مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام‏ - ج3

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
373 /
153

الأمر الأوّل: أنّ الّذي علم حدوثه لكن لا يعلم زمان حدوثه فإن لوحظ بالإضافة إلى قطعات الزمان فلا إشكال عندهم في الاستصحاب بالنسبة إلى الزمان المشكوك فيه؛ فإن علم بحدوث الكرّيّة في المحلّ الخاصّ و دار أمره بين أن يكون ذلك في يوم الخميس أو يوم الجمعة فلا إشكال في الاستصحاب إلى يوم الخميس، فإنّ العلم بالحدوث إلى يوم الجمعة لا يكون مانعاً عن جريان الاستصحاب بالنسبة إلى ظرف الشكّ الّذي هو يوم الخميس، و ظاهر الأصحاب المتعرّضين لذلك خروج ذلك عن مورد البحث و الإشكال حتّى بالنسبة إلى ما إذا لوحظ المستصحب بالنسبة إلى حادثٍ آخر معلومٍ تاريخه (أي يمكن القول بعدم جريان الاستصحاب فيه بخلاف المورد) مع أنّ الّذي يصل إليه دقيق النظر عدم الفرق بين الحادث الآخر المعلوم تاريخه أو الزمان، فإنّ القطعة من الزمان من قبيل يوم الخميس أو الفجر أو أمثالهما من الحوادث، فكما يمكن تقريب التعارض في معلوم التاريخ يمكن تقريبه في مورد البحث فيقال: إنّ الأصل عدم تحقّق الخميس في حال عدم حدوث الكرّيّة أو الأصل عدم تحقّق فجر يوم الصيام في ظرف تحقّق الجنابة أو عدم تحقّق الفجر في فرض عدم حصول الجنابة. نعم، الغالب عدم تحقّق الأثر لعدم الزمان إذا لوحظ بالنسبة إلى الحادث الآخر. و صِرفُ ذلك لا يصير سبباً لإفراده عن مورد البحث الدالّ على وجود خصوصيّة زائدة فيه من حيث الجهات الاصوليّة.

ثمّ إنّ الملحوظ بالنسبة إلى القطعات قد يكون معلوماً حدوثه في الزمان الأوّل أو الثاني ممّا يعلم أيضاً أنّه على تقدير الحدوث في الزمان الأوّل قد بقي إلى الزمان الثاني، فيعلم في المثال بأنّ الكرّيّة إن حدثت في الخميس فقد بقيت إلى يوم الجمعة، و قد يعلم بارتفاعه على تقدير الحدوث في الزمان الأوّل، و ثالثةً يشكّ في ذلك. و لكلّ منها بحث:

أمّا الأوّل فلا إشكال في استصحاب عدم الحدوث في الزمان الأوّل،

154

و لا يتعارض لأصل عدم الحدوث في الزمان الثاني، للقطع بالانتقاض، فإنّ عدم الكرّيّة قد انتقض قطعاً إمّا في الزمان الأوّل و إمّا في الزمان الثاني، و لكن حيث إنّ وجوده في الزمان الثاني مقطوع- لأنّه إمّا حدث فيه و إمّا حدث في الزمان الأوّل و بقي إلى الزمان الثاني- فيمكن أن يقال بأنّ الأصل الحاكم بالعدم في الزمان الأوّل بضمّ القطع بوجوده في الزمان الثاني يثبت الحدوث فيه، بناءً على كون مفهوم الحدوث مركّباً من الوجود الفعليّ و العدم السابق، أو يكون مفهومه الوجود المقيّد بالعدم السابق، أو يكون معنىً بسيطاً و وجوداً إجماليّاً من المفهومين كالإنسان بالنسبة إلى الحيوان الناطق، ففي جميع الفروض يثبت الحدوث بالاستصحاب، إذ لا فرق بين إثبات القيد و الجزء كما يشهد به خبر زرارة الأوّل و الثاني‏ (1)، حيث يكون المقصود من استصحاب الطهارة الحدثيّة أو الخبثيّة هو صحّة الصلاة و هي مقيّدة بالطهارة، كما أنّ ترتّب الإجمال على التفصيل ليس إلّا بضرب من الاعتبار، فإنّ الإجمال عين التفصيل حقيقةً و في مقام التحقّق الماهويّ كما لا يخفى.

نعم، لو كان العدم السابق قيداً لاستعمال كلمة الحدوث في الوجود من دون أن يكون جزءاً أو قيداً لمفهوم الحدوث بنحو الإجمال أو بنحو التفصيل- كما أفاده صاحب الكفاية في المعنى الحرفيّ و الاسميّ بالنسبة إلى الآليّة و الاستقلاليّة (2)- فلا يثبت بالأصل المذكور إلّا صحّة استعمال الحدوث، و هي ليست بأثر شرعيّ، فالانتهاء إليه بذلك لا يكون شرعيّاً، فافهم و تأمّل حتّى تعرف موارد الإيراد في كلمات الأعلام.

و أمّا الثاني فلا يجري فيه البحث المذكور، لعدم العلم بوجود الحادث في يوم الجمعة في المثال حتّى يثبت الحدوث بضمّ الأصل و الوجدان و يقع التعارض بين أصالة عدم الحدوث في الزمان الأوّل و أصالة عدمه بالنسبة إلى الزمان الثاني؛

____________

(1) المتقدّمين في ص 7 و 14.

(2) كفاية الاصول: ص 26- 27.

155

و ذلك لفرض القطع بالارتفاع إذا فرض حدوثه في الزمان الأوّل، فيعلم بعدم الحادث بعد الزمان الأوّل المشكوك، لأنّه علم بارتفاعه على تقدير حدوثه في الزمان الأوّل و عدم بقائه إلى الزمان الثاني، فقبل الزمان الثاني يعلم بعدم الحادث إمّا لعدم حدوثه أو لارتفاعه، فيستصحب فيقع التعارض إذا كان لكلّ من الدليلين أثر عمليّ إلزاميّ و يوجب جريانُ الأصلين وقوعَ المكلّف في المخالفة القطعيّة.

و أمّا الثالث فهو كالأوّل، من حيث عدم تعارض الاستصحاب بالنسبة إلى الزمان الأوّل معه بالنسبة إلى الزمان الثاني، لأنّ الحالة السابقة المعلومة قد انتقضت و ليست في البين حالة سابقة اخرى حتّى يجري الاستصحاب بالنسبة إلى الزمان الثاني؛ و كالثاني، من حيث عدم جريان بحث إثبات الحدوث، و ذلك لعدم العلم بتحقّق الحادث وجوداً أو حدوثاً في الزمان الثاني كما هو واضح.

الأمر الثاني: إذا لوحظ أحد الحادثين بالنسبة إلى الحادث الآخر و كان كلاهما مجهولي التاريخ فتارةً يكون الأثر مترتّباً على الوجود الخاصّ للحادث، كالحادث المتقدّم أو المتأخّر أو المتقارن، كأن نذر أن يزور الرضا (عليه السلام) عند نزول مشهده المبارك زيارةً متقدّمةً على سائر أعماله- فمورد الأثر تحقّق الزيارة المتقدّمة- فشكّ بعد ذلك في تحقّقها فلا ريب أنّ مقتضى الأصل عدم تحقّق ذلك الوصف و الموصوف، فإنّ الزيارة المتقدّمة مسبوقة بالعدم.

و هذا من غير فرق بين جعل الموضوع في المثال نفسه الّذي هو موضوع الحادث فيلاحظ أنّه لم يكن زائراً زيارةً متقدّمةً و الآن كما كان، و بين أن يقال: إنّ الزيارة المتقدّمة الصادرة من نفسه غير متحقّقة و الآن كما كان، فإنّ الفرق بين الموردين و إن كان واضحاً (من جهة أنّ الموضوعَ في أحدهما هو موضوع الحادث و مفادَ الاستصحاب عدمُ اتّصاف موضوع الحادث بالحادث الخاصّ، و في الثاني يكون المستصحب هو الحادث المتّصف بلا فرض موضوع له؛ و في الأوّل يكون ترتّب‏

156

الأثر بنحو الكون الناقص و في الثاني بنحو الكون التامّ، فيكون السلب المستصحب في الأوّل هو التامّ و في الثاني هو الناقص) إلّا أنّه إذا لوحظ بالنسبة إلى نفس الحادث و وصفه من التقدّم و التأخّر فيكون تامّاً، لأنّ الأثر لا يكون مترتّباً على اتّصاف الحادث بالوصف، بل هو مترتّب على الحادث المتّصف: إمّا على اتّصاف موضوع بالحادث المتّصف و إمّا على نفس الحادث المتّصف.

فهذان قسمان من الاستصحاب لا إشكال في جريانه بحسب ذاته، لكن يشترط أن لا يكون معارضاً بأصل آخر في نفسه (بأن يعلم إجمالًا بتقدّمه على الحادث الآخر أو بتأخّره فكان مقتضى الأصل عدمهما، و كان كلا العنوانين مورداً للأثر الإلزاميّ المستلزم للمخالفة القطعيّة على تقدير جريان الأصلين) أو بأصل آخر في الحادث الآخر الّذي قيس هذا عليه، بأن كان الأصل أيضاً عدم تحقّقه متقدّماً مع العلم الإجماليّ و وجود الأثر على نحو ما تقدّم.

و من ذلك يظهر التسامح في عبارة الكفاية من جهتين: الاولى من جهة عدم الفرق بين الفردين الأوّلين و تسمية كليهما الكون التامّ؛ و كأنّه بالنسبة إلى نفس الحادث لا موضوعه. ثانيتهما من جهة الحكم بجريان الأصل بشرط عدم الأثر للوجود الخاصّ للحادث الآخر أو لنفسه بنحو آخر؛ مع أنّ صِرف ذلك لا يوجب التعارض، فإنّه لو كان الأصل عدم التقدّم و عدم التأخّر و كان محتملًا ذلك لحصول التقارن لا يعارضه، و كذلك بالنسبة إلى الحادث الآخر، فافهم و استقم كما امرت.

القسم الثالث: أن يكون الأثر مترتّباً على اتّصاف الحادث بالتقدّم أو بأحد ضدّيه، فإنّ استصحاب عدم تقدّم الحادث- مثلًا- لا يجري بناءً على ما اشتهر بينهم، لأنّ وجود الحادث مقروناً بالعدم المذكور ممّا ليست له حالة سابقة، و أمّا عدمه بعدم أصل الحادث فلا يثبت العدم مع فرض الوجود.

و عندي في ذلك تأمّلٌ ربما يأتي إن شاء اللَّه في بعض الأبحاث الآتية.

157

القسم الرابع: أن يكون الأثر مترتّباً على اتّصاف الحادث بعدم حدوثه عند حدوث الحادث الآخر، فتتّصف الكرّيّة الحادثة بعدم حدوثها عند حدوث الملاقاة.

و عدمُ جريان ذلك واضح، لأنّ اتّصاف الحادث بالعدم المذكور ليست له حالة سابقة.

القسم الخامس: أن يكون الأثر مترتّباً على اتّصاف الحادث الموجود بكونه حادثاً عند حدوث الحادث الآخر فيستصحب عدمه، فيقال: هذه الكرّيّة الحادثة- مثلًا- لم تكن حادثةً حال حدوث الآخر و الآن كما كان.

و هذا نظير استصحاب عدم تقدّم الحادث أو تأخّره أي القسم الثالث، و قد مرّ حكمه.

القسم السادس: أن يكون الأثر مترتّباً على عدم الحادث المضاف ذلك العدم إلى حدوث الحادث الآخر.

و هذا لا يجري، لعدم الحالة السابقة.

القسم السابع: أن يكون الأثر مترتّباً على حدوث الحادث عند حدوث الآخر، فيستصحب عدم تحقّق الحادث الموجود في ظرف حدوث الآخر، فالإضافة إلى ظرف الوجود ملحوظ في طرف الوجود، بخلاف القسم الأوّل فإنّه ملحوظ في طرف العدم.

و هذا لا إشكال في استصحابه.

إنّما محلّ الكلام و محطّ النقض و الإبرام هو القسم الثامن.

و هو أن يكون الأثر- و لو من باب ترتّب الأثر على الوجود- مترتّباً على عدم حدوث أحد الحادثين عند حدوث الآخر، كاستصحاب عدم حدوث الكرّيّة عند حدوث الملاقاة، بأن لا يكون المستصحب غير عدم الكرّيّة في المثال من دون إضافة إلى الحادث الآخر بأحد القسمين المذكورين في الأخيرين؛ فيكون عدم‏

158

الكرّيّة و عدم الملاقاة مقطوعين في الأربعاء فعلم بتحقّق أحدهما في الخميس و الآخر في الجمعة فهل يجري استصحاب عدم الكرّيّة عند حدوث الملاقاة بالذات و يسقط بالمعارضة عند وجود الأثر كذلك للحادث الآخر كما هو مبنى الشيخ العلّامة الأنصاريّ‏ (1) أو لا يجري كما اختاره المحقّق الخراساني‏ (2) و الوالد الاستاذ العلّامة (3) طاب ثراهما؟

قد يقال بالأوّل، لوجود أركان الاستصحاب، و قد يقال بالثاني كما في الكفاية، من جهة عدم اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين إذا لوحظ بالنسبة إلى الحادث الآخر كما في المبحوث عنه، فإنّ ظرف الشكّ ظرف حدوث الآخر، فالأمر دائر بين أن يكون ظرف المستصحب هو الآن الثالث أو الثاني، فإن كانت الملاقاة في الثاني فظرف الشكّ هو الثاني و إن كانت في الثالث فظرف الشكّ هو الثالث، فعلى بعض التقادير لا يكون ظرف الشكّ متّصلًا بظرف اليقين، للانفصال عنه باتّصال حدوثه‏ (4).

و هذا كما ترى من عدم استقامته، إذ ليس الاستصحاب ناظراً إلى خصوص كلّ واحد من الشقّين المردّدين، بأن يكون الموضوع له خصوص الآن الثالث إن كان زمانَ الملاقاة و خصوصَ الآن الثاني إن كان زمانها مع قطع النظر عن كون كلّ واحد منهما طرف الترديد حتّى يكون الاستصحاب إلى الآن الثالث على فرض كون الملاقاة فيه منفصلًا بالقطع بالحدوث، فإنّ القطع بالحدوث إنّما يكون في خصوص الفرض المذكور. كيف؟! و لو كان معنى الإطلاق في الاستصحاب بالنسبة إلى طرفي الترديد من قبيل الجمع بين الموضوعين لكان مقتضى استصحاب الطهارة في فرض الشكّ في النوم هو الحكم بالطهارة في فرض حصول النوم و الحكم بعدمها في فرض عدمه، و كلاهما باطلان، بل مقتضى الاستصحاب هو التعبّد بأحد طرفي‏

____________

(1) فرائد الاصول: ص 388.

(2 و 4) كفاية الاصول: ص 478- 479.

