مباني الأحكام في أصول شرائع الإسلام‏ - ج3

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
373 /
253

فكتب: «ما علمتم أنّه قولنا فالزموه، و ما لم تعلموا فردّوه إلينا» (1).

و لا يبعد اعتبار الخبر، فراجع و تأمّل.

الخامس و العشرون: ما في المستدرك عن بصائر الدرجات عن محمّد بن عيسى، قال:

أقرأني داود بن فرقد الفارسيّ كتابه إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) و جوابه بخطّه، فقال:

نسألك عن العلم المنقول إلينا عن آبائك و أجدادك، قد اختلفوا علينا فيه كيف العمل به على اختلافه؟ إذاً نردّ إليك، فقد اختلف فيه.

فكتب و قرأته: «ما علمتم أنّه قولنا فالزموه، و ما لم تعلموا فردّوه إلينا» (2).

السادس و العشرون: ما فيه عن الشيخ المفيد من قول أبي عبد الله (عليه السلام):

«إذا أتاكم عنّا حديثان مختلفان فخذوا بما وافق منهما القرآن، فإن لم تجدوا لهما شاهداً من القرآن فخذوا بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، فإن كان فيه اختلاف و تساوت الأحاديث فيه فخذوا بأبعدهما من قول العامّة» (3).

السابع و العشرون: مرسل الكافي المنقول في الوسائل بعد موثّق سماعة، قال:

و قال الكلينيّ: و في رواية اخرى: «بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك» (4).

الثامن و العشرون: ما عن الاحتجاج نقله في الحدائق، قال:

رواه في الاحتجاج في جواب مكاتبة محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميريّ إلى صاحب الزمان (عليه السلام):

يسألني بعض الفقهاء عن المصلّي إذا قام من التشهّد الأوّل إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبّر، فإنّ بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه تكبير و يجزيه أن يقول: بحول اللَّه و قوّته أقوم و أقعد؟

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 86 ح 36 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 305 ح 10 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 306 ح 11 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 77 ح 6 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

254

الجواب: «في ذلك حديثان، أمّا أحدهما فإنّه إذا انتقل من حالة إلى اخرى فعليه التكبير، و أمّا الحديث الآخر فإنّه روي إذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبّر ثمّ جلس فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير. و كذلك التشهّد الأوّل يجري هذا المجرى. و بأيّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً» (1).

قال (قدس سره) في الوسائل‏ (2): و رواه الشيخ في كتاب (الغيبة) بالإسناد الآتي‏ (3).

التاسع و العشرون: صحيح عليّ بن مهزيار على الظاهر، قال:

قرأت في كتاب لعبد اللَّه بن محمّد إلى أبي الحسن (عليه السلام): اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في ركعتي الفجر في السفر، فروى بعضهم صلّها في المحمل، و روى بعضهم لا تصلّها إلّا على الأرض.

فوقّع (عليه السلام): «موسّع عليك بأيّة عملت» (4).

الثلاثون: ما عن الاحتجاج عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

«إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلّهم ثقة فموسّع عليك حتّى ترى القائم (عليه السلام) فتردّ إليه» (5).

قد يقال: إنّ الحكم بالسعة يناسب حال التعارض، و إلّا كان المناسب هو الوجوب.

لكن يمكن أن يقال: إنّ العمل بالثقة توسعة بالنسبة إلى وجوب الاحتياط في جميع الشبهات، و الظاهر هو الإطلاق لحال التعارض، فإنّ جواز العمل بخبر الثقة يشمل الصورتين من دون إشكال إن لم نقل بالاختصاص به من جهة قوله «حتّى ترى القائم»، فإنّ أصل حجّيّة خبر الثقة و العمل به لا تكون مغيّاةً برؤيته (عليه السلام)، بل‏

____________

(1) الحدائق: ج 1 ص 95 عن الاحتجاج: ج 2 ص 568 ح 355، وسائل الشيعة: ج 18 ص 87 ح 39 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) ج 18 ص 87.

(3) في ج 20 من الوسائل: ص 31.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 88 ح 44 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 87 ح 41 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

255

هو حجّة في حال الانفتاح أيضاً.

الحادي و الثلاثون: ما في المستدرك عن فقه الرضا (عليه السلام):

«و النفساء تدع الصلاة أكثره مثل أيّام حيضها- إلى أن قال:- و قد روي ثمانية عشر يوماً، و روي ثلاثة و عشرون يوماً، و بأيّ هذه الأحاديث اخذ من جهة التسليم جاز» (1).

الثاني و الثلاثون: ما دلّ على أنّ ما لا يوافق القرآن أو ما خالف كتاب اللَّه فهو زخرف‏ (2)

أو لم أقله‏ (3) أو غير ذلك‏ (4)، فإنّه يدلّ على عدم حجّيّة المخالف للكتاب و لو بنحو العموم و الخصوص في حال التعارض و إن لم يكن التخالف على النحو المذكور مضرّاً بحجّيّته عند عدم التعارض، لقيام الضرورة على تخصيص الكتاب بالسنّة.

الثالث و الثلاثون: خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

«ما سمعته منّي يشبه قول الناس فيه التقيّة، و ما سمعت منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه» (5).

الظاهر أنّ المقصود أنّ محلّ التقيّة في ما يشبه قول الناس، لا أنّ كلّ ما يشبه قولهم فهو صادر تقيّةً، و حينئذٍ فيدلّ على الترجيح عند التعارض إذا كان أحدهما شبيهاً بقولهم و الآخر غير شبيه به.

هذا ما وقفنا عليه من الأخبار الّتي يمكن التمسّك بها في علاج المتعارضين ترجيحاً أو تخييراً أو توقّفاً أو احتياطاً. و بعد ذلك‏

لا بدّ في مقام الجمع من التعرّض لُامور:

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 306 ح 12 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 78 و 79 ح 12 و 14 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 79 ح 15 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 89 ح 48 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 88 ح 46 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

256

الأوّل: أنّه و إن اشتهر بينهم ثبوت أدلّة دالّة على التخيير بنحو الإطلاق‏

أو في المتعادلين، لكنّ الظاهر عدم ثبوت ذلك:

فإنّ الخبر الثاني ضعيف كما عرفت؛ مع أنّه مذيّل بقوله: و في رواية «إذن فأرجه حتّى تلقى إمامك فتسأله» (1).

و أمّا الرابع أي قوله «أو بأيّهما شئت و أحببت موسّع ذلك» فهو وارد في النهي الكراهيّ و الترخيص الّذي يكون التوسعة مقتضى الجمع العرفيّ، فالتخيير واقعيّ و لا يكون التخيير في المسألة الاصوليّة.

و أمّا العاشر فهو ضعيف سنداً؛ و لا إطلاق له يشمل صورة وجود الدليل على الأخذ بذي المزيّة، إذ ذكر في صدره الأخذ بذي المزيّة ثمّ حكم في الذيل بالتخيير و التوسعة.

و أمّا مرسلا الكافي أي الرابع عشر و السابع و العشرون فلعلّهما مأخوذان ممّا لا دلالة فيه على التخيير، لا ممّا تكون دلالته تامّة و يكون الضعف من حيث السند.

و أمّا الثامن و العشرون فالظاهر أنّه ليس مفاده التخيير بحسب الحجّيّة، و ذلك لأمرين:

أحدهما: خروج ذلك عن وظيفة الإمام (عليه السلام) بالنسبة إلى المسألة الخاصّة، فإنّ وظيفته رفع الجهل، لا الإرشاد إلى الحكم الظاهريّ المجعول للجاهل.

ثانيهما: أنّ الجمع العرفيّ موجود في المقام، فإنّه لو كان الحديثان المشار إليهما في الجواب الشريف مفاد أحدهما- كما في السؤال- كفاية قول «بحول اللَّه ...» في الانتقال عن القعود إلى القيام و مفاد الآخر استحباب التكبير في مطلق الانتقال من حال إلى آخر فالجمع العرفيّ ما أفاده (عليه السلام) من استحباب التكبير و استحباب «بحول اللَّه و قوّته ...» و كفاية الثاني عن الأوّل؛ و لو كان مفادهما نفي التكبير في خصوص القيام و إثبات التكبير في مطلق الانتقال فمقتضى الجمع العرفيّ هو التقييد؛ فالجمع‏

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 17 ص 304.

257

العرفيّ موجود على كلّ حال، فلا معنى للحكم بالتخيير من باب التعارض، و من المعلوم أنّ مقتضى التدبّر في المكاتبة الشريفة هو الأوّل من الأمرين الأخيرين، فالجمع العرفيّ ما كتبه روحي له الفداء على ما في المكاتبة. و بيان الحكم الواقعيّ مستنداً إلى الجمع بين الخبرين ليس خارجاً عن شأن الإمام (عليه السلام) كما أنّه قد يستدلّ على ما بيّنه بالكتاب أو غير ذلك من السنّة المعروفة النبويّة (صلى الله عليه و آله)، بل فيه إفادة تعليم طريق الاستدلال كما عنه (عليه السلام) في رواية عبد الأعلى مولى آل سام: «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللَّه» (1).

فالحكم بالتخيير مستنداً إلى العمل بالخبرين حكم واقعيّ متضمّن لإراءة طريق الاستدلال، و هو فضل عظيم خصوصاً في مثل عصر صدور المكاتبة، فإنّه لا بدّ بعد ذلك من الاجتهاد فكان (عليه السلام) يعلّم علماء الشيعة طريقَ الاستدلال و يبيّن لهم الطريق الّذي لا بدّ و أن يسلكوه في عصر الغيبة. كشف اللَّه عنّا الهمّ و الغمّ بظهوره (عليه السلام).

و منه يظهر الكلام في صحيح عليّ بن مهزيار و هو التاسع و العشرون، و أنّ الظاهر بل المتعيّن هو بيان الحكم الواقعيّ مستنداً إلى ما يقتضيه الجمع العرفيّ بين الحديثين.

و كذا الحادي و الثلاثون، لأنّه أيضاً مقتضى الجمع العرفيّ؛ مع كون مفاده مورداً لإعراض الأصحاب؛ مضافاً إلى ما فيه من الضعف.

و الثلاثون ضعيف من حيث السند، للإرسال.

و أمّا خبر سماعة و هو الحادي عشر فالحكم بالسعة ليس إلّا من حيث العمل في ما لا يمكن فيه الاحتياط، و هو عقليّ؛ فلا دليل يعتمد عليه للتخيير.

الثاني: بعد ما فرضنا سقوط أخبار التخيير سنداً أو دلالةً عن الاعتبار فليس في البين إلّا أخبار التوقّف و الترجيح.

فلا إشكال في المتعادلين مع إمكان رفع الجهل‏

بالرجوع إلى الإمام أو من‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 1 ص 327 ح 5 من ب 39 من أبواب الوضوء.

258

يخبره عنه (عليه السلام)، لأنّ مقتضى دليل التوقّف- كذيل المقبولة و إطلاق خبر محمّد بن عيسى و غيره- هو التوقّف الّذي ظاهره عدمُ الرأي و الالتزامِ بأحد الطرفين و الكفُّ و التثبّتُ في مقام العمل بعدم الإقدام على ما فيه احتمال الهلكة كما في التعليل الوارد في المقبولة في ما إذا أمكن الاحتياط، و أمّا في ما لا يمكن فيه الاحتياط فمقتضى العقل و خبر سماعة الموثّق هو التخيير العقليّ؛ و مقتضى خبر سماعة و إن كان هو التخيير مطلقاً في المورد المذكور إلّا أنّ الأحوط هو الرجوع إلى الأصل أو القاعدة الّذي هو على طبق أحد الطرفين.

و أمّا ذو المزيّة

فالظاهر أنّه لا إشكال فيه في صورة عدم التمكّن من رفع الجهل، لأنّ مقتضى أدلّة الترجيح هو الترجيح. و لا تعارضها أخبار التوقّف، لاختصاصها بصورة التمكّن من رفع الجهل أو احتماله حتّى المشتمل منها على التعليل كالمقبولة، فإنّه لا هلكة في صورة اليأس من الظفر بالدليل مع أنّه في صورة فقد المرجّح؛ مع أنّ مقتضى الأخذ بذي الترجيح تأمين المكلّف و عدم الوقوع في الهلكة.

و لا وجه لدعوى اختصاص أخبار الترجيح أيضاً بصورة التمكّن من رفع الجهل، إذ أكثر الأخبار الواردة في الترجيح بموافقة الكتاب أو بمخالفة العامّة خالٍ عمّا يحتمل أن يكون قرينةً على ذلك. و أمّا مثل المقبولة فالصدر مطلق من دون شبهة، فإنّه لو لا إصرار السائل لم يكن يصل إلى الذيل أي الأمر بالإرجاء حتّى يلقى الإمام (عليه السلام)، فالإطلاق واضح؛ مضافاً إلى أنّه لو جاز الترجيح في قبال التوقّف و الاحتياط في ظرف التمكّن من الرجوع إلى الإمام ففي غيره يجوز بالأولويّة القطعيّة. نعم، يمكن أن يكون الحكم في زمن الغيبة أوسع فكان الحكم هو التخيير، فالأمر يدور بين الترجيح و التخيير، فالأوّل متيقّن الحجّيّة و الأصل عدم حجّيّة العدل الآخر كما هو المعروف في مقام دوران الأمر بين التعيين و التخيير في مقام الحجّيّة.

فتحصّل أنّ الظاهر وضوح الأمر في مقامين أي في صورة التعادل و إمكان‏

259

رفع الجهل، و أنّ الحكم فيه التوقّف و الاحتياط في ما يمكن، و التوقّف و التخيير في العمل في ما لا يمكن، و في صورة انسداد باب العلم مع فرض وجود المرجّح، و أنّ الحكم فيه هو الأخذ بذي المزيّة، لإطلاق الدليل من غير معارض.

و أمّا المتعادلان مع فرض انسداد باب العلم‏

فهما خارجان عن مفاد دليل التوقّف و الترجيح، فيرجع في حكمهما إلى ما يقتضيه القاعدة، و قد عرفت أنّ الأقوى هو التخيير، و الأحوط الرجوع إلى القاعدة أو الأصل الموافق لأحد الدليلين.

إن قلت: مقتضى ذيل المقبولة أنّ المتعادلين فاقدان للعلاج، و الأمر بالإرجاء حتّى تلقى الإمام من باب عدم العلاج، و هو صادق بالنسبة إلى حال الانسداد فلا بدّ من الاحتياط؛ مضافاً إلى التعليل بأنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة.

قلت: لا يستفاد من الأمر بالإرجاء إلّا عدم العلاج في صورة التمكّن من رفع الجهل، و أمّا مطلقاً فلا يستفاد منه. و كون اللازم كنايةً عن الملزوم المطلق ممنوع، إذ لا شاهد على ذلك. و أمّا التعليل فتابع لكون الارتكاب في الشبهة موجباً للوقوع في الهلكة و لو احتمالًا، و بعد قيام الدليل على التخيير أو التساقط و الرجوع إلى الأصل فلا هلكة أصلًا. فتأمّل.

