مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام‏ - ج3

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
373 /
203

لكن فيه: أنّ الغفلة المذكورة لعلّها حصلت بعد فرض حكم أهل الفتوى بالتقدّم.

و كونُها موجودةً في صدر التشريع الّذي كانوا في جميع الأفعال و الأقوال مراقبين للشرع الجديد الّذي كان يباين العادات و السير ممنوع، فتأمّل.

هذا كلّه، مضافاً إلى أنّ أصالة الصحّة حاكمة على استصحاب عدم تحقّق أثر المعاملة من الحلّيّة و النقل و الانتقال و غير ذلك من الآثار الموجودة في المقامات، و ذلك لأنّ مفادها حصول الأثر مستنداً إلى الموضوع، إذ مفاده صحّة الموضوع من العقد و الإيقاع و غيره، بخلاف مفاد الاستصحاب، فإنّ مفاده عدم حصول الأثر، لا اتّصاف العقد أو غيره بعدم الصحّة، فهي رافعة للشكّ بالنسبة إلى الاستصحاب و لا عكس. و الحكومة المذكورة مطّردة في كلّ أصلين كان أحدهما مشتملًا على مفاد الآخر نفياً أو إثباتاً مع زيادة شي‏ء و كان الآخر خالياً عنها، فافهم و تأمّل فإنّه نافع جدّاً.

و كذا تكون متقدّمةً على استصحاب عدم ت تحقّق العقد الصحيح مثلًا، فإنّه لا يثبت عدمَ صحّة العقد الموجود، فلا يرفع الشكّ عن موضوع أصالة الصحّة، بخلاف العكس، فإنّها تحكم بتحقّق العقد الصحيح، فإنّ العقد محرز بالوجدان، و الصحّة تكون مفاد أصالة الصحّة.

و كذا الكلام بالنسبة إلى استصحاب عدم حصول العقد العربيّ- مثلًا- إذا كان مفاد أصالة الصحّة إثباتَ مصداقها لا عنوانها، لعين ما تقدّم في سابقه.

نعم، إذا كان مفاد الاستصحاب عدمَ بعض شرائطه كالبلوغ و جواز التصرّف و طيب النفس فالظاهر تقدّم الاستصحاب عليها إن كان مفادها إثبات عنوان الصحّة، و إن كان مفادها إثباتَ مصداقها فيتعارضان، فيرجع إلى استصحاب عدم تحقّق الأثر أو عدم تحقّق العقد الصحيح، بل إلى الثاني، من جهة تقدّمه على الأوّل، و الأمر سهل في ذلك.

نعم، لو كان مفاد أصالة الصحّة كلا الأمرين- بأن تثبت المصداقَ و المفهومَ نظير

204

الاستصحاب الجاري في الموضوع و الحكم بالذات- فبعد التعارض يرجع إلى أصالة الصحّة من حيث العنوان.

هذا كلّه مع قطع النظر عن السيرة، و أمّا بحسبها فالأمر واضح كما تقدّم، و هو العالم المأمول في جميع العوالم.

و أمّا الرابعة- و هي قاعدة اليد-

فهي واضحة التقدّم، لأنها إن كانت من الأمارات فقد تقدّم وجهه، و إن كانت من الاصول فلو تقدّم الاستصحاب عليها لم يبق مورد لها إلّا نادراً، و هو ما إذا تعارض الاستصحابان لعدم الحالة السابقة، و هو أيضاً على فرض المحكوميّة و فرضِ تقدّم الاستصحاب، و أمّا على فرض كونهما في عرض واحد فالتعارض بينهما موجود دائماً. و من موارده صورة تعارض الاستصحابين، فإنّ استصحاب الملكيّة- مثلًا- و اليد يعارضان استصحابَ عدم الملكيّة، فتأمّل.

و لو فرض عدم إشكال في تخصيص الأكثر الّذي يكون ما يبقى تحت العامّ نادراً كالمعدوم في غير المقام فلا شبهة في عدم جوازه في المقام، لأنّ مقتضى التعليل الوارد في خبر حفص «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» (1) هو التقدّم، لأنّ التعليل كما يقتضي حجّيّة اليد يقتضي تقدّمها على الاستصحاب، لأنّه لو لا التقدّم لما قام للمسلمين سوق.

و أمّا الخامسة- و هي القرعة-

فلا شبهة في تقدّم الاستصحاب عليها.

و قد ذكر في الكفاية في وجه ذلك أمران:

أحدهما: أنّ دليل القرعة مع قطع النظر عن التخصيصات الواردة عليه أعمّ مطلقاً من دليل الاستصحاب، فيقدّم عليها.

ثانيهما: أنّ دليل الاستصحاب أقوى، لقلّة تخصيصه، بخلاف دليلها فإنّه موهون بكثرة التخصيص حتّى صار العمل به محتاجاً إلى الجبر بعمل المعظم، فيقدّم دليله‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 215 ح 2 من ب 25 من أبواب كيفيّة الحكم و أحكام الدعوى.

205

على دليلها و لو فرض عدم كون النسبة بينهما هي العموم المطلق‏ (1).

أقول: ما ذكره طاب ثراه في وجه وهن دليل القرعة موجب لإسقاط الوجهين عن الاعتبار و مرشد إلى وجه آخر لعلّه أصحّ من غيره:

أمّا وجه إسقاطه للوجهين فلأنّ الوهن الّذي يحصل بواسطة كثرة التخصيص لا يكون وهناً في الظهور مع بقاء الظهور بحاله، بل وجه ذلك أنّ كثرة التخصيص كاشفة عن عدم انعقاد الظهور له بنحو يكون عامّاً، فليس في البين عموم منعقد ظهوره فيه حتّى يخصّص بالاستصحاب كما هو مقتضى الوجه الأوّل، أو يقدّم عليه لأقوائيّته منه كما هو مقتضى الوجه الثاني.

و أمّا إرشاده إلى وجه آخر فهو أنّه يمكن أن يقال: إنّه بعد ما لا يمكن الأخذ بظهوره الأوّليّ فالأقرب إليه أن يكون الموضوع هو المشتبه من جميع الجهات حتّى من حيث الحكم الظاهريّ، كالمال الّذي ادّعى فيه شخصان أو الولد الّذي ادّعيا فيه و ليس لأحدهما دليل. و لا يبعد أن يكون الحكم العقليّ الثابت من جهة الانسداد و عدمِ أيّ حكم شرعيّ واقعيّ و ظاهريّ و ما ثبت عند عدم الحكم الظاهريّ كذلك أيضاً.

و ربما يؤيّد ذلك بأُمور يمكن أن يحصل منها للفقيه القطع بأنّ موضوعها ذلك.

فقد نقل صديقنا و استاذنا في العلوم العقليّة مدّ ظلّه في رسائله‏ (2) عن طرق العامّة أنّ في روايةٍ أنّها «لكلّ أمر مشكل».

و عن دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين و أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهم السلام): أنّهم أوجبوا الحكم بالقرعة في ما أشكل‏ (3).

و عن أبي عبد الله (عليه السلام): أنّها في الملتبس‏ (4).

و عن المستدرك عن عبد الرحيم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنّ عليّاً (عليه السلام)

____________

(1) كفاية الاصول: ص 493.

(2) الرسائل (للإمام الخمينيّ (قدس سره)): ج 1 ص 338.

(3) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 373 ح 1 من ب 11 من أبواب كيفيّة الحكم.

(4) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 374 ح 2 من ب 11 من أبواب كيفيّة الحكم.

206

كان إذا ورد عليه أمر لم يجئ فيه كتاب و لم تجرِ به سنّة رجم فيه- يعني ساهم- فأصاب. ثمّ قال: يا عبد الرحيم و تلك من المعضلات» (1).

و حينئذٍ فلا يبعد أن يقال: إنّ موضوعها «المشكل»، و هو لا يصدق إلّا مع عدم حكم شرعيّ واقعيّ و لا ظاهريّ و لا حكم عقليّ استقلاليّ غير معلّق على عدم جميع مراحل الحكم الشرعيّ حتّى ما جعل في فرض الإشكال و الإعضال.

إن قلت: هذا بناءً على مسلك المشهور في الاستصحاب من أنّه الحكم بالبقاء على اليقين السابق في ما لم يكن يقين متعلّق بنقيض اليقين السابق، و أمّا بناءً على مسلك صاحب الكفاية من «أنّ مفاده عدم جعل الشكّ بما هو شكٌّ ناقضاً، و لا بأس بنقض اليقين السابق بمطلق اليقين و لو كان هو اليقين بالحجّيّة، و كان مقتضاه نقض اليقين السابق عملًا» فحينئذٍ يصلح دليل القرعة للورود على دليل الاستصحاب، لأنّ القرعة ليست حكم الشكّ بما هو شكٌّ، بل العمل على إصابة القرعة لا لمحض الشكّ كما هو واضح. و حجّيّة القرعة أيضاً أمر يقينيّ لا تقبل الشكّ و الريب.

قلت: صِرف الحكم بعدم جعل الشكّ ناقضاً لليقين السابق عين الجعل الظاهريّ، لوضوح دلالته على الجعل إذا لم تكن قرعة في البين، و هو رافع لموضوع القرعة، فلا يقين بعد ذلك يقتضي النقض، فافهم و تأمّل.

هذا تمام الكلام في الاستصحاب.

و الحمد للَّه تعالى أوّلًا و آخراً و ظاهراً و باطناً، حمداً يليق بكرمه و لا يحيط به إلّا هو، فله الحمد و له الشكر، و له المنّ و له الفضل، و له الحول و له القوّة، و منه نستمدّ و به نستعين، و بأوليائه لا سيّما خليفة اللَّه في أرضه الحيّ المحيط بإذنه- عجّل اللَّه له الفرج و(عليه السلام) و الصلاة و على آبائه الطاهرين و رحمة اللَّه و بركاته- نستشفع عنده تبارك و تعالى بإذنه تعالى، و أنا العبد مرتضى بن عبد الكريم بن محمّد جعفر، و كان ذلك في 7 صفر من شهور 1392.

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 378 ح 14 من ب 11 من أبواب كيفيّة الحكم.

207

التعادل و التراجيح‏

208

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

209

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏ و به نستعين‏

مقدّمة [في موضوع البحث‏]

قد جعل في الكفاية موضوعَ البحث تعارضَ الأدلّة أو الدليلين و التنافيَ في مرحلة الإثبات بحيث يصير العرف متحيّراً، ففرّع عليه خروجَ الحاكم و المحكوم و ما فيه الجمع العرفيّ و الواردَ و المورودَ عن موضوع البحث‏ (1).

و فيه: أنّ مقتضى ذلك خروجُ المباحث المتعلّقة بالجموع العرفيّة (من مبحث ترجيح العموم على الإطلاق و عدمه، و دوران الأمر بين النسخ و التخصيص، و غير ذلك ممّا تعرّض له في الكتاب) عن موضوع المبحث و كونُ جميع ذلك استطراداً، و لا داعي إلى ذلك.

بل اللازم من ظاهر تعريفه للموضوع خروج المعارض العرفيّ الّذي ثبت له الترجيح بأدلّة العلاج عنه، لعدم التنافي في مقام الدلالة و الإثبات بعد فرض الترجيح، فلا يبقى من مسألة التعارض إلّا ما يبحث عنه بعد فرض التعارض و التكافؤ و عدمِ الترجيح، و هو قليل جدّاً كما لا يخفى.

و أمّا الشيخ المؤسّس (قدس سره) فقد جعل الموضوعَ مطلقَ تنافي مدلولي الدليلين أو

____________

(1) كفاية الاصول: ص 496 و ما بعدها.

210

مداليل الأدلّة (1)؛ و هو أقلّ إشكالًا من الأوّل إلّا أنّ لازمه خروج ما يبحث عنه من حيث إنّه من التعارض أم لا عن المباحث، و لا داعي إلى ذلك بعد تعلّق الغرض به، و ذلك كالبحث عن الجمع بين مثل «الغنم حلال» و «المغصوب حرام» و أنّه هل يكون دليلهما من المتباينين أم لا.

فالأولى عندي أن يجعل الموضوع للبحث مطلقَ ما يمكن فيه التعارض بمعنى تنافي المدلولين أو المداليل من حيث التنافي و عدمه، و ما فيه التعارض من حيث التعادل و ما يتعلّق به و من حيث التراجيح و ما يتعلّق بها. و اللَّه العالم.

إذا عرفت ذلك فمباحث هذا البحث تذكر في طيّ فصول أربعة:

الأوّل في ما يتوهّم فيه التنافي. الثاني في ما فيه التنافي و له الجمع العرفيّ. الثالث في ما فيه التنافي و ليس له الجمع العرفيّ من حيث الترجيح. الرابع في ما فيه التنافي و ليس له الجمع العرفيّ و يكون فاقداً للترجيح التعبّديّ أيضاً.

____________

(1) فرائد الاصول: ص 431.

211

الفصل الأوّل يذكر فيه امور:

الأمر الأوّل: أنّه يمكن أن يتوهّم التنافي بين الوارد و المورود،

من جهة عدم وضوح تقدّم الوارد عليه، من جهة توهّم الدور كما هو مقتضى الدور الّذي أورده في الكفاية لرادعيّة الآيات الناهية عن العمل بغير العلم‏ (1) بالنسبة إلى السيرة (2)، فإنّ تقريبه على النحو الكلّيّ أن يقال: إنّ تقدّم الوارد على المورود متوقّف على عدم تخصيصه به، و هو يتوقّف على تقديمه، إذ لو لا التقديم و رفع موضوع المورود كان مخصّصاً أو معارضاً، فتقديم الوارد يتوقّف على تقديمه، و هو دور.

