مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام‏ - ج3

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
373 /
103

ثانيهما: جريان استصحاب الجنابة في مورد القطع بجنابة سابقة و الاغتسال منها ثمّ رأى منيّاً في ثوبه صار سبباً للقطع بالجنابة لنفسه من هذا المنيّ المهراق في الثوب، فإنّه يقطع بحصول عنوانين: أحدهما الجنابة السابقة، ثانيهما الجنابة الحاصلة عند إهراق المنيّ في الثوب، فيحتمل كونها منطبقةً على واحدٍ مرتفعٍ قطعاً و يحتمل كونها منطبقةً على فرد آخر من الجنابة، فهذا من القسم الرابع فيجري فيه الاستصحاب‏ (1).

أقول: في تصوير القسم الرابع و في تفريع الاستصحاب في الفرعين على ذلك و في نفس جريان الاستصحاب في الفرعين نظر و إشكال:

أمّا الأوّل فلأنّ ذلك قسم من القسم الثاني، لأنّ عنوان الهاشميّ في المثال مردّد بين وجوده في ضمن العالم حتّى يكون مرتفعاً قطعاً أو في ضمن فرد آخر طويل مقطوع البقاء. و كونُ الفرد القصير بنفسه واجداً لعنوان آخر لا أثر له حتّى يبحث عنه مستقلّاً، فإن قلنا بأنّ دوران الأمر الكلّيّ بين مقطوع الارتفاع و مقطوع البقاء غير مضرّ باستصحاب المشكوك فلا فرق بين المورد و غيره.

و أمّا الثاني فلأنّ إشكال الاستصحاب في الفرعين ليس من جهة الإشكال في استصحاب القسم الرابع من الكلّيّ و لذا لا يتصوّر إشكال في مثال العالم و الهاشميّ؛ إنّما الإشكال في الاستصحاب فيهما امور:

منها: احتمال فصل اليقين بين المتيقّن و المشكوك، إذ حين تحقّق الحدث يقطع بعدم الطهارة، و القطع المذكور موجود حين الشكّ، فإذا احتمل كون الطهارة عند الوضوء قبل الحدث فيحتمل فصل اليقين التفصيليّ الوجوديّ. و كذا بالنسبة إلى مثال الجنابة، فإنّه في يوم الجمعة- مثلًا- يقطع بعدم الجنابة الحاصلة له في ليلته، و يحتمل أن تكون الجنابة الحاصلة عند إهراق المنيّ في الثوب هي بعينها فيحتمل فصل اليقين.

و منها: أنّه ليس الشكّ في بقاء الطهارة في الأوّل و في الجنابة في الثاني، بل‏

____________

(1) مباني الاستنباط (تقريراً لأبحاث آية اللَّه العظمى الخوئيّ (قدس سره)): ج 4 ص 113- 114.

104

الشكّ لبّاً في حدوث طهارة اخرى و جنابة كذلك، فليس الشكّ في البقاء و ليس الحكم هو التعبّد بالبقاء، بل هو تعبّد بحدوث طهارة اخرى و جنابة كذلك.

و منها: أنّ العنوان الّذي جعل مورداً لليقين و الشكّ في المثالين ليس مورداً للأثر الشرعيّ، فليس الأثر مترتّباً على الطهارة حين الوضوء الثاني، و كذا لا أثر لخصوص الجنابة المشهود منيّها في الثوب، فالتعبّد بذلك بالخصوصيّة المذكورة غير مشمول لدليل الاستصحاب.

و يمكن أن يجاب عن الأوّل بأنّ الفصل باليقين في مثال الجنابة- و غيره يقاس به- إنّما هو بالنسبة إلى الجنابة الحاصلة في ليلة الجمعة، و أمّا الجنابة المشهود منيّها فلم يحصل يقين بارتفاعها بالعنوان المذكور، فليس في النفس يقين بارتفاع الجنابة بالعنوان المذكور؛ كيف! و لو كان القطع بالعنوان غير المتعلّق لليقين و الشكّ مضرّاً بالاستصحاب لَما كان يجري الاستصحاب في غير المثال أيضاً ممّا يقطع بعدم الجنابة- مثلًا- في يوم الخميس فقطع بجنابةٍ مشهودٍ منيّها في الثوب، و يحتمل أن يكون ذلك قبل يوم الخميس و كان اغتسل منها، و يحتمل أن يكون ذلك بعده.

و عن الثاني بأنّ الحكم بالبقاء إنّما هو حاصل بالنسبة إلى عنوان المتيقّن، فيحكم بواسطة الاستصحاب ببطلان الصلوات الواقعة بعد المنيّ و إن شكّ في الاغتسال، في قبال الاقتصار على ما كان منها في حال القطع بعدم الاغتسال، و مقتضى ذلك هو الحكم ببطلان ما وقع منها بعد المنيّ المذكور و إن كان المحتمل وقوعها في يوم الجمعة المقطوع عدم الجنابة فيها؛ و هذا معنى البقاء و تمديد عمر المستصحب تعبّداً.

و عن الثالث بأنّ العنوان المأخوذ في الشكّ و اليقين إنّما هو للاستصحاب، و هو غير الأثر المترتّب على المستصحب، ففي مثل صحيح زرارة (1) عنوان المتيقّن هو الوضوء الحاصل قبل الخفقة، و المشكوك أيضاً هو الوضوء الّذي كان متّصفاً

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

105

بالصفة المذكورة، و ليس الأثر- و هو جواز الصلاة- مترتّباً على ذلك، فالعنوان الّذي به يحصل اليقين و الشكّ دخيل في التعبّد، محتاج إلى ترتّب الأثر على الّذي يشار بذلك العنوان إليه كما هو ظاهر، خصوصاً بملاحظة موارد الاستصحاب كما لا يخفى.

فالظاهر جريان الاستصحاب في الفرعين لكن غير مربوط بإلحاق قسم رابع بالأقسام الثلاثة المعروفة.

و لا يخفى أنّه من ذلك يظهر أنّه لا مانع من استصحاب الفرد المردّد بين المقطوع ارتفاعه و بقاؤه، إذ هو مشكوك البقاء بعنوان الموجود في الآن السابق و إن كان بعنوان زيد مقطوعَ الارتفاع مثلًا؛ فلو كان شبح خاصّ في الدار و ضرب يده عليه و قال:

إن كان هذا في الدار عليّ أن أتصدّق بدرهم في كلّ ليلة، ثمّ علم أنّه مردّد بين زيد و عمرو، فإن كان الأوّل فقد خرج من الدار، و إن كان الثاني فقد بقي، فلا مانع من استصحاب خصوص ما وجد أوّلًا.

و اللَّه العالم بحقائق الأحكام. و كان تسويد ذلك في الليلة الرابعة من شهر محرّم الحرام من سنة 1391. و هو الموفّق لكلّ خير و الرادع عن كلّ شرّ، و للآخرة و الاولى هو المأمول.

التنبيه الثامن‏

[في أنّه هل يمكن استصحاب الفرد لترتيب أثر الكلّيّ؟

] المستفاد من الكفاية في ما إذا كان الأثر للكلّيّ أنّه يمكن استصحاب الفرد لترتيب أثر الكلّيّ في بعض الموارد و لا يمكن في بعضها الآخر، فإنّ الكلّيّات المنطبقة على الأفراد و المحمولة عليها بالحمل الشائع على أربعة أقسام:

الأوّل: ما ينتزع من الذاتيّات، كالإنسان و الحيوان و الناطق بالنسبة إلى زيد مثلًا.

الثاني: ما ينتزع من الأفراد بلحاظ الاتّصاف بالامور الاعتباريّة المسمّى عنده (قدس سره) بخارج المحمول، كالمغصوب و المملوك و الزوج.

106

ففي ذينك القسمين يصحّ استصحاب الفرد لترتيب أثر الكلّيّ: أمّا في الأوّل فلأنّ الفرد عين الكلّيّ، و هو عينه خارجاً، و أمّا في الثاني فلأنّه لا خارجيّة للأمر الاعتباريّ إلّا بمنشئه، فالأثر له دون الأمر الاعتباريّ.

الثالث: أن يكون منتزعاً منها باعتبار الأعراض الحقيقيّة، كالأبيض.

الرابع: أن ينتزع منها باعتبار أمر مباين لها، كالمجاور و المقارن و المقدّم و المؤخّر.

و في ذينك لا يثبت باستصحاب الفرد أثر الكلّيّ، إذ الفرد بما هو فرد لا يكون متقوّماً بذلك حتّى يكون تنزيل الفرد تنزيلًا للكلّيّ المنتزع منه بعض الأعراض أو المفارقات‏ (1).

أقول: أمّا ما ذكره بالنسبة إلى القسم الأوّل:

ففيه أوّلًا: أنّه لا يجري استصحاب الفرد إذا لم يكن لخصوص الفرد أثر، إذ لا معنى للتعبّد بالخصوصيّة؛ و كذا إن كان الأثر مترتّباً على الفرد أي الطبيعة المتخصّصة بالخصوصيّة الفرديّة و كان المستصحب هو الفرد بما هو كذلك، إذ لا يترتّب عليه حينئذٍ إلّا الأثر المترتّب على الطبيعة المقيّدة بالخصوصيّة. و أمّا لو جعل المستصحب ذات الطبيعة فهو عين استصحاب الكلّيّ.

و ثانياً: على فرض الجريان و صحّة التعليل بما ذكر- من اتّحاد الكلّيّ للفرد- فهو جارٍ في جميع الأقسام، فلا معنى للفرق.

و ثالثاً: ليس التعليل بذلك صحيحاً، إذ الاتّحاد في الوجود لا يقتضي أن يكون تنزيل أحد المتّحدين للوجود تنزيلًا بالنسبة إلى الآخر، بل الأصحّ هو التعليل في الكلّيّ المتّخذ من الذات باشتمال الفرد على المستصحب و ما زاد عليه.

و رابعاً: ربما يمكن الإيراد بأنّه لا أثر لاستصحاب الفرد في الكلّيّ الذاتيّ، إذ كما يمكن استصحاب الفرد يمكن استصحاب الكلّيّ، فلا أثر لتلك التوسعة.

____________

(1) راجع كفاية الاصول: ص 474.

107

لكن يمكن الجواب عن الأخير بظهور الثمرة في ما إذا تعارض الأصل الجاري في الفرد لشي‏ء آخر فيرجع إلى الأصل الجاري في الكلّيّ، لأنّ الأصل الجاري في الفرد حاكم على الكلّيّ، لكونه مزيلًا للشكّ عنه، بخلاف العكس. و السرّ اشتماله على الضميمة، بخلاف الكلّيّ.

مثاله: ما إذا علم بالطهارة الغسليّة ثمّ علم إجمالًا إمّا بنقضه أو بتكليف آخر كوجوب أداء مال بسبب التداين، فيتعارض الأصلان فيرجع إلى استصحاب أصل الطهارة.

هذا كلّه بالنسبة إلى القسم الأوّل.

و أمّا القسم الثاني ففيه أوّلًا: أنّ القول بأنّ موضوع الأثر- مثلًا- في الزوج هو الرجل من دون التقيّد بالزوجيّة فهو واضح البطلان، إذ اللازم ترتّب الأثر و لو مع ارتفاع عنوان الزوجيّة، فيجب عليه الإنفاق على من كانت زوجته قبل ذلك و إن فرض أنّ الموضوع هو المقيّد بهذا الأمر الاعتباريّ أو الانتزاعيّ، فالموضوع للأثر ليس نفس الخارج بل الخارج المقيّد بذلك، فلا يكفي التعبّد بصِرف الخارج.

و لا فرق بين ذلك و بين ما ينتزع من الفرد باعتبار الأعراض الحقيقيّة.

و ثانياً: أنّ مثل الملكيّة أو الغصبيّة الّتي مثّل بهما في الكفاية اعتبار ينتزع من الجهات المباينة أيضاً، و قد صرّح بأنّ المأخوذ من المباين لا يثبت أثره باستصحاب الفرد.

إن قلت: فكيف يحكم بجواز أخذ النفقة للزوجة من مال الزوج باستصحاب حياته؟! أم كيف يحكم بوجوب التصدّق من باب وجوب الوفاء بالنذر؟!.

قلت: ليس ذلك لمحض استصحاب الحياة، بل المستصحب هو حياة زيد هو الزوج أو شخص يكون شرطاً للتعهّد النذريّ، و لا ريب أنّ مقتضى ذلك ترتيب الأثر.

التنبيه التاسع‏

[في جريان الاستصحاب في الامور التدريجيّة

] غير خفيّ أنّه لا كلام في استصحاب نفس الزمان، للقطع بتحقّق أصل طبيعته.

108

و إنّما مورد البحث هو الأمر التدريجيّ الّذي يندرج فيه بعض قطعات الزمان كالشهر و اليوم. فحينئذٍ نقول- و هو المستعان-: إنّ المستصحب إمّا أن يكون مركّباً من التدريجيّين في الجملة و إمّا أن يكون مشتملًا عليه. و الثاني على قسمين، لأنّه قد يكون الأمر التدريجيّ موضوعاً في القضيّة المتيقّنة و المشكوكة و إمّا أن يكون محمولًا فيهما.

فالأوّل كاستصحاب الزمان الّذي وقع فيه خسوف القمر أو كاستصحاب الحركة الدوريّة لشي‏ء إذا كان لها أثر.

و الثاني كاستصحاب الزمان المتّصف بكونه ليلًا- فإنّ الوصفَ المنتزع منه الليلة أمرٌ ثابت و الزمانَ أمرٌ تدريجيّ- أو الزمانِ الّذي يكون زيدٌ فيه حيّاً.

و الثالث كاستصحاب جريان الماء مع القطع بوجود الماء في المنبع، و استصحابِ حركة زيد من مبدإ خاصّ إلى المنتهى.

و التركيب في جميع ذلك يتصوّر على وجوه، لأنّه إمّا أن يكون بنحو التقييد فيكون المستصحبُ الموضوعَ المقيّدَ بالوصف الثابت أو المتحرّك، سواء كان الموضوع متدرّج الحصول أو غيره، و إمّا أن يكون بنحو الظرفيّة فيستصحب وجود العرض في الظرف المفروض، و إمّا أن يكون الموضوعُ مفروضَ الوجود فلا يؤخذ في المستصحب، بل المستصحب هو الوصف في فرض وجود الموضوع.

و في جميع ذلك يجري الاستصحاب إذا كان له أثر، لاتّحاد القضيّة المتيقّنة و المشكوكة.

