوده في الزمان الثاني أيضاً ممّا لا بدّ من إحرازه في مقام ترتيب الأثر عليه، فما دام لم يحرز يرتّب آثار عدمه، و ليس وجوده السابق طريقاً لإحراز وجوده في ظرف الشكّ إلى أن قال:

و مما يؤيّد المطلوب بل يدلّ عليه بأتمّ دلالةٍ الأخبارُ المستفيضة المعلّلة الّتي تنافي التعبّد، فهي كاشفة عن بنائهم و إمضاءٌ لطريقتهم إلى أن قال:

ثمّ إنّ بناء العقلاء ليس أمراً مضبوطاً بل ربما يشكّ في بعض الموارد كقاعدة المقتضي و المانع و منها في ترتيب آثار غير المستصحب ممّا يترتّب على لوازمه‏ (1).

انتهى.

و قد لخّصناه و أسقطنا كثيراً من عباراته و غيّرنا بعضها؛ فمن أراد الوقوف عليها كاملًا فليراجع تعليقه (قدس سره).

أقول أوّلًا: إنّه لا يمكن أن يكون بناء العقلاء إلّا في مورد يحصل الاطمينان أو الظنّ في الموارد الّتي يتسامحون في ذلك أو يكون البناء لمصلحة عامّة و استقرار أمر الاجتماع و حفظ حدوده؛ و حينئذٍ فالحكم بالعدم في مورد الخلوّ عن الحالة السابقة و عدم جهات اخرى ليس أمراً عقلائيّاً، لعدم ترتّب أيّ فائدة على ذلك.

مضافاً إلى أنّ عدم حكمهم بذلك في مورد الخلوّ عن جميع الملاكات المتصوّرة واضح، فإنّ من يكون شغله شراءَ متاع قد يجي‏ء في السوق و قد لا يجي‏ء و لا يكون له حالة سابقة فليس يحكم قطعاً بأصالة عدم كون المتاع في السوق فلا يسعى في كسبه، كما هو واضح.

____________

(1) تعليقة المحقّق الهمدانيّ على فرائد الاصول: ص 329 و ما بعدها.

69

و أمّا أصالة عدم القرينة فهي إمّا من باب الظهور أو الاطمينان أو الظنّ أو المصلحة العقلائيّة، فإنّ أساس الاجتماع قائم على الاعتبار بالألفاظ و إلّا لانحلّ الاجتماع.

و أمّا أصالة العدم بالنسبة إلى موت الموكّل فهي لاستصحاب الحياة، و كونها لأصالة عدم الموت أوّل الكلام، بل لعلّ الموت عندهم أمر عدميّ و الشكّ يكون في المقتضي.

و ثانياً: إنّ عدم ارتباط الأخبار بإمضاء أصالة العدم من الواضحات، إذ ليس فيها إلّا اليقين و الشكّ و الحكمُ بالبقاء باعتبار اليقين.

و ثالثاً: على فرض كونه بصدد ذلك فليس معلّلًا بحكم العقلاء حتّى يدور مدار حكمهم، بل حكم ببقاء كلّ متيقّن سابق من جهة أنّ نوعه يرجع إلى أصالة العدم، و يكون ملاك حكم العقلاء بأصالة العدم موجوداً في ما ليس يرجع إليها، و التعليل بشي‏ء لا ينطبق على الارتكاز في بعض الموارد لا يقتضي كونه تعبّداً، بل يكشف عن تماميّة ما لا يصل إليه نظر العقلاء عنده؛ فالتعليل للنهي عن الشرب بالإسكار المطابق للارتكاز لا يقتضي دوران الحكم مدار الارتكاز العقلائيّ في الكمّ و الكيف، كيف؟! و العقلاء لا يحكمون بقبح شربه بل يرجّحون تركه في ما يوجب الإسكار المزيل للعقل في بعض الموارد، فالأخذ بالتعليل و عدم تعبّديّته لا يقتضي دوران الحكم مدار بناء العقلاء و حكمهم. و هذا الكلام سارٍ و جارٍ في قاعدة اليد و قاعدة التجاوز و حجّيّة خبر الواحد.

و منه يظهر دفع توهّمٍ ربما يرد على ما نقول به من كون الملاك هو الأخذ باليقين السابق، فإنّه ربما يتوهّم أنّ مقتضى التعليل الرجوع إلى العقلاء في الأخذ بالحالة السابقة؛ و الجواب ما عرفت فلا نكرّره.

و في المقام وجه آخر ذكره المرحوم الميرزا النائينيّ (قدس سره) على ما في تقريرات‏

70

الكاظميّ (قدس سره)(1) يظهر ضعفه ممّا ذكرناه فراجع و تأمّل.

التنبيه الرابع‏

في ما يتعلّق بالأحكام الوضعيّة

فنقول: يتمّ الكلام في ذلك بعونه تعالى في طيّ مباحث:

الأوّل: قد يشكل تصوير الجعليّات تكليفاً أو وضعاً، من جهة أنّ الّذي له واقعيّة ليس إلّا ما يكون، و الموجود ينقسم إلى الخارجيّ و الذهنيّ، و المجعول ليس من الموجودات الخارجيّة و ليس إلّا صِرفَ التصوّر الذهنيّ كما هو واضح.

و الجواب: أنّ المعلوم الذهنيّ و الّذي يوجد في الذهن ينقسم إلى قسمين:

تصوّر و تصديق، و التصديق ليس هو العلم الحقيقيّ بثبوت النسبة، إذ من المعلوم وجود ذلك في القضايا الكاذبة يعتقد المخبر بكذبها، و ليس معلومه الذهنيّ مركّباً من عدّة تصوّرات بالضرورة، فلا محالة يكون في البين فعلٌ من النفس و حكمٌ بأنّ زيداً قائمٌ- مثلًا- مع العلم بعدم تطابقه للخارج.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ البعث و الزجر في التكاليف حالة نفسانيّة واقعيّة كالتصديق المحقّق في القضايا الكاذبة، و في الأحكام الوضعيّة المتأصّلة في الجعل هو الادّعاء الكاذب بلحاظ ترتيب الأثر، كما يدّعى أنّ زيداً أسدٌ، فالحكم بذلك أمر نفسانيّ متحقّق في النفس و ليس من التصوّر و لا التصديق العلميّ.

الثاني: لا شبهة في تحقّق الأحكام الوضعيّة غير المتأصّلة في الجعل كالجزئيّة و الشرطيّة و المانعيّة للمأمور به.

لكن قد يشكل تصوير ذلك، من جهة أنّها إن كانت عين المنتزع منها فما معنى التعدّد! و إن كان غيرها فلا بدّ من جعل مستقلّ، فإنّ جعل المنتزع منه لا يفي‏

____________

(1) راجع فوائد الاصول: ج 4 ص 324 «الأمر السادس».

71

إلّا بنفسه، و لا يتصوّر أن يكون من الموجودات التكوينيّة اللازمة للجعل المفروض كونه منشأً للانتزاع، فإنّ علّة الجعل للأمر التكوينيّ محال.

و الجواب عن ذلك أنّ ما يسمّى منها بالوضعيّة غير المتأصّلة في الجعل أو بالانتزاعيّة على أقسام: فقد يكون عينَ منشأ الانتزاع، و الفرق بينها و بينه إنّما هو بالإجمال و التفصيل، فيكون الوضعيّ إجمالًا من التكليفيّ أو بالعكس، بأن يكون الوضعيّ تفصيلًا للتكليفيّ كما في الإنسان و الحيوان الناطق، مثال الأوّل الملكيّة و الزوجيّة بناءً على كونهما إجمالًا من الأحكام التكليفيّة الموجودة في البين، و مثال الثاني الجزئيّة و الشرطيّة للمأمور به، فإنّه التفصيل لتعلّق الأمر بالمركّب من الأجزاء و الشرائط. و قد يكون طرفاً لإضافة الحكم التكليفيّ من دون أن يكون متحصّلًا منه كالمقدّميّة للواجب، فإنّ المقدّميّة لهذا الفعل كانت متحقّقةً مع قطع النظر عن الجعل لكن إضافة المقدّميّة إلى الواجب حصلت بجعل الوجوب. و من هذا القبيل الصحّة، فإنّ إيجاد الفعل بالنحو المنطبق على المأمور به أمر تكوينيّ خارجيّ، لكن كونه مطابقاً للمأمور به من باب كون الفعل المذكور مضافاً إلى المأمور به من حيث التطابق معه، فافهم و تأمّل.

الثالث: لا شبهة في صحّة تصوّر الحكم الوضعيّ المتأصّل في الجعل كما مرّ الإيماء إليه، و خلاصته الادّعاء و الفرض كما في المجاز الادّعائيّ، ففي الملكيّة يدّعي العرف أنّ المالك واجدٌ له كما في الجدة الحقيقيّة أو يدّعي إضافته إليه حقيقةً كما في الإضافة الحقيقيّة، فهو موجود في الذهن لكن يلاحظ كون المدّعى محقّقاً في الخارج فرضاً و ادّعاءً، إنّما الكلام في وقوعه، و البحث في ذلك في الأمر الرابع.

الرابع: قد يقال بل يصرّ على كون كثير من الوضعيّات من الامور المتأصّلة في الجعل.

و يستدلّ على ذلك بامورٍ:

72

منها: صحّة انتزاع مثل الزوجيّة و الملكيّة بمجرّد تحقّق سببهما مع قطع النظر عن جميع الآثار المترتّبة عليهما، و كذلك أمثالهما.

و فيه: منع ذلك، فإنّه لو فرض عدم جواز تصرّف من انتقل إليه في المال و جواز تصرّف الغير بأنحاء التصرّفات و عدم تملّكه للمنافع و النماءات أصلًا فلا معنى للملكيّة عند العقلاء، و كذا الزوجيّة.

و منها: أنّه يقصد وقوع الملكيّة- مثلًا- في الخارج أصالةً لا بتبع الآثار، فلو لم يقع و لم يتحقّق غير الآثار ثمّ انتزعت الملكيّة منها للزم أن لا يقع ما قصد و أن يقع ما لم يقصد.

و فيه: منع كون المقصود وقوعه في العرف أمراً غير عدّة من الآثار بنحو الإجمال فتكون الملكيّة عنواناً إجماليّاً لها.

و منها: أنّه لو كانت الملكيّة- مثلًا- هي الآثار لصدقت على صِرف جواز التصرّف في المباحات، مع أنّ الضرورة قاضية بخلافه.

و فيه: أنّه يمكن أن تكون الملكيّة- مثلًا- عدّةً من الآثار مع وجود سبب ترتّب جميع الآثار بحيث لو وجد شرطه أو ارتفع مانعه لترتّب ذلك عليه.

و منها: أنّه قد تكون الملكيّة موجودةً مع عدم جواز التصرّف، كما في الطفل و السفيه.