و قد يقرّب الدور من جانب المورود، فيقال: إنّ تقديم المورود- بأن يكون مخصّصاً للوارد- يتوقّف على حجّيّته و اعتباره مع وجود الوارد، و هو يتوقّف على أن يكون مخصّصاً له، فتقديم الوارد دوريّ كما أنّ تقديم المورود أيضاً دوريّ.

و حلّ الإعضال أن يقال: إنّ عدم التخصيص في الدور الأوّل لا يتوقّف على تقدّمه، بل يكفي عدم صلاحيّته للتخصيص و أنّه لو تقدّم كان رافعاً للموضوع في ذلك، فالتقدّم يتوقّف على عدم التخصيص، و هو لا يتوقّف على التقدّم، بل يتوقّف‏

____________

(1) مثل آية 36 من سورة يونس و الإسراء.

(2) كفاية الاصول: ص 348.

212

على أنّه على فرض التقدّم كان رافعاً للموضوع و كان غيرَ مناف للمورود و لا مخلًّا بظهوره أصلًا كما لا يخفى؛ كما أنّ التخصيص في الدور الثاني لا يتوقّف على اعتباره مع فرض المورود، بل يتوقّف على عدم كون الوارد رافعاً للموضوع على تقدير التقدّم، و هو ليس بمحقّق، فلا تخصيص، لعدم العلّة، لا للزوم الدور، فإنّه لو صحّ الدور المذكور لجرى في جميع موارد التخصيص و كان جميع موارد التخصيص دوريّاً، فإنّ التخصيص لو توقّف على الحجّيّة الفعليّة و من المعلوم توقّف الحجّيّة الفعليّة على التخصيص فيكون التخصيص دوريّاً في جميع الموارد. و قد ذكر بعض الكلام في المجلّد الثاني من هذا الكتاب في مبحث السيرة المدّعاة على حجّيّة خبر الثقة، فراجع إن شئت وضوح المقصد.

الأمر الثاني: ربما يمكن أن يتوهّم التنافي بين مثل «الغنم حلال» و «المغصوب أو الموطوء حرام»،

و ذلك لما اشتهر من أنّ الأحكام الخمسة بأسرها متضادّة و أنّ المتعلّق للأحكام هو الوجودات الخارجيّة؛ لكن يجمع بينهما بحمل الأوّل على الذاتيّ و الثاني على الفعليّ.

و الحقّ أنّ كلّاً من الحكمين فعليّ، و لا تنافي بين المدلولين حتّى يجمع بينهما بالرجوع إلى المحاورات العرفيّة إن كانت الحلّيّة لا اقتضائيّة، و ذلك لعدم المنافاة أصلًا بين فعليّة الحرمة من حيث المغصوب و فعليّة عدم اقتضاء الغنم للحرمة و عدم كونه كالخنزير. هذا إذا كانت الحلّيّة بمعنى عدم الاقتضاء، و أمّا إذا كانت الحلّيّة اقتضائيّةً فسيأتي الكلام فيه إن شاء اللَّه في الأمر الثالث.

و الحاصل: أنّه يقال فعلًا من دون انتظار لحالة اخرى: إنّ الغنيمة لا تقتضي الحرمة، و غصبيّةَ هذا الموجود تقتضي الحرمة، و كلاهما فعليّ من دون أن يكون بينهما منافاة حتّى تصل النوبة إلى الجمع العرفيّ.

الأمر الثالث: إذا دلّ الدليل على تعلّق حكمين اقتضائيّين بعنوانين مختلفين قابلين للامتثال‏

213

لوجود المندوحة (كالأمر بالصلاة و النهي عن الغصب، و كالأمر بالنافلة و النهي عن الكون في مواضع التهم، و كالأمر بالصوم المندوب و الأمر بقضاء حاجة المؤمن حيث يستدعي إفطاره) فالظاهر عدم التنافي بين مدلولي الدليلين، حيث إنّ الظاهر من الحكمين تعلّقهما بنفس العنوان من دون التجافي إلى عنوان آخر، فالصلاة واجبة و انطباقها على الخارج بما هو صلاة لا بما هو غصبٌ، فلا يتعلّق الوجوب التخييريّ بالخارج بما هو غصبٌ مثلًا. و ليس البعث إلى العنوان بداعي الانبعاث الفعليّ، و ذلك للبعث إلى العصاة أيضاً، بل بداعي إمكان الانبعاث، و الإمكان في مورد الاتّحاد مع الحرام موجود، فلا مانع من البعث إليه بلحاظ الصلاة، لإمكان الانبعاث إليها على تقدير العصيان بالنسبة إلى الغصب. و من جهة وجود البعث حتّى في مورد الاجتماع بداعي إمكان الانبعاث يستكشف وجود الملاك، فيكون من قبيل المتزاحمين فيرجع إلى الملاك، و يأتي تفصيله إن شاء اللَّه تعالى.

و إن أبيت إلّا عن عدم إمكان حكمين في مورد الاجتماع فلا ريب أنّ مقتضى الإطلاق التقديريّ (و هو الأمر بالصلاة على تقدير عصيان الغصب و الأمرُ بها على تقدير عدم امتناع الاجتماع بينه و بين الحرمة، و كذا في طرف الحرمة) وجود الملاك، فإنّ الأمر الّذي لا مقيّد له إلّا الامتناع العقليّ لا بدّ و أن يكون واجداً للملاك.

و حيث انجرّ الكلام إلى مجمع العنوانين و حكم بكونه من المتزاحمين فالمناسب بيانُ التزاحمِ و الفرقِ بينه و بين التعارض و ذكرُ مرجّحات باب التزاحم، فيقع‏ الكلام في المقامين:

المقام الأوّل في بيان التزاحم و الفرقِ بينه و بين التعارض:

[بيان السيّد الخوئي‏]

قال الشيخ المقرّر الكاظميّ (قدس سره) تقريراً لبحث استاذه الميرزا النائينيّ (قدس سره) في ذلك ما خلاصته أنّ «التزاحم» هو الّذي لا يمكن اجتماع الحكمين في مورده في مرحلة الامتثال بعد تشريعهما و إنشائهما من دون أن يكون بينهما مزاحمة في عالم التشريع.

214

فالتزاحم إنّما يكون باعتبار تنافي الحكمين في مقام الامتثال إمّا لعدم القدرة على الجمع بينهما في مقام الامتثال كما هو الغالب، و إمّا لقيام الدليل من الخارج على عدم وجوب الجمع كما في بعض فروع زكاة المواشي، كما لو كان المكلّف مالكاً لخمس و عشرين من الإبل في ستّة أشهر ثمّ ملك نفراً آخر من الإبل و صارت ستّاً و عشرين، فمقتضى الدليل وجوب خمس شياه عند انقضاء حول الخمس و العشرين و وجوب بنت مخاض عند انقضاء حول الستّ و العشرين، و مقتضى دليل آخر أنّ المال لا يزكّى في عام واحد مرّتين.

و الحاصل: أنّ التزاحم قد يكون بواسطة قيام الدليل من الخارج؛ و الغالب أن يكون من باب عدم القدرة، و أقسامه خمسة:

فمنها: أن يكون لأجل اتّفاق اتّحاد متعلّق الحكمين في الوجود مع كون التركيب بين المتعلّقين انضماميّاً، و أمّا لو كان التركيب اتّحاديّاً فهو خارج عن باب التزاحم و داخل في باب التعارض؛ و على هذا يكون الأمر بالصلاة و النهي عن الغصب بعينه كالأمر بإكرام العالم و النهي عن إكرام الفاسق.

و منها: أن يكون من باب وقوع التلازم بين متعلّق الحكمين اتّفاقاً، كما إذا تعلّق النهي باستدبار الجدي في بعض الأوقات فيتّفق اجتماعه مع الأمر باستقبال القبلة عند الصلاة، و أمّا إذا كان دائميّاً كالنهي عن استدبار الجدي في جميع الأوقات فيقع التعارض و يندرج في ذلك.

و منها: أن يكون التزاحم لأجل وقوع أحد المتعلّقين مقدّمةً لوجود الآخر اتّفاقاً، كما لو توقّف إنقاذ الغريق في بعض الأوقات على التصرّف في المغصوب.

و منها: أن يكون لأجل وقوع المضادّة من باب الاتّفاق، كالأمر بالصلاة و إزالة النجاسة عن المسجد.

و منها: أن يكون أحد المتعلّقين مترتّباً في الوجود على الآخر و لا يمكن‏

215

للمكلّف الجمع بينهما (1). انتهى ملخّصاً.

[الإشكال في بيانه ره‏]

و في كلامه (قدس سره) مواقع للإيراد تظهر بذلك حقيقةُ التزاحم و الفرقُ بينه و بين التعارض:

الأوّل: ما اختاره في معنى التزاحم،

فإنّه ليس البحث عن معنى التزاحم لغةً، بل المقصود بيان ما لا يرجع فيه من حيث الترجيح أو التخيير إلى ما يتعلّق بمرحلة الإثبات و الظهور، و حينئذٍ لا يشترط فيه أن لا يكون بين المتزاحمين تنافٍ في مقام الجعل، فإنّ ما يرجع فيه إلى المرجّحات الملاكيّة هو ما أُحرز فيه الملاك التامّ للحكم الوافي به من غير مزاحمة لملاك آخر مع قطع النظر عن امتناع الاجتماع و لو فرض التنافي في مقام الجعل أيضاً.

ففي مثل «أكرم العالم» و «لا تكرم الفاسق» المفروض فيهما الاستغراق إن احرز بإجماع أو دليل متعرّض للملاك أنّ الإكرام في العالم تامّ للوجوب حتّى في مورد التصادق (بمعنى عدم قصوره في وفائه بالغرض من سائر أفراده الخارج عن مورد التصادق) فيكون من باب التزاحم، و لا ينافي كونه من مصاديق التعارض أيضاً، و ذلك لظهور كلّ منهما في الحكم الفعليّ، فإذا أُحرز الأهمّ- مثلًا- و قطع بذلك لا يكون المرجّح الظهوريّ حجّةً، و إن لم يحرز ذلك يرجع إلى المرجّح الظهوريّ كما هو واضح.

الثاني: أنّ ما ذكره من «خروج مثل صلّ و لا تغصب من باب التزاحم بناءً على الاتّحاد لا الانضمام و أنّه من مصاديق التعارض» غير واضح،

لعدم الفرق بينه و بين صورة التركيب الانضماميّ أو المضادّة الاتّفاقيّة كما في «صلّ» و «أزل النجاسة عن المسجد» أو الملازمة الاتّفاقيّة، فإنّه إن كان الحكم الحيثيّ المتقدّم توضيحه قابلًا للتصوّر ففي كلا المقامين و إن كان امتناع الجمع مانعاً عن ذلك فلا فرق بين الضدّين و النقيضين كما هو واضح أيضاً.

____________

(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 704- 709.

216

الثالث: لو كان مثل «أكرم العالم» و «لا تكرم الفاسق» من باب التعارض‏

الّذي لا يكون من باب التزاحم حتّى ينحصر أمر العلاج بالرجوع إلى ما يتعلّق بمقام الظهور و الإثبات فلا بدّ أن يكون مورد اجتماع الحرمة و الاستحباب كذلك، مثل «لا تغصب» و «اقض حاجة المؤمن»، مع أنّه لا شبهة عند العقلاء و المتشرّعة و الفقهاء بما هم كذلك في تقديم التحريم و عدم الرجوع إلى الأظهر شمولًا لمورد الاجتماع، و ليس ذلك إلّا من باب تقديم ما هو الأقوى ملاكاً، و لا ريب أنّ التحريم أقوى ملاكاً، و حينئذٍ لا يبقى لقوّة ظهور دليل الاستحباب في الفعليّ منه وقعٌ، للقطع بتقدّم التحريم و أقوائيّة ملاكه.

إن قلت: الإشكال مشترك، إذ بناءً على ما عرّف التزاحم به لا يمكن كشف الملاك في مورد «صلّ» و «لا تغصب»، فلا يكون من باب التزاحم، و لا يمكن أن يدّعى الظهور في الحكم الحيثيّ، إذ المفروض هو الاستغراق، ففي كلّ فرد يكون الحكم من حيث عنوان ذلك الفرد بداعي إمكان الانبعاث مع فرض العبد مطيعاً فهو أيضاً من باب التعارض و لا يحرز كونه من مصاديق التزاحم، كما أنّ الأمر في اجتماع الاستحباب و الحرمة كذلك أيضاً، فلا بدّ من دفع الإشكال من غير فرق بين المسلكين.

قلت: كلّا، فإنّه بناءً على مسلكنا لا بأس بكون مورد واحد مصداقاً للتعارض و التزاحم من جهتين، و المبحوث عنه كذلك، و أمّا كشف الملاك فهو بالإطلاق التقديريّ المتقدّم بيانه، و مقتضى ذلك براءة ذمّة المكلّف لو أكرم العالم الفاسق أيضاً و إن لم يكن متعلّقاً للأمر الفعليّ لقوّة ملاك الآخر.