(3) راجع الرسائل (للإمام الخمينيّ (قدس سره)): ج 1 ص 197- 198.

159

الشكّ في فرض وجود الشكّ. و مقتضاه في المقام هو الحكم بعدم حدوث الكرّيّة في فرض الشكّ مطلقاً و لو كان الصادق في الواقع هو طرف نقض اليقين الّذي في المقام هو حدوث الكرّيّة.

فبناءً على ذلك يتوجّه على ما ذكره المحقّق الخراسانيّ وجوه من الإيراد:

الأوّل: اتّصال زمان الشكّ بزمان اليقين، لعدم الانفصال بالقطع بالحدوث.

و الانفصالُ بالاحتمال متحقّق في جميع الاستصحابات.

الثاني: أنّه لو فرض الشكّ بالنسبة إلى الآن الثالث فلا يعقل عدم الشكّ في الآن الثاني، لأنّه قبله.

الثالث: قوله: إنّ كلتا الساعتين ظرف الشكّ إن فرض قياس المستصحب بالنسبة إلى الزمان‏ (1) مخدوش جدّاً، لوضوح القطع بالانتقاض بالنسبة إلى الساعة الثانية، فإنّ الكرّيّة إمّا حدثت في الساعة الاولى و إمّا في الثانية، فالانتقاض في الآن الثاني قطعيّ.

الرابع: أنّه لو سلّم الإشكال فلا بدّ من المنع من جريان الاستصحاب مطلقاً، لتحقّق النقض على بعض التقادير.

الخامس: أنّه لو فرض عدم جريان الاستصحاب على تقدير كون الملاقاة في المثال في الساعة الثانية الّتي هي الظرف الثالث مع ضمّ طرف المتيقّن فلا يجري الاستصحاب على التقدير الآخر أيضاً، لأنّه في التقدير الآخر يكون الاستصحاب لغواً، من جهة كون عدم الكرّيّة على تقدير كون الملاقاة في الساعة الاولى مقطوعاً غير محتاج إلى الاستصحاب.

و أمّا ما نقل عن الوالد الاستاذ العلّامة (قدّس اللَّه سرّه الشريف) في مجلس بحثه‏ (2)- و لقد سمعناه منه في مبحث الحقيقة الشرعيّة بنحو الإجمال- فمحصّله أنّ التمسّك‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 479.

(2) راجع الرسائل (للإمام الخمينيّ (قدس سره)): ج 1 ص 197- 198.

160

بعموم «لا تنقض» في المقام من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، لأنّ الساعة الثانية من ساعتي احتمال حدوث الكرّيّة ظرف القطع بأنّها حدثت إمّا فيها أو قبلها، فالقطع التفصيليّ موجود بالانتقاض، و مقتضى الاستصحاب جرّ عدم الكرّيّة إمّا إلى الزمان الثاني إن فرض الملاقاة فيه و إمّا إلى الزمان الثالث، لأنّ المستصحب هو عدمها في ظرف حدوث الملاقاة، فإن كانت الملاقاة في الظرف الثالث فعدم الكرّيّة منتقض قطعاً بالقطع التفصيليّ.

و يمكن أن يجاب عن ذلك بأنّ الشكّ في حدوث الكرّيّة في ظرف حدوث الملاقاة موجود على كلّ حال (أي سواء كان ظرفها الآن الثاني أو كان ظرفها الآن الثالث) فإنّ الشكّ بالعنوان المذكور- و هو عدم حدوثها عند الملاقاة- موجود، فليس الشكّ متحقّقاً على تقدير و غير متحقّق على تقدير آخر. كيف؟! و لو لم يكن شكٌّ على تقدير كون الملاقاة في الآن الثاني لم يعقل أن يكون شكٌّ على تقدير كون الملاقاة في الآن الأوّل، لأنّه على الفرض المذكور لا شكّ في عدمها.

و الحاصل: أنّ الشكّ متحقّق على كلّ تقدير، و منشأ الشكّ هو كون الملاقاة في الآن الأوّل حتّى لم تكن الكرّيّة حادثةً قطعاً أو في الآن الثاني حتّى تكون حادثةً عندها قطعاً، فكما أنّ القطع على التقدير الأوّل غير موجب لفقدان الشكّ كذلك القطع على التقدير الثاني.

لكنّ الإنصاف: أنّ الإشكال ليس من جهة توهّم عدم وجود الشكّ على كلّ تقدير، بل من جهة أنّه كما أنّ الشكّ موجود في النفس بالوجدان يكون اليقين بالانتقاض- أي حدوث الكرّيّة بنحو التفصيل- موجوداً بالنسبة إلى الآن الثاني.

بيان ذلك: أنّه في المثال و أمثاله يكون العدم المتيقّن في الآن الأوّل بما هو مستصحب و بما هو متيقّن منقوضاً في الآن الثالث تفصيلًا، فإنّ الآن الثالث قد علم بتحقّق الكرّيّة فيه قطعاً تفصيليّاً لا يشوبه شكٌّ إمّا بحدوثها فيه و إمّا بحدوثها في‏

161

الآن الثاني، و المشكوك هو العدم بعنوان كونه عند حدوث الحادث الآخر، فيحتمل تحقّق اليقين بانتقاض المستصحب بعنوانه في الآن الإجماليّ الّذي يكون بقاء المستصحب مشكوكاً فيه، فلا يشمله دليل الاستصحاب إمّا من جهة ما في ذيل الصحيح الأوّل لزرارة من قوله: «و لكن ينقضه بيقين آخر» (1) و إمّا من جهة أنّ المجعول هو عدم نقض اليقين بالشكّ، فلا ينافي نقضه بيقين آخر متعلّق بعين عنوان المتيقّن.

و توهّمُ «أنّ النقض باليقين الناقض أمر عقليّ فيقتصر على ما لا يمكن التعبّد به لعدم عنوان مشكوك يقتضي تعلّق الحكم الظاهريّ لأجله» مدفوعٌ بأنّ صِرف الحكم العقليّ في مورد لا يقتضي أن يكون الإطلاق منزّلًا عليه، فيكون المتّبع إطلاقاً و تقييداً هو الحكم العقليّ- كما في مورد البراءة و الرفع بالاضطرار- كما هو واضح.

القسم التاسع: أن يكون متعلّق الشكّ الحادثين اللذين بينهما التضادّ، كالطهارة و الحدث و الطهارة و الخبث، فيكون الشكّ في أنّ المتقدّم منهما أيّهما؟ فيكون الحكم على طبق المتأخّر.

فقد ذهب في الكفاية إلى عدم جريان الاستصحاب فيهما أصلًا، لعدم إحراز الحالة السابقة المتيقّنة المتّصلة بزمان الشكّ في ثبوتهما، و تردّدِها بين الحالتين‏ (2).

و فيه: ما لا يخفى، فإنّ عدم إحراز اتّصال زمان الشكّ باليقين في القسم الثامن غير مفهوم فكيف بالقياس عليه!؛ و على فرض صحّته فيه من باب أنّ المستصحب هو العدم عند حدوث الحادث الآخر، و الظرف المذكور مردّد بين الآن الثاني المتّصل و الآن الثالث المنفصل، فهو غير متمش في المقام أصلًا، لأنّ الاستصحاب في المقام بالنسبة إلى الزمان لا بلحاظ حدوث الحادث الآخر أو عدم حدوثه، فإنّ عدم كلّ من الضدّين عند حدوث الآخر ضروريّ قطعيّ، و عدم حدوثه قبل ذلك لا يثبت‏

____________

(1) التهذيب: ج 1 ص 8 ح 11، وسائل الشيعة: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) كفاية الاصول: ص 480.

162

الحدوث بعد ذلك، بل المقصود بالاستصحاب هو استصحاب الحدث إلى الزمان المشكوك، و كذا استصحاب الطهارة.

و التحقيق في المقام هو الجريان مطلقاً و السقوط بالتعارض، من غير فرق بين الجهل بتاريخهما و القطع بتاريخ أحدهما:

أمّا الأوّل فلتماميّة الأركان من اليقين و الشكّ.

و الإشكال في ذلك ب «عدم تعدّد زمان اليقين و الشكّ، من جهة أنّه في أوّل الظهر يعلم بالوضوء أو الحدث و في الساعة بعده يعلم بأحدهما، فاستصحاب الوضوء مثلًا إلى الآن الثاني جرٌّ إلى آن اليقين» و كذا الإشكال ب «عدم كون الشكّ في البقاء، فإنّه في الآن الثاني في المثال لا يحتمل بقاء الوضوء، لأنّه إن كان متحقّقاً في الآن الأوّل فقد ارتفع، و إلّا فقد حدث في الآن الثاني، فلا يحتمل وجود الوضوء بقاءً في الآن الثاني» مندفعٌ بأنّ المستصحب هو الوضوء مع إلقاء خصوصيّة كونه في الآن الأوّل أو الثاني، فيقال: إنّ بقاء الوضوء مشكوك، لتردّده بين مقطوع الارتفاع و مشكوك الحدوث نظير القسم الثاني من الكلّيّ، فهو محكوم بالبقاء بعد المتيقّن، فعدم الشكّ في البقاء بالنسبة إلى خصوص الوضوء في الآن الثاني، و أمّا الأعمّ من الموجود في الزمان الأوّل و الثاني فهو مشكوك البقاء بالنسبة إلى ظرف المتيقّن، و لازم ذلك و إن كان عدم الحكم بالوضوء في المثال في أوّل الآن الثاني، لأنّه ظرف المتيقّن على أحد احتماليه، لكن ذلك لا ينافي الشكّ في البقاء بالنسبة إلى ما بعد المتيقّن.

فاندفع الإشكالان:

أمّا الأوّل فللتعدّد، فإنّا لا نحكم بالاستصحاب في أوّل الآن الثاني، بل نحكم بعد ذلك به.

و أمّا الثاني فللشكّ في البقاء بالنسبة إلى المردّد بين الموجود في الآن الأوّل أو الثاني.

163

إن قلت: فعلى هذا لا يمكن الحكم بالطهارة في المثال بالنسبة إلى أوّل الآن الثاني.

قلت: يحكم بالطهارة إمّا للقطع و إمّا للاستصحاب، فتأمّل فإنّه لا يخلو من الدقّة.

هذا كلّه بالنسبة إلى مجهولي التاريخ.

و أمّا المعلوم تاريخ أحدهما فلا ينبغي الإشكال في جريان الاستصحاب فيه حتّى لو قلنا بعدم جريانه في القسم الثامن و القسم الأوّل من التاسع أي المجهول تاريخهما، فإنّ الإشكال الأخير من اتّحاد زماني اليقين و الشكّ و عدم كون الشكّ في البقاء غير متوهّم في المقام، لعدم وجود آنٍ بعد اليقين مردّدٍ بين القطع بالارتفاع و الحدوث حتّى يتوهّم القطع بعدم الشكّ في البقاء.

إنّما الإشكال في ما هو مجهول تاريخه، فإنّه ربما يمكن أن يتوهّم أنّ العلم التفصيليّ بتحقّق ضدّه ملازم للعلم التفصيليّ المنطبق على الخارج بعدمه، و يمكن أن يكون العلم المذكور ناقضاً للحادث المجهول، فإنّه في المثال إذا قطع بالوضوء أوّل الظهر تفصيلًا فاستصحاب الحدث المردّد بين قبله و بعده يمكن أن ينطبق على أوّل الظهر المعلوم فيه تحقّق الطهارة.

و الحاصل: أنّ الشبهة المصداقيّة الّتي تقدّمت بالنسبة إلى القسم الثامن جائيةٌ في المقام.

لكن يدفع ذلك بالفرق بينه و بين القسم الثامن، من جهة أنّ فيه نفس المستصحب بعنوانه المتيقّن يحتمل أن يكون منقوضاً باليقين على خلافه، فإنّ عدم الكرّيّة المتيقّن في يوم الأربعاء في المثال المتقدّم قد انتقض قطعاً في الجمعة، و يحتمل انطباق المستصحب الّذي هو عدم الكرّيّة في ظرف الملاقاة عليه؛ بخلاف المقام، فإنّ المتيقّن هو الحدث المردّد، و هو ليس منقوضاً بيقين على خلافه، فلا يحتمل تحقّق اليقين بارتفاع الحدث المردّد في البين.

و الحاصل: أنّ المستصحب أمرٌ، و العنوان الّذي يكون المستصحب متيقّناً بتوسيطه‏

164

أمرٌ آخر، و العنوان المشكوك الّذي بتوسيطه يكون المستصحب مشكوك البقاء أمرٌ ثالثٌ، و ربما يقع الخلط بين ذلك.

و الّذي يضرّ بالاستصحاب نقض المتيقّن بنفس العنوان الّذي حصل بتوسيطه اليقين، و إلّا فلا يجوز استصحاب النجاسة في الثوب المردّد تعلّق النجاسة إمّا بأسفله أو بأعلاه إذا غسل أحد الموضعين تفصيلًا، و كذا لا يجوز استصحاب حياة زيد إذا علم بموت شخص معيّن يحتمل كونه زيداً. و ليس ذلك منصرف ما في ذيل صحيح زرارة الأوّل أي قوله: «و لكن ينقضه بيقين آخر» (1)؛ و إن شكّ في ذلك فالمرجع إطلاق سائر الروايات.

إن قلت: لا إطلاق لها إذا كان مفادها- كما تقدّم- عدم نقض اليقين بالشكّ فإنّه لا ينافي النقض بغير الشكّ، فيحتمل أن يكون العلم بخلاف ذات المتيقّن ناقضاً له تعبّداً.

قلت: إن كان المقصود صِرفَ ذلك لصار الكلام مجملًا، إذ في جميع الموارد يحتمل النقض بشي‏ء آخر غير الشكّ، فالمقصود بحسب الظاهر أنّه لا ينقض اليقين بالشكّ و ليس في البين شي‏ء ينقض به تعبّداً، فيفي الناقض الحقيقيّ الّذي هو اليقين بعين المستصحب بالعنوان المتيقّن.

هذا تمام الكلام في المقام، و قد ذكرنا بعض الكلام فيه في الشرح على العروة الوثقى و أبطلنا بعض التفاصيل الاخرى في المقام.

القسم العاشر: أن يكون الشكّ في تقدّم وجود حادث على عدمه و تأخّره، كأن يكون الأثر مترتّباً على وجود زيد في الدار فعلم بوجوده فيها في زمان و عدم وجوده فيها في زمان آخر و شكّ في المتقدّم منهما و المتأخّر، أو علم زمان الوجود و جهل زمان العدم، أو علم زمان العدم و جهل زمان الوجود.

و الحكم فيه ما ذكر في القسم المتقدّم على الظاهر. و اللَّه العالم.