بقي الكلام في الصورة الثالثة، و هي فرض الانفتاح مع وجود بعض المرجّحات، و لها أيضاً قسمان:

أحدهما فرض إمكان الاحتياط، ثانيهما فرض عدم إمكانه كما في مورد موثّق سماعة:

أمّا الأوّل [و هو فرض إمكان الاحتياط]

فحيث لا يمكن تخصيص إطلاق التوقّف بغير ذي الترجيح- لقلّة عدم وجود الترجيح- و لا يمكن اختصاص أدلّة الترجيح بما إذا انسدّ العلم بالحكم في المسألة- لورودها في مورد الانفتاح خصوصاً مثل المقبولة- فالظاهر هو التخيير بين الترجيح و التوقّف مع أفضليّة التوقّف و الاحتياط كما هو واضح عقلًا، و هو الظاهر من أدلّته- كخبر مسائل الرجال و خبر الميثميّ عن الرضا (عليه السلام)- و هو جمع عرفيّ،

260

بل لا تعارض أصلًا، لأنّ مقتضى أدلّة الترجيح ليس إلّا حجّيّة ذي الترجيح، لا وجوب العمل في قبال الاحتياط كما في حجّيّة أصل الخبر، و ليس مقتضى الأمر بالتوقّف هو الوجوب كما هو المعروف عند المحقّقين، بل مفاده البعث إليه، و هو حجّة على الوجوب في ما لم تقم قرينة على الجواز. هذا في ما يمكن فيه الاحتياط.

و أمّا في ما لا يمكن فيه الاحتياط- و هو القسم الثاني-

فالظاهر أيضاً هو التخيير بين التوقّف و التخيير في العمل و الأخذ بذي الترجيح، و ذلك لأنّه لا يمكن حمل موثّق سماعة على غير ذي الترجيح، للتخصيص بالفرد النادر؛ و لا يمكن حمل دليل الترجيح في قبال التوقّف على صورة إمكان الاحتياط، لأنّه إذا جاز الترجيح في مورد إمكان الاحتياط جاز الترجيح في غيره بالأولويّة، فالعرف يأبى عن التخصيص المذكور، و التخيير بين الأمرين هو الجمع العرفيّ، بل لا تعارض كما تقدّم وجهه. و اللَّه الموفّق و هو المستعان.

الثالث: قد تقدّم عدمُ إطلاق يدلّ على التخيير

و سلامةُ أخبار الترجيح عن التعارضِ له و التعارضِ لدليل التوقّف، لصراحتها في جواز الترجيح في صورة التمكّن من لقاء الإمام (عليه السلام) فكيف في غير الفرض المذكور؟!

لكن‏

صاحب الكفاية ردّ دليل الترجيح، و ملخّص كلامه امور:

الأوّل: أنّ عمدة دليل الترجيح هو المقبولة، و هي واردة في باب الحكومة و فصل الخصومة.

الثاني: أنّها واردة في صورة التمكّن من لقاء الإمام (عليه السلام)، لذيلها؛ فلا تشمل زمان الانسداد.

الثالث: مخالفتها لإطلاق التخيير الآبي عن حمله على خصوص المتعادلين، لقلّة ذلك و لزومِ التخصيص بالفرد النادر.

الرابع: نفس الاختلاف الوارد في روايات الباب دليل على عدم وجوبه، فإنّ‏

261

مقتضى المقبولة (1) هو الأخذ بصفات الراوي أوّلًا، و مقتضى المرفوعة (2) هو الترجيح بالشهرة أوّلًا، و مقتضى مصحّح الرسالة القطبيّة (3) هو الرجوع إلى موافق الكتاب أوّلًا، و مقتضى غير واحد من الأخبار الّتي منها مرسل الكافي‏ (4) المسند إلى الإمام (عليه السلام) بنحو الجزم من الأخذ بما خالف القوم و منها معتبر ابن الجهم‏ (5)، فذلك الاختلاف دليل على عدم وجوب الترجيح و أنّه أمر استحبابيّ.

الخامس: أنّ في الأخبار الّتي يستدلّ بها على الترجيح ما يأبى عن ذلك، بل الظاهر منه أنّه في مقام تمييز الحجّة عن اللاحجّة، مثل أخبار الأخذ بالموافق للكتاب و طرح المخالف‏ (6) و أنّه ممّا لم نقله‏ (7) أو زخرف‏ (8) أو باطل‏ (9).

قال (قدس سره): و كذا الخبر الموافق للقوم، ضرورة أنّ أصالة عدم صدوره تقيّةً- بملاحظة الخبر المخالف لهم مع الوثوق بصدوره لو لا القطع به- غير جارية (10).

أقول:

أمّا الأوّل فقد يجاب عنه بأنّه و إن كان الصدر- و هو الترجيح بالصفات- مورده الحكومة

و ترجيح حكم أحد الحاكمين على الآخر إلّا أنّ الذيل و هو الترجيح بالشهرة و موافقة الكتاب و مخالفة العامّة ظاهر في ترجيح نفس أحد الخبرين على الآخر، لأنّ الترجيح بهذه الامور إنّما اعتبر فيها بعد فرض سقوط حكم الحكمين بالمعارضة.

و الإنصاف: أنّ التعليل المذكور لا يخلو عن الضعف، لأنّ فرض السقوط بالتعارض لا يكون مفروضاً في كلام السائل و لا في كلام المجيب (عليه السلام)، و لو فرض فلا فرق بين الأوّل و الآخرين، لأنّ التعارض إنّما هو حاصل قبل الرجوع إلى الصفات.

و الحاصل: أنّ التساقط غير مفروض أوّلًا، و لو سلّمنا مفروضيّته من جهة

____________

(1 و 2) المتقدّمتين في ص 238 و 242.

(3) المتقدّم في ص 247.

(4) المتقدّم في ص 250.

(5) المتقدّم في ص 248.

(6) راجع الصفحة 247 و 248.

(7 و 8 و 9) راجع الصفحة 255.

(10) كفاية الاصول: ص 504 و 505.

262

التعارض فالتعارض حاصل من أوّل الأمر، فتأمّل.

و الأصحّ أن يقال: العمدة في ذلك أنّ مورد الترجيح في الأوّل هو حكم الحكمين، لقوله (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما»، و بعد ذلك قال (عليه السلام): «ينظر إلى ما كان في روايتهم عنّا»- إلى أن قال:- فإن كان الخبران عنكما مشهورين- إلى أن قال:- «ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة» أي كلّ خبر من الخبرين، لقوله «فما» و للسؤال و كذا قوله: «بأيّ الخبرين يؤخذ» و قوله (عليه السلام): «ما خالف العامّة ففيه الرشاد».

فالمقبولة كادت أن تكون صريحةً في أنّ مورد الترجيح في الصدر حكم الحكمين، و موردَه بعد ذلك الخبران.

و بعد ذلك فالظاهر عدم وفائه بدفع الإشكال، لأنّ مورد كلا القسمين من الترجيحين اللذين أحدهما في الحكم و الآخر في المدرك هو الحكومة و فصل الخصومة لا غير ذلك. و لقائل أن يقول: إنّ الترجيح لأحد الحكمين على الآخر أو لأحد المدركين على الآخر في مورد الحكومة و مساس الحاجة إلى فصل الخصومة، خصوصاً مع وضوح أنّ الأخذ بأحد الحكمين عين الأخذ بإحدى الروايتين و بالعكس، إذ لا فرق حقيقةً في مقام العمل بين العمل بأحد الحكمين أو العمل بأحد الخبرين، و لعلّ الوجه في اختلاف الصدر و ما بعده وجود المزيّة في الصدر في نفس الحكمين، بخلاف جهات الرجحان المفروضة في الباقي فإنّها في الخبرين.

و الّذي يؤدّي إليه النظر في مقام الجواب عنه أنّ الظاهر من الرواية عرفاً من أوّلها إلى آخرها عدم خصوصيّة لفصل الخصومة و صدور الحكم من الحكمين، من غير فرق بين الصدر و الذيل، و أنّ الإرجاع إلى حكم الأعدل الأفقه من باب أنّه حكم اللَّه تعالى، لا أنّ كونه حكم اللَّه من باب الرجوع إلى الحكمين، كما أنّ جعل العارف بأحكامهم حاكماً لا ينحصر بمورد فصل الخصومة، بل الظاهر منه أنّ حكمه نافذ مطلقاً، من غير فرق بين فصل الخصومة و الفتوى.

263

و الّذي يومئ إلى ذلك (مضافاً إلى وضوح ذلك بحسب الارتكاز و بحسب الخارج من سيرة أهل الشرع على عدم الفرق في الفتوى في الأحكام الكلّيّة الّتي هي مورد المقبولة بين فرض الخصومة و عدمها، و لا يحتمل أن يكون الفقيه الواحد إذا راجع إليه الخصمان لا بدّ له الحكم بالخبر الّذي رواه الأصدق الأفقه و إذا راجع كلّ واحد منهما لا بعنوان فصل الخصومة بل لمحض الاستفتاء يجوز له الفتوى بالتخيير أو بالخبر الآخر مثلًا) امور في نفس المقبولة:

منها: قوله (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما» الظاهر في أنّ الحكم الواقعيّ ذلك و لو من باب قيام الطريق و كونه أقرب إلى الواقع، و من المعلوم أنّ الحكم الواقعيّ لا يختلف باختلاف المورد من كونه الحكومة أو الفتيا.

و منها: قوله: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه»، فإنّ مقتضى التعليل أنّ المشهور ممّا لا ريب فيه، من غير فرق بين الحكومة و الفتوى، و أنّ الفصل يحصل بذلك من جهة كونه ممّا لا ريب فيه، و لا شبهة أنّ مقتضى ذلك أيضاً صحّة الفتوى به لكونه ممّا لا ريب فيه.

و منها: قوله (عليه السلام): «ما خالف العامّة ففيه الرشاد» الظاهر في أنّ الأخذ به من باب أنّ فيه الرشاد. و العلّة المذكورة موجودة في الأخذ به في غير مقام فصل الخصومة.

و لعمري إنّ ذلك واضح بعد التأمّل في مفاد المقبولة ممّا ذكرناه و غيره من قوله:

«حلال بيّن و حرام بيّن ...».

و أمّا الثاني و هو اختصاص الترجيح بالمذكور في المقبولة بالتمكّن من لقاء الحجّة (عليه السلام)

فهو مردود:

أوّلًا بإمكان منع ظهور الذيل حتّى بالنسبة إلى قوله (عليه السلام): «فأرجه حتّى تلقى إمامك»، فإنّ المستفاد منه عرفاً أنّه بلا علاج، فلا بدّ من عدم الجزم بأحد الطرفين الملازم للاحتياط في العمل، و علاجه منحصر بالرجوع إلى الإمام (عليه السلام)، و هذا المعنى‏

264

صادق في فرض عدم التمكّن أيضاً، فالأمر المذكور ليس نفسيّاً، بل المقصود هو بيان عدم العلاج إلّا ببيان الإمام.

و ثانياً: على فرض تقييد الذيل بذلك فلا وجه لتقييد الأحكام المطلقة الصادرة في الصدر الظاهرة ظهوراً قويّاً في الاستقلال، و عدم وجود شي‏ء يمكن أن يدلّ على كون الإمام (عليه السلام) بصدد بيان الصدر بما يذكره بعد ذلك في الذيل، لأنّ ما صدر منه (عليه السلام) كان بعد سؤال السائل و أنّه لو لم يسأل السائل ليس في المقام ظهور أو ما يصلح لأن يكون قرينةً على أنّه كان (عليه السلام) يبيّن تلك الأحكام الكثيرة من دون السؤال.

و أمّا الثالث و هو مخالفتها لإطلاق التخيير

فقد تقدّم في الأمر الأوّل عدم قيام دليل على التخيير في المسألة الاصوليّة.

و أمّا الرابع و هو الاختلاف في مقام الترجيح‏

فلا بدّ من الجواب عنه على كلّ حال، و الحمل على الاستحباب لا يرفع الغائلة، لأنّ مقتضى بعض الأخبار استحباب الأخذ بالأعدل مطلقاً و مقتضى بعضها استحباب الأخذ بالمشهور مطلقاً و مقتضى بعضها استحباب الأخذ بموافق الكتاب أو مخالف العامّة مطلقاً، فكما يمكن أن يكون الحكم الاستحبابيّ حيثيّاً (بمعنى استحباب الترجيح من حيث الأعدليّة على الخبر الآخر مع قطع النظر عن وجود مرجّح آخر في الطرف الآخر) يدلّ الدليل على الترجيح كذلك في الوجوبيّ بلا فرق بينهما، بل كون أخبار العلاج في مقام بيان تعداد ما يرجّح به في الجملة مع قطع النظر عن صورة تعارض المرجّحات قويّ جدّاً، فإنّه يقال في العرف: «إنّ العادل خير من الفاسق» و «إنّ العالم خير من الجاهل» و ليس المقصود أنّ ذلك بنحو القضيّة الكلّيّة و أنّ العادل الّذي لا يصدر منه أيّ برّ بالنسبة إلى أحد من الناس لانعزاله عن الخلق- مثلًا- خير ممّن صدر منه أحياناً فسقٌ لكن يكون قاضياً للحوائج و منبعاً للخيرات، و كذلك القضيّة الثانية فإنّه ليس المراد أنّ العالم و لو كان كافراً أو منافقاً مؤذياً خير من الجاهل المؤمن كما هو واضح.

265

و الحاصل: أنّه لا فرق إشكالًا و جواباً بين الواجب و المستحبّ. نعم، الفرق بينهما في ما كان الأمر الاستحبابيّ بصدد ترجيح فعل شي‏ء على تركه، كما في استحباب صلاة الليل و استحباب قضاء حاجة المؤمن، فإنّهما صادقان من حيث ذاتهما عند التزاحم أيضاً، لأنّه ليس مفاد كلّ منهما إلّا ترجيح فعله على تركه لا ترجيح أحدهما على الآخر، بخلاف ما لو كان كلّ من المتزاحمين واجباً، فإنّ مثل هذا الحكم الحيثيّ يوجب التعارض و التزاحم، إذ مفاده ترجيح الفعل على الترك بنحو لا يرضى بالترك، و ذلك موجب لعدم الجمع بينهما في الخارج، و هذا غير مربوط بما إذا كان مفاد دليلٍ استحبابَ ترجيح خبر على خبر آخر أو وجوبَه، فإنّه لا فرق بينهما في استظهار الحيثيّة و الفعليّة و لا في ما هو نتيجة ذلك من رفع الاختلاف و عدمه.

و ما ذكرناه ناظر إلى ما أفاده الأُستاذ العلّامة الوالد- تغمّده اللَّه برحمته و غفرانه و رضي اللَّه عنه و أرضاه- في درره الشريف من التنبيه على إشكال عدم الفرق و الجواب بأنّ أكثر أدلّة المستحبّات ظاهرة في الأحكام الحيثيّة، بخلاف الواجبات‏ (1)، فافهم و تأمّل.