إن قلت: إذا فرض أنّ مثل «اقض حاجة المؤمن» و «لا تغصب» يكون من موارد التعارض و التزاحم فلمَ لا يرجع إلى مرجّحات التعارض.

قلت: بعد العلم بأقوائيّة ملاك التحريم من ملاك الاستحباب لا يبقى لظهور دليل الاستحباب في الفعليّة وقعٌ، للعلم بعدم فعليّة مؤدّاه. و من ذلك يظهر الكلام‏

217

في مثل «أكرم العالم» و «لا تكرم الفاسق» و أنّه لو علم بأقوائيّة الملاك في أحد الحكمين فلا يرجع إلى ما يقتضيه الظهور، فإنّه لا معنى للرجوع إلى الدليل بعد وضوح مقام الثبوت و المدلول.

الرابع: جعل مسألة الزكاة من باب التزاحم مع أنّه لا فرق بينه و بين قيام الدليل من الخارج‏

على عدم وجوب صلاتين في يوم الجمعة الّذي صرّح في أوّل باب التعارض بأنّه من مصاديق التعارض، فإنّ التزاحم:

إن كان هو التنافي في مقام الامتثال من دون التنافي في مقام الجعل فهو لا ينطبق عليه، لوجود التنافي في مقام الجعل بعد قيام الدليل على عدم وجوب زكاتين في مال واحد في سنة واحدة.

و إن كان هو الّذي يكون الملاك فيه موجوداً و إن كان بينهما التنافي في مقام الجعل فلا ينطبق عليه أيضاً، لأنّه بعد قيام الدليل على عدم الوجوبين يعلم بعدم ملاكٍ كافٍ في الوجوبين، كالدليل الدالّ على وجوب الزكاة في مال التجارة و عدمه، فإنّه لا فرق بين التفصيل و الإجمال كما هو واضح.

فتحصّل ممّا ذكر امور:

منها: أنّ التزاحم هو التنافي بين الحكمين مع وجود الملاك التامّ لهما مع قطع النظر عن الابتلاء بالآخر، من غير فرق بين وجود التنافي في مقام الجعل أو عدم وجوده.

و منها: كشف الملاك في مثل «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق» و كونهما من المتعارضين و المتزاحمين.

و منها: صحّة الامتثال في الفرد الحرام في مثله.

و منها: أنّ تقديم الحرام على المستحبّ ليس من باب دعوى ظهور الدليل في الثاني في الحيثيّ دون الأوّل، إذ لا فرق بينهما، بل ذلك يكون من ناحية تقديم الأقوى ملاكاً كما هو واضح.

218

و منها: أنّ الحقّ أنّ مثل مسألة اجتماع الأمر و النهي ليس من باب التعارض، بل هو من باب التزاحم، فتقدّم المستوعب على غيره للجمع بين الغرضين.

المقام الثاني في مرجّحات المتزاحمين، فإنّه قد ذكر في ذلك امور:

منها: ما إذا كان أحدهما مضيّقاً و الآخر موسّعاً

كما في التقريرات‏ (1).

و الأولى أن يقال: ما إذا كان لأحدهما مندوحة دون الآخر حتّى يشمل المضيّقين، كما إذا كان قضاء حاجة المؤمن مضيّقاً و حرمة الغصب أيضاً كذلك لكن للأوّل طريق لا يتوقّف على الغصب؛ بل عدّ ذلك من باب التزاحم لا يخلو عن تسامح، لعدم التزاحم بعد إمكان الجمع بين الغرضين.

لكن حيث إنّه ليس الكلام في لغة التزاحم بل في مقام التفكيك بين ما يرجع فيه إلى الملاك في مقام التقديم و ما يرجع فيه إلى الظهور و غيره ممّا يتعلّق بمقام الدلالة لا بدّ من عدّه منه أيضاً؛ مع أنّه يصدق التزاحم من جهة ثبوت التخيير الشرعيّ أو العقليّ المجعول بالإطلاق من جانب الشرع، فالتزاحم بين اقتضاء أحدهما التخييرَ و الآخرِ خصوص الوقت المعيّن أو الفرد كذلك المزاحم له من حيث اقتضاء التخيير.

و منها: ما إذا كان أحدهما أهمّ بمقدارٍ لازمٍ مراعاته،

و هو ممّا لا إشكال فيه.

إنّما الإشكال في ما إذا كان أحدهما محتمل الأهمّيّة بالمقدار المذكور دون الآخر فهل يجب تقديمه أو يحكم بالتخيير؟

الّذي يصل إليه النظر أن يقال:

إنّه لو كان في البين إطلاق و لم يكن الحكم حيثيّاً كما في «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق» و قلنا بصحّة الترتّب فمقتضى الإطلاق هو تقديم محتمل الأهمّيّة، و ذلك لأنّ تقيّد الطرف الآخر بصورة ترك المحتمل معلوم، و أمّا المحتمل فلا شبهة في الاقتضاء عند ترك الآخر، و مقتضى الإطلاق ثبوته حتّى عند الإتيان بالآخر،

____________

(1) فوائد الاصول: ج 4 ص 709.

219

فيكون عاصياً بترك محتمل الأهمّيّة.

و أمّا لو كان الحكم حيثيّاً أو كان فعليّاً و لم نقل بصحّة الترتّب بل الأمر يدور بين التخيير و سقوط الأمر بالطرف الآخر فالأمر يدور بين حفظ إطلاق كلّ من الدليلين في فرض ترك الآخر و هو التخيير أو سقوط الإطلاق أساساً في الطرف الآخر و الأخذ به مطلقاً في محتمل الأهمّيّة، و لا ترجيح في البين، فلا بدّ من الرجوع إلى الأصل العقليّ، و الظاهر أنّه هو الاحتياط، من جهة العلم بوجود إرادة المولى على وجه التعيّن في جانب محتمل الأهمّيّة و كذا في الجانب الآخر، إلّا أنّ البعث لا يمكن توجّهه إلى كليهما؛ و حيث يثبت العلم بذلك فلا بدّ من القطع بالبراءة، فإنّه لو أتى بالمحتمل فقد قطع بالبراءة، بخلاف العكس. و هذا هو الملاك في وجوب الاحتياط في الشكّ في القدرة، لا صِرف العلم بالملاك، فإنّه صِرف ادّعاء بلا برهان، بخلاف العلم بالإرادة، فإنّ حقيقة الحكم هي الإرادة و الكراهة أي الّذي يوجب البعث نحو المطلوب. و قد تقدّم شطرٌ من الكلام في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب و شطرٌ منه في مباحث العلم الإجماليّ.

و منها: تقدّم أحدهما على الآخر، و هو قد يقع في المستقلّين و قد يقع في أجزاء المركّب كالصلاة و نحوها:

أمّا الأوّل فقد يقال بتقدّم المتقدّم في ما إذا كان الملاكان متساويين،

أو كان المقدّم هو الأهمّ؛ أمّا الثاني فهو واضح، و هو ليس من جهة التقدّم، بل من جهة أقوائيّة الملاك، و أمّا الأوّل فلأنّ الإتيان بالمتقدّم يوجب عجز المكلّف عن الإتيان بالمتأخّر، فيرتفع التكليف الثاني لا محالة، لأنّ القدرة المعتبرة في صحّة التكليف عقلًا هي القدرة حين العمل و في ظرف الواجب لا قبله، و هو غير قادر في ظرفه فيكون معذوراً، بخلاف الإتيان بالمتأخّر، فإنّه لا يوجب سلب القدرة بالنسبة إلى المتقدّم، فلا عذر له في تركه، و لذا لم يلتزم أحد للعاجز عن صوم جميع شهر رمضان لعجزه عن نصفه بجواز ترك الصيام في أوّل الشهر (1).

____________

(1) مباني الاستنباط (تقريراً لبحث آية اللَّه العظمى الخوئيّ (قدس سره)): ج 4 ص 413- 414.

220

و فيه: أنّ التكليف بالمتأخّر إذا لم يكن مشروطاً بالوقت الاستقباليّ و لا مشروطاً شرعاً بالقدرة لا يكون متوقّفاً على فرض القدرة حين الواجب، بل إذا كان قادراً على تحصيلها أو حفظها لحينه يجب، إذ لا يشترط في التكليف إلّا القدرة على العمل حينه و لو كانت هي بواسطة حفظها إلى حينه، كيف؟! و لو لا ذلك لم يؤخذ القاتل بالسمّ و لا بالرمي، لأنّه لم يصدر منه قتلٌ حين إيجاد السبب، و حين حصول القتل لم يكن المكلّف قادراً، و لا فرق بين فعل الحرام و ترك الواجب، و لو لا ذلك و كان التكليف مشروطاً بالقدرة حين العمل إن كانت و لا يقتضي حفظها له لما كان ذلك واجباً و لو كان المتأخّر هو الأهمّ، و هو لم يلتزم بذلك؛ مع أنّ نفس التعليل المذكور للتقدّم في المتساوي جارٍ فيه أيضاً. فالحقّ أنّه لا يقتضي التقدّم في الزمان أن يكون الواجب تقديمه، و اللَّه العالم.

و أمّا الثاني فيأتي الكلام فيه‏

إن شاء اللَّه بعد ذكر جميع المرجّحات.

و منها: ثبوت البدل الاضطراريّ لأحد الجانبين دون الجانب الآخر،

كما إذا دار الأمر في الماء المعيّن بين أن يصرفه في تطهير البدن و تيمّم للوضوء أو بالعكس، أو دار الأمر بين صرفه في تطهير مأكوله المتنجّس أو في الوضوء.

و الوجه في التقديم يمكن أن يكون اموراً:

الأوّل: أن يستفاد من الدليل الوارد في مقام الإثبات و الدلالة أنّ الاضطرار كما يكون موضوعاً للبدل يكون مقيّداً لموضوع المبدل بغير الصورة المذكورة، فقوله‏ «وَ لَمْ تَجِدُوا» كما يكون موضوعاً للتيمّم يكون مقيّداً لدليل الوضوء بنقيضه أي صورة وجدان الماء، فيكون كما إذا ورد الأمر بالوضوء من أوّل الأمر متوجّهاً إلى واجد الماء فيصير أحد الأمرين مقيّداً بالقدرة، فتكون القدرة شرطاً شرعيّاً لأحد الأمرين، فيندرج في ما يجي‏ء من ترجيح ما ليس مقيّداً شرعاً بالقدرة على المقيّد بها.

الثاني: أن يكون مقتضى إطلاق بعض أدلّة تنزيل البدل منزلة المبدل أنّه بمنزلته في جميع الآثار و اللوازم التشريعيّة و التكوينيّة الّتي منها الوفاء بالغرض التامّ الكامل.

221

الثالث: أن يكون مقتضى دليل البدل أنّه بمنزلة المبدل حتّى في وجوب تقدّم الفرد غير المزاحم على المزاحم، فلو فرض أنّه واجد لماءين أحدهما يصلح للوضوء و لواجب آخر- لأنّه ملكه- و ثانيهما لا يصلح إلّا للوضوء (من باب أنّه من المياه الموقوفة للوضوء فقط) فكما يجب اختيار الأخير للوضوء و صَرف الأوّل في الواجب الآخر كذلك لو كان بدل الماء الموقوف تراباً يصلح للتيمّم به فهو بمنزلة الماء.

و يدلّ على ذلك إطلاق صحيح حمّاد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «هو بمنزلة الماء» (1) و صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «فإنّ التيمّم أحد الطهورين» (2).

و الكلّ لا يخلو عن النظر:

أمّا الأوّل‏ فلأنّ المستفاد من الآية الشريفة أنّ موضوع التيمّم عدم الوجدان، لا أنّ موضوع الوضوء حتّى بالنسبة إلى الحكم الشرعيّ الواقعيّ المتحقّق بنفسه و لو لم يكن له بعثٌ من جهة قبح التكليف بغير المقدور يكون مقيّداً بالوجدان، فمقتضى إطلاق المادّة أو الإطلاق التقديريّ المتقدّم ذكره خصوصاً بالنسبة إلى سائر إطلاقات باب الوضوء هو وجود الإرادة اللبّيّة بالنسبة إلى الوضوء حتّى في صورة فقدان الماء.

و أمّا الثاني‏ فلأنّ المنساق من الأدلّة الواردة في بيان الأحكام هو النظر إلى عمل المكلّف و لا يكون المتكلّم في مقام الجهات و المزايا الواقعيّة غير المربوطة بعمله من الملاكات و الأغراض، فإنّ ملاحظة تلك الجهات راجعة إلى من بيده التكليف و أجنبيّة عن مورد ابتلاء المكلّف؛ إلّا أن يكون ذلك بملاك ما يترتّب عليه من العمل، و هو لا يخلو عن بُعد في المقام، فتأمّل.

و أمّا الثالث‏ فلا يبعد في باب الوضوء لكن لا يكون دليلًا عامّاً بالنسبة إلى جميع موارد البدل. و بذلك يورد أيضاً على الوجهين المتقدّمين.

نعم، هنا وجه رابع لعلّه يكون نافعاً في أكثر الموارد، و هو أنّه إذا كان‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 2 ص 990 ح 3 من ب 20 من أبواب التيمّم.

(2) وسائل الشيعة: ج 2 ص 991 ح 1 من ب 21 من أبواب التيمّم.