و فيه: وضوح أنّه ليست الملكيّة متقوّمةً بصِرف جواز التصرّف، بل المدّعى أنّها ليست شيئاً وراء الآثار، فيمكن أن تكون في العرف هي عدّة من الآثار مع وجود ما يقتضي الباقي، ففي الطفل و السفيه لا يجوز للغير التصرّف فيه و يجوز للوليّ التصرّف فيه، و ذلك كافٍ في الملكيّة مع وجود المقتضي لترتّب جميع الآثار إن ارتفع المانع أو وجد الشرط كما هو واضح.

و منها: أنّ المستفاد من الدليل أنّ جواز التصرّف- مثلًا- مترتّب على الملكيّة،

73

فهي في الرتبة السابقة على جواز التصرّف، فلا يمكن أن تكون منتزعةً منه، لاستلزامه أن تكون في الرتبة المتأخّرة فيلزم الدور، فإنّ الملكيّة متوقّفة على جواز التصرّف بحسب المدّعى، و جوازه متوقّف عليها بمقتضى الدليل، فلا محيص إلّا عن الالتزام بكون الملكيّة متأصّلةً في الجعل، فجواز التصرّف متوقّف على الملكيّة من دون توقّفها عليه.

و فيه: أنّه يمكن الجواب عنه بأُمور على سبيل منع الخلوّ:

أحدها: أن تكون الملكيّة متقوّمةً بعدّة من الآثار و الأحكام، و العدّة الاخرى صالحة للترتّب على نفس السبب و للترتّب على الملكيّة الّتي هي عدّة منها، فيصلح أن يترتّب جواز التصرّف على الملكيّة المتحصّلة بعدم جواز تصرّف الغير، و كذا العكس أي تتحقّق الملكيّة بملاك جواز التصرّف و يترتّب عليها عدم جواز تصرّف الغير.

ثانيها: أن لا يكون قوام الملكيّة عرفاً بوجود الأحكام و لا بالمعنى الاعتباريّ الجعليّ بل بحصول ما هو سبب للآثار، كالحيازة و الإرث و البيع و الهبة و غير ذلك.

ثالثها: أن يكون قوامها بمجموع الأمرين أي حصول السبب و تحقّق عدّة من الآثار.

رابعها: أن يكون بعض الآثار مترتّباً على الملكيّة أو الزوجيّة المتقوّمة بعدّة منها من دون أن يكون مستنداً إلى السبب، كوجوب الإنفاق على الزوج بالنسبة إلى الزوجة و كملكيّة المنافع التابعة لملكيّة العين.

خامسها: أن يكون الحكم بترتّب الآثار على الملك كالحكم على الإنسان بأنّه ذو حياة و ذو نطق و غير ذلك، فيكون الفرق بين الموضوع و المحمول بالإجمال و التفصيل كما لا يخفى، فلا دليل على ما ذكروه.

بل الدليل على عدم حقيقةٍ لما ذكروه من الاعتباريّات المتأصّلة في الجعل واضح، فإنّه يدلّ عليه أمران: أحدهما: صدق الملكيّة و كذا ما يماثلها بصِرف وجود

74

الآثار الّتي تعدّ من الأركان؛ فمن يجوز له التصرّف في الملك و لا يجوز لغيره الأخذ منه و لا التصرّف فيه مع صلاحيّة ما وجد من السبب لأن يرتّب عليه الآثار الاخر عند رفع المانع أو وجود الشرط يصدق عليه أنّه مالك، و من ليس له شي‏ء من الآثار لا يصدق أنّه مالكٌ عرفاً. و هذا دليل على تقوّم الملكيّة بالآثار و عدم كونها شيئاً وراءها. ثانيهما: أنّ الاعتبار المذكور الّذي هو صِرف فرض و ادّعاء جزاف لا أثر له، فما الداعي للعقلاء أن يدّعوا أمراً خالياً عن الحقيقة فيرتّبون الآثار؟، فإنّ ما وجد من السبب إن كان كافياً لترتّب الآثار فما الداعي إلى الكذب الادّعائيّ؟، و إن لم يكن كافياً فلا يؤثّر الكذب و الدعوى الباطلة في حصولها، و لعلّه واضح.

فما اشتهر في العصور المتأخّرة من الامور الاعتباريّة ممّا لا أساس لها على الظاهر، و اللَّه العالم.

سادسها: الظاهر أنّ السببيّة للمجعول خارجاً (أي كون الزوال مؤثّراً في وجوب الصلاة و الاستطاعةِ مؤثّرةً في وجوب الحجّ) أو شرطاً لذلك خارجاً (أي ترتّب الحكم خارجاً و في مقام الانطباق على الشرط و السبب بالاستناد إليه) منتزعة من الجعل، لأنّ منشأ ذلك هو أنّ الشارع حكم بأنّ شرط وجوب الحجّ الاستطاعة؛ و أمّا السببيّة الكلّيّة التعليقيّة (يعني الحكم بأنّ الدلوك سبب لوجوب الصلاة أو الغليان سبب للحرمة من دون وجود التسبّب خارجاً) فهي عين الجعل، لأنّ التكليف المشروط الّذي هو المجعول بالضرورة ليس إلّا التكليف عند وجود شي‏ء مخصوص، من باب الاستناد إليه و دخالته فيه لا من باب القضايا الاتّفاقيّة؛ و هذا هو حقيقة السببيّة و الشرطيّة، فهي أيضاً مجعولة بملاك أنّها عين المجعول التكليفيّ المشروط. و كونُ مفاد التكليف بحسب الدليل مختلفاً من حيث الابتداء بذكر السبب مثل «إذا زالت الشمس وجبت الصلاة» أو بذكر المسبّب مثل قوله تعالى: «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ‏

75

الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» (1) غير مضرّ بكونها حقيقةً واحدةً كما لا يخفى.

هذا بالنسبة إلى ما هو السبب للمجعول.

و أمّا السبب للجعل- أي أصل جعل الحكم التكليفيّ المنجّز المطلق غير المشروط أو المشروط- فليس هو إلّا إرادة المولى، و السبب لها هو العلم بالمصلحة و كون المولى حكيماً، فإنّ حكمته بضمّ علمه بالصلاح سبب لإرادة المولى فيجعل الحكم المطلق أو المشروط.

و الذهابُ إلى «كون السببيّة غيرَ مجعولة لوجهين: أحدهما أنّ منشأ انتزاعها هو الخصوصيّة التكوينيّة في السبب و كذا الشرطيّة لذلك. ثانيهما أنّ منشأ انتزاع ذلك بملاحظة قبل التكليف، فكيف! ينتزع من الجعل المتأخّر عنه كما في الكفاية» (2).

فهو ممّا لا يمكن المساعدة عليه، لأنّ:

فيه أوّلًا: أنّ السببيّة للجعل و مسبّبيّة الجعل متضايفتان، و هما منتزعتان من الجعل لا الخصوصيّة الكامنة في السبب، فهي- أي السببيّة للجعل- غير منتزعة عن الخصوصيّة التكوينيّة و لا تكون في الرتبة المتقدّمة، و أمّا الشرطيّة له فهي غير منتزعة من الجعل.

و ثانياً: أنّ ما ذكره فهو بالنسبة إلى الجعل، و أمّا بالنسبة إلى المجعول و تحقّق الحكم في الخارج و في مقام الانطباق فهي منتزعة من الجعل بالمعنى المتقدّم، و كذا الشرطيّة بلا إشكال في ذلك، فإنّه لو لا جعل الشارع الاستطاعة شرطاً للوجوب لَما ينتزع الشرطيّة، فالاستطاعة شرط للوجوب، و جعلُ ذلك- أي الحكم بوجوب الحجّ على تقدير الاستطاعة- معلول لجهات موجودة في نفس المولى.

سابعها: قال (قدس سره) في الكفاية: ما خلاصته أنّه لا يجري استصحاب دخل ما له الدخل في التكليف، لعدم كونه حكماً شرعيّاً و لا يترتّب عليه أثر شرعيّ، أي لا يكون‏

____________

(1) سورة آل عمران: 97.

(2) كفاية الاصول: ص 455.

76

الترتّب شرعيّاً و إن كان المترتّب عليه هو التكليف؛ و أمّا الوضعيّ المستقلّ بالجعل فهو كالتكليف، و كذا المجعول بالتبع، لأنّه مجعول و لو بالتبع؛ لكن لا مجال لاستصحابه لاستصحاب منشأ انتزاعه‏ (1). انتهى.

أقول: فيه أوّلًا: أنّه و إن كان استصحاب عدم السبب أو عدم السببيّة بالنسبة إلى الجعل- و لو فرض ترتّب عدم الجعل عليه- لا يجري، لأنّ الملاك هو مبدأ الجعل الموجود في المبدأ المتعالي من القديم؛ و أمّا استصحاب بقاء السببيّة للجعل فلا يتصوّر، لعدم اختلاف الزمان؛ إلّا أنّه لا إشكال في استصحاب سببيّة الغليان للحرمة بالنسبة إلى الزبيب مثلًا أو شرطيّته لها، أي لا إشكال في الاستصحاب بالنسبة إلى المجعول شرطاً أو سبباً.

و ثانياً: على فرض عدم مجعوليّة الشرطيّة أو السببيّة فما أقرّبه من ترتّب التكليف الشرعيّ عليه كافٍ في صحّة الاستصحاب.

و ثالثاً: إن كان التكليف المترتّب على ما فرضه- من استصحاب دخل ما له الدخل- شرعيّاً فلا يعقل أن لا يكون الترتّب شرعيّاً، فإنّه ليس الترتّب إلّا الوجود بلحاظ المستصحب، و المفروض أنّه شرعيّ؛ و الترتّب في مثل عدم الوجوب على إثبات الحرمة كما أنّه عقليّ شرعيّ أيضاً إن كان الشارع قادراً على تبديل العدم بالوجوب و لو من باب التكليف بالمحال، و إلّا لم يكن عدمه شرعيّاً، لأنّه ممّا لا تناله يد الجعل، و في مثل ترتّب الوجوب على عدم الحرمة- مثلًا- إذا علم بأحدهما فليس الوجوب مترتّباً عليه، بل هو مترتّب على شرطه و مقتضيه كما هو واضح.

ثمّ إنّه ربما يمكن أن يقال: إنّه يترتّب على جريان استصحاب السببيّة و الشرطيّة أنّه مقدّم على استصحاب وجود المشروط عند وجود الشرط، فاستصحاب سببيّة الغليان للحرمة حاكم على استصحاب الحرمة على تقدير الغليان، و ذلك لأنّ‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 459.