و أمّا الخامس (و هو أنّ بعض أدلّة الترجيح ليس مفاده ترجيح إحدى الحجّتين على الاخرى‏

بل مفادها تمييز الحجّة عن اللاحجّة) فتوضيحه أنّ المقصود من الترجيح هو أنّه بعد وجود المزيّة يكون التعارض محفوظاً و باقياً بملاحظة أصل دليل الحجّيّة و مع قطع النظر عن الحكم بالترجيح بالمرجّح، بل مع فرض الترجيح به يكون دليل الحجّيّة شاملًا لكليهما على حدّ سواء، كالترجيح بالأعدليّة و الأفقهيّة، لكن يرجّح أحد الخبرين بأدلّة العلاج، و مفاد بعض تلك الأخبار هو عدم شمول دليل الحجّيّة لأحد الخبرين و خروج أحد الخبرين عن تحت دليل الحجّيّة، فهو ليس من قبيل ترجيح إحدى الحجّتين على الاخرى مع فرض مشموليّتهما لدليل الحجّيّة، بل من‏

____________

(1) درر الفوائد: ص 666.

266

قبيل تمييز الحجّة عن اللاحجّة و التنبيه إلى خروج إحداهما عن تحت دليل الحجّيّة، و لذلك فردان: أحدهما ما لا يكون دليل الحجّيّة شاملًا له و لو مع عدم التعارض، كالخبر المخالف للكتاب، فإنّه الّذي يستفاد من قولهم (عليهم السلام): «زخرف» أو «باطل» أو «لم نقله».

و الحاصل: أنّه ليس تمييز الحجّة عن اللاحجّة بالنسبة إلى موافق الكتاب و مخالفه و مخالف العامّة و موافقها بمعنًى واحد، بل الأوّل بمعنى عدم حجّيّة المخالف للكتاب و لو لم يكن له معارض، و الثاني بمعنى عدم حجّيّة الموافق للعامّة إذا كان معارضاً للمخالف، و ذلك لعدم بناء العقلاء على جهة الصدور بالنسبة إلى الموافق في صورة التعارض للمخالف، و كلاهما مشتركان في عدم المشموليّة لدليل الحجّيّة و الخروج عن دائرة دليل الحجّيّة و لو بعد التنبيه الوارد في أخبار العلاج، بخلاف مثل موافقة الكتاب و الأعدليّة.

و بعد ذلك نقول:

فيه أوّلًا: أنّ ما ذكره بالنسبة إلى مخالفة العامّة جاءٍ في الشهرة بالأولويّة، فإنّ الشهرة الروائيّة في إحدى الخبرين المقرونة بالفتوائيّة (كما كان ذلك دأب القدماء من الأصحاب، إذ كان ناقل الرواية هو الّذي كان يعمل بما ينقله) تجعل أحد الخبرين ممّا لا ريب فيه كما في الخبر المتقدّم عن ابن حنظلة، بل يمكن القول به في الترجيح بالصفات أيضاً.

و ثانياً: أنّ مقتضى ذلك هو الأخذ بذي المزيّة في الجملة، و عدمُ إمكان الحمل على الاستحباب، إذ بعد تعيّن ما هو الحجّة لا معنى لاستحباب الأخذ بها و التخيير بين الأخذ بها و ما ليس بحجّة أصلًا، فليس معنىً لقوله بعد ذلك: «فتلخّص أنّ إطلاقات التخيير محكّمة، و ليس في الأخبار ما يصلح لتقييدها» (1).

____________

(1) كفاية الاصول: ص 506.

267

و بعد ما ذكرناه من كون الترجيح بالشهرة أيضاً ملحق بالأمرين في كونه من باب التنبيه على ما هو الحجّة فإشكال إطلاق التخيير من لزوم الحمل على الفرد النادر باقٍ بحاله، بل إخراج المخالف للعامّة و الموافق للكتاب عن ذلك موجب لتخصيص الكثير الّذي ربما يأبى عنه العرف.

و ثالثاً: إذا فرض أنّ موضوع دليل التخيير هو المتعارضان فيمكن الجمع بين أخبار العلاج و بينه بكونه في مقام التنبيه على ما هو الحجّة جمعاً بينها و بينه.

و رابعاً: كيف! يمكن القول بأنّ الخبر المخالف للكتاب غير صادر عن الإمام و غير حجّة مع أنّ صدور الخبر المخالف لظاهر الكتاب عن النبيّ و الإمام (عليهما السلام) ضروريّ و لو عند العامّة بالنسبة إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله). و المرجّح للخبرين هو الموافق للكتاب بحسب الظاهر و مقابله ما يخالف ظاهره، و ما نقل في الكتاب ممّا ورد في مخالف الكتاب فهو غير مربوط بدليل الترجيح. فتلخّص أنّ الأخذ بذي المزيّة في ما إذا كان أحد الخبرين واجداً لمزيّة و الآخر فاقداً لها ممّا لا ينبغي الإشكال فيه.

و يستدلّ أيضاً على وجوب الترجيح بوجوه:

منها: دعوى الإجماع على الأخذ بأحد القولين:

ففي الدرر عن بعض الأساطين نقله عن المبادئ و النهاية و غاية المبادئ و غاية المأمول و المختصر، و هو الظاهر من المعالم و غير ذلك‏ (1).

و ما في الكفاية من أنّ دعوى الإجماع مجازفة، من جهة مصير الكلينيّ إلى التخيير، لقوله في ديباجة الكافي: «و لا نجد شيئاً أوسع و لا أحوط من التخيير» (2) مدفوع بأنّه قال (قدس سره) فيها:

فاعلم يا أخي أرشدك اللَّه أنّه لا يسع أحداً تمييز شي‏ء ممّا اختلف الرواية فيه عن العلماء (عليهم السلام) برأيه، إلّا على ما أطلقه العالم بقوله (عليه السلام): «اعرضوهما على كتاب‏

____________

(1) درر الفوائد: ص 663- 664.

(2) كفاية الاصول: ص 506.

268

اللَّه، فما وافى كتاب اللَّه عزّ و جلّ فخذوه، و ما خالف كتاب اللَّه فردّوه» و قوله: «دعوا ما وافق القوم، فإنّ الرشد في خلافهم» و قوله: «خذوا بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلّا أقلّه، و لا نجد شيئاً أحوط و لا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم (عليه السلام) و قبول ما وسّع من الأمر فيه بقوله (عليه السلام): «بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم» (1).

و من المعلوم أنّ مقتضى ذلك هو الأخذ بذي المزيّة و الرجوع إلى التخيير، لعدم العلم بالمرجّحات الّتي ذكرها من الموافق للكتاب و المخالف للعامّة و المشهور.

و منها: أنّه إذا دار الأمر بين التعيين و التخيير فذو المزيّة مسلّم الحجّيّة و الآخر

مشكوك حجّيّته.

و منها: لزوم ترجيح المرجوح على الراجح على فرض التخيير، و هو قبيح بل ممتنع، بخلاف الترجيح. و الظاهر أنّ المقصود أنّ مقتضى التخيير جواز ترجيح المرجوح على الراجح، و حيث إنّه قبيح عقلًا فلا يجوز أن يكون جائزاً في الشرع.

و الجواب عنه كما في الكفاية ب «إمكان عدم دخالة المرجّح في ملاك الحجّيّة في نظر الشارع؛ مضافاً إلى منع الامتناع، من باب أنّ الترجيح في الأفعال الاختياريّة الّتي منها الأحكام الشرعيّة ليس بممتنع» (2) غير واضح، إذ ملاك الحجّيّة ليس إلّا الأقربيّة إلى الواقع، و لا ريب أنّ الخبر الّذي يرويه الأعدل أقرب إليه من غيره.

و أمّا إشكاله الثاني فهو يناسب أن يكون المقصود أنّ التخيير بنفسه ترجيح المرجوح على الراجح مع أنّه خلاف ظاهر الدليل، لوضوح أنّ التخيير لا يكون ترجيحاً، بل ليس مفاده إلّا جواز الترجيح.

و الأولى أن يقال: هذا إذا لم يكن الملاك المفروض مزاحماً لملاك آخر و لو كان مثل تسهيل الأمر على المكلّفين و عدم توجّه العسر و الحرج إليهم، أو يقال: إنّ‏

____________

(1) الكافي: ج 1 ص 8 و 9.

(2) كفاية الاصول: ص 507.

269

المزيّة إذا لم تكن بمقدار توجب الإلزام فلا تقتضي إلّا استحباب الأخذ بذي المزيّة لا الوجوب، و هو ممّا نقول به.

هذا تمام الكلام في ما إذا كان في أحد الخبرين مزيّة واحدة من المزايا المنصوصة و الآخر فاقد لها.

و أمّا غير ذلك من ذي المزيّة ففيه مسائل:

المسألة الاولى- و هي العمدة-: أن يكون أحد الخبرين واجداً لنوع من المزيّة و الآخر واجداً لنوع آخر منها

بنحو التعدّد أو الوحدة، بأن يكون أحد الخبرين- مثلًا- موافقاً للكتاب و الآخر مخالفاً للعامّة أو كان أحدهما موافقاً للكتاب و كان الراوي فيه أعدل و أفقه و أصدق و كان الآخر مخالفاً للعامّة فقط،

ففي ذلك وجوه:

منها: أن يقال بالتخيير،

من جهة تعارض أدلّة العلاج أو من جهة سكوتها عن الشمول للمقام.

و ذلك لقوّة احتمال كون المقصود من الترجيح تقدّم ذي المزيّة على غيره من حيث الذات، لا و لو مع فرض وجود مرجّح آخر في الآخر يقتضي الدليل الأخذ به أيضاً كما تقدّم ذلك، و بعد سكوتها عنه يرجع إلى مقتضى القاعدة بالنسبة إلى أصل دليل الحجّيّة، و تقدّم أنّ الأصحّ أنّه التخيير و إن كانت النفس لا تطمئنّ به.

و منها: أن يقال بالتساقط،

للوجهين المتقدّمين، لكن مع فرض أن يكون مقتضى القاعدة في المتعارضين هو التساقط و الرجوع إلى الدليل أو الأصل الّذي كان يرجع إليه لو لا الخبر المخالف له المبتلى بالمعارض.

و منها: أن يقال بتقديم ما هو الأرجح في النظر.

و ذلك للوجه الّذي يأتي إن شاء الله في مسألة التعدّي عن المرجّحات المنصوصة إلى غيرها: من دلالة التعليل الّذي في الأخذ بالمشهور في المقبولة بأنّه ممّا لا ريب‏

270

فيه‏ (1) (و المقصود أنّه بالنسبة إليه ممّا لا ريب فيه) و من أنّ المستفاد من المقبولة و غيرها عرفاً أنّ المقصود هو الأخذ بما هو أقرب إلى الواقع و أنّ ذكر ما ذكر من باب التنبيه على ما يصلح للترجيح من دون أن يكون في البين تعبّد خاصّ.

و منها: أن يقال: إنّ مقتضى الجمع بين روايات العلاج هو الأخذ بالمشهور

ثمّ بموافق الكتاب ثمّ بمخالف العامّة ثمّ بالأعدل.

و الوجه في ذلك هو الجمع بين الروايات الّتي فيها الترتيب، فإنّ مقتضى مصحّح قطب هو الأخذ بموافق الكتاب مطلقاً أي و لو كان الموافق له موافقاً للعامّة و الآخر مخالفاً، و بهذا يقيّد إطلاق الرجوع إلى مخالف العامّة كما تقدّم في غير واحد من الروايات، إذ كما يقيّد المتّصل الوارد في مصحّح قطب يقيّد الإطلاق الوارد في غيره، إذ لا فرق في المتّصل و المنفصل إلّا أنّ الأوّل لا ينعقد فيه الظهور الإطلاقيّ و في الثاني ينعقد الظهور إلّا أنّه لا إطلاق له في مرحلة الحجّيّة، فمقتضى المصحّح تقديم الموافق للكتاب على مخالف القوم مطلقاً، و مقتضى المقبولة هو الأخذ بالمشهور مطلقاً و إن كان المشهور مخالفاً للكتاب و موافقاً للعامّة، و هي مقيّدة لمثل مصحّح القطب و جميعِ ما يدلّ بالإطلاق على الأخذ بموافق الكتاب؛ و أمّا ما دلّ على تقديم الأخذ بالأعدل على غيره كما في المقبولة فلا يعبأ به إمّا من جهة اختصاص ذلك بالحكمين كما مرّ و مرّ ضعفه، و إمّا من جهة وضوح تأخّره عن الشهرة الّتي معناها وضوح الصدور عن الإمام (عليه السلام).

و منها: أن يقال بالأخذ بالمشهور أوّلًا ثمّ بمخالف العامّة

ثمّ بموافق الكتاب على الأحوط في الأخير. و هو أقرب من الوجوه المتقدّمة إلى الصواب.

و توضيح ذلك بحيث يتّضح ضعف الوجوه الاخر يتمّ إن شاء اللَّه تعالى في طيّ امور:

____________

(1) المتقدّم في ص 239.

271

الأوّل: لا ريب أنّ مقتضى التعليل الوارد في المقبولة لتقديم المشهور على غيره:

من كون المشهور «ممّا لا ريب فيه» (1) و أنّه من «الحلال البيّن» أو «الحرام البيّن» (2) (و الظاهر منه البيّن العرفيّ أي ممّا تطمئنّ به النفس و يكون الآخر ممّا تطمئنّ النفس ببطلانه و إن كان يتوهّم كونه حقّاً لكنّه من الوهم الّذي هو في قبال الاطمينان ممّا لا يعبأ به العرف) هو تقدّم ذلك على معارضه مطلقاً، من غير فرق بين كون دليل العلاج في مقام الإطلاق أو كان في مقام بيان ذكر المرجّح في الجملة، من غير تعرّض لصورة وجود مرجّح آخر في الطرف الآخر، و ذلك لدلالة التعليل.

و كذا الكلام بالنسبة إلى مخالف العامّة، فإنّ قوله (عليه السلام) في المقبولة: «ما خالف العامّة ففيه الرشاد» (3) و قوله (عليه السلام) على ما في مرسل الكافي: «دعوا ما وافق القوم، فإنّ الرشد في خلافهم» (4) و ما في خبر عبيد بن زرارة- الّذي لا يبعد اعتباره- عن أبي عبد الله: «ما سمعته منّي يشبه قول الناس فيه التقيّة» (5) ظاهر في بيان ملاك تقدّم الخبر المخالف و أنّه من باب حكم العقلاء بعدم جريان أصالة الجهة في الطرف الآخر و سلامة المخالف عن المعارض حينئذٍ.

و الحاصل: أنّ الدليل على تقدّم المشهور على غيره و على تقدّم المخالف للعامّة على الموافق مطلقاً موجود، لمكان بيان العلّة الموجودة في صورة وجود مرجّح آخر.

الثاني: أنّه حيث إنّ المقصود بالشهرة المرجّحة هي الروائيّة

كما هو الظاهر من قوله (عليه السلام): «فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم» (6) حيث إنّ الجملة الثانية بيان للأوّل على الظاهر و إلّا لا وقع لهما، و حيث إنّ الرواية الّتي كانت في زمن صدور تلك الأخبار بمنزلة الفتوى على طبقها و لم يكن كتب الفتوى‏

____________

(1) المتقدّم في ص 239.

(2) المتقدّم في ص 239.

(3) المتقدّم في ص 239.

(4) المتقدّم في ص 250.

(5) وسائل الشيعة: ج 18 ص 88 ح 46 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(6) المتقدّم في ص 239.