222

الواجبان متساويين احتمالًا و محتملًا في جميع الجهات فيحتمل أقوائيّة ملاك كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر و يحتمل أقوائيّة استيفاء مقدار من الملاك في كلّ منهما من الآخر، فيكون حينئذٍ بحكم المتساويين من جميع الجهات، إذ لا فرق عقلًا بين القطع بالتساوي و بين أن كان الاحتمال المنقدح في أحدهما مقابلًا بالاحتمال المنقدح في الآخر، فإذا كان الواجبان كذلك من جميع الجهات فلا ريب أنّ كون أحدهما واجداً للبدل (الّذي يمكن أن يكون وافياً بجميع الغرض أو ببعضه أو وافياً بغرض آخر في فرض الاضطرار موجب لاحتمال ترجيح بالنسبة إلى غير ماله البدل) موجب لتقديمه عقلًا بملاك ما تقدّم من وجود الإرادة اللبّيّة التعيّنيّة فيه، لكن لا بدّ من تقديم غير ماله البدل حتّى يتحقّق موضوع البدل كما نشير إليه إن شاء اللَّه تعالى بعد ذلك أيضاً.

و منها: تقييد أحدهما بالاستطاعة العقليّة و الشرعيّة، فيكون الآخر رافعاً لموضوعه‏

من باب عدم الاستطاعة الشرعيّة، كما يقال ذلك في الحجّ و إن لم يكن خالياً عن الإشكال.

إن قلت: كونه رافعاً لموضوعه يتوقّف على الفعليّة و هي تتوقّف على التقدّم، فكيف يتوقّف التقدّم عليه! فهل هذا إلّا الدور؟!.

قلت: و إن كان رافعيّته للموضوع تتوقّف على التقدّم، لكنّ التقدّم لا يتوقّف على كونه رافعاً للموضوع، بل يكفي في ذلك رافعيّته له على فرض التقدّم، فإنّه لو لم يكن بينهما تنافٍ على فرض التقدّم يكون مقدّماً.

و منها: تقييد أحدهما بالقدرة شرعاً،

فإنّ الإتيان بأحدهما موجب لسلب القدرة بالنسبة إلى الآخر و الخروجِ من التزاحم من دون تفويت غرض المولى، فإنّه قد أتى بأحدهما و ارتفع موضوع الآخر، فإنّ ذلك كالجمع بين الغرضين.

و من ذلك يظهر أنّه لو كان أحدهما مشروطاً بشرط غير القدرة- كالحضر-

223

و يمكن تبديل الموضوع بحيث لا يقع التزاحم يتعيّن ذلك، للتجنّب عن الوقوع في ما يكرهه المولى. نعم، لو كان حدوث واجديّة القدرة أو الشرط كافياً في توجّه التكليف يقع التزاحم كما هو واضح. هذا تمام الكلام في المرجّحات المذكورة للمتزاحمين.

بقي الكلام في صورة الاضطرار بالإخلال ببعض ما هو دخيل في المركّب و دار الأمر بين الإخلال بجزء بالخصوص و الإتيان بالآخر بالخصوص أو العكس.

و خلاصة الكلام في المقام أنّه:

لو لم يكن دليل يقتضي ثبوت المركّب في تلك الحالة فمقتضى القاعدة سقوط التكليف بالمركّب رأساً، و لا يدور الأمر بين الإتيان ببعض الأجزاء بالخصوص و ترك بعضها كذلك أو بالعكس.

و أمّا إذا ورد الدليل على عدم سقوط الأمر بالمركّب رأساً مثل دليل «الميسور ...» و أنّ «الصلاة لا تسقط بحال» و أنّه «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللَّه» الوارد في خبر عبد الأعلى مولى آل سام‏ (1) فلا يخلو عن ثلاث صور:

فتارةً يكون مقتضى الدليل الثاني تعيّن أحد الطرفين كما لا يبعد دعوى تقدّم المتقدّم بحسب قاعدة الميسور؛ فلو دار الأمر بين ترك القيام في الركعة الاولى أو الثانية فمقتضى قاعدة أنّ «الميسور لا يسقط بالمعسور» لزوم مراعاة القيام في الاولى، لأنّه ميسور؛ و بذلك يصير القيام في الثانية معسوراً و لا عكس، إذ لا يمكن عروض عنوان المعسور على الاولى أصلًا و لو بالبناء على الإتيان بالقيام في الثانية، لأنّه لا يصير بصِرف ذلك معسوراً، فالقيام في الركعة الاولى ميسور دائماً، بخلافه في الثانية، فإنّه ميسور لو ترك القيام في الاولى و كان ميسوراً، و هو باطل في هذا الحال، لترك الميسور من الجزء، و هو لا يسقط بالمعسور، ففي مثل ذلك يكون الأمر واضحاً.

و اخرى يكون مقتضاه التخيير، كما لا يبعد كونه مقتضى قاعدة الميسور في‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 327 ح 5 من ب 39 من أبواب الوضوء.

224

مثل دوران الأمر بين الصلاة عارياً أو مع الثوب المتنجّس، فإنّ مراعاة كلا الأمرين معسور فهو ساقط، و لا ترجيح ثبوتاً لأحد الأمرين على الآخر، و مفروض القاعدة أنّ السقوط ليس لجهة اخرى غير صدق المعسور، و صدقه في علم اللَّه ليس إلّا بمراعاة أحد الأمرين من دون خصوصيّة واقعيّة، و مقتضى ذلك التخيير.

و ثالثةً يكون الدليل الثاني مهملًا من حيث اقتضاء التعيين و التخيير، كأن يكون عدم بطلان الصلاة في فرض الاضطرار إلى الإخلال بأحد الامور الدخيلة فيها ممّا قامت الضرورة و الإجماع عليه من دون أن يكون له لسان يقتضي التخيير أو التعيين، و المفروض أنّ دليل المركّب لا يقتضي الإتيان به أصلًا فكيف بأن يكون مقتضاه خصوص أحد الأمرين أو التخيير؟ فالأمر يدور بين كون المصلحة في الأمرين مع التساوي أو المصلحة في التخيير أو المصلحة في خصوص أحدهما دون الآخر أو المصلحة في الأمرين مع ترجيح أحد الجانبين، فالأمر يدور بين التزاحم و عدمه من دون أن يكون تعارض في البين.

فحينئذٍ فإن كان في البين أصل يقتضي أحد الجانبين كما في مثال الثوب المتنجّس فإنّه لو فرض تنجّسه بعد طروّ الاضطرار فمقتضى الاستصحاب جواز الصلاة فيه و عدم جواز الصلاة عارياً؛ و أمّا إذا لم يكن كذلك كما إذا كان متنجّساً قبل طروّ الاضطرار في المثال أو لم يكن لنجاسته حالة سابقة معيّنة لتوارد الحالتين من غير علم بالسبق و اللحوق فمقتضى القاعدة هو الاحتياط بالتكرار؛ و أمّا إذا لم يمكن التكرار أو علم بالضرورة عدم وجوبه فالتخيير إن لم يكن مرجّح في أحدهما و لو من حيث احتمال وجود الملاك في كلّ منهما و أهمّيّة أحدهما بالخصوص بالنسبة إلى الآخر.

و مما ذكر يظهر الخلط و الانحراف في كلام مقرّر بحث العلّامة المعاصر الخوئيّ مدّ ظلّه‏ (1)، فراجع إن شئت حتّى تعرف ذلك.

____________

(1) راجع مباني الاستنباط (تقريراً لأبحاث آية اللَّه العظمى الخوئيّ (قدس سره)): ج 4 ص 420 و ما بعدها.

225

الفصل الثاني في ذكر ما فيه التنافي بحسب الظاهر و النظر البدويّ‏

لكن لا يكون ممّا يتحيّر فيه العرف، بل يكون أحد الدليلين قرينةً على التصرّف في الآخر، و هو امور:

الأمر الأوّل: ما إذا كان أحد الدليلين حاكماً على الآخر.

قال الشيخ المؤسّس لأساس اصطلاح الحكومة (قدس سره):

و ضابط الحكومة

أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظيّ متعرّضاً لحال الدليل الآخر و رافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه، فيكون مبيّناً لمقدار مدلوله مسوقاً لبيان حاله متعرّضاً عليه، نظير الدليل على أنّه لا حكم للشكّ في النافلة (1) أو مع كثرة الشكّ‏ (2) أو مع حفظ الإمام أو المأموم‏ (3) أو بعد الفراغ من العمل‏ (4)، فإنّه حاكم على الأدلّة المتكفّلة لأحكام المشكوك، فلو فرض أنّه لم يرد من الشارع حكم المشكوك لا عموماً و لا خصوصاً لم يكن مورد للأدلّة النافية

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 5 ص 331 ح 1 من ب 18 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(2) وسائل الشيعة: ج 5 ص 329، الباب 16 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(3) وسائل الشيعة: ج 5 ص 338، الباب 24 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

(4) وسائل الشيعة: ج 5 ص 342، الباب 27 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة.

226

لحكم الشكّ في هذه الصور. و الفرق بينه و بين المخصّص أنّ كون التخصيص بياناً للعامّ بحكم العقل الحاكم بعدم جواز إرادة العموم مع العمل بالخاصّ، و هذا بيان بلفظه للمراد و مفسّر للمراد من العامّ، فهو تخصيص في المعنى بعبارة التفسير (1).

انتهى كلامه (رحمه الله) تعالى.

أقول: الظاهر أنّ ما ذكره هو الحقّ الحقيق بالتصديق و إن أورد عليه غير واحد ممّن تأخّر عنه، و لأجل ذلك نُتمّ كلامه الشريف بأُمور يتّضح المطلوب و يرتفع بها ما توهّم فيه من الخلل:

منها: أنّه ليس المراد من «المدلول اللفظيّ» هو خصوص المطابقيّ أو التضمّنيّ، بل المقصود هو الأعمّ منهما و من غيره ممّا يكون الجامع أنّه مقصود في مقام الاستعمال بحيث يدرك العرف في مقام المحاورة أنّه بصدد بيان الدليل الآخر؛ و هذا بخلاف المخصّص الخالي عن النظر إلى العامّ، فإنّه لا يفهم من قوله: «لا تكرم الفسّاق» أو «الفسّاق من العلماء» أنّه قد ورد أو جُعل حكمٌ بالنسبة إلى مطلق العلماء.

و منها: أنّه ليس المراد من قوله: «متعرّضاً لحال الدليل الآخر» أن يكون الحاكم متعرّضاً لخصوص مدلول الدليل حتّى يقال: إنّه ليس قوله «لا شكّ في النافلة و لكثير الشكّ» كذلك مع أنّه من أظهر مصاديق الحكومة، بل المراد أعمّ منه و من كون الحاكم ناظراً إليه و إلى ذات المدلول، بمعنى أن يكون نظره إلى الدليل متيقّناً لا مختصّاً بذلك، فإنّه لا يشكّ العرف في أنّ قوله «لا شكّ لكثير الشكّ» ليس ناظراً إلى خصوص الحكم الواقعيّ المجعول للشاكّ بشرط أن لا يكون مدلولًا للدليل و لا يحتمل ذلك بحيث لا يمكن تخصيصه بذلك، بل النظر إلى حال الدليل متيقّن منه، فإنّ إلقاء ذلك بداعي عدم وقوع المكلّف في التحيّر إذا عثر على دليل الشكّ؛ و إن كان المقصود خصوص بيان رفع حكم الشكّ الّذي لا يكون مدلولًا لدليل كان ذلك بحكم اللغو، إذ مع عدم‏

____________

(1) فرائد الاصول: ص 432.

227

العثور على الدليل لا يكون لدى المكلّف للشكّ حكمٌ حتّى يحتاج إلى ما تقدّم من رفع الحكم لكثير الشكّ.

و الحاصل: أنّ النظر إلى الدليل بما هو دليل ممّا لا بدّ منه في الحاكم إلّا أنّه لا يشترط أن يكون مفاد الحاكم مختصّاً بذلك كما لا يخفى. و بذلك يندفع إيراد عدم صدق الحكومة على كثير من الموارد.

و منها: أنّه قد يكون الحاكم متعرّضاً لشرح المراد الاستعماليّ، كالوارد في بيان حديث «اختلاف امّتي رحمة» (1) أو الوارد في بيان «عورة المؤمن على المؤمن حرام» (2)، و قد يكون متعرّضاً لشرح المراد الجدّيّ، كالأمثلة المتقدّمة في المحكيّ عن الرسائل، و كلاهما يكونان من مصاديق الحكومة.

و منها: أنّه ليس مقتضى تفرّع الحاكم على المحكوم تقدّم المحكوم بحسب الجعل ثبوتاً أو إثباتاً، فيمكن أن يكون في مقام بيان ما يراد بعد ذلك في الأحكام المجعولة، فإنّ مثل «لا ضرر و لا ضرار» (3) حاكم على جميع الأحكام و لو كان جعلها بعد ذلك، فالتفرّع لا يقتضي إلّا فرض الوجود و لو في المستقبل.

إذا عرفت ذلك فنقول:

الوجه في تقدّم الحاكم على المحكوم امور:

منها: كونه نصّاً في الحكومة

و كونه في مقام بيان ما اريد من المحكوم و إن كان ظاهراً في المعنى الّذي يراد إلقاؤه.