و مما ذكرنا يظهر امور:

منها: جواز استصحاب الزمان الّذي يكون ليلًا، بأن يقال: إنّ هذا الزمان المتدرّج الحصول كان ليلًا و الآن كما كان، و كذا يقال: هذا الزمان المتدرّج كان يوماً أو كان متّصفاً بكونه شهر رمضان و الآن كما كان، لأنّ الموضوع و إن كان متصرّماً إلّا أنّه أمر واحد عقلًا و عرفاً. و شبهة الإثبات مبنيّة على فرض كون المستصحب هو وجود

109

الليل، و من المعلوم أنّ وجود الليل لا يثبت أنّ هذا الزمان ليل، كما أنّه لو جعل الموضوع تلك القطعةَ الّتي يقع فيها الفعل أو الموجودَ الفعليّ من الزمان لا يجري الاستصحاب كما هو واضح؛ و لعلّ عدم جزم العرف باستصحاب ذلك مبنيّ على كون موضوع المستصحب بالارتكاز هو تلك القطعة الخاصّة، و أمّا لو عرض على العرف أنّ موضوعه هذا الموجود الطويل المسمّى بالزمان الّذي وجد قبل ذلك و يوجد بعد ذلك كان متّصفاً بالليليّة أو النهاريّة فالآن كما كان لا يشكّ في صحّة استصحابه، كيف! و لو اشكل في ذلك لَمَا جرى استصحاب نفس الأمر المتدرّج كاستصحاب كون زيد متحرّكاً، للاختلاف في المحمول، و لَما جرى استصحاب بقاء الزمان الّذي هو ليل، لأنّ المشكوك غير المتيقّن، و الكلّ مبنيّ على ملاحظة وحدة الوجود المتدرّج، فهو كالوجود القارّ بالنسبة إلى الأزمنة المختلفة.

و منها: جواز استصحاب سيلان الدم أو جريان الماء إذا كان المستصحب سيلانه أو جريانه بنحو كان التامّة، أي سيلان الماء أو جريانه من المنبع و لو لوجود أصل الماء لا على فرض الوجود، فيكون المستصحب هو المجموع- من السيلان المضاف إلى الدم- فيكون الموضوع هو الماهيّة المعرّاة من الوجود و العدم و ليس الموضوع هو الموجود بما هو موجود.

و شرح ذلك أنّ ما يكون موضوع الوصف مشكوكاً فاستصحابه يتصوّر على أقسام:

الأوّل: أن يكون المستصحب هو المقيّد بما هو مقيّد.

الثاني: أن يكون المستصحب هو نفس القيد و الوصف على وجه الإطلاق، بأن يكون المقصود استصحاب سيلان الدم و لو بأن يكون الشكّ من جهة الشكّ في وجوده في الرحم مثلًا. و لا إشكال في القسمين إن كان له أثر بالعنوان المستصحب.

الثالث: أن يكون المستصحب هو الوصف مع فرض وجوده لا بنحو الإطلاق‏

110

فيقال: «كان الماء على فرض وجوده جارياً» و كان الشكّ في الجريان من باب الشكّ في الوجود، فلا يجري الاستصحاب، للقطع بالمستصحب على تقدير وجوده، و استصحاب وجوده لا يثبت جريانه.

الرابع: أن يكون الشكّ في الوجود و الشكّ في الجريان على فرض الوجود، فيمكن أن يقال فيه بجريان استصحاب وجوده و يترتّب عليه استصحاب جريانه، فإنّ أثر استصحاب الوجود هو استصحاب الجريان، و لا غرو في ذلك.

و الفرق بين الأخيرين واضح، فإنّه في الأوّل منهما لا أثر مجعولًا مترتّباً على استصحاب الوجود إلّا بواسطة القطع بوجود الصفة و هو الجريان في الفرض، و في الثاني منهما يكون أثر الوجود هو استصحاب الصفة، و هو أمر مجعول. و لم أر ذكر ذلك في كتب الأصحاب (رضوان اللَّه عليهم).

ثمّ لا يخفى أنّ فرض الشكّ في موضوع الوصف ليس ممّا له ربط خاصّ بالتدريجيّات، بل الإشكال من جهة الشكّ في الموضوع، و هو يجري في جميع المتّصفات- مثل قيام زيد و غناه و جريان الماء- تدريجيّاً كان أو دفعيّاً.

و منها: أنّه ظهر مواقع النظر في ما في الكفاية الّذي ذكره بالنسبة إلى الفعل المقيّد بالزمان إذا كان الشكّ في حكمه من جهة الشكّ في بقاء القيد، فقال (قدس سره):

لا بأس باستصحاب قيده من الزمان، كالنهار الّذي قُيّد به الصوم- مثلًا- فيترتّب عليه وجوب الإمساك، كما لا بأس باستصحاب نفس المقيّد، فيقال: إنّ الإمساك كان قبل هذا الآن في النهار، و الآن كما كان‏ (1). انتهى ملخّصاً.

إذ فيه أوّلًا: أنّ ما تقدّم في صدر البحث هو ما إذا كان المستصحب أمراً تدريجيّاً، و استصحاب القيد داخل في ما تقدّم، فلا يناسب جعل القسم الأوّل هو ما إذا كان المستصحب تدريجيّاً و الثاني ما إذا شكّ في حكم الفعل المقيّد بالزمان.

____________

(1) كفاية الاصول: ص 465.

111

و ثانياً: أنّه قد تقدّم أنّ الجامع لجميع أقسام المركّب من التدريجيّ و غيره ليس منحصراً في ما ذكره من الفعل المقيّد بالزمان، بل الجامع هو الشي‏ء الأعمّ من الفعل و غيره، المركّب مع أمر تدريجيّ أعمّ من الزمان و غيره، و التركّب أعمّ من الاتّصاف و التقيّد و الظرفيّة و أعمّ من كون القيد هو التدريجيّ أو بالعكس.

فالأقسام أربع و عشرون، لأنّ التدريجيّ أعمّ من الزمان و غيره، و الشي‏ء أعمّ من الفعل و غيره، فهذه أربعة أقسام. و الكلّ ينقسم تركّبه إلى ثلاثة: من الاتّصاف و التقيّد و الظرفيّة، فهذا اثنا عشر قسماً. و الكلّ ينقسم إلى كون الموضوع للتقيّد أو الاتّصاف أو الظرفيّة هو الأمر التدريجيّ أو غيره، فهذه أربع و عشرون قسماً. و تفصيل ذلك بذكر الأمثلة ممّا يوجب التطويل.

و ثالثاً: استصحاب بقاء النهار الظاهر في أنّ المستصحب أصل وجود النهار لا يترتّب عليه وجوب الإمساك، فإنّه يجب الإمساك في النهار، و استصحاب النهار لا يثبت كون الإمساك في النهار.

إن قلت: لا إشكال في وجوب الصوم إذا كان نهار رمضان موجوداً، و في استحباب الصوم إذا كان النهار موجوداً، و يكفي ذلك لإثبات وجوبه.

قلت: متعلّق الوجوب الصوم في النهار، و هو غير قابل للإحراز، لا بالوجدان، و لا بالاستصحاب، لعدم الإثبات، فلا يمكن امتثال الحكم الظاهريّ إلّا على وجه الاحتمال.

إن قلت: بعد ما احرز وجوب الصوم بالاستصحاب فلا بدّ من تحقّق موضوعه في الآن المشكوك، للزوم الموضوع في الحكم الظاهريّ كالواقعيّ، فيثبت بذلك كون الإمساك في النهار، لأنّه لازم الحكم الظاهريّ أيضاً.

قلت: ليس وجوب الصوم مترتّباً على أصل وجود النهار، بل المجعول هو وجوب الإمساك في نهار رمضان مثلًا، و ترتّب وجوب الصوم على مطلق وجود النهار إنّما

112

هو ينتزع من وجوب الإمساك في النهار، و إلّا فليس في البين حكمان في قضيّة واحدة: أحدهما وجوب الإمساك في نهار رمضان، ثانيهما وجوب الإمساك من دون لحاظ الظرفيّة عند وجود النهار.

و رابعاً: أنّه قد تقدّم أنّه لا مانع من استصحاب كون الزمان المشكوك نهاراً، من باب كونه وجوداً واحداً للزمان المتقدّم، فالمتعيّن ذلك لا ما هو ظاهر كلامه.

و خامساً: أنّ ما ذكره بالنسبة إلى استصحاب المقيّد لا يلائم قوله: «إنّ الإمساك كان قبل هذا الآن في النهار»، فإنّ المستصحب حينئذٍ اتّصاف الإمساك بأن يكون في النهار، و لا يكون المستصحب نفسَ الإمساك، فإنّه موضوع المستصحب.

و سادساً: ليس الموضوع للأثر الإمساكَ الموجود، لأنّ الوجوب يتعلّق بالإيجاد؛ فالمقصود أنّ الإمساك كان سابقاً على تقدير وجوده في النهار و الآن كما كان، فهو من الاستصحاب التعليقيّ في الموضوع، و يجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى أنّه محلّ الإشكال.

و سابعاً: لا يكون الوجوب إلّا متعلّقاً بالإمساك في النهار، لا بالإمساك الّذي إذا وجد وجد في النهار. نعم، يمكن تصحيح ذلك- لو لا إشكال التعليق- بأنّه يترتّب على ذلك أنّه مصداق للواجب، و هو أيضاً شرعيّ و لو من باب كونه لازماً لجعل الوجوب، و يثبت به الوجوب، لأنّ التلازم شرعيّ. و يمكن الترتّب كما في اللوازم الشرعيّة بالنسبة إلى الملزومات و إن كان في النفس منه إشكال، و ربما يجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى في تنبيه الأصل المثبت.

و منها: أنّ ما ذكره في ما إذا كان الشكّ في بقاء الحكم المتعلّق بالفعل المقيّد بالزمان من غير جهة الشكّ في بقاء القيد، بأن قطع بارتفاع القيد و كان الشكّ من جهة كون المطلوب متعدّداً: «من استصحاب الحكم إذا كان الزمان بنظر العرف‏

113

ظرفاً غير معدّد للموضوع» (1) منظورٌ فيه أيضاً، من جهة عدم ربطه بالمبحث، فإنّ القيد الّذي هو الأمر التدريجيّ قد ارتفع قطعاً، فلا وجه لذكره في طيّ ما إذا كان المستصحب تدريجيّاً أو مقيّداً بالتدريجيّ أو كان الشكّ في الموضوع المأخوذ فيه الأمر التدريجيّ بما هو كذلك.

مع أنّه يمكن أن يقال باستصحاب أصل الوجوب و لو مع كون الزمان قيداً، من باب جريان استصحاب الكلّيّ القسم الثالث كما تقدّم.

و أمّا إشكال التعارض فقد تقدّم الكلام فيه بحمد اللَّه تعالى مفصّلًا في التنبيه الأوّل.

ثمّ إنّه يمكن الإيراد على استصحاب التدريجيّات بأنّ المسلّم عند العرف هو وحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوكة، و الظاهر كما تقدّم هو الحكم بذلك في القسم الثالث من الكلّيّ، فلعلّ ذلك من جهة بقاء الكلّيّ المنطبق على الموجودات الفعليّة الموجودة في كلّ زمان. فتأمّل.

تنبيه:

هذا كلّه بالنظر إلى العرف، و أمّا مع قطع النظر عن ذلك فمقتضى حكم العقل في الحركة الّتي هي الأمر التدريجيّ ما ذا؟

فنقول: البحث في ذلك يتمّ بإذنه تعالى في طيّ امور:

منها: أنّه قد عرّفوا «الحركة التوسّطيّة» كما في شرح المنظومة للحكيم السبزواريّ (قدس سره) ب «أنّها كون الجسم بحيث أيُّ حدّ من حدود المسافة فرض لا يكون هو قبل آن الوصول إليه و لا بعده حاصلًا فيه». و نقل (قدس سره) عن أفلاطون: أنّها عبارة عن كون الشي‏ء في أمر من الامور بحيث يكون حاله في كلّ آنٍ مفروضٍ مخالفاً لحاله قبل ذلك الآن و بعده. ثمّ قال (قدس سره): و هذا يناسب الحركة التوسّطيّة. ثمّ قال:

و الحركة بهذا المعنى أمر موجود في الخارج بالضرورة.

____________

(1) كفاية الاصول: ص 466.

114

و قال (قدس سره) في تعريف «الحركة القطعيّة»: إنّها هي الّتي ترتسم في الخيال و تنبسط فيه؛ فهي تدريجيّة الحدوث في الخيال قارّة فيه بقاءً (1). و قال في بحث الزمان:

«القطعيّة» لا وجود لها عندهم إلّا في الخيال. و نقل عن صدر المتألّهين (قدس سره) وجودها في الخارج‏ (2). انتهى.

أقول: قد تحصّل من ذلك أنّ «الحركة التوسّطيّة» هي الأكوان الخاصّة الخارجيّة المتدرّجة من حيث الوجود، و هي الراسمة للحركة القطعيّة.

فما في الكفاية من تعريف القطعيّة ب «أنّها كون الشي‏ء في كلّ آنٍ في حدٍّ أو مكان» و التوسّطيّة ب «أنّها هي الكون بين المبدأ و المنتهى» (3). ليس على ما ينبغي، فإنّ كليهما ينطبقان على التوسّطيّة، إلّا أنّ الأوّل تعريف لمصاديق الحركة التوسّطيّة و الثانيَ تعريف للكبرى الكلّيّة المتّخذة من الأفراد مع فرض إلقاء الخصوصيّات.

و منه يظهر أنّ إلقاء الخصوصيّات و استصحاب الكلّيّ غير مفيد، لأنّه إن كان المتدرّج وجوداً واحداً فلا داعي لاستصحاب الكلّيّ، و إلّا يكون من قبيل القسم الثالث منه، إلّا أن يفرض كون الأثر مترتّباً على الكلّيّ الّذي من القسم الأوّل؛ و لكن هذا ممّا لا يحتاج إليه في رفع إشكال التدرّج، بل الاحتياج إليه من باب أنّ الأثر مترتّب عليه.

و منها: أنّه قد ظهر ممّا مرّ أنّ الحركة القطعيّة هي المرتسمة من التوسّطيّة في الجملة. و هل عندهم هي المرتسمة في الخيال كما في تعريف الحكيم السبزواريّ أم لا بدّ من إلقاء القيد المذكور؟

الأصحّ هو الثاني، إذ لو كانت هي المرتسمة بقيد كونها في الخيال فلا يتمشّى‏

____________

(1) شرح المنظومة للحكيم السبزواريّ «غرر في تقسيم الحركة»: ص 235- 236.

(2) شرح المنظومة للحكيم السبزواريّ «غرر في الزمان»: ص 252.

(3) كفاية الاصول: ص 464.

115

كلام صدر المتألّهين (قدس سره)، فلا بدّ من تعريفها بالمرتسمة؛ ثمّ يقع البحث في أنّها هل هي المرتسمة في الخيال فقط أو تكون موجودةً في الخارج؟.

و منها: أنّهم قد اختلفوا في وجود الحركة التوسّطيّة و القطعيّة في الخارج على أقوال.

و الّذي يظهر من كتاب الحكيم السبزواريّ (قدس سره) أنّ المشهور بينهم وجودُ التوسّطيّة في الخارج بل قد عرفت ادّعاءالضرورة في ذلك، و عدمُ وجود القطعيّة إلّا في الخيال.

و الظاهر منه أنّ مسلك صدر المتألّهين وجودهما، لكن لا بدّ من المراجعة إلى كتابه.

و هو صريح الكفاية (1).

و في رسائل بعض أعاظم العصر المتوغّل في الحكمة أيضاً أنّ القطعيّة موجودة دون التوسّطيّة، فإنّ الحركة من المبدأ إلى المنتهى موجودة بامتدادها بنحو التصرّم.

و الإشكال بأنّه كيف يمكن وجود الكلّ مع عدم تحقّق أجزائه فعلًا؟ مدفوعٌ بأنّه يكفي في الكلّ المتصرّم من حيث الوجود وجودُ أجزائه على نحو التعاقب‏ (2).