____________

(1) التهذيب: ج 1 ص 8 ح 11، وسائل الشيعة: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

165

التنبيه التاسع عشر

[في استصحاب حكم المخصّص‏

] إذا خصّص عامّ في زمان هل يرجع بعد ذلك الزمان إلى العموم أو استصحاب حكم المخصّص؟

قال (قدس سره) في الكفاية ما ملخّصه أنّه:

إن كان الزمان مفرّداً لموضوع العامّ فلا بدّ من الرجوع إليه مطلقاً، من غير فرق بين كون الزمان مفرّداً في الدليل المخصّص أم لا، لكن إذا كان مفرّداً فيه أيضاً لا يجوز الرجوع إلى الاستصحاب لوجهين: أحدهما عدم المقتضي، لأنّه من قبيل إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر. ثانيهما من جهة وجود المانع، و هو الدليل اللفظيّ المقدّم على الأصل العمليّ.

و إن كان الزمان غيرَ مفرّد له بل لوحظ بنحو الاستمرار فصار مقتضى العامّ ثبوت الحكم في كلّ فرد مستمرّاً فلا يجوز التمسّك بالعامّ و لا الرجوع إلى الاستصحاب إذا كان دليله دالّاً على مفرّديّة الزمان:

أمّا الأوّل فلانقطاع الاستمرار بالتخصيص و عدم دخول الفرد بعد خروجه مستقلّاً في العامّ.

و أمّا الثاني فلأنّه من قبيل إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر.

و يرجع إلى الاستصحاب في ما إذا لم يكن الزمان في الدليل المخصّص مفرّداً.

و يستثنى من ذلك ما إذا ورد التخصيص بالنسبة إلى أوّل الأزمنة، لعدم قطعه الاستمرار المستفاد من الدليل.

فالأقسام خمسة:

الأوّل: أن يكون ورود المخصّص على أوّل أزمنة اقتضاء العامّ؛ فيرجع إلى العامّ.

الثاني: أن يكون الزمان مفرّداً في الدليل العامّ و في الدليل المخصّص؛ فيرجع إليه، و لا يرجع إلى المخصّص لوجهين: عدم المقتضي و وجود المانع.

166

الثالث: أن يكون الزمان مفرّداً في الدليل العامّ و غيرَ مفرّد في الدليل المخصّص.

و الحكم كما سبق إلّا أنّ عدم جريان الاستصحاب في ذلك من باب عدم المقتضي فقط.

الرابع: أن يكون الزمان ملحوظاً على وجه الاستمرار و ورد المخصّص بالنسبة إلى الزمان المتأخّر و قطع استمراره و كان الزمان مفرّداً بمقتضى الدليل المخصّص.

فلا يرجع إلى العامّ و لا إلى المخصّص.

الخامس: أن يكون الدليل العامّ كما مرّ لكن لم يكن الزمان في الدليل المخصّص مفرّداً. فلا يرجع إلى العامّ لكن يرجع إلى استصحاب حكم المخصّص‏ (1).

و الحقّ هو الرجوع إلى العامّ في جميع الموارد و جريان الاستصحاب أيضاً لو لم يكن مانع من جانب العامّ كذلك.

و تحقيق ذلك يتمّ ببيان ما يرد عليه، فنقول في ما ذكره نظرٌ من وجوه:

الأوّل: أنّه ليس أمر العامّ مردّداً بين القسمين اللذين ذكرهما، إذ مفرّديّة الزمان لحكم العامّ لا تنحصر في أن تكون بتوسيط مفرّديّة موضوعه، بل هو على أقسام ثلاثة، لأنّ الزمان الّذي فرض فيه لحاظه بنحو القطعات- كأن يقال «أوفوا بالعقود في كلّ يوم»- كما يمكن أن يكون قيداً للموضوع يمكن أيضاً أن يكون قيداً للحكم و أن يكون قيداً للنسبة الحكميّة، و لا شبهة أنّ الظاهر هو الأخير، لأنّها الّتي سيقت القضيّة لبيانه، فإنّه في مثل العامّ المذكور ليس المتكلّم في مقام بيان كيفيّة الوجوب و لا بيان كيفيّة الوفاء بالعقد، بل في مقام بيان أنّ العقد ممّا يجب الوفاء به، فالقيود راجعة بحسب الظاهر إلى النسبة الحكميّة الّتي في القضيّة، و هو أيضاً مفرّد لحكم العامّ، لأنّ القيد و هو «كلّ يوم» لوحظ فيه التعدّد، و إذا تعدّد القيد تعدّد المقيّد، فعليه فلا يصلح الإعراض عمّا هو الظاهر و صَرفُ الكلام إلى الفرد النادر الّذي هو فرض تقييد الموضوع بالزمان الملحوظ فيه التعدّد.

____________

(1) راجع كفاية الاصول: ص 483- 484.

167

الثاني: أنّ عدم التمسّك بالعامّ في ما لوحظ الزمان وجوداً واحداً مستمرّاً غير ظاهر:

إذ لو كان الوجه فيه أنّ المفروض سقوط ما فرض من الظهور عن الاعتبار و هو الدلالة على الفرد الواحد المستمرّ، و لا ظهور له على حدة في شموله لما قطع استمراره، ففيه: أنّ ذلك منقوض بجميع ألفاظ العموم من الموادّ و الهيئات.

و الحلّ في جميع الموارد أنّ الظهور باقٍ بحاله، و إنّما التخصيص إخراج عن مرحلة الحجّيّة، فالظهور في الاستمرار- أي في كون الحكم متحقّقاً في كلّ آن- باقٍ بحاله لكنّه ساقط عن الحجّيّة بالنسبة إلى بعض الآنات، فلا وجه لرفع اليد عنه بالنسبة إلى الآنات الاخرى.

و إن كان الوجه فيه أنّ فرض الواحد المستمرّ هو أنّ مفاده حينئذٍ بالنسبة إلى الزمان بنحو العامّ المجموعيّ، وعليه إذا خرج فرد لا يمكن التمسّك به، لسقوط ما فرض من وصف الاجتماع، ففيه: أنّ فرض الاستمرار ليس إلّا كون الحكم في كلّ آن و زمان، و لعلّه لم يلحظ عنوان الاستمرار أصلًا، و هذا لا يقتضي دخالة وصف الاجتماع أصلًا. مع أنّه ليس الأمر في العامّ المجموعيّ ما اشير إليه من السقوط عن الحجّيّة بالنسبة إلى باقي الأفراد، و ليس ذلك مخالفاً لوصف الاجتماع، إذ لا يسقط الوصف المذكور بعد إخراج بعض الأفراد، بل يكشف أنّ المراد هو المجموع من أفراد اخر غير ما خرج بالتخصيص.

و إن كان الوجه فيه عدمَ انحلال ما لوحظ فيه الزمان على وجه الوحدة و الاستمرار إلى أحكام عديدة انحلالَ المجمل إلى المفصّل، بخلاف مثل «الكلّ» و «العلماء» فإنّ مثل ذلك إجمال عن تفصيل التعدّد، ففيه: أنّ النكرة في سياق النفي أيضاً كذلك مع أنّه لا وجه للاشتراط المذكور. فالحقّ أنّه لا مانع من التمسّك بالعامّ في جميع الموارد.

168

الثالث: أنّه لا فرق بين الزمان و المكان في التفصيل المذكور مع أنّه لا يلتزم به أحد.

الرابع: أنّه لو كان الملاك لعدم جواز التمسّك هو كون مفاد العامّ أحكاماً مستمرّةً من ابتداء شمول العامّ إلى آخر ما يقتضيه ظهوره فاللازم عدم جواز التمسّك في صورة الخروج من الابتداء أيضاً، لعدم وجود ظهور على حدة يقتضي الحكم بعد عدم شموله من الابتداء.

الخامس: أنّه لو أغمضنا عن ذلك و قلنا بوجود ظهور مستقلّ في استمرار الحكم بالنسبة إلى كلّ فرد من ابتداء حجّيّة العامّ، فاللازم هو عدم جواز التمسّك بالعامّ في مورد القطع من الوسط من أوّل الأمر، لعدم الاستمرار إلى آخر ما يقتضيه العامّ.

السادس: أنّه لو أغمضنا عن ذلك أيضاً و قلنا بأنّ العامّ يقتضي حكماً مستمرّاً بالنسبة إلى كلّ فرد من دون اشتراط أن يكون المبدأ من حين العقد إلى آخر ما يقتضي ظهوره، فلنا أن نقول: إنّه لا يتعيّن حينئذٍ في الأوّل، بل يدور الأمر بين القطعة الاولى و القطعة الثانية.

السابع: أنّه لو فرض كون الدليل المخصّص مفرّداً فلا يقتضي ذلك عدمَ جريان الاستصحاب، لأنّ الموضوع في الاستصحاب مأخوذ من العرف، و لذا يجري استصحابُ عدم وجوب الجمعة- مثلًا- الثابت لغير البالغ و استصحابُ وجوب التمام لمن شكّ في المسافة أو في حدّ الترخّص مع عدم إحراز الموضوع الّذي هو موضوع للحكم الواقعيّ، و ذلك للوحدة العرفيّة في الموجود الخارجيّ الّذي انطبق عليه العنوان.

الثامن: أنّه على فرض الرجوع إلى لسان الدليل فليس مقتضاه إلّا إحراز العنوان الواقعيّ المعلّق عليه الحكم الثبوتيّ، لا العنوان المأخوذ في القضيّة الشخصيّة الّذي هو مفاد الدليل كالعنب، فإنّه لم يظهر بعدُ كونه موضوعاً للحكم الواقعيّ الثبوتيّ، بخلاف المسافر و الحاضر و البالغ و غير البالغ. و من المعلوم أنّ ملاحظة الزمان على‏

169

نحو القطعات لا تقتضي إلّا التعدّد في شخص القضيّة بالنسبة إلى الحكم المنشأ في القضيّة من دون إيجاد التعدّد في الإرادة الثبوتيّة، إذ لا فرق بالضرورة بين أن يقال:

«أوفوا بالعقود» أو يقال: «أوفوا بالعقود في كلّ آن» بالنسبة إلى وضع الحكم الثبوتيّ.

التاسع: أنّه على فرض التعدّد في الموضوع أو في الحكم أو في النسبة فلا مانع من استصحاب القدر المشترك فيقال: أصل الخيار بعد الآن الأوّل باقٍ، بناءً على جريانه في القسم الثالث من الكلّيّ.

العاشر: أنّه مع الغضّ عمّا ذكر ليس صِرف مفرّديّة العامّ كافياً في جواز التمسّك، بل إذا كان المشكوك فرداً من العامّ المفروض مفرّديّة الزمان له؛ فحينئذٍ لو كان مفاد العامّ مثلًا «أوفوا بالعقود في كلّ يوم» و خرج أوّل اليوم من العامّ فبناءً على المبنى المذكور لا يجوز التمسّك بالعموم إلى آخر ذلك اليوم و كذا بالنسبة إلى المخصّص، فإنّ ملاحظة الزمان بنحو يكون مفرّداً لا تكون مانعةً عن الاستصحاب في كلّ فرد منه كاليوم، فإذا دلّ المخصّص على الخيار في يومين في الجملة و لم يعلم أنّه في أوّلهما أو في جميعهما فلا مانع من الاستصحاب إلى آخر اليوم.

ثمّ لا يخفى أنّ في قوله في أوّل البحث: «و اخرى على نحو جعل كلّ يوم من الأيّام مثلًا فرداً لموضوع ذلك العامّ ...» (1) تسامحاً أو غلطاً، فإنّ الصحيح «مفرّداً» لا فرداً، إذ ليس كلّ يوم فرداً لموضوع عموم وجوب الوفاء بالعقود مثلًا.

إن قلت: هذا كلّه بالنسبة إلى ما في الكفاية، و يظهر به الخلل في ما أفاده الشيخ المؤسّس (قدس سره)(2).

لكن يمكن أن يوجّه عدم جواز التمسّك بالعامّ في الزمان المشكوك بوجه آخر، و هو أنّ العموم الأزمانيّ الدالّ على الاستمرار إنّما هو في طول العموم الأفراديّ و هو شمول الحكم لكلّ فرد، فإذا خرج فرد من العامّ الأفراديّ لا يبقى موضوع للحكم‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 483.

(2) راجع فرائد الاصول: ص 395 «الأمر العاشر».

170

بالاستمرار، فإنّ موضوعه نفس الحكم.

قلت: خروج الفرد من العامّ في بعض الأزمنة لا يوجب التخصيص في العموم الأفراديّ أصلًا، إذ يكفي في صدقه مع قطع النظر عن الاستمرار المستفاد من العموم الأزمانيّ دخوله فيه في بعض الأزمنة، و التخصيص بالنسبة إلى العموم الأفراديّ إنّما يتحقّق بالخروج عنه في جميع الحالات كما هو واضح.

التنبيه العشرون‏

[في أنّ موضوع الاستصحاب هو الشكّ بمعنى خلاف اليقين‏

] لا ينبغي الإشكال في أنّ موضوع الاستصحاب هو الأعمّ من الشكّ المساوي طرفاه و الظنّ بالخلاف.

و يدلّ على ذلك امور:

الأوّل: أنّه لا شبهة أنّ الشكّ في اللغة هو خلاف اليقين، كما في غير واحد من كتب اللغة من غير إيماء إلى الخلاف، و لذا استظهر الشيخ (قدس سره) عدمَ الخلاف في ذلك‏ (1).

و يدلّ على كونه أعمّ في اللغة ما ورد في القرآن المجيد من موارد استعمالاته، فإنّه ليس المراد منه في القرآن الكريم إلّا الترديد.

قال اللَّه تعالى: «وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَك مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ» (2).

و قال تعالى: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَك مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ» (3).

و قال تعالى: «إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَك» (4).

و غير ذلك فراجع. و ذلك دليل قطعيّ على المصطلح العربيّ في عصر صدور الروايات.

____________

(1) فرائد الاصول: ص 398.

(2) سورة النساء: 157.

(3) سورة يونس: 94.

(4) سورة سبأ: 21.

171

الثاني: خبر عبد الله بن سنان المتقدّم‏ (1)، و هو صريح من حيث المورد و دالّ بالإطلاق مع قطع النظر عن المورد، فراجع.

الثالث: خبر زرارة الأوّل، أي قوله: «لا حتّى يستيقن أنّه قد نام، حتّى يجي‏ء يجي‏ء من ذلك أمر بيّن» (2).

و الاستدلال بذلك مع وجود قوله بعد ذلك: «و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه، و لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ» (3).

و ذلك يتوقّف على مقدّمتين.

الاولى: ظهور الجملتين في كون الثانية بياناً للأوّل، لا مقيّداً له كما في الاستثناء و ما يدلّ على التقييد، بل لا يخلو عن الصراحة في ذلك.