77

السببيّة منحلّة إلى امور ثلاث، ففي المثال هي الحرمة، و كونها عند الغليان، و استناد الحرمة إليه؛ بخلاف الحرمة عند الغليان، فإنّها ليست إلّا أمران: الحرمة و كونها عند الغليان. و الأوّل يرفع الشكّ عن الآخر بخلاف العكس، فتأمّل.

و رابعاً: أنّ ما ذكره من جريان الاستصحابين في غير المتأصّل في الجعل فهو غير مطّرد، فإنّه قد تقدّم أنّ منها ما لا يكون بينه و بين منشأ انتزاعه فرقٌ إلّا بالإجمال و التفصيل كالجزئيّة للمأمور به، فليس في البين هنا أمران كما في الإنسان و الحيوان الناطق في التكوينيّات، فإنّه لا يجري تارةً استصحاب الإنسانيّة و اخرى استصحاب الحيوانيّة و الناطقيّة.

و خامساً: في ما يكون أمران كاستصحاب عدم وجوب السورة- مثلًا- و استصحاب الصحّة بعد الركوع و عدمِ الإتيان فإنّ الثاني و إن كان مسبّباً عن الأوّل إلّا أنّه ليس بحيث يغني دائماً عنه، إذ قد يقع التعارض بينه و بين أمر آخر، كما لو علم إجمالًا إمّا بوجوب السورة في الصلاة أو بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال فيعارضان، فيرجع إلى استصحاب الصحّة في الصلاة.

ثمّ لا يخفى أنّه قد ذهب المحقّق الأصفهانيّ في تعليقته على الكفاية بعدم جريان استصحاب الشرطيّة لإثبات التكليف و لو بناءً على مجعوليّتها، فإنّ التكليف مترتّب على ذات الشرط، كيف! و هي مجعولة بتبع جعل التكليف فكيف يعقل أن يكون التعبّد بها تعبّداً بما يترتّب عليه! (1)

و فيه: أنّ المستصحب في الشرطيّة و السببيّة ليس الشرطيّةَ للتكليف المطلق، بل الشرطيّة للتكليف الخاصّ، فليس مفادها حقيقةً إلّا وجود التكليف عند تحقّق الشرط مع فرض سائر ما له الدخل فيه مستنداً إلى ذلك، فالتكليف بنفسه مُنطوٍ في استصحاب الشرطيّة و السببيّة، و لايحتاج إلى أن يثبت بعد الاستصحاب حتّى يكون‏

____________

(1) نهاية الدراية: ج 5 و 6 ص 124.

78

المستصحبُ من قبيل الموضوع و التكليفُ من قبيل الحكم المترتّب على الشرطيّة و السببيّة كما هو واضح، فتأمّل.

التنبيه الخامس‏

[في اشتراط اتّحاد زمان الشكّ و المشكوك في جريان الاستصحاب‏

] هل يشترط في الاستصحاب تقارن زمان الشكّ للمشكوك أو يكفي فيه الشكّ السابق عليه المتحقّق في زمان اليقين، كما لو كان المكلّف غير قادر على بعض الشرائط في ابتداء الوقت فيشكّ في إدامة ذلك حتّى يجوز له البدار أو عدمها حتّى لا يجوز له البدار؟

قد يقال: إنّ مقتضى إطلاق أدلّة الاستصحاب هو الجريان.

و عندي في ذلك إشكال، من جهة ظهور إسناد اليقين إلى الشي‏ء و كذا الشكّ في اتّحاد زمان اليقين و المتيقّن و الشكّ و المشكوك، فلا يقال في العرف: «إنّي قاطع بعدالة زيد» إذا كان المقصود هو القطع بها قبل ذلك، و لا يقال أيضاً: «إنّ الشكّ في عدالة زيد حاصل» إذا كان المقصود هو الشكّ بالنسبة إلى عدالته سابقاً، و لا ينسب القطع إلى موت زيد و لا الشكّ إلى موته إلّا إذا كان حال الإسناد قاطعاً بموته فيه و شاكّاً في موته فيه؛ و قد اعترف بذلك أيضاً المحقّق الأصفهانيّ صاحب التعليقة.

و لا يمكن حفظ الظهور المذكور بالنسبة إلى اليقين بلحاظ موارد الروايات الواردة في باب الاستصحاب، حيث إنّ المفروض فيها هو وجود اليقين في حال الشكّ، لا زواله، لأنّه ينطبق على قاعدة اليقين.

لكن هذا لا يمنع من حفظ الظهور بالنسبة إلى الشكّ، و هو ظاهر في اتّحاده لزمان المشكوك.

و دعوى «إلقاء الخصوصيّة، من باب أنّ العلّة لا بدّ أن تكون على طبق الارتكاز، و لا فرق في ما به قوام الارتكاز بين الموردين» مدفوعةٌ بعدم ثبوت ذلك، إذ لعلّ‏

79

الملاك في الارتكاز أنّه لو حان حين زوال المتيقّن فالغالب حصول العلم بذلك في موارد الابتلاء، فإنّ من توضّأ يحصل له اليقين غالباً بذلك، و كذا من أحدث؛ بخلاف ما ليس وقت زواله، خصوصاً إذا علم بحصول اليقين حين الشكّ، فالشكّ من باب عدم وصول أمده.

هذا بالنسبة إلى الشكّ.

و أمّا اليقين فالظاهر عدم اشتراط أن يكون حاصلًا في زمان المتيقّن بأن يكون أوّل حصوله حينه، لما تقدّم من إلقاء الظهور المذكور بالنسبة إليه.

و توهّمُ «إمكان الحفظ بالنسبة إليه بأن يكون الملاك في اليقين هو اليقين السابق لكن بشرط أن يكون علماً لا جهلًا مركّباً، و هو يلازم وجود اليقين حال الشكّ إلّا أنّ العبرة بحصول اليقين حال المتيقّن، فلا عبرة بما حصل اليقين بالسابق بعد الشكّ مثلًا» مدفوعٌ بأنّ المعلوم عند ارتكاز العرف أنّ الملاك في الحكم بالبقاء هو وجود اليقين الفعليّ بالثبوت السابق، لا اليقين السابق بالثبوت و لو مع فرض عدم اليقين فعلًا، فتأمّل.

التنبيه السادس‏

[في أنّه هل يعتبر في جريان الاستصحاب الشكّ و اليقين؟

] هل يعتبر في الاستصحاب الشكّ و اليقين أم لا بل الملاك هو الثبوت و عدم العلم بالخلاف؟ و على تقدير الاعتبار فهل لا بدّ من الفعليّ أم يكفي الأعمّ منه و من المركوز في الذهن؟ ثمّ هل لا بدّ من أن يكون ذلك على وجه الإطلاق أو يكفي اليقين و الشكّ على تقدير دون تقدير؟

فهنا مسائل ستّ:

الاولى: لزوم الشكّ.

الثانية: لزوم اعتبار اليقين.

80

الثالثة: لزوم توجّه النفس إلى اليقين.

الرابعة: لزوم توجّهها إلى الشكّ.

الخامسة: لزوم الإطلاق في اليقين.

السادسة: لزوم الإطلاق في الشكّ.

أمّا الاولى فالظاهر تسالمهم على اعتباره، لظهور الدليل في اعتباره فعلًا.

لكنّه محلّ نظر و إشكال، فإنّ قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة الأوّل: «و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين أبداً بالشكّ، و إنّما ينقضه بيقين آخر» (1) ظاهر في أنّ الملاك في بقاء الحكم الاستصحابيّ عدمُ حصول يقين آخر يخالفه، لا سيّما مع تصدّر الجملة الأخيرة ب «إنّما».

مع أنّه لو كان المقصود هو اعتبار الشكّ كان ذلك تكراراً بلا وجه، لا سيّما بملاحظة أنّ المناسبة المغروسة في الأذهان الموجبة للظهور تقتضي أن لا يكون الشكّ دخيلًا في الحكم الاستصحابيّ، فإنّ الّذي يستنبطه العرف أنّ اليقين حجّة بالنسبة إلى ما بعده، و لا يكون مخلًّا و مانعاً عن الجري على الحالة السابقة، لا أنّه دخيل في ذلك، و هو واضح.

و يمكن أن يستدلّ لعدم الدخالة أيضاً بالصحيح الثاني لزرارة أي قوله: ثمّ صلّيت فرأيت فيه؟ قال: «تغسل و لا تعيد الصلاة». قلت: لم ذلك؟ قال: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك ...» (2) بناءً على أن يكون المقصود رؤيةَ النجاسة السابقة أو الأعمَّ من ذلك، و بناءً على الغفلةِ أو حصولِ اليقين بالطهارة قبل ذلك حين الصلاة أو كان المقصود أعمّ من ذلك، فإنّ الاستصحاب الّذي كان حين الصلاة لم يكن إلّا في موضوع عدم اليقين بالخلاف و لم يكن حين الصلاة شكٌّ أو كان شاملًا لذلك.

____________

(1) التهذيب: ج 1 ص 8 ح 11، وسائل الشيعة: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) وسائل الشيعة: ج 2 ص 1053 ح 1 من ب 37 من أبواب النجاسات.

81

و يمكن الاستدلال أيضاً بقوله في صحيح زرارة الثالث أي قوله: «و يتمّ على اليقين فيبني عليه» (1).

و يمكن الاستدلال أيضاً بما دلّ على الحلّيّة و الطهارة حتّى يعلم خلافهما (2) بناءً على دلالته على الاستصحاب.

و يمكن الاستدلال أيضاً بصحيح- على الظاهر- عبد الله بن سنان المتقدّم‏ (3) أي قوله (عليه السلام): «فإنّك أعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن أنّه نجّسه فلا بأس أن تصلّي فيه حتّى تستيقن أنّه نجّسه»، فإنّه جعل الملاك عدم حصول اليقين كما هو واضح؛ فالأقرب- و اللَّه العالم- عدم لزوم الشكّ في الاستصحاب.

و توهّمُ «أنّ الحجّيّة متوقّفة على الشكّ» مدفوعٌ بأنّ الحجّيّة الفعليّة بمعنى التنجيز متوقّفة على الشكّ، و أمّا أصل الحجّيّة و الفعليّة منها بمعنى الإعذار لا يتوقّف عليه؛ مع أنّ نظير ما ذكر جاءٍ في الأحكام الواقعيّة، فإنّ الانبعاث إنّما يمكن في حال العلم بالموضوع، لكنّ الحكم مطلق و شامل لحال الغفلة بل القطعِ بالعدم من دون إشكال.

و أمّا الثانية فاختار في الكفاية عدم اعتبار اليقين في الاستصحاب، و ادّعى أنّ الظاهر من أخبار الباب أنّ اعتبار اليقين لأجل أنّ التعبّد إنّما هو في البقاء لا في الحدوث و أنّه اخذ كشفاً و مرآةً بالنسبة إلى المتيقّن‏ (4).