و هو- أي دفع الإشكال المذكور- الّذي نقله الآمليّ مدّ ظلّه في تعليقه عن التعليق على الشوارق‏ (3).

هذا بيان وجود القطعيّة.

و أمّا عدم وجود التوسّطيّة فلأنّها لو كانت هي الموجودة في كلّ آنٍ منقطعٍ عن سابقه و لا حقه فلازمه إنكار الحركة أوّلًا، و لزوم الجزء الّذي لا يتجزّأ ثانياً.

و الّذي يظهر لي هو صحّة القول المشهور بين الحكماء.

و الدليل عليه: أنّ الحركة القطعيّة الممتدّة ليست موجودةً بالفعل بالضرورة، و الوجود الانصراميّ عين عدمها قبل الوجود بالفعل و بعده، فإنكار الحركة التوسّطيّة

____________

(1) كفاية الاصول: ص 464.

(2) الرسائل (للإمام الخمينيّ (قدس سره)): ج 1 ص 152.

(3) درر الفوائد (تعليقة على شرح المنظومة): ج 2 ص 255.

116

- أي ما هو موجود بالفعل- مستلزم لإنكار أصل الحركة، لأنّ إنكارها في كلّ آنٍ مستلزم لإنكارها في تمام الآنات، لعدم الفرق بين الآنات.

إن قلت: إنّ الآن هو طرف الزمان الّذي لا يتجزّأ، و الحركة التوسّطيّة إن كانت ما هو المنطبق على الآن و كانت متجزّئةً فيلزم تقسيم المتجزّئ إلى غير المتجزّئ، و إن كانت غير متجزّئة فيلزم تركّب الحركة من الأجزاء غير المتجزّئة، و هو باطل، و إن لم يكن ما ينطبق على الآن بحركة فيلزم إنكار التوسّطيّة.

قلت: ليس المقصود من الآن طرف الزمان غير المتجزّئ، بل في نفس الزمان كلّ آنٍ فرض وجوده فلا يمكن أن لا يكون نفس الزمان موجوداً، لاستحالة وجود الطرف بدون أصل ما له الطرف، و الحركة أيضاً موجودة في هذا الزمان الّذي فرض وجوده المستلزم لوجود طرفه الّذي هو الآن، فالتوسّطيّة موجودة بالضرورة و القطعيّة ليست موجودةً بالفعل بالضرورة. نعم، هي كانت موجودةً و موجودةً و توجد، فالمجموع هو القطعيّة فليست القطعيّة بوصف الابتداء موجودةً فعلًا، و مع إلقاء الوصف المذكور لا يبقى إلّا التوسّطيّة.

و منها: أنّ الظاهر عندهم أنّ الحركة موجود واحد متّصل.

و هو عندي غير ظاهر، لأنّه و إن كانت الوحدة الاتّصاليّة مساوقةً للوحدة الشخصيّة إلّا أنّ اتّصال الموجود بالمعدوم محال، فالحركات ليست موجودةً بوجود واحد على حسب ما يصل إليه النظر.

و منها: أنّ مقتضى ذلك مع قطع النظر عن العرف عدمُ جريان الاستصحاب في القطعيّة، لعدم وجودها إلّا في الخيال، و عدمُ جريانها في التوسّطيّة، لعدم كونها موجودةً بوجود واحد، إلّا بناءً على استصحاب الكلّيّ القسم الثالث. هذا تمام الكلام في المقام و به الاعتصام.

117

التنبيه العاشر

في البحث عن جريان الاستصحاب التعليقيّ‏

و يتمّ بعونه تعالى و مشيئته في طيّ امور:

الأمر الأوّل: المراد من التعليق هو التعليق في المستصحب دون الاستصحاب، فلو حكمنا قبل تحقّق نجاسة الكرّ بالتغيّر و إزالته من قبل نفسه- مثلًا- ببقاء النجاسة على تقدير حصول الفرض المزبور فليس من الاستصحاب التعليقيّ كما هو واضح؛ و ليس المبحوث عنه أيضاً هو التعليق في الموضوع، و لا الحكم الجزئيّ المترتّب على التعليق الموضوعيّ، فالأوّل كاستصحاب كون المسح على البشرة إذا شكّ في حيلولة الوسخ الموجود في الرجل، و الثاني كاستصحاب صحّة الوضوء على تقدير المسح. كلّ ذلك خارج عن محطّ البحث فعلًا، و ربما يجي‏ء بعد ذلك إن شاء اللَّه تعالى بعونه و توفيقه.

بل المبحوث عنه هو القضيّة التعليقيّة المجعولة بالجعل الشرعيّ؛ من غير فرق بين كون منشأ الشكّ في بقائها هو تبدّل عنوان الدليل- كمسألة العنب و الزبيب- أو كان من جهة احتمال النسخ، أو من جهة احتمال وجود شرط غير مغيّر للموضوع، كاستصحاب وجوب الجمعة إذا زالت الشمس في يومها؛ و كذلك لا فرق بين أن يكون مقتضى الدليل هو الجعل بصورة التعليق، كأن يقول: «إذا غلى العنب يحرم» أو بصورة التنجيز، كأن يقول: «يحرم عصير العنب الغالي»، إذ لا فرق بينهما في عدم كون العنب تمام الموضوع و دخالة الغليان في الحكم بالحرمة؛ مع أنّ الفرق بينهما عند العرض على العرف واضح البطلان، لأنّه ليس عندهم إلّا تفنّن في العبارة.

الأمر الثاني: بعد تقرّر موضوع البحث نقول: قد يشكل في الاستصحاب التعليقيّ من وجوه:

118

منها: عدم المتيقّن- لفرض التعليق- و وضوح عدم تحقّق الحكم قبل حصول المعلّق عليه.

و الجواب عنه بوجوه:

الأوّل: المنع عن عدم الحكم قبل حصول المعلّق عليه، لأنّه يكفي في وجود الإرادة أو الكراهة فرض المعلّق عليه في النفس من دون شبهة و لا ريب، فإنّ من يأمر بوجوب إكرام زيد إن جاء في يوم الجمعة يريد فعلًا إكرامه في اليوم المذكور على تقدير مجيئه، و هذا واضح بمراجعة الوجدان.

مضافاً إلى قيام البرهان على ذلك، فإنّه لو لا إرادة الحجّ على فرض الاستطاعة فلا معنى للبعث نحوه قبلها، لأنّ البعث معلول للإرادة المتعلّقة بالمراد كما هو واضح.

الثاني: أنّ المستصحب هو الملازمة بين المعلّق عليه و المعلّق.

و الإيراد على ذلك ب «أنّ الملازمة لا تكون من الجواهر و الأعراض الخارجيّة، و ليس نحو تحقّقها في الذهن إلّا بدرك تحقّق اللازم عند تحقّق الملزوم، و الدرك القطعيّ مقطوع الانتفاء، و الدرك الاحتماليّ متحقّق لا يكون محتاجاً إلى الاستصحاب، فالملازمة لا تكون صالحةً للاستصحاب» مدفوعٌ بأنّ الملازمة عبارة عن الحكم بتحقّق اللازم عند فرض الملزوم أي كلّما يفرض في الخارج وجود الملزوم يفرض وجود اللازم، و هذا غيرُ درك اللازم خارجاً عند تحقّق الملزوم و غيرُ حكم الشارع بتحقّق ذلك عند تحقّق ملزومه خارجاً، و هذا أمر كلّيّ قابل للاستصحاب و لتعلّق اليقين و الشكّ به، فإنّ مصداق ذلك الحكم الكلّيّ كان متحقّقاً في السابق و الآن يشكّ في ذلك فيستصحب.

كما أنّ توهّم «عدم مجعوليّة الملازمة» مدفوعٌ بأنّه مجعول بواسطة جعل الشارع وجودَ اللازم خارجاً عند تحقّق الملزوم، و هو يكفي في الاستصحاب.

و في المقالات إيراد آخر على ذلك، و هو أنّ ذلك يصحّ بناءً على كون المستفاد

119

من دليل الاستصحاب هو جعل المماثل للمستصحب أو لحكمه، و أمّا على ما هو التحقيق من أنّ مفاده الأمر بالمعاملة مع المتيقّن معاملة الواقع فيشكل جريانه، من جهة أنّ استصحاب الملازمة يرجع إلى تنزيل الملازمة الواقعيّة منزلة الوجود بلحاظ ما يترتّب عليه من العمل، بلا جعل ملازمةٍ حقيقيّةٍ في مرحلة الظاهر، و من البديهيّ أنّ العقل لا يحكم حينئذٍ بملازمة تنزيل الملازمة مع تنزيل وجود الملزوم عند وجود اللازم، فيبقى التنزيل المزبور منفرداً عن وجود لازمه تنزيلًا و حقيقةً، و مثل ذلك لا ينتهي إلى أثر عمليّ أصلًا (1). انتهى محرّراً و ملخّصاً.

أقول فيه أوّلًا: أنّه لاوجه لإنكار جعل المماثل حتّى في استصحاب الأحكام الشرعيّة، لأنّ الحكم بالجري العمليّ بالنسبة إلى وجوب صلاة الجمعة لا ينتج إلّا وجوب صلاة الجمعة ظاهراً، لأنّه لا معنى لإنكار أصل الحكم، فإنّه ليس دليل الاستصحاب متضمّناً للإخبار، بل هو حكم بالضرورة، و ليس الحكم المجعول في المثال حرمة صلاة الجمعة و لا إباحتها و لا استحبابها، إذ ليس كلّ ذلك ممّا ينطبق على الحكم بالعمل على طبق المتيقّن، فهو وجوب صلاة الجمعة.

و ثانياً: أنّ إنكاره في مورد البحث بالنسبة إلى الملازمة لا يوجب عدم جريان الاستصحاب، إذ تصير الملازمة حينئذٍ كالموضوعات المستصحبة، فكما أنّ الحكم باستصحاب الخمر لا يقتضي إلّا حرمة الخمر- حتّى بناءً على عدم كون مفاده جعلَ الحكم المماثل- بالضرورة كذلك الحكم في استصحاب الملازمة، لأنّه يترتّب على الملازمة حكم شرعيّ، و هو ثبوت اللازم عند تحقّق الملزوم، فما معنى أنّ تنزيل الملازمة منزلة الواقع لا يلازم تنزيل لازمه، و هو وجود الملزوم عند تحقّق اللازم؟!، فإنّ الواضح أنّه يلازمه، و إلّا لم يكن وجه لجريان الاستصحاب في الموضوعات مع أنّ الأخبار واردة في الموضوعات. و توهّمُ «أنّ الترتّب ليس شرعيّاً» قد مرّ

____________

(1) مقالات الاصول: ج 2 ص 399- 400.

120

جوابه، فإنّ الملازمة و التلازم بين الملازمة و الفعليّة كلاهما مجعولان بواسطة جعل الشرع اللازمَ عند تحقّق الملزوم.

و ثالثاً: على فرض وجود الواسطة بين الملازمة و ثبوت اللازم عند تحقّق الملزوم فالانتهاء إلى الأثر الشرعيّ إذا كانت الواسطة مجعولةً للشرع و لو بالواسطة كافٍ في الشمول.

و مما ذكرنا يظهر أنّ الأظهر عدم وجه لإنكار أصل جعل المماثل كما يظهر من كلام صاحب المقالات (رحمه الله)، و لا يكون مفاده جعلَ المماثل مطلقاً بحيث ينتج في المقام أنّ المجعول بالاستصحاب هو الملازمة، إذ لا يترتّب على جعله أوّلًا أثر عمليّ، بل العمل يترتّب على ثبوت الحكم الفعليّ. نعم، بعد ثبوت الحكم الفعليّ عند تحقّق الملزوم تتحقّق الملازمة الظاهريّة.

الثالث: أن يقال بعدم الاحتياج إلى المتيقّن السابق بل يكفي اليقين بتحقّق اللازم عند تحقّق الملزوم، و اليقين المذكور موجود قبل تحقّق الملزوم و اللازم و بعد تحقّقه بالنسبة إلى ما قبل ذلك، فإنّه متيقّن بأنّه في الزمان السابق كان يتحقّق الملزوم عند تحقّق اللازم، و هذا كافٍ في الاستصحاب و صدق القضيّتين، كما أفاده (قدس سره) في المقالات و سدّ ثغوره بما لا يحتاج إليه‏ (1)، فراجع و تأمّل.

و منها: أنّ مفاد الاستصحاب هو التعبّد بالوجود التعليقيّ، و ترتّب الفعليّ على التعليقيّ عقليّ.

و الجواب عنه أوّلًا: أنّ التلازم بين الفعليّ الشرعيّ و التعليقيّ لا يكون عقليّاً، لأنّ كلّ ذلك مجعولٌ بتبع جعل الشارع تحقّقَ اللازم عند تحقّق الملزوم.

و ثانياً: أنّه لا ينحصر في استصحاب التعليقيّ جعلُ الملازمة؛ بل قد عرفت صحّة استصحاب نفس الحكم الموجود بالفعل في التعليقيّات و صحّةَ التعبّد بتحقّق‏

____________

(1) مقالات الاصول: ج 2 ص 366 و ما بعدها.

121

اللازم عند تحقّق الملزوم الّذي هو عين الحكم الفعليّ.

و ثالثاً: ما يستفاد من تعليقة المحقّق الخراسانيّ على كفايته، فإنّ حرمته كذلك (أي بالفعل) و إن كان لازماً عقلًا لحرمته المعلّقة المستصحبة إلّا أنّه لازم لها كان ثبوتها بخصوص خطاب أو عموم دليل الاستصحاب‏ (1). انتهى. و ملخّصه: أنّه و إن كان التلازم عقليّاً إلّا أنّ التلازم يكون بين الأعمّ من الواقعيّ و الظاهريّ الثابت بخطاب «لا تنقض اليقين بالشكّ».

لكن قد عرفت منعَ توقّف الاستصحاب على كون المستصحب أمراً تعليقيّاً، و قد عرفت منعَ كون التلازم عقليّاً؛ لكن ما ذكره جواب ثالث على فرض تسليم ما منع من الأمرين.

و منها: ثبوت التعارض الدائم بين الاستصحاب التعليقيّ و الفعليّ المخالف له، و قد كثر كلام الأصحاب في ذلك.

و الّذي يؤدّي إليه النظر القاصر هو تقدّم التعليقيّ على الفعليّ، من جهة حكومته عليه.

بيان ذلك: أنّ ملاك الحكومة ليس إلّا كون أحد الأصلين رافعاً للشكّ الّذي هو موضوع الآخر دون العكس، من دون لزوم كون أحدهما موضوعاً و الآخر حكماً، و لا كون الشكّ في أحدهما مسبّباً عن الشكّ في الآخر؛ و على هذا حيث إنّ مورد التعبّد في الاستصحاب التعليقيّ هو الحكم و بيان الاستناد إلى المعلّق عليه فهو يثبت الحكم و به يرفع الشكّ عن الاستصحاب الفعليّ، حيث يصير الحكم معلوماً تعبّداً و يثبت شيئاً زائداً عليه، و هو الاستناد إلى المعلّق عليه، و الاستصحاب الفعليّ لا يثبت إلّا الحكم و لا تعرّض له للمعلّق عليه، فلا يرفع الشكّ عنه، فإنّ استصحاب حرمة الزبيب على تقدير الغليان يحكم بالحرمة و الاستنادِ إلى الغليان، فيرفع الشكّ بذلك‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 469.