الثانية: أنّ الأمر حينئذٍ يدور بين التصرّف في الثانية بحمل الشكّ على الأعمّ أو حمل اليقين المؤكّد بقوله: «أمر بيّن» على الأعمّ من الظنّ. و لا ريب أنّ الأوّل متعيّن لُامور لا تخفى: منها: التأكيد في الجملة الاولى. و منها: عدم معهوديّة استعمال اليقين في الظنّ أو الأعمّ. و منها: كثرة استعمال الشكّ في مطلق الترديد كما عرفت في الآيات الشريفة المذكورة في صدر التنبيه و غيرها. و منها: أنّ الظنّ بالوفاق داخل قطعاً، إذ ليس المقصود خصوص المساوي طرفاه، لقلّته و عدم تناسبه في موضوع القضيّة المبنيّة على الارتكاز، و حينئذٍ ليس ذلك خلاف الظاهر أصلًا.

و يدلّ عليه أيضاً قوله: «و إنّما تنقضه بيقين آخر» (4) بناءً على دلالة «إنّما» على الحصر و لو في خصوص المورد من باب سياق الكلام، و لا يزاحمه قوله: «و لا تنقض اليقين أبداً بالشكّ» (5) إذ لا تنافي بين عدم نقض اليقين بالشكّ و عدم نقضه إلّا بيقين آخر.

____________

(1) في ص 36.

(2 و 3) وسائل الشيعة: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(4 و 5) وسائل الشيعة: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

172

و هو المؤيّد بما اشير إليه في أدلّة الباب:

منها: قوله في الصحيح الثاني لزرارة: «فإن ظننت أنّه قد أصابه» إلى أن قال:

«لأنّك كنت على يقين من طهارتك ثمّ شككت» (1) مع أنّ المفروض حصول الظنّ بل هو الدليل عند التأمّل، فيتأمّل.

و قوله فيه: «لأنّك لا تدري، لعلّه شي‏ء اوقع عليك» (2).

و قوله في الصحيح الثالث: «و لكنّه ينقض الشكّ باليقين» (3).

و قوله: «صم للرؤية و أفطر للرؤية» (4).

مع إمكان أن يقال: إنّ ما به القوام في الارتكاز هو أنّ اليقين لا ينقض إلّا بيقين مثله، فالمسألة بحمد اللَّه واضحة.

و الإجماع التقديريّ واضح المأخذ، فإنّ تقديره- كما في كلام الشيخ- هو القول بالاستصحاب من باب دلالة الأخبار، فهو لا يدلّ على حكم ثبوتيّ، بل يدلّ على أنّهم فهموا من الأخبار ذلك.

التنبيه الحادي و العشرون‏

[في أنّه هل يجري استصحاب العدم بعدم الموضوع؟

] قد يشكل استصحاب عدم اتّصاف الموضوع بالوصف الخاصّ الّذي يكون مورداً للأثر، كاستصحاب عدم قرشيّة المرأة الموجودة، من باب القطع بذاك العدم في الحالة السابقة من باب فقد الموضوع.

و قد مرّ بعض الكلام في ذلك في طيّ العامّ المخصّص بالمجمل في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب و نكرّر الكلام فيه لبعض فوائد اخرى على وجه الاختصار،

____________

(1 و 2) التهذيب: ج 1 ص 421 ح 8 من ب 22.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 321 ح 3 من ب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(4) وسائل الشيعة ج 7 ص 184 ح 13 من ب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان.

173

لكنّ الّذي يكون بصدد التحقيق في المسألة لا بدّ له من مراجعة المسألة في البابين، فنقول و به الاعتصام وعليه التكلان:

إنّ عمدة الإشكال في ذلك أمران:

أحدهما: أنّ المفروض ترتّب الأثر على عدم اتّصاف الموضوع الموجود، و هو ينحلّ إلى أمرين: أحدهما عدم الاتّصاف، ثانيهما فرض الوجود، فالمجموع هو عدم الاتّصاف في ظرف الوجود و ليس له حال سابق؛ و أمّا استصحاب عدم الاتّصاف إلى ظرف الوجود المستلزم للاتّصاف بكونه في ظرف الوجود غير جارٍ، لأنّه ليس نفس المستصحب، بل هو لازم له، فهو من الاصول المثبتة.

و فيه: أنّ كون مورد الأثر عدمَ اتّصاف الموضوع الموجود من باب فرض الوجود في الموضوع غيرُ كون ذلك قيداً للمستصحب حتّى يكون المستصحب هو عدم الاتّصاف الخاصّ، بل المستصحب هو عدم اتّصاف هذا الموجود الخارجيّ، من دون تقيّد في ناحية عدم الاتّصاف إلّا من جهة كون الموجود الخارجيّ موضوعاً له، و كونه موضوعاً له لا يقتضي دخالته في المستصحب، فإنّ المستصحب عدمُ اتّصاف الموضوع، لا عدم الاتّصاف بضمّ الموضوع أي المجموع من عدم الاتّصاف و وجود الموضوع. و بعبارة اخرى: يكون الموضوع للقضيتين- أي المتيقّنة و المشكوكة- هو الموضوع الموجود بالفعل، فيقال: هذا لم يكن متّصفاً في السابق، لعدم تحقّقه، و الآن كما كان.

و إن شئت وضوح الأمر فقسه باستصحاب عدم وجود نفس الشي‏ء، فإنّه إذا فرض ترتّب الأثر على موجود خاصّ إذا لم يكن موجوداً في زمانٍ خاص مقدّمٍ على المتيقّن، كأن أوصى الميّت بمال إلى من يكون من ولده متكوّناً بالصورة الإنسانيّة و لو في الرحم، فيشكّ في بعض ولده من تلك الجهة، فيقال: إنّ هذا الموجود لم يكن متكوّناً بها حين موت والده الموصي فلا يستحقّ من الموصى به.

174

فكما أنّ كون الموضوع لعدم الاتّصاف بالوجود السابق هو الوجود الفعليّ لا يقتضي كون المستصحب فيه هو العدم في فرض الوجود و إلّا لزم اجتماع النقيضين، كذا في المقام، من غير فرق بينهما قطعاً.

ثانيهما: انصراف الدليل عن ذلك.

و تقريبه: أنّه إذا قيل: «تلك المرأة لم تكن غنيّةً أو لم تكن عالمةً أو هذا الثوب لم يكن أبيضَ» لا يشكّ العرف في المحاورات أنّ المقصود هو عدم الاتّصاف مع وجود الموضوع، لا عدمه بعدمه حتّى لو قال المتكلّم: «إن المقصود ذلك» كان معجباً مضحكاً.

و يمكن الجواب عنه أيضاً بأنّ الانصراف المذكور واضح بالنسبة إلى القضيّة السالبة، فإنّ السالبة ظاهرة في السلب مع وجود الموضوع، سواء كان مفادها السلب في الحال الفعليّ أو السلب في الماضي أو المستقبل.

لكن كون ذلك موجباً لانصراف مثل عموم «لا تنقض» عن شموله لليقين بعدم الاتّصاف من باب عدم الموضوع ممنوع:

لأنّه إن كان منشأ ذلك أنّ الدليل الشرعيّ الّذي يدلّ على ثبوت الأثر إنّما يدلّ على كون موضوعه هو السالبة مع وجود الموضوع، فليس مورد الأثر إلّا هى، لا الأعمّ منها و من السالبة لعدم الموضوع؛ ففيه: أنّ الموضوع للأثر كما تقدّم هو السالبة مع وجود الموضوع، لكن لا بنحو يكون وجود الموضوع قيداً للمستصحب، فيقال: «إنّ هذا الموجود لم يكن قرشيّاً، و الآن هذا الموجود لا يكون قرشيّاً» فالمستصحب نفس سلب الاتّصاف، لا هو و وجود الموضوع، و موضوع الأثر هو السلب مع وجود الموضوع بلا تغيير في موضوع القضيّتين، فيقال: «هذه المرأة الموجودة في الخارج لم تكن قرشيّةً في السابق، و الآن كما كان».

و إن كان منشأ الانصراف أنّ العرف لا يرى حالةً سابقةً لهذا العدم، فلا يرى‏

175

لعدم كون تلك المرأة قرشيّةً حالةً سابقةً، لعدم اعتبار ذلك بنظرهم، فالعدم المذكور غير متّصف بالسبق حتّى يكون من أفراد ما تيقّن سبقه و شكّ في بقائه؛ فيقال: إنّ ذلك من باب عدم الالتفات، من جهة عدم كون العدم بعدم الموضوع مورداً للآثار العقلائيّة، و أمّا إذا فرض الالتفات إليه فلا يشكّ العرف في إدراك كون ذلك متيقّناً، فإنّ العرف لا يتوجّه أذهانهم في المأكول و المشروب إلى مثل الرمل و النفط، من باب عدم تعارف أكل الأوّل و شرب الثاني، لكن لا يشكّون في صدق الأكل و الشرب على تقدير التوجّه، و لذا يكون مبطلًا للصوم قطعاً.

و إن قيل: إنّه و إن كان من أفراد اليقين لكنّ اليقين بعدم الانتساب من باب عدم الموضوع غيرُ اليقين بعدمه مع وجود الموضوع، فالمتيقّن السابق فرد مباين للمشكوك اللاحق فلم تكن القضيّتان متّحدتين؛ فهو ممنوع عند العرف، و على فرض التسلّم لا بأس باستصحاب الجامع كما ذكرناه في مبحث العامّ و الخاصّ.

هذا تمام الكلام في المقام، و هو العالم بحقائق المسائل و الأحكام.

التنبيه الثاني و العشرون‏

[في اعتبار اتّحاد القضيّة المتيقّنة و المشكوكة

] لا إشكال في اعتبار بقاء موضوع المستصحب بمعنى اتّحاد القضيّة المتيقّنة و المشكوكة، لا بمعنى وجود الموضوع، إذ قد يكون المستصحب هو العدم، و قد يكون الحكم الكلّيّ المتعلّق بإيجاد الطبائع الخارجيّة كوجوب صلاة الجمعة، و قد يكون نفس الوجود الّذي موضوعه الماهيّة المعرّاة عن فرض الوجود و العدم، فإنّ الأخبار الواردة في الباب صريحة في ذلك، من حيث كلمة النقض، و من حيث الاعتبار باليقين في مقابل الشكّ، و التعبّد بحكم المتيقّن في المشكوك فيه، بل لو لم تكن في البين تلك القرائن أيضاً و جُعل شي‏ءٌ غايةً لشي‏ء فإنّه صريح في ارتباطها به، كأن يقال: «اجلس في الدار المخصوصة حتّى يأتي زيد» فإنّه لا يشكّ‏

176

أحد أنّ الغاية مجي‏ء زيد في الدار، لا مجيئه إلى دار اخرى غير مربوط بها، فهو من الواضحات لا خفاء فيه.

و إنّما محلّ الكلام موضعان:

أحدهما: أنّ الاتّحاد المذكور هل هو بنظر العقل أو بحسب لسان الدليل أو بنظر العرف؟

فعلى الأوّل يختصّ الاستصحاب بالموضوعات و يسقط في الأحكام، لاحتمال تغيّر الموضوع في جميع موارد الشكّ في البقاء.

و على الثاني يجري في ما إذا كان عنوان الدليل المأخوذ موضوعاً فيه باقياً، و لا يجري في غيره، فإذا كان لسان الدليل نجاسةَ الماء المتغيّر فلا يجري بعد رفع التغيّر من قبل نفسه، لعدم إحراز بقاء الموضوع، إذ لم يحرز أنّ الموضوع هو الماء المتغيّر بالفعل أو الّذي حدث فيه التغيّر؛ و أمّا إذا كان لسانه نجاسةَ الماء إذا تغيّر فالموضوع هو الماء فيجري.

و أمّا على الثالث فيجري في جميع موارد بقاء الموضوع عرفاً، من غير فرق بين إحراز بقاء ما اخذ موضوعاً من العنوان أم لا.

و يشكل تصوير الفرق بين أخذ الموضوع من العرف أو من لسان الدليل بأنّه:

إن كان المقصود من الرجوع إلى العرف هو الرجوع إليه في تشخيص مفهوم العنوان الّذي اخذ موضوعاً في لسان الدليل، فلا فرق بينه و بين أخذ الموضوع بحسب لسان الدليل، إذ عليه لا بدّ أن يكون المرجع هو العرف.

و إن كان المقصود أنّه يرجع إليه في تشخيص موضوع الحكم واقعاً و إن كان على خلاف ما يظهر من ألفاظ الدليل بحسب مناسبات الحكم و الموضوع، فقد يحكم العرف بأنّ موضوعه واقعاً أعمّ ممّا اخذ في الدليل.

ففيه أوّلًا: أنّه لا وجه حينئذٍ للاستصحاب بعد معلوميّة عموم الموضوع واقعاً.

177

و ثانياً: أنّ المقصود من لسان الدليل ليس ما يكون مقتضى الجمود على ألفاظ الدليل، بل المقصود هو ما يفهم العرف من الدليل أنّه موضوع للحكم واقعاً و لو بالمناسبات بين الحكم و الموضوع، فلا فرق أيضاً بينهما.

و إن كان المقصود أنّه قد يحكم العرف- بالمناسبات العرفيّة- بأنّ العنوان المأخوذ في موضوع الدليل يكون من الجهات التعليليّة، فيردّد بين كونه علّةً للحدوث أو له و للبقاء، فيستصحب بناءً على أخذ الموضوع من العرف و لا يستصحب بناءً على الأخذ من الدليل، و هو الّذي تفصّى به عن الإشكال في المقالات‏ (1).

ففيه: أنّه إذا علم بالمناسبات العرفيّة أنّ التغيّر- مثلًا- جهة تعليليّة فالمستفاد من الدليل بضمّ المناسبات العرفيّة كونه جهةً تعليليّةً، فلا فرق بينه و بين الأخذ من العرف؛ و قد تقدّم حتّى منه (قدس سره) أنّ المقصود من الرجوع إلى لسان الدليل هو الرجوع إليه في الموضوع الّذي يفهم أنّه عنوان للحكم مع ملاحظة القرائن الداخليّة و الخارجيّة من المناسبات العرفيّة و القرائن المقاميّة و غير ذلك.

و إن كان المقصود أنّهم في نظائر تلك الأحكام يجعلون العنوان المذكور في الدليل حالةً لثبوت الحكم لا عنواناً و قيداً.

ففيه: أنّه لا وجه لقياس أحكامهم بالأحكام الشرعيّة المفروض إجراء الاستصحاب فيها، و المفروض أنّهم فهموا قيديّة وصف خاصّ في ذلك الحكم المورد للاستصحاب.

و يمكن الجواب بأنّ هنا شقّاً خامساً، و هو أنّهم مع فرض أخذ العنوان قيداً للموضوع يجوّزون نسبته إلى الذات باعتبار اتّصافه بالعنوان المذكور، فينسبون وجوب القصر المتعلّق بالمسافر إلى المكلّف البالغ العاقل إذا كان مسافراً، و هذا بخلاف النجاسة العارضة للكلب فلا يقولون هذا نجس إذا كان كلباً.