أقول: إن قلت: كيف! و صحّة إسناد النقض إنّما هي من جهة اليقين.

قلت: أخذه مرآةً يكفي لصحّة إسناد النقض، فإنّه لو كان التلازم بين الثبوت‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 5 ص 321 ح 3 من ب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) مثل ما في وسائل الشيعة: ج 2 ص 1095 ح 1 من ب 74 من أبواب النجاسات، و ما في ج 12 منها: ص 60 ح 4 من ب 4 من أبواب ما يكتسب به، و ما في ج 17 منها: ص 90 ح 1 من ب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، و ما في ج 2 منها: ص 1054 ح 4 من ب 37 من أبواب النجاسات، و ما في ج 1 منها: ص 100 ح 5 من ب 1 من أبواب الماء المطلق.

(3) في ص 36.

(4) كفاية الاصول: ص 460- 461.

82

و البقاء لكان الاعتبارُ بالشكّ و رفعُ اليد عن المتيقّن بالشكّ نقضاً لليقين، لا من باب أنّ التلازم بين الثبوت المتيقّن و المشكوك، بل من باب اليقين بأحد المتلازمين بعد فرض التلازم.

إن قلت: فقد لا يكون في البين يقين أصلًا و يكون الشكّ على تقدير الثبوت، فلا يكون نقضاً، فلا يكون مصداقاً لدليل الاستصحاب.

قلت: بعد ما كان اليقين مرآةً للمتيقّن- لا بمعنى عدم لحاظه إلّا آلةً، بل بمعنى أنّ المقصود عدم نقض اليقين من باب تعلّقه بالمتيقّن- لا يدور الاستصحاب مدار صدق النقض، بل يدور مدار صدقه على تقدير تعلّق اليقين بالثابت في السابق.

و يؤيّد ذلك- أي عدم الاعتبار باليقين في الاستصحاب- ما تقدّم‏ (1) من خبر عبد الله بن سنان أي قوله: «فإنّك أعرته إيّاه و هو طاهر»، فإنّ الّذي جعل في حيّز التعليل بحسب الظاهر هو ثبوت الطهارة واقعاً لا القطع بها.

و بدعوى قيام الارتكاز على تبعيّة اليقين للمتيقّن فلا حكم لليقين مع قطع النظر عن المتيقّن، فإنّ المؤمن و الكافر كلاهما شريكان في اليقين، و الفرق بينهما إنّما هو في المتيقّن.

لكن مع ذلك كلّه الأصحّ هو الاعتبار باليقين السابق، و ذلك لظهور أكثر الأخبار المتقدّمة في الاعتبار به، و ليس اليقين كالشكّ في ظهور عدم اعتباره في الحجّيّة، بل اليقين هو موضوع الحجّيّة العقليّة. و ما ذكر من عدم حكم لليقين في العرف إلّا باعتبار المتيقّن فهو في غير الحجّيّة، فإنّها متقوّمة عرفاً باليقين، و هي متقوّمة به عقلًا بالنسبة إلى حال وجوده، و يصلح أن يكون متعلّقاً للحجّيّة الشرعيّة بقاءً.

و التقييد المتقدّم مقدّم على إطلاق رواية عبد الله بن سنان.

مع أنّه يمكن منع الإطلاق، إذ هو ناظر إلى فرض العلم بذلك، لكونه في مقام‏

____________

(1) في ص 36.

83

بيان الحكم الّذي ينطبق عليه العمل في الخارج لا في مقام بيان الحكم الكلّيّ؛ و ظهوره في عدم دخالة العلم في فرضه و إن كان مورداً للاعتبار إلّا أنّه لا يقاوم ظهور الأخبار الكثيرة في اعتبار اليقين و لو على فرض عدم تقدّم المطلق على المقيّد في المتوافقين، و على فرض التعارض فلم يثبت إلّا الحجّيّة بالنسبة إلى فرض اليقين.

و أمّا الثالثة و الرابعة ففي اعتبار اليقين و الشكّ، بمعنى أنّه لا بدّ من فعليّة ذلك في النفس، فلا يكفي وجودهما في خزانة النفس بحيث لو سئل عنهما لأجاب بذلك.

و المشهور بينهم هو اعتبارها في الموردين.

لكنّه لا يخلو عن خفاءٍ، من جهة عدم البعد في دعوى اعتبار الصدق العرفيّ بكونهما في خزانة النفس، كالإيمان باللَّه تعالى، فإنّ المؤمن في أكثر الأوقات لا يكون متوجّهاً إلى إيمانه بالفعل مع أنّه مؤمن عرفاً، و كذا الكافر، و النيّة في العبادات لا تعتبر إلّا بكونها في خزانة النفس.

مع أنّه لو كان الاعتبار باليقين و الشكّ الفعليّ فلا بدّ أن يكون الّذي يغفل عن استصحاب الطهارة في حال الصلاة مرّات عديدة ثمّ يتذكّر مشمولًا و مورداً للاستصحاب مرّات عديدة و غير مشمول لها كذلك. و هو كما ترى لا يساعده العرف و العقلاء في مقام فهم مراد الشارع.

مع أنّه لو فرض الشكّ في ذلك يرجع إلى إطلاق صحيح- على الظاهر- عبد الله بن سنان المتقدّم‏ (1).

تنبيه:

قال (قدس سره) في الكفاية في مقام ما يُبنى على اعتبار فعليّة الشكّ و اليقين: إنّه يحكم بصحّة صلاة من أحدث ثمّ غفل و صلّى ثمّ شكّ في أنّه تطهّر قبل الصلاة، لقاعدة الفراغ؛ بخلاف من التفت قبلها و شكّ ثمّ غفل و صلّى مع فرض القطع بعدم التطهير بعد الشكّ، للحكم بالفساد بواسطة الاستصحاب مع القطع بعدم رفع حدثه الاستصحابيّ‏ (2).

____________

(1) في ص 36.

(2) كفاية الاصول: ص 459.

84

أقول: الصحّة في الفرع الأوّل مبنيّة على جريان قاعدة الفراغ، فيحكم بها على تقدير جريانها و لو جرى استصحاب الحدث قبل الصلاة، و ذلك لأنّها محكومة بالقاعدة، إذ لا فرق في المحكوميّة بين الاستصحاب الجاري حال الصلاة و الجاري بعدها، و جريانها من جهة أنّ الشكّ في الحدث حادث بعد الصلاة، إذ المفروض في الفرع الأوّل عدم حصول الشكّ قبل الصلاة.

و احتمالُ كون الشكّ ثابتاً في خزانة النفس لا يضرّ بقاعدة الفراغ، إذ لو كان الموضوع هو الشكّ الّذي لم يكن مركوزاً في الذهن حال الصلاة بحيث لا بدّ من إحراز ذلك لم يكن للقاعدة مجرىً إلّا في صورة العلم بالصحّة حال العمل من دون عروض الغفلة فشكّ بعد الصلاة، و العلم بها إذا كان مطابقاً للواقع لا يحتاج إلى القاعدة، و إن كان مخالفاً فلا بدّ من عروض غفلةٍ ما فهو شريك لصورة الغفلة، و لا يحرز أنّ الغفلة كانت بحيث إنّه لو سئل لكان يجيب بأنّه قاطع بالصحّة.

كما أنّ الغفلة في حال الصلاة غير مضرّة بالقاعدة، و هي غير الغفلة حين العمل بالشرط أو الجزء، كما لو كان عالماً بأنّه كان غافلًا عن إحراز الاستقبال قبل الصلاة و بعدها لكن يحتمل تحصيل الاستقبال غفلةً، فإنّ المفروض أنّه لو تطهّر قبل الصلاة لم يكن في حال الغفلة، إذ لا معنى للوضوء في حال الغفلة.

و الحاصلُ: أنّ الغفلة حين العمل المشروط بشرط يكون تحصيله مقدّماً عليه مع احتمال التذكّر حين الصلاحيّة للإتيان بذاك الشرط و الإتيان به و إحرازه للعمل غيرُ مضرّ بالقاعدة، للإطلاق الموافق لبناء العقلاء و للتعليل، لأنّ المقصود من العمل المستفاد من قوله (عليه السلام): «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشكّ» (1) هو الإتيان بكلّ جزءٍ و شرطٍ حين صلاحيّته للإتيان، فافهم و تأمّل.

فالصحّة متفرّعة على جريان قاعدة الفراغ، و قد تحقّق صحّة جريانها من دون‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 331 ح 7 من ب 42 من أبواب الوضوء.

85

فرق بين جريان الاستصحاب و عدمه؛ و الفساد مبنيّ على عدم جريانها، فيحكم بالفساد و لو لم يجر استصحاب الحدث حال الصلاة أو قبل الصلاة، لكفاية استصحاب الحدث بعد الصلاة حينئذٍ للحكم بالفساد، و على فرض عدمه يكفي استصحاب الاشتغال، و على فرض عدمه يكفي قاعدة الاشتغال كما هو واضح بحمده تعالى.

فالابتناء على إجراء القاعدة و عدمه في الفرعين واضح، كما أنّ جريان القاعدة في الفرع الأوّل واضح أيضاً بعد ما بيّنّاه، و أمّا عدم جريانها في الفرع الثاني فلأنّ الشكّ لا يكون حادثاً بعد الصلاة، و ذلك لا من باب بقائه في خزانة النفس، بل و لو لم يكن باقياً بوجوده الارتكازيّ في خزانتها، فإنّه يكفي في عدم مشموليّته للقاعدة تحقّق الشكّ قبل العمل أو في أثنائه و إن عرض له الذهول بالمرّة، فإنّ الموضوع فيها هو حدوث طبيعة الشكّ بعد التجاوز، فإنّه لو لا ذلك لصار معارضاً لما يقتضي من الاعتبار بالشكّ في المحلّ.

و الظاهر أنّ القاعدة بصدد بيان أمر واحد منطوقاً و مفهوماً، و هو أنّ الشكّ في شي‏ء لم تجزه و أنّه إذا جاز فلا اعتبار به، لا أنّه قاعدتان متعارضتان، فافهم و تأمّل.

و أمّا الخامسة و السادسة في أنّ المعتبر هل هو اليقين المتحقّق على كلّ حالٍ و كذا الشكّ في البقاء المتحقّق كذلك أم يكفي وجود هذين الأمرين على الفرض و التقدير؟

فعلى الثاني لو حصل اليقين بوجود شي‏ء على تقديرٍ و شكّ في بقائه على تقدير ثبوته و كان الأثر مترتّباً على ذلك يجري الاستصحاب، بخلاف الفرض الأوّل فإنّه لا يجري الاستصحاب.