122

الّذي هو موضوع استصحاب الحلّيّة الفعليّة؛ بخلاف العكس، لأنّه لا تعرّض فيه لحال الغليان و أنّه ليس سبباً للحرمة.

إن قلت: استصحاب الحرمة لا يرفع الشكّ في الحلّيّة، لأنّ الحلّيّة و الحرمة ضدّان، و لا يثبت عدم أحد الضدّين بوجود الضدّ الآخر.

قلت: عدم الحلّيّة مع فرض الحرمة مستند إلى الشرع فهو مجعول، فعدم الحلّيّة قابلٌ لمشموليّة دليل الاستصحاب بنفسه فيقال: «إنّ الزبيب كان بحيث إذا غلى لم يكن حلالًا و الآن كما كان» و قابلٌ لأن يترتّب على استصحاب الحرمة، و كذلك الكلام في استصحاب الحرمة، و حيث لا ترجيح فالظاهر دخول الكلّ في العموم في عرضٍ واحد.

مع أنّ ذلك ليس إشكالًا في جميع التعليقيّات، إذ قد يكون لسان الدليل عدم الحلّيّة على تقدير الغليان مثلًا، و لسان الدليل الدالّ على حلّيّة الزبيب قبل الغليان قد يكون أيضاً بعنوان الحلّيّة و قد يكون بعنوان عدم الحرمة.

إن قلت: إنّ مثل استصحاب الحلّيّة الفعليّة بعد الغليان يثبت عدمَ مؤثّريّة الغليان في الحكم الظاهريّ بالحرمة، لأنّه مترتّب على الحلّيّة بعد الغليان، سواء كان واقعيّاً أو ظاهريّاً.

قلت: عدم المؤثّريّة في الظاهر غير كونه مشمولًا لدليل الاستصحاب المنزّل منزلة اليقين الحاكم برفع الشكّ عن الواقع.

إن قلت: عدم سببيّة الغليان مجعول بالواسطة، أي بواسطة جعل الحلّيّة المطلقة حتّى بعد الغليان، فعدمها بيد الشارع بجعل الحلّيّة المطلقة، كما أنّ سببيّته أيضاً كذلك بجعل الحرمة معلّقةً على تقدير الغليان.

قلت: لا أثر لذلك بعد التعبّد بالحلّيّة الفعليّة بعد الغليان حتّى يكون مشمولًا لدليل التعبّد فيرفع به الشكّ، فيصير في عرض الاستصحاب التعليقيّ.

123

إن قلت: ليس مفاد التعليق إلّا وجود الحرمة عند الغليان- مثلًا- من دون دلالته على السببيّة، و هذا عين ما ينتفي بالاستصحاب الفعليّ، لأنّ مفاده عدم الحرمة عند الغليان، فإنّ الغليان وجدانيّ الحصول في الخارج، و عدمها حينئذٍ ثابت بالأصل.

قلت: ليس مفاد التعليق صِرفَ الوجود عند المعلّق عليه من دون إناطته به، فهو و إن لم يكن دالّاً على السببيّة الحقيقيّة الاصطلاحيّة إلّا أنّه يدلّ على الإناطة، و هو وجود الحكم عنده و عدمه عند عدمه، و هذا ثابت بالاستصحاب التعليقيّ دون الفعليّ، فإنّ وجود الحلّيّة عند الغليان غير عدم إناطة الحرمة أو عدم الحلّيّة به، فإنّ الأوّل وجوديّ و الثاني عدميّ، و صِرف الحكم بالفعليّة مطلقاً لا يقتضي عدم الإناطة إلّا بنحو قد عرفت جوابه، و اللَّه الهادي.

و ما في الكفاية في الجواب عن التعارض بما خلاصته «أنّ المستصحب هو الحرمة على تقدير الغليان و الحلّيّة المغيّاة بالغليان، و لا تعارض بينهما في حال الشكّ، كما أنّ الأمر كان كذلك في حال اليقين» (1) مدفوعٌ بأنّه كما يمكن استصحاب الحلّيّة متّصفةً بالوصف المذكور كذا يصحّ استصحابها مع فرض اليقين بتحقّقها خاليةً عن الوصف، فيعارض مع الاستصحاب التعليقيّ الّذي هو عين الوصف المذكور، فإنّ الحلّيّة المغيّاة ليست إلّا الحلّيّة الّتي كانت بحيث لو غلى متعلّقها تنتفي، فالوصف المأخوذ في المستصحب عين ما يكون معارضاً له، و لا وجه لجعل عدم المعارض وصفاً له، و لو لم يصحّ استصحاب الموجود الفعليّ إلّا مع جميع أوصافه لما صحّ استصحاب الوضوء في مورد الشكّ في حصول الغاية في مورد رواية زرارة الواردة في الاستصحاب، فإنّ الموضوع للاستصحاب هو الوضوء السابق، لا الوضوء المقيّد بعدم حصول النوم، و إلّا لم يكن منتجاً للطهارة في حال الشكّ.

الأمر الثالث في بيان حال الاستصحاب الّذي مفاده التعليق في الموضوع.

____________

(1) كفاية الاصول: ص 468- 469.

124

و بيان الحال فيه أنّه على أقسام:

فمنها: أن يكون تعليقه عليه بنحو تعليق المكشوف على الكاشف، كأن يكون المتيقّن السابق أنّ زيداً إذا أذّن كان ظهراً، و شكّ بعد ذلك من جهة احتمال حصول تسامح لزيد مثلًا، فيستصحب ذلك فيحكم بظهريّة الآن المقارن لأذانه.

و منها: أن يكون بنحو العلّيّة، كأن يكون المستصحب كونَ جريان الماء الخاصّ في زمان محدود معيّن مستلزماً لكرّيّة حوض مخصوص.

و الظاهر تعارض الاستصحابين المذكورين للاستصحاب الفعليّ المتيقّن سابقاً من دون ملاك لحكومة أحدهما على الآخر، إذ التعبّد في جانب التعليقيّ في المثالين لا يحكم بالظهريّة في ظرف أذان زيد، إذ الأثر لأصل ظهريّة ذلك الوقت من دون دخالة لكون الكاشف عنها أذان زيد، و كذا لا يحكم بالكرّيّة المستندة إلى العلّة المذكورة، لعدم الأثر لذلك، بل الأثر مترتّب على أصل الكرّيّة في هذا الزمان، و مقتضى الاستصحاب عدم الكرّيّة في هذا الزمان؛ و هذا بخلاف التعليق الشرعيّ.

و منها: أن يكون التعليق على نحو تعليق الصفة على وجود الذات، كأن يكون المستصحب اتّصافَ وضع اليد سابقاً على تقدير تحقّقه بكونه مسحاً على البشرة، أو اتّصافَ وضع الجبهة على جسم خاصّ بكونه وضعاً للجبهة على الأرض في ما إذا شكّ في الآن اللاحق من جهة الشكّ في حاجبيّة الموجود، و ككون الصلاة واقعةً في المأكول من اللباس.

و الظاهر أنّ هذا أيضاً كالأوّلين في التعارض.

و لا يتوهّم في ذلك «أنّ مقتضى ترتّب الأثر- مثلًا- على وضع الجبهة على الأرض أنّ الصحّة مترتّبة على الذات الّذي لو وجد كان متّصفاً بالعنوان المذكور، فالتعليق و إن لم يكن شرعيّاً إلّا أنّه موضوع للأثر الشرعيّ».

لأنّه مدفوعٌ بأنّ مرجع الاستصحاب المذكور إلى كفاية الذات الخاصّ في‏

125

الاتّصاف بالوصف و عدمِ الاحتياج إلى مراعاة أمر آخر غير إيجاد الذات، و التعليق بذاك النحو ليس شرعيّاً و لا موضوعاً للأثر الشرعيّ، فالتعليق الّذي هو موضوع للأثر هو اتّصاف الذات بالصفة، لا كون الاتّصاف المذكور مستنداً إلى نفس وجود الذات الخاصّ.

و منها: أن يكون التعليق موضوعاً للأثر الشرعيّ، بأن حلف أنّه لو كان الكرّ في الوقت المخصوص موجوداً في الحوض مستنداً إلى جريان الماء من مجرىً خاصّ يتصدّق على فقير في سبيل اللَّه.

و منها: أن يكون مورد الحلف- مثلًا- الملازمة، كأن يكون المحلوف عليه تحقّق الملازمة بين كرّيّة الحوض و جريان الماء فيه بالشرط الخاصّ.

و الظاهر جريانُ الاستصحاب في القسمين على ما سبق من جواز استصحاب الملازمة و جوازِ استصحاب تحقّق اللازم خارجاً عند تحقّق الملزوم و عدمِ لزوم سبق المتيقّن (بل اليقين بتحقّق اللازم عند تحقّق الملزوم كافٍ في الاستصحاب، فتأمّل) و حكومتُه على الاستصحاب الفعليّ، لوجود الأثر للتعليق أو الملازمة. هذا تمام الكلام في ما يقتضيه النظر في التعليق في الموضوع.

و أمّا الإشكال عليه بالإثبات، من جهة أنّ التعليق لا يثبت الفعليّة، و هذا هو الفارق بين التعليق الشرعيّ و غيره.

فمدفوعٌ أوّلًا بما عرفت من تصوير ترتّب الأثر على نفس التعليق و الملازمة.

و ثانياً بأنّ هذا على فرض كون المستصحب هو الملازمة، و أمّا على فرض كون المستصحب هو وجود اللازم خارجاً عند تحقّق الملزوم الّذي تعلّق به اليقين في السابق فلا إشكال في ذلك، فتأمّل كي لا تسارع إلى الإشكال فتقول:

إنّ اليقين في السابق إن كان متعلّقاً بتحقّق اللازم عند فرض الملزوم فيحكم في الآن السابق بأنّه لو فرض الملزوم فاللازم موجود فهو عين الملازمة و يتمشّى‏

126

ما ذكر من عدم إثبات الملازمة بتحقّق اللازم فعلًا، و إن كان متعلّقاً بتحقّق اللازم خارجاً في ظرف تحقّق الملزوم أي في ظرفه الخارجيّ فاللازم أن يكون الشكّ بعد ذلك سارياً.

و الجواب: أنّ القطع بالقضيّة الكلّيّة غير الفرض و إن كان مستلزماً للفرض.

و من ذلك يظهر وجه الإيراد على استصحاب الحكم الجزئيّ المتفرّع على التعليق، و ذلك هو التعارض من دون وجود ملاك الحكومة لأحدهما على الآخر.

التنبيه الحادي عشر

[في استصحاب أحكام الشرائع السابقة

] قد يشكل استصحاب أحكام الشرائع السابقة من وجوه:

الأوّل: عدم المتيقّن، فإنّ المتيقّن هو الحكم الثابت للمعدومين، و أمّا توجّه الحكم إلى الموجودين فمشكوك، و استصحابُ حكم المعدومين للموجودين إسراء حكمٍ من موضوع إلى موضوع.

و اجيب عنه بوجهين:

أحدهما: أنّ المكلّف هو الموجود البالغ العاقل من غير خصوصيّة للموجودات الخاصّة المتحقّقة في الزمان الماضي، و أمّا دخالة نفس الزمان فهي ملقاة بنفس دليل الاستصحاب، و هذا هو معنى القضيّة الحقيقيّة، فإنّ مفادها تعلّق الحكم بالموضوع من غير خصوصيّة للوجود الخاصّ، و لازم ذلك أنّ جميع الموجودات الّتي تتحقّق بعد ذلك لو كانت موجودةً في الزمان الّذي هو ظرف حكم القضيّة الحقيقيّة لكانت محكومةً بالحكم المذكور، و هذا المقدار كافٍ في وحدة القضيّتين أي المتيقّنة و المشكوكة.

و لا يخفى أنّ هذا غير تعلّق الحكم من أوّل الأمر بالوجود الفعليّ و الاستقباليّ، فإنّه لم يكن كذلك، إذ مع الفرض المذكور يقطع بالبقاء، لأنّه لو نسخ لزم أن يكون قبل حضور وقت العمل.

127

كما لا يخفى عليك أيضاً أنّ الموضوع في ذلك بناءً على التقريب المذكور هو الكلّيّ الّذي مضى بعض أفراده الموجود في السابق بوجود أفراد و الموجود لاحقاً بوجود أفراد اخر، و يكون الحكم المضاف إليه أيضاً كلّيّاً و بحيث يكون مشكوك التحقّق، فيكون من قبيل القسم الثالث من الكلّيّ، فالوحدة بين القضيّتين و إن كانت حاصلةً إلّا أنّها من باب البقاء ببقاء الكلّيّ، فالوحدة في المقام إمّا من تلك الجهة و إمّا من باب الاستصحاب التعليقيّ و أنّ الموجود الفعليّ لو فرض وجوده سابقاً و بلوغه و عقله كان مكلّفاً، و الآن كما كان. فمن يشكل عليه التعليقيّ و القسم الثالث من الكلّيّ فيشكل عليه هذا الاستصحاب أيضاً، فتأمّل.

ثانيهما: ما أفاده الشيخ المحقّق الأنصاريّ‏ (1)، و وجّهه الاستاذ العلّامة الوالد (قدّس اللَّه نفسهما) في درره بأنّا نعلم أنّ مُدرك الشريعتين- كسلمان عليه الصلاة و الرضوان- كان مثلًا ممّن يجوز له أن يتزوّج المسيحيّة دائماً قبل الإسلام و بعد الإسلام، فنشكّ في حكمه فنحكم بأنّ حكمه واقعاً ذلك، و مقتضى الاشتراك في التكليف و التلازم المفروض ثبوته ثبوت ذلك الحكم لنا. و لا شبهة أنّ التلازم المزبور شرعيّ و جعلَه بيد الشارع، فاستصحاب حكمه بمنزلة الموضوع لحكمين‏ (2).

و هذا لا إشكال فيه على فرض ثبوت القاعدة الّتي يدّعى عليها الإجماع من اشتراك الكلّ في التكليف الواقعيّ و الظاهريّ عند تحقّق الموضوع المشترك.

الثاني: أنّ مقتضى منسوخيّة الشريعة السابقة محو جميع الأحكام السابقة ثمّ الإثبات موافقاً أو مخالفاً.

و فيه: منع ذلك ثبوتاً، لأنّه مع وجود المصلحة الإلزاميّة أو المفسدة كذلك كيف يجوز المحو! فكيف يجوز تجويز الزنا و الشرب و الظلم و قتل النفوس و لو في بعض الآنات! و لا يتصوّر مصلحة أصلًا في النسخ في المورد الموافق حتّى تعارض‏

____________

(1) فرائد الاصول: ص 381.

(2) درر الفوائد: ص 548.

128

ملاك الأحكام المنسوخة الموافقة للشريعة الناسخة بالفرض؛ و إثباتاً من جهة عدم دليل يقتضي ذلك.

الثالث: وجود العلم الإجماليّ بنسخ بعض الأحكام من الشريعة السابقة، و هو مانع عن الاستصحاب.

و فيه أوّلًا: أنّه ينحلّ بالظفر بالمقدار المعلوم قطعاً.