272

غير كتب الرواية (كما هو الظاهر من كتاب من لا يحضره الفقيه‏ (1)، و قد صرّح بذلك الشيخ (قدس سره) في أوّل المبسوط (2)) فالشهرة الّتي تكون في المقبولة هي وضوح نقل الرواية و صدورها عن الإمام المقرون بالفتوى عليها من دون فرض وضوح الفتوى و الحكم الصادر عنهم، و حينئذٍ فلا ريب أنّه يحصل من ذلك الاطمينان بصدور الحكم عن الإمام (عليه السلام) و كونِه حكماً واقعيّاً، لتحقّق الفتوى على طبقه، و لا أقلّ أنّ الغالب كذلك، و المرجّح في الحقيقة هو الاطمينان بالحقّ في أحد الجانبين لمكان التعليل.

و حينئذٍ فهو مقدّم على مخالف العامّة، و ذلك لوجهين: أحدهما: عدم دخول الخبر الّذي تطمئنّ النفس بخلافه تحت أدلّة الحجّيّة، لأنّها إنّما تكون في فرض الجهل، و لا جهل عرفاً بل العلم العرفيّ حاصل. ثانيهما: أنّ الملاك «كون المخالف فيه الرشاد»، و لا يصدق ذلك مع فرض الاطمينان بفساده و عدمِ كونه مطابقاً للواقع.

و ملخّص هذا الأمر: بيان وجه تقدّم الشهرة الروائيّة الّتي عليها الفتوى الموجبة للاطمينان بكون أحد الخبرين من الحلال أو الحرام البيّنين على مخالف العامّة.

الثالث: لا يتوهّم «أنّ مقتضى التعليلين و إن كان تقدّم المشهور ثمّ تقدّم المخالف للعامّة

إلّا أنّ مقتضى إطلاق ما دلّ على الأخذ بموافق الكتاب الأخذ به و إن كان موافقاً للعامّة و شاذّاً نادراً و الآخر مشهوراً مخالفاً للعامّة، و كذا مقتضى الأخذ بما رواه الأعدل» فإنّه إن قلنا بأنّ أدلّة الترجيح ليست إلّا في مقام بيان أنّ موافقة الكتاب موجبة للترجيح على غيره ممّا ليس فيه تلك المزيّة من حيث كونه فاقداً للمزيّة من غير نظر إلى ثبوت الإطلاق حتّى لو كان في الآخر جهات اخرى من الترجيح- كما يقال: إنّ البيت الكبير أحسن من الصغير و الماء البارد أحسن من الحارّ و غير ذلك- فلا تعارض في البين؛ و دلالة الأدلّة على الإطلاق بالنسبة إلى المشهور و مخالف العامّة لمكان التعليل، لا لثبوت الإطلاق فيها.

____________

(1) ج 1 ص 3.

(2) ج 1 ص 2.

273

و إن فرضنا الإطلاق و المنع عن كون الحكم بالترجيح حيثيّاً فيمكن أن يقال:

إنّ الموضوع في دليل الترجيح مطلقاً هو المتعارضان بالنسبة إلى دليل حجّيّة الخبر مع قطع النظر عن الترجيح الخاصّ لا مطلق الترجيح، فالموضوع في الترجيح بالشهرة هو المتعارضان بالنسبة إلى دليل الحجّيّة مع قطع النظر عن خصوص الشهرة؛ فلو وجد في أحد الخبرين رجحان يخرج أحد الخبرين عن تحت دليل الحجّيّة، و لو كان ذلك من المرجّحات المنصوصة في الروايات يخرج عن موضوع دليل الترجيح بالشهرة. و هكذا غير دليل الترجيح بالشهرة من سائر أدلّة الترجيح، فإنّ الموضوع في الكلّ هو المتعارضان بالنظر إلى دليل حجّيّة الخبر الباقي تعارضه أيضاً حتّى بعد أدلّة الترجيح غير نفس الترجيح الخاصّ الّذي يكون الدليل متكفّلًا له، فدليل الترجيح بالشهرة موضوعه المتعارضان مع قطع النظر عن الشهرة الباقي على التعارض بالنظر إلى سائر المرجّحات، و الموضوع في دليل الترجيح بموافقة الكتاب هو المتعارضان الباقي على حال التعارض حتّى مع ملاحظة الجهات الاخر المذكورة في دليل الترجيح لكن غير نفس موافقة الكتاب.

و الوجه في ذلك: إمّا من حيث إنّ الموضوع هو المتعارضان حتّى مع فرض أخبار العلاج، من جهة أنّه بعد فرض كون الموضوع هو المتعارضان فلا وجه للتقييد بالمتعارضين مع قطع النظر عنها، و إمّا التقييد بتحقّق الصفة مع قطع النظر عن الترجيح الخاصّ في كلّ دليل، فلأنّه لو لا التقييد لزم من تعلّق الحكم عدمه، فإنّه بعد أن علم بالشهرة الّتي تجعل المشهور ممّا لا ريب فيه خروجُ الشاذّ النادر عن تحت دليل الحجّيّة فلا يكون الموضوع من المتعارضين، فلا يشمله دليل الترجيح بالشهرة، فيلزم من شمول دليل الترجيح عدمه.

إذا عرفت ذلك تعرف أنّه مع فرض الإطلاق يكون دليل الترجيح بالشهرة موجباً لإخراج الشاذّ النادر من دليل حجّيّة الخبر، للاطمينان بوجود الخلل فيه،

274

و دليل الحجّيّة إنّما يتكفّل الأخذ بالخبر في حال الجهل لا في حال العلم العرفيّ على كذبه و عدم تطابقه للواقع، و كذا دليل الأخذ بمخالف العامّة من باب عدم حجّيّة أصالة الجهة في الطرف الآخر موجب لإخراج الآخر عن دليل الحجّيّة، فهما واردان على دليل الترجيح بالأعدليّة و موافقة الكتاب، إذ هما في موضوع المتعارضين، و لا تعارض و لو كان رفع التعارض من جهة التقيّة الواردة في أخبار العلاج، بخلاف العكس، فإنّ الترجيح بموافقة الكتاب أو بالأعدليّة لا يخرج الآخر عن تحت دليل حجّيّة الخبر حتّى بالنظر إلى أخبار العلاج، فهما باقيان على تعارضهما بلحاظ دليل الحجّيّة، فافهم و تأمّل فإنّه حقيق بذلك.

فهذان جوابان عن التعارض لما يقتضيه الدليل بالنسبة إلى المرجّحات الاخر غير الشهرة و مخالفة العامّة.

و هنا جوابان آخران:

أحدهما: أنّه مع فرض الإطلاق و عدمِ كون الحكم حيثيّاً و فرضِ التعارض و عدمِ ورود دليل الترجيح‏

بالشهرة و مخالفة العامّة على سائر أدلّة الترجيح فليس إلّا التعارض، لكن نقول: إنّ تقدّم المشهور على مخالف العامّة و مخالف العامّة على موافق الكتاب عقليّ، إذ ليس الملاك في باب الطريقيّة إلّا الأقربيّة إلى الواقع و نقطع بأنّ الملاك في المشهور و مخالف العامّة أقوى من غيره.

ثانيهما: أنّه مع تسليم جميع ما تقدّم نقول: بعد التنبيه الوارد في الأخبار يعرف العقلاء بأنفسهم‏

أنّ ما لا ريب فيه مقدّم على ما فيه الريب و أنّ ما فيه يجري أصل جهة الصدور مقدّم على ما لا يجري فيه أصل جهة الصدور، إذ لا تعارض بينهما في مقام الحجّيّة، فافهم و تأمّل.

إن قلت: فعلى ما ذكرت لا بدّ أن تقول في مثل مصحّح القطب (الحاكم ابتداءً بالأخذ بما وافق الكتاب و بالأخذ بما خالف القوم بعد فقد المرجّح من تلك الجهة) بأنّ‏

275

المقصود هو الأخذ بما وافق الكتاب في ما لم يكن ترجيح من حيث المخالفة للقوم، لما قلت من تقدّم الترجيح بمخالفة القوم على الترجيح بموافقة الكتاب، و حينئذٍ فكيف يصحّ ما فرض فيه عدم الترجيح من حيث مخالفة القوم بأن يفرض الترجيح بذلك!.

قلت: أوّلًا يجي‏ء إن شاء اللَّه تعالى شمول موضوع أخبار العلاج لصورة الشكّ، فالموضوع هو المتعارضان الّذي يكون عدم مخالفة أحدهما للعامّة معلوماً أو مشكوكاً، و هذا المشكوك إن فحص عنه و علم أنّ أحدهما مخالف للعامّة فيؤخذ به و يترك الآخر، فهو قابل لورود القضيّة التالية عليه.

و ثانياً: لو فرضنا عدم شمول الموضوع للمشكوك، من باب أنّ الموضوع هو المتعارضان فلا يشمل المشكوك أنّه المشهور أو أنّه مخالف للعامّة، لعدم التعارض حينئذٍ، فيمكن أن يقال: إنّ الموضوع عنوان المتعارضين من غير جهة المحمول، و عدمُ الانطباق في القضيّة الاولى على ما يكون أحدهما مخالفاً للعامّة لا يضرّ بقابليّة مفهوم الموضوع لكونه موضوعاً للقضيّة الثانية، و هو المتعارضان من غير ناحية المحمول، فإنّ المحمول يختلف من حيث المصداق، فافهم فإنّه لا يخلو عن الدقّة.

و ثالثاً: على فرض تقيّد القضيّة الاولى فلم يعلم أنّ الموضوع مقيّد، بل الظاهر كون القيد قيداً للحكم، فالموضوع في القضيّتين مطلق المتعارضين، فافهم و تأمّل.

هذا بالنسبة إلى المشهور و مخالفة العامّة، فكلّ ما كان أحدهما مشهوراً شهرةً روائيّةً بحيث يعلم صدوره من الإمام (عليه السلام) و كان على طبقه الفتوى و لو لم يصل إلى حدّ يعلم أنّه حكم الإمام و لكن كان ممّا تطمئنّ به النفس بحيث يقال في العرف:

«إنّه لا ريب فيه» و «حرام أو حلال بيّن» فيقدّم مطلقاً، و إن لم يكن كذلك فيرجع إلى مخالف العامّة، و أمّا في غير ذلك- و هو بأن كان أحدهما موافقاً لظاهر الكتاب و الناقلُ للآخر هو الأعدل- فالأحوط هو الأخذ بالأوّل، من جهة أنّه لو كان مقتضى تعارض أدلّة حجّيّة الخبر أو أدلّة أخبار العلاج هو التخيير فقد اجري على وفقه،

276

و إن كان مقتضاه التساقط و الرجوع إلى الدليل الآخر الّذي كان يرجع إليه فالأخذ بظاهر الكتاب هو الدليل الّذي يرجع إليه.

و منه يظهر أنّ السنّة الّتي كانت يرجع إليها لو لا الخبر المعارض كذلك أيضاً، بناءً على كونها مرجّحةً كما في بعض الأخبار المتقدّمة، فتأمّل.

و أمّا لو كان كلا الخبرين موافقين للعامّة و كان أحدهما ممّا يكون إليه أميل حكّامهم و قضاتهم و كان الراوي له الأعدل و الأفقه أو كان موافقاً للكتاب فالظاهر هو الأخذ به لا بخلافه، من جهة أنّ الرجوع إلى خلاف الأميل في المقبولة إنّما هو بعد التساوي من جميع الجهات المذكورة فيها، و المفروض أنّ أحدهما موافق للكتاب أو راويه يكون أعدل فلا يرجع إلى الآخر الّذي يكون في قبال الأميل. هذا تمام الكلام في المسألة الاولى.

المسألة الثانية في ما لو كان كلّ واحد من الخبرين واجداً لنوع واحد من المزيّة.

لا ينبغي الإشكال في أنّهما بحكم الفاقدين للمزيّة، فهما متعارضان بلحاظ دليل حجّيّة الخبر و غير مشمول قطعاً لأدلّة الترجيح، فإنّ أدلّة الترجيح كادت تكون صريحةً في ترجيح ذي المزيّة على فاقدها لا ترجيحه على مثله كما هو واضح، فالّذي ليس داخلًا في أخبار الترجيح هو المتعادلان أعمّ من كونهما فاقدين للمزيّة أو واجدين لنوع واحد منها.

المسألة الثالثة: لو كان الخبران الواجدان لنوع من المزيّة أحدهما واجدٌ لمزيّة اخرى مختصّة به‏

غير المزيّة المشتركة فالظاهر شمول أدلّة الترجيح، إذ ما تقدّم احتماله قويّاً من كون أدلّة الترجيح حيثيّاً هو بمعنى أنّ مقتضاه الترجيح لو لا وجود ما يقتضي الترجيح في الطرف الآخر، و ليس المقصود خلوَّ الخبرين عن كلّ عنوانٍ طارئ عليهما كما هو واضح، و إلّا لم يكن حكماً قابلًا لتطبيق العمل عليه، إذ

277

العناوين الطارئة الّتي لا يحتمل الترجيح بها كثيرة.

المسألة الرابعة: لو كان الخبران واجدين لمزيّة مشتركة و كلٌّ منهما واجداً لمزيّة غير ما للآخر

من المزيّة فحكمه حكم المسألة الاولى بعد دخول الخبرين الواجدين لنوع من المزيّة في أخبار الترجيح و كونِ الخبرين الواجدين لنوع من المزيّة المشتركة كالفاقدين لها كما لا يخفى.

فتحصّل ممّا ذكرناه أنّه ينقسم المتعارضان إلى ستّة أقسام، لأنّهما: إمّا أن يكونا متعادلين، و إمّا أن يكون لأحدهما مزيّة على الآخر من دون أن تكون تلك المزيّة في غيره و من دون وجود مزيّة اخرى مختصّة بالآخر، و إمّا أن يكون في كلّ واحد نوع من المزيّة غير ما في الآخر؛ و كلّ واحد من تلك الأقسام الثلاثة إمّا أن يكون كلّ من الخبرين فاقداً لمزيّة مشتركة بينهما، و إمّا أن يكون واجداً لها، فالأقسام ستّة قد عرف حكم كلّ منها بحسب الظاهر. و اللَّه العالم.

ثمّ إنّه ينبّه بإذنه تعالى على امور:

منها: أنّه من الواضح عدم وجود مزيّة الأعدليّة و الأفقهيّة و الأصدقيّة في كلا الخبرين،

و أمّا موافقة الكتاب فيمكن أن تكون في كلا الخبرين، و لعلّه من هذا القبيل لو ورد خبر بجواز نكاح أهل الكتاب دائماً و خبر آخر بعدم جوازه كذلك، و الأوّل موافق لقوله تعالى: «لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ» (1) باعتبار أنّ النكاح الدائم مصداق عرفيّ لاتّخاذ الوليّ منهم بخلاف المنقطع، و الآخر موافق لقوله تعالى:

«وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» (2).

و منها: أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ الظاهر من أدلّة الترجيح هو الترجيح بأحد المرجّحات‏

مع فرض الشكّ في المرجّح الآخر. و كونُ الحكم حيثيّاً لا ينافي ذلك، إذ المقصود منها عدم الإطلاق لصورة وجود مرجّح آخر معلوم يقتضي الترجيح،

____________

(1) سورة المائدة: 51.

(2) سورة المائدة: 5.