____________

(1) مقالات الاصول: ج 2 ص 339.

178

هذا بيان البحث على ما يستفاد من كلمات الأصحاب و المشايخ، كالمحقّق الخراسانيّ و الوالد الاستاذ الماجد أعلى اللَّه مقامهم و تغمّدهم اللَّه برحمته و غفرانه و غيرهما.

لكنّ الّذي يصل إليه النظر في تنقيح حقيقة البحث بعد فرض لزوم الاتّحاد المزبور الّذي قد سبق في صدر المبحث أنّه هل لا بدّ من بقاء نفس العنوان الّذي تعلّق به الحكم أو بعد اتّحاد العنوان مع المعنون يكفي إحراز بقاء المعنون؟

و على الأوّل فهل العنوان الّذي لا بدّ من بقائه هو الّذي يكون مورداً للإرادة و الكراهة الواقعيّتين أو يكفي العنوان المأخوذ في مرحلة الإثبات أي المستفاد من لسان الدليل؟

و على الثاني فهل لا بدّ من بقاء ذلك بالدقّة العقليّة أو يكفي نظر العرف؟

فنقول بالنسبة إلى البحث الأوّل: الحقّ كفاية بقاء المعنون. فلو حكم على العصير بالحرمة على فرض الغليان فالجسم الخارجيّ الّذي ينطبق عليه العنوان متعلّق للحرمة التعليقيّة حقيقةً، و إلّا لم يكن الشكل الأوّل بديهيّ الإنتاج، فإنّ إنتاجه متوقّف على سراية الحكم من العنوان إلى المعنون حتّى يقال لزيد: «إنّه حيوان ناطق» من باب أنّه إنسان، و كلّ إنسان فهو حيوان ناطق؛ و أمّا لو كان متعلّق الحكم نفس العنوان و لا يسري إلى ما يتّحده لما أنتج القياس المزبور مع أنّه بديهيّ الإنتاج.

و الحاصل: أنّه بعد فرض صحّة نسبة الحكم حقيقةً إلى المعنون فلا وجه لعدم كفاية بقائه في اتّحاد القضيّة المتيقّنة و المشكوكة.

مع أنّ الاعتبار بالعنوان الواقعيّ للحكم الثبوتيّ موجب لإلقاء الاستصحاب حتّى في الموضوعات بناءً على كون جميع الجهات التعليليّة في الحكم الواقعيّ الثبوتيّ جهاتاً تقييديّة، إذ جميع ذلك موجب لتضييق الموضوع، و أمّا على فرض عدم تسلّمه فلا بدّ من إلقائه في كثير من الموارد.

و أمّا الاعتبار بالعنوان المأخوذ في لسان الدليل فلا ملاك له، بل العرف يقطع‏

179

بالعدم إذا قيل له بجريان الاستصحاب إذا كان مفاد الدليل ثبوت النجاسة للماء إذا تغيّر و عدمِ جريانه إذا كان الموضوع هو الماء المتغيّر، إذ لا فرق عندهم في ذلك قطعاً، لأنّ الشرط موجب لتقيّد الموضوع قطعاً.

و أمّا البحث الثاني و هو كفاية النظر العرفيّ في البقاء بعد فرض كفاية بقاء المعنون فهي أيضاً ظاهرة، إذ خطاب «لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ» ملقى إلى العرف، فلا بدّ أن يكون ذلك نقضاً بنظرهم. و الفرق بين الأمرين يظهر في ما لا يكون المعنون باقياً عقلًا، كالتكلّم المقرون بالوقفات القهريّة، فإنّ تخلّل العدم موجب للتعدّد، لكنّ العرف يرى التكلّم الّذي قد وجد بداعٍ واحد موجوداً واحداً، فافهم و تأمّل.

ثانيهما: أنّه لو كان أثر شرعيّ مترتّباً- مثلًا- على ما إذا كان زيد الموجود قائماً فشكّ في وجود زيد فهل يجري استصحاب وجوده لإحراز الموضوع الّذي هو مورد للأثر- و هو كون زيد قائماً- أم لا، أم يفصّل بين ما إذا كان الشكّ في القيام مسبّباً عن الشكّ في الوجود فيحكم به و بين ما إذا كان القيام مشكوكاً بنفسه- أي كان وجود زيد مشكوكاً و قيامه أيضاً على تقدير الوجود مشكوكاً- فلا، أو بالعكس؟

وجوه. الأصحّ الثاني:

أمّا في الشقّ الأوّل فلأنّ الأثر مترتّب على قيام زيد الموجود، و هو مشكوك.

و ترتّب القيام على وجود زيد من الامور الاتّفاقيّة الّذي فرض القطع به، فالأثر مترتّب على وجود زيد بتوسيط قيامه، و هو أمر تكوينيّ مترتّب على المستصحب اتّفاقاً. و أمّا الحكم بالاستصحاب بعد فرض الوجود فهو غير معقول، إذ على الفرض المذكور لا شكّ في القيام بالفرض حتّى يستصحب في هذا الفرض، فيكون أثر استصحاب الموضوع استصحابَ الوصف.

و أمّا في الشقّ الثاني فلأنّ الواقع غير مترتّب على وجود زيد. و أمّا الاستصحاب بأن يقال: إنّه يستصحب بقاء زيد فيحكم باستصحاب قيامه، فيكون الاستصحاب‏

180

أثراً للاستصحاب، فهو أيضاً مردود بأنّ الاستصحاب وارد في مورد الشكّ في بقاء زيد الموجود، و بقاء زيد الموجود يلازم كون الشكّ في القيام متعلّقاً بزيد الموجود، فهو مثبت.

هذا مع قطع النظر عن إيراد آخر، و هو عدم واقعيّة للشكّ المتعلّق بالقيام المفروض لزيد الموجود، بمعنى أنّ الّذي يكون حاصلًا بالوجدان هو الشكّ المتعلّق بالقيام، و هو متعلّق بالقيام على فرض الوجود، بمعنى أنّه كلّما يفرض الوجود يكون شاكّاً في قيامه في هذا الفرض، و هذا معلوم التحقّق لكنّه ليس متعلّقاً للاستصحاب، لا أنّ الشكّ المتعلّق بالقيام المتعلّق بزيد الموجود مشكوك التحقّق. و قد مرّ بعض الكلام في ذلك في بعض التنبيهات السابقة.

ثمّ لا يخفى أنّه لو كان الأثر مترتّباً على وجود قيام زيد في الخارج- بأن يكون الموضوعُ ماهيّةَ قيام زيد بنحو هل البسيط و المحمولُ وجودَه في الخارج- فلا ريب في جريان الاستصحاب مع الشكّ في وجود زيد كما لا يخفى.

كما أنّه لو كان الأثر مترتّباً على القضيّة التعليقيّة- و هي كون زيد قائماً على فرض الوجود- فيكفي الشكّ في القيام على الفرض المذكور في الاستصحاب و لا يحتاج إلى استصحاب وجود زيد، بل يجري مع القطع بعدم وجود زيد في الخارج.

و كذا لا إشكال على المجموع المركّب من الفعليّة و التعليقيّة- من وجود زيد و قيامه على تقدير الوجود- يجري استصحاب وجوده و يترتّب الأثر إذا كان قيامه على تقدير الوجود معلوماً من باب ثبوت أحد الجزءين بالأصل و الآخر بالوجدان، و إن كانت القضيّة التعليقيّة مشكوكةً يحكم ببقائها بالاستصحاب، فافهم و تأمّل.

التنبيه الثالث و العشرون‏

[في أنّه هل تشمل الأخبار قاعدة اليقين؟

] يمكن أن يقال بحجّيّة قاعدة اخرى غير الاستصحاب، و هي الّتي تسمّى‏

181

بقاعدة اليقين و الشكّ الساري، كالعلم بعدالة زيد في يوم الجمعة ثمّ الشكّ بعد ذلك في عدالته في ذلك اليوم.

و ملخّص الوجه في ذلك أمران:

أحدهما: أنّ العناوين الكلّيّة الواردة في أخبار الباب شاملة لكلا قسمي اليقين و الشكّ.

ثانيهما: أنّ بعض أخبار الباب ظاهر في الاستصحاب كصحيحي زرارة (1)، و بعضَها الآخر ظاهر في قاعدة اليقين، و هو ما تقدّم‏ (2) عن الخصال: «من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين».

أمّا الوجه الأوّل:

فإن كان المقصود أنّ أخبار الباب شاملة للقاعدتين بمالهما من الخصوصيّات (فإنّ الاستصحاب هو الحكم بلحاظ وجود المتيقّن في السابق و باتّكاء ذلك و إلقاء حيثيّة السبق و اللحوق، و القاعدة باعتبار تحقّق نفس اليقين، من دون لحاظ سبق المتيقّن في الزمان و لحاظِ وحدة زمان المتيقّن و المشكوك) فهو ممتنع بحسب الظاهر في لحاظ واحد، فإنّ الاستصحاب متقوّم بلحاظ سبق المتيقّن و عدمِ لحاظ زماني المتيقّن و المشكوك معدّداً، و القاعدة متقوّمة بلحاظ وحدة زماني المتيقّن و المشكوك و عدمِ لحاظ سبق المتيقّن. و المفهوم الواحد الجامع إمّا أن يكون معنى بسيطاً فاقداً لجميع خصوصيّات الفردين و إمّا أن يكون متخصّصاً بخصوصيّة مشتركة صادقة على الفردين، و لا يمكن فرض الجامع و دلالته على خصوصيّة ممتازة في أحد الفردين و خصوصيّة اخرى في فرد آخر.

و أمّا إن كان المقصود عدمَ إمكان اندراج القاعدتين بإلقاء الخصوصيّات تحت جامع يشملهما و غيرهما، بأن يقال: من تيقّن بشي‏ء- سواء بقي يقينه أم لا-

____________

(1) المتقدّمين في ص 7 و 14.

(2) في ص 26.

182

و تعلّق الشكّ بما تعلّق به يقينه (سواء كان ذلك بتعلّق الشكّ بنفس ما تعلّق به اليقين من حيث الزمان أو كانت الوحدة لجهة اخرى من البقاء العرفيّ أو العقليّ من باب الوحدة الاتّصاليّة) فلا يعتنى بشكّه حتّى يشملها- لا بعنوان خصوصيّة الحكم بالبقاء أو خصوصيّة وحدة متعلّق الشكّ و اليقين من حيث الزمان- و يشمل غيرهما، فيحكم على من تيقّن بعدالة زيد يوم الجمعة ثمّ شكّ فيها و في بقائها على تقدير الحدوث بالنسبة إلى يوم السبت بالتحقّق في اليومين أيضاً، فلا مانع عقلًا لذلك، إلّا أنّ ظاهر الأخبار هو فعليّة الشكّ و اليقين و اجتماعهما في زمان واحد، و هي الّتي اخذت في حيّز التعليل فتكون حجّةً و مفسّرةً بغيرها على فرض الإجمال.

و منه يظهر الجواب عن الوجه الثاني، من جهة أنّ الصدر معلّل بالذيل في خبر الخصال المتقدّم، و ظهور التعليل حاكم على ظهور المعلّل له؛ فالظاهر اختصاص الأخبار بالاستصحاب، و اللَّه العالم.

التنبيه الرابع و العشرون‏

في وجه تقدّم الأمارات على الاستصحاب‏

فنقول و هو المستعان: قد يقال بالورود كما في الكفاية، فقد قال (قدس سره):

فإنّ رفع اليد عن اليقين السابق بسبب أمارة معتبرة على خلافه ليس من نقض اليقين بالشكّ بل باليقين، و عدم رفع اليد عنه مع الأمارة على وفقه ليس لأجل أن لا يلزم نقضه به، بل من جهة لزوم العمل بالحجّة (1).

أقول: توجيه ذلك على وجه ترتفع به جملة من الإيرادات الّتي أوردوها عليه يتمّ بذكر امور:

منها: أنّه ليس المقصود بالورود هو الاصطلاحيّ منه المتقوّم برفع الموضوع‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 488.

183

حقيقةً، بل المقصود أنّ العمل بالأمارة لا ينافي الاستصحاب الّذي هو عدم جعل الشكّ ناقضاً لليقين، فبهذا التقريب يكون الاستصحاب أيضاً موجوداً إلّا أنّه لا ينافي العمل بالأمارة.

و منها: أنّه ليس المقصود باليقين الوارد في بعض أخبار الاستصحاب من قوله:

«و إنّما تنقضه بيقين آخر» (1) هو اليقين المتعلّق بعين ما تعلّق به اليقين الأوّل و الشكّ العارض، بل مقتضى إطلاقه أنّه كلّ يقين يصلح لأن يكون ناقضاً لحكم اليقين السابق.

و منها: أنّه ليس المقصود مطلق اليقين و لو لم يكن ناقضاً لليقين السابق بنفس ذاته، كاليقين باستحباب قضاء حاجة المؤمن، فإنّه لا يقتضي نقض الحرمة السابقة على تقدير وجودها، إذ الاستحباب لا يزاحم الإلزام، بل المقصود- كما تقدّم- مطلق اليقين الّذي يقتضي النقض بحيث لو كانت الحرمة ثابتةً في الواقع لاقتضى ذاك اليقين العارض نقضَه و لو من باب رفع تنجّزه و فعليّته، فلا يرد عليه ما في تقرير بعض أساتيد العصر (2) أدام اللَّه ظلالهم.

و منها: أنّه ليس المقصود من النهي عن النقض بالشكّ جعل نفس الشكّ مع قطع النظر عن أيّ حكم شرعيّ أو عقليّ ناقضاً لليقين، إذ لا معنى لذلك، بل المقصود عدم جعل الشكّ بماله من الحكم ناقضاً لليقين.

و منها: أن يقال: إنّ الظاهر منه عدم جعل حكم الشكّ ناقضاً إذا كان الحكم المذكور لنفس الشكّ، لا في ما إذا كان الشكّ دخيلًا في الحكم، فلا يجعل حكم الشكّ بما هو شكٌّ ناقضاً لليقين السابق.

و منها: أنّ حجّيّة الأمارة ليست حكماً للشكّ بما هو شكٌّ، بل هي حكم العناوين الخاصّة- كإخبار العدل و قيام البيّنة و الإقرار و اليد- و إن كان الشكّ دخيلًا فيه، إلّا

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 174 ح 1 من ب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) مباني الاستنباط (تقريراً لبحث آية اللَّه العظمى الخوئيّ (قدس سره)): ج 4 ص 289.

184

أنّه لا يكون تمام الموضوع و لا جزءه، بل هو قيد للموضوع، و القيد لا يكون مركباً للحكم، بل مركبه المقيّد و هو غير القيد.

و منها: أنّ مفاد الأمارة ليس إلقاء حكم خصوص الشكّ بما هو شكّ، بل مفاده إلقاء كلّ حكم ينافي فرضَ الوصول إلى الواقع كما يأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى.