و ثانياً: أنّ متعلّق العلم هو الموارد الّتي لو تفحّص عن الناسخ لظفر بها، فالمورد الّذي لا يظفر بالناسخ خارج عن مورد العلم الإجماليّ قطعاً، فيصحّ الاستصحاب و لو لم يظفر بعد بالمقدار المعلوم بالإجمال.

و ثالثاً: أنّ ذلك منجّز لو علم بوجود النسخ في الأحكام النافية للتكليف، لا ما إذا علم بوجوده في الأعمّ من المثبت و النافي، فحينئذٍ يجري جميع الاستصحابات المثبتة و النافية، لعدم العلم بالمخالفة العمليّة.

و رابعاً: على فرض العلم بالنسخ في الأحكام النافية و كذا العلم به في الأحكام المثبتة فلا يمنع إلّا عن جريان الأصل النافي، و أمّا المثبت فحيث لا يلزم منه المخالفة العمليّة فلا مانع من جريانه.

الرابع: ما في رسائل بعض أعلام العصر- كان اللَّه تعالى له- من أنّ اتّحاد القضيّتين إنّما هو في ما إذا احرز تعلّق التكليف بالموجود البالغ العاقل، و أمّا إذا احتمل تعلّقه بعنوان آخر- كاليهود و النصارى- فضلًا عمّا علم ذلك فلا يجري الاستصحاب، لعدم إحراز الموضوع‏ (1).

أقول: إن قلت: إنّ اليهود و النصارى ليسوا إلّا المعتقدين بنبوّة موسى و عيسى (عليهما السلام)، و نحن معتقدون بذلك و لا نفرّق بين أحد من رسله.

قلت: لا يصدق «اليهود» مثلًا إلّا على من يلتزم فعلًا في أعماله و تروكه بما

____________

(1) الرسائل (للإمام الخمينيّ (قدس سره)): ج 1 ص 175- 176.

129

اوحي إلى موسى (عليه السلام)، لا على الأعمّ منه و من المعتقد الّذي لا يرى أثراً فعلًا لما يوحى إليه، بل تمام موضوع تكليفه العمل بما يوحى إلى الخاتم (صلوات اللَّه و سلامه عليه و على آله).

لكن يدفع ذلك أوّلًا بأنّ اليهود- مثلًا- إذا كان مورداً للتكليف يصدق أنّ في زمان موسى كلّ بالغ عاقل كان مكلّفاً بذاك التكليف أو كلّ مكلّف كان يعتقد بنبوّته- على الاختلاف في تكليف الكفّار بالفروع و عدمه- و الآن كما كان، و ذلك لما تقدّم سابقاً من استصحاب التكليف المتعلّق بالمقيّد إذا احتمل عدم دخالة القيد في أصل الحكم، من باب تعلّق الحكم بأصل الذات من غير ملاحظة القيد المعبّر عنه بالمهملة.

و الّذي يشهد بذلك صدق البقاء عرفاً على الحكم الثابت في شريعة موسى و عيسى (عليهما السلام)، فيقال: إنّ حرمة الزنا باقية من زمان موسى إلى زماننا هذا، و الرهبانيّة مرتفعة في شريعة خاتم المرسلين (صلى الله عليه و آله و سلم).

و ثانياً بأنّه مع قطع النظر عن المذكور فالجواب الثاني عن الإشكال الأوّل من استصحاب الحكم بالنسبة إلى مُدرك الشريعتين وافٍ بجوابه، فتأمّل كي لا تسارع إلى الإشكال، فإنّ وحدة الموضوع في الخارج كافية في اتّحاد القضيّتين و لو مع القطع بتعلّق الحكم بعنوان لا يشمل الموضوع المشكوك إذا احتمل كون الملاك و لو ببعض مراتبه أعمّ، كالعنب و الزبيب في المثال المعروف.

الخامس: تعارضه في الإلزاميّات لاستصحاب عدم التكليف قبل البلوغ.

و الجواب عنه هو ما مرّ من حكومة الاستصحاب التعليقيّ على الفعليّ، فإنّ الحكم الثابت للموجود البالغ العاقل في قوّة التعليق و الاستناد إلى حيثيّة البلوغ و العقل.

السادس: تعارضه لاستصحاب عدم وحيه إلى الخاتم (صلى الله عليه و آله و سلم)، و ما لم يوح‏

130

إليه فهو ساقط عن الاعتبار.

و فيه: أنّه لم يثبت سقوط ما لم يوح إليه عن الاعتبار مع فرض الوحي إلى أنبياء السلف، و لم يكن ما نزل عليه (صلى الله عليه و آله و سلم) مخالفاً له. و كون شريعته ناسخةً لا يقتضي إلّا الرجوع إليه في صورة المخالفة، لا اشتراطَ الحكم بالوحي إليه (صلى الله عليه و آله و سلم).

و ما ورد من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «ما من شي‏ء يقرّ بكم من الجنّة و يباعدكم من النار إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقرّبكم من النار و يباعدكم من الجنّة إلّا و قد نهيتكم عنه ...» (1) أو ما هو قريب بالمضمون المذكور لا يدلّ على الاشتراط، و ليس أصالة عدم الأمر به و النهي عنه موضوعاً شرعاً لعدم ما ذكر، بل هو أمر تكوينيّ لا جعليّ.

و مما ذكر يظهر جوازُ التمسّك بإطلاق ما دلّ على حكم الشريعة السابقة، و دفعُ احتمال النسخ بذلك في ما كان في البين إطلاق، كما في احتمال النسخ في شرعنا.

السابع: قد يقال بعدم أثر لهذا البحث، من جهة تحريف الكتب السماويّة أو وجود الدليل من الكتاب و السنّة.

و فيه: أنّه يكفي في ذلك قوله تعالى: «وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ...» (2)، و لعلّه لا يقوم مقامه قوله تعالى: «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (3)، إذ قد تكون المماثلة غيرَ محفوظة كالنفس المريض الّذي يقتل؛ فمقتضى الإطلاق المذكور هو القصاص بالنفس بخلاف آية الاعتداء. و الظاهر أنّه ليس تمام أقسام الموارد المذكورة فيها خبرٌ صحيحٌ موردٌ للعمل، و التسلّم إنّما هو لإطلاق الآية، و التمسّك بالإطلاق لا يمكن، لأنّ الظاهر أنّ المرجع في قوله تعالى:

«وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ...» هم الّذين هادوا المذكور في الآية السابقة عليها.

هذا تمام الكلام في المقام و به الاعتصام.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 12 ص 27 ح 2 من ب 12 من أبواب مقدّمات التجارة.

(2) سورة المائدة: 45.

(3) سورة البقرة: 194.

131

التنبيه الثاني عشر

في بيان الاصول المثبتة و الفرقِ بينها و بين الأمارات‏

و توضيح ذلك يتمّ إن شاء الله في طيّ امور:

الأوّل: قد يستدلّ على عدم ترتيب الأثر الشرعيّ المترتّب على المستصحب بواسطة أمر غير مجعول (كاستحباب الارتحال إلى من استصحب طول حياته الملازم لعروض الضعف عليه لإعانته) بأنّ ذلك متوقّف على أحد أمرين كلاهما غير مسلّم، و هما أن يكون أثر الأثر أثراً حتّى يكون تنزيل المتيقّن بلحاظ الأثر شاملًا له أو يكون الأثر مورداً للتنزيل أيضاً كما أنّ المتيقّن يكون مورداً له. و هذا ملخّص ما استدلّ به في الكفاية (1).

لكنّه منقوض بأنّ مقتضى ذلك إلقاء الأثر مع الواسطة مطلقاً و لو كانت الواسطة أمراً مجعولًا شرعيّاً، لأنّه مبنيّ على أحد الأمرين المتقدّمين.

لكن يمكن أن يجاب عن ذلك بوجوه:

منها: أن يقال: إنّ أثر الأثر أثر إذا ثبتت الواسطة إمّا حقيقةً أو تعبّداً، و ذلك غير ثابت في الواسطة غير الشرعيّة لكنّها ثابتة في الشرعيّة تعبّداً، فيكون أثر الواسطة الثابتة تعبّداً أثراً للمتيقّن.

لكن فيه: أنّ الواسطة في الشرعيّة غير ثابتة وجداناً، و أمّا الثبوت التعبّديّ فلا يقتضي ترتّب الأثر ما لم يكن نفس الأثر مورداً للتنزيل بلحاظ أثره. و ثبوته بلحاظ انطباق العمل عليه من باب كونه مقتضى تنزيل المشكوك بمنزلة المتيقّن لا يقتضي الحكم بثبوت الأثر كما لا يخفى بعد التأمّل.

و منها: أن يقال: إنّ تنزيل المشكوك منزلة المتيقّن إنّما هو بلحاظ الأثر، لكنّه‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 472.

132

ليس الأثر الّذي يكون ملحوظاً في التنزيل هو الواقع، لوضوح أنّه ليس مفاد استصحاب خمريّة المائع حرمتَه واقعاً بتنزيل المشكوك منزلته بلحاظ الأثر التنزيليّ، فالتنزيل منزلة المتيقّن مولّدٌ لتنزيل آخر بالنسبة إلى الأثر، فيكون مفاد الاستصحاب تنزيلَ المشكوك منزلة المتيقّن في الحكم بوجود الأثر تنزيلًا لا حقيقةً، و مفاد ثبوت الأثر التنزيليّ ثبوت أثر الأثر إلى أن ينتهي إلى ما لا أثر له؛ فالأثر مورد للتنزيل على نحو كون المستصحب مورداً للتنزيل، و مقتضاه الحكم بترتّب أثر المتيقّن بما هو كذلك و ترتّبِ أثر الأثر بما يحكم بثبوت الأثر تنزيلًا؛ و لا إشكال في ذلك إلّا أنّ مساعدة العرف على ذلك غير واضحة.

و حينئذٍ يقال في الفرق بين الواسطة العقليّة و الشرعيّة: إنّه حيث لا يكون أثر الأثر بمنزلة الأثر مطلقاً و لا يكون نفس الأثر و لو لم ينته إلى تنزيل المتيقّن مورداً للتنزيل لا يحكم بترتّب الأثر في الواسطة غير الشرعيّة، و حيث إنّ الأثر المنتهي إلى تنزيل المتيقّن موردٌ للتنزيل يحكم بترتّب الأثر في الواسطة الشرعيّة.

و منها: أن يقال: إنّ دليل الأصل ظاهر في ترتيب الأثر الّذي يكون أمره بيد الشارع، لا ما يكون غير الجعل دخيلًا فيه و لو كان الشارع دخيلًا في الترتّب أيضاً، فإنّ ترتّب استحباب عون الضعيف على طول حياة زيد و إن كان من جهة حكم الشارع باستحباب عون الضعيف إلّا أنّه لا يترتّب عليه السعي لمعاونة زيد إلّا في فرض حصول الضعف بطول الحياة، و لا يكون الشارع دخيلًا في ذلك. و لا يقاس هذا بالموضوع المركّب من الوجدان و التعبّد الثابت أحد جزئيه بالأصل، لأنّ في مثله ما هو الثابت بالاستصحاب هو صلاحيّة المشكوك لأن يكون جزءاً في مقام ترتّب الأثر، و أمّا ترتّب الأثر الفعليّ فهو ليس بالاستصحاب بل بالمجموع منه و من الوجدان كما لا يخفى؛ بخلاف المقام، فإنّ الواسطة الّتي لها دخلٌ غير ثابتة لا بالوجدان و لا بالتعبّد.

133

و لا يخفى أنّه أحسن الوجوه، و هو الّذي يساعد عليه العرف، فإنّه لا يشكّ العرف في أنّ زرارة فهم من حكم الإمام (عليه السلام) بأنّه على وضوءٍ جوازَ صلاة الظهر ثمّ العصر، و جوازَ اقتداء الغير به في تلك الصلاة، و جوازَ أخذه الاجرة عليها إن كانت استيجاريّةً، و إبراءَ ذمّة أبيه إن كانت الصلاة مأتيّاً بها له؛ و كذا لا يشكّ في عدم ترتيب أثر ما يحصل لطويل الحياة في المثال من الأُمور التكوينيّة غير المربوطة بجعل الشارع، فإن شكّ في وجه ذلك فلا يشكّ أحد في أصل المدّعى، و هو الفرق بين المترتّب على الوسائط الشرعيّة و غيرها.

ثمّ لا يخفى أنّه ممّا يدلّ دلالةً قطعيّةً على عدم حجّيّة الأصل المثبت في الجملة هو مثل الرواية الاولى و الثانية لزرارة، فإنّه لو لا حكومةُ استصحابِ الطهارة الحدثيّة في مورد الرواية الاولى و استصحابِ الطهارة عن النجاسات في الثانية على استصحاب عدم الإتيان بالصلاة المقرونة بالطهارتين، المبنيّةُ على عدم إثبات الاستصحاب المذكور عدمَ اشتمال الصلاة المأتيّ بها على الوضوء و إلّا لم يكن وجه لحكومة استصحاب الوضوء، لكان مقتضى القاعدة هو التعارض و بطلان الصلاة في الاولى، لعدم إحراز الشرط، و إلقاءُ الاستصحاب في مورد الثانية، فافهم و اغتنم.

الثاني في ذكر موارد اخر من الاصول الّتي ربما يمكن أن تكون مثبتةً و البحثِ عن ذلك، فنقول:

منها: إثبات الملازم الشرعيّ باستصحاب ملازمه، كأن يكون مائع فاقداً للحالة السابقة المتيقّنة من حيث الخمريّة و عدمها، لكن حرمته مسلّمة على وجه القطع و اليقين من حيث الغصبيّة مع احتمال الخمريّة، ثمّ ارتفعت غصبيّته و لكن يحتمل بقاء الحرمة من جهة الخمريّة، فيستصحب الحرمة و يثبت بذلك ملازمها و هي النجاسة.

و منها: أن يثبت الملزوم الشرعيّ باستصحاب لازمه، كاستصحاب حرمة اللباس المتّخذ من الحيوان المشكوك حلّيّته و حرمته، من جهة سبق الغصبيّة و عدمِ جواز

134

الصلاة فيه، فيثبت بذلك حرمة الحيوان.

و الظاهر أنّه لا يشكّ العرف في عدم اقتضاء الأخبار ترتيب ذلك على الاستصحاب. و لعلّ السرّ في ذلك أنّ الملازم و الملزوم لا يكونان من شئون المستصحب، بخلاف اللازم، فإنّ الملازمَ أجنبيّ عن وجوده الحقيقيّ، و الملزومَ دخيل في وجوده المفروض تحقّقه التعبّديّ، و لا تأثير له في كماله و شئونه أصلًا واقعاً حتّى يكون مقتضى التنزيل ترتّب ذلك عليه.

و منها: أن لا يكون الترتّب بعد فرض الموضوع شرعيّاً و إن كان بيد الشرع بعدم تشريع موضوعه، كترتّب الحرمة الفعليّة في العصير على الحرمة التعليقيّة المترتّبة على الغليان، و كترتّب الوجوب الواقعيّ للمقدّمة على الوجوب الواقعيّ بالنسبة إلى ذي المقدّمة، فإنّه بعد تشريع الموضوع الّذي هو أيضاً مجعول لا يمكن عدم ترتّب اللازم عليه، لكنّ اللازم و ترتّبه بيد الجعل من حيث إنّ موضوعه تحت اختيار الجاعل.