و منها: أنّه مع فرض وجود دليل المحكوم و تنافيه معه يقتضي التقدّم،

فهو يقتضي في فرض تعارض الحجّتين فلا يكون في عرض الحجّتين، فهو نظير الأخبار العلاجيّة.

و منها: أنّ أصالة دلالةِ اللفظ على المراد الاستعماليّ‏

و تطابق الإرادة الاستعماليّة

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 101 ح 10 من ب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 8 ص 608 و 609 ح 1 و 3 من ب 157 من أبواب أحكام العشرة.

(3) وسائل الشيعة: ج 17 ص 340، الباب 12 من أبواب إحياء الموات.

228

للجدّيّة هي في فرض الشكّ في المراد، و بعد قيام الحجّة بالنسبة إلى نفس المراد لا يُجري العقلاء أصالةَ الظهور و أصالةَ التطابق للمراد الجدّيّ، فافهم و تأمّل.

ثمّ إنّه قال (قدس سره) في المقالات: ما ملخّصه أنّ إجمال الحاكم يسري إلى المحكوم، و هذا بخلاف المخصّص‏ (1).

و الحقّ هو التفصيل بين كون الحاكم في مقام تفسير المراد الاستعماليّ فيسري ذلك إليه، لأنّ مفاد الحاكم أنّ المقصود الاستعماليّ للمحكوم هو ذاك المفهوم المجمل، و مع فرض الإجمال في المفهوم لا يبقى ظهور يدلّ على المفهوم المبيّن، للعلم بعدم استعمال اللفظ في مفهومين، و بين أن يكون مفاده تفسير المراد الجدّيّ، فإنّه لا يقتضي إلّا إجمال المراد الجدّيّ، و هو لا ينافي حجّيّة الظهور و رفع الإجمال، فإنّ الإجمال في المراد الجدّيّ حاصل في المخصّص أيضاً، و الرافع للإجمال هو الظهور الحجّة بالنسبة إلى ما أجمل فيه المخصّص أو الحاكم؛ و لعلّه واضح.

الأمر الثاني: قد قيل كما في الكفاية: إنّ من موارد الجمع العرفيّ هو الأخذ بالعنوان الثانويّ حين تعارضه للعنوان الأوّليّ‏ (2).

و الحقّ أنّه من قبيل الخلط بين المفهوم و المصداق، لأنّه يرى تقدّمَ مثل دليل نفى الضرر و الحرج على الأحكام الأوّليّة و تقدّمَ دليل النذر و العهد و اليمين و الشرط في مواردها بالنسبة إلى العناوين الأوّليّة، لكن ليس ذلك لأجل العنوان الثانويّ و الأوّليّ، بل من جهة الحكومة أو اجتماع الحكم اللااقتضائيّ للاقتضائيّ أو ظهور الحكم في العنوان الأوّليّ في كونه حيثيّاً أو كون الحكم المتعلّق بالعنوان الثانويّ مخصّصاً بالنسبة إلى مجموع العناوين الأوّليّة كما أنّ «لا ضرر» كذلك، فإنّه و لو لم يكن حاكماً لا إشكال في كونه مخصّصاً، لأنّه بالنسبة إلى مجموع الأحكام يكون من قبيل المخصّص و إن كان بالنسبة إلى كلّ حكم تكون النسبة هي العموم من وجه.

____________

(1) مقالات الاصول: ج 2 ص 457.

(2) كفاية الاصول: ص 496.

229

و أمّا لو فرضنا التجرّد عن ذلك كما لو فرض إطلاق في دليل الحلف يشمل الحلف على المحرّم فحلف على أكل لحم الخنزير فلا يرى أحد أن يحكم بالتقدّم لأجل كون حرمة لحم الخنزير من العناوين الأوّليّة و وجوب الوفاء بالحلف من العناوين الثانويّة؛ و لعلّه أيضاً واضح. و اللَّه العالم.

الأمر الثالث: إذا كان أحد الدليلين نصّاً و الآخر ظاهراً أو كان أحدهما أظهر و الآخر ظاهراً

(بحيث لو وقعا في كلام واحد كان قرينةً على التصرّف في الظاهر دون العكس و من دون طروّ الإجمال) يقدّم النصّ أو الأظهر عليه، فيتصرّف فيه بقرينتهما.

و هذا ممّا لا شبهة فيه عرفاً، و سيجي‏ء في التعرّض للأخبار الواردة في المتعارضين ما يؤيّد ذلك بحسب الشرع، فهو ممّا لا شبهة فيه في الجملة.

و الإشكال إنّما هو في موارد نذكرها

بعونه تعالى:

منها: أنّه قد يتوهّم أنّ الدليل المشتمل على التقييد و التخصيص مقدّم على العامّ و المطلق‏

و إن لم يكن نصّاً في ذلك و لا أظهر منهما بل كان أضعف ظهوراً من المطلق و العامّ، و ذلك لصلاحيّة التقييد و التخصيص لأن يكونا قرينةً على المطلق و العامّ من دون العكس.

و هو كما ترى، إذ يمتنع أن يكون التقدّم عند العرف جزافاً فيقدّم الأضعف على الأقوى من دون جهة تقتضي ذلك.

و ما اشير إليه من الدليل من «صلاحيّتهما للقرينيّة من دون العكس» مدفوعٌ بأنّ صلاحيّتهما للقرينيّة من باب الصراحة في الحكومة على ذي القرينة أو من باب كونهما في دلالتهما على الحكومة و النظر و صرف الظهور في ما يقتضيه أظهر، و إلّا لو فُرض وقوع المطلق و المقيّد في كلام واحد من دون نظر المقيّد إلى المطلق و فُرض كون ظهوره في التقييد ضعيفاً بالنسبة إلى ظهور المطلق لا يتصرّف في المطلق بقرينيّته؛

230

ففي المثال المشهور أي قولهم «رأيت أسداً يرمي» يكون لقوله «يرمي» ظهوران:

أحدهما كون المقصود هو رمي السهم، و الثاني كونه وارداً في مقام بيان شرح حال الأسد و بيانِ المراد من اللفظ المذكور، فضعف الظهور الأوّل لا يستلزم الضعف في الظهور الثاني، فالتقدّم بملاك أظهريّته في الحكومة و كونِه تفسيراً، لا في ما يستفاد منه، فإنّه يمكن كونه أضعف من ذي القرينة في ذلك. و الظاهر أنّ الخلط بين الأمرين أوقع بعضَ المشايخ (قدّس اللَّه أسرارهم) في الوهم المذكور مع أنّ كون التقدّم بلحاظ قوّة الظهور واضح جدّاً. و هو وليّ الإلهام و التوفيق.

و منها: أنّه يمكن أن يناقش في تقدّم الأظهر على الظاهر بل النصّ عليه في ما إذا كان سند الأظهر أو النصّ ظنّيّاً

و سند الظاهر قطعيّاً، من جهة أنّه لو كان الأمر دائراً بين التصرّف في النصّ أو الأظهر بقرينة الظاهر أو العكس كان العكس هو المتعيّن، لكن في مورد المناقشة يكون الأمر دائراً بين الأخذ بحجّيّة الظاهر و إلقاء حجّيّة السند في الأقوى أو العكس، و لا دليل على أولويّة الثاني، لأنّ سند الأقوى و دلالة الأضعف ظهوراً ظنّيّان كما أنّ سند الأضعف ظهوراً و دلالة الأقوى قطعيّان أو ملحق بذلك للأقوائيّة؛ فهما متعادلان و لا وجه لترجيح أحد المتعادلين على الآخر، فإنّ الأخذ بمزيّة خاصّة في أحد الدليلين و إلقاء المزيّة الخاصّة بالدليل الآخر ترجيح لإحدى المزيّتين على الاخرى بلا مرجّح.

و يمكن الجواب عن ذلك بأنّه حيث يكون التصرّف في الظاهر بقرينة النصّ أو الأظهر أمراً متداولًا بين العقلاء في محاوراتهم و أسنادهم من الأقارير و الوصايا و غير ذلك، فحجّيّة الظهور متوقّفة على عدم وجود حجّة اخرى أقوى دليلًا أو متوقّفة على عدم وجود كلام آخر واقعاً أقوى منه ظهوراً، و هذا بخلاف السند الّذي هو قول الموثّق المتحرّز عن الكذب، فإنّ حجّيّته لا تتوقّف على عدم وجود ظاهر على خلافه، كيف و تخصيص القطعيّات من الكتاب و السنّة بالأخبار المعتبرة الواردة في‏

231

الأبواب المختلفة أكثر من أن تحصى؟! و لا ريب أنّ بناء العقلاء على إلقاء الظاهر المقصود خلافه، المبيّن في المخصّصات و المقيّدات لا سيّما في القوانين المدوّنة العرفيّة من غير أن يكون ذلك قبيحاً و يعدّ خيانةً؛ بخلاف الكذب في القول، فإنّه ليس ممّا يبتني عليه بناؤهم، و يعدّ ذلك من القبائح خصوصاً من الثقات و العدول، و الاشتباه في النقل في المحسوسات محكوم بالعدم عندهم؛ و ما ذكرناه صار موجباً لأن يكون حجّيّة الظاهر معلّقةً، بخلاف حجّيّة السند فإنّها تنجيزيّة. و هذا واضح لمن تدبّر.

و بعد ذلك فنقول بعونه تعالى: إن كان حجّيّة الظاهر معلّقةً على عدم وجود حجّة اخرى أقوى دلالةً فيكون النصّ أو الأظهر من حيث دليل الحجّيّة وارداً على دليل حجّيّة الظاهر الّذي هو بناء العقلاء، و أمّا إذا كانت معلّقةً على عدم وجود المخالفة من الأقوى واقعاً فدليل حجّيّة السند إن كان شرعيّاً يكون حاكماً على دليل حجّيّة الظاهر، و مقتضاه عدم الإمضاء الشرعيّ في المورد أو عدم الحجّيّة الفعليّة و لو مع وجود الحجّيّة الواقعيّة. نعم، لو كان دليل حجّيّة السند منحصراً ببناء العقلاء فتصوير الحكومة كما نبّه عليه الوالد الاستاذ (قدس سره)(1) مُورداً على العلّامة الأنصاريّ (قدس سره) مشكل جدّاً، إلّا أن يتصوّر بالبناء على عدم الحجّيّة الفعليّة ظاهراً مع احتمال وجود ملاك الحجّيّة.

و كيف كان، تقدّم السند على الظهور عندهم لعلّه واضح. و الّذي يوضحه أنّ طرح الظاهر ليس مساوقاً لطرح الدليل رأساً؛ بخلاف طرح السند، فإنّه عين طرح الدليل رأساً، و لا ريب أنّ ذلك أيضاً مرجّح في نظر العقلاء، فتأمّل في أطراف ما ذكرناه جيّداً.

و منها: أنّه قد يشكل في الدليلين اللذين لا بدّ من التصرّف فيهما بحمل الظاهر في كلّ منهما من جهة على النصّ‏

في كلّ منهما من جهة اخرى إذا كانا ظنّيّين بأنّ حجّيّة أحد الدليلين قطعيّة، لقيام الإجماع على عدم طرح كلا الدليلين، و الأمر

____________

(1) درر الفوائد: ص 639.

232

يدور بين الأخذ بسند الآخر و التصرّف في المقطوع حجّيّته من حيث السند أو طرح السند و الأخذ بظهور المقطوع، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر، و لعلّه موافق لما قرّره الشيخ المؤسّس الأنصاريّ (قدس سره)(1). و قد أورد عليه الوالد الاستاذ (قدس سره) بأنّه على الفرض المذكور يقدّم السند على الظهور لعين ما تقدّم في المبحث المتقدّم‏ (2). و هو جيّد.

بل أقول: إنّ الأمر في المقام أوضح من المبحث المتقدّم، فإنّه لو منع من تقدّم السند على الظاهر في المبحث المتقدّم للتكافؤ لا مجال للمنع عن التقدّم في المقام، لأنّ كلّاً منهما أقوى ظهوراً من الآخر في جهة مع التساوي من حيث السند. و قطعيّة سند أحدهما من باب الإجماع إنّما هي في المتعارضين و ليس المفروض منهما بعد وجود الجمع العرفيّ، و حجّيّة أحد السندين في المقام إنّما هى بعين حجّيّة كليهما، لوجود الجمع العرفيّ و عدم التعارض، و لا يلاحظ النسبة في فرض حجّيّة أحد السندين، بل حجّيّته و حجّيّة الآخر من باب عدم التعارض و الجمع العرفيّ.

و الحاصل: أنّه لا فرق قطعاً عند العرف في تقدّم النصّ على الظاهر إذا كان الدليلان متكافئين من الجهات الاخر في ما كان كلّ من النصّ و الظاهر في كلامين منفصلين أو كان أحد الدليلين مشتملًا على كلامين أحدهما نصٌّ من جهة و ظاهرٌ من جهة اخرى و ثانيهما أيضاً كذلك و كان الدليل الآخر أيضاً كذلك و لكن كان نصّاً في ما يكون الدليل الآخر ظاهراً فيه.

و منها: أنّه قد يشكل الأمر في الدليلين اللذين يكون أحدهما مقطوعاً من حيث جهة الصدور و الآخر غير مقطوع منه،

كالدليل الصادر عن النبيّ أو الوليّ أمير المؤمنين عليهما الصلاة و السلام إذا كان معارضاً لما يكون صادراً عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، فإنّه مع فرض التكافؤ من سائر الجهات فلِمَ لا يحكم بأنّ الجمع العرفيّ هو تقدّم القطعيّ من حيث جهة الصدور على الظنّيّ، و كذلك الواجد للسند

____________

(1) فرائد الاصول: ص 434 و 435.