و حينئذٍ يكون ناقضاً للاستصحاب بخلافه، لكن هذا التقريب لا يقتضي تقدّمها عليه في صورة التوافق، لأنّه لا يقتضي نقض اليقين السابق، فلا ينقض اليقين بالشكّ و لا بيقين آخر.

و يمكن تقريب الورود بالمعنى الاصطلاحيّ، بأن يقال- بعد ما عرفت-: إنّ الناقض المنهيّ عنه هو حكم الشكّ، و بعد قيام الأمارة لا حكم للشكّ بما هو شكّ حتّى يجعل ناقضاً لليقين السابق، فبعد قيام الأمارة على حرمة شي‏ء فلا حكم لصورة الشكّ من حيث الحلّيّة و الحرمة بما هو شكّ حتّى يكون مفاد استصحاب الحرمة عدمَ جعله ناقضاً لليقين بها.

هذا تقريب الورود بما لم يسبق إليه أحد و يرتفع به جميع ما اورد أو ربما يمكن الإيراد عليه.

لكن قد اورد على ذلك- كما اشير إليه في الرسائل‏ (1) و أشار إليه المحقّق الخراسانيّ بعنوان لا يقال‏ (2)- بأنّ اليقين باعتبار الأمارة موجود لو اخذ بإطلاق دليلها حتّى في مورد الاستصحاب، و هو أوّل الكلام.

و الجواب عنه: أنّ الإشكال المذكور موجود في جميع موارد الورود كما لا يخفى، فإنّ الدليل الّذي يصلح لرفع موضوع ما ينافيه إنّما يقتضي ذلك على فرض الإطلاق حتّى بالنسبة إلى مورد الاجتماع على ما ينافيه، و هو محلّ البحث بعينه، فلِمَ لا يجعل المورود مخصّصاً للوارد حتّى لا يقتضي رفع الموضوع؟! و حينئذٍ

____________

(1) فرائد الاصول: ص 407.

(2) كفاية الاصول: ص 489.

185

فيقال في الحلّ: إنّ إطلاق دليل الوارد يتوقّف على عدم ما يخصّصه، و ليس في البين ما يخصّص الوارد، لأنّ التخصيص يتوقّف على أن لا يكون طرفه رافعاً لموضوعه عند فرض اقتضاء الدليلين، و المفروض أنّه في المقام يكون رافعاً لموضوعه عند فرض الاقتضاء، فلا تخصيص، لعدم ملاك التخصيص، فيكون رافعاً لموضوع المورود، فرفع الموضوع من جانب الوارد يتوقّف على كونه رافعاً للموضوع على فرض الاقتضاء من جانب الدليلين.

و من ذلك يظهر الخلل في ما في الكفاية من الجواب، قال (قدس سره): «إنّه لا محذور في الأخذ بدليلها بخلاف الأخذ بدليله، فإنّه يستلزم تخصيص دليلها بلا مخصّص إلّا على وجهٍ دائر، إذ التخصيص به يتوقّف على اعتباره معها، و اعتباره كذلك يتوقّف على التخصيص به» (1). انتهى:

إذ لو كان المراد بالاعتبار الاعتبارَ الفعليّ حتّى بالنسبة إلى ما يعارضه فالتخصيص لا يتوقّف على ذلك، بل الاعتبار يتوقّف عليه، إذ لو كان التخصيص متوقّفاً على الاعتبار الفعليّ من جميع الجهات لزم الدور في جميع موارد التخصيص، لوضوح توقّف الاعتبار الفعليّ على التخصيص، إذ لو لا التخصيص لا يصحّ الحكم باعتبار دليل المخصّص فعلًا من جميع الجهات حتّى بالنظر إلى العامّ، فلو توقّف التخصيص على الاعتبار الفعليّ لزم الدور في جميع الموارد.

و إن كان المراد باعتباره معها هو اقتضاؤه مع اقتضاء دليلها و عدم رافعيّة الثاني لموضوع الأوّل، فالتوقّف و إن كان صحيحاً لكن لا بدّ أن يقال: إنّه ليست تلك العلّة الدخيلة في التخصيص موجودةً، فلا تخصيص، إذ هو لا يتوقّف على التخصيص، بل لو خصّص الوارد بالدليل المورود مع عدم الملاك المزبور لا يوجب وجوده، فهو تكلّفٌ بلا موجب. و قد تقدّم منّا بعض الكلام في المجلّد المتقدّم في بحث حجّيّة

____________

(1) كفاية الاصول: ص 489.

186

الخبر بالسيرة و نسبتها إلى الآيات الناهية.

و لا يخفى أنّ الإشكال المذكور مع جوابه يأتي على تقريب الحكومة أيضاً، فلا وجه لما في رسائل الشيخ الأنصاريّ (قدس سره) من ردّ الورود بعدم ثبوت إطلاق لدليل الاعتبار حتّى يثبت الورود (1)؛ إذ هو يتوقّف على عدم تقدّم دليل الأصل عليه، و لا وجه لذلك إلّا الحكومة، لوضوح أنّ الحكومة أيضاً متوقّفة على الإطلاق و عدم كون دليل الأصل مخصّصاً له. و اللَّه الهادي إلى سواء الصراط و إليه المرجع في المبدأ و المعاد.

ثمّ لا يخفى أنّه لو فرض الخلل من حيث تقريب الورود فيمكن تقريب الحكومة بأنّ حقيقة التعبّد بالأمارة- من غير فرق بين أن يكون لسانه تتميم الكشف أو تنزيل المؤدّى- لا تكون إلّا التعبّد بالوصول إلى الواقع، لأنّه لو لا ذلك لكان حكماً نفسيّاً في عرض الواقع، فإنّ صِرف تنزيل المؤدّى منزلة الواقع لا يقتضي أن يكون التعبّد ظاهريّاً طريقيّاً، فإنّه يكون كتنزيل الطواف منزلة الصلاة، فإنّ حقيقة جعل الطريق ليست إلّا الحكم بالوصول إلى الواقع، و لو لم يكن ذلك بل كان حكماً في عرض الواقع لم يكن وجه لتقديمها حتّى على قاعدة قبح العقاب من غير بيان، لأنّه لا يكون بياناً على الواقع، و العذر إنّما هو من باب الإذن في مخالفة الواقع، و الأمارات العقلائيّة إنّما هى من باب أنّهم يرتّبون أثر الوصول إلى الواقع و يلقون كلّ أثر ثابت في فرض عدم الوصول.

و هو بذاته وجه آخر لتقريب الحكومة، من باب تطابق الجعل الشرعيّ لبناء العقلاء و الارتكاز العرفيّ، و مقتضى ذلك إلقاء كلّ أثر مترتّب على فرض عدم الوصول.

نعم، في المقام شبهتان لا بدّ من التعرّض لهما.

الشبهة الاولى: ما في الكفاية من أنّ ذلك لا يتمّ في صورة موافقة الأصل للأمارة (2).

و تقريب الإشكال من وجهين:

____________

(1) فرائد الاصول: ص 407.

(2) كفاية الاصول: ص 488.

187

أحدهما: أنّ التعبّد بالوصول ليس إلّا في مرحلة، فهو يقتضي ترتيبَ العمل الّذي هو مقتضى الوصول إلى الواقع و طرحَ العمل الّذي يخالف الوصول، فهو متوجّه أوّلًا إلى العمل و ثانياً إلى الحكم الّذي يقتضي العمل المخالف، فهو حاكم على الدليل الّذي يقتضي العمل المخالف لا ما يقتضي العمل الموافق، و الحكومة مع ذلك من جهة أنّ المستفاد من دليله وجود حكم لفرض عدم الوصول يخالف فرض الوصول، و إلّا لم يكن معنىً للتعبّد بالوصول، فهو يدلّ على إلقاء كلّ حكم يقتضي لزوماً أو جوازاً عملًا يخالف الوصول، و أمّا العمل الّذي لا يخالف الوصول فلا وجه لحكومته عليه و على حكمه.

ثانيهما: أنّه على فرض إلقاء كلّ حكم تعلّق بفرض عدم الوصول و لو لم يكن عمله مخالفاً لفرض الوصول لكن يكون مثل أصالة الطهارة و أصالة الحلّيّة في فرض عدم الوصول إلى المخالف، ففي «كلّ شي‏ء حلال حتّى تعلم أنّه حرام» يكون عدم العلم بالحرمة موضوعاً للحلّيّة، لا الترديد بينها و بين الحلّيّة، فإذا قامت الأمارة على حلّيّة شي‏ء فدليل اعتبارها يحكم بإلغاء كلّ حكم يخالف الوصول إلى الحلّيّة، و هذا لا يطرح حكمَ أصالة الحلّيّة، لأنّ حكمها يخالف الوصولَ إلى الحرمة لا الوصولَ إلى الحلّيّة.

نعم، لا بدّ في التعبّد من عدم العلم بالحلّيّة، و هو غير أخذه في الموضوع تماماً أو جزءاً، بل هو قيد للتعبّد خارج بنفسه عن موضوع الحكم كما في الأمارات.

و يمكن الجواب عن الإيراد الأوّل بأنّ الاستناد إلى الأصل مع وجود الدليل- الّذي هو لازم و لو من باب لزوم التجرّي و لو كان حسناً و لم يكن واجباً- عملٌ و مقتضى دليل الأمارة عدم عمل يخالف الوصول، و الاستناد إلى الأصل الموافق الّذي هو حكم عدم الوصول مخالف لفرض الوصول، فهو يدلّ على عدم الحكم الموافق أيضاً للأصل مع وجود اقتضاء الأمارة.

مع أنّ إلقاء الدليل إنّما يكون على وفق الارتكاز، و من المعلوم عدم اعتناء

188

العقلاء بالأصل مع فرض اقتضاء الأمارة و لو في صورة الموافقة.

و عن الثاني بأنّ دخالة الشكّ في الاصول و الأمارات ضروريّة و لو من باب فرض كون المجعول فيه الحكمَ الظاهريّ، فالتقيّد بالشكّ يكفي في عدم التعبّد به، فإنّ مقتضى دليل الأمارة هو إلقاء كلّ حكم يخالف فرض الوصول و لو من باب دخالة عدم الوصول في التعبّد الظاهريّ، فتأمّل.

الشبهة الثانية: أنّ مقتضى الاستصحاب أيضاً هو التعبّد بالوصول إلى الواقع، لأنّه مقتضى عدم نقض اليقين و فرضِ المكلّف متيقّناً في الحال بتحقّق المتعلّق في الحال أيضاً، فلا وجه لإحدى الحكومتين دون الاخرى.

و يمكن الجواب بأنّه ليس ظاهراً في الحكم بالوصول تعبّداً في حال الشكّ، بل الظاهر أو المحتمل أن يكون المقصود ترتيبَ آثار تُماثل آثارَ الوصول السابق في ظرف عدم الوصول، فيكون دليلها حاكماً على دليله، فإنّه ظاهر في ترتيب أثر الوصول فعلًا، فافهم و تأمّل.

فالظاهر أنّ تقريبي الورود و الحكومة كلاهما لا يخلو عن الوجه.

و هنا وجه آخر و هو أنّ النسبة بين مجموع الأمارات و الاصول هي العموم و الخصوص المطلق، و هي كافية في التقدّم كما في «لا ضرر» «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (1) بالنسبة إلى الأحكام الواقعيّة الأوّليّة و إن كانت النسبة بين كلّ واحد من مواردها و دليل الحكم الواقعيّ هي العموم المطلق.

فالملخّص أنّ وجه التقدّم امور لا يخلو كلّها أو بعضها عن الاعتبار.

منها: الحكم الحيثيّ و أنّ المنهيّ في الاستصحاب عدم جعل حكم الشكّ ناقضاً لليقين، و لا ينافي لجعل اليقين بالاعتبار المقتضي لحجّيّة شي‏ء لا بعنوان الشكّ المحض ناقضاً.

____________

(1) سورة الحجّ: 78.

189

و منها: الورود بمعنى أنّ الأمارة رافعة لحكم الشكّ بما هو شكّ، موافقاً كان للأمارة أو مخالفاً، فلا حكم للشكّ حتّى يتعلّق النهي بعدم جعله ناقضاً لليقين.

و منها: الحكومة بتقريب أنّ الحجّيّة حقيقتها التعبّد بالوصول.

و منها: هي بتقريب ورود الجعل على طبق بناء العقلاء في أماراتهم و اصولهم.

و منها: تخصيص الأمارات للُاصول. و اللَّه المستعان و له الشكر في كلّ حال و آن.

التنبيه الخامس و العشرون‏

في وجه تقدّم الاستصحاب على سائر الاصول‏

و خلاصة الوجوه الّتي يمكن الاتّكاء على بعضها امور:

الأوّل: الورود، بأن يقال: إنّ موضوع الاصول الاخر هو الشكّ من جميع الجهات، بأن لا يكون حكمه من غير جهة الشكّ بما هو شكٌّ معلوماً، فلو كان حكم الموضوع معلوماً بعنوان إخبار العادل أو بعنوان اليقين بالحالة السابقة فلا يكون مشكوكاً من جميع الجهات. و العناوين المنطبقة على الموضوع غير ما يترتّب على نفس عنوان الشكّ محضاً موجبة للعلم بالحكم.

فخلاصة هذا الوجه أنّ الورود مبنيّ على أمرين:

أحدهما: كون موضوع الاصول هو الشكّ في الحكم بجميع العناوين و لو كان من قبيل اليقين بالحالة السابقة.

و الدليل على ذلك صدق كون الحكم معلوماً، إذ لا فرق بين العناوين الموضوعة للحكم الواقعيّ و الّتي تكون موضوعةً للحكم الظاهريّ، فيصدق ما اخذ غايةً للُاصول.

ثانيهما: استثناء عنوان نفس الشكّ.

و الوجه في ذلك أنّه يلزم حينئذٍ من جعل الحكم للشكّ في الحكم حتّى بلحاظ الشكّ عدمُه، للعلم بالحكم حينئذٍ، و ليس الشكّ في موضوع الاستصحاب موضوعاً

190

للحكم، بل هو موضوع لعدم الاعتناء به في قبال اليقين بالحالة السابقة؛ فالمعنى أنّه مع اليقين بالحالة السابقة لا يعتنى بالشكّ بما هو شكٌّ من حيث الحكم. فحينئذٍ يتّضح الورود، للعلم بالحكم بعنوان الحالة السابقة من دون العكس، لأنّ مقتضى قاعدة الطهارة- مثلًا- في قبال استصحاب النجاسة هو العلم بالطهارة ظاهراً في موضوع الشكّ المحض، فلا يوجب العلم بالطهارة في مورد الاستصحاب و لو ظاهراً.