مثاله: أنّه لو كان مال مردّداً بين شخصين و لم تكن ملكيّته من حيث الحدوث مورداً للمخاصمة، بأن كان كلّ منهما جاهلًا بذلك، بأن وهبه شخص لأحدهما و هو قَبِله، لكن نسي ذلك و يدّعي أحدهما أنّه ملّكه الآخر على تقدير كونه ملكاً له و الآخر

86

ينكر ذلك، فعلى فرض جريان الاستصحاب على تقدير حصول الملكيّة له فالقول قول من ينكر ذلك، و إلّا فلا دليل على تقدّم قوله فلا بدّ من التحالف على القاعدة.

يمكن أن يقال بجريان الاستصحاب.

و الوجه فيه أمران:

أحدهما: إنكار اعتبار اليقين و كذا الشكّ في البقاء، لكن قد مرّ اعتباره. و أمّا الشكّ في البقاء فيمكن المصير إلى عدم اعتباره على فرض الاعتبار بالشكّ، من باب أنّ المستفاد من الأخبار هو التعبّد بالبقاء، لا اعتبار أن يكون الشكّ في البقاء.

ثانيهما: أن يقال: إنّ اليقين حاصل على التقدير، فإنّه لو علمنا بمجي‏ء زيد على تقدير مجي‏ء عمرو و كان مجي‏ء عمرو مشكوكاً يصدق عرفاً أنّا متيقّنون بمجي‏ء زيد على التقدير المذكور.

و الإشكال في ذلك تارةً بمعلوميّة عدم حصول اليقين على التقدير المذكور واقعاً، فالمراد من الإطلاق المذكور حصوله على تقدير العلم بحصول المعلّق عليه أو اليقين بالملازمة و هو غير اليقين بحصول اللازم فعلًا على تقدير الملزوم واقعاً؛ و اخرى بأنّه لو كان اليقين متحقّقاً على التقدير لم يكن شكٌّ في موارد الاصول، فإنّه لو شكّ في تنجّس شي‏ء من جهة أنّ الملاقي له كان نجساً أو طاهراً فإنّه متيقّن- بناءً على ذلك- بالنجاسة على تقدير الملاقاة للنجس و بالطهارة على تقدير عدمها، فلا شكّ على كلّ حال. هذا. مع وضوح أنّ اليقين من الصفات الموجودة في النفس فلا يدور مدار الخارج، بل يدور مدار العلم بالخارج إذا فرض دخالة شي‏ء في حصول المتيقّن.

مدفوعٌ بأنّ المقصود من وجود اليقين فعلًا تحقّقه في النفس حين يفرض وجود المعلّق عليه، لا تحقّقه على التقدير الواقعيّ.

و البرهان على ذلك أنّ الإرادة المشروطة متحقّقة قطعاً، و إلّا لم يصدر الأمر

87

المشروط من المولى مع أنّه قد لا يعلم الآمر حصول الشرط في ظرفه. و الإرادة معلولة للعلم بالمصلحة فهي كاشفة عن العلم بالمصلحة على تقدير حصول الشرط.

فنقول أوّلًا: إنّه لا فرق بين اليقين و الإرادة، فكما تكون الإرادة موجودةً في الفرض كذلك اليقين.

و ثانياً: إنّها معلولة للعلم بالصلاح، فلو لم يكن علمٌ لم يكن إرادةٌ مع أنّها حاصلة بالوجدان و بالبرهان أي إنشاء التكليف.

فالظاهر أنّ اليقين على التقدير حاصل و كذا الشكّ في البقاء على التقدير.

و يبتني على ذلك صحّة استصحاب مؤدّيات الأمارات، لأنّ اليقين بتحقّق المؤدّى على تقدير صدقها حاصل، و مقتضى حجّيّتها صدقها، فاليقين حاصل في الفرض وجداناً و مطلقاً بعناية التعبّد.

و يجاب عن ذلك بأُمور اخر نذكرها من دون الإشارة إلى ما في بعضها من الخلل.

و ملخّص ما يظهر ممّا تقدّم و غيره امور:

منها: عدم الاعتبار باليقين و الشكّ في البقاء، بل يكفي الثبوت السابق بحيث كان التعبّد الظاهريّ بالنسبة إلى البقاء.

و منها: دعوى وجود اليقين و الشكّ في البقاء تقديراً، و كفاية ذلك في الاستصحاب.

و منها: أن يدّعى أنّ مفاد دليل حجّيّة الأمارات تنزيلها منزلة اليقين حتّى في جريان الاستصحاب.

و منها: أن يقال: إنّ المقصود من اليقين في أخبار الاستصحاب مطلق الحجّة و من الشكّ مطلق اللاحجّة، فالظنّ المعتبر ملحق باليقين و غير المعتبر ملحق بالشكّ.

و منها: أنّه يمكن استصحاب الحكم الظاهريّ المتحقّق في الموضوع سابقاً

88

كائناً ما كان من الحكم التكليفيّ الطريقيّ أو الحجّيّة الاعتباريّة أو غير ذلك.

و منها: أنّه لا مانع من استصحاب منجّزيّة الحكم على تقدير ثبوته و كونه معذوراً فيه على تقدير مخالفته، فإنّه قابل للجعل، فإنّه مجعول بواسطة جعل الطريق و لو كان ذلك هو الاستصحاب.

و منها: أنّه يمكن استصحاب الحكم الموجود في البين حال قيام الأمارة و لو مع فرض القطع برفع الحكم الظاهريّ المستفاد من الأمارة، لأنّه مردّد بين انطباقه على الفردين إن كان الواقع مطابقاً له و على فردٍ واحدٍ إن لم يكن كذلك، فيكون أحد قسمي القسم الثالث من الكلّيّ.

التنبيه السابع‏

[في أقسام استصحاب الكلّيّ‏

] في البحث عمّا إذا كان المستصحب أمراً كلّيّاً، و هو على أقسام:

القسم الأوّل: ما إذا كان الشكّ في بقاء الكلّيّ من جهة الشكّ في بقاء الفرد فيكون متيقّناً بتيقّن الفرد و مشكوكاً بالشكّ فيه. و لا إشكال في جريان الاستصحاب فيه إذا كان الأثر مترتّباً عليه، و لكن نبحث بعونه تعالى في امور:

منها: أنّه لو لم يكن للكلّيّ أثر و كان الأثر للفرد فهل يجري استصحاب الكلّيّ لترتيب أثر الفرد- من جهة أنّه عينه خارجاً- أم لا، من جهة أنّ المستصحب هو القدر المشترك من دون دخالة الخصوصيّة الفرديّة في ترتّب الأثر بالفرض؟

و إثباتُ الخصوصيّة الفرديّة بالملازمة بين وجود الكلّيّ و الفرد بعموم الدليل غيرص حيح، كما أنّ ترتيب أثر الخصوصيّة على إثبات الكلّيّ بتوسيط الملازمة العقليّة مثبت. و لا شبهة في تعيّن الثاني كما هو واضح.

و منها: أنّه لو لم يكن للفرد أثر بل كان الأثر للكلّيّ فهل يجري استصحاب الفرد من جهة ترتيب أثر الكلّيّ؟

89

الظاهر عدمه أيضاً، لأنّ التعبّد بالخصوصيّة لا وجه له، لأنّه ليس بنفسه أثراً شرعيّاً و لا موضوعاً ذا أثر شرعيّ فالتعبّد بالخصوصيّة لغوٌ صِرف.

و منها: أنّه لو كان الأثر للأمرين من الفرد و الكلّيّ فلا يبعد أن يقال: إنّ استصحاب الفرد جارٍ و حاكمٌ على استصحاب الكلّيّ، فإنّ استصحاب الفرد رافعٌ للشكّ عن الكلّيّ، لأنّه مثبت للقدر المشترك مع زيادة الخصوصيّة. و الاختلاف بين الثابت بالفرد من القدر المشترك و الثابت بنفس استصحاب الكلّيّ بالإجمال و التفصيل غير مضرّ كما لا يخفى.

لكن لا يخفى أنّ المقصود من استصحاب الفرد الحاكم هو الفرد بجميع ما له من الخصوصيّات الذاتيّة و العرضيّة. أمّا لو كان الأثر مترتّباً على الفرد بمعنى القدر المشترك المقيّد ببعض الخصوصيّات الفرديّة (كما لو كان الأثر مترتّباً على الإنسان الّذي له هيكل خاصّ خارجيّ فتكون الخصوصيّة الجسميّة الخاصّة ملحوظةً من دون دخالة وصف العلم و كان الأثر المترتّب على الكلّيّ مترتّباً على وصف العلم) فلا يثبت بالفرد ما هو مترتّب على الكلّيّ، فافهم و تأمّل و تبصّر.

و منها: أنّه قد يكون المستصحب في الكلّيّ القسم الأوّل هو الموضوع المترتّب عليه الأثر، و قد يكون حكماً شرعيّاً كما في استصحاب أصل مشروعيّة الخمس، من جهة احتمال تماميّة دلالة أخبار تحليل الخمس و اقتضائها عدم المشروعيّة، فكما يجوز استصحاب خصوص الوجوب يجوز استصحاب أصل المشروعيّة المردّدة بين الوجوب و الاستحباب، لأنّ كلّاً من الصحّة و العباديّة و عدم جواز الترك مترتّب على ذلك. و قد لا يكون للتقييد بالوجوب أثر عمليّ، كما أنّه يتصوّر بالنسبة إلى من توفّى الخمس من دون وجوب الخمس على مؤدّيه أصلًا، فإنّه يشكّ في تملّكه، لأنّه تملّك بعنوان الخمس فلا بدّ من مشروعيّته، و لا أثر للوجوب بالنسبة إليه أصلًا.

ثمّ إنّه كما تكون الكلّيّة متصوّرةً من جهة تردّد الحكم بين الوجوب و الاستحباب‏

90

أو غيره من التقسيمات الراجعة إلى الحكم بنفسه- من الغيريّة و النفسيّة و الحرمة و الكراهة و الاستحباب و الإباحة- قد تكون الكلّيّة متصوّرةً في الحكم من حيث تردّد المتعلّق، كأن تردّد بين أن يكون خمساً أو أمراً آخر نذره أن يعطيه للسيّد مثلًا، فيستصحب أصل وجوب إعطاء مال إلى الغير في الجملة، و أثره عدم جواز التصرّف في المال المخلوط بذلك؛ و المقصود أنّه يكون أيضاً من قبيل استصحاب الحكم الكلّيّ، لعدم استصحاب الموضوع في المقام و لو كان الشكّ من جهة تعلّقه بالموضوع. هذا كلّه الكلام في القسم الأوّل.

القسم الثاني: ما إذا كان الشكّ في بقاء الكلّيّ مسبّباً عن الشكّ في تحقّقه سابقاً بتحقّق الفرد المقطوع ارتفاعه أو المقطوع بقاؤه.