(2) درر الفوائد: ص 642.

233

القطعيّ على الّذي سنده ظنّيّ مع التكافؤ من سائر الجهات.

و الحاصل: أنّ المعروف في مقام الجمع هو تقدّم الأقوى من حيث الدلالة و ليس الملحوظ عندهم ملاحظة الأقوى من حيث السند على الأضعف من حيث السند أو الأقوى من حيث جهة الصدور على الأضعف من حيث الجهة المذكورة.

و منها: أنّه إذا فرض التعارض بين السند فقط و الظهور فقط

تقدّم أنّه يرجّح السند؛ و أمّا إذا فرض كون أحد الدليلين غيرَ قطعيّ من جهة السند و من جهة الدلالة و من حيث جهة الصدور لكنّه يكون أقوى دلالةً و الدليلِ الآخرِ قطعيّاً سنداً و قطعيّاً أيضاً من حيث جهة الصدور و لكنّه ظنّيٌّ من حيث الدلالة و يكون أضعف منه من حيث الدلالة فقط مع أنّه أقوى منه من سائر الجهات فمن حيث المجموع يكون أقوى منه، فما وجه تقدّم الأقوى دلالةً- الّذي يكون هو الأضعف من حيث السند و من حيث جهة الصدور- على الأقوى من جميع الجهات إلّا من حيث الدلالة.

و الجواب عن ذلك كلّه ما اشير إليه في وجه تقدّم سند القطعيّ دلالةً على ظاهر القطعيّ سنداً

من أنّ تقدّم الأقوى دلالةً على الأضعف ممّا عليه بناء العقلاء و استقرّ عليه محاوراتهم، و أمّا ملاحظة الأسناد و جهات الصدور فهي خارجة عن ديدنهم و عمّا هو المعمول عندهم في معاملاتهم و شئونهم اليوميّة. و ملاحظة تلك الجهات عند المؤرّخين و المجتهدين وُسعهم في تحليل القضايا التاريخيّة ليست موجبةً لاستقرار بناء أهل السوق، فالمدار عندهم على المحاورات و الألفاظ، و هو الّذي عليه بناء العلماء و الأصحاب تبعاً لبنائهم، و الباقي خارج عن دائرة محاوراتهم فيدخل من غير جهة التقدّم من حيث المحاورة تحت قاعدة المتعارضين. و قد اشير إلى التقدّم من حيث جهة الصدور أو السند في كلام الأئمّة (عليهم السلام)، و لم يكن ذلك موجباً لاستقرار بناء العقلاء الموجب للخروج عن التعارض و الورود في الجمع العرفيّ. و اللَّه وليّ التوفيق، و هو حسبي و نعم المولى و نعم الشفيق.

234

الفصل الثالث في ما يتحيّر فيه العرف‏

و لا يكون أحدهم قرينةً على التصرّف في الآخر بحسب المحاورات العرفيّة.

و البحث عنه يقع إن شاء اللَّه تعالى في مقامين:

المقام الأوّل في ما هو مقتضى القاعدة

مع قطع النظر عن الأخبار الواردة في باب التعارض، فنقول:

إنّ ما قيل أو يقال في ذلك وجوه:

منها: التخيير.

و منها: التساقط في خصوص المدلول.

و الدلالة على عدم خروج الحجّة عن المتعارضين من باب الدلالة على نفي الثالث أو من باب الدلالة على وجود الحجّة في البين المستلزم لنفي الثالث من غير دلالة على التخيير، فيجتمع مع التخيير المطلق و التعيّن المطلق و التخيير في بعض الموارد و التعيّن في الموارد الاخر.

و منها: التساقط المطلق بحيث لا دليل أيضاً على نفي الثالث‏

فيمكن أن يرجع بحسب القاعدة إلى ما يقتضيه أصل أو قاعدة كان على خلاف المتعارضين.

و يمكن أن يوجّه التخيير بوجهين:

أحدهما: أن يكون مورد الحجّيّة و متعلّقها هو المعنون بعنوان غير معلوم الكذب‏

الشامل للفرد المعيّن المتّصف بالعنوان المذكور و لأحد الفردين المعنون بذلك.

235

لكنّه خلاف ظاهر الدليل، فإنّ متعلّق الحجّيّة كلّ فرد من الخبر المتّصف باحتمال الصدق مثلًا، لا الأعمّ منه و من أحد الفردين.

ثانيهما: أن يقال: إنّ مقتضى إطلاق دليل الحجّيّة لكلّ فرد من الخبرين هو حجّيّة كلّ واحد من الخبرين‏

و لو مع الأخذ بالآخر، و هو معلوم البطلان، فيقيّد بمقدار لا يقتضي التنافي، و هو التقييد بفرض ترك الآخر؛ فمقتضى الدليل حينئذٍ هو الأخذ بكلّ واحد من الفردين عند ترك الأخذ بالآخر. و هذا ممّا لا إشكال فيه من حيث التنافي و التعارض.

إن قلت: التخيير بهذا المعنى مستلزم لعدمه في فرض ترك كلّ واحد من مؤدّى الدليلين، لأنّ شرط وجوب العمل بكلّ منهما حاصل فيلزم منه وجوب العمل بهما.

قلت: إذا كان شاملًا لفرض ترك أحدهما و العمل بالآخر لا مطلقاً بل على تقدير الأمر به من دون لزوم المحذور فيحكم بالتخيير في صورة العصيان على تقدير الأمر، و ذلك لعدم دخالة الإطاعة و العصيان في الأمر قطعاً، و التخيير بالمعنى الصحيح ثابت بالضرورة. و قد مرّ في المجلّد الأوّل من هذا الكتاب بيان ذلك.

إن قلت: مقتضى كون مفاد إطلاق دليل الحجّيّة في المقام التخيير، فلا بدّ أن يكون ذلك أيضاً مقتضى دليل الأصل في أطراف العلم الإجماليّ.

قلت: الفرق بينهما ما مرّ في بحث العلم الإجماليّ من أنّ التخيير في الأطراف خلاف المعلوم بالإجمال، لاستلزامه الإذن في كلّ من الطرفين، بخلاف مقام التعارض، فإنّ قوامه ليس بالعلم بأحد التكليفين، فإنّه لو علم بعدم وجوب الظهر و الجمعة معاً يقع التعارض بين ما يدلّ على وجوب الظهر و ما يدلّ على وجوب الجمعة و لو لم يعلم بوجوب أحد الأمرين، فالتخيير في الحجّة ليس مستلزماً للإذن في المعلوم بالإجمال، بخلاف التخيير في أطراف العلم. و من ذلك يظهر عدم صحّة التخيير لو كان التكليف المعيّن معلوماً بالإجمال.

236

إن قلت: كأنّه لا شبهة بينهم في دلالة المتعارضين على نفي الثالث، و التخيير ثالث.

قلت: التساقط أيضاً على خلاف الدليلين؛ و التخيير أولى، لأنّه أقرب إلى إطلاق دليل الحجّيّة.

هذا بيان وجه التخيير، و قد عرفت أنّه لا يخلو عن قوّة في الجملة، أي في ما إذا كان الدليل الدالّ على الحجّيّة هو الإطلاق- لا اللبّيّ كبناء العقلاء و غيره- و في ما إذا لم يكن التخيير إذناً في المخالفة للتكليف الواقعيّ المعلوم بالإجمال.

و أمّا وجه التساقط في خصوص المدلول من دون ثبوت التخيير

فلعلّه مبنيٌّ على أحد الأمرين:

أحدهما: أنّ مقتضى الدلالة الالتزاميّة الموجودة في كلّ من الدليلين هو نفي الثالث. و سقوط الدليلين عن الحجّيّة بالنسبة إلى المدلول المطابقيّ- و هو العمل بالمدلول المطابقيّ منهما- لا يوجب سقوطهما عن الحجّيّة بالنسبة إلى المدلول الالتزاميّ، و مقتضى ذلك ثبوت أحد المدلولين في الجملة أي من دون الحكم بالتخيير و لا تعيين خصوص أحدهما، فالمعيّن بحسب مقام العمل هو القاعدة أو الأصل الموافق لأحدهما.

و فيه: أنّه لا يدلّ الدليلان على نفي الثالث مطلقاً بل على وجه التقييد، فمقتضى دليل وجوب صلاة الجمعة- مثلًا- عدم حرمتها إن كانت واجبةً و مقتضى دليل استحبابها عدم حرمتها إن كانت مستحبّةً، و بقاء الدلالة الالتزاميّة على الحجّيّة مع فرض سقوط المدلول المطابقيّ ممّا لا أصل له، لأنّ مقتضى الالتزام هو الخبر بوقوع اللازم لا مطلقاً، بل على تقدير تحقّق الملزوم؛ فلو أخبر صادق بمجي‏ء زيد و كان مجيئه ملازماً لمجي‏ء خادمه من باب القطع بالتلازم ثمّ سقط الأوّل عن الحجّيّة للتعارض أو جهة اخرى فلا يمكن أن يقال بقيام الحجّة على مجي‏ء خادمه. و السرّ

237

فيه عدم وجود الخبر مطلقاً بل على وجه التقييد، و لا حجّة بالفرض على تحقّق القيد كما هو واضح و إن خفي ذلك على غير واحد من الأعلام.

ثانيهما: أنّه بعد فرض خروج التخيير بالوجهين المتقدّمين عن مفاد الدليل فحينئذٍ و إن كان لا بدّ من القول بالتساقط بالنسبة إلى الحجّيّة الفعليّة إلّا أنّه لا وجه للحكم بسقوط دليل الحجّيّة عن الشمول لما هو يكون ذو الترجيح واقعاً مع احتمال ذلك، فيكون مقتضى الإطلاق ثبوت الحجّة الواقعيّة بالنسبة إلى أحد المتعارضين إلّا إذا قطعنا بعدم رجحان واقعاً و في مقام الثبوت لأحدهما على الآخر، و هو غير واقع، لقيام الاحتمال في جميع الموارد، فمقتضى الإطلاق بقاء أحدهما المعيّن على الحجّيّة و إن كان الأمر في مقام الفعليّة غير معلوم، فيحكم بعدم حجّيّة العامّ بالنسبة إلى كليهما في مقام الفعليّة. لكن قد عرفت أنّ مقتضى الإطلاق هو التخيير في مرتبتها، و هو مبنيّ على سقوط العامّ عن الحجّيّة في مرتبتها بالنسبة إلى كليهما.

و من ذلك كلّه يظهر وجه التساقط الكلّيّ، فإنّه مبنيّ على عدم الدلالة على التخيير بأحد الوجهين و عدم الحجّيّة الواقعيّة للعامّ الدالّ على حجّيّة المتعارضين من باب عدم وضوح التفكيك بين الحجّيّة الواقعيّة و الفعليّة، و هو الّذي اختاره بعض أعلام العصر حفظه اللَّه تعالى‏ (1)، فلا يدلّ على نفي الثالث.

لكن لعلّه ظهر ممّا ذكرناه أنّ الأصحّ هو الدلالة على التخيير، و على فرض عدم الدلالة فأحدهما المعيّن حجّة واقعاً و إن كان غير معلوم لدينا، و هو يدلّ على نفي الثالث.

المقام الثاني في ما هو مقتضى أخبار العلاج.

فالأولى ذكر الأخبار المذكورة بأسرها

على حسب ما يوفّقنا اللَّه تعالى للعثور عليها أوّلًا ثمّ البحث في ما هو الجمع بينها:

____________

(1) مباني الاستنباط (تقريراً لبحث آية اللَّه العظمى الخوئيّ (قدس سره)): ج 4 ص 422 و ما بعدها.

238

الأوّل: ما رواه المشايخ الثلاثة عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة.

و الظاهر اعتبار الحديث لوجوه:

منها: نقلها في الكتب المعتبرة الّتي منها الفقيه.

و منها: الحكم باعتبار جميع رجال السند كما يظهر من مراجعة الرجال و إن كان في بعضهم إشكال من حيث عدم التصريح بالتوثيق من عمد علماء الرجال، لكن وثّقه الشهيد الثاني، و يظهر من غير واحد من الروايات الاعتماد عليه فراجع جامع الرواة، و من حيث استثناء ابن الوليد كما في محمّد بن عيسى؛ لكنّ الاستثناء غير واضح و الأصحاب لم يتّبعوه فيه.

و منها: تعدّد الطريق إلى داود، و اعتبار طريق الصدوق أيضاً كما يظهر من خاتمة المستدرك، فإنّه أوضح وثاقة حكم بن مسكين.

و منها: كونه معتبراً جدّاً إلى صفوان، و هو من أصحاب الإجماع.

قال- كما في الكافي-:

سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة أ يحلّ ذلك؟

قال: «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً و إن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت و قد أمر اللَّه أن يكفر به، قال اللَّه تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» (1).

قلت: فكيف يصنعان؟

قال: «ينظران [إلى‏] من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا

____________

(1) سورة النساء: 60.

239

فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم اللَّه و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللَّه، و هو على حدّ الشرك باللَّه».

قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلًا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، و اختلفا في ما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم؟

قال: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر». قال قلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر (صاحبه خ ل)؟

قال، فقال: «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الّذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا، و يترك الشاذّ الّذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمرٌ بيّنٌ غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ علمه إلى اللَّه و إلى رسوله، قال رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله): حلالٌ بيِّنٌ و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات ارتكب المحرّمات و هلك من حيث لا يعلم».

قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال: «ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنّة و وافق العامّة».

قلت: جعلت فداك أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة و الآخر مخالفاً لهم بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال: «ما خالف العامّة ففيه الرشاد».

فقلت: فإن وافقهما الخبران جميعاً؟

قال: «ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر».

قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعاً؟

240

قال: «إذا كان كذلك فأرجه حتّى تلقى إمامك، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (1).

و قد اشكل عليها كما في رسائل الشيخ المؤسّس بوجوه‏ (2):

منها: أنّ الصدر وارد في فصل الخصومة و لا يناسبه التعدّد.

و فيه: أنّ التعدّد أحوط، إذ الظاهر من الصدر و الذيل أنّ منشأ الخصومة هو الجهل بالحكم الكلّيّ، و إلّا لم يكن مستند الاختلاف هو الروايات الخاصّة، و حكم كلّيّ البيّنة و الحلف و غير ذلك معلوم ليس فيه الاختلاف.

و منها: أنّه لا بدّ أن يكون الحاكم متوجّهاً إلى المعارض الواضح، فكيف غفل كلّ منهما عمّا يرويه الآخر من المعارض؟!

و فيه: أنّ وجه الإشكال من تلك الجهة هو الخلط بين الاجتهاد في تلك العصور و العصور الّتي كانوا يراجعون إلى الإمام (عليه السلام)، فإنّ المقطوع أنّ كلّ واحد منهما سمع بنفسه عن الإمام ما يرويه أو سمعه ممّن يقطع أو يعلم علماً عرفيّاً بعدم الكذب، فهو قاطع و مطمئنّ بالحكم و مع ذلك كيف يتفحّص عن المعارض! نعم، بعد الاطّلاع على المعارض ربما يحصل لهما أو لأحدهما الترديد من جهة احتمال الاشتباه أو التقيّة أو غير ذلك، و لم نظفر إلى الآن بمن تفحّص عن المعارض بعد السماع عن الإمام أو ما بمنزلة السماع، بل كانوا يسألونه (عليه السلام) و يعملون بذلك و لو كانت في البين تقيّةٌ كانوا معذورين، بل كان يجب ذلك عليهم حفظاً لدمائهم و كيانهم. و هذا غير الاجتهاد في زماننا الّذي كثر نقل الروايات المختلفة في كلّ مسألة، و ليس في البين ما يقتضي اختلاف الحكم من حيث التقيّة مع العلم الإجماليّ بوجود المعارض للأخبار الواردة، فلزوم الفحص يختصّ بمن لا يطمئنّ العثور على الحكم الفعليّ له، و من‏

____________

(1) الكافي: ج 1 ص 67 ح 10 من باب اختلاف الحديث، وسائل الشيعة: ج 18 ص 75 ح 1 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) فرائد الاصول: ص 445.

241

سمعه (عليه السلام) يقطع بالحكم الفعليّ أو يطمئنّ به فكيف يتفحّص عن المعارض؟!

و منها: أنّه لا يناسب الخصومة اجتهاد المترافعين.

و فيه: أنّه قد تقدّم أنّ الظاهر أنّ وجه اختلاف الخصمين و الحكمين هو الشبهة في الحكم، و إلّا فليس بينهما خصومة من جهة الموضوع، و ليس الاجتهاد في العصور السابقة إلّا ما كان يتمكّن منه الراوي و الخصمان كلّهم، فالمقصود السعي في تشخيص الحكم من دون وجود خصومة في البين، و ذلك يناسب بل يقتضي اجتهاد المتخاصمين و بذل الجهد حتّى يتشخّص لهما الحكم الفعليّ و يعملان به.

و منها: أنّه لا يجوز الحكم من أحدهما بعد الحكم من الآخر.

و فيه: أنّه في الموضوعات، و لقد بيّنّا أنّ ظاهر الخبر بل صريحه أنّ الاشتباه فيه من حيث الحكم الكلّيّ، فالحكمان ليسا إلّا من باب الفتويين الصادرين من المجتهدين.

و منها: أنّ ظاهره تقديم الترجيح بحسب الصفات على الترجيح بالشهرة مع أنّ عمل العلماء على خلافه.

و الحقّ أنّ الإشكال من حيث تقدّم الصفات أصعب ممّا ذكر، من جهة أنّ الشهرة بين الأصحاب يجعله ممّا لا ريب فيه عرفاً كما في الخبر الشريف، فيخرج الموضوع عن المتعارضين بناءً على أنّ شرط الحجّيّة في الآخر أن لا يكون ممّا تطمئنّ النفس بخلافه فكيف بما إذا صار المشهور معلوماً المستلزم للعلم بعدم حجّيّة الآخر و وقوع الخلل فيه؟! فالإشكال ليس من ناحية كونه مخالفاً لعمل الأصحاب في الترجيح بالشهرة، لأنّ الأصحاب يحكمون بعدم حجّيّة المعرض عنه و لو لم يكن له معارض، و نفس مفاد الخبر الشريف أيضاً يومئ إلى ذلك.

و الجواب: أنّ الخبر الشريف غير واضح الظهور في التقدّم و الترتيب حسب ما سأله السائل بحيث يكون الرجوع إلى مخالفة العامّة و موافقة الكتاب و السنّة بعد

242

فرض التساوي من حيث العدالة و التساوي في المشهوريّة؛ بل المظنون أنّه في مقام بيان المرجّح و أنّ الصفات و الشهرة و مخالفة العامّة و موافقة الكتاب و السنّة مرجّحات يرجع إليها في الجملة، من دون تعرّض لصورة كون أحد الخبرين واجداً للمزيّة لوجود بعض تلك المرجّحات و الآخرِ واجداً لها لوجود البعض الآخر منها. و يشهد لذلك التعليل بعدم الريب في الأخذ بالمشهور الجائي في غير صورة التساوي في الصفات، و التعليل بأنّ في مخالفتهم الرشاد الّذي هو أيضاً كذلك.

و منها: أنّه وارد في مورد الخصومة و لو كانت في الشبهة الحكميّة، فلا يشمل غير الصورة المذكورة، فهو أخصّ من المدّعى.

و فيه: أنّ مقتضى قوله: «الحكم ما حكم به ...» أنّ الرجوع إلى الأفقه و الأورع من باب أنّ الحكم هو الّذي يحكم به، لا أنّ الرجوع في مورد المخاصمة موجب لذلك، و التعليل بأنّ المشهور لا ريب فيه و أنّ في مخالفة العامّة الرشاد أيضاً يشمل غير صورة التخاصم، مع أنّ العرف يلقي خصوصيّة التخاصم من جهة تعيين الحكم، بل بحسب الارتكاز العرفيّ لا بدّ من تعيين الحكم حسب ما يراه الشارع من الحجج و البيّنات حتّى يرتفع به التخاصم.

الثاني: ما في المستدرك عن عوالي اللآلئ،

روى العلّامة مرفوعاً إلى زرارة، قال:

سألت الباقر (عليه السلام)، فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيّهما آخذ؟

فقال (عليه السلام): «يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذّ النادر».

فقلت: يا سيّدي إنّهما معاً مشهوران مرويّان مأثوران عنكم؟

فقال (عليه السلام): «خذ بقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك».

فقلت: إنّهما معاً عدلان مرضيّان موثّقان؟

243

فقال (عليه السلام): «انظر ما وافق منهما مذهب العامّة فاتركه، و خذ بما خالفهم».

قلت: ربما كانا معاً موافقين لهم، أو مخالفين، فكيف أصنع؟

فقال: «إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك، و اترك ما خالف الاحتياط».

فقلت: إنّهما معاً موافقان للاحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنع؟

فقال (عليه السلام): «إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به و تدع الأخير». و في رواية: «إذن فأرجه حتّى تلقى إمامك فتسأله» (1). انتهى.

لكن فيه ضعفٌ، و يكفي في ذلك ما في الحدائق من أنّ الرواية المذكورة لم نقف عليها في غير كتاب عوالي اللآلئ مع ما عليها من الإرسال، و ما عليه الكتاب المذكور من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الأخبار و الإهمال و خلط غثّها بسمينها و صحيحها بسقيمها كما لا يخفى على من لاحظ الكتاب المذكور (2).

أقول: و عن صاحب الروضات عدم الدليل على الوثوق به؛ و ما في المستدرك من «ذكره في عداد العلماء و الثناء عليه بالألقاب المتعارفة، و هو دليل على وثاقته» ممّا لا يمكن الاعتماد عليه، فإنّ ذكر الألقاب للعلماء و المؤلّفين معمول عندهم و ربما يعدّ تركه الإهانة، و يكفي في صدقه جلالته في العلم؛ و الوثوق بالصحّة في النقل و التورّع فيه أمر آخر. هذا.

مع أنّ العلّامة صاحب الكتب الكثيرة و لم يوجد ذلك في شي‏ء من مؤلّفاته، و لعلّه كان مكتوباً على ظهر بعض الكتب له و كان له أو لم يكن له لكن زعم ذلك فذكره.

و الإنصاف: عدم دليل على الاعتماد إلّا أنّ جعل ذلك و نسبته إلى الإمام (عليه السلام) أيضاً بعيد، إذ هو شبيه بسائر الروايات و ليست مشتملةً على ما يدلّ على وجود داعٍ للجعل نعوذ به تعالى من ذلك، و لعلّه نقل ما يقرب من المقبولة و وقع اشتباه في بعض الفقرات، و اللَّه أعلم.

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 303 ح 2 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) الحدائق: ج 1 ص 99.

244

الثالث: خبر داود بن الحصين عن أبي عبد الله (عليه السلام):

في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما، عن قول أيّهما يمضي الحكم؟

قال: «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما بأحاديثنا و أورعهما فينفذ حكمه، و لا يلتفت إلى الآخر» (1).

و هو معتبر كما يظهر لمن تتبّع فيه.

الرابع: ما رواه الصدوق (قدس سره) في العيون عن أبيه و محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد

عن سعد عن محمّد بن عبد الله المسمعيّ عن أحمد الميثميّ؛ و قال (قدس سره) بعد نقله: كان شيخنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضى الله عنه سيّئ الرأي في محمّد بن عبد الله المسمعيّ راوي هذا الحديث، و إنّما أخرجت هذا الخبر في هذا الكتاب لأنّه كان في كتاب «الرحمة» و قد قرأته عليه فلم ينكره و رواه لي‏ (2).

أقول: و يزيد في اعتباره أنّ كتاب الرحمة الّذي اعتمد عليه سمّاه في ديباجة الفقيه، و أنّ للميثميّ كتاباً فلعلّ سعداً نقله من كتابه المعروف المشهور و إن كان طريقه إليه المسمعيّ:

أنّه سأل الرضا (عليه السلام) يوماً و قد اجتمع عنده قوم من أصحابه و قد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) في الشي‏ء الواحد.

فقال (عليه السلام): «إنّ اللَّه عزّ و جلّ حرّم حراماً و أحلّ حلالًا و فرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرّم اللَّه أو تحريم ما أحلّ اللَّه أو دفع فريضة في كتاب اللَّه رسمها بيّنٌ قائم بلا ناسخ نسخ ذلك فذلك ممّا لا يسع الأخذ به، لأنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لم يكن ليحرّم ما أحلّ اللَّه و لا ليحلّل ما حرّم اللَّه و لا ليغيّر فرائض اللَّه و أحكامه، كان في‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 80 ح 20 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 21- 22.

245

ذلك كلّه متّبعاً مسلماً مؤدّياً عن اللَّه، و ذلك قول اللَّه عزّ و جلّ: «إِن أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» (1) فكان (عليه السلام) متّبعاً للَّه مؤدّياً عن اللَّه ما أمره به من تبليغ الرسالة».

قلت: فإنّه يرد عنكم الحديث في الشي‏ء عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ممّا ليس في الكتاب و هو في السنّة، ثمّ يرد خلافه.

فقال: «و كذلك قد نهى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) عن أشياء نهي حرام فوافق في ذلك نهيه نهي اللَّه تعالى، و أمر بأشياء فصار ذلك الأمر واجباً لازماً كعِدل فرائض اللَّه تعالى و وافق في ذلك أمره أمر اللَّه تعالى، فما جاء في النهي عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) نهي حرام ثمّ جاء خلافه لم يسع استعمال ذلك، و كذلك في ما أمر به؛ لأنّا لا نرخّص في ما لم يرخّص فيه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و لا نأمر بخلاف ما أمر رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) إلّا لعلّة خوف ضرورة، فإمّا أن نستحلّ ما حرّم رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) أو نحرّم ما استحلّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)؛ فلا يكون ذلك أبداً، لأنّا تابعون لرسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) مسلمون له كما كان رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) تابعاً لأمر ربّه عزّ و جلّ مسلماً له، و قال عزّ و جلّ: «ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (2)، و إنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) نهى عن أشياء ليس نهي حرام بل إعافة و كراهة، و أمر بأشياء ليس أمر فرض و لا واجب، بل أمر فضل و رجحان في الدين، ثمّ رخّص في ذلك للمعلول و غير المعلول ممّا كان عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) نهي إعافة أو أمر فضل، فذلك الّذي يسع استعمال الرخص فيه، إذا ورد عليكم عنّا فيه الخبران باتّفاق يرويه من يرويه في النهي و لا ينكره و كان الخبران صحيحين معروفين باتّفاق الناقلة فيهما يجب الأخذ بأحدهما أو بهما جميعاً أو بأيّهما شئت و أحببت موسّع ذلك لك من باب التسليم لرسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و الردّ إليه و إلينا، و كان تارك ذلك من باب العناد و الإنكار و ترك التسليم لرسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) مشركاً باللَّه العظيم، فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللَّه، فما كان في كتاب اللَّه موجوداً

____________

(1) سورة يونس: 15.