و من ذلك يظهر تقدّم الأمارات الاخر على الاستصحاب، من جهة أنّ الأخذ بالأمارات الاخر لا ينافي مقتضى الاستصحاب، فإنّ مفاده عدم جعل الشكّ بما هو شكٌّ ناقضاً، و العمل بالأمارة ليس من باب جعل الشكّ ناقضاً، بخلاف العكس، فإنّ الأخذ بالاستصحاب في قبال الأمارة الّتي مفادها ترتيب أثر الواقع لا عدم جعل الشكّ ناقضاً تخصيصٌ في دليل الأمارة.

الثاني: أن يقال: بالورود بتقريب آخر، و هو أنّ الموضوع في الاصول بمناسبة الحكم و الموضوع هو الشكّ من حيث عدم قيام الحجّة، و يضمّ إلى ذلك القول بأنّ مفاد الاستصحاب ترتيب آثار وجود اليقين فعلًا و أنّه غير منقوض، و مقتضاه الحكم بالحجّيّة و أنّ اليقين السابق حجّة بالنسبة إلى الحالة اللاحقة، و بعد ذلك فتقدّم الاستصحاب على سائر الاصول واضح، لأنّه حجّة بالفرض، و الموضوع فيها هو اللاحجّة، بخلاف الاصول الاخر، فإنّها لا ترفع موضوعَ الاستصحاب، لأنّها ليس مفادها جعلَ الحجّيّة؛ و مقتضى ذلك تقدّم الأمارات الاخر على الاستصحاب، لأنّ مفاد الاستصحاب جعل اليقين السابق حجّةً في موضوع الشكّ من حيث إنّه لا حجّة، و الأمارات حجّة متقدّمة عليه دون العكس، لأنّ موضوع الأمارات هو الشكّ الوجدانيّ.

فملخّص ذلك الوجه امور: الأوّل: كون الموضوع في جميع الاصول هو اللاحجّة.

الثاني: كون مفاد الاستصحاب جعلَ الحجّة في موضوع فقد الحجّة. الثالث: كون مفاد الأمارات الاخر جعلَ الحجّيّة في مورد الشكّ الوجدانيّ؛ و مقتضى ذلك تقدّمُ‏

191

الأمارات على الاستصحاب و تقدّمُ الاستصحاب على سائر الاصول الّتي لم يحرز فيها الوصول إلى الواقع.

الثالث: الحكومة، و مبناها على أن يكون مفاد الاستصحاب هو الحكم ببقاء اليقين لا المتيقّن، و أنّ آثارَ اليقين الّتي منها الحجّيّة بل هي أظهر آثارها مترتّبةٌ في فرض الشكّ الوجدانيّ، و حينئذٍ فتكون الحكومة على الاصول الّتي موضوعها الشكّ من دون أن يكون حكمها جعلَ الحجّيّة واضحةً من دون العكس. و أمّا وجه تقدّم الأمارات الأُخر على الاستصحاب بناءً عليه فهو أنّ مفاد الأمارات الاخر كون مفادها هو الواقع حتّى في صورة العلم بالوفاق أو الخلاف، و التقيّد بعدم العلم عقليّ لا شرعيّ، و مقتضى التقيّد العقليّ أنّ الموضوع هو ما إذا لم يكن نفسَ صفة العلم، لا الأعمَّ منه و من بدله؛ و حينئذٍ لا حكومة للاستصحاب، لأنّ مقتضاه كون اليقين السابق بدلًا، فافهم و تأمّل.

الرابع: لزوم اللغويّة لو قدّمت الاصول الاخر- من البراءة أو الاحتياط أو التخيير- على الاستصحاب، فإنّ نسبة المجموع إلى الاستصحاب هي العموم و الخصوص المطلق، و هي كافية في التقدّم، و إلّا لزم إمّا اللغويّة و إمّا ترجيح بعض الاصول على الاستصحاب دون بعض من غير مرجّح، و كلاهما باطلان.

و هذا هو الوجه أيضاً في تقدّم سائر الأمارات على الاستصحاب، فإنّ مقتضى الاستصحاب عدم التكليف، فلو قدّم عليه فلا بدّ من إلقاء أدلّة جميع التكاليف الّتي قامت عليه الحجّة، و أمّا النافية للتكليف فلا يحتاج إليها، لكفاية الاستصحاب و أصالة البراءة.

الخامس- و لعلّه أقوى الوجوه-: أنّ إلقاء الاصول (كالبراءة و الاشتغال) مستفاد من نفس روايات الباب، فإنّ خبر عبد الله بن سنان المتقدّم اعتباره‏ (1) حكم بطهارة

____________

(1) في ص 36.

192

الثوب المستعار للذمّيّ من باب اليقين السابق، لقوله: «لأنّك أعرته إيّاه و هو طاهر» مع وجود أصالة الطهارة، و كذا الصحيح الثاني لزرارة الوارد في الشكّ في وصول الدم إلى الثوب، لقوله: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك» (1)، و كذا الصحيح الأوّل‏ (2) له حيث حكم بوجود الطهارة و صحّة الصلاة مع أنّ مقتضى قاعدة الاشتغال إحراز الطهارة؛ فتقدّم الاستصحاب على سائر الاصول لعلّه واضح و لو لبعض الوجوه المتقدّمة، بل لعلّ الكلّ لا يخلو عن نوع من الإتقان. و اللَّه المستعان.

التنبيه السادس و العشرون‏

في تعارض الاستصحابين‏

و هو على أقسام:

الأوّل: أن يكون التعارض من جهة التزاحم، لا للعلم بانتقاض الحالة السابقة.

أقول: له صور:

منها: أن لا يكون بين الموردين ترجيح على فرض التزاحم، كما في حفظ نفس مؤمنين إذا كان ذلك مقدوراً ثمّ عرض عدم القدرة.

و حينئذٍ لا معنى لاستصحاب التعيّن في كلّ منهما، للقطع بكون الحكم هو التخيير واقعاً و لو في مرحلة الفعليّة. و اليقين الذاتيّ أيضاً قطعيّ البقاء فلا يحتاج إلى الاستصحاب؛ مع أنّه بلا أثر فعليّ.

و منها: أن يحتمل الأهمّيّة في كلّ منهما مع احتمال التساوي.

و الظاهر أنّ الحكم فيه التخيير أيضاً لكنّ التخيير فيه ظاهريّ. و الظاهر أنّه لا موقع فيه أيضاً لتعارض الاستصحابين بناءً على المختار في باب التزاحم من «أنّ‏

____________

(1) تقدّم في ص 14.

(2) المتقدّم في ص 7.

193

التخير للإطلاق»، فإنّه لا مانع من الإطلاقين على فرض عدم الإتيان بالعدل الآخر كما هو مبنى الترتّب، فإن فرض التعارض في الإطلاقين و مقتضاه أيضاً التعارض في الاستصحابين لوحدة الملاك فيحكم العقل بالتخيير الظاهريّ العقليّ، فالتخيير إمّا ظاهريّ شرعيّ و هو الأقوى من دون التعارض، أو ظاهريّ عقليّ، لفرض تعارض الدليلين و الاستصحابين، بل و لو لم يكن إطلاق فمقتضى الاستصحابين بعد التقيّد بالقدرة ذلك.

و منها: أن يعلم أهمّيّة أحدهما.

و فيه: أنّه لا يمكن الحكم بالتخيير الشرعيّ للإطلاق، للقطع بعدمه، فلا يمكن أن يكون مقتضاه ذلك؛ و لكن يمكن القول بالتخيير الشرعيّ بتقييد إطلاق دليل الاستصحاب بالنسبة إلى المتزاحمين. و تخالفُ المجموع للواقع لا يقدح إذا لم يكن موجباً للإذن في مخالفة التكليف الفعليّ المعلوم بالإجمال.

لكن يقع الإشكال في كون التخيير بدويّاً أو استمراريّاً؟ و هو مدوّن في مبحث أصالة التخيير في دوران الأمر بين المحذورين. و إن فرض تعارض الاستصحابين للحكم بالتعيّن في كلّ منهما فلا ريب أنّ مقتضى حكم العقل هو التخيير مع الإشكال المتقدّم. و الأحوط هو البدويّ، لعدم حصول العلم بالمخالفة، فتأمّل.

و منها: أن يكون أحدهما بالخصوص محتملَ الأهمّيّة من السابق أو صار كذلك في حال التزاحم.

فقد ذكرنا سابقاً أنّ مقتضى الإطلاق أو الاستصحاب إن لم يكن في البين إطلاق هو التخيير و إلقاء التكليف من ناحية احتمال الأهمّيّة.

لكنّ الأظهر أن يقال: إنّ مقتضى الإطلاق ثمّ الاستصحاب هو التعيّن، لأنّ تقييد العدل الآخر بصورة ترك الآخر مسلّم، لوجود الملاك، و أمّا تقييد محتمل الأهمّيّة غير معلوم فيؤخذ بالإطلاق.

و هذه أربعة أقسام كلّها مشترك في القطع بوجود الملاك. و قد يكون بقاء الملاك‏

194

في كلّ من الطرفين مشكوكاً، و قد يكون في أحدهما مشكوكاً؛ و على كلا التقديرين قد يقطع بالتساوي على فرض وجود الملاك، و قد يقطع بعدم التساوي بل يعلم بأهمّيّة أحدهما عن الآخر على تقدير وجود الملاك؛ و قد يحتمل الأهمّيّة في كلّ منهما، و قد يحتمل الأهمّيّة في أحدهما بالخصوص؛ فالأقسام اثنا عشر.

و الظاهر هو الحكم بالتخيير الشرعي في جميع موارد القطع بالتساوي، إذ احتمال الأهمّيّة في كلّ من الطرفين إمّا للإطلاق بناءً على كون مقتضى الإطلاق هو التخيير- لا التعارض و التساقط- مع إثبات الموضوع بالاستصحاب، أو لإطلاق الاستصحابين إذا لم يكن إطلاق في البين.

إن قلت: في ما إذا كان وجود الملاك في أحد الطرفين مقطوعاً و في الآخر مستصحباً فمقتضى الدليل هو الإتيان بالتكليف المتعلّق به على نحو التعيّن، و لازمه إسقاط الاستصحاب.

قلت: الإطلاق المذكور قد خصّص في مقام الفعليّة بما إذا زاحم فرداً آخر ذا ملاك، كما في إنقاذ الغريق، فإنّ الإطلاق بالنسبة إلى كلّ غريق مقيّدٌ بعدم وجود غريق آخر متساوٍ له أو أهمّ منه، و منشأ ذلك هو الحكم بإنقاذ كلّ غريق، فمنشأ التقيّد حصل من ناحية الشرع، فلا اقتضاء للإطلاق لإثبات عدم كونه من أفراد إنقاذ الغريق المؤمن، لأنّه تمسّكٌ بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، فلا مانع من الاستصحاب.

إن قلت: في الصور المذكورة إشكال آخر، من حيث إنّ العقل يحكم بتقدّم مقطوع الملاك على محتمل الملاك.

قلت: هذا الحكم ظاهريّ، من جهة احتمال عدم كون الاستصحاب مطابقاً للواقع، و بعد حكم الشارع بعدم بأس على المكلّف من جهة كون العمل بالاستصحاب موجباً للوقوع في خلاف الواقع لا حكم للعقل قطعاً؛ و مع ذلك فالأحوط الأخذ بالمقطوع في مقام التخيير، كما أنّ الظاهر هو الحكم بالأخذ بالأهمّ أو محتمل الأهمّيّة في موارد إثبات الملاكين أو أحدهما بالاستصحاب، و الوجه في ذلك‏

195

ظاهر لمن تدبّر في ما ذكرناه سابقاً.

الثاني: أن يكون التعارض للعلم بانتقاض الحالة السابقة في أحد الاستصحابين و لكن إن اخذ بمفاد أحد الاستصحابين يرفع الشكّ عن الآخر بالنسبة إلى الحكم الظاهريّ دون الآخر، كما لو علم نجاسة ثوب- مثلًا- ثمّ غسل بالماء المستصحب طهارته، فإنّ في المقام اصولًا ثلاثة: أصل بقاء نجاسة الثوب، و أصالة عدم الغسل بالماء الطاهر، و استصحاب طهارة الماء. و مقتضى استصحاب طهارة الماء هو الحكم بتحقّق غسل الثوب بالماء الطاهر، لأنّ الغَسل حاصل بالوجدان و كونَ الماء طاهراً ثابت بالأصل. و يترتّب على ذلك طهارة الثوب شرعاً، لأنّ من آثار طهارة الماء تطهيرَ الثوب المغسول به، لكن استصحاب نجاسة الثوب لا يحكم بعدم طهارة الماء، إذ ليس من آثاره ذلك.

و ذكروا في وجه تقدّم الاستصحاب السببيّ على المسببيّ وجوهاً.

و لكنّ الطريق المستقيم المتقن هو أن يقدّم الأصل السببيّ على المسبّبيّ بمقتضى صحيحي زرارة (1) الواردين في الطهارة الحدثيّة و الخبثيّة، فإنّ مقتضى استصحاب بقاء التكليف و استصحاب عدم الإتيان بالصلاة الواجدة للطهارة الحدثيّة أو الخبثيّة هو عدم الاكتفاء بالطهارة الاستصحابيّة للتعارض؛ و قد حكم في الحديثين بالطهارة لاستصحاب الطهارة، و مقتضى التمسّك بالتعليل أنّه ليس ذلك من باب التعبّد و أنّه مقتضى قاعدة البقاء على اليقين.

بل يدلّ على ما قلناه خبر عبد الله بن سنان المتقدّم‏ (2) أي قوله: «فإنّك أعرته إيّاه و هو طاهر و لم تستيقن أنّه نجّسه»، فإنّه لو لا تقدّم الأصل السببيّ على المسببيّ لكان مقتضى الأصل عدمَ صحّة الصلاة فيه و بقاءَ التكليف بالصلاة بعد ذلك، و من المعلوم أنّ المقصود معاملة الطهارة مع الثوب بالصلاة فيه.

____________

(1) المتقدّمين في ص 7 و 14.

(2) في ص 36.

196

بل و يدلّ عليه مكاتبة القاشانيّ المتقدّمة (1) من حيث حكمه (عليه السلام) بالإفطار للرؤية مع أنّ مقتضى استصحاب عدم وجوب الصوم الثابت في الليلة الأخيرة هو عدم وجوب الصوم و جواز الإفطار.

بل لو لا ذلك سقط الاستصحاب عن الاعتبار بالمعارضة في جميع الاستصحابات الموضوعيّة الّتي يراد بها ترتّب الأثر الّذي يكون مسبوقاً بالعدم، و في جميع القيود و الأجزاء الّتي يكون أصل المقيّد و المركّب مسبوقاً بالعدم، و هو تخصيص كثير مستهجن.

و من هنا يمكن التمسّك بباقي الأخبار المطلقة، فراجع و تأمّل.

و يظهر من ذلك عدم حجّيّة الأصل بالنسبة إلى ما يترتّب عليه عقلًا و ليس ترتّبه شرعيّاً، كعدم تحقّق الوضوء في مورد الصحيح الأوّل من جهة استصحاب عدم وقوع الصلاة مع الطهارة.