278

و حينئذٍ فالدليل على المرجّح الآخر إن كان الآخر واجداً له في الواقع لا يشمل ذلك قطعاً، و ذلك لوجود المرجّح المعلوم بالفرض، و الظهور المذكور قويٌّ جدّاً، لأنّ الشكّ في وجود المرجّح الآخر حاصل في كلّ مورد إلّا ما شذّ، و يأبى العرف عن الحمل على ما بعد الفحص. فلا يشمل أوّل صدق الموضوع مطلقاً، فهو على الظاهر في حكم الحمل على الفرد النادر في الاستهجان.

هذا بالنسبة إلى غير الشهرة و مخالفة العامّة.

و أمّا فيهما فيشكل الأخذ بالمرجّح المقطوع مع احتمال الشهرة أو مخالفة العامّة، لاحتمال الخروج عن الموضوع، لما عرفت سابقاً أنّ الموضوع هو المتعارضان مع قطع النظر عن المحمول الخاصّ.

و يمكن رفعه بأنّ الموضوع هو المتعارضان اللذان لم يعلم رفع تعارضهما و لو بالشهرة أو مخالفة العامّة، لصدق موضوع أخبار الترجيح، فالموضوع صادق قطعاً؛ و أمّا التعارض لما دلّ على الترجيح بالمقطوع في صورة الشكّ فالظاهر أنّ ظهور دليل الترجيح بالنسبة إلى صورة الشكّ أقوى من ظهور دليل الترجيح في الإطلاق و عدم الاختصاص بصورة العلم، فافهم و تأمّل.

هذا بناءً على الاقتصار على المرجّحات المنصوصة، و أمّا بناءً على كون المقصود من الدليل هو الأخذ بالأقرب فالظاهر من الدليل هو الأخذ بما هو الأقرب فعلًا، و حينئذٍ إذا احتمل وجود المرجّح في المقطوع و المشكوك فالأقرب فعلًا هو المقطوع، و أمّا إذا قطع بوجود مرجّح في أحد الخبرين غير مسقطٍ صاحبَه عن الحجّيّة و احتمل في الآخر وجود الشهرة أو مخالفة العامّة ففي صدق كونه أقرب فعلًا إشكال، فمقتضى الاحتياط في المسألة هو الأخذ بالخبر الواجد للمزيّة المقطوعة إذا كان مساوياً للآخر من حيث احتمال وجود مرجّح آخر، و هو العالم.

و منها: أنّه قد ذكر (قدس سره) في الكفاية- بناءً على ما اختاره من التخيير مطلقاً-:

279

أنّه لا إشكال في الإفتاء بما اختاره من الخبرين في عمل نفسه و عمل مقلّديه، و لا وجه للإفتاء بالتخيير في المسألة الفرعيّة، لعدم الدليل عليه فيها، لكن له الإفتاء به في المسألة الاصوليّة (1). انتهى ملخّصاً.

أقول: هذا البحث واضح بناءً على مبناه من التخيير مطلقاً، لكنّه لا بدّ منه بناءً على ما اخترناه على طبق المشهور من الترجيح، إذ لا يبعد التخيير في المتعادلين و بعض أقسام ذي الترجيح كما مرّ، بناءً على كون مقتضى القاعدة في التعارض هو التخيير لا التساقط.

و حينئذٍ نقول: إنّ التخيير في المسألة الاصوليّة يتصوّر على وجوه:

أحدها: أن لا يكون الخبران حجّةً فعليّةً إلّا بعد الأخذ، فبعد الأخذ بأحد الخبرين يصير المأخوذ حجّةً فعليّةً تعيينيّةً، كما في حجّيّة قول المجتهد للمقلّد بناءً على كون التقليد هو الالتزام. و المقصود من الأخذ: إمّا الالتزام بالعمل، أو الالتزام بكون الخبر المعيّن حجّةً له وعليه، أو الالتزام بكلا الأمرين؛ و بعد ذلك يتعيّن عليه العمل و الفتوى به على وجه التعيين.

ثانيها: أن يكون المقصود أنّ الحجّة من الخبرين ما يختاره في مقام العمل بعنوان أنّه حجّة؛ و الفرق بينهما ثبوت صفة الحجّيّة في الأوّل قبل العمل و في الثاني تثبت مقارنةً للعمل.

ثالثها- و هو الأصحّ الّذي لا شبهة في عدم معنىً مقبولٍ لغيره-: أن تكون الحجّيّة متحقّقةً فعلًا لكن على وجه التخيير، فكما أنّه يتصوّر الوجوب التخييريّ يتصوّر الحجّيّة التخييريّة، كما في حجّيّة العلم الإجماليّ بالنسبة إلى أحد الأطراف لا بعينه في ما اضطرّ المكلّف إلى ارتكاب أحد أطرافه. و معنى ذلك ثبوت العقوبة على الواقع في البين لو تخلّف عنهما و العذر إذا وافق أحدهما و لو كان التكليف الواقعيّ في‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 507- 508.

280

الآخر. و هذا أمر معقول، بخلاف الأوّل و الثاني، فإنّ تقييد الحجّيّة بالأخذ أو بالعمل لا ينطبق على ظاهر دليل التخيير، لوضوح أنّ مقتضى التخيير في الحجّيّة أنّه هو بعينه كالحجّيّة المعيّنة، و لا فرق بينهما إلّا في التعيين و التخيير؛ و أمّا التعيين بعد الأخذ فهو خلاف إطلاق التخيير، فالتقييد بالأخذ أو بالعمل خلاف إطلاق دليل التخيير.

هذا بالنسبة إلى ما دلّ على التخيير كقوله (عليه السلام)(1): «بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم».

و أمّا بالنسبة إلى إطلاق دليل الحجّيّة فإنّ الموضوع ليس إلّا الخبر و العمل به، و ليس فيه من الالتزام و الأخذ عين و لا أثر. و المقصود من الأخذ في غير ذلك من الأدلّة هو العمل، فليس الموضوع إلّا العمل، فإن أمكن الأمر التعيينيّ فهو، و إلّا فالتخييريّ؛ و أمّا الجمع بين التخيير في الأخذ و صرف الموضوع عن العمل إلى الأخذ فممّا لا وجه له؛ مع بُعده في نفسه عند اعتبار العقلاء بأن يكون حجّيّة شي‏ء بيد المكلّف، فإن التزم به للعمل صار حجّةً حتّى يجي‏ء يجي‏ء بعض شبهات اخرى من أنّه يمكن أن يلتزم بأحد الخبرين لعمل نفسه و يلتزم بالآخر لعمل مقلّديه، أو يلتزم بالعمل بأحد الخبرين ليوم و بالعمل بالخبر الآخر ليوم آخر، فالحجّة تكون بيد العبد. و هذا ممّا يبعّده العقل إن لم يحكم بامتناعه، من جهة أنّ الملاك في الحجّيّة هو الأقربيّة إلى الواقع، و من المعلوم أنّها تابعة للواقع و لا تكون تابعةً للأخذ و الالتزام؛ و هذا بخلاف الحجّيّة التخييريّة بالمعنى الثالث، فإنّ المقصود أنّ الواقع لا يخرج عنهما، و حيث كان جعل الاحتياط محذوراً حكم بالتخيير.

و الّذي يرشدك إلى ذلك عدمُ احتمال أحد في مسألة الاضطرار إلى غير المعيّن أن يكون العلم حجّةً بالنسبة إلى أحد الأطراف معيّناً على تقدير الأخذ مع أنّ ذلك و المسألة من باب واحد لو فرض عدم وجود دليل خاصّ في البين يقتضي التخيير.

____________

(1) المتقدّم في ص 250.

281

و على هذا يتوجّه على صاحب الكفاية (قدس سره) امور:

الأوّل: أنّه لا يجوز للمجتهد الفتوى بالتعيّن، لعدم الحجّة على المعيّن و لا يعلم الواقع، فالواقع المعيّن غير معلوم و لا ممّا قامت عليه الحجّة.

الثاني: أنّه يجوز له الفتوى بالتخيير في المسألة الفرعيّة، لأنّ التخيير حكم ظاهريّ نظير التخيير في دوران الأمر بين المحذورين، فإنّ موضوع المسألة الفرعيّة عين المسألة الاصوليّة، فإنّ الموضوع هو العمل في كليهما لكن في الاصوليّة بعنوان أنّه ممّا قامت عليه الحجّتان المتعارضتان، فيكون حجّةً تخييريّةً، فكما أنّه يحكم ظاهراً في موارد الاستصحاب أو الاصول غير المحرزة- كأصالة الطهارة- بالطهارة و ليس المقصود هو الطهارة الواقعيّة بل يبيّن حكم العمل فعلًا و لو من باب دلالة الأصل أو الدليل كذا يحكم بالتخيير بدواً أو استمراراً على المسلكين الآتيين إن شاء اللَّه تعالى، و كما في التخيير في موارد الاضطرار إلى غير المعيّن من أطراف العلم الإجماليّ.

الثالث: على فرض تسليم المبنى فحيث إنّ نيابة المجتهد عن المقلّد في الأخذ غير ثابتة، إذ ليس على ذلك دليل، بل الدليل على ذلك بالنسبة إلى ما يعجز عنه المقلّد فليس له أن يفتي بما اختاره لمقلّده، بل لا بدّ له الفتوى بالمسألة الاصوليّة و أنّه كما التزم به المقلّد يجب عليه العمل.

الرابع: على فرض ثبوت النيابة له في ذلك أيضاً فله أن يأخذ خبراً لعمل نفسه و خبراً لعمل مقلّديه، فله أن يفتي بما يتّخذه لعمل نفسه و عمل مقلّديه، و له أن يفتي معيّناً بما يتّخذه لمقلّديه و له أن يفتي بالتخيير في المسألة الاصوليّة.

هذا كلّه بالنسبة إلى مقام الفتوى.

و أمّا بالنسبة إلى فصل الخصومة فما في بعض الكلمات من «لزوم الحكم بأحدهما على وجه التعيين، و إلّا لا تفصل الخصومة» مخدوش قطعاً، إذ لا وجه لتغيير حكم اللَّه الواقعيّ أو الظاهريّ من جهة فصل الخصومة، فلا بدّ من بيان الواقع‏

282

للخصمين و ربما يرتفع النزاع بذلك، و إن لم يرتفع و علم الحاكم أنّه يجوز له أو يجب عليه فصلها بأيّ نحو كان فيحكم بالتصالح القهريّ إن لم يحصل منهما الرضا.

و اللَّه العالم.

الخامس: أنّه يشكل إطلاق كلامه (قدس سره) حيث قال بجواز الإفتاء بالأمرين أي التعيّن بما أخذه لنفسه و لمقلّديه و التخيير في المسألة الاصوليّة، فإنّ أخذه إن كان كافياً للحجّيّة لمقلّده فالحجّة قائمة على التعيّن للمقلّد، و أخذه من باب التخيير لطرف آخر موجبٌ للتعارض بين الحجّتين، و مقتضى ذلك التساقط، أو يرفع اليد عن أخذه أو يرفع المقلّد عن أخذه بناءً على التخيير الاستمراريّ، و أمّا بناءً على كون التخيير بدويّاً فلا يصحّ الأخذ الثاني قطعاً.

و منها: في الكفاية (1) ما توضيحه أنّ التخيير استمراريّ لوجهين:

أحدهما: إطلاق الدليل، و ليس الموضوع للتخيير «المتحيّر» حتّى يقال بعدم شمول الإطلاق لغيره، بل الموضوع من ابتلي بخبرين متعارضين، و هو باقٍ بحاله.

أقول: بل و إن كان الموضوعُ «المتحيّرَ» في الخبرين المتعارضين، لكن من المعلوم أنّه ليس المراد به المتحيّر حتّى من ناحية الحكم بالتخيير، فإنّه يلزم من تعلّق الحكم عدمه، لارتفاع الموضوع بنفس الحكم، فيرتفع الحكم أيضاً، و هو محال، و على فرض عدم جريان الإطلاق فلا مانع من الاستصحاب [و هو الوجه الثاني‏].

و الإشكال بتغاير الموضوع من حيث إنّ الموضوع هو المتحيّر قد تقدّم جوابه.

و أقول: مضافاً إلى أنّه على فرض كون الموضوع هو المتحيّر حتّى بالنسبة إلى الحكم بالتخيير فلا يضرّ التغاير المفهوميّ في الاستصحاب مع وحدة الوجود الخارجيّ الّذي هو الملاك في الاستصحاب بناءً على اتّخاذ الموضوع من العرف.

و يمكن إيراد شبهات في المقام:

____________

(1) ص 508.

283

منها: أنّ التخيير الاستمراريّ موجب للإذن في المخالفة العمليّة القطعيّة للمعلوم بالإجمال في مسألتي صلاة الجمعة و الظهر و الإذن في المخالفة العمليّة القطعيّة للحجّة الإجماليّة، بناءً على نفي الثالث كما هو المسلّم بينهم.

و الجواب عن ذلك: أنّ مقتضى الإطلاق هو المعذوريّة عن الثابت بالحجّة الشرعيّة الثابتة بالمتعارضين، لأنّهما الموضوع للتخيير. نعم، لا يقتضي المعذّريّة من حيث ثبوت العلم الإجماليّ، فالتخيير البدويّ فكيف بالاستمراريّ من حيث العلم الإجماليّ مشكلٌ جدّاً خصوصاً الثاني منهما.

و منها: أنّ مقتضى كون التخيير هو التعيّن على تقدير الأخذ إمكان التمسّك بإطلاق ما يدلّ على التعيين، فيحكم بالتعيين مطلقاً بصِرف تحقّق الأخذ.

و الجواب عنها: عدم إطلاق يحكم بالتعيّن و لو أعرض عن الأخذ، و ما يدلّ عليه هو الحكم بالتعيّن ما دام كونه آخذاً به.

و منها: أنّه إذا فرض الرجوع إلى الاستصحاب فاستصحاب بقاء ما تعيّن عليه بعد الأخذ معارض لاستصحاب التخيير، و الحكومة غير واضحة.

و الجواب عنها: أنّ الحكم بالتخيير يرجع إلى التعليق، و هو تعيّن الطرف الآخر على تقدير الأخذ و رفع تعيّن الأوّل، فمقتضى استصحاب بقاء التخيير هو الحكم بتعيّن الفرد الآخر على تقدير الأخذ به، فيتحقّق الحكم فيرفع الشكّ عن بقاء تعيّن الأوّل، لأنّه يحكم بعدم تعيّن الأوّل مستنداً إلى الأخذ بالثاني، بخلاف استصحاب بقاء المعيّن عليه بالأخذ أوّلًا، فإنّه لا يحرز وضع الأخذ الثاني و أنّه ليس بسبب للتعيّن الأوّل و بغاية للتعيّن الثاني. و بهذا التقريب حكمنا بحكومة الاستصحاب التعليقيّ على التنجيزيّ المخالف له.

هذا كلّه بناءً على ما أفاده في التخيير من كونه في الأخذ، و أمّا على ما بنينا عليه من كون مفاده التخيير في أصل الحجّيّة فالإشكالان الأخيران ساقطان أصلًا،

284

لعدم جعل التعيّن في آنٍ من الآنات حتّى يؤخذ بإطلاق دليله أو يستصحب.

و كيف كان، فالظاهر هو التخيير الاستمراريّ، للإطلاق ثمّ الاستصحاب في غير مورد العلم الإجماليّ، بل قد عرفت أنّ التخيير البدويّ فيه غير خالٍ عن الإشكال.