لا إشكال في بدو الأمر في استصحابه، من جهة تحقّق ركني الاستصحاب من اليقين و الشكّ، إلّا أنّه يشكل فيه بأُمور:

الأوّل: أنّه قد يمكن أن يقال: إنّه على فرض عدمِ جريان استصحاب الفرد المردّد بين المقطوع ارتفاعه و المقطوع بقاؤه و كونِ الكلّيّ عينَ الفرد في الخارج فاللازم أيضاً تردّد الكلّيّ بين المقطوع بقاؤه و ارتفاعه، لأنّه بمنزلة الآباء للأولاد، و لازم ذلك عدم جريان استصحابه أيضاً.

و يدفع ذلك بأنّ معنى كونه عينَه أنّه عينه خارجاً لا ذاتاً، فحيثيّة القدر المشترك في الخارج غير حيثيّة الخصوصيّة الفرديّة، و اليقين و الشكّ يتعلّقان في صقع الذهن بالقدر المشترك من دون دخالة الخصوصيّة، و المحكيّ في الخارج هو نفس القدر المشترك من دون دخالة الخصوصيّة. و عدمُ وجود القدر المشترك مستقلّاً في الخارج غيرُ عدم كونه محكيّاً للماهيّة الموجودة في الذهن، فكما أنّ وجود الكلّيّ الطبيعيّ في الخارج ليس بكون الخصوصيّة معروضةً للوجود، بل ما هو الموجود في الخارج نفس ذات الكلّيّ المعروض للكلّيّة، فإنّه لا يتعدّد ذات الكلّيّ الطبيعيّ بتعدّد وجوده‏

91

الذهنيّ و الخارجيّ أو مع فرض عدم وجودها أصلًا. و هذا لعلّه من الواضحات عند العقل و العرف، فإنّ العرف أيضاً يرى وحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوكة في القسم الثاني من الكلّيّ.

الثاني: أنّه و إن كان الاستصحاب جارياً بالذات في الكلّيّ إلّا أنّه محكوم باستصحاب عدم الفرد الطويل، و ذلك بضمّ القطع بعدم الفرد القصير.

و أجاب عنه كما في الكفاية:

أوّلًا بأنّه ليس مسبّباً عن حدوث الفرد الطويل، بل يكون مسبّباً عن كون الحادث هو المرتفع أو الباقي‏ (1).

و فيه: أنّه يكفي في الحكومة الّتي هي رفع الشكّ تعبّداً الحكمُ بعدم المشكوك فعلًا، فإنّه أعمّ من الشكّ في البقاء، فإذا ارتفع الشكّ مطلقاً تعبّداً فلا شكّ في البقاء.

و ثانياً: أنّه لا تسبّب، بل الكلّيّ عين الفرد (2).

و فيه: أنّه حينئذٍ أولى بالحكومة.

و ثالثاً: أنّه لو سلّم التسبّب عن حدوث المشكوك فاللزوم عقليّ‏ (3).

و فيه: ما عرفت من العينيّة و أنّها أولى بالحكومة.

فالإشكال على الثالث مبنيّ على أنّ فرض التسبّب ممّا يحتاج إليه في مقام التحكيم. فتأمّل.

و الحقّ في الجواب أمران:

أحدهما: أن يقال إنّ الحكومة و إن كانت مسلّمةً إلّا أنّه في ما إذا جرى استصحاب عدم الفرد الطويل مع أنّه قد لا يجري للتعارض- كما في استصحاب عدم الحدث الطويل فإنّه معارض باستصحاب عدم القصير- و التعارض متحقّق بالنسبة إلى الزمان الأوّل و إن ارتفع أثره بعد ارتفاع الفرد القصير كما هو واضح.

____________

(1) كفاية الاصول: ص 462.

(2 و 3) كفاية الاصول: ص 462.

92

ثانيهما: أنّه قد لا يجري استصحاب عدم الفرد الطويل، لعدم الأثر لخصوص الفرد، فلا يمكن التعبّد بعدم ذلك الخاصّ، لعدم الأثر. و استصحابُ عدمه مع إلقاء الخصوصيّة عينُ استصحاب عدم الكلّيّ، و هو خلاف المتيقّن، لأنّ حدوث الكلّيّ مسلّم كما لا يخفى.

لا يقال: المقصود من عدم الكلّيّ عدمُ جميع أفراده، فاستصحاب عدم الفرد بضمّ العلم بعدم القصير عين عدم الكلّيّ بعدم جميع أفراده، فلا يحتاج إلى أثر في نفس الفرد.

فإنّه يقال بأنّه مع فرض ترتّب الأثر على صدق وجود الكلّيّ في الجملة يكون عدم الأثر مترتّباً على عدم صدق وجود الكلّيّ في الجملة، لا عدم جميع الأفراد، فلا أثر لعدم تلك الخصوصيّة، بل الأثر مترتّب على عدم صدق وجود الكلّيّ في الجملة.

و خلاصة الجوابين ترجع إلى أمر واحد، و هو أنّه ليس المقصود من جريان الاستصحاب في الكلّيّ القسم الثاني أنّه لا يصير محكوماً للفرد أبداً، بل المقصود أنّه قد يحتاج إليه، و مورد الاحتياج هو عدم جريان الاستصحاب في الفرد، لعدم الأثر أو لوجود التعارض.

و يترتّب على ذلك أنّه لو كان للفرد أثر و لم يكن الاستصحاب فيه معارضاً للاستصحاب في الفرد القصير فاستصحاب عدم الفرد يكون حاكماً على استصحاب الكلّيّ، كما إذا حدث العلم بنجاسة أحد طرفي الثوب بعد تطهير أحدهما المعيّن، فإنّ استصحاب عدم تنجّس القسمة غير المطهرة منه بضمّ القطع بتطهير القسمة الاخرى يحكم بطهارة الثوب، و هو المطابق للارتكاز المتّخذ من الشارع المقدّس. و مقتضى ما في الكفاية و غيره هو ترتيب أثر كلّيّ النجاسة في الثوب، فلا يجوز لبسه في الصلاة و لا يجوز مسّ تمامه، و هو خلاف الارتكاز المتّخذ من الشرع الأنور، فافهم و تأمّل.

93

الثالث- و هو الشبهة العبائيّة-: أنّ مقتضى جريان استصحاب الكلّيّ في القسم الثاني أمر باطل بالضرورة، و هو أنّه لو فرض العلم بتنجّس أحد طرفي العباء من الأسفل أو الأعلى فاغتسل الطرف الأسفل فحينئذٍ:

إمّا أن يقال بعدم استصحاب وجود أصل النجاسة في العباء. و هو المدّعى، إذ هو منع جريان استصحاب الكلّيّ القسم الثاني.

أو يقال بجريانه لكن لا يترتّب عليه أثر تنجّس الجسم الملاقي لكلا طرفي العباء. فهو تخصيص بلا مخصّص، إذ مقتضى وجود النجاسة في العباء نجاسة الجسم الملاقي لجميع أطرافه.

أو يقال بنجاسة الجسم الملاقي للطرف غير المغسول فهو باطل، من جهة أنّه ليس أثر وجود النجاسة في العباء تنجّسَ ملاقي الطرف غير المغسول بالخصوص، و من جهة لزوم كونه أسوأ حالًا من صورة عدم تطهير الطرف الأسفل، فإنّه لو لم يطهّر الأسفل كان ملاقاة الطرف الأعلى منفرداً غير مؤثّر في نجاسته، لأنّه ملاقي أحد أطراف الشبهة، و من المعلوم أنّ تطهير الطرف الأسفل لا يصير سبباً للحكم بنجاسة ملاقي الطرف الأعلى.

أو يقال بنجاسة ما يلاقي الطرفين، فإنّه لا يحكم بنجاسة ملاقي الطرف الأعلى إلّا إذا انضمّ إليه ملاقاة الطرف الأسفل المقطوع طهارته. و هو باطل بالضرورة أيضاً، لأنّ من المعلوم أنّ ملاقاة الطرف المقطوع طهارته لا يصير سبباً واقعيّاً و لا ظاهريّاً للحكم بنجاسة الملاقي.

و خلاصة الكلام: أنّ الاحتمالات أربعة: ثلاثة منها باطلة فيبقى الرابع، و هو عدم جريان الاستصحاب في القسم الثاني من الكلّيّ، و هذا هو المعروف بالشبهة العبائيّة.

و أصل تلك الشبهة القويّة معروفة من السيّد الجليل النبيل آية اللَّه الملك العلّام‏

94

في العلم و الزهد و الاستقامة و التجنّب عن الهوى و التوجّه إلى المولى، مولانا السيّد إسماعيل بن السيّد صدر الدين الموسويّ العامليّ تغمّده اللَّه برحمته و غفرانه و سلام اللَّه عليه و رحمته و بركاته.

و السيّد الأجلّ لعدم اعتنائه بالخلق حتّى ببقاء أثره عندهم لم يكتب تلك الشبهة و ما نُقل عنه من الشبهات اللطيفة الّتي تدلّ على غَزارة علمه و شدّة ذكائه‏ (1)، و لذا قرّرناها بما وصل إليه النظر متّخذاً من تقرير الشيخ الأجلّ- تغمّده اللَّه برحمته- الشيخ محمّد عليّ الكاظميّ الخراسانيّ.

و قد اجيب عنها بوجوه:

الأوّل: ما في التقرير المذكور عن شيخه النائينيّ (قدس سره) من أنّه ليس استصحاب النجاسة في العباء من قبيل استصحاب الكلّيّ، بل هو كاستصحاب الفرد المردّد، فهو كما لو علم بوجود حيوان خاصّ بالخصوص في الدار و تردّد بين أن يكون في‏

____________

(1) الّتي منها: أنّ مقتضى الاستصحاب هو الحكم بالجنابة لو علم بحصول جنابة في ليلة الجمعة و قطع بالغسل منها ثمّ رأى منيّاً في ثوبه و قطع بحصول جنابة له من ذاك المنيّ، و لكن لا يعلم أنّه من الجنابة الحاصلة في ليلة الجمعة المقطوع رفعها أو من جنابة جديدة بعد الاغتسال.

و منها: أنّه لو علم مثلًا بعد السجدة الاولى من إحدى ركعات صلاته أنّه إمّا سجد السجدة الثانية و إمّا زاد ركوعاً قبل السجدة الاولى فمقتضى قاعدتهم هو عدم الاعتناء باحتمال الزيادة و الإتيان بالسجدة- لأنّه شكّ قبل تجاوز محلّه- مع أنّه يقطع بلغويّة السجدة، لأنّ الصلاة إمّا باطلة و إمّا أتى بالسجدة.

و منها: غير ذلك ممّا يطول بذكره المقام، و كثيرها ليس في خاطري، و قد كان ينقله السيّد الجليل النبيل العالم الألمعيّ السديد المتقن، صاحب الفضائل و الفواضل و الفهم النقّاد و صراحة اللهجة و الصدق التامّ في الكلام جدّاً و هزلًا، السيّد زين العابدين الكاشانيّ الحائريّ رضي اللَّه عنه و أرضاه.