و يظهر أيضاً أمر ثالث، و هو أنّه ليس الملاك في التقدّم كونَ الأصل محرزاً للموضوع و كان مقتضى الأصل الثاني هو ثبوت الحكم، لدلالته على تقدّم أصل بقاء الوضوء على أصالة عدم الإتيان بالصلاة مع الوضوء؛ مع أنّ الثاني أيضاً موضوع لعدم حصول التكليف و بقائه.

فالثابت بالصحيحين امور- احفظها و اغتنم- الأوّل: تقدّم الأصل السببيّ على المسببيّ. الثاني: عدم حجّيّة الأصل المثبت. الثالث: كون المعيار في التقدّم رافعيّة الشكّ بحسب الأثر، لا كون أحدهما موضوعاً و الآخر حكماً.

إن قلت: لو كان الأصل السببيّ مقدّماً لكان مقتضى ذلك هو التمسّك باليقين بعدم النوم في مورد صحيح زرارة، فيترتّب عليه ثبوت الوضوء و يترتّب على ثبوته الطهارة من الحدث.

____________

(1) في ص 30.

197

قلت: الظاهر أنّه ليست الطهارة من الحدث إلّا حالة السبق بالوضوء و عدم الإتيان بالناقض، و ليس المراد من اليقين بالوضوء المفوّه به في الصحيح هو الغسلتان و المسحتان، لأنّه ليس فيها شكّ، بل المقصود كونه على حالة الوضوء الّتي ليست هي إلّا الخلوّ عن الأحداث بعد الإتيان بالفعل المشتمل على الغسلات و المسحات، فافهم و تأمّل.

و المستفاد من الصحيحين أيضاً أنّ الحكم بكون الرجل متطهّراً أو الثوب طاهراً كافٍ في ترتيب آثار الطهارة الّتي عمدتها الصلاة، و مقتضى ذلك تقدّم أصالة الطهارة أيضاً على استصحاب عدم الإتيان بالصلاة في الثوب الطاهر و على استصحاب بقاء التكليف، فيدلّ على تقدّم مطلق الأصل السببيّ على المسبّبيّ.

الثالث: أن يكون منشأ التعارض هو العلم بانتقاض الحالة السابقة و كان جريان الاستصحابين موجباً للوقوع في المخالفة العمليّة.

و الظاهر عدم الجريان، إمّا من باب التعارض، و إمّا من باب الإذن في المخالفة القطعيّة أو الاحتماليّة الفعليّة، و إمّا من باب عدم كون مقتضى جريان الأصلين إلقاء العلم بالتصرّف في المعلوم، فإنّ مقتضى الجريان عدم البأس في المخالفة من حيث اليقين السابق و الشكّ اللاحق، لا من حيث العلم الموجود في البين، و قد تقدّم تفصيل الكلام في ذلك في مسائل العلم الإجماليّ في المجلّد الثاني من الكتاب، فراجع و تأمّل.

الرابع: أن يعلم بانتقاض الحالة السابقة و لكن لا يلزم من جريان الأصلين مخالفة عمليّة للحكم الشرعيّ.

فالظاهر جريانهما كما في الإناءين المسبوقين بالعلم بالنجاسة مع طروّ العلم بتطهير أحدهما، إذ المانع المتصوّر امور كلّها مدفوعة:

منها: أنّ مقتضى ذيل الصحيح الأوّل لزرارة (1) «و إنّما تنقضه بيقين آخر» من‏

____________

(1) المتقدّم في ص 7.

198

حيث الإطلاق هو الحكم بنقض المتيقّن السابق، ففي المورد يحكم بنقض إحدى الحالتين فلا يمكن الحكم ببقاء كلتيهما.

و الجواب عنه بوجوه، و لعلّ أحسنها أن يقال: إنّ اليقين الناقض ليس مطلقَ اليقين حتّى لا ينافي الشكّ السابق فيكون نقضه لليقين السابق من باب التعبّد، بل إرشاد إلى ما هو الناقض، بل هو أيضاً معلوم و المقصود تأكيد تحديد موضوع الاستصحاب و أنّه عدم العلم، و حينئذٍ ليس اليقين الإجماليّ ناقضاً بالنسبة إلى كلّ واحد من الطرفين، فإنّهما طرفا اليقين و الترديد، ضرورة عدم تعلّق اليقين بالنقض بكلّ واحد من اليقينين السابقين.

هذا بالنسبة إلى الشيئين المتباينين في الخارج واضح، لأنّ كلّ واحد منهما بما أنّه متعلّق لليقين و الشكّ مورد لفرد من عموم «لا تنقض».

و أمّا الشي‏ء الواحد المعلوم نجاسته- مثلًا- و عروض التطهير إمّا على أسفله و إمّا على أعلاه فالاستصحاب بالنسبة إلى المجموع منتقض، و هذا لا ينافي الاستصحاب بالنسبة إلى كلّ بعض منه أي طرفيه الأسفل و الأعلى، فتأمّل.

و منها: أنّ العلم الوجدانيّ في المثال حاصل بالطهارة و عدم وجوب الاجتناب، فهو فعليّ فكيف يمكن اجتماعه مع الحكم الفعليّ الظاهريّ على خلافه.

و الجواب: أنّ عدم إمكان الاجتماع:

إن كان من باب عدم الموضوع للحكم الظاهريّ من جهة أنّ موضوعه الجهل بالحكم، ففيه: أنّ الموضوع للحكم الظاهريّ بالنسبة إلى المجموع ليس الشكّ في عروض الطهارة على المجموع، بل الحكم الظاهريّ للمجموع من باب حكمين ظاهريّين بالنسبة إلى كلّ فرد مشكوك.

و إن كان من جهة التضادّ بين الحكم الفعليّ الظاهريّ و الفعليّ الواقعيّ، فهو ممنوع، لأنّ الواقعيَّ من باب عدم اقتضاء الموضوع للنجاسة، و الظاهريَّ من باب أنّ عدم الانطباق يقتضي التجنّب عنه، لإمكان كونه هو الإناء غير الطاهر، فليس‏

199

مفاد الحكم الظاهريّ في كلّ واحد من الطرفين إلّا وجوب معاملة النجس معه من باب احتمال كونه هو النجس، فكما لا تنافي بين حكم العقل بالاجتناب في كلّ واحد من أطراف العلم الإجماليّ مع العلم بكونه غير واجب الاجتناب واقعاً في بعض الأطراف كذلك لا تنافي بينه و بين حكم الشارع بذلك.

إن قلت: مقتضى ذلك عدم التعارض بين الدليلين أو الأمارتين مع العلم بالخلاف إذا لم يكن موجباً للوقوع في المخالفة العمليّة.

قلت: التعارض فيهما من جهة دلالتهما على اللازم، و هو عدم الحكم الإلزاميّ في الطرف الآخر، و هو يعارض الطرف الآخر و يعارض لازمه.

لكن يمكن أن يقال: إنّه بعد سقوط الحجّيّة بالنسبة إلى اللازمين فلا مانع من حجّيّتهما بالنسبة إلى المدلول المطابقيّ، إذ التعارض بين اللازمين و التساقط تنجيزيّ غير معلّق على شي‏ء، بخلاف التعارض بين الملزومين، فإنّه معلّق على الحجّيّة بالنسبة إلى اللازمين، و إلّا فلا تعارض في البين؛ فنلتزم بذلك و إن لم يقل بذلك أحد في ما أعلم، و العمدة مساعدة الدليل.

و منها: أنّ جريان الأصلين يقتضي عدمَ وجوب موافقة الحكم الواقعيّ التزاماً.

و الجواب عنه: أنّه و إن كان الالتزام بالأحكام الأوّليّة واجباً بل هو عين الإسلام المقابل للكفر الجحوديّ المجامع مع اليقين بالحقّ و المقابل للنفاق المقرون بالشهادتين لكن لا يقتضي الأصلان عدمَ الالتزام بالحكم الواقعيّ، و لا الالتزامَ بأنّ الواقع هو مدلول الأصل، للزوم التشريع؛ فالأصلان لا يقتضيان إلّا العمل. و الالتزام بأنّ الحكم الظاهريّ في الطرفين في المثال هو النجاسة و إن كان واجباً- لأنّه جزء من حقيقة الإسلام الّذي هو التسليم و الانقياد- إلّا أنّه خارج عن مقتضى الأصلين، و على فرض الاقتضاء فلا يوجب إلّا رفع اليد عن إيجابهما لعدم لزوم الالتزام، لا رفعَ اليد عنهما في مقام العمل أيضاً، فافهم و تأمّل.

200

فصل في وجه تقدّم بعض القواعد الجارية في الموضوعات على الاستصحاب‏

و المتعارف ذكر قواعد خمسة: الاولى قاعدة التجاوز. الثانية قاعدة الفراغ.

الثالثة أصالة الصحّة. الرابعة قاعدة اليد. الخامسة قاعدة القرعة:

أمّا الاولى [و هي قاعدة التجاوز و الثانية و هي قاعدة الفراغ‏]

فنقول: إنّ الظاهر وحدتها مع الثانية، بمعنى أنّ قاعدة الفراغ تكون من مصاديق التجاوز، فإنّ التجاوز قد يكون بالدخول في الجزء الآخر أو في الفعل المترتّب على فعل آخر، كصلاة العصر المترتّبة على صلاة الظهر، و قد يكون بمضيّ الوقت المضروب للعمل، و قد يكون بالفراغ عنه، فإنّ ظرف اتّصاف العمل بالصحّة قد مضى.

فإن تحقّق تقدّم الاستصحاب على قاعدة الفراغ و فرض كون الثانية من أفراد الاولى فقد ثبت تقدّمه على الثانية أيضاً، و حينئذٍ نقول- و نستمدّ منه تعالى-: إنّ‏

ما قيل أو يمكن أن يقال في وجه [عدم‏] تقدّم الاستصحاب عليها: امور:

منها: لزوم اللغويّة إن فرض تقدّم الاستصحاب،

فإنّ الاستصحاب المخالف أو الموافق بالنسبة إلى الموضوع أو ترتّب الأثر موجود في جميع الموارد، فإنّه إمّا أنّ الجزء أو الشرط مسبوقٌ بالوجود أو بالعدم أو ليس لهما حالة سابقة معلومة.

201

و في جميع الموارد يجري الاستصحاب: أمّا في الأوّلين فواضح، و أمّا في الثالث فلاستصحاب عدم تحقّق الأثر المترقّب من العمل من سقوط التكليف أو غير ذلك.

و فيه: أنّه ليس المدّعى تقديم الاستصحاب و لو كان محكوماً للقاعدة، بل المقصود التعارض معه أو تقديمه في صورة كونهما في عرض واحد، فلا بدّ من إبطال ذلك، و هذا الوجه لا يكفي في إبطال ذلك كما لا يخفى.

و منها: لزوم تخصيص الأكثر إن فرض تقدّم الاستصحاب‏

و لو في مورد جريان القاعدة و مصبّها، فإنّ الأكثر وجود الحالة السابقة وجوداً أو عدماً، و الأكثر هو العدم.

و مقتضى ذلك إلقاء القاعدة في أكثر مواردها، و هو جيّد.

و منها: ورود القاعدة على الاستصحاب،

من جهة حصول اليقين بالحكم بالمضيّ بالنسبة إلى ما مضى، من باب أنّه ممّا مضى، فلا يكون نقض المتيقّن بذلك من قبيل نقض اليقين بالشكّ، بل باليقين، و لا عكس، لأنّ الظاهر من مفادها أمران: أحدهما:

أنّه ليس الحكم بالمضيّ حكم الشكّ بما هو شكّ، و هو واضح، و الاستصحاب مشترك معه في ذلك.

ثانيهما و بذلك تقدّم عليه-: أنّ مفادها الحكم بالمضيّ في ما مضى، و لذا لا يعتنى بالشكّ، و ليس المقصود عدمَ صلاحيّة الشكّ بما هو شكٌّ لما يحكم بمضيّه في ما مضى حتّى يكون في عرض الاستصحاب، فافهم فإنّه لا يخلو عن الدقّة.

و هو أيضاً لا يخلو عن وجه.

و منها- و هو أوضح من الكلّ-: ورود القاعدة في مورد وجود الاستصحاب على الخلاف،

كصحيح زرارة، قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل شكّ في الأذان و قد دخل في الإقامة؟ قال: «يمضي».

قلت: رجل شكّ في الأذان و الإقامة و قد كبّر؟ قال: «يمضي».

قلت: رجل شكّ في التكبير و قد قرأ؟ قال: «يمضي».

قلت: شكّ في القراءة و قد ركع؟ قال: «يمضي».

قلت: شكّ في الركوع و قد سجد؟ قال: «يمضي على صلاته».

202

ثمّ قال: «يا زرارة إذا خرجت من شي‏ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء» (1).

و صحيحه أيضاً عن أبي جعفر (عليه السلام)، و فيه:

«فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللَّه ممّا أوجب اللَّه عليك فيه وضوءه لا شي‏ء عليك فيه» (2).

فالتقدّم على الاستصحاب واضح.

هذا بالنسبة إلى الاولى و الثانية، و قد مرّ أنّها من أفراد الاولى على الظاهر. و تحقيق الكلام من تلك الجهة موكول إلى محلّه إن شاء اللَّه تعالى.

و أمّا الثالثة [و هي أصالة الصحة في عمل الغير]

فنقول بعونه تعالى: إنّ عمدة الوجه في حجّيّتها بناء العقلاء و سيرتهم الموجودة قبل الإسلام الممضاة عملًا في صدر التشريع، من جهة الجري عليها حتّى من النبيّ (صلى الله عليه و آله) و الأئمّة الخلفاء من بعده (عليهم السلام)، فإنّ من المقطوع أنّه لم يكن بناؤهم على مراقبة الغسل بأنفسهم و لا التكفين و غيرهما، و كان ديدنهم على التصرّف في ما يشتريه الوكيل و لو كانت جاريةً كما هو واضح، و ليس كلّ ذلك من باب الاطّلاع على الغيب بل كان على الجري العاديّ، فلو كان التكليف غير ذلك لنبّهوا عليه كما لا يخفى.

و على هذا فتقدّمها على الاستصحاب في مورد وجود السيرة المذكورة واضح، فإنّ السيرة الممضاة ناصّة في موردها غير قابلة لرفع اليد عنها، و ليست بحكم الأدلّة اللفظيّة القابلة للتخصيص.

مضافاً إلى ما يقال من عدم صلاحيّة الاستصحاب للردع، من باب أنّ استحكام استقرار السيرة يكون على حدّ يوجب الغفلة عن الاستصحاب و دليلِه في موردها، فلا بدّ في الردع من النصّ القويّ.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 5 ص 336 ح 1 من ب 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) وسائل الشيعة: ج 1 ص 330 ح 1 من ب 42 من أبواب الوضوء.