(2) سورة الحشر: 7.

246

حلالًا أو حراماً فاتّبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن النبيّ (صلى الله عليه و آله)، فما كان في السنّة موجوداً منهيّاً عنه نهي حرام أو مأموراً به عن رسول اللَّه أمر إلزام فاتّبعوا ما وافق نهي رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و أمره، و ما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة ثمّ كان الخبر الآخر خلافه فذلك رخصة في ما عافه رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) و كرهه و لم يحرّمه، فذلك الّذي يسع الأخذ بهما جميعاً أو بأيّهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم و الاتّباع و الردّ إلى رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و ما لم تجدوه في شي‏ء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكفّ و التثبّت و الوقوف و أنتم طالبون باحثون حتّى يأتيكم البيان من عندنا» (1).

و لا بدّ من بيان امور راجعة إلى الخبر الشريف:

منها: أنّه لا يكاد يتصوّر فرق واضح بين الأخذ بأحدهما أو بهما جميعاً أو بأيّهما شئت إلّا بأن يكون متعلّق الوجوب هو التسليم و الانقياد. و هذا ممّا ربما يستدلّ به على وجوب الموافقة الالتزاميّة.

و منها: أنّ قوله (عليه السلام): «و إنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) نهى عن أشياء ليس نهي حرام بل إعافة و كراهة» يشير إلى الجمع العرفيّ بحمل الظاهر على النصّ، و ليس المقصود أنّ الرخص في ما إذا كان النهي بنفسه ظاهراً في الكراهة دون الحرمة، لأنّ عدم الاختلاف حينئذٍ واضح غير محتاج إلى البيان، بل المقصود هو الحمل على الكراهة و الإعافة بحسب الظاهر بقرينة الترخيص.

و منها: أنّ قوله «فما جاء في تحليل ما حرّم اللَّه» إلى قوله «فذلك ممّا لا يسع الأخذ به» معلّلًا بأنّه (صلى الله عليه و آله) لم يكن ليحرّم ما أحلّ اللَّه تعالى و لا مغيّراً لفرائضه «و ذلك قول اللَّه عزّ و جلّ: «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» (2) لا يخلو عن إعضال، من جهة أنّ‏

____________

(1) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج 2 ص 20 ح 45، وسائل الشيعة: ج 18 ص 81 ح 21 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) سورة يونس: 15.

247

ما يرد عنه (صلى الله عليه و آله) أو عنهم ممّا كان خلاف القرآن ليس من باب تحليل ما حرّمه اللَّه تعالى و تغيير حكم القرآن، بل من باب النسخ و التخصيص و التقييد، و لعلّه ناظر إلى ما ربما كان في بعض رواياتهم من الحكم على خلاف القرآن لبعض المصالح مع فرض عدم النسخ كما هو ديدن الخلفاء بالنسبة إلى أحكام رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و عدم وجود ذلك أو قلّته في ما بأيدينا من باب عدم صدور تلك الروايات عنهم (عليهم السلام).

و منها: أنّ قوله: «فما ورد عليكم من خبرين مختلفين» يمكن أن يكون من مصاديق ما تقدّم من ردّ ما خالف الكتاب أي ما خالف الكتاب مع فرض عدم النسخ، فيكون المقصود ردّ المشكوك بالمقطوع من جميع الجهات الموجب للقطع ببطلان المشكوك أوّلًا.

و يمكن أن يكون من باب التعارض و الرجوع إلى العامّ الفوق الّذي كان يرجع إليه لو لا التعارض.

و يمكن أن يكون من مرجّحات المتعارضين تعبّداً، فيكون ما وافق الكتاب مقدّماً و لو لم يكن من قبيل العامّ الفوق، و مقتضى الإطلاق هو الثالث؛ و لا يقتضي التفريع أن يكون المقصود هو الأوّل، لكفاية التناسب مع التسليم لذلك، فتأمّل.

الخامس: ما عن رسالة القطب الراونديّ بسنده الصحيح‏

كما في رسائل الشيخ الأنصاريّ (قدس سره)(1)- لكن لم نقف على حال أبي البركات عليّ بن الحسين- عن الصادق (عليه السلام):

«إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللَّه، فما وافق كتاب اللَّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللَّه فردّوه، فإن لم تجدوه في كتاب اللَّه فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه، و ما خالف أخبارهم فخذوه» (2).

السادس: ما عنه بسند فيه إرسال عنه (عليه السلام):

____________

(1) فرائد الاصول: ص 446.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 84 ح 29 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

248

«إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم» (1).

السابع: ما عنه بالسند الّذي اشير إليه‏

و فيه أبو البركات عن ابن بابويه مسنداً عن الحسن بن الجهم، قال:

قلت للعبد الصالح (عليه السلام): هل يسعنا في ما ورد علينا منكم إلّا التسليم لكم؟

فقال: «لا و اللَّه لا يسعكم إلّا التسليم لنا».

فقلت: فيروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) شي‏ء و يروى عنه خلافه فبأيّهما نأخذ؟

فقال: «خذ بما خالف القوم، و ما وافق القوم فاجتنبه» (2).

الثامن: ما عنه أيضاً بالسند المتقدّم عن محمّد بن عبد الله، قال:

قلت للرضا (عليه السلام): كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟

فقال: «إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا إلى ما يخالف منهما العامّة فخذوه، و انظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه» (3).

التاسع: ما عنه أيضاً بالسند المتقدّم عن جميل بن درّاج عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام)، قال:

«الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، إنّ على كلّ حقّ حقيقةً و على كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللَّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللَّه فدعوه» (2).

و في كونه من أخبار الباب تأمّلٌ، إلّا أنّه يمكن أن يؤخذ بإطلاقه عند التعارض فيشمل المخالفة بالعموم و الإطلاق بالنسبة إلى تلك الحالة.

العاشر: ما عن الاحتجاج عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام)، قال:

قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ فقال: «ما جاءك عنّا فقس على كتاب اللَّه عزّ و جلّ و أحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا، و إن لم يكن يشبههما فليس منّا».

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 85 ح 30 و 31 و 34 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 86 ح 35 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 85 ح 30 و 31 و 34 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

249

قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين و لا نعلم أيّهما الحقّ؟

قال: «فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت» (1).

و روى صدره العيّاشيّ في تفسيره مع تغيير يسير (2).

الحادي عشر: ما عن الاحتجاج عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله (عليه السلام):

قلت: يرد علينا حديثان واحد يأمرنا بالأخذ به و الآخر ينهانا عنه؟

قال: «لا تعمل بواحد منهما حتّى تلقى صاحبك فتسأله».

قلت: لا بدّ أن نعمل بواحد منهما؟

قال: «خذ بما فيه خلاف العامّة» (3).

الثاني عشر: و فيه عنه:

و روي عنهم (عليهم السلام) أنّهم قالوا:

«إذا اختلف أحاديثنا عليكم فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا، فإنّه لا ريب فيه» (4).

الثالث عشر: ما عن الشيخ (قدس سره) عن موسى بن أكيل عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

سئل عن رجل يكون بينه و بين أخ له منازعة في حقّ فيتّفقان على رجلين يكونان بينهما فحكما فاختلفا في ما حكما.

قال: «و كيف يختلفان؟»

قال: حكم كلّ واحد منهما للذي اختاره الخصمان.

قال: «ينظر إلى أعدلهما و أفقههما في دين اللَّه فيمضى حكمه» (5).

الرابع عشر: ما عن الكلينيّ في أوّل الكافي:

فاعلم يا أخي أرشدك اللَّه أنّه لا يسع أحداً تمييز شي‏ء ممّا اختلف الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه إلّا على ما أطلقه العالم (عليه السلام) بقوله (عليه السلام): «اعرضوهما على‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 87 ح 40 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 89 ح 48 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3 و 4 و 5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 88 ح 42 و 43 و 45 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

250

كتاب اللَّه، فما وافى كتاب اللَّه عزّ و جلّ فخذوه، و ما خالف كتاب اللَّه فردّوه». و قوله (عليه السلام):

«دعوا ما وافق القوم، فإنّ الرشد في خلافهم». و قوله (عليه السلام): «خذوا بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه».

و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلّا أقلّه، و لا نجد شيئاً أحوط و لا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم (عليه السلام) و قبول ما وسّع من الأمر فيه بقوله (عليه السلام): «بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم» (1).

الخامس عشر: معتبر محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) لا يتّهمون بالكذب فيجي‏ء منكم خلافه؟

قال: «إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» (2).

السادس عشر: ما عن الحسين بن المختار عن بعض أصحابنا عنه (عليه السلام)، قال:

«أ رأيتك لو حدّثتك بحديث العام ثمّ جئتني من قابل فحدّثتك بخلافه بأيّهما كنت تأخذ؟».

قال: كنت آخذ بالأخير.

فقال لي: «رحمك اللَّه» (3).

السابع عشر: خبر المعلّى عنه (عليه السلام)، قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا جاء حديث عن أوّلكم و حديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟

فقال: «خذوا به حتّى يبلغكم عن الحيّ، فإن بلغكم عن الحيّ فخذوا بقوله».

____________

(1) الكافي: ج 1 ص 8، وسائل الشيعة: ج 18 ص 80 ح 19 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2 و 3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 77 ح 4 و 7 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

251

قال: ثمّ قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّا و اللَّه لا ندخلكم إلّا في ما يسعكم» (1).

في الوسائل عن الكلينيّ: و في حديث آخر: «خذوا بالأحدث» (2).

الثامن عشر: معتبر عبد الله‏ (3)، قال:

سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به، و منهم من لا نثق به.

قال: «إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب اللَّه أو من قول رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله)، و إلّا فالّذي جاءكم به أولى به» (4).

التاسع عشر: خبر أبي عمرو الكنانيّ،

(الّذي هو بحكم الصحيح، لكون الراوي عنه الحسن بن محبوب عن هشام بن سالم عنه) قال:

قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «يا با عمرو أ رأيت لو حدّثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثمّ جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيّهما كنت تأخذ؟».

قلت: بأحدثهما و أدع الآخر.

فقال: «أصبت يا با عمرو، أبى اللَّه إلّا أن يعبد سرّاً، أما و اللَّه لئن فعلتم ذلك إنّه لخير لي و لكم، أبى اللَّه عزّ و جلّ لنا في دينه إلّا التقيّة» (5).

العشرون: خبر أبي حيّون‏ (6) مولى الرضا (عليه السلام) عنه (عليه السلام)، قال:

«من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم».

____________

(1 و 2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 78 ح 8 و 9 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) وجه الاعتبار: عدم قصوره في السند إلّا من جهة عبد الله بن محمّد، و قد استظهر وثاقته المحدّث النوريّ من امور لا تخلو عن الاعتبار. مضافاً إلى نقل المحاسن له عن عليّ بن الحكم، و اللَّه أعلم. (منه (قدس سره)).

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 78 ح 11 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 79 ح 17 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(6) و أبو حيّون مجهول، و اتّحاده لأبي حيّان كما في القاموس خالٍ من الدليل. نعم، له وجه للاعتماد، و هو ذكره في الفقيه، فتأمّل. (منه (قدس سره)).

252

ثمّ قال (عليه السلام): «إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن، و متشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا» (1).

الحادي و العشرون: ما عن كتاب الاعتقادات، قال:

اعتقادنا في الحديث المفسّر أنّه يحكم (يحمل) على المجمل كما قال الصادق (عليه السلام)(2).

الثاني و العشرون: خبر داود بن فرقد، قال:

سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب» (3).

و في ذلك إيماء إلى استعمالهم التورية في كلماتهم لبعض المصالح الملزمة، و به يجمع مع الصريح الّذي لا يتحمّل التورية، فتأمّل.

الثالث و العشرون: موثّق سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه، و الآخر ينهاه عنه كيف يصنع؟

قال: «يرجئه حتّى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتّى يلقاه» (4).

الرابع و العشرون: ما في مستطرفات السرائر عن كتاب مسائل الرجال لعليّ ابن محمّد (أي للهادي (عليه السلام)):

أنّ محمّد بن عليّ بن عيسى كتب إليه يسأله عن العلم المنقول إلينا عن آبائك و أجدادك (عليهم السلام) قد اختلف علينا فيه فكيف العمل به على اختلافه؟ أو الردّ إليك في ما اختلف فيه؟

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 82 ح 22 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 84 ح 28 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 84 ح 27 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 77 ح 5 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.