و الظاهر أنّ ذلك مشمول لعموم دليل الاستصحاب، لأنّ اللازم مجعول شرعاً و لو بواسطة مجعوليّة ملزومه، و هذا المقدار يكفي في مشموليّته للعموم.

إن قلت: قد مرّ سابقاً أنّه لا بدّ أن يكون الجعل بيد الجاعل مستقلّاً، و لا يكفي الدخالة في الجعل، و إلّا كان ترتّب أثر الواسطة على المستصحب مجعولًا شرعيّاً و ثابتاً بالجعل، لدخالة الجعل في ترتّبه.

قلت: الفرق بينهما أنّ الأمر في المبحوث عنه بيد الجاعل حتّى بالنسبة إلى ما بعد الجعل، لأنّ جعله علّة لما يحكم به العقل أو يتحقّق قهراً من وجوب المقدّمة أو ثبوت القضيّة الفعليّة، فتأمّل.

و منها: أن يحكم العقل بلزوم الترتّب من دون أن يكون الترتّب قهريّاً، كما في ترتّب الحكم على الملاك فإنّه لا يبعد جواز استصحاب الملاك، فإنّ ترتّب الحكم‏

135

على الملاك إنّما هو باختيار الشارع، و صِرف حكم العقل بقبح ترك ذلك على الحكيم لا يخرجه عن كونه باختيار الجاعل و لا يسلب اختياره.

و لعلّ من ذلك استصحاب عدم القدرة ليترتّب عليه عدم الحكم، بناءً على كون التكليف بغير المقدور قبيحاً و لا يكون مستحيلًا.

و أمّا بناءً على الاستحالة فهل لا يجري الاستصحاب، لعدم كون عدم الحكم تحت اختياره لاستحالة الحكم، فيجب عدمه من دون دخل لاختيار الجاعل في ذلك، أو يجري، من جهة أنّ تعيين تكليف المكلّفين في ظرف الاحتمال من جهة احتمال التكليف الواقعيّ باحتمال القدرة و أنّه هل منجّز على تقدير تحقّقه أو معذور فيه بيد الشارع، و من شأنه الحكم بالاشتغال في الشكّ في القدرة أو الإعذار، فيجري الاستصحاب و يكون مقتضاه معذوريّة المكلّف في التكليف الواقعيّ على فرض تحقّق القدرة؟ وجهان، أقواهما الثاني كما لا يخفى.

الثالث في ما استثني من الاصول المثبتة.

المشهور بينهم استثناء ما كانت الواسطة خفيّةً بحيث يستند الأثر إلى المستصحب.

و الظاهر أنّه إذا صار الخفاء بحدّ يكون الدليل الدالّ على ترتّب الأثر على المستصحب دليلًا عليه في المحاورات العرفيّة بحيث يكون حجّةً في مقام الاستدلال فلا فرق بين ذلك و بين اتّباع العرف في الظواهر، إذ الملاك هو الاحتجاج بها في ما بينهم، فإذا احتجّوا على ترتّب أثر الواسطة بما يدلّ على ترتّب الأثر على ذي الواسطة لخفائها فلا إشكال في حجّيّة ذلك بالنسبة إلى المحاورات الشرعيّة، إذ ليس له مسلك خاصّ في المحاورات مفهوماً و مصداقاً.

فما عن الميرزا النائينيّ (قدس سره) و تبعه بعض تلاميذه من عدم الأثر لخفاء الواسطة، إذ العرف يتّبع في المفاهيم دون تطبيقها على المصاديق. كيف و هم يتسامحون في‏

136

الأوزان و المقادير فيطلقون المنّ على المقدار الّذي يقرب منه‏ (1)! مع وضوح عدم جواز اتّباعهم.

مدفوعٌ أوّلًا بالنقض بالرجوع إلى العرف في مصداق وحدة القضيّة المتيقّنة و المشكوكة في باب الاستصحاب، فإنّه يرجع إلى العرف في ذلك. و هو قد تذكّر النقض و أجاب بما هو مورد للإيراد.

و ثانياً بأنّ المعروف بينهم بل كاد أن يكون ضروريّاً أنّه لا يعتبر بلون الدم مع أنّه من قبيل اتّباع نظر العرف في تطبيق المفهوم على المصداق.

و ثالثاً بما مرّ من الحلّ من أنّه بعد ما كان التطبيق حجّةً عندهم في محاوراتهم و لم يردع عنه الشارع لا فرق بينه و بين اتّباعهم في نفس المفهوم.

و ما تقدّم من النقض بالتسامح في الأوزان و المقادير مع عدم اتّباعهم قطعاً فلأنّه ليس من باب صدق لفظ المنّ و أمثاله على ما يقرب منه، و لذا لا يطلقونه على المنّ من الذهب، بل التسامح إنّما هو في مقام الغرض فيرفعون اليد عن القليل في طرف الزيادة و النقيصة، لا في مقام صدق اللفظ، فافهم و تأمّل.

و قد أضاف إليه (قدس سره) في الكفاية أمرين آخرين فاستثناهما من الاصول المثبتة:

الأوّل: ما كان اللزوم و عدم التفكيك بين المستصحب و الواسطة واضحاً ضروريّاً و صار بحيث لا يرون التفكيك بينهما في مقام التنزيل‏ (2).

و لعلّ مبنى ذلك على أمرين: أحدهما أن يكون أحدهما العلّة التامّة و الآخر هو المعلول أي يكون المستصحب هو العلّة التامّة أو الجزء الأخير منها و الواسطة هي المعلول، و ثانيهما هو وقوع تلك العلّيّة بين أيدي الناس و بمسمع منهم و مشهد، كعلّيّة النار المشتعلة بالنسبة إلى الحرارة.

____________

(1) مباني الاستنباط (تقريراً لبحث آية اللَّه العظمى الخوئيّ (قدس سره)): ج 4 ص 157- 158.

(2) كفاية الاصول: ص 473.

137

الثاني: أن يكون وضوح اللزوم موجباً لكون أثر الواسطة أثراً لذيها (1).

و لعلّ مبنى ذلك على أمرين أيضاً: أحدهما وضوح اللزوم، و ثانيهما التشابه بين المتلازمين.

و ذلك ينطبق على المتضايفين كالأُبوّة و البنوّة و العلّيّة و المعلوليّة، فإنّ العرف يرى شيئاً واحداً ذا وجهين و ذا طرفين، فكلّما ثبت لأحدهما من الأثر فهو ثابت حقيقةً للآخر، لكون ما هو في الخارج شيئاً واحداً و نسبةً واحدةً قد تلحظ مضافةً إلى أحد الطرفين و قد تلحظ مضافةً إلى الآخر.

و الفرق بينهما واضح، فإنّ الأوّل متقوّم بالتنزيلين، فيكون التنزيل بالنسبة إلى الواسطة لازماً للتنزيل بالنسبة إلى المستصحب، بخلاف الثاني فإنّه كالأوّل- أي خفاء الواسطة- يكفي التنزيل بالنسبة إلى المستصحب، لأنّ المفروض أنّ أثر الواسطة أثر المستصحب عند العرف.

و لا يخفى أنّه لا يرد عليه ما اورد من أنّ استثناء خفاء الواسطة و جلائها موجب للقول بحجّيّة الأصل المثبت مطلقاً، لوضوح أنّ المقصود من جلاء الواسطة في الأمرين وضوح اللزوم، لا وضوح الواسطة من جهة كونها وجوداً مستقلّاً، كالتلازم الاتّفاقيّ بين بقاء زيد في البلد و وجود عمرو فيها.

ثمّ إنّ الظاهر عدم وجود ما يطمئنّ به النفس على صيرورة عدم التفكيك الخارجيّ بحدّ يجعل العرف التنزيل في المستصحب دليلًا على التنزيل في اللازم. نعم، لو فرض ذلك فهو حجّة، لعين ما ذكر في خفاء الواسطة من كون المحاورات الشرعيّة إنّما تكون على طبق العرف.

و أمّا الثالث فالظاهر تحقّقه مصداقاً و كبرى، كما هو واضح بالنسبة إلى اخوّة زيد بالنسبة إلى عمرو و بالعكس.

____________

(1) كفاية الاصول: ص 473.

138

و مما يمكن الحكم بترتّب الأثر الشرعيّ و لو كان الموضوع لبّاً غيره ما إذا كان في الدليل موضوعٌ للأثر.

فإذا فرضنا ترتّب الأثر في الدليل على الخمر و علم أنّ الموضوع للحرمة هو الإسكار ففيه تفصيل:

فإن كان تعلّق الحرمة بالخمر من باب جعله حجّةً على الموضوع للمكلّفين عند الشكّ فترتّب الأثر واضح، إذ الحجّيّة أثر شرعيّ.

و إن كان تعلّق الحكم به في الدليل من جهة مصلحة رآها الشارع لحفظ مصلحة الحكم المتعلّق بالإسكار لا بجعل عنوان الخمر حجّةً على الإسكار- مثلًا- للمكلّف بل هو بنفسه علّق الحكم بالخمر لحفظ ملاكه الواقعيّ فلا شبهة أيضاً في ترتّبه، لأنّه حكم شرعيّ و لو كان لحفظ ملاك الإسكار.

و أمّا إن كان أخذ الخمر في الدليل من باب أنّه أحد مصاديق المسكر فلا وجه لترتيب الأثر باستصحابه، فلا بدّ حينئذٍ من استصحاب نفس المسكر.

الرابع: قال (قدس سره) في الكفاية في مقام الفرق بين الأمارات و الاصول التعبّديّة:

إنّ وجه حجّيّة الاولى بالنسبة إلى الأطراف من اللوازم و الملازمات و الملزوم أنّها كما تحكي عن المؤدّى تحكي عن أطرافها، و مقتضى إطلاق دليل اعتباره لزوم تصديقها في حكايتها؛ بخلاف الاصول فإنّ مفاد دليلها هو التعبّد بالثبوت بالنسبة إلى المؤدّى، و هو غير التعبّد بثبوت الأطراف‏ (1). انتهى ملخّصاً.

أقول: ليس المراد بالحكاية هو الخبر، لأنّه ليس جميع الأمارات من قبيل الأخبار، فإنّ كلّاً من اليد و الظنّ بالقبلة و غير ذلك يكون من الأمارات مع عدم كونه من الأخبار.

و العجب من بعض المحقّقين من تلامذته حيث فرض أنّه يقول: إنّ الأمارة

____________

(1) كفاية الاصول: ص 473.

139

كما تخبر عن المؤدّى تخبر عن الأطراف. ثمّ أورد بأنه لا بدّ في الخبر أن يكون مقصوداً للمخبر (1).

و ليس المراد بها هو الظنّ النوعيّ، لأنّه ليس ملاك الطريقيّة حصول ذلك، بل الملاك غلبة المطابقة بنظر الشارع، سواء حصل الظنّ النوعيّ أم لم يحصل.

و حينئذٍ نقول: إنّ غلبة المطابقة في الأمارة بالنسبة إلى المؤدّى ملازمة لتلك المقدار من الغلبة بالنسبة إلى الأطراف، فإن كان ذلك ملاك الحجّيّة فلا بدّ من القول بحجّيّته بالنسبة إلى الأطراف: إمّا بالملاك، و هو الأظهر ثبوتاً، و إمّا من جهة كون مفاد دليل حجّيّة الأمارة حجّيّةَ الحكاية الحاصلة عنها، و هو أظهر بالنسبة إلى كلامه؛ إلّا أنّه بعيد ثبوتاً، إذ ليس مفاد الدليل إلّا حجّيّتها في المؤدّى، لا حجّيّة جميع ما يحصل منها من الحكايات. هذا بيان كلامه (قدس سره).

و لكن مع ذلك كلّه فيه أوّلًا: أنّ مقتضى الطريقيّة أنّ الملاك كلّاً أو بعضاً هو الغلبة بالنسبة إلى عدم الجعل أصلًا، لا غلبة الإصابة بالنسبة إلى مخالفة الأمارة للواقع، فإنّ المؤمّن للواقع بقدر الإمكان هو الغلبة بالمعنى الأوّل لا بالمعنى الثاني، و الغلبة بذاك المعنى لا تلازم التحقّق في اللازم، فإنّه لو لا الإرجاع إلى اليد- مثلًا- فحيث يكون الاحتياط حرجيّاً بل مخلًّا بالنظم فلا بدّ من العمل بالظنّ، و هو موجب للوقوع في الخطإ كثيراً؛ و هذا بخلاف ما يلازم اليد، فإنّ الإرجاع إلى الأصل المقتضي مع قطع النظر عن حجّيّته في اللازم لعلّه أوصل إلى الواقع، من جهة أنّ الأصل في الأموال هو الحرمة و الاجتناب من جهة الاستصحاب أو غيره.

و ثانياً: على فرض كون الملاك هو الغلبة بالمعنى الثاني الموجود في الأطراف أو فرض وجود الغلبة بالمعنى الأوّل في الأطراف أيضاً فكون الملاك في الجعل هو صِرف ذلك ممنوع، إذ يمكن أن يكون الحكم بالحجّيّة في جميع الأطراف موجباً

____________

(1) نهاية الدراية: ج 5 و 6 ص 193.

140

للحرج المخالف للتسهيل على العباد، فيكفي في نظره الشريف في حجّيّة الخبر- مثلًا- حجّيّته بالنسبة إلى المؤدّى حتّى يجري في أطرافه البراءة فيسهّل على العباد. كيف! و لو كان الملاك المذكور كافياً لم يكن فرق بين اللوازم و غيرها ممّا يحرز فيه وجود الملاك، فإنّ عشرة رجال موثّقين يكون فيه ملاك البيّنة العادلة و كذا عشر نساء، أي يكون فيهما ملاك ما لوحظ فيه من الطريقيّة.

و الحاصل: أنّ الشارع ربما يلاحظ غير الطريقيّة في الأمارات- كاليد- جهات اخرى، كالتسهيل أو حفظ النظم أو حفظ الأسرار و عدم هتك الأعراض. و هذا لا يوجب التصويب كما لا يخفى، إذ ليس الملاك المزبور كافياً للحكم و كان في عرض الواقع، بل هو من المرجّحات و يكون بعد فرض عدم المصلحة في تحميل الواقع على العباد.

و قد يقال- كما في رسائل بعض الأعلام من أهل العصر كان اللَّه له-: ما محصّله أنّ جميع الأمارات عقلائيّة، و الشارع المقدّس أمضاها. و المثبتات حجّة عندهم في جميعها. و هذا هو الفرق بين الاصول و الأمارات‏ (1).

و فيه: منع الأمرين، فإنّ حجّيّة الظنّ في القبلة ليست أمراً عقلائيّاً، فإنّ القبلة لم تكن موضوعاً ذا أثر عند العقلاء حتّى يجعل الظنّ حجّةً عليها، و كذا حجّيّة ذي الترجيح في الخبرين و أحدِهما على نحو التخيير، فإنّ الأصل عندهم هو التساقط، و كذا الأيمن و الأيسر بالنسبة إلى الدم المردّد بين القرحة و الحيض، إلى غير ذلك. و ليس مطلق ما هو حجّة عندهم حجّةً بالنسبة إلى الأطراف، فإنّ قول الخبرة حجّة عندهم، و لازمُ حجّيّته الأخذُ بما يراه و صدقُه في ما يُلقي بعنوان أنّه رأيه، و لازم ذلك كونه صادق القول في غير ذلك في كثير من الموارد، بل يكون غيره أولى بالصدق، إذ لا داعي على الكذب، بخلاف ما يتعلّق بحرفته فربما يكون بعض الدواعي على الكذب.