و المقصود من التطويل ذكر بعض من خَمِل ذكرهم من الأتقياء و الأبرار الّذين لا يُرى أو قلّ نظراؤهم، و لعلّه للتقرّب بذلك إلى المولى.

اللّهمّ ترحّم عليهم و تحنّن عليهم و أنزل عليهم رحمتك و بركاتك المتواترة، و اجعلنا ممّن يسلك سبيلك و يهتدي بهداك و لا يخدع في هذا العصر المادّيّ الظلمانيّ، و أنا العبد كاتب هذا الكتاب و مؤلّفه مرتضى بن عبد الكريم العلّامة الاستاذ، المقبل على اللَّه و المُعرض عن خلقه مع اشتهاره و رئاسته، ابن محمّد جعفر، تغمّده اللَّه برحمته و بركاته و غفرانه، و أغرقهم اللَّه في بحار رحمته.

95

الجانب الشرقيّ أو الغربيّ، ثمّ انهدم الجانب الغربيّ و احتمل تلفه بكونه في الجانب الغربيّ. إلى أن قال: أو علم بإصابة العباء نجاسة خاصّة و تردّد محلّها بين الأسفل و الأعلى ثمّ طهّر طرفه الأسفل. إلى أن قال: و لا يكون ذاك من استصحاب الكلّيّ، لأنّ المتيقّن السابق أمر جزئيّ حقيقيّ لا ترديد فيه، و إنّما الترديد في المحلّ و الموضوع، فهو أشبه باستصحاب الفرد المردّد عند ارتفاع أحد فردي الترديد.

و فيه أوّلًا: أنّه يمكن فرض تردّد النجس بين ملاقاته للدم في الأسفل أو كون عرق نجس العين في الأعلى، فإنّ الإشكال المتقدّم باقٍ بحاله مع عدم تمشّي الفرار المزبور.

و ثانياً: أنّه لو كان المقصود ترتيب أثر الكلّيّ و هو وقوع النجس في المحلّ فلا يكون من الفرد المردّد؛ مع أنّه لو كان المقصود إثبات خصوص النجس المعلوم هويّته المجهول مكانه فهو أيضاً بالنسبة إلى الإضافة إلى المحلّ الخاصّ كلّيّ قابل للصدق على الكثيرين، و مقتضاه عدم خصوصيّة لوقوعه في الأسفل أو الأعلى.

و هذا بخلاف الفرد المردّد، فإنّ معنى استصحابه هو استصحاب خصوص الفرد حتّى بالنسبة إلى المحلّ الخاصّ، و سيجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى الكلام فيه.

الثاني: ما في رسائل بعض العلماء المعاصرين من أنّه لا يترتّب على ملاقاة الثوب أثر ملاقاة النجس، فإنّه باستصحاب بقاء الكلّيّ لا يحرز كون ملاقاة الأطراف ملاقاةً للنجس إلّا بالأصل المثبت؛ و ليس لأحد أن يقول: إنّه بعد الاستصحاب يكون الملاقاة للنجس وجدانيّةً، لأنّ الثابت بالوجدان إنّما هو ملاقاة الثوب لا الملاقاة للنجس، و فرقٌ واضح بين استصحاب نجاسة طرف معيّن من الثوب و بين استصحاب نجاسته فيه بنحو غير معيّن، فإنّه في الأوّل ملاقاة مستصحب النجاسة حاصلة بالوجدان؛ بخلاف الثاني، فإنّ ملاقاة جميع الأطراف ملاقاةٌ للنجس الكلّيّ أو الفرد

96

الواقعيّ بالاستلزام العقليّ‏ (1). انتهى مع تلخيص و تحرير.

و فيه أوّلًا: أنّ مقتضى ذلك أنّه لو علم إجمالًا بنجاسة العباء و ملاقاته للنجاسة بأحد طرفيه من الأسفل أو الأعلى ثمّ احتمل تطهير العباء فلا يجري استصحاب النجاسة لترتيب أثر نجاسة الملاقي لجميع الأطراف، و لا أظنّ الالتزام بذلك منه؛ مع أنّ ما ذكره من إشكال الإثبات جارٍ فيه حرفاً بحرف.

و ثانياً: أنّ حقيقة الإشكال المنظور في الشبهة المذكورة جارية بالنسبة إلى سائر آثار وجود النجس في العباء كلبسه في الصلاة، فإنّ مقتضى الاستصحاب عدم جواز لبسه ما دامت القطعة المغسولة موجودةً في العباء، و إذا قُرضت فلا بأس بذلك، لعدم جريان استصحاب النجاسة في خصوص القطعة المفصولة إن لم يكن مقتضى العلم الإجماليّ السابق على التطهير مانعاً، بأن حصل العلم بعد تطهير الأسفل و قرض الأسفل حين أداء الصلاة فيجي‏ء الإشكال المتقدّم من دخالة القطعة المقطوعة طهارتها في الحكم بعدم جواز الصلاة، أو يكون مورد الحكم عدمَ لبس القطعة غير المغسولة، و هو غير ثابت بالاستصحاب، أو لا يترتّب على استصحاب النجاسة في الثوب ذلك الأثر، و هو تخصيص بغير مخصّص، أو لا يجري الاستصحاب الكلّيّ، و هو المطلوب.

و من ذلك يظهر عدم كون ملاك الشبهة هو خصوص ملاقاة الأطراف المعلومة نجاسة أحدها مع فرض القطع بتطهير البعض، بل هي جارية في كلّ من أطراف العلم الإجماليّ بعد خروج أحد الأطراف من مورد التكليف إذا كان الأثر مترتّباً على الكلّيّ، و لا يحصل ذلك إلّا بضمّ المعلوم خروجه عن مورده، كأن يعلم بأنّه إمّا هذا الدرهم ملكٌ لزيد أو ذاك، فاستحلّ من زيد بالنسبة إلى أحدهما المعيّن إن كان ملكاً له، فمقتضى استصحاب بقاء مال زيد في أحد الدرهمين هو عدم جواز التصرّف‏

____________

(1) الرسائل (للإمام الخمينيّ (قدس سره)): ج 1 ص 130.

97

فيهما؛ و أمّا التصرّف في المشكوك فليس ذلك مقتضى الاستصحاب، لعدم كون المشكوك بالخصوص موضوعاً للمستصحب.

و ثالثاً: مقتضى الوجدان ملاقاة جميع الأطراف، و مقتضى الأصل وجود النجس فيه، و مقتضى المركّب من الأصل و الوجدان ملاقاة جميع ما فيه النجس، و هو عين موضوع الدليل مع زيادة، فلا إثبات أصلًا.

و رابعاً: نقول: إن أبيت عن ذلك فلا شبهة أنّ الطبيعيّ موجود في الخارج، و قد كان الطبيعيّ نجساً سابقاً، و قد لاقى الجسم ما كان نجساً سابقاً بالوجدان، و هو مستصحب بالأصل، فهو عين موضوع الدليل.

الثالث: ما في تقرير بعض علماء العصر من الالتزام بترتيب أثر النجاسة، إذ لاقى الجسم كلا طرفي العباء، و دخالة ملاقاة مقطوع الطهارة من جهة أنّ التعبّد بترتيب الأثر على الاستصحاب متوقّف عليها، بمعنى أنّه إذا لاقى الطرفين فقد لاقى ما كان نجساً، فبعد ضمّ استصحاب النجاسة يصير صالحاً لكونه مورداً للتعبّد بترتيب الأثر (1).

إن قلت: ليست دخالة مقطوع الطهارة من باب أنّه مؤثّر في النجاسة واقعاً كما هو واضح، فإنّ دخالة ذلك فيها واقعاً خُلف فرض القطع بطهارته؛ و لا يمكن أن يكون من باب التأثير في الحكم بالنجاسة ظاهراً، لأنّ الحكم الظاهريّ ليس إلّا من باب الإيصال إلى الواقع أو العذر عنه، و المقطوع طهارته لا يكون دخيلًا في ذلك.

قلت: دخالته في الحكم الظاهريّ ليس مقتضاها إلّا تنجّزَ وجوب الاجتناب الواقعيّ بالنسبة إلى الفرد الآخر واقعاً لو كان موضوعاً لوجوب الاجتناب واقعاً إذا لاقى المقطوع، و عدمَ تنجّزه إذا لم يلاق المقطوع. و عدم الحكم بالتنجّز مطلقاً ليس إلّا من باب التسهيل أو غير ذلك من المصالح، فلا إشكال في دخالة المقطوع في‏

____________

(1) مباني الاستنباط (تقريراً لبحث آية اللَّه العظمى الخوئيّ (قدس سره)): ج 4 ص 105.

98

الحكم بوجوب الاجتناب الظاهريّ عن ملاقي الطرفين، فإنّ الحجّة في الحقيقة على وجوب الاجتناب هو اليقين بوجود النجس و ملاقاة ما يتيقّن بأنّه نجس، و لا يحصل ذلك إلّا بملاقاة المعلوم أيضاً، و أمّا ما حصل التعبّد بالنسبة إليه و هو الملاقي- بالكسر- لا يكون مقطوع الطهارة، و أمّا ما حصل التنجّز بالنسبة إليه من الواقع فليس هو واقعاً إلّا ملاقاة المشكوك إن كان نجساً في الواقع.

لكنّ الإنصاف: أنّ ذلك لا يخلو عن غرابة، فإنّ الارتكاز لا يتسلّم تأثير المقطوع طهارته في الحكم بالنجاسة.

إلّا أن يقال: إنّ مقتضى الدقّة دخالة المقطوع ارتفاعه في استصحاب الكلّيّ القسم الثاني مطلقاً، فإنّه لو لا فرض احتمال انطباق الحدث على المقطوع ارتفاعه لا يجري استصحاب خصوص الحدث الباقي، لأنّه مشكوك الحدوث؛ فضمّ المقطوع موجب لتحقّق اليقين السابق بالنسبة إلى الكلّيّ فيستصحب، و المنجّز أو المعذور فيه هو الحكم المتحقّق في الفرد الطويل لبّاً، و مورد التعبّد لا يكون قطعيّاً من حيث الحكم في جميع الموارد.

و كيف كان، فهذا الوجه أسدّ من سابقيه إلّا أنّه لا يكون جواباً عن الشبهة بجميع جوانبها، فإنّه دافعٌ لها في خصوص ملاقي الشبهة المحصورة.