و منها: أنّه نسب الشيخ المؤسّس الأنصاريّ إلى جمهور المجتهدين التعدّيَ عن المرجّحات المنصوصة

إلى غيرها و حكى عن جماعة الإجماعَ على ذلك‏ (1)، بل قد استدلّ بذلك السيّد الفقيه الطباطبائيّ صاحب العروة في ما كتبه في التعادل و التراجيح‏ (2).

و يستدلّ له- مضافاً إلى الإجماع المذكور- بأُمور:

منها: ما في رسائل الشيخ (قدس سره).

و توضيحه: أن تُلقى خصوصيّة الأصدقيّة و الأوثقيّة عند العرف و أنّها ليست للترجيح بها وجه إلّا أقربيّة الخبر إلى الحقّ، و هذا بخلاف الأعدليّة و الأورعيّة و الأفقهيّة، فإنّه يمكن أن يكون لحصول القرب من وجود الصفات المذكورة في الراوي دخلٌ في الترجيح، و لعلّه لوضوح حرمة صفة الفقاهة و الورع عند الشارع، بخلاف الصادق الفاسق الفاجر أو الكافر فإنّه لا حرمة له.

و الّذي يؤيّد ذلك عدم سؤال الراوي عن صورة وجود بعض الصفات دون بعض، و ليس الوجه فيه بحسب ذلك إلّا أنّه فهم استقلال كلّ من الصفات المذكورة في الترجيح، و لا يكون الاستقلال مفهوماً إلّا من ناحية إدراك أنّ المقصود كفاية كلّ مزيّة؛ و أمّا إن كان المتبادر لديه هو التعبّد فحيث لا يكون صريحاً بل و لا ظاهراً في ثبوت المفهوم و أنّ المرجّح من حيث الصفات متقوّم بالمجموع بحيث يقطع بعدم كفاية بعض تلك الصفات، أو كان ممّن يحتمل التعبّد فلا بدّ له من سؤال صورة الافتراق، و ليس‏

____________

(1) فرائد الاصول: ص 450.

(2) رسالة التعادل و التراجيح للسيّد الفقيه الطباطبائيّ اليزديّ (قدس سره) (الطبعة الحجريّة): ص 208.

285

ذلك إلّا لفهم الاستقلال، و ليس فهم الاستقلال إلّا من باب تبادر كفاية مطلق المزيّة (1).

و منها: ما استند إليه السيّد الطباطبائيّ (قدس سره)

من إدراج جميع مزايا الراوي ممّا يوجب الأقربيّة إلى الواقع في الأصدقيّة (2)، كالأحفظيّة، و الناقليّة للّفظ دون المعنى، و كون رواياته مأخوذةً عن مبدأ الوحي بالكتابة، فإنّ جميع ذلك داخل في الأصدقيّة، فيمكن التعدّي إلى جميع مزايا الراوي ممّا يوجب القرب إلى الواقع.

و منها: أنّ قول السائل في المقبولة «لا يفضل أحدهما على الآخر» يدلّ أيضاً

على أنّه لو كان لأحدهما فضيلة على الآخر لكان تقدّم ذي الفضيلة معلوماً.

هذا توضيح ما يرجع إلى التعدّي من جهة ما ورد في الراوي من حيث صفاته.

و الكلّ مورد للمناقشة:

أمّا ما ذكره الشيخ (قدس سره) أوّلًا من إلقاء خصوصيّة الأصدقيّة و الأوثقيّة الواردتين في المقبولة و المرفوعة:

ففيه أوّلًا: أنّه لا فرق بينهما و بين الأورعيّة و الأفقهيّة و الأعدليّة، إذ صفة الصدق من الصفات الحسنة، فكما أنّه يمكن أن يكون للقرب الحاصل من الصفات المذكورة من باب حرمة المتّصف بها خصوصيّة كذلك بالنسبة إلى صفة الصدق إلّا أنّه ليست بمثابة الصفات المذكورة.

و ثانياً: يمكن أن تكون المصلحة في التوسعة و التخيير، فلا يجعل كلَّ أقرب حجّةً بل يجعل بعضَه حجّةً، لكفاية ذلك في ما يصلح من الإلزام على المكلّفين بنصب الحجّة.

و دعوى «أنّه لو لم يكن فرقٌ أصلًا- مثلًا- بين الأصدقيّة و الأحفظيّة فيجعل أحدهما مرجّحاً» مدفوعةٌ بأنّه يرى الصلاح في تعيّن الحجّة المرجّحة و أن لا تكون الحجّة بيد المكلّف.

____________

(1) راجع فرائد الاصول: ص 450.

(2) رسالة التعادل و التراجيح للسيّد الفقيه الطباطبائيّ اليزديّ (قدس سره) (الطبعة الحجريّة): ص 209.

286

و أمّا التأييد بعدم السؤال عن صورة افتراق الصفات فمدفوعٌ بأنّه لعلّه من باب فهم الاستقلال من دون أن يكون ذلك من باب الترجيح بمطلق المزيّة، بل من باب ذكر الأورعيّة و الأعدليّة و الأصدقيّة؛ مع أنّ الثالثة مندرجة في الاولى فليس في مقام بيان الاعتبار بمجموع امور متعدّدة، أو لم يفهم الاستقلال و لا المجموع. و عدم سؤاله من جهة أنّ السؤال عن صورة فقد كلّ مرجّح أشكل، فلا بدّ من اغتنام الفرصة و تقديم الفروض المشكلة، بل يمكن أن يقال: إنّ السؤال عن التكليف بعد فقد المرجّح في الراوي دليل على أنّه لم يتبادر إلى ذهنه الترجيح بكلّ مرجّح، و إلّا كانت وظيفته معلومة و إن أمكن الجواب عن ذلك بأنّ السؤال من باب الاطّلاع على مصاديق المرجّحات.

و أمّا إدراج جميع المزايا في الأصدقيّة فغير ظاهر، إذ الصدق و إن كان هو مطابقة الخبر للواقع إلّا أنّ كلّاً من الصادق و الكاذب منصرف إلى المتعمّد في ذلك، فلا يقال لمن اشتبه: إنّه كاذب عرفاً؛ فإدراجها فيها غير واضح. هذا.

مضافاً إلى أنّ ذلك على تقدير استفادة الاستقلال، و الاستقلال متوقّف على تبادر مطلق المرجّح. و أمّا استفادته ممّا ذكر و إن أمكن لكنّه صِرف الإمكان، من باب أنّ الراوي لعلّه كان يتبادر إلى ذهنه الاستقلال لذلك، فتأمّل.

و أمّا استفادة الترجيح بمطلق المرجّح في الراوي بقوله: «لا يفضل واحد منهما على صاحبه» فمخدوشة بما تقدّم من احتمال أن يكون الفرض المذكور من باب كونه فرضاً مشكلًا لا من باب معلوميّة حكم غيره، أو لعلّه فهم الاستقلال لما ذكر و لم يكن متوجّهاً حين السؤال إلى وجود مزيّة اخرى في الرواة غير ما ذكره الإمام (عليه السلام).

و منها: قوله (عليه السلام): «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» ببيان أنّ المقصود منه هو عدم الريب بالإضافة إلى الطرف الآخر.

و الدليل على ذلك امور:

287

منها: فرض كليهما مشهورين، فإنّه لا يمكن أن يكون الّذي لا ريب فيه مطلقاً مقتضياً لأمرين متعارضين.

و منها: الإرجاع إلى المشهور بعد فرض عدم التفاضل في الصفات مع أنّه لو كان المشهور ممّا لا ريب فيه مطلقاً لا بدّ من تقديمه على الجميع.

و منها: الإرجاع إلى غير الشهرة بعد فرض كون الشهرة في الطرفين مع أنّ الطرف المطروح بواسطة المرجّح المذكور بعد ذلك ممّا لا ريب فيه أيضاً، فكيف يطرح ما لا ريب في كونه حقّاً! بل لا بدّ من الأخذ بكليهما مع التأويل كما في المقطوع صدورُه و عدمُ صدوره لغير بيان الحكم الواقعيّ و إن لم يمكن التأويل، فلا يخرج عن فرض عدم الريب في حقّيّته، فيشكل أنّه كيف يمكن عدم الريب في حقّيّة المتعارضين؟! و بعد فرض ذلك المحال كيف يمكن طرحه! هذا.

لكنّ الإنصاف: عدم استقامة الدليل المذكور، من جهة أنّ الكلمة ظاهرة في عدم الريب على وجه الإطلاق لكن ذلك على سبيل التسامح العرفيّ الصادق على الاطمينان المورد لبناء العقلاء على العمل على طبقه، و من جهة تثليث الامور، و من جهة ما نقل من قول الرسول (صلى الله عليه و آله). و مع فرض دخول كلّ من المتعارضين في المشكل و المشتبه لا معنى لتثليث الامور و لا للاستدلال المذكور.

و أمّا القرائن المذكورة فمدفوعة:

أمّا الأولى فلأنّ فرض الشهرة في الطرفين لا يدلّ إلّا على عدم كون نفي الريب المطلق من الصفات غير المنفكّة عن المشهور، لكن لا يدلّ على عدم كونه من الصفات النوعيّة الثابتة للمشهور في غير مورد التعارض لمشهور آخر. و كونه من الصفات النوعيّة ممّا يوجب حسنَ التعليل و يوجب اختصاصَ الحكم بمورده كما في «الخمر حرام، لأنّه مسكر»، فإنّه لا وجه لأن يقال: لا بدّ من التصرّف في العلّة، من باب أنّه ليس كلّ خمر مسكراً، فيقصد منه الإسكار من حيث الذات حتّى يشمل الخمر الّذي‏

288

ليس بمسكر لفساده، بل ظهور العلّة حاكم و مقدّم على ظهور المعلّل له فيتصرّف فيه بواسطة العلّة.

و أمّا الثانية فقد تقدّم أنّه ليس الصدر بصدد الإطلاق، بل هو حكم حيثيّ من حيث وجود المتعارضين بما هما كذلك، فمن المقطوع أنّه ليس الصدر بصدد الحكم بأخذ ما يرويه الأصدق و الأفقه و لو كان الآخر منقولًا عن العادل و مشهوراً بين الأصحاب و مخالفاً للعامّة و موافقاً للكتاب، بل قد تقدّم أنّ وجود الشهرة في أحد الخبرين الموجب للاطمينان العرفيّ العقلائيّ يرفع التعارض الموضوع في الصدر لتقديم الأعدل و الأفقه و الأصدق.

و اتّضح بذلك المناقشة في الثالثة، فإنّها مبنيّة على كون الشهرة في المتعارضين أيضاً موجبةً لعدم الريب المطلق، و قد مرّ أنّ الالتزام بكون المقصود من التعليل هو عدم الريب المطلق لا يوجب أن يكون الوصف المذكور ثابتاً للمتعارضين المشهورين أيضاً.

و منها: التعليل بأنّ «الرشد في خلافهم» كما ورد في مرسل الكافي أي في ديباجته على وجه الإرسال: «دعوا ما وافق القوم، فإنّ الرشد في خلافهم» (1) الموضح ذلك بخبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«ما سمعته منّي يشبه قول الناس فيه التقيّة، و ما سمعت منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه» (2).

و هو المستفاد من قوله (عليه السلام) في المقبولة: «ما خالف العامّة ففيه الرشاد» (3)، إذ كون المقصود منه الحكم بأنّ فيه الرشاد تنزيلًا أو من باب الجعل الظاهريّ الحاصل بذلك خلاف الظاهر قطعاً بعيدٌ عن سنّة المحاورة، فليس المراد إلّا أنّه فيه الرشاد بحسب النوع في المفروض من ورود الحديثين اللذين رواهما العدلان المرضيّان‏

____________

(1) تقدّم في ص 250.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 88 ح 46 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2)

(3) تقدّم في ص 239.

289

الحاكمان بهما المشهورين بين الأصحاب، فهو موضوع و لا معنى له إلّا كون حكمه ظاهراً بعد بيان الموضوع، فهو أقوى من دلالة العلّة بوجه، فإنّه قد يقال: «الخمر حرام، لأنّه مسكر» و قد يقال في مقام بيان التحريم: «إنّ الفقّاع مسكر»؛ و لا يمكن أن يقال: إنّ المقصود أنّ نفس مخالفتهم خيرٌ و رشدٌ من دون أن يكون النظر إلى الأقربيّة إلى الواقع، لأنّه تعبّدٌ محضٌ ينافي مقام التعليل المبنيّ على الارتكاز، و غير موافق لمادّة الرشد الّذي هو في قبال الضلالة و الغيّ الظاهر في أنّه موجب للوصول إلى المطلوب، و غير مناسب لسياق باقي المرجّحات الّتي لوحظ فيها الأقربيّة إلى الواقع، و غير موافق أيضاً لما ورد في باقي الروايات الّتي منها ما تقدّم من خبر عبيد من الحمل على التقيّة.

و أمّا ما اشير إليه في رسائل المؤسّس الأنصاريّ (قدس سره) في طيّ الاستدلال من التعليل بأنّ «الحقّ في خلافهم» (1) وارد في خبرين‏ (2) ينتهي كلّ منهما إلى السياريّ الضعيف فاسد المذهب‏ (3)، لأنّ المظنون إسقاط الواسطة في الثاني؛ مع أنّ عليّ بن أحمد أيضاً كذلك على ما ذكروه في الرجال؛ مع أنّ الأصحاب أعرضوا عن الأخذ بمفادهما، لأنّهما واردان في كون مخالفتهم حجّةً على الحقّ و لو لم يكن تعارضٌ في البين؛ مع أنّ تصوير ذلك أيضاً لا يخلو عن الإشكال، فإنّ الأخذ بخلافهم غير معلوم، فإنّهم لو كانوا يستبيحون شيئاً فتركهم بتّاً بعنوان الحرمة خلافٌ لهم، و الالتزام بفعله أيضاً خلافٌ لهم، فلا يتعيّن الحقّ.

و منها: مرسل حسن بن الجهم المرويّ عن الاحتجاج و العيّاشيّ، ففي الأوّل:

قلت تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ فقال: «ما جاءك عنّا فقس على كتاب‏

____________

(1) فرائد الاصول: ص 450.

(2) راجع وسائل الشيعة: ج 18 ص 80 ح 19 و ص 82 ح 23 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) «جش ست صه».

290

اللَّه عزّ و جلّ و أحاديثنا، فإن كان يشبههما فهو منّا، و إن لم يكن يشبههما فليس منّا».

قلت: يجيئنا الرجلان- و كلاهما ثقة- بحديثين مختلفين و لا نعلم أيّهما الحقّ؟ قال: «فإذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت» (1).

و قريب منه الآخر (2).

لكن فيهما ضعفٌ بالإرسال؛ مضافاً إلى اشتماله على قرينة يصلح بها أن يكون المقصود هو الشباهة الموجبة للاطمينان و لو بواسطة قوّة السند، لقوله «فهو منّا» و قوله في الآخر «فهو حقّ» و قوله في ذيله «إذا لم تعلم» و غير ذلك.