____________

(1) الرسائل (للإمام الخمينيّ (قدس سره)): ج 1 ص 177 و ما بعدها.

141

و لا أرى أصدق من أن يقال: إنّه في كلّ ما صدق عنوان الأمارة على اللازم كاللازم المقصود في الخبر و الإقرار و البيّنة- كالخبر أو الإقرار بإشراب السمّ المهلك- فلا ريب في حجّيّته، لا من جهة ترتّب أثر اللازم على المؤدّى، بل من جهة كون اللازم بنفسه مصداقاً لعنوان الأمارة؛ و كذا في ما كان ترتّب الأثر عقلائيّاً و لم يردع عنه الشارع أو في ما كان مقتضى الإطلاق ترتيب أثر الأطراف، و أمّا بنحو الكلّيّة فلا، و لذا لا أظنّ الالتزام بأنّ الظنّ بالقبلة إذا كان ملازماً لدخول الوقت يجوز الدخول في الصلاة من دون العلم بذلك كما لا يخفى، و اللَّه العالم.

الخامس: في بعض المسائل الّتي أشار إليه (قدس سره) في الرسائل ممّا يمكن أن يدلّ على الاعتبار بالمثبت في الجملة:

فمنها: ما نقله عن المحقّق (قدس سره) في الشرائع و جماعةٍ من الفقهاء (1) (قدّس اللَّه أسرارهم) من أنّه لو اتّفق الوارثان على إسلام أحدهما المعيّن في أوّل شعبان و الآخر في غرّة رمضان، و اختلفا فادّعى أحدهما موت المورّث في شعبان و الآخر موته في أثناء رمضان كان المال بينهما نصفين، لأصالة بقاء حياة المورّث‏ (2). انتهى.

قال الشيخ المؤسّس (قدس سره): ما خلاصته أنّ الأصل المشار إليه مثبت، لأنّ الأثر و هو التوارث مترتّب على موت المورّث عن وارث مسلم، و بقاء الحياة لا يثبت الأثر المترتّب على لازمه الّذي هو الموت في زمان إسلام الوارث.

إلّا أن يقال: إنّه يكفي ثبوت إسلام الوارث في زمان حياة المورّث في إثبات الوارثيّة و يكون المقصود بالاستصحاب ذلك‏ (3). انتهى.

أقول: ما ذكره غير دافع للإشكال، فإنّ ما هو الموضوع للتوارث الفعليّ ليس إلّا موت المورّث في زمن إسلام الوارث أو عدم كفره كما يجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى.

____________

(1) كالشيخ الطوسيّ في المبسوط: ج 8 ص 273، و الشهيد الثاني في المسالك: ج 14 ص 141.

(2) فرائد الاصول: ص 385 عن شرائع الإسلام: ج 3 و 4 ص 908.

(3) فرائد الاصول: ص 385.

142

و أمّا الحكم بالوارثيّة في الحياة فليس إلّا على وجه التعليق الّذي هو مع فرض عدم ثبوت المعلّق عليه، فإنّ الإسلام المستصحب في حال حياة المورّث لا يقتضي إلّا أنّه لو لم يكن حيّاً في ذاك الحال بل حصل موته في هذا الحال لكان التوارث فعليّاً.

نعم، لو كان حيّاً حين إسلامه لوقع موته من باب الاتّفاق في حال إسلام الوارث.

و من ذلك يظهر أنّه ليس التلازم عقليّاً بل يكون اتّفاقيّاً، فإنّه يمكن إسلامه في زمن حياته و ارتداده بعد ذلك، لكن حيث إنّ بقاء إسلامه معلوم فلا محالة يعلم بالتلازم من باب الاتّفاق.

و العجب اعتماد الميرزا النائينيّ (قدس سره) بذلك الوجه في دفع إشكال الإثبات‏ (1).

و يمكن أن يوجّه أصل الفتوى- أي التوارث- باستصحاب عدم الكفر المقارن للموت، بناءً على أنّ المستفاد من الدليل أنّ الحاجب عن الإرث هو الكفر لا أنّ الإسلام شرط، فإنّ الكفر المقارن للموت لم يكن قبل الموت فيستصحب، أو يستصحب عدم الموت حين كفر الوارث بضمّ القطع بالموت، أو يستصحب عدم كون موت المورّث في حال كفر الوارث، فإنّه مسبوق بالعدم من باب عدم الموضوع.

كلّ ذلك على فرض الجريان مبنيٌّ على عدم جريان استصحاب بقاء الكفر إلى زمان موت المورّث، من باب أنّ تاريخ ارتفاع الكفر معلوم و إنّما المجهول تاريخ الموت، فلا يجري عند المشهور بينهم من عدم جريان الأصل في معلوم التاريخ.

و أمّا إن قلنا بالجريان- كما لا يبعد- فالمسألة معلومة، فإنّ مقتضى استصحاب بقاء الكفر أو استصحاب عدم تحقّق الإسلام إلى حين موت المورّث هو عدم التوارث؛ و أصالة عدم الموت في زمان الكفر لا تثبت عدم الكفر في زمان الموت كما هو واضح. و أمّا الاستصحابات المتقدّمة فكلّها على تقدير الجريان محكومة بالاستصحاب الأخير، فإنّ إحراز الموضوع بالأصل و الوجدان مقدّم على ما يكون‏

____________

(1) راجع فوائد الاصول: ج 4 ص 501.

143

مفاده إثباتَ المجموع، فتأمّل.

و منها: ما نقله عن المحقّق (قدس سره)(1) أيضاً و عن جماعةٍ (2) في كرٍّ وجد فيه نجاسة لا يُعلم سبقُها على الكرّيّة و تأخّرُها من أنّهم حكموا بتعارض استصحاب عدم الملاقاة قبل الكرّيّة لاستصحاب عدم الكرّيّة حين الملاقاة مع أنّ الجاري من الأصلين هو الأوّل، لأنّ الثاني مثبت، فإنّ استصحاب عدم الكرّيّة حين الملاقاة لا يثبت وقوع الملاقاة قبل الكرّيّة و في زمان القلّة حتّى يثبت النجاسة فافهم‏ (3)، انتهى ملخّصاً.

و الإنصاف: أنّ التعارض واضح، و نظرُ الشيخ (قدس سره) غير واضح.

و لعلّ مقصوده أنّ المستفاد من الدليل أنّ الكرّيّة مفروض الوجود في الحكم بعدم تأثير الملاقاة في تنجّس الماء، كما أنّ عدمها أيضاً مفروض الوجود في الحكم بتأثير الملاقاة في التنجّس، فإنّ الموضوع هو الكرّ و غير الكرّ و الشرطَ ملاقاة النجس في التأثير و عدم التأثير، و حينئذٍ يكون مفاد الاستصحاب الأوّل منطبقاً على الدليل، إذ فُرض عدم الكرّيّة و حُكم بعدم حصول الشرط في ظرف عدم الكرّيّة؛ بخلاف الثاني، فإنّ المستصحب عدم الكرّيّة في ظرف الملاقاة مع أنّ مفاد الدليل هو الملاقاة في ظرف عدم الكرّيّة، و أحد المفهومين غير الآخر.

و فيه: أنّ المفاهيم الملحوظة في الدليل الحاكية عن الخارج لا تكون بنفسها موضوعةً للأثر، فإنّ الأثر مترتّب على الخارج لا على ما لوحظ في الدليل، فإنّ لحاظ الكرّيّة و عدمها في الدليل مفروض التحقّق، و جُعل الملاقاة شرطاً للنجاسة في أحدهما و محكوماً بعدم التأثير في الآخر، من جهة أنّ الملاقاة في الخارج واردة على الماء الكرّ و غير الكرّ، لا من جهة دخالة مفروضيّة الوجود في ذلك،

____________

(1) في المعتبر: ج 1 ص 51- 52.

(2) كالعلّامة في التحرير: ج 1 ص 53، و الشهيد في الذكرى: ج 1 ص 81، و الفاضل الأصفهانيّ في كشف اللثام: ج 1 ص 276

(3) فرائد الاصول: ص 385.

144

و لذا قد يمكن أن يكون مفاد الدليل بعكس ذلك فيقال: «الملاقي للنجس إن كان كرّاً لا ينجس و إلّا فينجس» و يمكن ورود الدليل بكلا المفهومين، فلا معنى لكون الأصل تابعاً للملحوظ في الدليل الحاكي عن الخارج المعلوم أنّ موضوع الأثر هو مجموع الأمرين: الملاقاة و عدم الكرّيّة أو هي و الكرّيّة. و ليكن تلك القاعدة على ذُكرٍ منك تنفعك في الفقه و تُبصرك في تشخيص المثبت عن غيره في غير واحد من الموارد. و له الحمد في الآخرة و الاولى.

و منها: ما نقله عن الشرائع و التحرير تبعاً للمحكيّ عن المبسوط:

فعن الأوّل أنّه لو ادّعى الجاني أنّ المجنيّ عليه شرب سمّاً فمات بالسمّ، و ادّعى الوليّ أنّه مات بالسراية (أي سراية الجرح و الجناية) فالاحتمالان فيه سواء.

و كذا الملفوف في الكساء إذا قدّه بنصفين، فادّعى الوليّ أنّه كان حيّاً و الجاني أنّه كان ميّتاً فالاحتمالان متساويان. ثمّ رجّح قول الجاني بما أنّ الأصل عدم الضمان، و قال: و فيه احتمال آخر ضعيف‏ (1).

و عن التحرير أنّ الأصل عدم الضمان من جانبه و استمرارُ الحياة من جانب الملفوف، فيرجّح قول الجاني. و فيه نظر (2).

قال الشيخ (قدس سره): و الظاهر أنّ مراده النظر في عدم الضمان و أنّ مقتضى استصحاب الحياة إلى زمان القدّ هو الضمان‏ (3).

و عن المبسوط التردّد (3).

قال الشيخ (قدس سره) بعد ذكر ذلك: و المستفاد من الكلّ نهوض استصحاب الحياة لإثبات القتل‏ (5). انتهى.

____________

(1) فرائد الاصول: ص 385 عن شرائع الإسلام: ج 3 و 4 ص 1014.

(2) فرائد الاصول: ص 385 عن التحرير: ج 5 ص 524.

(3) فرائد الاصول: ص 385 عن المبسوط: ج 7 ص 106- 107.

(4 و 5) فرائد الاصول: ص 385.

145

و كان المقصود- كما في بعض نسخ الرسائل- أنّ المستفاد من كلام المحقّق لديه جريان استصحاب بقاء الحياة إلّا أنّه عند المعارضة يكون الأصل المقتضي لعدم الضمان مقدّماً عليه، و التردّد المحكيّ عن الشيخ (قدس سره) للتعارض من غير ترجيح، و نظرُ العلّامة في التحرير على ترجيح استصحاب الحياة المقتضي للضمان، و الكلّ مبنيّ على جريان الأصل المثبت.

أقول: لا يخفى ما فيه، إذ الإنصاف: أنّه لا يستفاد من ترجيح المحقّق قولَ الجاني من باب أصالة عدم الضمان أنّه جازمٌ بجريان استصحاب الحياة و عدم إثباته و مع ذلك يحكم بالترجيح، كما أنّه لا يستفاد من ترديد الشيخ الجزمُ بالتعارض، بل يكفي في ذلك احتمال جريان أصالة بقاء الحياة و عدم كونه مثبتاً، كما أنّه لا يستفاد من إبداء النظر من جانب العلّامة (قدس سره) ترجيحُ الأصل المثبت، بل غاية ما يدلّ عليه ذلك الترديد احتمالُ جريان أصالة بقاء الحياة و إثباته عدمَ الضمان في ابتداء النظر كما هو مبنى المحقّق، و بعد التأمّل كما هو مبنى المبسوط و التحرير.

و ما يقتضيه النظر في المسألتين أن يقال:

أمّا في المسألة الاولى فاستصحاب عدم شربه السمّ لا يثبت كون موته بسبب سراية الجراحة، و ليس هو إلّا من باب إثبات أحد الضدّين بنفي الآخر، فالإثبات فيه واضح و لم يعلم ترديد الشيخ (قدس سره) في ذلك، و ليس هو مورد الكلام المنقول عن العلّامة (قدس سره) في التحرير، فمقتضى عدم الموت المستند إلى الجراحة هو عدم الضمان، و إن شكّ في ذلك فمقتضى استصحاب عدم اشتغال ذمّة الجاني هو عدم الضمان؛ مع أنّ الأصل هو البراءة. و هذا واضح جدّاً.

و أمّا المسألة الثانية فيمكن أن يدّعى أنّ مقتضى أصالة بقاء الحياة إلى حين القدّ الّذي يكون هو بضمّ الاستصحاب علّةً تامّةً لزهوق الروح المستند ذلك إلى الجاني هو ثبوت المعلول، فيكون هذا من مصاديق وضوح اللزوم بحيث يستلزم التنزيلُ في العلّة التنزيلَ في المعلول.

146

و منه يعلم أنّ ما اورد على صاحب الكفاية «من عدم الأثر بالنسبة إلى العلّة التامّة، لأنّه ملازم لثبوت الحالة السابقة بالنسبة إلى المعلول» (1) في غير محلّه، إذ قد يكون المجموع من المستصحب و المحرز بالوجدان علّةً تامّةً، و اللزوم أيضاً واضح في الفرض المذكور؛ و لا يكون حينئذٍ للمعلول حالة سابقة.

و الحاصل: أنّه من مستثنيات الأصل المثبت بناءً على بعض الآراء، فإنّ الحكم ببقاء الحياة إلى حين القدّ من دون الحكم بزهوق روحه مستندٌ إلى إلقاء تحميل على متفاهم العرف.

لكن فيه أوّلًا: عدم ثبوت المبنى كما تقدّم.

و ثانياً: أنّ التنزيل غير حاصل في العلّة حتّى يثبت التنزيل في المعلول، لعدم الأثر لخصوص العلّة حتّى يثبت التنزيل، فالملازمة بين التنزيلين تقتضي توقّفَ التنزيل في ناحية المعلول على التنزيل في ناحية العلّة، و التنزيل فيها لا أثر له إلّا بعد التنزيل بالنسبة إلى المعلول، و هو دور، فتأمّل.

فالحقّ هو الإثبات في كلا الموردين و الرجوع إلى أصالة عدم سبب الضمان أو عدم الضمان أو البراءة.

ثمّ لا يخفى أنّه لو جرى أصل بقاء الحياة فهو حاكم على أصالة عدم الموت المستند إلى الجاني، لأنّ التنزيل في العلّة يرفع الشكّ بالملازمة عن التنزيل في المعلول، و هو وقوع الموت المستند إلى الجاني، و لا عكس، إذ تقدّم أنّ التنزيل في المعلول لا يثبت العلّة، و حكومته على أصالة عدم الضمان معلومة، فتأمّل.