و أمّا لو فرضنا العلم بوجود الإناء المحرّم شربه في الدار- متنجّساً أو غيره- و كان في الدار إناءان فانعدم أحدهما فمقتضى استصحاب الكلّيّ وجود الإناء المتنجّس أو المغصوب في الدار فيحرم شربه؛ فحينئذٍ يتوجّه إشكال أنّه لو لم يجر الاستصحاب ثبت المدّعى، و إن جرى و لم يترتّب عليه حرمة الشرب فهو تخصيص بلا مخصّص، و إن ترتّب عليه حرمة الشرب فلا موضوع له إلّا الفرد الطويل، و لا يثبت الكلّيّ أنّه ينطبق على الفرد الطويل.

فالجواب عنها أوّلًا: أنّه إذا كان محذور في دخالة المقطوع طهارته أو ما

99

يشبه ذلك في الحكم بالتنجّس و لم يكن مثل دخالة المقطوع ارتفاعه من الحيوان في الحكم بوجود أصل الحيوان فلا يقتضي ذلك إلّا عدم جريان الاستصحاب في خصوص ما فيه المحذور لا مطلقاً.

و ثانياً: أنّه لا محذور في جريان الاستصحاب في جميع الأمثلة المتقدّمة إمّا بدخالة المقطوع في إجراء الحكم الاستصحابيّ و إمّا بإثباته الفرد الطويل كما في المثال الأخير، و ليس ذلك من الأصل المثبت، فإنّه لا فرق في احتياج الحكم إلى الموضوع بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ، فإنّ مقتضى إطلاق دليل الاستصحاب هو حرمة شرب الإناء الموجود في المنزل، و لا إناء غير الموجود. فالتعبّد بالظاهر كالواقع محتاج إلى الموضوع، فيحكم بحرمة شرب الإناء الموجود.

و من ذلك يظهر أنّه لو انكر في مورد مثال العباء دخالة ملاقاة الطرف الطاهر في الحكم فلا محيص من الحكم بتنجّس الطرف المشكوك، و لا إشكال في ذلك.

القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّيّ: ما إذا كان الشكّ في بقاء الكلّيّ من جهة الشكّ في تحقّق فرد آخر غير ما علم تحقّقه و ارتفاعه. و يتمّ الكلام فيه إن شاء اللَّه في طيّ امور:

الأوّل: أنّه على أقسام، لأنّه قد يكون تحقّق الفرد المحتمل تحقّقه على فرض التحقّق مقارناً لارتفاع الفرد المتيقّن أو مقارناً لوجوده حال الشكّ في بقاء المتيقّن أو مقارناً لوجوده حال اليقين بوجوده، و على الأقسام الثلاثة تارةً يكون الفرد المتيقّن متعيّناً و معنوناً بعنوان خاصّ، كأن يعلم بوجود الإنسان في الدار و يحتمل وجود زيد أيضاً بأحد الوجوه الثلاثة المتقدّمة، و اخرى يكون المتيقّن بلا عنوان فيتعيّن بوجود الكلّيّ من جهة وجود فردٍ ما و يحتمل وجود فرد آخر بأحد الأنحاء الثلاثة المتقدّمة، فهذه ستّة أقسام.

و أمّا القسم الآخر الّذي ذكروه فيصير قسماً سابعاً، و هو الّذي يكون المتيقّن‏

100

فرداً ذا اشتداد فارتفع اشتداده و يحتمل بقاؤه بأضعف من السابق كالسواد الشديد و الضعيف، فهو خارج عقلًا و عرفاً عن القسم الثالث و داخل في القسم الأوّل. و يتصوّر العكس أيضاً بأن يكون المتيقّن السابق ضعيفاً فيحتمل ارتفاعه و يحتمل اشتداده.

و كيف كان، فهو خارج عن المقسم الّذي هو القسم الثالث من الكلّيّ المتقوّم بحدوث فرد قطعاً و ارتفاع فرد قطعاً.

الثاني: المشهور بين المتعرّضين له هو الحكم بعدم جريان الاستصحاب فيه.

و يمكن تشريح برهانه في طيّ جهات:

الاولى: أنّ مورد الاستصحاب هوما تعلّق به وصف اليقين و الشكّ في الخارج فيحكم بترتيب أثر البقاء عليه في الخارج، فإنّ كلّاً من اليقين و الشكّ و إن كان من الصفات النفسانيّة و يتعلّق بالصورة الموجودة فيها إلّا أنّه يتعلّق بها بما هو حاكٍ عن الخارج، فالمقصود من اليقين هو الّذي تعلّق بالخارج و لو من جهة الحكاية عنه و كذا الشكّ كي يصحّ التعبّد بالبقاء في الخارج.

الثانية: أنّ الطبيعيّ الّذي هو موجود في الخارج متعدّد الوجود بتعدّد الأفراد، و ليس الطبيعيّ بالنسبة إلى الأفراد كالأب مع الأولاد بل يكون كالآباء مع الأولاد، فالطبيعيّ المتحقّق في ضمن زيد غير الطبيعيّ المتحقّق في ضمن عمرو.

الثالثة: أنّ اليقين الحاصل بأصل الطبيعة المستند إلى اليقين بوجود زيد يستحيل أن يكون متعلّقاً بأصل الطبيعة الكلّيّة الأعمّ من زيد و عمرو، فإنّ المعلول لا يكون أوسع من العلّة، فالمتيقّن هو الإنسان الّذي هو زيد و ليس بعمرو، و من المعلوم أنّه لا يمكن الحكم ببقاء الإنسان الّذي هو زيد و ليس بعمرو بعد القطع بارتفاع زيد، للزوم الوحدة في القضيّة المتيقّنة و المشكوكة.

الثالث: في الجواب عن البرهان المزبور و إثبات صحّة استصحاب القسم الثالث بجميع أقسامه لو لا المحكوميّة باستصحاب عدم الفرد نقول- و هو المستعان-:

101

إنّه ليس معنى تعدّد الكلّيّ الطبيعيّ بتعدّد الفرد أنّ ملاك التعدّد يسري إلى ذات الكلّيّ، فذات الكلّيّ متعدّد في الخارج بعين تعدّد الفرد من دون أن يسري التعدّد إلى الذات، فالطبيعيّ هو الإنسان- مثلًا- وُجد في الذهن أو في الخارج أو لم يوجد أصلًا، و ليس فيه الوحدة و لا التعدّد.

فحينئذٍ هذا الذات الّذي ليس فيه شي‏ء غيره و متعدّد وجوداً في الخارج من دون أن يمسّ التعدّد ناحية ذاته متيقّن و هو أيضاً مشكوك.

فلا يبقى كلام في البين إلّا لزوم وحدة المتيقّن و المشكوك بحسب الوجود و عدم كفاية التعدّد الذاتيّ.

و هو مردود جدّاً بأنّ لازم ذلك عدم جواز الاستصحاب في الأحكام الكلّيّة كوجوب صلاة الجمعة، لأنّ موضوع المستصحب ليس موجوداً في الخارج، بل الوحدة بين القضيّة المتيقّنة و المشكوكة إنّما هي من حيث الذات، فكما أنّ الاتّحاد الّذي هو ملاك الحمل أمران: أحدهما الاتّحاد بالذات و الثاني الاتّحاد بحسب الوجود كذلك الوحدة المحتاجة إليها في باب الاستصحاب على قسمين، و يكفي كلّ منهما بنظر العرف و العقل.

و القول بأنّ المتيقّن هو الإنسان المنطبق على زيد- مثلًا- عدولٌ عن استصحاب الكلّيّ الّذي لا يلحظ فيه تلك الخصوصيّة.

كما أنّ القول ب «أنّ القطع بتحقّق زيد لا يصير منشأً للقطع بتحقّق الإنسان المطلق فلا متيقّن» مدفوعٌ بأنّه و إن لم يكن سبباً للقطع بتحقّق الإنسان المطلق إلّا أنّه يصير سبباً للقطع بتحقّق أصل الإنسان من دون لحاظ الخصوصيّة، و هو مشكوك أيضاً من دون لحاظ الخصوصيّة؛ و لو لا ذلك لكان ينبغي الإشكال في القسم الثاني من الكلّيّ لو بُني على عدم جريان استصحاب الفرد المردّد، لأنّ ما هو المتيقّن في الخارج لم يحرز أنّه بعينه المشكوك بقاؤه، إذ لعلّه هو المقطوع ارتفاعه، فلم يحرز وحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوكة وجوداً، فلا محيص إلّا عن الالتزام بكفاية الوحدة الذاتيّة بين القضيّتين.

102

و إن أبيت عن ذلك كلّه فلا أقل من التفصيل بين صورة تيقّن أحد الفردين و الشكّ في الآخر بلا تعيين، و ذلك لاحتمال بقاء الكلّيّ المتيقّن بعين وجوده السابق كما في القسم الثاني من الكلّيّ.

و إن أبيت عنه أيضاً فلا أقل من الحكم بالبقاء في ما إذا لم يكن اليقين بوجود الكلّيّ من جهة اليقين بالفرد بل كان الأمر بالعكس، كما أنّه كان متيقّناً بوجود الإنسان في البلد لا من باب وجود أشخاص خاصّة بل من جهة وجود المقتضي التامّ لسكونة الإنسان و تولّده فيه، أو كان صاحب البيت بانياً على إسكان إنسان في الدار بحيث لو لم يكن زيد لكان عمرو فيها، و الآن يشكّ في بقائه على ذلك. و الحاصل: أنّ العرف حاكم ببقاء الكلّيّ في صورة جريان استصحاب الفرد بنحو التعليق، فافهم و تأمّل.

ثمّ إنّه قد زيد في عصرنا قسم رابع، و هو أن يكون الشكّ في بقاء الكلّيّ ناشئاً عن احتمال كون الفرد المرتفع مجمعاً للعنوانين المعلومين.

مثاله: أنّه قد علم بوجود العالم و الهاشميّ في الدار، ثمّ خرج العالم من الدار فيحتمل خروج الهاشميّ أيضاً من باب كون الموجود فيها فرداً واحداً مجمعاً للعنوانين و قد خرج منها، و يحتمل بقاؤه من باب احتمال انطباقه على فرد آخر باقٍ.

و قد فرّع على ذلك جريان الاستصحاب في فرعين:

أحدهما: جريان استصحاب الطهارة في ما إذا كانت الحالة السابقة هي الطهارة ثمّ علم بوضوء و حدث، فيقطع بتحقّق طهارةٍ حين الوضوء المردّد بين التجديديّ و التطهيريّ معنونةً بحدوث عنوانين من الطهارة: الطهارة الاولى و الطهارة حين الوضوء الثاني الّذي هو بعد الطهارة الاولى، فيحتمل انطباق العنوانين على الطهارة الاولى حتّى يرتفع أصل الطهارة بارتفاع الاولى، و يحتمل انطباق الطهارة عند الوضوء الثاني على طهارة اخرى فتكون باقيةً، فعلى فرض جريان الاستصحاب في القسم الرابع يجري الاستصحاب المذكور.