و محصّل ما تلخّص من البحث هو الترجيح بمطلق ما يوجب الاطمينان بحيث يقال: إنّه «ممّا لا ريب فيه» أو «فيه الرشاد»، و لا يستفاد ممّا ذكر الترجيح بمطلق المرجّح، كفصاحة المتن أو كون الراوي أحفظ أو كانت الرواية عنهم (عليهما السلام) بالإملاء و الاستكتاب أو كون أحد الخبرين أشهر، و لذا لم ينبّه الإمام (عليه السلام) بعد فرض الشهرة في الطرفين على الأخذ بما عليه أكثر الأصحاب مع إرجاعه إلى ما يخالف ما يكون أميل إليه الحكّام و القضاة. و بعد ذلك كلّه لم ينبّه على ترجيح من الترجيحات الّتي يذهب إليه القوم و لم يحكم بالأخذ بما يظنّ أنّه الحقّ أو يكون أقرب إليه بنحو العموم و الكلّيّة، بل أمر بإرجاء الواقعة حتّى يلقى الإمام (عليه السلام)؛ و من المعلوم أنّ الأمر بالإرجاء بعد ذلك حجّة قطعيّة على عدم جواز الترجيح بكلّ مرجّح.

فالحقّ في تلك المسألة بحسب الظاهر هوما نسب إلى الأخباريّين الّذين منهم صاحب الكافي. و اللَّه المتعالي هو العالم.

و منها: أنّه قد تقدّم أنّه في موارد وجود الجمع العرفيّ لا يجري ما يقتضيه الأصل الأوّليّ‏

في المتعارضين من التساقط أو التخيير.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 87 ح 40 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 89 ح 48 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

291

لكن في الكفاية احتمال أن يكون الموارد المذكورة مشمولةً لأدلّة العلاج من التخيير أو الترجيح بالمرجّحات المنصوصة أو مطلقاً، لاحتمال كفاية التحيّر الابتدائيّ في حسن السؤال عن العلاج؛ و كذا احتمال أن يكون الجمع العرفيّ مورداً للردع، فيحسن السؤال لذلك كما يحسن أيضاً للجهل بالواقع. و دعوى «كون القدر المتيقّن في مقام التخاطب هو صورة عدم وجود الجمع العرفيّ» مجازفة (1).

و لقد استجوده الوالد الاستاذ (قدس سره) في الدرر و أضاف إليه أنّ الدليل على وجود التحيّر العرفيّ في موارد الجمع و لو ابتداءً و كفايته في السؤال: ما سئل في ما تقدّم من الروايات في حكم تعارض ما يدلّ على جواز ركعتي الفجر في المحمل و ما ورد من النهي عن الصلاة في المحمل و أنّه «لا تصلّها إلّا على الأرض» (2) و فرض الاختلاف في توقيع الحميريّ المتقدّم في الحديثين الّذي يكون مفاد أحدهما أنّه ليس في القيام بعد القعود تكبير و ما دلّ بنحو العموم على التكبير في حال الصلاة إذا انتقل من حالةٍ إلى اخرى‏ (3)، من جهة الأمر بالتخيير في الأخذ (4).

لكن في ذلك مناقشة من وجوه:

منها: عدم صدق التخالف في بعض موارد الجمع، كما في الأمر و النهي مع الترخيص في الترك أو الفعل بناءً على عدم ظهورهما في الوجوب و الحرمة، بل هما ظاهران في البعث و الزجر، و هما حجّتان على الوجوب و التحريم إذا لم تكن حجّةٌ على الخلاف.

و منها: عدم التحيّر البدويّ في كثير من الجموع العرفيّة، كالنصّ و الظاهر و الحاكم‏

____________

(1) كفاية الاصول: ص 511- 512.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 88 ح 44 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 87 ح 39 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(4) درر الفوائد: ص 678- 680.

292

و المحكوم و المطلق و العامّ اللذين وردا بعنوان إعطاء القاعدة و الأخذ بهما في ما إذا لم يكن دليل على خلافه، كالقوانين الموضوعة العرفيّة المجعولة بداعي الأصل الكلّيّ و ورود المخصّصات عليه.

و منها: أنّه ليس السؤال عن حكم المتعارضين على النحو الكلّيّ من جهة استفصال الحكم الواقعيّ، كما أنّه ليس الجواب ناظراً إلى ذلك قطعاً، لأنّه يعلم بحسب الارتكاز أنّ الواقع ليس دائماً منطبقاً على ما يرويه الأعدل أو ما عليه المشهور؛ فما تقدّم من «كفاية التحيّر في الحكم لحسن السؤال عن حكم المتعارضين» ممنوع قطعاً.

نعم، ما ورد في خصوص مسألة نافلة الصبح‏ (1) أو خصوص مسألة التكبير في حال القيام بعد القعود عن السجدة الأخيرة (2) يمكن أن يكون من جهة الوصول إلى الواقع و يكون الجواب ناظراً إلى ذلك أيضاً، بل هو كذلك كما تقدّم مفصّلًا، فراجع.

و منها: أنّه بعد استقرار بناء العقلاء على الجموع العرفيّة فالإمضاء ثابت كما في الظواهر، فكما لا يسأل أحد عن حجّيّة الظواهر عن أبي عبد الله (عليه السلام) بعد مضيّ مدّة مديدة من طلوع الإسلام كذلك عن سائر ما بنى عليه العقلاء كصحّة البيع و الإجارة، و من ذلك الجموع الّتي عليها بناء العقلاء كافّة، لحصول القطع؛ و لا يحتمل أن يكون السؤال من جهة احتمال النسخ، إذ هو بعيد عن الأذهان قطعاً.

و منها: أنّ الظاهر من دليل العلاج هو العلاج في موضوع اختلاف الحجّتين؛ و بعد الجمع العرفيّ لا حجّيّة للمغلوب عليه، و التمسّك بالإطلاق كالتمسّك به في الخبرين اللذين يكون سند أحدهما غير بالغ إلى مرتبة الحجّيّة.

و منها: الأمر بالرجوع إلى الجمع العرفيّ في خبر الميثميّ‏ (3) و خبر أبي حيّون‏ (4).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18 ص 88 ح 44 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(2) وسائل الشيعة: ج 18 ص 87 ح 39 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(3) وسائل الشيعة: ج 18 ص 81 ح 21 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

(4) وسائل الشيعة: ج 18 ص 82 ح 22 من ب 9 من أبواب صفات القاضي.

293

و منها: أنّ ما ذكره من «عدم كون مورد عدم وجود الجمع العرفيّ من القدر المتيقّن في مقام التخاطب» ممنوعٌ جدّاً، فإنّ صدق الاختلاف و الاحتياج الباعث على السؤال ممّا يتعلّق بالكلام، فإنّ عنوان الاختلاف بالنسبة إليه أوضح كما أنّ الاحتياج إليه بحسب الارتكاز أشدّ.

فالأصحّ عدم شمول إطلاق دليل العلاج لموارد وجود الجمع العرفيّ. و هو العالم بالحقائق، و له الشكر المتواصل شكراً إلى لقائه تعالى شائق.

و من الامور الّتي ينبّه عليها: تعيين الأظهر من الدليلين على النحو الكلّيّ:

فقد قيل بتقديم التقييد على التخصيص، كما في «أكرم العالم» و «لا تكرم كلّ فاسق» فيحكم بتقديم ظهور العامّ فيقيّد به الإطلاق في العالم الفاسق.

و عمدة الوجه في ذلك ورود ظهور العامّ على ظهور المطلق من حيث توقّفه على عدم البيان، و العامّ بيان، بخلاف ظهور العامّ، فإنّه غير متوقّف على أمر، فظهور المطلق تعليقيّ و ظهور العامّ في العموم تنجيزيّ، و لا يمكن أن يكون إطلاق المطلق مخصّصاً، لأنّ تخصيصه بلا وجه أو بوجه دائر، فإنّ كونه مخصّصاً للعامّ يتوقّف على ظهوره في الإطلاق، و هو يتوقّف على عدم كون العامّ بياناً له، و هو يتوقّف على مخصّصيّة العامّ بالإطلاق، و هو يتوقّف على ظهوره في الإطلاق.

لكنّه ممنوع، من جهة أنّ عدم البيان الّذي هو من مقدّمات الحكمة هو عدم البيان المتّصل، لا عدمه مطلقاً حتّى يكون العامّ وارداً على ظهور المطلق. هذا بيان ما في الكفاية (1).

أقول: و في الاستدلال و الجواب نظر:

أمّا الأوّل فلأنّ الأصحّ أن يقال: إنّ عدم البيان غير حاصل، لأنّه متوقّف على عدم صلاحيّة العامّ لكونه رافعاً لظهور المطلق، و هو صالح لذلك؛ و أمّا أنّه متوقّف‏

____________

(1) راجع كفاية الاصول: ص 512- 513.

294

على عدم التخصيص فلا، لأنّه لو فرض عدم التخصيص فعلًا لكن يصلح الإطلاق لأن يكون مخصّصاً له من دون أن يكون العامّ رافعاً للموضوع فلا يكون بياناً، كيف و لو كان ذلك دوراً كان المطلق المتّصل بما يكون بياناً له كذلك؟! كما أنّه يقال: «أكرم العالم» و «لا تكرم كلّ فاسق» متّصلًا كلّ واحد بالآخر، فإنّ ظهور الإطلاق يتوقّف على عدم كون العامّ المتّصل بياناً، و هو يتوقّف على كونه مخصّصاً بالإطلاق، و هو يتوقّف على انعقاد الظهور، فظهور المطلق في الإطلاق موجب للدور؛ كما أنّ انعقاد ظهور العامّ في العموم يتوقّف على عدم قرينة في الكلام على التخصيص و يتوقّف على عدم الإطلاق للمطلق، و هو يتوقّف على ظهور العامّ في العموم، فالدور واقع من الجانبين، فلا ظهور للعامّ و لا للمطلق إذا اتّصل كلّ واحد منهما بالآخر؛ مع أنّ الظهور منعقد عرفاً للأقوى؛ مع أنّه لو كان الملاك في عدم الظهور و تحقّقه هو الدور و عدمه لم يكن فرق بين الأقوى و غيره، و هو مبنيّ على أنّ الظهور و تقدّمه على ما ينافيه متوقّف على وجود الملاك فيه و عدم وجود الملاك في الآخر من دون لزوم الدور. هذا.

مضافاً إلى ما في الاستدلال من «كفاية البيان المنفصل في عدم انعقاد الظهور» فإنّه ممنوع إلّا في بعض الموارد، فإنّ دخالة عدم البيان في انعقاد الظهور من حيث كفاية مطلقه أو خصوص المتّصل تابعة لمقدّمة اخرى للإطلاق، و هو كون المتكلّم بصدد البيان على تقدير كون مراده هو المقيّد:

فإنّه لو كان بصدد البيان على نحو الاتّصال- كما هو الغالب المتعارف، و هو الّذي عليه بناء العقلاء- فعدمه الّذي هو مقدّمة اخرى للإطلاق هو عدم البيان المتّصل لا الأعمّ.

و أمّا إذا كان في مقام البيان على النحو الأعمّ فالبيان المنفصل رافع للظهور، بل مانع عن الانعقاد، بل احتماله كافٍ في عدم انعقاد الظهور للمطلق؛ لكنّه قليل جدّاً.

مضافاً إلى إمكان أن يناقش فيه بأنّ بناء العقلاء على أنّ المتكلّم في مقام بيان‏

295

مراده بما هو ظاهر في التقييد ك «أعتق رقبة مؤمنة» بالتوصيف و أمثاله، و ليس بناؤهم على بيان التقييد بصورة المعارض كما في «أكرم العالم» و «لا تكرم كلّ فاسق».

و الحاصل: أنّه لا ينبغي الإشكال في تقدّم ظهور المقيّد على المطلق المتّصل إذا كان بصورة التقييد، كأن يقال: «أكرم العالم غير الفاسق»، و أمّا في المثال الأوّل فتابعٌ لما هو الأقوى بحيث يصلح لأن يكون قرينةً على الآخر جزماً دون العكس، فإذا كان المتّصل كذلك فالمنفصل أولى بذلك و لو كان البيان الكافي لعدم الانعقاد هو الأعمّ من المتّصل و المنفصل. هذا.

مضافاً إلى أمر رابع، و هو أنّه بناءً على مسلك صاحب الكفاية من احتياج العامّ إلى مقدّمات الحكمة الّتي منها عدم البيان لا فرق بينه و بين المطلق و لو فرض الغضّ عمّا تقدّم.

و أمّا وجه النظر في الجواب فقد تحصّل ممّا تقدّم، فإنّه لا يصحّ أن يقال: إنّ عدم البيان الّذي هو من مقدّمات الحكمة هو عدم البيان المتّصل مطلقاً، بل فيه تفصيل؛ نعم، في الغالب يكون كذلك؛ مع أنّ الظاهر هو التسليم على فرض كون عدم البيان هو الأعمّ من المنفصل؛ مع أنّك قد عرفت إمكان منعه مطلقاً و كذا إمكان منعه على مبنى نفسه أي صاحب الكفاية، فافهم و تأمّل.

إن قلت: يمكن توجيه تقديم العامّ المنفصل على المطلق، من باب أنّ ظهور العامّ في العموم مستند إلى الوضع، و ظهور المطلق في الإطلاق مستند إلى مقدّمات الحكمة الّتي عمدتها كون المتكلّم في مقام البيان، و هو غير ثابت بالوجدان في الغالب، بل هو محرز ببناء العقلاء، و هو في ما إذا لم يكن ظهور قطعيّ على خلافه.

قلت: هذا إذا كان بناء العقلاء أو حجّيّته الذاتيّة متوقّفاً على عدم وجود ظهور آخر يقتضي خلافه و لو بالملازمة، و أمّا إذا كان ذلك على وجه التنجيز أو كان على وجه التعليق على عدم وجود حجّة يكون لسانها و مفادها عدم كون المتكلّم بصدد

296

البيان (لا ما كان مخالفاً له و كان اقتضاؤه عدمَ تحقّق الإطلاق له: إمّا من باب عدم كونه في مقام البيان و إمّا من باب عدم تحقّق الإرادة الجدّيّة و إمّا من باب خفاء القيد مثلًا) فلا.

و منها: أنّه إذا دار الأمر بين النسخ و التخصيص‏

(كما إذا ورد عامّ بعد حضور وقت العمل بالخاصّ أو ورد الخاصّ بعد حضور وقت العمل بالعامّ حتّى يدور الأمر في الأوّل بين كون العامّ المتأخّر ناسخاً و الخاصّ المتقدّم مخصّصاً و في الثاني يدور الأمر بين كون الخاصّ المتأخّر مخصّصاً للعامّ أو ناسخاً له) قيل في ذلك بتقدّم التخصيص على النسخ، لكثرة التخصيص و ندرة النسخ.

و قيل في ردّه أوّلًا: إنّ مقتضى ما تقدّم منهم من تقدّم العامّ على المطلق هو تقدّم النسخ على التخصيص، لحفظ ظهور العامّ في قبال الإطلاق الّذي مفاده دوام الحكم، فإنّه ليس النسخ إلّا التصرّف في الإطلاق.

و ثانياً: إنّ الغلبة لا توجب التقدّم إلّا في ما إذا أوجبت أقوائيّة الظهور، بأن تكون بمثابة تكون بمنزلة القرينة المتّصلة بالكلام، فتكون في أذهان أهل المحاورة بحكم القرينة اللفظيّة الصادرة من المتكلّم، و إلّا فلا ملاك لكونها موجبةً للتقدّم و لو كان موجباً للظنّ، إذ مطلق الظنّ لا يكون حجّة.

أقول: يمكن أن يقال بتقدّم النسخ على التخصيص في الموردين، من باب أنّ التخصيص موجب لإلقاء ظهورين، فإنّ إخراج الفرد عن تحت العامّ بتّاً موجب للتصرّف في ظهور العموم في أصل كون الفرد وارداً في حيطته و لاقتضائه كون ذلك على الدوام، و ليس أحد الظهورين مترتّباً على حجّيّة ظهور الآخر كما لا يخفى. و هذا بخلاف النسخ، فإنّه تصرّف في إطلاق المنسوخ خاصّاً كان أو عامّاً.

و يمكن إقامة البرهان على تقدّم التخصيص على النسخ من غير جهة الغلبة، و هو أنّ ظهور المخصّص في الإطلاق مقدّم على ظهور العامّ في مورد الخاصّ، لأنّ‏

297

العامّ يتعنون في مقام الحجّيّة بغير الخاصّ بماله من الإطلاق الأفراديّ و الأزمانيّ.

كيف و لو اشكل ذلك لمكان البناء على الأخذ بالقدر المتيقّن من الخاصّ فيعقد التعارض بين العامّ و المخصّص في غير المتيقّن؟!، كما إذا ورد مثلًا «أكرم العلماء» و ورد أيضاً «لا تكرم الفسّاق منهم» فإنّه لو لا الأخذ بإطلاق المخصّص لا بدّ من معاملة التعارض في غير المتيقّن من مورده الثابت بالإطلاق الزمانيّ و الحاليّ. و صِرفُ ورود المخصّص قبل العامّ أو وروده بعد العامّ لا يصير منشأً للترديد في التخصيص، فإنّ نسبة العامّ و المخصّص بالنسبة إلى غير القدر المتيقّن هو العموم و الخصوص المطلق مع قطع النظر عن إخراج القدر المتيقّن. و السرّ في ذلك تساوي النسبة من حيث الدلالة بالنسبة إلى جميع الأفراد و الأزمان و عدمُ وجود القدر المتيقّن الملحوظ في مقام الإلقاء بالنسبة إلى بعض الأفراد أو الحالات أو الأزمان دون حالات اخر في نوع المخصّصات، فمبنى التخصيص على الاعتناء بشأن المخصّص دون العامّ في ما يدلّ عليه المخصّص، خصوصاً في ما إذا كان المخصّص ناظراً إلى العامّ كما في المثال المتقدّم لكلامهم.

و منها: أنّه قد يقال: إنّ التخصيص مشروط بكون وروده قبل حضور وقت العمل بالعامّ بالنسبة إلى مورد المخصّص،

لأنّه لو لا ذلك لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو قبيح. و من هنا يشكل الأمر في التخصيصات و التقييدات الواردة بعد حضور وقت العمل بالعامّ أو المطلق في لسان الأئمّة (عليهم السلام).

أقول: الاحتمالات في تلك التخصيصات الأعمّ من المزيّف و المقبول خمسة:

الأوّل: أن يكون كلّ ذلك ناسخاً لا مخصّصاً.

و فيه: أنّ ذلك خلاف ظاهر عنوان المخصّص الّذي يكون مؤدّاه إخراج الفرد عن تحت عموم العامّ من أوّل الأمر لا من حين الصدور.

مضافاً إلى ما قد يقال من أنّ النسخ غير صادر عن الأئمّة (عليهم السلام). لكنّه غير واضح.

298

مع أنّ وقوع النسخ بمقدار المخصّصات الواردة عنهم بعد حضور وقت العمل بالعامّ غير محتمل.

الثاني: أن يكون مفاده نسخ الحكم الظاهريّ الثابت قبل ذلك بالعامّ و غيره من دون اقتضاء لإثبات الواقع حتّى يكون نسخاً بالنسبة إلى الحكم الواقعيّ أيضاً أو نفياً له حتّى يكون تخصيصاً بالنسبة إلى الحكم الواقعيّ.

و هو أيضاً مردود بما مرّ من كونه خلاف ظاهر الدليل، إذ الظاهر أنّه بصدد التخصيص و نفي الحكم واقعاً.

الثالث: تخصيص العامّ ظاهراً و واقعاً، بمعنى الحكم بعدم جعلٍ من جانب العامّ يشمل مورد التخصيص و أنّه استعمل العامّ من أوّل الأمر في غير مورد التخصيص، فلم يجعل به حكمٌ لا واقعاً و لا ظاهراً.

و هذا أيضاً معقول، لكنّه مردود بكونه خلاف ظاهر العامّ و خلاف ظاهر المخصّص كما لا يخفى.

الرابع: أن يكون مفاده نفي الحكم الظاهريّ من جانب العامّ أو من جانب دليل آخر يدلّ على الحكم الظاهريّ إمضاءً أو تأسيساً.

و هو غير معقول، لوجود حكم ظاهريّ لا محالة و لو كان ذلك هو البراءة العقليّة الّتي تدلّ على إمضاء الشارع لها، فتأمّل.

الخامس- و هو الحقّ-: أن يكون مفاده التخصيص و إخراج مورده عن الحكم الواقعيّ الثابت بدليل العامّ.

و هذا لا إشكال فيه إلّا لزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و هو ليس بقبيح مطلقاً، بل هو مقتضٍ للقبح، فيمكن أن تكون المصلحة في ستر الواقع و عدم وصول جميع الأحكام إلى المكلّفين في آنٍ واحد، و تلك المصلحة ربّما تكون أهمّ مراعاةً من مصلحة الواقع أو مساويةً، فلا يكون البيان لازماً على المولى، لأنّ القبح المذكور

299

ليس من باب تفويت المصلحة، و ربما يكون العامّ مشتملًا على حكم إلزاميّ فالمصلحة في الإبقاء على حاله واضحة، و ربما يكون الترخيص حاصلًا مع قطع النظر عن العامّ فلا يلزم الإلقاء في مفسدة فوت الواقع من ناحية العامّ، و في ما يلزم من جانبه فهو متدارك بما هو يكافئه لا محالة.

و منها: ما لو كان التعارض بين الزائد على الدليلين، و في ذلك مباحث:

المبحث الأوّل: ما إذا ورد عامّ و خاصّان متباينان‏

فلا كلام في التخصيص بكلّ واحد منهما، لأنّه على فرض حصول التخصيص بكلّ منهما تكون النسبة بين العامّ و بين الخاصّ الآخر هو العموم المطلق إلّا إذا فرض الاستيعاب، فإنّه بعد التخصيص بأحدهما يحصل التساوي من حيث الصدق الموجب للتعارض من حيث الحكم على وجه التباين. و البحث في مورد الاستيعاب يأتي إن شاء اللَّه بعد ذلك.

المبحث الثاني: إذا كان الخاصّان المخالفان للعامّ بينهما عموم من وجه من حيث الصدق‏

كما في «أكرم العلماء» و «لا تكرم النحويّين منهم» و «لا تكرم الفسّاق منهم» فالمشهور بينهم أنّه يرد المخصّصان على العامّ فيخصّص العامّ. بهما.

لكن في المقام شبهة ربما يصعب بها وجه ما هو المشهور، و هي أنّ نسبة كلّ واحد من الخاصّين مع العامّ مع فرض تخصيصه بالآخر هي العموم من وجه من حيث الحجّيّة و الإرادة الجدّيّة، فيلزم من التخصيص بهما عدم حفظ النسبة فيلزم عدمه، لأنّ التخصيص متفرّع على كون النسبة بين العامّ و المخصّص هي العموم المطلق. و القول بأنّ الملاك في حفظ النسبة هو الظهور مردود جدّاً، من جهة أنّه لا يعقل أن يكون الظهور الخالي عن الاعتبار و عن وجود الإرادة الجدّيّة على طبقه ملاكاً لبناء العقلاء؛ كيف و لو كان كذلك لجاز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة للمخصّص المنفصل؟!

و يمكن دفعها بأحد امور:

منها: أن يقال: إنّه يكفي كون نسبة كلّ منهما للعامّ هو العموم المطلق مع قطع‏

300

النظر عن الآخر، و إلّا لزم عدم التخصيص بأحدهما و طرح دليلين نصّين لظهورٍ قابلٍ لرفع اليد عنه، أو التخصيص بأحدهما المعيّن من دون ترجيح، و هو ترجيح بلا مرجّح، أو التخصيص بأحدهما لا بعينه، و هو خلاف سيرة العقلاء قطعاً.

لكن هذا لا يطّرد في ما كان التخصيص بأحدهما قطعيّاً، لعدم لزوم الترجيح من غير مرجّح.

و منها: أن يقال: إنّه لو خصّص العامّ بأحد الخاصّين و اخذ بالخاصّ الآخر في مورد الاجتماع مع الّذي خصّص العامّ به لكان العنوان الآخر لغواً فلا بدّ أن يحمل على التأكّد؛ ففي المثال المتقدّم لو اخذ ب «لا تكرم النحويّين» و اخذ بالعامّ في الفاسق غير النحويّ الّذي بينه و بين العامّ هو العموم من وجه فعنوان الفاسق يصير لغواً، من حيث كونه مورداً لحكم تأسيسيّ، فإنّ النحويّ محرّم الإكرام و الفاسق منه يتأكّد حكمه لكن عنوان الفاسق يصير كالعدم.

لكنّه أيضاً غير وافٍ بدفع الإشكال مطلقاً، كما إذا كان العنوان في المثال مشيراً إلى بعض عناوين مجهولة اخرى.

و منها: أن يقال: إنّ الملاك عند العرف هو النسبة بين العامّ الظاهر الّذي هو حجّة مع قطع النظر عن ورود المخصّصين اللذين هما في رتبة واحدة بلا ملاك لتقدّم أحدهما على الآخر.

و الدليل على ذلك هو مقايسة العنوانين اللذين بينهما العموم من وجه بعنوان واحد شامل للعنوانين اللذين بينهما العموم من وجه، كما في قوله «أكرم العلماء» و «لا يجب إكرام الأطبّاء» المشتمل على المتخصّصين في العين- مثلًا- و المتخصّصين في الأعصاب، و العنوانان الأخيران بينهما العموم من وجه، فهل يشكّ أحد من العرف في تخصيص العامّ ببعض المخصّص ثمّ ملاحظة النسبة؟ و هل يكون فرقٌ بين كون المخصّص بالنسبة إلى البعض قطعيّاً دون البعض الآخر أو متساوياً؟

301

و لا فرق في العرف قطعاً بين أن يقال: «لا يجب إكرام الأطبّاء» أو يقال: «لا يجب إكرام أطبّاء العين» بدليل و «لا يجب إكرام أطبّاء الأعصاب» بدليل آخر. و هذا دليل على أنّ ملاحظة النسبة إنّما هي مع قطع النظر عن ورود المخصّصين اللذين هما في رتبة واحدة، من غير فرق بين كون أحدهما قطعيّاً و الآخر غير قطعيّ أو كانا متساويين.

و لا فرق بين كون أحدهما متقدّماً في الزمان على الآخر أو كونهما واردين في زمان واحد، كأن يقول: «إنّ أطبّاء العين و أطبّاء الأعصاب لا يجب إكرامهم»؛ و ذلك لأنّ كلّ واحد من الخاصّين في مرحلة البقاء وارد على العامّ في رتبة واحدة، فإنّه لو كان قطعيّةُ أحد المخصّصين غيرَ دخيل في التقدّم و التقدّمُ الزمانيّ في غير القطعيّ أيضاً كذلك (إذ لا ترجيح لأحدهما على الآخر في مرحلة البقاء، إذ لم يفرض خروج المتقدّم و لو مع ورود المخصّص الآخر بعد ذلك) فإذا اجتمع الأمران فلا وجه للترجيح به.

و السرّ في ذلك أنّ النسبة الواحدة إنّما تلاحظ مع قطع النظر عمّا هو مقتضى النسبة، و إلّا يلزم من التخصيص عدمه و من عدمه وجوده، فتأمّل. و يجي‏ء الكلام فيه إن شاء اللَّه بعد ذلك.

نعم، الظاهر أنّ بين المخصّصين إذا كان ترتّبٌ فالنسبة بين المتأخّر و العامّ هي العموم من وجه، كما إذا ورد أنّه «لا يجب إكرام المؤمنين» ثمّ ورد أنّه «يجب إكرام الفقهاء» و ورد أيضاً أنّه «يجب إكرام أرحام الفقهاء من المؤمنين إذا وجب إكرام الفقهاء»، و حينئذٍ تكون النسبة بين المؤمن غير الفقيه و أرحام الفقهاء هي العموم من وجه، لافتراق الأوّل عن الثاني في المؤمن غير الفقيه الّذي لا يكون رحماً للفقيه و افتراقِ الثاني عنه في الأرحام الّتي يكونون من الفقهاء أيضاً و يجتمعان في الرحم الّذي ليس بفقيه، و حينئذٍ ينحصر وجه التقدّم في لغويّة العنوان من حيث التأسيس كما مرّ.

و من ذلك يظهر أنّه لو كان متّصلًا بالكلام على هذا النحو أيضاً بحيث لو لوحظ

302

المخصّص المنفصل مع العامّ المتّصل بالمخصّص لكانت النسبة هي العموم من وجه، لكن لو رفع اليد عن المخصّص المنفصل في مادّة الاجتماع لزم إلقاء العنوان الّذي وقع مورداً للتخصيص إلّا من حيث التأكّد، كما لو قال: «أكرم العلماء إلّا الفسّاق منهم» ثمّ ورد منفصلًا أنّه «لا يجوز إكرام النحويّين» فإنّه لو رفع اليد عن العامّ في مورد النحويّ غير الفاسق و اختصّ بالفاسق النحويّ لزمت لغويّة عنوان النحويّ.

و لو فرض وجود دليل كانت النسبة بينه و بين كلّ واحد من العمومات هي العموم من وجه و لكن كانت النسبة بين المجموع و بينه هي العموم المطلق يقدّم أيضاً على العمومات المذكورة، لتساوي النسبة و عدم الترجيح، كما في «لا ضرر و لا ضرار» (1) و «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (2) بالنسبة إلى عمومات الأحكام الوضعيّة و التكليفيّة، فالتقدّم واضح و لو لم تكن حكومة في البين؛ و أمّا العنوان الثانويّ و الأوّليّ فلا سند له كما تقدّم في أوائل بحث التعادل و التراجيح.

فتحصّل من هذا المبحث امور:

الأوّل: ملاحظة النسبة بين العامّ و الخصوصات المتعدّدة مع قطع النظر عن التخصيص.

الثاني: أنّه لو لم يلزم لغويّة العنوان من حيث التأسيس لما كان الحكم المذكور في المخصّص المتّصل بالعامّ و لا في المخصّص الّذي بينه و بين المخصّص الآخر هو الترتّب من حيث الحكم.

الثالث: أنّه لو لزم لغويّة العنوان إلّا على وجه التأكيد يخصّص العامّ و لو كانت النسبة بينه و بين المخصّص هي العموم من وجه.

الرابع: أنّه يقدّم مثل «لا ضرر» و «لا حرج» على عمومات الأدلّة

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 17 ص 340، الباب 12 من أبواب كتاب إحياء الموات.

(2) سورة الحجّ: 78.