و لنكتف من الموارد المذكورة بذلك، من باب الاختصار و كونِ الأمر في ذلك موكولًا إلى الفقه، و ذكرُ ما ذكر إنّما هو للتمرين و تطبيق المسائل الاصوليّة على الفروع الّذي هو من اصول فنّ الاجتهاد، و هو المأمول في المبدأ و المعاد.

____________

(1) راجع نهاية الدراية: ج 5 و 6 ص 190.

147

التنبيه الثالث عشر

[في اشتراط أن يكون المستصحب أمراً قابلًا لتعلّق الجعل الظاهريّ و لو بالواسطة، كالشرطيّة

] لا بدّ أن يكون الثابت بالاستصحاب أمراً يتعلّق به الجعل الظاهريّ و لو كان تعلّقه به بواسطة تعلّق الجعل الظاهريّ بمنشإ انتزاعه، كاستصحاب الشرطيّة و الجزئيّة و المانعيّة، فإنّه يحكم بالجزئيّة ظاهراً من باب حكمه بتعلّق الوجوب الضمنيّ بالجزء في ضمن المركّب و كذا اختيها، فلا يشترط تعلّق الجعل الظاهريّ بنفس المستصحب من دون وساطة.

و يدلّ عليه- مضافاً إلى إطلاق الدليل- الصحيح الثاني لزرارة (1) حيث إنّ المستصحب هو الطهارة، و كذا خبر عبد الله بن سنان المتقدّم‏ (2) في الثوب الّذي يستعار، بناءً على أنّ الطهارة عنوان منتزع من الأحكام التكليفيّة و ليست مجعولةً من دون الوساطة، و بناءً على أنّ المقصود به استصحاب نفس الطهارة لا عدم الموضوع المحكوم بكونه نجساً، كالدم في صحيح زرارة و سائر النجاسات في الخبر.

و كيف كان، فلا إشكال في أصل الحكم، و إنّما مورد الشبهة و الإشكال أنّه قد يمكن أن يقال: إنّه لا فائدة في ذلك، إذ كلّما فرض جريان الاستصحاب من حيث المجعول بالواسطة كالجزئيّة جرى أيضاً في منشأ الجعل الّذي هو المجعول الأوّليّ كالأمر المتعلّق بالجزء، فلا فائدة في ذلك.

و الجواب عنه: أنّه قد تقدّم في مبحث الأحكام الوضعيّة- بعد ما أثبتنا أنّها منتزعة من التكليفيّات- أنّها على قسمين:

فقسمٌ منه لا فرق بينه و بين منشأ الانتزاع في الحقيقة إلّا بالإجمال و التفصيل، كالجزئيّة و الشرطيّة، فهما مع منشأ انتزاعهما كالحيوان الناطق بالنسبة إلى الإنسان.

____________

(1) المتقدّم في ص 14.

(2) في ص 36.

148

و قسم آخر منه لا يكون كذلك كالصحّة، فإنّ الصحّة في الصلاة بعد ترك السورة المشكوكة جزئيّتها ليست عبارةً اخرى عن عدم تعلّق الأمر الضمنيّ بالسورة و إن كانت منتزعةً من ذلك و من تطابق المأتيّ به للمأمور به.

ففي هذا القسم قد يمكن أن لا يجري استصحاب عدم تعلّق الأمر الضمنيّ بالسورة، لعدم الحالة السابقة بهذا العنوان، إذ ليس تعلّق الأمر بالمركّب و عدم تعلّقه بذاك الجزء مقطوعاً في السابق، و حينئذٍ تصل النوبة إلى استصحاب الصحّة، فتأمّل؛ أو يفرض أنّ الاستصحاب بالنسبة إلى عدم تعلّق الأمر بالسورة غير جارٍ، من جهة تعارضه لاستصحاب آخر، كما لو فرض العلم الإجماليّ بوجوبها أو وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلًا، فاستصحاب عدم وجوب الدعاء يتعارض البراءة عن وجوب السورة، فيرجع إلى استصحاب عدم وجوب السورة و البراءة عن وجوبه، و بعد التعارض يرجع إلى استصحاب الصحّة.

ثمّ إنّ ما ذكره في الكفاية متفرّعاً على جريان الاستصحاب بالنسبة إلى المجعول مع الواسطة من «جريان استصحاب الشرط و المانع لترتيب أثر الشرطيّة و المانعيّة» (1) مورد للنظر و الإشكال:

من جهة أنّ الشرطيّة لا تترتّب على وجود الشرط، و كذا المانعيّة لا تترتّب على وجود المانع، بل المترتّب على الأوّل هو سقوط الأمر و المترتّب على الثاني بقاؤه كما هو واضح.

مضافاً إلى ما عرفت في المثالين من عدم ترتّب ثمرة مهمّة على ذلك، من جهة أنّ الشرطيّة هي تفصيل من تعلّق الأمر في ضمن المركّب بالمقيّد به، و المانعيّة تفصيل من تعلّقه في ضمن المركّب بالمقيّد بعدمه.

و الأولى التمثيل باستصحاب الصحّة كما عرفت، ثمّ التمثيل باستصحاب موضوع الشرطيّة، كما لو فرض في المسألة المعروفة من اللباس المشكوك أنّ المجعول هو

____________

(1) كفاية الاصول: ص 474.

149

شرطيّة كون اللباس متّخذاً من المأكول إذا كان المصلّي لابساً للحيوانيّ فشكّ في كونه لابساً له فيستصحب ذلك.

التنبيه الرابع عشر

[في أنّه يترتّب باستصحاب حكم شرعيّ واقعيّ حكمٌ عقليّ مترتّب عليه‏

] لو كان حكم عقليّ مترتّباً على حكم شرعيّ واقعيّ و كان الحكم المذكور قابلًا للجعل الظاهريّ فالظاهر ترتّبه بالاستصحاب، خلافاً لما يظهر من كلمات الأصحاب.

فلو استصحب وجوب صلاة الجمعة يترتّب عليه عدم حرمتها واقعاً، أي يحكم بحسب الظاهر بعدم ضدّه الواقعيّ و يترتّب عليه أثر ذلك، كأن نذر أحد أن يصلّي ركعتين له تعالى إن لم تكن صلاة الجمعة في عصر الغيبة حراماً واقعاً، فإنّ المستصحب لا بدّ أن يكون قابلًا لتعلّق الجعل الظاهريّ به، فيحكم ظاهراً بوجوب صلاة الجمعة و عدم حرمتها كذلك.

و يترتّب عليه وجوب الوفاء بالنذر المتعلّق بعدم حرمتها واقعاً في الظاهر كما لا يخفى.

كما أنّه لو كان الأثر العقليّ مترتّباً على الأعمّ من الواقعيّ و الظاهريّ كان مترتّباً عليه أيضاً، فيحكم- مثلًا- بعدم الحرمة الظاهريّة في المثال و عدم الحرمة الواقعيّة ظاهراً و لو فرض عدم أثر بالخصوص للثاني، إلّا أنّ كليهما شريكان في ترتّب عدم العقوبة على فعلها. و يترتّب على ذلك ما تقدّم منّا في الاستصحاب التعليقيّ من حكومة التعليقيّ على الفعليّ، فإنّ التعليقيّ الواقعيّ يترتّب عليه الفعليّ الواقعيّ ظاهراً، و هو مقدّم على ما ينافيه من الاستصحاب الفعليّ الواقعيّ ظاهراً، لما تقدّم من رفعه للشكّ بخلاف الفعليّ؛ و هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الأثر العقليّ المترتّب على المجعول الشرعيّ غير مترتّب، فإنّه ليس في البين إلّا الاستصحاب التعليقيّ و استلزامه للفعليّة الظاهريّة من دون اقتضائه أنّه الواقع، و ذلك موجود في الاستصحاب الفعليّ المخالف، فإنّه يترتّب عليه عدم الفعليّة على طبق التعليق ظاهراً، فلا وجه للحكومة، فإنّ الاستصحاب التعليقيّ ما لم يستلزم الفعليّة الواقعيّة ظاهراً لا يرفع‏

150

الشكّ عن عدم الفعليّة الواقعيّة ظاهراً، فتأمّل فإنّه لا يخلو عن الدقّة.

ثمّ لا يخفى أنّ ترتّب الأثر العقليّ المترتّب على الحكم الشرعيّ- كما عرفت- دائر مدار تطرّق الجعل الظاهريّ؛ و هو يتوقّف أوّلًا على وجود الأثر فلا يترتّب عليه الوجوب العقليّ للمقدّمة، لعدم الأثر. و ثانياً على عدم كونه مقطوع الترتّب بواسطة نفس الحكم الاستصحابيّ، كحكم العقل بعدم استحقاق العقوبة قطعاً بصِرف الحكم بعدم التكليف، فلا معنى لجعل عدم استحقاق العقوبة ظاهراً، فإنّ عدمه قطعيّ بالحكم الظاهريّ، بل بصِرف عدم البيان كما يأتي ذلك إن شاء اللَّه تعالى. و ثالثاً على أن لا يكون المقصود جعله من قبيل العقوبة و المثوبة و عدمهما، لأنّ ذلك كلّه غاية الحكم الظاهريّ فلا يتصوّر أن يجعل ذلك ظاهراً.

التنبيه الخامس عشر

[في ترتّب الأثر غير الشرعيّ إذا كان موضوعه الحكم الظاهريّ أو الأعمّ منه و من الواقعيّ‏

] لا إشكال في ترتّب الأثر غير الشرعيّ من العقليّ أو التكوينيّ إذا كان موضوعه نفس الحكم الظاهريّ أو الأعمّ منه و الواقعيّ كما هو واضح، و ذلك لتحقّق الموضوع، و ترتّبُ الحكم على الموضوع واضحٌ و إلّا لزم الخلف، و لأنّ الحكم الظاهريّ لا بدّ من الانتهاء إلى الواقع و ترتّبِ أثر حقيقيّ عقليّ أو تكوينيّ من استحقاق العقوبة و المثوبة و عدمه أو العقوبة و المثوبة و عدمهما، فتأمّل.

التنبيه السادس عشر

[في أنّ مورد الاستصحاب لا بدّ أن يكون قابلًا لتعلّق الجعل الظاهريّ في مرحلة البقاء

] لا يخفى أنّ ما ذكرناه في التنبيه الثالث عشر «من اشتراط أن يكون مورد

151

الاستصحاب قابلًا لتعلّق الجعل الظاهريّ» إنّما هو في مرحلة البقاء، لا في مرحلة الحدوث، لوضوح أنّ التعبّد إنّما هو بلحاظ البقاء فلا تعبّد بالنسبة إلى حال اليقين؛ فعلى هذا لا مانع من استصحاب الحجّيّة العقليّة أو عدمها في حال الشكّ في البقاء، لأنها قابلة للجعل الشرعيّ وجوداً و عدماً، فيصحّ استصحاب عدم تنجّز الحكم إذا كانت الحالة السابقة هي عدم القدرة، كما يصحّ استصحاب عدم القدرة في مورد الشكّ، و يصحّ استصحاب عدم التذكية الموجودة حال حياة الحيوان بالنسبة إلى حال الشكّ الّذي هو حال الموت، فافهم و تأمّل حتّى تعرف مواقع ما يمكن إيراده على الكفاية. و هو الهادي.

التنبيه السابع عشر

[في جريان الاستصحاب و إن كان الأثر المترتّب عليه هو بعينه ممّا يترتّب على الشكّ‏

] قد يشكل في بعض الاستصحابات من جهة أنّ الأثر المترتّب على الاستصحاب هو بعينه ممّا يترتّب على نفس الشكّ، كاستصحاب الطهارة مع أنّ نفس الشكّ كافٍ في الحكم بالطهارة، و كاستصحاب عدم التكليف مع أنّ نفس الشكّ كافٍ في عدم استحقاق العقوبة. و مثله استصحاب بقاء التكليف، لكفاية الشكّ في الحكم بالاشتغال، و ذلك من جهة عدم الاحتياج إلى لحاظ الحالة السابقة مع فرض كفاية الشكّ في الحكم الظاهريّ و ترتيب الأثر المطلوب.

و الجواب عنه أوّلًا: أنّ كفاية الشكّ في أصل و احتياج أصل آخر إلى الشكّ و الحالة السابقة لا تقتضي تقدّم الأصل الأوّل على الثاني، إذ المفروض وجود موضوع كليهما، و ليس الأوّل رافعاً للشكّ عن الآخر دون العكس؛ و حينئذٍ قد يقال بتقدّم الاستصحاب:

إمّا من جهة أنّ مفاده بقاءُ اليقين تعبّداً و رفعُ الشكّ حتّى بالنسبة إلى قاعدة الطهارة فيكون حاكماً عليها. و يشعر بذلك بل يدلّ عليه ما في الصحيح الثاني‏ (1) لزرارة،

____________

(1) المتقدّم في ص 14.

152

من جهة حكمه باستصحاب الطهارة و عدم الاعتداد بأصالتها؛ و إمّا من جهة أنّ الحكم العقليّ بالنسبة إلى مقام الإطاعة و العصيان و التنجّز و الإعذار إنّما يكون في طول الحكم الشرعيّ- بمعنى أنّه في ظرف عدمه- فلا حكومة للعقل في ما إذا كان طريق الإطاعة معيّناً من قبل الشارع نفسه. و لو فرض عدم ملاك لتقدّم الاستصحاب فلا وجه أيضاً لتقدّم الحكم المتعلّق بحال الشكّ.

و ثانياً: على فرض التقدّم- بمعنى كون جريانه في الرتبة المتقدّمة على جريان الاستصحاب- فلا يمنع عنه إذا لم يرفع موضوعه، و من المعلوم عدم رفع موضوع الاستصحاب بجريان أصالة البراءة و الاشتغال أو الطهارة أو الحلّيّة، فيكون ذلك كأن أخبر ذو اليد بنجاسة شي‏ء ثمّ قامت البيّنة أيضاً على ذلك، و لا معنى لرفع اليد عن حجّيّتها في هذا الحال. و توهّمُ لغويّته مدفوعٌ بأنّ ذلك مانعٌ عن حجّيّتها إذا كان دليله خاصّاً بذاك المورد، فإنّ الحكم بذلك بالخصوص فيه لغو فلا يمكن ورود الدليل بذلك، و أمّا إن كان مقتضى الدليل حجّيّتها بنحو العموم فلا وجه لعدم حجّيّتها في المورد من باب اللغويّة كسائر الأحكام الحيثيّة، فإنّ حلّيّة الغنم تشمل الغنم الحرام بالعرض مع عدم أثر لحلّيّته- مثلًا- في هذا الحال، فافهم و تأمّل.

هذا تمام الكلام في هذا المقام، و له الشكر و الحمد المتواتر المتواصل على إعطائه التوفيق لهذا العبد الضعيف لكتابة المباحث الّتي ألقيتها على بعض الأفاضل من المحصّلين طول السنة و هي سنة 1391 ه. ق، و على جميع نعمه الّتي لا تحصى، و أسأله التوفيق لما يحبّ و يرضى، و لإتمام ذلك الكتاب و الانتفاع به في الحياة و الممات، فإنّه وليّ كلّ نعمة و صاحب كلّ حسنة و منتهى كلّ رغبة.

التنبيه الثامن عشر

في البحث المعروف عندهم بأصالة تأخّر الحادث‏

و هو يتمّ إن شاء اللَّه تعالى في طيّ امور: